كتاب الإرشاد إلى فلسفة الجراد
صديقي العزيز المجهول إسماعيل بن زيد حفظه الله وأكثر من أمثاله.
تحية طيبة تلقاك حيث كنت، فإني لا أعرف أين تكون، كما إني لا أعرف من تكون.
أما بعد، فقد قرأت كتابك في (الرسالة) منذ أيام، ولست أدري أين ظفر به صديقنا الدكتور عوض، فإني لم أتلقّه قبل نشره، ولو قد وصل إليّ لما أبطأت في الرد عليك برغم كثرة العمل واشتغال النفس بأشياء يراها الناس خطيرة بعيدة الأثر في حياة الأفراد والجماعات، وأراها أنا كما تراها أنت أهون شأناً وأقل خطراً من صيد الضفادع، وتثقيف الجراد واستخراج أشعة الشمس من قشر الخيار. وأكبر الظن أنك رجل رؤوف بالأصدقاء شفيق على الإخلاء، خطر لك أن تستفتيني فيما عرض لك من الأمر فسطّرت كتابك وهممت بإرساله إليّ، ثم عرفت إني مجهود مكدود فرحمتني ورفقت بي وأجلت إرسال كتابك إليّ حتى ينقضي العام وأفرغ لمثل هذه الموضوعات الجليلة القيمة. ولكن كتابك وقع إلى صديقنا عوض على أي نحو من هذه الأنحاء التي تقع بها الكتب إلى الناس أو يقع بها الناس على الكتب، وعوض رجل فيه مهارة العفاريت ولباقة الشياطين اكتسبهما في أكبر الظن من ترجمته لقصة فاوست ومن طول عشرته لشيطان الشاعر الألماني العظيم. فلم يكد يقع الكتاب إليه أو لم يكد هو يقع على الكتاب، حتى أسرع به إلى الرسالة يكيد بنشره لك ولي جميعاً.
يكيد لك لأنه يحسب أن الناس سيضحكون حين يظهرون على هذه الموضوعات الغريبة التي تفكر فيها وتنفق في دراستها وقتك وجهدك، ويكيد لي حين يطلب إليّ باسمك على ملأ من قراء الرسالة أن أبوّب لك الكتب التي تريد أن تذيعها في هذه الموضوعات.
وليس عوض شيطاناً ولا عفريتاً ولا مترجماً لفاوست ولا معاشراً طويل العشرة لمفيستوفيليس انقضى يومه وليله دون أن يجدّ ويكدّ ليغيظ إنساناً من الناس ويعبث بصديق من الأصدقاء، وأحسبه أنه أعياه الظفر بمن يغيظه أو يعبث به لا يتردد في أن يغيظ نفسه أو يعبث بها، وله في الحطيئة قدوة سيئة وأسوة قبيحة. ولا بد من أن يوجد في الأرض من يدعو الناس إلى الشر ويدفعهم إلى البغي كما يوجد في الأرض من يدعو الناس إلى الخير ويهديهم إلى البر والرشاد.
وقد هممت أيها الصديق العزيز المجهول أن أعرض عن هذه الرسالة التي لم أتلقها أو أن أؤخر الرد عليها كما أجلت أنت إرسالها، ولكني – ولا أكذبك – لم أكد أتم قراءتها حتى استرحت إليها ونعمت بها لأنها صادفت هوى في نفسي ولاءمت بعض ما كان يضطرب في رأسي من الخواطر والآراء. فلم أجد بداً من أن أرد عليك في (الرسالة) لأني لا أعرف عنوانك ولأني قرأت كتابك في الرسالة وتلقّيته من طريقها، ولأني لا آمن هذا العفريت الذي نسميه عوضاً ونكل إليه تعليم الجغرافيا في كليتين من كليات الجامعة أن ينالها بقليل أو كثير من التبديل والتغيير، وأنت تعلم أنه من العسير جداً أن أجيبك في فصل واحد إلى تبويب هذه الكتب الأربعة التي ألفتها غير مبوبة، فذلك يحتاج إلى وقت وفراغ لا أملكهما في هذه الأيام أيضاً؛ وذلك يحتاج بعد هذا إلى مكان من الرسالة قد لا تستطيع أن تخصصه لنا دون أن تظلم واحداً أو اثنين من كتابها الأدباء. ولست أذكر الرفق بالقارئ ولا الترفيه عليه، فالقارئ آخر من أفكر فيه؛ وليس يعنيني أن يغضب أو يرضى، وليس يهمني أن يقرأ أو يعرض عن القراءة، فإني لا أكتب له وإنما أكتب لك. وأنا لا أكتب له لأن هذا الموضوع أعمق وأدق من أن يكتب للقراء؛ إنما يكتب للقراء في فلسفة أفلاطون وأرسطوطاليس ونيتشة وأمثالهم من أصحاب العقول الجبارة؛ فأما فلسفة الجراد فإنها ألطف وأخفى وأرق من أن تبلغها عقول المثقفين أو تنفذ إليها بصائر المستنيرين؛ لهذا أفكر فيك أنت ولا أفكر في القراء؛ ولو فكرت فيهم لما كتبت شيئاً، لأني لا أحب أن ألقاهم بما يكرهون. لا سبيل إذن إلى أن أتحدث إليك في هذه الموضوعات الأربعة التي ألفت فيها كتباً غير مبوبة، وإنما أتحدث إليك في موضوع واحد منها أختاره ليكون نموذجاً لغيره من الموضوعات التي ألفت فيها والتي يمكن أن تؤلف فيها؛ فإن أبيت إلا أن أبوّب لك هذه الكتب الأربعة فقد نستطيع أن نصنع ذلك في مجالس خاصة نلتقي فيها بين حين وحين لهذا العمل الجليل، نلتقي فيها لنتحدث على مهل وفي حرية دون أن يشاركنا في الحديث هؤلاء القراء الذين لا نأمن منهم أن يذهبوا فينا المذاهب وأن يطلقوا فينا الألسنة وأن يظنوا بنا الظنون.
وقد اخترت تعليم الجراد أصول الفلسفة موضوعاً لهذا الحديث. وأول ما ألاحظه أيها الصديق العزيز المجهول أنك أهملت عنوان الكتاب الذي ألفته إهمالاً شديداً، وأكبر الظن أن إهمالك للفنون هو الذي حال بينك وبين تبويب الكتاب على ما تحب.
ولست أدري أصحيح ما قال القدماء من أن الكتاب يعرف بعنوانه، ولكني أعتقد أن عنوان الكتاب يبوّبه وينظمه، ويلائم بين أجزائه ويشيع فيه هذه الموسيقى التي تحببه إلى النفوس وتغري به عقول القراء. وأول ما يجب العناية بالعنوان فيما أرى أن نذهب به مذهب القدماء الصالحين، فلا نرسله إرسالاً ولكن نقيده بالسجع، لأن إرسال الأشياء في غير قيد يمكنها من أن تهيم على وجهها وتنطلق في غير وجه، وتكون كالجراد هذا الذي لا يستقر على سنبلة أو كوز إلا ريثما ينتقل إلى سنبلة أو كوز. فإذا أردت يا صديقي أن تضع كتاباً فلا تفكر في موضوعه ولا في أجزائه ولا في أبوابه وفصوله ولا في غاياته وأغراضه، فهذا كله يأتي وحده دون أن تدعوه أو تلج في دعائه بالعناية أو التفكير، إنما الشيء الذي يجب أن تقف عليه جهدك، وتنفق فيه وقتك، وتستنفد فيه قوتك، هو العنوان، والعنوان المقيد المسجوع. ويشهد بذلك تراثنا الأدبي العظيم الذي إن أحصيته وجدت أكثره قد قيد بهذه العناوين المسجوعة؛ ويشهد بذلك صديقنا الزيات فقد كانت لنا معه جولات قيمة خصبة أيام الشباب في هذا الفن الذي لا يحسنه إلا أقلون؛ ويشهد بذلك صديقنا محمود حسن الزناتي الذي كان أستاذنا في هذا الفن العجيب. لذلك لم أكد أختار هذا الموضوع للحديث حتى فكرت قبل كل شيء في عنوان الكتاب الذي ألفته ولم تنبئني منه إلا بطرف يسير قصير. وقد سميت هذا الكتاب كتاب الإرشاد إلى فلسفة الجراد وأخص ما يتميز به العنوان البارع أن يراه القارئ فيظنه واضحاً جلياً، فإذا رآه الأخصائي تبيّن فيه ألواناً من الغموض وفنوناً من الغرابة تحتاج إلى الشرح والتفسير، وإلى الحاشية والتقرير. ولا شك في أن المثقفين من قراء الرسالة سيرون هذا العنوان سهلاً سائغاً وقريباً دانياً. ولكن أصحاب البيان والراسخين في علم التأويل سيلاحظون أن كلمة الفلسفة هنا قد استعملت في غير معناها الحقيقي المعروف؛ فليس للجراد فلسفة؛ والدليل على ذلك أنك تريد أن تعلمه الفلسفة، وإذن فقد يقال إن في هذه الكلمة مجازاً مرسلاً لأن المؤلف أراد فلسفة الجراد باعتبار ما سيكون، لأن الجراد إذا قرأ كتابك إن شاء الله تهذّب وتأدّب وصارت له فلسفة. ولكن ليس هذا هو الذي أراده المؤلف، فقد يكون أراد شيئاً آخر، وهو أن للجراد الآن فلسفة جرادية يراد أن يُعدل عنها إلى الفلسفة الإنسانية. وقد يكون المؤلف أراد بالفلسفة المصدر أي جعل الجراد فيلسوفاً، يقال: فلسفت الشيء جعلته فلسفياً، وفلسفت الإنسان جعلته من أصحاب الفلسفة، وفلسفت الجراد جعلته مفلسفاً. ولا تبحث عن هذه الكلمة في المعاجم العربية القديمة، فقد لا تظفر في هذه المعاجم بشيء، ولكن ابحث عن هذه الكلمة عند الفلاسفة في كلية الآداب فهم الذين يلائمون بين القديم والجديد، وهم الذين يرجع إليهم في مثل هذه المشكلات.
أرأيت أن كلمة واحدة من هذا العنوان قد أثارت كل هذه الأبحاث التي أومأت إليها إيماءً، فكيف بكلماته الأخرى إذا لوحظت مفردة وإذا لوحظت مجموعة. والشيء الذي ليس فيه شك هو أن هذا العنوان سيضمن لك شيئين: الأول أنه إعلان سيعجب القراء ويروقهم، بل سيبهرهم ويروعهم، وسيدعوهم إلى شراء الكتاب والترويج له عند الأصحاب والأصدقاء. ولعله يروق في وزارة المعارف وأنت أعلم بما وراء ذلك من المنافع التي لا تحصى. والشيء الثاني أن هذا العنوان سيرسم لك برنامج الكتاب ويمكنك من تبويبه في غير مشقة ولا عسر. ولا تكلف نفسك ترويةً ولا تفكيراً، ولكن خذ كلمات هذا العنوان واجعل منها عناوين لأبحاثك فسترى أن كتابك قد بوّب بإذن الله. فليكن موضع الباب الأول إذن هو البحث عن كلمة الكتاب مما اشتقت، ومن أين أخذت، وما معانيها المختلفة التي دلت عليها في العصور المختلفة والبيئات المتباينة. ولا تخف أن يقال لك إن هذا استطراد وإطالة وتزيد في القول، فلولا الاستطراد والإطالة والتزيد في القول لذهب أكثر العلم أو أكثر الأدب على الأقل. ولك في الجاحظ أسوة حسنة فهو قد أطال في ذكر الكتاب حين أراد أن يؤلف في الحيوان.
وقد ألف أرسطوطاليس من قبله في هذا الموضوع فآثر الإيجاز واجتنب الاستطراد وكانت النتيجة أن الناس جميعاً يقرؤون كتاب الجاحظ وليس منهم من ينظر في كتاب أرسطوطاليس، لأن كتاب أرسطوطاليس علم وقد تغير علم الحيوان، وكتاب الجاحظ أدب وقلما يتغير الأدب، ولا سيما حين يتميز بالإطالة والاطراد. ونحن في كلية الآداب لا نبدأ دروس الأدب حتى نعلم الشبان علماً كثيراً عن لفظ الأدب ومعانيه، فسر سيرتنا ولا بأس عليك. وإذا فرغت من هذه الأبحاث القيمة التي لا تتصل ولا يجب أن تتصل بالموضوع، فخذ بعد ذلك في بحث يكون صلة بينها وبين الموضوع وهو إضافة الكتاب إلى الإرشاد والصلة بينه وبين الجراد. وكيف تختلف الكتب باختلاف أصناف الناس، وكيف تختلف الكتب باختلاف أنواع الحيوان، لا من جهة موضوعها وأسلوبها فحسب، بل من جهة أحجامها وقطعها أيضاً ومن جهة مادتها التي تطبع وتذاع فيها، ومن جهة الخط والحروف التي تستخدم في هذا الطبع؛ فأنواع الطبعة تختلف باختلاف القراء في القدرة والذوق، وكذلك الأحجام، وكذلك مادة الورق والغلاف؛ ويجب أن يطرد هذا بالقياس إلى الحيوان وبالقياس إلى الجراد خاصة، وواضح جداً أن هذا سيذهب بك في ألوان من البحث الطريف الذي لم تسبق إليه؛ فإذا فسرت آراءك ببعض الصور فثق بأنك ستحدث في عالم التأليف حدثاً عظيماً، وثق بأنك ستفتح للجنة الترجمة والتأليف والنشر أبواباً لن تتردد في ولوجها ولكنها لن تعرف كيف تخرج منها.
ثم دع هذا الباب إلى الباب الثاني واجعل عنوانه الإرشاد واسلك في هذا الباب مسلكك في الباب الأول، فاخضع لفظ الإرشاد ومعانيه لكل هذه التجارب التي أخضعت لها لفظ الكتاب ومعانيه، ثم ابحث عن إرشاد الجراد كيف يكون، فاعقد فصلاً تصوّر فيه مذهب الذين يرون أن الجراد يفهم بالعقل وبيّن كيف يكون إرشاده على هذا النحو، واعقد فصلاً آخر تصوّر فيه رأي المحدثين الذين يرون أن الجراد يفهم بالفم والبطن وبيّن فيه كيف يكون إرشاد الجراد من طريق الأفواه والبطون. والناس كما تعلم يختلفون في هذا الموضوع، ومنهم من يرى أن تكتب أصول الفلسفة على أوراق الأشجار والنجوم والزرع التي يحبها الجراد ويميل إلى أكلها ويقولون أن الجراد إذا أكل هذه الأوراق المفلسفة فهم العلم ووعى الحكمة وأصبح فيلسوفاً بإذن الله.
ثم اجعل الكلمة الثالثة عنواناً للباب الثالث وهي "إلى". ولا بد من أن تبحث عن السبب في أن الإرشاد يتعدى بـ "إلى" ولا يتعدى بغيرها من حروف الجر؛ ولم لا يقال كتاب الإرشاد لفلسفة أو بفلسفة أو في فلسفة أو من فلسفة أو عن فلسفة أو على فلسفة الجراد. وواضح أن كل حرف من هذه الحروف سيحتاج إلى فصل مطول جداً وستجد في كتاب المغني لابن هشام ما يعينك على تحرير هذه الفصول. ولا تخف من هذه الإطالة فإنها هي التي ستنفعك وتروّج كتابك عند أصدقائنا الأزهريين. ثم إذا أردت أن يروج كتابك عند الجامعيين وفي كلية الأدب خاصة فأحسن عنايتك بالباب الرابع وهو باب الفلسفة وهو اللب الأول للكتاب، لأن الأبواب التي سبقت كانت قشوراً ولكنها كانت قشوراً لا بد منها، فكل لب محتاج إلى قشر وإلا لما كان لباً. فابحث الآن عن الفلسفة وعن أصل لفظها واحذر أن تقول إنه يوناني فقد يكون هذا مطابقاً للحق، ولكن الحق في هذه الأيام لا يغني عن البدع شيئاً. والبدع في هذه الأيام أن تخرج الأشياء عن أصولها وتوضع في غير مواضعها وتُرد إلى غير مصادرها. والظاهر أن كلمة الفلسفة ترجع إلى أصل سامي عربي، وما أشك في أنك ستجد في شعر قضاعة بيتاً يثبت لك وللناس جميعاً أن العرب قد عرفوا الفلسفة واستعملوا لفظها قبل أن يولد سقراط. ولا بد أن تعرض معاني الفلسفة ومذاهب الفلاسفة في العصور المختلفة وتفحص عن أيها أدنى إلى الجراد، إلى عقله إن كنت من أنصار العقل، وإلى بطنه إن كنت من أنصار البطون. فإذا فرغت من هذا البحث الهائل المخيف وصلت إلى الباب الأخير الذي هو نتيجة النتائج وجوهر الجواهر وأصل الأصول وفصل الفصول وخلاصة الكتاب ولب الألباب وهو باب الجراد الذي وجه إليه الإرشاد.
وهذا الباب معقد بطبعه فلا بد من أن تبحث عن لفظ الجراد من أين جاء وإلى أين انتهى، ولا بد من أن تبحث عن منزلة الجراد بين أنواع الحيوان، ولا بد من أن تبحث عن محاسنه وعيوبه، ثم لا بد من أن تبحث عن عقله وما يكونه من الملكات وعن بطنه وما يتميز به من الخصال في الاستيعاب والهضم وتصريف العلم والفلسفة إلى أجزاء الجسم وأطرافه والوصول آخر الأمر إلى أن يسير الجراد سيرة فلسفية صالحة. فإذا وصلت إلى هذا الموضع من كتابك وخيل إليك أنك قد انتهيت به إلى غايته وأفدت العلم فائدة محققة تمكنك من نيل الدكتوراه من كلية الآداب فعد إلى منهج ديكارت وألغ هذا الذي كتبته كله إلغاءً، وافترض أنك لم تكتب شيئاً ولم تعلم شيئاً واستأنف التحدث من جديد فسترى أنك قد أضعت وقتك في غير نفع، وأنفقت جهدك في غير طائل، واستهلكت راحتك وورقك وحبرك وأقلامك في غير غناء، لأن الجراد ليس في حاجة إلى أن يتعلم الفلسفة الإنسانية الآن، فقد تعلمها منذ عهد بعيد؛ فهو إن كان ناهباً سالباً ومغيراً محارباً فقد أخذ ذلك عن الإنسان. وهل زاد الإنسان على أنه حيوان قوام حياته السلب والنهب والحرب؟ وهو إن كان خفيفاً سريعاً متنقلاً لا يستقر على حال من القلق فقد أخذ ذلك عن الإنسان. وما أظن أنك تستطيع أن تلقى جرادة تجهل قول الشاعر القديم:
تنقل فلذات الهوى في التنقل
وهو إن كان مفتناً في الخفة والتنقل فقد أخذ هذا الافتنان عن الإنسان، لأنه يراقب الحضارة وتطورها، ويراقب المبادئ وتلونها، ويراقب اضطراب الناس في آرائهم وأهوائهم ومذاهبهم ومبادئهم، ويراقب الضمائر التي تباع، والعقول التي تستهان، والحريات التي تزدرى، والأصول التي تتخذ تجارة ووسيلة إلى الربح وتحقيق المنافع الدنيئة. وقد هم الجراد أن يقلد الإنسان في هذا فأدركته بقية من عقله أو من بطنه الذي تستقر فيه الفلسفة وامتنعت به عن أن ينحط إلى هذه القرارة الحقيرة الموبوءة التي انحط إليها الإنسان الحديث، فظل حيث هو يغير كريماً ليأكل من ثمرات الأرض ما يستطيع أن يصل إليه، ويعود كريماً إن استطاع العودة أو يموت كريماً بما يسلط عليه الإنسان من ألوان البأس وضروب الفناء. وأنت حين تصل إلى هذه النتيجة بين اثنتين: فإن كنت من أنصار الفساد وعشاق الانحطاط الذين يرون أن الإنسان قد وصل في هذا العصر إلى أرقى أطوار الحضارة فاستأنف العمل لتبحث عن طريق تهدي بها الجراد إلى تقليد الإنسان في الانحدار إلى هذه القرارة، وإن كنت من المحافظين الذين يكرهون التطور الحديث ويمقتون نتائجه فادع الإنسان إلى أن يتعلم فلسفة الجراد وضع في هذا كتاباً اسمه: (التبيان عن تجرد الإنسان) والتجرد هنا مشتق بالطبع من الجراد. وتقبل أيها الصديق العزيز المجهول أخلص تحياتي.
طه حسين
الرسالة ١٧ – ٥ – ١٩٣٧
Tag: Writing
-
كتاب الإرشاد إلى فلسفة الجراد
-
مصر في الصباح
مصر في الصباح
ولابد من الكتابة عن (مصر في الصباح) بعد أن كتب صديقي الزيات عن الحالة الحاضرة، فهما عنوانان طالما ترددا في أفواه ثلاثة من الشبان، ظلوا أعواما طوالا يلتقون كل يوم إذا كان الضحى، ثم لا يفترقون حتى يتقدم الليل. وكانوا إذا التقوا أخذوا في فنون من الحديث والقراءة وتناشد الشعر، والاختلاف إلى الدرس، وإطالة المقام في دار الكتب. ودفعوا إلى ألوان من الهزل، وضروب من العبث، حتى كانوا مضرب المثل عند الذين يعرفونهم والذين لا يعرفونهم من الأزهريين.
وكان هؤلاء الشبان الثلاثة قد اتفقوا على الضيق بالدرس الأزهري القديم، والابتهاج بما لم يكن مألوفا في بيئات الأزهر من درس الأدب والعناية به، وقراءة الصحف والإغراق فيها، ومن التطلع إلى ما كان يقوله ويأتيه المثقفون الممتازون، أولئك الذين كانوا يدبجون الفصول في الصحف، يمسون بها السياسة والأخلاق وشؤون الاجتماع. وأولئك الذين كانوا يخطبون في المحافل والمجامع ويتحدثون في الأندية، وتنشر الصحف خطبهم ومحاضراتهم، ويتناقل الناس أحاديثهم ومحاورهم، وتذكر أسمائهم فتمتلئ بها الأفواه، وتبتسم لها الشفاه، وتشرق لها الوجوه، ويشتد بها الإعجاب، ويتخذ الشبان أصحابها مثلا عليا لما شئت مما يطمع فيه الشباب من بعد الذكر وارتفاع الشأن، والظفر بما يظفر به عظماء الرجال من الإكبار والإجلال. وكان هؤلاء الشبان الثلاثة إذا التقوا وفرغوا من قراءة في كتاب، أو استماع لدرس، أو إنشاد الشعر، أو نظروا أمامهم إلى هؤلاء العظماء المثقفين، فأجلوا وأكبروا، ونظروا من حولهم إلى شيوخهم الأزهريين فتفكهوا وتندروا، وأطلقوا ألسنتهم بالفكاهة والنادرة، ولعل من الناس من كان يجلس إليهم ويسمع منهم، ثم ينتقل فيذيع ما سمع، ويملأ به هذه الحلقات التي كانت تنحلق من حول الصحن وعند القبلة القديمة أو القبلة الجديدة، وكانت أصداء ذلك ترد عليهم فيفرحون، وكان إنكار ذلك يبلغهم فلا يرتاعون، حتى أقبل ذلك اليوم الذي دار فيه الملاحظون في الأزهر، يجمعونهم من دروس الظهر جمعا، ويدفعونهم إلى مجلس الشيخ الأكبر دفعا، ثم يسألون، فمنهم من يجهر ومنهم من يجمجم، ثم ينهرون، فمنهم من يبسم ومنهم من يعبس، ثم يعلن الشيخ إليهم أنهم مطرودون، وأن درسهم الذي كانوا يحبونه موقوف ممنوع، وأن شيخهم الذي كانوا يكبرونه مكلف أن يدرس المغني لابن هشام بدل الكامل للمبرد، منفي من الرواق العباسي، مقرون إلى أسطوانة من هذه الأساطين داخل المسجد يختارها له (رضوان).
هنالك ضاق الشبان الثلاثة بعض الضيق، وفرقوا بعض التفريق، ثم لم يلبثوا أن استأنفوا الحياة ومضوا فيها باسمين، يطمحون إلى ما كانوا يطمحون إليه، يسخرون مما كانوا يسخرون منه، حتى ضرب الدهر بينهم بضرباته، كما قال حافظ رحمه الله في ترجمة البؤساء، وقد كانوا يعجبون بهذه الجملة إعجاباً شديداً، ويرددونها ترديدا متصلا. وهنالك مضى كل منهم في سبيله، وأخذوا لا يلتقون إلا من حين إلى حين، فإذا التقوا كانت ساعات اللقاء أضيق من أن تسع ما كان يضطرب في نفوسهم من الخواطر والآراء والأحاديث.
وكانوا في حياتهم تلك، كما كانت الشعوب الأولى في حياتها، أصحاب حس وشعور، وأصحاب قلوب تتأثر، ونفوس تتغنى، وكانت عقولهم غافلة أو كالغافلة، فكانوا ينشئون الشعر وينشدونه، وقلما يفكرون في النثر، فإن فكروا فيه قلما يحاولونه، فإن حاولوه فقلما يجيدون. وكانوا لا يخطر لهم موضوع إلا تناولوه مسرعين، فنظموا فيه الشعر وتنافسوا في الإجادة، ولم يتحرجوا من أن ينقد بعضهم بعضا. وكانوا يبلغون من ذلك ما يريدون، يجيدون قليلا، ويسيئون كثيرا، ويرضون دائما. وكانوا يحسون أنهم ضعاف في النثر، وأنهم في حاجة إلى أن يأخذوا منه بحظ، وكان الزيات يحاول أن يقوم من صاحبيه مقام الأستاذ، لأنه كان أحب منهما للصحف، وأكثر منهما عكوفا عليها وإغراقا في قراءتها، ويجب أن نعترف بالحق، فقد كان أوسع منهما صدرا للتجديد، يحب الكتاب المحدثين وما كانوا يحدثون من الآداب، على حين كان صاحباه يكلفان من الأدب بقديمه، بل بأقدمه. كان الزيات يكلف بالمتنبي بين الشعراء القدماء، وكان صاحباه يسخران منه ومن المتنبي، ويكرهان أن يسمعا له حين ينشد شعره البديع. كان الزيات يقرأ المثل السائر، وكان صاحباه لا يعترفان بمن بعد الجاحظ من الكتاب. كان الزيات يؤثر شوقي، وكان صاحباه يؤثران حافظا، ويتعصبان للبارودي، ويسرفان في تقديم الكاظمي عليهم جميعا. كان الزيات إذن يقيم نفسه من صاحبيه مقام الأستاذ في النثر، وكانا لا يتحرجان من أن يُقِرَّا له بهذه الأستاذية، فإذا أراد أن يزعمها لنفسه في الشعر كان الجدال والنضال، وكان تذاكر الغرزمة وآثار الغرزمة، وكان انتحال الشعر الرديء وحمله عليه وإضافته إليه، وكان انتحاله هو للشعر الرديء وحمله على صاحبيه وإضافته إليهما، وكان إنشاد لمثل هذين البيتين:
بموسم عاشوراء قد عمت البشرى … وضاءت لنا الأكوان مذ علت الذكرى
ونادى المنادي أيها الناس يمموا … ضريح الحسين الشهم تنجوا من الأخرى
ولست أدري أي الثلاثة قال هذا الشعر الرائع، أو لعله شائع بينهم جميعاً. ولعل ثالثهم محموداً أن يكون قد حفظ هذا الشعر فيما حفظ من آثار هذا العصر، فقد كان إليه تخليد هذه الآثار التي لم تكن تستحق أقل من الخلود.
وفي ذات يوم أقبل الزيات يقترح على صاحبيه التفكير فيما ينبغي لهم في العناية من النثر، ويبين لهما ولنفسه أسباب هذه العناية ومذاهبها، ويرى أن ليس إلى ذلك من سبيل إلا أن يفعل الثلاثة كما يفعل الطلاب في المدارس، حين يعالجون الإنشاء، ويعرض عليهما وعلى نفسه هذين الموضوعين: (الحالة الحاضرة)، و (مصر في الصباح). وكان يقول ذلك جاداً كل الجد، مؤمنا كل الإيمان، وكان صاحباه يسمعان له في موقف بين الجد والهزل، يريدان أن يكتبا ويعلمان أنهما لن يستطيعا. فيقدمان ثم يضطران إلى الإحجام، ويستران ضعفهما بالهزل والعبث، ثم يفزعان إلى الشعر فينظمان منه ما شاء الله لهما أن ينظما بين الجيد والسخيف. وكانت الأيام تمضي وتمضي، والأصدقاء يلتقون ويتحدثون في النثر، والزيات يقترح الكتابة في الحالة الحاضرة ومصر في الصباح. وصاحباه يسألانه عن مصر في الصباح كيف هي؟ وماذا يقول فيها؟ فلا يحير جواباً، فيتمثل ثالثنا بهذا البيت الذي كان يغيض الزيات ويحفظه:
شيخ لنا من ربيعة الفرس … ينتف عثنونه من الهوس
وقد فتح الله على الزيات بعد خمسة وعشرين عاما فكتب في الحالة الحاضرة. ولم يفتح الله عليه ولا على صاحبيه بعد خمسة وعشرين عاماً ليكتبوا عن مصر في الصباح. ولكنه قد كتب على كل حال، فما زال إذن قائمًا من صاحبيه مقام الأستاذ، ولن يستطيع صاحباه منذ يوم الاثنين الماضي أن يصدماه بهذا البيت:
شيخ لنا من ربيعة الفرس … ينتف عثنونه من الهوس
وإني لأخشى أن يستطيل هو على صاحبيه، وقد عجزا ربع قرن عن أن يكتبا في الحالة الحاضرة، أو يصورا مصر في الصباح، فيصدمهما بهذا البيت بعد أن كان يخافه ويضيق به، ويكره استماعه منهما.
ولست أدري أأشفق ثالثنا من هذا النذير فاستعد لهذه الساعة الخطرة التي يلتقي فيها الأصحاب لتصفية الحساب، أم شغل بكتبه وأسفاره عن كل هذا الحديث. أما أنا فأعترف بأني فكرت بهذه الساعة، وقدرت أنها ستكون عصيبة محرجة، وأشفقت من هذا الحرج، وحاولت أن أحتاط له، واستعد لهجمة الزيات، وأربأ بنفسي عن أن أسمع منه هذا البيت الذي كنا نخوفه به، فأصبح خليقاً أن يخوفنا به:
شيخ لنا من ربيعة الفرس … ينتف عثنونه من الهوس
فحاولت منذ أسبوع أن أطرق هذا الموضوع، وأن أكتب عن مصر في الصباح، فإذا بلغت من ذلك ما أريد أمنت الزيات وحالفته على صديقنا الثالث، كما كنت أحالف صديقنا الثالث عليه، ثم ذهبنا إلى صاحبنا نسعى إليه مبتسمين، حتى إذا بلغنا مجلسه لم نبدأه بتحية ولا مصافحة ولا حديث، وإنما وضعنا الرسالة بين يديه وفيها الحالة الحاضرة
للزيات، وفيها مصر في الصباح لطه حسين. ثم أبدرناه معاً بهذا البيت:
شيخ لنا من ربيعة الفرس … ينتف عثنونه من الهوس
ثم انصرفنا عنه راجعين وتركناه يغلي كالمرجل. ولكن الله الذي فتح على الزيات فألهمه وصف الحالة الحاضرة لم يفتح علي ولم يلهمني وصف مصر في الصباح. ذلك أن الزيات راغ وزاغ وعدل عما كان يراد منه من وصف تلك الحالة الحاضرة قبل نيف وعشرين سنة إلى وصف هذه الحالة الحاضرة التي نبغضها أشد البغض ونضيق بها أعظم الضيق. وأي الكتاب لا يقدر على أن يصف الحالة الحاضرة الآن؟ وأي الكتاب لا يقدر على أن يجيد في هذا الوصف ويأتي فيه بالأعاجيب؟ ومن يدري؟ لعلي أحسن إذا ذهبت إلى صديقنا الثالث فالتقيت في روعة أن الزيات قد ذكر اسمه القديم فراغ وزاغ، ووصف ما لم يكن يراد على وصفه.
وإذن فهو ما زال عاجزا كصاحبيه، وإذن فما زلنا ننتظر من يصف الحالة الحاضرة ويصور مصر في الصباح.
أما أنا فلم أشك في أن مصر في الصباح موضوع خطير لابد من الكتابة فيه، ولكن أي مصر، أهي مصري أنا أم مصر الزيات أم مصر صديقنا محمود؟ فقد كانت لنا أمصار ثلاث مختلفة فيما بينها اختلاف غير قليل. كانت مصري أنا تبتدئ في ربع من ربوع حوش عطى، وتنتهي إلى الأزهر الشريف مارة بمشهد الحسين والحلوجي بعد أن يقطع السالك إلى هذا المشهد الكريم إحدى طريقين: حارة الوطاويط، أو شارع خان جعفر.
وأما مصر محمود فكانت تبتدئ في الظاهر في حارة ضيقة قريبة من بيت الشيخ الأنبابي رحمه الله، وتنتهي إلى الأزهر الشريف مارة بما شئت من الطرق التي تستقيم إن أردت لها أن تستقيم، وتلتوي إن أحببت لها الالتواء.
وأما مصر الزيات فكانت تبتدئ في حارة ضيقة على قلعة الكبش، ثم تنحدر إلى شارع لا أذكر اسمه، ولكنه ينتهي إلى مسجد السيدة زينب. ثم تصل بعد ذلك إلى الأزهر من طرق تستطيع أن تستقيم وتستطيع أن تلتوي، تستطيع أن تقصر وتستطيع أن تطول. فأي هذه الأمصار الثلاث أصف؟ وعن أي الأمصار الثلاث أتحدث؟ فأما مصري أنا فقد كانت حلوة لذيذة في الصباح، ولكنها لم تكن تعجب الزيات، ولم تكن تلذ لمحمود. كان يوقظني فيها مع الفجر صوتان: أحدهما صوت المؤذن الذي كان يدعو إلى الصلاة في جامع بيبرس، والآخر صوت جارنا الشيخ الذي كان شافعيا موسوسا، ينفق نصف ساعة في إقامة الصلاة: ال… ال… الله الله… ال… الله أكبر، ثم يبدو له فيخرج من الصلاة أو يستأنف الدخول فيها: أل… أل… الله… الله… أل… الله أكبر ثم يمضي في صلاته حتى يتم الفاتحة أو يكاد وإذا هو يخرج ويستأنف الدخول فيها. وما يزال يقبل ويدبر، ثم يبدأ ويعيد، ثم يقيم الصلاة ويستأنف إقامتها حتى إذا أشفق من فوات الوقت عزم أمره، وهجم على صلاته فاقتحمها اقتحاما ثم مضى إلى درسه في الأزهر الشريف.
أستغفر الله فقد نسيت صوتا ثالثا كان يوقظني في السحر لا في الفجر صوت ذلك الشيخ الظريف الذي لم يكن عالما ولا شيء يشبه العالم، وإنما كان تاجرا أعرض عن التجارة، وانقطع للفكاهة والضحك في النهار، وللصلاة والنسك في الليل. فإذا أقبل السحر خرج من غرفته يهمهم ويجمجم ويضرب الأرض بعكاز غليظ، ويبعث في الجو صوتا هائلا رائعا يحمل جملاً متقطعة من الورد الذي كان يبدأه في غرفته ليتمه، ثم يستأنفه في مسجد الحسين، حتى إذا صلى الصبح عاد هادئا مطمئنا قد خف وقع عكازه على الأرض، وخف ارتفاع صوته في الجو، لأن الذين كانوا نياما في السحر قد أصبحوا إيقاظًا حين ارتفعت الشمس.
أستغفر الله، وقد نسيت أصواتاً أخرى، كانت تنبعث بعد أن ينقطع صوت المؤذن: فهذا سائق عربة قد أقبل يحل خيله أو يحل حماره الذي عقله تحت النافذة. وهذه (حمدة) التي كانت تبيع ألوان الفاكهة على اختلافها باختلاف الفصول، تفرضها علينا نحن المجاورين فرضا. فإما اشترينا وإما تعرضنا لغضبها، وويل لمن كان يتعرض لغضب (حمدة) فقد كان عنيفا مخيفا يضطرب له الربع ويزلزل له حوش عطى زلزالا!!
على هذه الأصوات كنت أستقبل مصر، وكانت تستقبلني مصر في الصباح، فإذا هبطت من الربع ومضيت إلى مدخل حوش عطى، فهذا صاحب القهوة قد أفاق، وهو يحك عينه من بقية النعاس، ويهيئ (الجوزة) للحاج فيروز، فإذا مضيت قليلا فهذه الحوانيت تستيقظ شيئا فشيئا، وهؤلاء باعة الفول والبليلة والطعمية قد ازدحم من حولهم الناس، حتى إذا تقدمت بعض الشيء عطفت ذات الشمال إن كنت مستعجلا، فمضيت من حارة الوطاويط، حيث أقذر مكان خلقه الله، وحيث أعظم الناس حظا من البؤس رجالا ونساءً، قد جلسوا في أقبح شكل وأبشعه يسألون الناس. وإن كنت مستأنيًا عطفت ذات اليمين، فمضيت من خان جعفر، وانتهيت على كل حال إلى شارع الحسين، ثم المفارق الأربعة ثم انغمست في شارع الحلوجي، ثم دفعت إلى باب المزينين. هذه مصري التي كان الزيات يريدني على أن أصورها له في الصباح وأقسم لو فعلت لنفر مني وهزأ بي وازور عني ازورارا. ولكني واثق الآن بأني حين أتحدث إليه عنها أثير في نفسه عواطف يحبها وأحلاماً يرضاها وأبلغ من استحسانه ما أقصر عنه من غير شك لو أني صورت له مصر في الصباح هذه التي تبتدئ من داري في الزمالك، وتنتهي عند الكوكب في عابدين.
إن الزيات ليحسن أعظم الإحسان لو أنه وصف لنا مصره في الصباح، تلك التي كانت تبتدئ من قلعة الكبش، وتنتهي إلى الأزهر، وإنما محمودا ليحسن أعظم الإحسان لو أنه وصف لنا مصره في الصباح، تلك التي كانت تبتدئ في ظاهر القاهرة المعزية، كما كان يقول، وتنتهي إلى الأزهر، فأما مصرهما الأخرى هذه التي تبتدئ في شبرا وتنتهي عند الرسالة، أو عند قبة الغوري، فلسنا في حاجة إليها الآن، وقد يحتاج إليها أبنائنا بعد ربع قرن، كما نحتاج نحن إلى أمصارنا تلك العزيزة في أيامنا هذه.
طه حسين
الرسالة ١٦ – ٤ – ١٩٣٤ -
قصة فيلسوف عاشق
قصة فيلسوف عاشق
في الأدب الغربي
للدكتور طه حسين
واتصلت زيارة أوغست كونت لأسرة كلوتيلد، واشتدت الصلة بينه وبينها متانة وقوة. وأخذت تزول من هذه الصلة بقايا هذه التكاليف الاجتماعية التي تواضع الناس عليها في حياتهم المألوفة، والتي لا يزيلها ولا يمحوها إلا المودة الخالصة إذا بلغت أقصاها، أو الحب الصحيح إذا انتهى إلى غايته. وألحت الأسرة في التعريض بهذه الزيارات المتصلة، وبهذه الصلات التي كانت تتخلص شيئًا فشيئًا من التكلف والاحتشام. ونزعت الفتاة نفسها وقتًا طويلًا في أن تتحدث إلى الفيلسوف بهذه الريبة التي أخذت تثور حولهما في نفوس الأسرة؛ ولكنها انتهت إلى أن أنبأته بما عندها من ذلك فاستمع لها، ولم يحتج إلى تفكير وتقدير ليمتلئ قلبه سرورًا وغبطة، وليأخذه شيء من الكبرياء غريب في ظاهر الأمر، ولكنه مألوف عند العشاق والمحبين. وما له لا يسر ولا يغتبط والحجب ترفع كل يوم بينه وبين من يهوى. وما له لا يأخذه الكبر ولا يملأه التيه وهو يثير الريبة في نفوس الأسرة، ويضطرهم إلى أن يشعروا بحبه للفتاة وبأن الفتاة لا تزدريه ولا تفرط في ذاته، ولا تنظر إليه في غير عناية ولا اكتراث. لعلها لا تحبه كما يحبها ولكن في قلبها عاطفة ما، تعطفها عليه وتدفعها إليه. ومن يدري؟ لعل هذه العاطفة أن تنمو وتقوى وتخضع لما يخضع له الإنسان بملكاته وعواطفه من التطور، فتستحيل من المودة الخالصة إلى الحب العنيف. وإذا فما له لا يستأنف سعيه وإلحاحه؟ وما له لا يدور حول قلب الفتاة لعله يجد سبيلًا لبلوغه والوصول إليه. وقد فعل. فهذا الحنان الذي كان قد كظمه في نفسه أو أسبغ عليه لونًا من الجد يجعله إلى الود أقرب منه إلى الحب، قد أخذ يتجرد من ثوبه المتكلف ويظهر على حقيقته وفي صورته الصحيحة، وقوته التي لا تبقي على شيء. وهذا التحفظ الذي كان اصطنعه في الحديث يزول شيئًا فشيئًا. وإذا هو صريح، وإذا هو يجدد إعلان الحب، ويكرر هذا الإعلان ويحيط الفتاة بشباك من الطلب والأمل والتضرع والاستعطاف والإغراء الذي يتجه إلى العقل حينًا وإلى الشعور حينًا آخر. وكيف تريد أن تفلت الفتاة من هذه الشباك جميعًا وهي لا تكاد تخلص من واحدة حتى تتعثر في أخرى. هي مضطرة إذًا إلى أن تسالم بعض الشيء وتصانع إلى حد ما، وتنهزم عن خط الدفاع الأول كما يقولون.
وهل كانت هي في نفسها منصرفة عن الفيلسوف حقًا راغبة عن حبه كل الرغبة؟ لست أدري، ولكنها على كل حال عجزت عن المقاومة فكتبت إلى أوغست كونت تنبئه بهذا العجز وتظهره على ذاتَ نفسها وتبين له رأيها في التخلص من هذا الموقف الدقيق ورأيها أنها لم تكن تقدر أن أحدًا يكلف بها ويتهالك عليها، وأنها هي لا تكلف بأحد ولا تتهالك على أحد، ولكن أملها إن صح أن يكون لها أمل في الحياة، إنما هو طفل تقف عليه حبها وحنانها وقوتها ونشاطها. وهي إذا شاركت رجلًا في الحياة فإنما قوام هذه الشركة الوصول إلى تحقيق هذا الأمل. وهي حريصة كل الحرص على أن يكون شريكها إن ظفرت به رجلًا ممتازًا مرتفعَ النفس كبيرَ القلب خليقًا بالإكبار. وهي تجد هذه الخصال كلها في الفيلسوف ولا تكره أن تتخذه شريكًا في تحقيق هذا الأمل وخلق هذا الطفل. ولكنها لا تريد أن تخدعه ولا أن تغره فهي لا تحبه بالمعنى المألوف لهذه الكلمة وحياتها ليست بالشيء النفيس الذي يحرص الناس على الاشتراك فيه. فهي بائسة تحتاج إلى من يعزيها وهي فقيرة تحتاج إلى من يعولها. وهي لا تحمل لشريكها إلا مودة صادقة وإخلاصًا لا حد له.
ويقرأ الفيلسوف هذا الكتاب فيجن جنونه وتدور به الأرض، ثم تهدأ نفسه، وتشرق في وجهه الدنيا وتبتسم له الأيام. وهل كان يطمع في أن تقبل كلوتيلد منه مثل هذا وترضى أن تكون خليلة وتقاسمه الحياة وتشاركه في خلق إنسان؟ وهو قابل إذًا وهو راض وهو سعيد وهو واثق بأن هذه خطوة ستتبعها خطوات وهو يكتب إليها ويمضي كتابه على هذا النحو: زوجك المخلص أوغست كونت.
وتزوره ذات يوم زيارة المستسلمة المستعدة للوفاء بالوعد وإنفاذ هذه الشركة، فيلقاها فرحًا مبتهجًا ثم يجلسها ويجثو بين يديها ويقدم إليها صلاة فلسفية حارة. ولكنه عالم لا حظ له من براعة الأدباء ولا من براعة الرجال الذين تعودوا عشرة النساء والتلطف لقلوبهن، فصلاته فلسفية، وحديثه بعد ذلك عملي كله وحركاته حين يضطرب في غرفته منظمة قد قدرت تقديرًا. فهو لا يرفع شيئًا إلا بحساب، ولا يضع شيئًا إلا على نظام، ولا يأتي حركة إلا إذا كانت لها علة ظاهرة وتأويل معقول وهو يتحدث عن دخله، وعما سيحتاجان إليه من نفقة، وعن ترتيب البيت، وعن النظام المادي للحياة. وهو على هذا كله دميم لا جمال في شكله ولا روعة، قصير متقدم البطن مضطرب الوجه. فأين يقع هذا المنظر؟ وأين يقع هذا الحديث؟ وأين تقع هذه الحركات المنظمة من قلب امرأة لم تتجاوز الثلاثين بعد؟ ما أسرع ما ضاقت بهذه الشركة ورغبت عنها، وما أسرع ما ضحكت من نفسها في نفسها، وما أسرع ما استيقنت أنها كانت تحاول أمرًا لا قبل لها به ولا قدرة لها عليه، وما أسرع ما نهضت وهي تقول: لقد تقدم الوقت دعني أكتب إليك. وما أسرع ما خرجت من الباب وهبطت السلم وبلغت الشارع ومضت، والفيلسوف ينظر إليها من النافذة. فإذا هي تسرع أمامها، لا تلتفت ولا تلوي على شيء، وتكتب إلى الفيلسوف بعد ذلك معتذرةً متعللةً قائلةً إنها قد تعجلت الوعد وتبيّن لها أنها في حاجة إلى التفكير الطويل وأن الخير في أن تمهل نفسها لترى. فلا يكاد الكتاب يصل إلى الفيلسوف حتى يحس أنه قد آذاها بحديثه فيكتب إليها متلطفًا مُلحًا. وتمضي هي في إبائها. ويشتد هو في إلحاحه حتى إذا أثقل عليها أجابته في شيء من الشدة والصرامة أنها لا تستطيع أن تبيع نفسها ولا أن تساوم فيها فإن كان يقنعك ما أعرضه عليك من المودة الخالصة الطاهرة فذاك ولك أن تلقاني في بيت أسرتي كدأبك من قبل ولا بد لي من ستة أشهر أفكر فيها وأروي وإلا فإني عائدة إلى ما كنت فيه من وحدة وعزلة. هنا يفيق الفيلسوف من ذلك السكر الذي كان قد غمره وملأ عليه قلبه وعقله. ويعود إلى حاله الأولى ليس شديد الرجاء ولكنه ليس يائسًا بل هو بعيد كل البعد من اليأس واثق بأن العاقبة له وبأن الفوز لن يخطئه مهما يكن من شيء، سيصبر إذًا وسيستأنف حياته الأولى فيلقى الفتاة في بيت أسرتها مرتين في الأسبوع.
وكلاهما سيئ الحال ضيق ذات اليد. أما هي فتبحث عن عمل لتعيش منه أو لترفه به بعض الشيء حياتها الضيقة الخشنة. وهي لا تتردد في أن تشغل مكان السكرتير في مكتب من المكاتب أو عند رجل ذي مال إن ظفرت به. ولكنها لا تظفر بشيء ولا بأحد إلا فيلسوفها الذي قد وثقت به واطمأنت إليه. فهي لا تخفي عليه من أمرها شيئًا وهو يعدها بالمعونة ويعرض عليها أن يقرضها ما تحتاج إليه، بل يؤكد لها أن كل ما يملك من المال ملك خالص لها تستطيع أن تأمر فيه بما تشاء. نعم ولكنه هو لا يملك شيئًا أو لا يكاد يملك شيئًا، أعماله شاقة ونفقاته ثقال والمستقبل أمامه مظلم. هو يلقي دروسًا رياضية في بعض المدارس الحرة ولكن صاحب المدرسة يريد أن يلغي هذه الدروس رغبة في الاقتصاد، وهو يكسب شيئًا من مدرسة الهندسة ولكنه في حاجة إلى أضعاف هذا الذي يكسبه. وهو يلح على تلاميذه في إنجلترا أن يرتبوا له رزقًا معلومًا، ولكن التلاميذ لا يؤمنون لأستاذهم بهذا الحق وهو مضطر إلى أن يرزق امرأته ثلاثة آلاف فرنك في كل عام، ولا بد له من أن ينقص هذا الرزق وأن يختزل منه ثلثه. وهو على هذا كله يعمل، وهو على هذا كله يحب وهو حريص على ألا يقصر في ذات فلسفته ولا في ذات عشيقته. وعشيقته أيضًا تعمل لخدمة الأدب إن أعجزها أن تعمل لكسب المال. لقد نجحت قصتها الأولى بعض الشيء فما لها لا تكتب قصة أخرى وقد بدأت كتابة هذه القصة واتخذت نفسها لها موضوعًا مع شيء من الرمز والإيماء وأخذت كلما كتبت شيئًا أرسلته إلى الفيلسوف، فيقرأ ويعجب ويهيم. ويقرظ فيسرف في التقريظ.
ويستأنف زياراته للأسرة محتملًا ما يرى من الأعراض يقابله بمثله في كثير من الأحيان. حتى إذا كتب أخو الفتاة رسالة في الرياضة وعرضها على أستاذه ونظر الأستاذ فيها وأطال النظر فلم تعجبه. فيضطر إلى أن يعلن رأيه إلى تلميذ في غير تردد وإلى أن يتحدث إلى الفتاة بأن حبه لها وحرصه على مودة أخيها لن يمنعاه من أن يعلن رأيه في هذا الكتاب الذي لا خطر له. هنالك يزداد سخط التلميذ على أستاذه وهذا هو الذي يدور حول أخته ويشرب القهوة في البيت مرتين في كل أسبوع، ثم لا يشجع تلاميذه ولا يعترف لهم بما يوفقون إليه من فضل.
ويشتد إنكار الأسرة على الفتاة وتثبت هي لإنكارهم، فتجادلهم في أستاذها وتذودهم عنه، وتخرج من عندهم مكدودة متعبة وتؤوي إلى بيتها وقد فقدت أو كادت تفقد الشجاعة والنشاط. فتفكر في الفيلسوف، وفي أنه الرجل الوحيد الذي يؤثرها بالحب، ويصفيها المودة والعطف، فتنازعها نفسها إليه. ولكن نفورًا قويًا يمسكها أن تندفع في هذا الحب. فتكتفي بالشكوى، وتقبل من الفيلسوف عطفه وحنانه، ومعونته المالية أيضًا. وكانت أعراض الضعف قد ظهرت عليها، فأخذت تحس فتورًا وانحلالًا. وأخذت تقاوم سعالًا متكررًا مضنيًا ولم تقدر إلا أن ما تحسه عرض من أعراض هذا الجهد الذي تلقاه. فصبرت واحتملت وجدّت في كتابة قصتها، وجدّت أيضًا في الأنس إلى الأستاذ وأذنت له أن يزورها في بيتها الخاص، فأحيت أمله، وبالغت في إحياء هذا الأمل حين أهدت إلى الأستاذ باقة من الزهر الصناعي صنعتها بيدها، وأرسلت معه أبياتًا من الشعر لا قيمة لها، ولكن الفيلسوف رآها آية من آيات البيان.
وزارها الفيلسوف ذات يوم فإذا هي متعبة تلقى من الآلام جهدًا شديدًا فتحدث إليها وأطال الحديث واطمأنت هي إليه اطمئنانًا شديدًا، فلما نهض لينصرفَ اختلس قبلة من فمها، ولكنه لم يكد يبلغ بيته حتى كتب إليها كتابًا مشهورًا يعتذر فيه من هذه القبلة، لأنه لم يكن يثق حين اختلسها بأن نفسه كان نقيًا طيبَ النشر. وردت عليه في هذه السذاجة البديعة: (لا بأس عليك فأنا التي منحتك قبلة صديقة مخلصة).
ويشتد المرض والفقر بالفتاة. ويشتد الهيام والبؤس بالفيلسوف، وتزول بينهما الكلفة، وتكثر الزيارة عندها وعنده، ويعرض عليها خادمته لتعينها على الحياة. فتأبى، وتقضي الشتاء وحيدة عاملة لا يسليها عما تجد إلا زيارات الفيلسوف لها وعطفه عليها، وقد عرضها على الطبيب فقدر لها مرضًا أخذ يعالجه وهو بعيد كل البعد عما كانت تجد. واشترك الفيلسوف في الأوبرا على فقره ليسلي صاحبته بالموسيقى من حين إلى حين. ولكنه لم ينسَ الحب ولم يفكر في الإعراض عنه فهو ما زال يلح على الفتاة ويتقاضاها هذه الصلة المادية التي تتوج ما بينهما من ائتلاف العقل والقلب وهي تأبى حتى إذا أثقل عليها فأسرف. كتبت إليه تذعن لما يريد. وهي تقول: إنك تطالب بأجر ما تبذل لي من ودٍ ومعونةٍ، فلن أماطل في تأدية هذا الأجر. هنالك استحى الفيلسوف واستكبر فرفض هذا التسليم وأبى إلا صلةً مصدرها الحب والرغبة.
وزارته ذات يومٍ وهي مكدودة قد أجهدها المرض، واشتدت بها الحمى فلما انتهت إلى البيت استلقت على وسادة ونظر إليها هو، وأنّ في عينه لحبًّا لا حد له، وشهوةً لا حد لها. وإذا هو يرى عينيها الزائغتين من الألم وخديها اللذين توردهما الحمى فلا يرى إلا جمالًا مغريًا وحسنًا فتّانًا. وهي مستلقية أمامه لا حول لها ولا طول، وهو قادر عليها؛ ولكنه ليس قادرًا على نفسه. فهو يشتهي إلى حد الهيام ولكن عقله ووقاره يأبيان عليه هذا الغصب. فتنحل هذه الشهوة الحادة العنيفة إلى حب وقور، فيه شيء كثير من جلال الدين. والمرض والبؤس يلحان على الفتاة، والحب والفقر يلحان على الفيلسوف وإذا هي قد لزمت غرفتها، ولزمتها خادمة الفيلسوف. وجاء الطبيب فلم يشك في أنها مسلولة مشرفة على الموت. وكثر تردد أمها عليها وكثر تردد الفيلسوف أيضًا. وكانت بين الأم والفيلسوف حول هذا الجسم الناحل وهذه النفس التي تتأهب لمفارقة الحياة، خصومات مؤلمة ولكنها لا تخلو من فكاهة. فأما الأم فكانت أسيرةَ الأوضاع الاجتماعية، أسيرةَ هذا الحب الذي يعطف المرأة على ابنتها. وأما الفيلسوف فكان أسير هذا الحب الفلسفي، ولم يكن يتردد في أن يعلن أنه وحده صاحب الأمر في هذا البيت لأنه الزوج الخالد للفتاة. ولم لا؟ لقد كان ينهض بكل ما تحتاج إليه، ويعرف من تمريضها ما ظهر وما خفي. لقد كتبت إليه مرة تقول: ما أشد حاجتك إلى الرحمة أيها العاشق التعس! فلم تظفر من خليلتك إلا بشرّ ما يظفر به الأزواج. وكان مؤلمًا جدًا، وباعثًا للابتسام أحيانًا أن يرى الفيلسوف جاثيًا أمام السرير وهو يصلي إلى الفتاة فيدعوها أخته وزوجه وابنته. ويؤكد لها ويقسم ليعصمنها من الموت، ولئن عبثت الطبيعة بجسمها فليضمنن هو لنفسها الخلود. ولم لا؟ ألست أرقى امرأة عرفتها الإنسانية. لقد لقيت أرقى عقل عرفته الإنسانية، فلن يكون للفناء عليك ولا عليَّ سلطانٌ.
وساءت حالة الفتاة ودعي القسيس ليهيئها لاستقبال الموت فلم تمانع هي ولم يمانع هو. وأقبل القسيس فأدّى عمله والفيلسوف يراه ويسمع له ساخطًا حتى إذا انصرف أقبل فأنكر هذه العادة الدينية التي تنتزع المريض انتزاعًا من الحياة لتدفعه بين ذراعي الموت.
أقبل عذب الصوت رضيَّ النفس حنون القلب فجثا إلى السرير وحنى على الفتاة وأخذ يحدثها أحاديثَ عذبةً كلها أمل وكلها رحمة. ثم انصرف وعاد فإذا الأسرة كلها مجتمعة وإذا هم يأبون عليه أن يصل إلى المريضة. فتثور ثائرته ويخرج عن طوره ويأبى أن ينصرف ويهم بإخراجهم جميعًا لأن المريضة زوجه وخليلته وهي له وحده دونهم، بذلك اعترفت له وعلى ذلك أقسمت له فيجب أن يُخلى بينه وبينها. فأما الأم فتنكر وتبكي وتستخذي. وأما الأخ فيقبل على أستاذه مُنذرًا. وأما الأب الشيخ فيقبل هادئًا وقورًا يطلب إلى الفيلسوف أن يدع المريضة لأهلها.
فانظر إلى الفيلسوف وقد جثا أمام الشيخ ضارعًا مستعطفًا حتى رق له الشيخ، فقال: أنصرفُ الآن ولك علينا أن ندعوك إذا استيأسنا منها. خرج الفيلسوف فلزم داره فلما كان من غد جاءه الرسول فأقبل مسرعًا حتى انتهى إلى البيت. فلما رأته الأسرة انفرجت له وخلت بينه وبين غرفة الفتاة. فدخل وأغلق الباب من دونه وأرتجَه فأحكمَ إرتاجَه. وأقام ساعات طوال لا يخرج ولا يدخل عليه أحد. ويستطيع الخيال أن يذهب كل مذهب في تصور ما قال الفيلسوف للفتاة المحتضرة أو ما عمل أمام هذا الحب العظيم الذي كان الموت يغلبه عليه قليلًا قليلًا. فلما تقدم النهار ودنا المساء فتح الباب وخرج صامتًا لا يلوي على شيء. فأقام في داره ولم يشهد الجنازة ولم يشيعها إلى القبر. وماذا يعنيه من الجنازة؟ لقد حاول أن يصل إلى هذا الجسم فلم يجد إليه سبيلًا وحاول أن يصل إلى هذه النفس فلم تقاومه ولم تمتنع عليه، وإنما أسرعت إليه فأقامت في عقله وقلبه. لم تمت كلوتيلد وإنما أودعته خير ما فيها، فهي إذًا في قلبه، هي إذًا تقاسمه حياته الزائلة حتى إذا انقضت هذه الحياة الموقوتة امتزجت بنفسه فكانت منها نفس واحدة خالدة. عكف الفيلسوف في داره على هذه الصورة يعبدها ويهيم بها وما هي إلا أن استحال حبه لكلوتيلد دينًا وضعت له التقاليد وألوان الصلوات والعبادات. وأغرب من هذا كله أن الحياة الظاهرة للفيلسوف لم تتغير. فدروسه كانت تُلقى في نظام ومجلاته كانت تُقرأ في نظام ورسائله كانت تُقرأ ويرد عليها في نظام أيضًا.
ما أعجب أمر الإنسان تراه ساذجًا يسيرًا وأنّ شخصه لَشديد التعقيد.