مقاومة
لا عنف فيها ولا حدّة، ولا بأس فيها ولا شدّة، ولكنها هادئة مطمئنة، يخيل إلى كثير من الناس أنها استسلام وإذعان، فإذا بلغوها وجدوا فيها مرّة، وإذا اختبروها وجدوا فيها صلبة، وإذا سلطوا عليها ما يملكون من قوة لم يبلغوا منها شيئًا. وإذا ابتسامات هذه المقاومة الهادئة ليست مظهرًا من مظاهر الضعف، ولا لونًا من ألوان الرضا، ولا أسلوبًا من أساليب الإذعان، وإنما هي سخرية لاذعة ممضّة، تغرّ وتغري، حتى إذا دنا منها الطامع فمسّها، والمزدري لها وجد عندها السم الزعاف، فارتد عنها مفلول الحدّ، مقطوع الرجاء.
ما أجمل هذا الهدوء الهادئ الذي يحسبه المستعمرون ذلّة، فإذا هو العزة كل العزة، ويراه الطامعون إذعانًا، فإذا هو الإباء كل الإباء. وإذا هو الدليل الواضح والبرهان القاطع على أن الثورة ليست في العنف وحده، ولا في الشدّة وحدها، ولا في هذا الاضطراب الذي يفسد فيه النظام، وتقع فيه الآثام، وذهب فيه الأخيار الأبرياء فداءً للأشرار الآثمين؛ وإنما قد تكون دعةً وأمنًا واطمئنانًا، يدور حولها العدوّ فلا يصل إليها، ولا يستطيع أن يدنو منها. حتى إذا جدّ الجد تبيّن أنه قد أنفق جهده في غير طائل، وأضاع وقته في غير غناء.
ما أكثر ما عنى الشعراء وأصحاب الفن هذه الابتسامات الساحرة التي ترتسم على ثغور بعض الأفراد هازئة بالحوادث، مزدرية بالخطوب. وما أكثر ما عنى الشعراء وأصحاب الفن بابتسامات الأفراد هذه، فأبدعوا وأجادوا، وأظهروا للناس آيات فنية خالدة. وما خلقهم أن ينظروا إلى ابتسامات أخرى ساخرة هي أروع من تلك الابتسامات وأجمل، وهي أكثر منها وقعًا في القلوب، وأبعد منها أثرًا في النفوس، لأنها ابتسامات تترجم عن سخرية الشعب من قوة الأقوياء، وازدراء الأمة لسلطان المتجبّرين.
في هذه الابتسامات الشعبية جمال الصبر والجلد، وجمال العزّة والشمم، وجمال الثقة والأمل. وفيها فوق هذا كله وبعد هذا كله جمال التضامن الصادق، والتعاون الذي لا يجد الضعف ولا الفشل سبيلًا إليه.
ما أجدر الشعراء وأصحاب الفن أن يصوّروا سخرية الشعوب هذه، وما أجدر المتسلطين والذين يريدون أن يكرهوا الأمة على ما لا تحب، ويأخذوها بما لا ترضى، أن ينظروا هم أيضًا إلى هذه الابتسامات. فلعلها أن تثير في نفوسهم العظة، ولعلها أن تملأ قلوبهم بالعبرة، ولعلها إذ تقنعهم بأن إذلال الأفراد قد يكون ميسورًا، ولكن إذلال الأمة شيء لا يطمع فيه.
فمن الحمق أن يُنفق فيه الجهد، ويُضاع فيه الوقت، ويضحّي فيه الساسة بذكائهم وكفايتهم. وما يطمعون فيه من حسن الأحدوثة وبعد الصيت.
ما أجمل هذه الابتسامات وقد ارتسمت على ثغر مصر منذ نهض رئيس الوزراء بأعباء الحكم، فما زالت مرتسمة على هذا الثغر، لم تفارقه ولم تتحوّل عنه، ولم يشبها عبوس، ولم يغيّر من صفائها وجمالها تقطيب ولا شحوب.
لقد نظرت مصر إلى صدقي باشا حين ألّف وزارته، ففهمت ما كان يريد، فابتسمت له شفقةً عليه، تعظه وتحذيرًا. ولكنه أخطأ فهم هذه الابتسامة، فلم يرَ فيها وعظًا ولا نصحًا ولا نذيرًا، وإنما رأى فيها رضًا وتشجيعًا وتسليمًا. فمضى في سبيله يشتدّ ويسرف في الشدة، ويغيّر ويُغلو في التغيير، ويبدّل ويُمعن في التبديل.
وهو كلما مضى في طريقه شوطًا نظر إلى مصر فرأى ابتسامة الإشفاق والنذير. ولم يفهم منها إلا الإذعان والتسليم. فيستجمع قواه ويمضي أمامه مشتدًّا ملحًّا. وإذا قويت تسلّط على البرلمان فيحلّه، وعلى الدستور فيغيّره. ثم على الأفراد والجماعات فيُؤخذ بعضها بالرغبة، وبعضها بالرهبة. ثم على المصالح العامة كلها فيسري فيها الفساد كما تسري العلّة في جسم الرجل الصحيح. ثم على السياسة الخارجية بيننا وبين الإنجليز، وبيننا وبين غير الإنجليز من الأمم: فإذا هي مزاج غريب، ظاهره العزة التي لا تخدع أحدًا، وباطنه التسليم والانخذال.
وهو كلما مضى أمامه شوطًا أو أشواطًا نظر إلى مصر فرأى هذه الابتسامة المشفقة الساخرة. ولم يفهم منها إشفاقًا ولا سخرية، حتى بلغ به الجهد أقصاه، وانتهى به الإعياء إلى غايته. هنالك وهناك فحسب. ولكن بعد فوات الوقت وضياع الجهد: يبدو له أنه قد غرّه بأمته الغرور، فأصغر من شأنها وهي كبيرة، وحقّر من أمرها وهو عظيم، وظنّها راضية وهي ساخطة، وحسبها مذعنة وهي شديدة الإباء.
هنالك وهناك فحسب نظر أمامه فلم يرَ إلا جهدًا قد أنفق عبثًا، وقوةً قد ذهبت هباء. والتفت عن يمينه وعن شماله فلم يرَ لنفسه مخرجًا من هذا المأزق السياسي الحرج الذي ورّط نفسه فيه؛ فوقف حيث أراد اللّٰه أن يقف، لا يستطيع أن يتقدّم لأن الطريق أمامه مغلقة، ولا يستطيع أن يتأخّر لأن السبيل وراءه مقطوعة. فهو حائر لا يدري ماذا يصنع، ولا يعرف كيف يقول.
وأصدقاؤه الذين ظاهروه وناصروه، وأولياؤه الذين عقدوا به الآمال، وناطوا به الأماني: ينظرون إليه ويوبّخون عليه ويمدحون به. ويقولون له: ماذا صنعت؟ وإلى أين انتهيت؟ أين تلك الآمال الواسعة والأماني العريضة؟ أين أنت وأين نحن من تحقيق الأمل وتصديق الظنّ وإنزال هذه الأمة حيث تريد؟
نعم، يسألونه فلا يجد لهم جوابًا. ويُلحّون عليه في السؤال فيُلحّ هو في الصمت، فيُطرقون كما أطرق، ويسكتون كما سكت. وتأخذهم الحيرة كما أخذته. والأمة المصرية هادئة وادعة، ومطمئنة ساكنة، وعلى ثغرها هذه الابتسامة الحلوة الواضحة التي لم يبقَ شك ولا ريب فيما تريد أن تدلّ عليه.
ماذا؟ أبعد ثلاثة أعوام لا تشرق الشمس فيها إلا على قوة مسلّطة، ولا تغرب الشمس إلا على مكرٍ مدبر، وكيدٍ مهيَّأ. وتظلّ الأمة كما كانت يوم نهض رئيس الوزراء ليبدّل حياةً بحياة، ونظامًا بنظام؟
ماذا؟ لقد كان الزعماء أول الأمر يهمّون بالكلام فيُؤخذون بالصمت، وبالحركة فيُضطرّون إلى السكون، وبالسفر فيُردّون إلى بيوتهم. وكان يُقال: بقيّة من فوضى يجب أن يمحوها الحزم، وفضل من اضطراب يجب أن يزيله النظام. ويُشرف العام الثالث على غايته والأمر كما كان في الساعة الأولى.
لا ينبغي أن يتكلّم الزعماء، ولا أن يتحرّكوا، ولا أن يسافروا؛ لأن الأمة ما زالت لهم محبّة، وبهم واثقة، وحولهم ملتفّة، ولدعوتهم مستجيبة. وإذن ففيم بُذلت القوى؟ وفيم أُنفقت الجهود؟ وفيم بُعثرت الأموال؟ وفيم أُلغي نظام وأُقيم مكانه نظام آخر؟ وفيم حُلّ برلمان وأُقيم مكانه برلمان آخر؟ وفيم سُلّطت الرغبة والرهبة على الأفراد والجماعات؟ وفيم رُقّعت الوزارة رتقًا؟ وفيم بُسطت أيدي المديرين على الناس بما يُباح وما لا يُباح؟ وفيم أضاع رئيس الوزراء صحته وخضع لسلطان الأطباء؟ وفيم هذا كله، ما دام الرئيس الجليل لا يستطيع أن ينتقل إلا التفّت حوله الأمة كلها كأول يوم ألّفت الوزارة، ولا يستطيع أن يتكلّم إلا خفقت له القلوب كلها كأول يوم ألّفت الوزارة، ولا يستطيع أن يدعو إلا استجابت له الأمة كلها كأول يوم ألّفت الوزارة؟ وإذن ففيم كان كل هذا الجهد؟ وفيم ضُحّي بكل هذا الوقت؟
سؤال لا يجد عند رئيس الوزراء له جوابًا. وإنما تجد جوابه واضحًا جليًّا، لاذعًا مخيبًا للآمال في هذه الابتسامة الحلوة المرّة: الراضية الساخطة معًا، المطيعة الميئسة معًا.
هذا رئيس الوفد وصاحبه لم يكد يمتدّ بهما السفر حتى عجزت الحكومة عن أن تحمل حبّ الأمة لهما والتفافها حولهما. فإذا هي تردّهما كارهين في قطار تحميه الشرطة، أو يحميه الجيش، أو يحميانه معًا. كما هي كارهة حين كانا محاولين السفر في العام الأول من أعوام هذه الوزارة.
وما أحبّت الأمة رئيس الوفد ولا صاحبه افتتانًا بشخصيهما، وهيمان بهما: فهما مثلك ومثلي. ولكن الأمة ترى فيهما مبدأها الذي أقسمت لتبلغه، ومثلها الأعلى الذي أقسمت لتنتهين إليه.
هلمّ إذن يا صاحب الدولة فاجمع من شئت من جنود الشرطة وجنود الجيش. ورُدّ رئيس الوفد وصاحبه إلى القاهرة، وضع كلًا منهما في بيته، وأغلق على كلٍ منهما الأبواب، وأقم دون كلٍ منهما الحجاب، وافعل مثل ذلك بغيرهما من الزعماء: فلن تبلغ بهذا كله فوق ما بلغت. وماذا بلغت؟ وأين تجد القوة على استئناف الجهاد؟ أحركة يأس هي أم حركة رجاء؟
فما أكثر ما تعبث الآمال بالنفوس، وما أكثر ما يعجز الناس عن فهم العبر والعظات! وإن تكن حركة يأس: فأصدق الشاعر القديم حين قال:
ربما تكره النفوس من الأمر له فرجة كحّ العقال
أما أنتِ أيتها البلد العزيز الأبيّ، فاحتفظي بابتسامتك الحلوة المرّة. فليس أشد منها غيظًا لحوادث الدهر، ولا أبلغ منها استهزاء بالمحن والخطوب.
كوكب الشرق ٢٥ – ٣ – ١٩٣٣
مقاومة
Share:
Leave a Reply