وثبتان…
بقلم الدكتور طه حسين
كلتاهما بعيدة المدى، عميقة الأثر، تصور تحولا خطيرا أشد الخطورة وأقواها في حياة مصر. لأنها تصور انتقال الشعب من حياة الخضوع والتردد والإشفاق إلى حياة القوة والإقدام والثقة بالنفس والاعتماد عليها.
أما أولاهما فهي هذه التي كانت حين أعلنت الثورة في دستورها الجديد الموقوت أن أحكام القضاء ومراسيم الحكم، وقوانينه تصدر باسم الأمة. وما أشك في أن المصريين قد وجدوا في أعماق نفوسهم وضمائرهم، هذا الشعور الذي كانوا يطمحون إليه دائما ويردون عنه كلما كادوا يبلغونه، وهو الشعور بالكرامة الوطنية الخالصة، والإباء المصري الصريح، والقوة التي تتيح لمصر منذ اليوم ألا تحسب حسابا لسلطان خارج عن إرادتها فيما تقدم عليه من أمر، وفيما تدبر من خطة وفيما تتخذ من قرار، والمصريون جميعا يعلمون حق العلم ويذكرون حق الذكر أن ساستهم وقادتهم والمسئولين من حكامهم، كانوا لا يفكرون في أمر يأتونه أو يدعونه، ولا في خطة يضعونها، ولا في قرار يعدونه إلا سألوا أنفسهم وتساءلوا فيما بينهم ما عسى أن يقول الملك أو ما عسى أن يظن! وما عسى أن يكون موقف القصر أيكون موقف الرضى! أم يكون موقف السخط! أم يكون موقف التشكك والارتياب!
والمصريون يعلمون حق العلم ويذكرون حق الذكر أن ساستهم، وقادتهم، والمسئولين من حكامهم، كانوا في كثير من المواطن ذات الخطر لا يسألون أنفسهم، ولا يتساءلون فيما بينهم عن موقف الملك والقصر وحدهما وإنما يسألون ويتساءلون عن موقف الإنجليز، أيرضون أم يسخطون أم يرتابون؟ وما عسى أن تكون نتيجة الرضى أو السخط أو الارتياب! وكان هذا الخضوع يثبط الهمم ويفل الحد ويورط في التردد والاضطراب، ويلقى في روع المصريين جميعا أن أمورهم ليست إليهم وحدهم، وإنما هي دائما إلى ذلك المحجب في قصره، وهي أحيانا إلى القوة المحتلة الجاثمة على صدر الشعب تنغص عليه حياته وتوشك أن تحول بينه وبين التنفس الحر الطلق فقد انهار هذا كله
انهيارا. ومضى هذا كله إلى غير رجعة، وردت إلى مصر كرامتها الصريحة الخالصة فاستطاعت أن تقول للملك لا، واستطاعت أن تجليه وتجلي معه سلطانه إلى ما وراء البحر.
ثم استطاعت بعد ستة أشهر أن تقول للإنجليز وأن تنزلهم عند رأيها في تقرير حقوق السودانيين في أن يختاروا لأنفسهم ما يحبون أن يختاروه أحرارا كراما لا يخضعون لرغب أو رهب، ولا يتأثرون بخوف أو إغراء.
وكانت هذه هي الوثبة الثانية التي أتمت الوثبة الأولى وجعلت كرامة مصر وعزتها وإباءها واستقلالها حقائق واقعة، تراها العيون وتسمعها الآذان وتخفق بها القلوب لا أماني يخدع بها المغرورون ولا أضاليل يعلل بها العاجزون.
قالت الثورة للملك السابق: التمس لحياتك ميدانا غير مصر فلم يستطع إلا أن يسمع ويطيع.
وقالت الثورة للإنجليز: يجب أن يختار السودانيون لأنفسهم وأن يقرروا مصيرهم بإرادتهم الحرة المطلقة التي لا تشوبها شائبة. فطاولوا وماطلوا، وحاولوا أن يسلكوا تلك الطرق التي سلكوها فيما مضى وأن يلتووا بالوعود ويتعللوا بالعلل. ولكن الثورة ثبتت في مكانها وحزمت أمرها والتزمت بما قالت، ولم تحفل بمداورة ولا بمناورة، ولم تقبل مطاولة ولا مماطلة وسبقت إلى السودانيين فألقت في روعهم وأقرت في ضمائرهم ما ألقته في روع المصريين وما أقرته في ضمائرهم من الشعور بالكرامة والعزة والإباء، ونظر الإنجليز فإذا الطرق قد أخذت عليهم من جميع أقطارها وإذا وسائل المكر والحيلة والالتواء قد صرفت عنهم، وإذا أسباب المطاولة والمماطلة قد تقطعت بهم فنزلوا عند ما أراد المصريون والسودانيون، واستطاع نجيب وأصحابه أن يقولوا لا للإنجليز كما قالوا لا للملك السابق وأن يقولوها جادين حازمين صارمين، لا يجرونها على أطراف ألسنتهم، وإنما ينطقون بها قلوبهم وضمائرهم، ويستعدون لنتائجها وأعقابها مهما تكن.
فبلغوا من الملك السابق ومن الإنجليز ما أرادوا، وما أرادت مصر والسودان، وهم قاطنون في وطنهم لا يعبرون البحر ولا المحيط، وهم محتفظون بقوتهم وصبرهم وثباتهم واطمئنان نفوسهم وابتسام ثغورهم وإشراق وجوههم لا يسرفون في قول ولا عمل، ولا يسرفون في إبراق ولا إرعاد وإنما ثبتت أقدامهم فلم تتحول عن مواضعها، وقالوا: لا ولم يقولوا غيرها، وانتظروا نتائجها مستعدين لها مهما تختلف، فكان لهم ما أرادوا وكان لوطنهم ما أراد.
فلهم ولوطنهم أصدق التهنئة وأخلصها وأذكاها، ولم أحب أن يفكر المصريون ويطيلوا التفكير والتدبر في هذا الدرس الذي ألقته الثورة عليهم فهي قد فتحت لهم به آفاقا بعيدة، وبسطت لهم به آمالا عراضا وألقت إلى نفوسهم وقلوبهم أن الكرامة والإباء والعزة ومضاء العزم، وصدق الرأي وتصميم الإرادة. كل هذه خصال لا تتحقق بالكلام الكثير ولا بالنشاط المضطرب وإنما تتحقق وتؤتى ثمرها بالثبات الصادق على الرأي والتصميم الحازم على الخطة واستقبال الخطوب في غير احتفال بها ولا التفات إليها حتى يبلغ الإنسان ما يريد متمثلا قول الشاعر القديم:
إذا هم ألقى بين عينيه غرمه
ونكب عن ذكر العواقب جانبا
ولم يستشر في رأيه غير نفسه
ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا
وهذا الدرس الذي ألقته الثورة لم يرد على المصريين والسودانيين كرامتهم فحسب وإنما مهد لهم الطريق المستقيمة إلى حل مشكلاتهم كلها فالخطة التي أنزلت الإنجليز عند رأي مصر في أمر السودان يوم الخميس وأجلت الملك السابق عن مصر في السادس والعشرين من شهر يوليو الماضي هي وحدها التي ستجلي جيش الاحتلال عن القناة في وقت قريب لعله أقرب جدا مما يظن المتفائلون والمتشائمون جميعا.
نية صادقة وبصيرة نافذة وإرادة مصممة وقصد إلى الخير وحده بهذا كله. هذه هي الخصال التي لا تثبت أمامها المصاعب إلا ريثما تذلل ولا تقوم في سبيلها العقبات إلا ريثما تزول وكلما قوي التجاوب بين الثورة والشعب وقوي إيمان الشعب بنفسه وحقه وكرامته وثباته على رأيه وتصميمه على إرادته واستعداده للتضحية في سبيل الحق. كان بلوغ الغاية أدنى مدى وأقرب منالاً.
ها نحن هؤلاء لأول مرة منذ عهد بعيد جدا نسمع القضاة يصدرون أحكامهم باسم الأمة ونقرأ القوانين والمراسيم تصدرها الحكومة باسم الأمة باسم كل واحد من أبناء هذا الوطن، فنحس أقوى الإحساس وأصدقه بأن الأمر أمرنا نحن وبأنا نحكم أنفسنا لا يحكمنا فرد مسلط ولا تتدخل في حكمنا قوة أجنبية وإنما يصدر الحكم من السلطة التي ائتمنت نفسها على حقوقنا والتي ائتمنناها نحن على حقوقنا، والتي ستؤدي إلينا الأمانة كاملة حين تنتهي فترة الانتقال لأنها تؤمن إيمانا صادقا لا ارتياب فيه بأن الله يأمر المؤمنين أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها.
وها نحن هؤلاء لأول مرة منذ عهد بعيد بعيد جدا نطلب إلى الإنجليز بعد أن حزمنا أمرنا أن يجيبوا في غير مماحكة ولا مداورة بنعم أو لا. فيجيب الإنجليز بنعم غير مماحكين ولا مداورين مع أنهم أبرع أمم الأرض في المماحكة وأمهر أمم الأرض في المداورة والالتواء.
هاتان وثبتان لهما ما بعدهما من غير شك لم نقهر بأولاهما الملك السابق وحده، وإنما قهرنا بها الطغيان كله في نفس الملك السابق وفي نفوسنا نحن والانتصار على النفس هو أعظم أنواع الفوز. وأنزلنا بالثانية الإنجليز عندما أردنا في غير ضجيج ولا عجيج فلم ننتصر على الإنجليز وحدهم وإنما انتصرنا على أنفسنا قبل أن ننتصر عليهم لأننا أخذناها بالقصد في القول والثبات على الرأي والبراءة من الهوى والانتصار على النفس خير أنواع الانتصار.
وما أريد أن يخدع المصريون أنفسهم ولا أن يطمئنوا إلى ما بلغوا وإنما أريد أن يعلموا أنهم في أول الطريق وأن حياة الشعوب شيء يعرف أوله ولا يعرف آخره وأنها لا تجري دائما على ما يشتهون.
فهم قد كسبوا بهاتين الوثبتين شيئا كثيرا ولكن عليهم أن يكسبوا أكثر جدا وأكثر مما كسبوا.
يجب أن يجلي الإنجليز ويجب أن يشمل الإصلاح السريع الحاسم فروع حياتنا كلها وسبيل ذلك أن نؤمن بالحق أعمق الإيمان وأقواه وأن نمضي في سبيله غير هيابين ولا مشفقين ولا مترددين وأن ننسى أنفسنا في سبيل ما نريد من تحقيق الإصلاح وإقرار العدل ولا أن نحفل بالعواقب ولا نكترث بالخطوب.
وكنت إذا قوم رموني رميتهم
فهل أنا في ذا بالهمدان ظالم
متى تجمع القلب الذكي وصارما
وأنفا حميا تجتنبك المظالم
طه حسين
الأهرام ١٥\٢\١٩٥٣
وثبتان
Share:
Leave a Reply