توفيق٢ | Deliverance 2

حديث الوادي
توفيق. . .
قضاه الله عز وجل لمصر، بعد أن قضى عليها لمحنة أكثر من أربعة أعوام، فكان ابتهاج الشعب له، واغتباط الشعب به مكافئين لما أصاب الشعب من بؤس بالمحنة واكتئاب للفتنة، وكان شكر الشعب لله عز وجل على حسن العاقبة، مكافأة لرضى الشعب بقضاء الله عز وجل فيما قضى من محنة وما ابتلى به من فتنة، وما محص الناس به من أذى في الأنفس والأموال وفي المنافع والمرافق وفي الضمائر والأخلاق.
نعم توفيق قضاه الله للأمة جزاءً على صبرها الطويل، واحتمالها الكريم لما سلط عليها من كوارث، وما بسط عليها من ظلم، وما فرض عليها من جور، والحمد لله على ما ابتلى به فقد كان في ذلك تطهير للقلوب، وتنقية للضمائر، وتصفية للطباع، وتمييز للخبيث من الطيب، وتفرقة بين المخلصين والمنافقين، وإظهار لرجولة الذين يستطيعون أن يقولوا إنهم رجال، وإعلان لكرامة الذين يستطيعون أن يقولوا إنهم كرام، وإشادة بأباء الذين يستطيعون أن يقولوا إنهم أباة للضيم، وتنويه بمروءة الذين يستطيعون أن يقولوا إنهم حماة للوطن وحملة للأمانة ووافون بالعهد وقادرون على أن يضحوا بكل شيء إلا بالوطن وما ينبغي له من العزة والأنفة والكرامة والاستقلال. والحمد لله عز وجل على أن أظهر من هذا كله ما أظهر، وبين للعالم الحديث أن مصر الحديثة خليقة بمصر القديمة، فيها صبر وجلد، وفيها عزة وإباء، وفيها سمو وطموح، وفيها استهزاء بالأقوياء، وفيها ازدراء للظالمين، وفيها أنفة من الذل، وفيها نهو عن الخضوع والإذعان. والحمد لله الذي أظهر للعالم الحديث، أثناء هذه الأعوام الطوال الثقال، أن مصر الحديثة خليقة بما تطمح إليه من أمل، وما تطمع فيه من استقلال، وما تسمو إليه من مثل أعلى، تلم بها الخطوب فلا تجزع للخطوب، وصب عليها الشر فلا تفرق للشر، وينجم فيها المجرمون فلا تؤبه للمجرمين، ويكاد لها الكيد فلا تتورط في الكيد، ويسلط عليها الإغراء فلا يزدهيها الإغراء، وتزين لها الأماني فلا تخدعها الأماني، وإنما تظل في مكانها ثابتة ثبات هذه الجبال التي تكتنف واديها من جانبيه، صافية القلب والضمير والنية، صفاء هذا الجو الذي يبعث فيها الحركة والحياة، ساعية في جد وحزم، وأناة، ونشاط، سعي هذا النهر الذي يمنحها الخصب والبركة والجمال، عظيمة في نفسها، وفي نفس أعدائها وأحبائها.
عظمة هذا البحر الشاهد بما كان لها من مجد قديم، الأمل فيما سيكون لها من مجد حديث. والحمد لله الذي أظهر في هذه الأعوام الطوال الثقال أن مصر ليست حمقاء ولا خرقاء، وأنها ليست طائشة ولا مستسلمة للأهواء، وأن مصر تريد ما تريد عن فهم، وتأتي ما تأتي عن عزم ويقين، وأن لمصر زعماء لا يقدمون إلا إذا فكروا وقدروا ودبروا، فإذا أقدموا لم يعرفوا تردداً ولا إحجاماً، وإذا هموا لم يعرفوا ضعفاً ولا استسلاماً، وإذا صمموا لم يعرفوا خوفاً ولا إشفاقاً، تكتنفهم الأهوال فيبتسمون للأهوال، تثار أمامهم المصاعب فيضحكون من المصاعب، قد آمنوا بالله والوطن فاعتمدوا على الله ووثقوا بالوطن ومضوا في طريقهم لا يستشيرون إلا ما يملأ نفوسهم من إيمان وما يعمر قلوبهم من ثقة ويقين. . .
والحمد لله الذي أظهر أن هذا الرجل الذي يسمونه النحاس، والذي يقول فيه القائلون ويظن به الظانون، هو ابن مصر خليق بأن يكون ابنها البر، وهي خليقة أن تكون أمه الرؤوم، هو ابن مصر الذي تستطيع أن تمنحه حبها لا حد له، وهي واثقة أنها لا تبلغ مكافأته على وفائه لها ونضاله عنها. وهو خليق أن يبذل في سبيلها أمنه ودعته وحياته وهو مطمئن إلى أنه لم يؤد إليها ما ينبغي لها من حق، إنما تمنحه مصر ما تستطيع الأمم أن تمنح أبناءها، وإنما يمنح هو مصر ما يستطيع الأبناء أن يمنحوا أممهم، وإنما الجزاء الأوفى لهذا الرجل على إخلاصه ولهذه الأمة على وفائها وتأييدها عند الله وحده الذي يستطيع أن يعطي بغير حساب، والذي لا حد لقدرته ولا حد لرضاه حين يرضى، ولا حد لسخطه حين يسخط:
نعم والحمد لله الذي أتاح لهذا الرجل الضعيف أن يكون أقوى المعاصرين من مواطنيه بعزمه وحزمه، وبيقينه وإيمانه، وأتاح لهذا الرجل الفقير أن يكون أغنى المعاصرين من مواطنيه بقلبه الذكي وضميره النقي وحلمه الراجح وبصيرته الثاقبة ونظره البعيد.
نعم والحمد لله الذي جعل لواء مصر إلى رجل يعرف كيف يحتفظ باللواء نقياً كريماً لا يصيبه دنس، ولا يعرض له ذل ولا هوان.
والحمد لله على هذا كله وعلى أكثر من هذا كله. على ما تستطيع مصر أن تحصي وما لا تستطيع أن تحصي من محنته حين امتحن، ومن نعمته حين أنعم، ومن بره بمصر ورعايته لها على كل حال. هؤلاء الطغاة قد خنسوا بعد أن ملأوا الأرض تجبراً وتكبراً وقد استكانوا بعد أن ملأوا الجو تعالياً وغروراً وقد استخذوا وعادوا إلى جحورهم، بعد أن انتشروا في الجو كما تنتشر الطير الخبيثة باعثة فيه صياحها الخبيث.
هؤلاء الطغاة قد نكصوا على أعقابهم خجلين وجلين بعد أن دعاهم الشيطان، فاستجابوا له لا يرعون عهداً قديماً ولا يرعون حقاً للوطن، ولا يرعون حرمة للشعب، ولا يرعون كرامة لأنفسهم، زين لهم شيطانهم باطلاً فأسرعوا إليه، وتهافتوا على منافعهم الدنيئة كما يتهافت الذباب على أحسن الطعام.
هاهم أولاء قد سكتوا فلا ينطقون، وسكنوا فلا ينشطون، وخمدوا فلا يعملون. هاهم أولاء يودون لو ابتلعتهم الأرض أو اختطفتهم السماء. هاهم أولاء لا يستطيعون أن يظهروا لمواطنيهم وقد كانوا لا يريدون أن ينظروا إلى مواطنيهم. دعاهم الشيطان فأسرعوا إليه، ثم انخذل عنهم الشيطان فانخذلوا عن أنفسهم، لقد كانوا يجمعون الجموع، ويؤلبون الأحزاب ويجعلون أمرهم إلى عظيمهم صدقي يريدون أن يقاوموا الحق، والحق لا يقاوم، يريدون أن يثبتوا الباطل والباطل لا يثبت، يريدون أن يقروا الجور والجور لا يستقر، يريدون أن يذلوا مصر ومصر أعز من أن تذل وأمنع من أن تضام – لقد جمعوا الجموع وألبوا الأحزاب وألقوا الخطب وهيأوا المذكرات وأنفقوا الأموال، واستأنفوا شراء الضمائر وإفساد الأخلاق، ثم أين هم الآن؟ ما بال جموعهم لا تأتلف وما بال أحزابهم لا تتألب، وما بال خطبهم لا تلقى، وما بال مذكراتهم لا ترفع، وما بال لجنهم لا تذود عن النظام ولا تدافع عن الدستور. لقد خنسوا واستذلوا واستسلموا للقضاء، وأخذ الماهرون الماكرون منهم يتهيأون لتغيير الرأي ويتأهبون لتحقيق المنافع، وينتظرون أن ينساهم الناس قليلاً حتى إذا مضت عليهم أشهر ظهروا من جديد يبتغون الوسيلة إلى الوزراء، ويتقربون إلى الحكام، ويلتمسون منافعهم العاجلة لأنهم لا يقدرون إلا على التماس منافعهم العاجلة.
أين صدقي وأصحاب صدقي؟ أين عبد الفتاح وأصحاب عبد الفتاح؟ أين الإبراشي وجنود الإبراشي؟ أين وزير التقاليد وسخف وزير التقاليد؟ أين صبري والصبريات؟ أين القيسي وما سلط على أجسام المصريين من عصي وسياط، وما صب على أموال المصريين من عبث وفساد؟
أين كبار الموظفين الذين صغروا في أنفسهم فأصبحوا أدوات للطغاة؟ أين الجنود والأعوان؟ أين المسيرون والمسخرون؟ لقد ذهبوا جميعاً. واستكانوا وآوى كل منهم إلى وكره يدبر أمره لعله يحس الحياء في العصر الجديد.
ما أشد حاجة مصر إلى الحزم والعزم، وإلى عقاب الظالمين على ظلمهم، وأخذ الطغاة بطغيانهم وإلى أن تصب على هؤلاء القوم مثل ما صبوا على الأبرياء، ما أشد حاجة هؤلاء الناس إلى أن يذوقوا مثل ما أذاقوا الناس! ولكن إن عجزت مصر عن أن تعفو عن هؤلاء الناس، فإنها لا تعجز عن أن تزدريهم ازدراءً وتنبذهم نبذاً، وتضعهم حيث أرادوا أن يكونوا عبيداً للمنافع وجنوداً للشياطين.
فالحمد لله على أن أخرج مصر من ظلمة إلى نور. وعلى أن جلى عن مصر ذلك الليل البهيم ليل الفساد والشر، وعلى أن رد على مصر حقها في الحرية والأمن والنظام الذي ترضاه.
الحمد لله خالصاً على هذا كله، والتهنئة لمصر وزعمائها خالصة بما قضى الله لها ولهم من توفيق، والخزي الدائم للطغاة والظالمين.
طه حسين
الوادي، ١٥ نوفمبر ١٩٣٤

Share:

Comments

Leave a Reply