Taha Hussein – Journalist | طه حسين – صحفي

إنذار

إنذار
كانوا[1] يخوضون في ألوان مختلفة من الحديث، فقال قائل منهم: زعموا أن من أكل السمك وشرب اللبن ثم دخل الحمام لم يخرج منه إلا مجنونًا. ولم ينكر على هذا القائل قوله من أصحابه — وكانوا كثيرين — إلا رجل واحد ألحّ في الإنكار والمماراة حتى ضاق به أصحابه، وحتى أقسم هو ليأكلن السمك، وليشربن عليه اللبن، وليدخلن بعد ذلك الحمام، وليخرجن منه موفور العقل، متزن الطبع، معتدل المزاج.
ورآه الناس بعد ظهر ذلك اليوم يطوف في شوارع القرية، ويقف بأنديتها ومجالس أهلها عاريًا، قد جمع ثيابه كلها على رأسه، واندفع في ضحك مخيف وهو يقول: زعموا أن من أكل السمك وشرب اللبن ودخل الحمام لم يخرج منه إلا مجنونًا. وقد فعلت ذلك كله، أفترون عليّ أثرًا من آثار الجنون أو مظهرًا من مظاهر الاضطراب؟
والذين يعرفون هذه القصة التي يتندر بها الناس إذا ذكروا أكل السمك وشرب اللبن ودخول الحمام، لا يملكون أنفسهم أن يذكروها ويضحكوا منها ويغرقوا في الضحك إذا رأوا صحف الوزارة في هذه الأيام، ولا سيما إذا رأوا «الاتحاد» التي ظهرت أمس، و«الشعب» التي ظهرت اليوم.
فالاتحاد والشعب آمنتان كل الأمن، مطمئنتان كل الاطمئنان، واثقتان كل الثقة، تقضيان النهار في راحة المطمئن الآمن، وتقضيان الليل في نوم المستريح الهادئ، لأن الوزارة القائمة لا تتعرض لبأس، ولا تستهدف لمكروه، ولا تأتيها الاستقالة من بين يديها ولا من خلفها، ولا من يمين ولا من شمال، ولا تهبط من السماء، ولا تنجم لها من الأرض. هي مستقرة كاستقرار المقطم، ثابتة كثبات الأهرام. ولهذا لا تحفل «الاتحاد» ولا تحفل «الشعب» بهذيان المعارضين الذين يحلمون باستقالة الوزارة، ثم يخيل إليهم أن أحلامهم قد أصبحت حقًّا لا شك فيه.
لا تحفل «الاتحاد» بهذا الهذيان ولكنها تكتب فيه أربعة فصول، ولا تحفل «الشعب» بهذا الهذيان ولكنها تكتب فيه ثلاثة فصول. لا تحفلان جميعًا بهذا الهذيان ولكنهما لا تشغلان إلا به. فإن زعمت بعد ذلك أن قصتهما لا تذكر بقصة هذا الذي أكل السمك وشرب اللبن ودخل الحمام ثم خرج كامل العقل، موفور الذكاء، مستقيم الطبع، معتدل المزاج، يثبت ذلك للناس بهذا البرهان الذي لا يقبل شكًّا ولا جدالًا، فيجرد جسمه ويستر رأسه، إن زعمت أن ليس بين القضيتين شبه فأنت في حاجة إلى أن تستأنف النظر في أصول علم البيان وما أُحصي من شروط التشبيه الصحيح.
وهذه الفصول السبعة التي كُتبت في هذين اللسانين الرسميين من ألسنة الوزارة، فيها الطويل والقصير، وفيها الضيق والعريض، ولكنك على كل حال، وأياً كان كاتبها، وفي أي وقت ظهرت، لن تجد فيها ما يُغني وما يفيد، وما يُقنع بأن الوزارة ثابتة مستقرة آمنة مطمئنة، إلا إذا كان ذلك الذي أكل السمك وشرب اللبن ودخل الحمام قد أقنع الناس بأنه عاقل موفور العقل، ذكي موفور الذكاء. فلك أن تقرأ هذه الفصول إن أردت أن تلهو، ولك أن تهمل هذه الفصول إن كان وقتك أعز عليك من أن تنفقه في لهو الحديث، ولكن في جريدة «الشعب» فصلًا لم يُكتب لك ولم يُكتب لي، ولذلك ينبغي أن تقرأه كما قرأته أنا، أو ينبغي على كل حال أن تعرف خلاصة هذا الفصل، فهو خليق أن يُدرس وأن يُفكر فيه. لم يُكتب هذا الفصل لك ولا لي، وإنما كُتب للإنجليز.
فإذا وجب عليك أن تقرأه متطفلًا، وجب عليّ أن أقرأه متطفلًا، فقد يجب على الإنجليز أن يقرؤوه مرة ومرة، وأن ينظروا فيه فيطيلوا النظر، وأن يتعمقوا فيه فيطيلوا الإمعان، فقد فتح الإنجليز على أنفسهم بابًا لست أدري أيستطيعون إغلاقه؟
وبدأ الإنجليز يسلكون طريقًا لست أدري أيستطيعون المضي فيها؟ نقلوا مندوبهم السامي لأنهم راضون عنه، فهم يريدون ترقيته، أو ساخطون عليه، فهم يريدون تنحيته عن العمل في هذه البلاد. هذا حقهم لا ينازعهم فيه أحد، ولا يدافعهم عنه إنسان، ولكن الناس يتحدثون بأن الإنجليز قد تأمرهم نفسهم — والنفس أمّارة بالسوء — أن يتخذوا نقل المندوب السامي وسيلة إلى التغيير في سياستهم المصرية، وأن يكون هذا التغيير سببًا إلى استقالة الوزارة. وهذا هو الباب المنكر الذي فتحه الإنجليز على أنفسهم، ويجب أن يسارعوا إلى إغلاقه.
وهذه هي الطريق المنكرة التي بدأ الإنجليز يسلكونها، ويجب أن يتحولوا عنها مسرعين، فإن الوزارة المصرية ليست من هذه الوزارات الهينة اللينة التي يقول لها الإنجليز: قومي فتقوم، أو اقعدي فتقعد، أو اصعدي فتصعد، أو انزلي فتسرع إلى النزول. إنما هي وزارة حرة مستقلة، ووزارة قوية عزيزة، ووزارة أبية منيعة، قد عرف رئيسها كيف يوقف الإنجليز عند حدودهم، ويضطر «مكدونالد» إلى السكوت والسكون. وما زال رئيسها هو «صدقي باشا» لم يتغير ولم يتبدل، ولم يسعَ إليه ضعف ولم يأخذه وهن، ولن يعجزه غدًا كما لم يعجزه أمس أن يقول لـ «مكدونالد»: مكانك، لا تخطُ خطوة واحدة إلى الأمام، فإني لا أسمح لك بذلك ولا آذن لك فيه.
وإذن فخليق بالإنجليز أن يتدبروا وأن يتفكروا، وأن يغيروا مندوبهم السامي ما أحبوا، وينقلوه إلى حيث أرادوا، ولكن بشرط ألا يمسوا السياسة المصرية ولو من بعيد، وألا يعرضوا ببقاء الوزارة المصرية أو ذهابها، فذلك ليس من شأنهم وإنما هو من شأننا. وكل أجنبي يعرض لشؤوننا فلا يلومن إلا نفسه حين تنزل به النوازل، وتطيف به النوائب، وتحدق به الأخطار من كل مكان. والإنجليز أعقل من أن يلقوا بأنفسهم إلى التهلكة، وهم أحرص على كرامتهم أن تُهان، وعلى دمائهم أن تُراق، وعلى قوتهم أن تضعف، من أن يعرضوا للوزارة المصرية فيشيروا إليها بالاستقالة من قريب أو من بعيد. هم أعقل من هذا كله لأنهم يعلمون أنهم إن طلبوا ذلك لم يُجابوا إليه، وإن ألحوا في ذلك ففي مصر قوة تثبت لقوتهم، ولعلها أن تردهم خاسئين.
وليس من شك في أن هذا المقال فيه شيء من ريح الحرب، ومن يدري؟ لعل الذي كتبه أن يكون مجاورًا لوزارة الحربية أو كثير التردد عليها والإلمام بها، فهو لذلك مستشعر القوة والعزة، مقدر حظ مصر من البأس والبطش، ومن الاستعداد للطوارئ والقدرة على رد المغيرين. وليس من شك في أن هذا المقال خليق لهذا كله أن يقرأه الإنجليز وأن يتدبروه ويتفكروا فيه قبل أن تحدثهم أنفسهم بالتعرض للشؤون المصرية والتلميح إلى تغيير السياسة المصرية.
ثم ليس من شك في أن من الواجب علينا نحن المصريين أن نقرأ هذا الفصل ونتدبره؛ فالإنجليز قوم مغرورون، أظهر عيوبهم الصلف والكبرياء والاعتداد بالنفس، ومن يدري؟ لعل هذا التحدي الذي تتقدم به إليهم صحيفة من صحف الوزارة، بل صحيفة رئيس الوزراء، أن يغيظهم ويحفزهم ويدفعهم إلى قبول المعركة التي تُعرض عليهم، وإلى اقتحام الهول الذي يُردّون عنه. ومن يدري؟ لعلهم أن يشيروا إلى الوزارة بالاستقالة، فتأبى الوزارة، فيلح الإنجليز، فتغضب الوزارة، فتشب الحرب بين البلدين، وليست حرب الإنجليز سهلة ولا هينة. والمصريون قادرون عليها إن دعتهم الوزارة إليها، ولكن الحرب على كل حال خليقة أن يحتاط لها الناس. وإذن فينبغي أن نحتاط لنضمن الفوز ونأمن الهزيمة.
أما الوزارة فمقال كاتبها يدل دلالة قوية على أنها متأهبة محتاطة، لا تخاف أن تؤخذ على غِرّة ولا أن تزول عن مواقفها، ولكن الأمة لم تُنبّأ بهذه الحرب ولم تُهيّأ لها، فلا بد من أن تحتاط منذ الآن، ولا بد من أن تستعد لآلام الحرب وآثامها. ونحن واثقون بشجاعة الأمة وصبرها على البأساء والضراء، واستعدادها لتأييد الوزارة وحمايتها بالأنفس والأموال.
أرأيت أني لم أخطئ حين لخّصت لك هذا الفصل ودعوتك إلى التفكير فيه؟ فليس ينبغي أن يقرأه الإنجليز وحدهم فيستعدوا للهجوم، وأن يجهله المصريون وحدهم فلا يستعدوا للدفاع. والآن وقد قرأ الإنجليز هذا الفصل، وعرف المصريون خلاصة ما فيه، فالعالم بين اثنتين: إما أن يثوب الإنجليز إلى رشدهم فيؤثروا العافية ويجنحوا إلى سلم، ويدعوا الوزارة تصرف أمور مصر على أحسن حال في حرية واستقلال، وإذن فالعالم مطمئن راض، وإما أن تأخذهم العزة والكبرياء فيدخلوا فيما لا يعنيهم، ويعرضوا لما لا ينبغي أن يعرضوا له، وإذن فأربعون قرنًا أو تزيد تنظر إلى المصريين من أعلى قمم الأهرام، ولن يكذب المصريون ظن هذه القرون. ولكن ويل للعالم من هذه الحرب المنكرة، وهل فرغ العالم من تلك الحرب الكبرى وآثارها ليتورط في حرب أخرى أعظم منها شرًا وأقبح آثارًا؟
وبعد، فحديث مطمئنين هذا الكلام الذي نشرته صحيفة الوزارة، أم حديث قوم فقدوا الاطمئنان وفقدوا مع هذا الاطمئنان شيئًا آخر؟ وبعد، فحديث صحيفة تعبر عن وزارة قائمة هذا، أم حديث قوم يهذون ولا يقدرون ما يقولون؟ وبعد، فهل بلغ من ضعف الوزارة واستسلامها وإذعانها للأحداث وتصاريف الخطوب أن تدع كتابها يدافعون عنها بمثل هذا اللغو، ويذودون عنها بمثل هذا الهذيان؟ وبعد، فقد آثرت الوزارة الصمت، وهو خير ما تؤثره، فهلا أمرت كتابها أن يؤثروا الصمت عن هذا الموضوع وأن يخوضوا في غير هذا الحديث؟ فإذا لم يكن بد من أن يقولوا فيه، فهلا أمرتهم الوزارة أن يقولوا ما لا يضحك وما لا يدعو إلى هز الرؤوس ورفع الأكتاف؟
وبعد، فماذا تخاف الوزارة وماذا يخاف أنصارها؟ وأي بأس عليها وعليهم من أن يصيبها ما يصيب الوزارات كلها؟ فكل وزارة ذائقة الاستقالة، والمناصب — كما تقول «المقطم» — تقليد لا تخليد. وما دام في الناس رمق من الحياة فلهم حظ من أمل، فلتصبر الوزارة على ما يمكن أن يلم من خطوب، ولتأمل الوزارة فيما يمكن أن يتاح من خير، فلم يقل أحد من خصومها ولا من أنصارها — بالطبع — إن الإنجليز سيأمرونها بأن تستقيل، ومتى أمر الإنجليز وزارة مصرية بأن تستقيل؟ لم يفعلوا ذلك قط، لا في أيام الاحتلال، ولا في أيام الحماية، فهم أجدر ألا يفعلوه في أيام الاستقلال. لم يكن إليهم في يوم من الأيام إقالة الوزارات المصرية أو توليتها، فلتطمئن الوزارة وليطمئن أنصارها، فلن يكون عليها — إن شاء الله — بأس من الإنجليز، ولن يأمرها الإنجليز بأن تستقيل، ولن تحتاج إلى أن تقاوم الإنجليز، ولا أن تأبى الإذعان لهم.
ولكن من الذي زعم أن الوزارات المصرية لا تستقيل إلا إذا صدر إليها بذلك الأمر من الإنجليز؟ ما أسخف هذا الإنذار الذي ازدانت به «الشعب» صباح اليوم!
[1] كوكب الشرق في ١٧-٨-١٩٣٣.
[2] قالت صحيفة الأهرام (١٨ – ٨ – ١٩٣٣) ما نصه: جاء في التصريح الذي فاه به المستر مكدونالد رئيس الوزارة البريطانية في لندن أن الحكومة البريطانية أرسلت تعليمات إلى السير برسي لورين المندوب السامي في مصر، يطلب منه فيها أن يبلغ صدقي باشا رئيس الوزراء أنها تعدّه مسؤولًا عن حماية أرواح الأجانب وممتلكاتهم في مصر. وأن السير برسي كُلِّف أيضًا بإبلاغ النحاس باشا أنه يجب حل مشاكل مصر الداخلية بدون أن تتعرض أرواح الأجانب ومصالحهم للخطر، وأنها تعدّه مسؤولًا مع الحكومة إذا تعرضت تلك المصالح والأرواح للخطر. وقد أبلغ فخامة المندوب السامي هذا التصريح لحضرة صاحب الدولة إسماعيل صدقي باشا رئيس الوزراء، وقد دُعي دولته وسعادة الدكتور حافظ عفيفي باشا لتناول الغداء في دار المندوب السامي. وفي هذا اللقاء تم وضع رد الوزارة على تصريح مستر مكدونالد، ومما جاء فيه: ترى الحكومة المصرية — ولم يكن يسعها إلا أن ترى — في التبليغ الذي تفضلتم بإرساله أن الموقف الذي اتخذته الحكومة البريطانية أخيرًا لا يكاد يتفق مع تصريحاتها المتكررة بأنها «ستراعي بالنسبة لمسائل مصر الداخلية مقتضيات الحياد الدقيق». فإذا كانت الحكومة البريطانية تقف على الحياد، ولا تتدخل في الشؤون الداخلية المصرية، فكيف نوفق بين هذا الزعم وتصريح إسماعيل صدقي باشا المنشور في صحيفة البلاغ (٢ – ٩ – ١٩٣٣) وهو: «كل ما أرجوه أن يتابع المندوب السامي الجديد سياسة السير برسي لورين، ألا يحدث أي تبدل في السياسة الإنجليزية، لأن السياسة الحاضرة توافق مصر»؟

Share:

Comments

Leave a Reply