موسم
طه حسين
جريدة الأهرام
٢٣ سبتمبر ١٩٤٩
هذا الصيف يريد أن ينصرم، ويهم أن يمضي بقيظه المحرق وحرِّه المرهق وكسله الذي يكف النفوس عن النشاط، ويصد الأجسام عن العمل، ويفرض على الناس في مصر حياة خامدة هامدة، يحيونها كما يستطيعون لا كما يريدون. وهذا الخريف يريد أن يُقبل بنسيمه العذب الذي يردُّ الحياة إلى النفوس، والنشاط إلى الأجسام، ويحبب إلى العقول أن تفكر، وإلى القلوب أن تشعر، ويُتيح للناس أن يبتسموا للحياة، وأن يستقبلوها فَرِحين، بل مبتهجين لها، يصرفونها حسب حاجاتهم وإرادتهم، وحسب منافعهم ومآربهم. وإذا أدبر الصيف وأقبل الخريف؛ تهيأ الصبية والشباب للسعي إلى المدارس والاختلاف إلى الدروس في معاهد العلم على اختلافها متعلمين، وتهيَّأَت الأسر لما يقتضيه ابتداء العام الدراسي إنفاق المال ليُتاح للتلاميذ والطلاب أن يفرغوا للدرس والتحصيل، ومن إنفاق الجهد لكسب هذا المال وتدبيره وتوفير ما يحتاج إليه التلاميذ والطلاب من أداة وملبس وطعام ليكون فراغهم للدرس خصبًا وإقبالهم عليه منتجًا.
وإذا أدبر الصيف وأقبل الخريف تهيَّأَ الأساتذة والمعلمون للسعي إلى المدارس والمعاهد، يَلْقَوْنَ فيها هذه الأجيال الناشئة، فَيُلْقُونَ إليها تراث الأجيال الماضية، ويهيئونها لاستقبال الحياة في جِدٍّ وكَدٍّ، وفي ثقة وأمل، وعن بصيرة وخبرة وقدرة على قهر المصاعب واحتمال الخطوب.
إذا أدبر الصيف وأقبل الخريف تهيَّأ الماضي لينقل تراثه إلى المستقبل، وتهيَّأت الأمة لتجدد نفسها، وتهيأ الوطن ليستقبل ربيعًا جديدًا تشيع فيه الحياة، وتنشر فيه الثقة، وتبتسم فيه الآمال.
فهذه الأيام الأخيرة من شهر سبتمبر، وهذه الأيام الأولى من شهر أكتوبر هي أيام الموسم الرائع في حياة الأمة والوطن جميعًا. أيام الموسم الذي تنعقد به الآمال وتتعلق به الأماني، ويتهيأ فيه الجيل الجديد لتلَقِّي شعلة الحضارة من الجيل القديم على أنها أمانة ما ينبغي أن تحفظ كما هي، وإنما ينبغي أن تزكو وتنمو وتربو وتزداد بهجةً وجمالًا وتألُّقًا وإشراقًا. فمن حق الأمة أن تبتهج بهذه الأيام، وأن تتلقاها بقلوب فرحة ونفوس مرحة وضمائرَ مطمئنَّة إلى أنها قادرة على البقاء والنماء والخلود الذي لا خمول فيه ولا خمود. كذلك أتصور هذه الأيام الأخيرة من شهر سبتمبر وهذه الأيام الأولى من شهر أكتوبر. وكذلك ينبغي أن يتصوَّرَها المصريُّون جميعًا. ولكن أنظر فأرى هذه الأيام تُقبل شاحبة كئيبة، تُثقِلُها الهموم وتنوء بها الأحزان؛ لأننا لا نعرف للعلم حقه، ولا نقدِّر الرُّقِيَّ قدره، وإنما نستقبل فصل التعليم كما نستقبل غيره من فصول الحياة اليومية، لا نمنَحُه حَقَّهُ من الرِّضَى والابتهاج؛ لأننا لا نمنحه حقه من العناية والإكبار. فالكثرة الكثيرة من صبيتنا وشبابنا لا يحفلون بهذا الموسم لأنهم لا يشاركون فيه، قد حال الجهل والعجز بينهم وبين المدارس والمعاهد والجامعات؛ فهم مُقبِلُون على حياة حيوانية غليظة، لا رِقَّةَ فيها ولا لين، على حياة تمَس أجسامهم ولا تمس قلوبهم وعقولهم، على حياة تشبه حياة ما يسومون من الماشية وما يتعهدون من نبت الأرض. فموسم التعليم لا يعنيهم من قريب ولا بعيد، ولأن القلة القليلة من صبيتنا ومن شبابنا يُقبلون على هذا الموسم يريدون أن يبتهجوا به، ولكنه يكتئب لهم، ويريدون أن يتلقوه بالفرح والمرح، ولكنه يتلقاهم بالهَمِّ والحزن والكآبة والضيق. تصدهم المدارس والمعاهد عن أبوابها لأنها أضيق من أن تتسع لهم.
فبعضهم يريد أن يتعلم فيرده ضِيق المدارس إلى الجهل. وبعضهم يريد أن يتزيَّد من التعليم فيَضطره ضيق المعاهد إلى أن يقف حيث انتهى به الشوط. وبعضهم يطمح في ارتفاع الذكر ونباهة القدر فيرده ضيق المدارس والمعاهد إلى الخمول والجمود، والرضى بما قُسِم له من هذه الحياة التي لا تغني عن أصحابها شيئًا. والأُسَر تشارك أبناءها في هذا الهم المُمِض، وتحمل معهم همومًا ممضة أخرى، فليس كل الناس قادرًا على أن يوفر لصِبْيَتِه وشبابه ما يحتاجون إليه من المال ليشتروا العلم من حيث يُباع، أو ليتلقَّوْه بالمُجَّان إن أتاحت درجاتهم أن يتلقوه بالمجان.
فهذا الموسم الذي حقُّه أن يكون عيدًا تملؤه البهجة والغبطة والرضى والأمل، يستقبله الصبية والشباب عندنا بالنفوس الكئيبة والقلوب الوَجِلة، ويستقبله الآباء والأمهات بالحزن المبرح والهم الثقيل، وتستقبله وزارة المعارف بهذا النشاط المجدب الذي لا يغني عنها ولا عن الناس شيئًا. ولا يمكن أن يُشَبَّه إلَّا بالقطار الذي يملأ الجو من حوله ضجيجًا وعجيجًا وصفيرًا وزحيرًا، ولكنه لا يتقدم شِبْرًا إلى أمام، وإنما يضطرب مكانه فيكون مصدر إقلاق وإزعاج لا مصدر شيء آخر.
هذه الألوف المؤلَّفة من الشباب الذين ظفِروا بالشهادة الثانوية لا يجدون أماكنَ في الجامعات، وهذه الألوف المؤلَّفة من الصبية الذين ظفروا بالشهادة الابتدائية لا يجدون أماكن في المدارس الثانوية. ورجال التعليم في وزارة المعارف يفِدون على الديوان ويروحون إلى بيوتهم، يأمُرُون بين ذلك وينهَوْن، ينقُضُون بين ذلك ويبرِمُون، ويختصمون فيما بينهم ثم يصطلحون، يختلفون ثم يأتلفون. والصبية والشباب لا يجِدُون أماكن في المدارس ولا في الجامعات. وهَبْهُم وجدوا الأماكِنَ واستقروا فيها وتهيَّئوا للدرس، واطمأن أباؤهم وأمهاتهم، فإن الوطن لن يطمئن، ولا ينبغي له أن يطمئن؛ لأن هؤلاء الصبية والشباب لن يتعلموا كما ينبغي لهم أن يتعلموا، يحُول بينهم وبين ذلك حائل خطير كل الخطورة، هو أن المعلم ليس منشرح الصدر للتعليم، وليس فارغ البال للعلم، وليس موفور النشاط للدرس، وليس خالص القلب للطلاب والتلاميذ. يشغَلُه عن هذا كله أن له أسرة ينبغي أن تعيش هادئة مطمئنَّة، ولم تُيسَّر لها أسباب الحياة الهادئة المطمئنة. يشغله عن ذلك أن له بنات وبنين يريدون أن يتعلَّموا، وقد تقطعت بهم الأسباب. لم يظفروا بالدرجات التي تُعفِيهم من أجور التعليم، ولم يظفر أبوهم بالمرتب الذي يتيح له أن يؤدي عنهم أجور التعليم، بل لم يظفر بالمرتب الذي يتيح له أن يطعمهم ويكسوهم ويحميهم من آفات المرض والبؤس والجوع. فهو يُقبل على هذا الموسم كارهًا له، ضيقًا به، ساخطًا عليه. وإذا أقبل المعلم على التعليم كارهًا، فلا تنتظر منه خيرًا. وإذا لم تنتظر من المعلم خيرًا، فلا تنتظر من تلاميذه خيرًا. وإذا لم تنتظر خيرًا من المعلمين والمتعلمين، فلا تَشُكَّ في أن الأمة تضيع أجيالها، وتبدد تراثها، وتقضي على نفسها بالخمود والهوان.
ورجال التعليم في وزارة المعارف يفِدون على ديوانهم إذا أصبحوا ويروحون إلى بيوتهم إذا أمسَوْا، يأمُرُون بين ذلك وينهَوْن ويختصمُون ويصطلحُون ويختلفُون ويأتلفُون، ولا يُغْنُونَ عن أنفسهم ولا عن الناس شيئًا. ولو قد قدَّرت وزارة المعارف التعليم حق قدره، وعرَفت لمستقبل الشعب ما ينبغي من العناية به والرعاية له؛ لاستقبل المعلمون والمتعلمون هذا الموسم الوطني العظيم بقلوبٍ يملؤها الرضا، ونفوسٍ تملؤها الغبطة، وضمائرَ يملؤها الاطمئنان، ونشاطٍ خصب ينبئ الشعب بأن مستقبله سيكون خيرًا من ماضيه، وبأن أبناءه سيكونون خيرًا من آبائهم، وبأن الوطن سيزداد على مر الزمن قوة وعزة ورقيًّا وازدهارًا.
إن أخبار مصر لتصل إليَّ في هذه القرية المنقطعة النائية التي أَوَيْتُ إليها في قمة من قمم الألب، فتملأ نفسي حزنًا وكآبةً، وتمزِّق قلبي لوعةً وحسرةً. وزير المعارف مشغول بحماية التقاليد عن حماية التعليم، ووكلاء يختصمون فيما بينهم أيُّهم تكون له الكلمة النافذة والأمر المطاع، والصِّبْية والشباب لا يجدون الأماكن في المدارس، والجامعات والمعلمون لا يجدون ما ينفقون، وهم يجأرون بالشكاة، ولا يجدون لشكاتهم سميعًا. والأحزاب المؤتلفة تختصم في توزيع الدوائر، وفي أجَل مجلس النوَّاب أيقصر أم يطول.
ليصدِّقني رئيس الوزراء — وهو الرجل الذي أعرف فيه الوطنية الصادقة والإخلاص الصحيح — أن أمته تتعرض لخطر أشد هولًا من اختلاف الأحزاب بعد ائتلافها، وهذا الخطر يأتي من عجز وزارة المعارف عن النهوض بما ينبغي للتعليم من العناية والرعاية والاحتفال. لن يغني عن مصر شيئًا ألَّا يسافر الفتيات إلى أوروبا، ولن يغني عن مصر شيئًا أن تُلغى في المدارس دروس الموسيقى والرقص التوقيعي، ولن يغني عن مصر شيئًا أن تنفَّذ كلمة هذا الوكيل من وكلاء الوزارة أو ذاك، ولن يغني عن مصر شيئًا أن تأتلف الأحزاب أو تختلف إذا تعرضت أجيالها الناشئة لهذا الشر المستطير، فدُفِعت إلى الجهل من حيث تسعى إلى العلم.
ليصدِّقني رئيس الوزراء وزملاؤه المؤتلفون أن من الحق عليهم جميعًا أن يمنحوا التعليم والمعلمين والمتعلمين شيئًا من عنايتهم واحتفالهم. فليس منهم من يرضى إذا خلا إلى نفسه أن تكون مصر لُقْمَةً سائغة لكل جائع من الأمم المستعمِرة. وإذا مضَيْنا في إهمال شئون التعليم على النحو الذي مضينا عليه إلى الآن؛ فلن يكون لمصر بدٌّ من هذا المصير.
وقى الله مصر كل مكروه، وجنَّبها شر العاديات، وأتاح لها مواسم تعليمية يتفوق فيها الابتسام على العبوس.
Tag: youth empowerment
-
إياب …
إياب …
طه حسين
كوكب الشرق
٢٩ نوفمبر ١٩٣٣
كان المصريون يستعدون للقائهما باسمَيْن في جوٍّ باسم، مُشْرِقَيْن في سماء مشرقة، فعادا إليهم هامدَيْن خامدَيْن لا يعرفان ابتسامًا ولا إشراقًا يحملهما قطار يمشي على الأرض وسفينة تَسْبَح في الماء، ثم قطار يمشي على الأرض ثم عربة تجرها الجياد. لا يذل لهما متن الهواء، ولا يبتهج لهما ضوء الشمس، ولا تصعد إليهما أصوات المصريين رافعة إليهما التهنئة والإعجاب، وإنما تحتجب الشمس ويكتئب الجو، وتبكي السماء وتضطرم نار الحزن واللوعة في قلوب المصريين، وقد تَغْلِب العبراتُ جَهْدَ الجاهد وصبر الصابر، وجَلَد المتجلِّد، فتفلت من العيون، وتنحدر على الخدود.
كان المصريون يرجون أن يكون اليوم يوم ابتهاج فأبى الدهر إلا أن يكون يوم ابتئاس، كان المصريون يقدرون أن الجو سيؤدي إليهم أمانتهم، ويرد عليهم أبناءهم موفورين سالمين، فإذا الجو يخون أمانة الأرض، وإذا السحاب يخفر ذمة الإنسان، وإذا الخطوب تعتدي على هذين الشابين الباسلين فتقهرهما، بعد طول الصراع، وتفجع فيهما أسرتين بائستين وبلدًا مكلومًا حزينًا.
إن من حق المحن على كرام الناس أن يلقوها معترفين بها ومقدرين وقعها في القلوب وأثرها في النفوس، ثم محتملين لها وصابرين عليها، ملتمسين في احتمالها والصبر عليها والانتفاع بها وسيلة إلى المجد، وطريقًا إلى جلال الخطر وارتفاع الشأن.
يجب أن يشعر المصريون شعورًا قويًّا واضحًا بأنهم قد فقدوا شابين عظيمين كان كل منهما ابتسامة نضرة مشرقة في حياتهم، وكان كل منهما قرة بأعينهم وصلة بينهم وبين الأمل القوي، ورسولًا لهم إلى المجد والعز، وقوامًا لأسرة تعتمد عليه وتفخر به وتعقد به كبار الآمال.
يجب أن يشعر المصريون شعورًا قويًّا واضحًا بهذا كله، وأن يذوقوا لذع الألم ومرارة الحزن لهذا كله حتى إذا أرضوا حاجة نفوسهم إلى الحزن وحاجة قلوبهم إلى الألم، جدُّوا في التماس ما تحتاج إليه نفوسهم الحزينة من العزاء، وما تحتاج إليه قلوبهم الكئيبة من الأمل والرجاء.
إن حياة المصريين جميعًا فداءٌ في كل وقت وفي كل محنة لمصر الخالدة، ولكن هذا الفداء لا خطر له، إذا لم يشعر المصريون بقيمته، إذا لم يعلم المصريون أنه عزيزٌ عليهم أثيرٌ عندهم، وأنهم لو خُلِّي بينهم وبينه لضنوا به وحرصوا عليه، فنحن لا نريد أن نبذل في سبيل الوطن نفوسًا تَهُون علينا، ولا نريد أن نحتمل في سبيل الوطن آلامًا يخف علينا احتمالها. إنما نريد أن نبذل نفوسًا غالية كريمة في سبيل وطن غالٍ كريمٍ، وأن نحتمل آلامًا فادحة ثقيلة في سبيل وطن نُؤْثِره ونُكْبِره، ونحتمل في سبيله ما يشق حمله، ونرضى في سبيله بما لا يسهل الرضا به والصبر عليه.
لا تتحرج القلوب إذن من أن تستقبل هذين الشهيدين العظيمين بالحزن اللاذع العميق، ولا تتحرج الوجوه إذن من أن تستقبل هذين الشهيدين العظيمين بهذه الكآبة القاتمة التي تقطب لها الجباه، وتظلم لها الوجوه، وتنهلُّ لها الدموع، فقد فقدت مصر عزيزًا، ومُنِيَتْ مصر برزءٍ عظيمٍ.
لِنَحْزَن اليوم ولْنُظْهِر حزننا في غير تحرج ولا احتشام؛ فذلك أيسر ما لهذين الشابين العظيمين علينا من حق، ثم لنستأنف غدًا ما ينبغي أن نستأنف من أملٍ، ولنستأنف غدًا ما ينبغي أن نستأنف من جدٍّ ونشاط، ولنستأنف غدًا ما ينبغي أن نستأنف من تضحية وفداءٍ فهذا أيسر ما يجب للوطن علينا من حق.
إن القلوب الكريمة لا تأبى الحزن ولا تكره الألم، ولكنها لا تحب الجزع ولا تعرف اليأس. وقد كانت قلوب المصريين كريمة دائمًا فلم تلقَ الخطوب مُنْكِرةً لها ولا ضيِّقةً بها، وإنما عرفت دائمًا كيف تَفِي للذين وفوا لها فتُكْبِرهم أحياء وتذكرهم مع الحب والحزن والألم حين يفارقون الحياة، ثم لا يمنعها ذلك أن تمضي في طريقها إلى ما قُدِّر لها من الرقي، لا وانية ولا يائسة ولا مستسلمة للخطوب. وهل كانت حياة مصر الخالدة إلا مزاجًا من الألم المُلِحِّ والأمل المبتسم الذي لا يعرف ضعفًا ولا فتورًا؟!
إن في هذا الخطب العظيم لعِبَرًا يجب أن يعتبر بها المصريون وإلا تلهيهم عنها الحياة بهزلها وجدِّها، وإلا تلهيهم عنه بنوع خاص هذه الألفاظ الضخمة التي تمتلئ بها الأفواه والأسماع وقلما تصل إلى القلوب والنفوس.
يجب أن يعلم المصريون أن الوفاء لهذين الشهيدين ليس بالحزن عليهما اليوم والانصراف عنهما إذا مضى هذا الجيل وأقبلت الأجيال التي تليه فإنهما لم يضحيا بنفسيهما فحسب، ولكنهما أنْبَأَا العالم الحديث بأن المصريين يعرفون الآن كما كانوا يعرفون من قبل كيف يموتون في ميدان الشرف، وكيف يبذلون أنفسهم ثمنًا لرفعة مصر الخالدة.
نعم؛ وأنبأَا العالم الحديث بأن المصريين لم يكونوا يعبثون حين نهضوا، ولم يكونوا يلغون حين فدوا بلادهم بأنفسهم، وإنما كانوا يجدون حقًّا ويريدون ما يقولون حقًّا ولا يبخلون بالحياة حين تطلب إليهم مصر بذل الحياة، وهما أنبأَا العالم الحديث بأن المصريين لم يكونوا يعبثون حين أرادوا أن يرفعهم نشاطهم إلى الجو، لم يكونوا يتخذوا الطيران لهوًا ولعبًا، وإنما كانوا كغيرهم من الشعوب يتخذون الطيران وسيلة من وسائل الرقي، وسببًا من أسباب النضال الصحيح في الحياة يحتملون في سبيل ذلك ما يُفرَض عليهم من التكاليف، ويبذلون في سبيل ذلك ما ينبغي بذله من النفس والمال.
فهذان الشهيدان خليقان أن يعرفهما هذا الجيل، وأن تعرفهما الأجيال المقبلة وأن يظل شخصاهما ماثلين لا في قلوب المصريين فحسب بل على الأرض المصرية وتحت السماء المصرية تُحَيِّيهما الشمس في كل صباح، وتُحَيِّيهما النجوم في كل مساء.
نعم؛ وقد أَبَتْ عناية الله بمصر، وحب الله لمصر، إلا أن يكون هذا الخطب العظيم رمزًا مقدسًا لحقيقة مقدسة، يجب أن تكون قوام الحياة المصرية دائمًا، ويجب أن تكون فوق كل الحقائق، فهما مصريان، أحدهما مسلم والآخر مسيحي.
كلاهما كان في مهمة وطنية، كانا يؤديانها معًا في حب مشترك لمصر، ووفاء مشترك لمصر، واحتمال مشترك لأمانة مصر، حتى إذا هاجمتهما الخطوب لم تُؤثِر أحدَهما دون صاحبه ولم تُفرِّق بينهما فيما أضمرت لمصر من كيد، وإنما هاجمتهما معًا وصرعتهما معًا ودفعتهما معًا إلى موتٍ مشتركٍ كريم، فالجو الفرنسي قد شهد مصر الخالدة الخالصة من كل خلاف تصارع الموت. والأرض الفرنسية قد تلقَّتْ رمز مصر الخالدة الخالصة من كل خلافٍ حين صرعه الموت.
ومصر الآن، مصر الخالدة مصر الخالصة من كل خلاف، مصر التي تسمو فوق كل فكرة وفوق كل اعتبار، مصر الواحدة ستلقى رمزها الواحد، وستودع هذا الرمز المقدس أرضها المقدسة، وسترمم هذا الرمز المقدس في قلوب أبنائها جميعًا. فيجب أن يفكر المصريون في هذا، ويجب أن يقدر المصريون هذا، ويجب أن يعلم المصريون أن الخطوب والمحن حين تلم بمصر لا تختار من أهلها فريقًا دون فريق، وأن المجد والعز حين يطلبان التضحية من مصر لا يطلبانها من فريق دون فريق وإنما يطلبانها من المصريين؛ لأنهم مصريون لا أكثر ولا أقل.
ولو لم يكن في هذا الخطب العظيم إلا هذا الدرس العظيم الذي تلقيه الأيام على المصريين، لكان هذان الشهيدان خليقين بألا نكتفي بأن نواري جسميهما في التراب ونحفظ شخصيهما في القلوب، ونسفح عليهما بعض الدموع.
كلا، كلا. يجب أن يظل هذا الرمز المقدس للوحدة المصرية خالدًا ماثلًا أمام الأجيال المصرية كلها تحييه الشمس إذا أشرقت، وتحييه النجوم إذا تألقت في السماء.
نعم؛ وعبرة أخرى في هذا الخطب العظيم يجب أن يعيها المصريون جميعًا وأن يعيها الشباب من المصريين خاصة وهي أن لمصر عند الجو ثأرًا، وأن هذا الثأر يجب أن يُنال، وأن هذا الجو الذي خان أمانة مصر، وقتل ابنين كريمين من أبنائها يجب أن يؤدي ثمن هذه الخيانة، وأن يذل للأجنحة المصرية، وأن يذعن متنه، لا لطائرتين ولا لطائرات تُعَدُّ بل لطائرات كثيرة كثيرة، تلائم نشاط الشباب ونهضته واعتداده بنفسه واعتزازه بوطنه، وحرصه على أن يثأر لنفسه حتى من الطبيعة حين تعتدي عليه الطبيعة.
أفيبلغ هذا النداء قلوب الشباب المصريين؟