Tag: الأزمة البرلمانية

  • مريض | A Sick Man

    حديث المساء: مريض

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٢٠ ديسمبر ١٩٣٣

    ليس هو صدقي باشا، فقد أصبح مرض صدقي باشا لا يعنينا بعد أن خرج من الحكم وأصبح رجلًا من عامة الناس. إنما كان مرض صدقي باشا شيئًا يصح الوقوف عنده حين كان الدكتاتور العظيم مستأثرًا بشئون الحكم، عاجزًا كل العجز عن تصريفها، مستمتعًا بلذات الحكم، عاجزًا كل العجز عن أن يحتمل ما يقابل هذه اللذات من الجهد في خدمة البلاد، مستحلًّا لمرتبه الضخم، عاجزًا كل العجز عن أن يؤدي مقابل هذا المرتب الضخم. منتهزًا فرصة استئثاره بالحكم ليصطاف في أوروبا على حساب الدولة، وليصطحب الحاشية على حساب الدولة، وليشتري السيارات في باريس على حساب الدولة، وليعيش في فرنسا وسويسرا على حساب الدولة، عيشة السراة المترفين، دون أن تستطيع الدولة أن تنتفع منه بشيء يعدل أو يقارب كل ما كانت تمنحه من المزايا على اختلافها وتباينها.

    في ذلك الوقت كان مرض صدقي باشا شيئًا يصح الوقوف عنده والحديث عنه؛ لأن صدقي باشا في ذلك الوقت كان يأتي أمرًا خُلقيًّا غريبًا فيه شذوذ فاحش عن أصول الحق والعدل، ونقاء اليد ونزاهة الضمير. فلم يكن بد من أن نلفته إلى ذلك، وندله عليه وندعو الناس إلى أن ينظروا إلى حقوقهم كيف تهدر، وإلى مصالحهم كيف تضاع، وإلى عقولهم كيف تتخذ هزءًا وسخرية؛ لا لشيء إلا لأن رجلًا من الناس لم يكن يريد أن يستقيل.

    أما الآن وقد أصبح صدقي باشا رجلًا عاديًّا لا يحتمل من أعباء الدولة قليلًا ولا كثيرًا، فليس التحدث عن مرضه والإسراف في هذا الحديث شيئًا يعني السياسة وما تقتضيه من الجدال. ولعل التحدث عن مرضه والإسراف فيه أن يشذَّا عما يلائم الذوق والمجاملة، وما ينبغي أن يحرص عليه الرجل الكريم من الارتفاع عن صغائر الأشياء، وما لا يلائم منها أوضاع الحياة الاجتماعية الراقية.

    ولذلك أنكرنا منذ حين على رئيس الوزراء تعريضه بمرض خصمه وإلحاحه في هذا التعريض حين ألقى خطبته في مصر الجديدة. ولذلك ننكر اليوم على رئيس الوزراء رجوعه إلى ذكر المرض والتنديد به حين تحدث إلى المقطم أمس. فقد كنا نحب لرئيس الوزراء وهو الرجل الطيب الذي يتحدث الناس بأنه لا يحرص على التأنق في الزي والشكل وحدهما، بل يحرص عليه في القول وفي السيرة الاجتماعية أيضًا. ومهما يكن من شيء، فكنا نود أن لا تكون النغمة التي ذهب إليها رئيس الوزراء أمس هي التي يهبط بها الوحي على بعض الصحف فتغلو في توقيعها واستخراج ألحانها حتى تصف صدقي باشا باضطراب العقل وبشيء يشبه الجنون إن لم يكن هو الجنون. ولكن رئيس الوزراء وصحفه أحرار فيما يؤثرون لأنفسهم من سلاح يحاربون به صدقي باشا، وفيما يؤثرون أنفسهم من ارتفاع بالخصومة إلى حيث ينبغي أو هبوط بها إلى حيث لا ينبغي.

    ومهما يكن من شيء، فليس المريض الذي نريد أن نتحدث عنه اليوم هو صدقي باشا، بل ليس هو فردًا من الأفراد، ولا هيئة من الهيئات، وإنما هو معنًى من المعاني، وفن من الفنون. وقد يضحكك هذا الكلام! فأنت لا تتصور أن تمرض المعاني وتسلم، وأنت لا تتصور أن تعتل الفنون وتصح، ولكني مع ذلك سأحدثك عن معنًى مريض وأسلوب عليل. ولست أرى بأسًا بأن تضحك وتلهو، فإني لا أحب أن أُبكي القراء؛ إلا حين لا يكون من بكائهم بد. فاضحك إذا ما شئت، والْهُ إذا ما أحببت، وحسبي ألا تُتم قراءة هذا الفصل حتى توافقني على ما أقول من أن في مصر الآن معنًى مريضًا وفنًّا عليلًا. وهذا المعنى المريض وهذا الفن العليل، هو هذا المذهب الذي تصرف عليه أمورنا في هذه الأيام، هو هذا الأسلوب الذي تجري عليه شئون الحكم بيننا في هذا العهد السعيد. فيكفي أن تنظر إلى هذه الأحداث التي تشرق عليها الشمس ويظلم عليها الليل؛ لتعرف أن سياستنا الرسمية قد أصيبت بمرض عضال ليس أقل خطرًا عليها من مرض صدقي باشا على صحة صدقي باشا، حين كان المرض عليه ثقيلًا ملحًّا.

    وأكبر الظن أن هذا المرض الذي أصاب سياستنا الرسمية سيزداد إلحاحًا، وستثقل وطأته من يوم إلى يوم، حتى تنحل هذه السياسة انحلالًا أو حتى تجهز عليها الظروف إجهازًا؛ لتريحها من نفسها ولتريح الناس منها. وقد تسأل الأطباء عن تشخيص هذا المرض، وتحقيق هذه العلة فيختلف الأطباء في هذا التحقيق وذلك التشخيص؛ فبعضهم يرى أن السياسة الرسمية مريضة بصدقي باشا لا تستطيع أن تخلص منه ولا تستطيع أن تسيغه أو تهضمه أو تحتمله! وكيف تريد أن تخلص منه وهو مقيم في مصر لا يريد أن يرحل عنها إلى الشمال ولا إلى الجنوب، وليس في الدستور المصري القديم أو الجديد ما يبيح نفي المصريين من الأرض وإخراجهم من ديارهم كارهين. فهي إذن مضطرة إلى أن تقبل كارهة بقاء صدقي باشا في مصر. وهو باقٍ، ولكنه لا يريد أن يعتزل السياسة ولا أن ينفض يده من ترابها، وإنما هو يحب السياسة الرسمية ويكلف بها كما يحب السرطان جسم الإنسان أو الحيوان. وقد وجد الطب شفاءً، بل ألوانًا من الشفاء لضروب العلل، ولكن السرطان أعيا الأطباء إلى الآن، كما أن الحماقة أعيت الفلاسفة ورجال الأخلاق إلى الآن. وصدقي باشا يمكر بهذا الجسم العليل جسم السياسة الرسمية كما يمكر السرطان بجسم المريض، فهو يثقل، ويشتد، ويمتد حتى يدفع السياسة الرسمية إلى الصياح والإلحاح في الشكوى، وتجنيد الأطباء واستدعاء الممرضين من جميع الأقاليم. ثم يتضاءل ويتناقص ويستخفي حتى يشعر المريض كأنه قد برئ من المرض فيتنفس ملء رئتيه، ويتكلم ملء شدقيه، وينظر ملء عينيه، ويسمع ملء أذنيه، ويعتقد أنه قد أخذ على الأيام عهدًا بالسلامة والأمن وطول البقاء. وإنه لفي ذلك، وإذا السرطان الغريب المتنقل قد ظهر في ناحية من أنحاء جسمه، وأخذ يقوى وينمو ويشتد حتى ينغص على مريضه نوم الليل ويقظة النهار. ويقول الأطباء: إن هذا المرض لن يترك السياسة الرسمية حتى يستنفد منها آخر قطرة من قطرات الحياة. ولكن أطباء آخرين يقولون: ليس من شك في أن السياسة الرسمية مريضة بصدقي باشا. ولكن صدقي باشا وحده ليس كل شيء، ومع أن السرطان داء خَطِر أعيا الأطباء، فإن أصحاب السرطان يعيشون عليه أعوامًا وأعوامًا. ولكن السياسة الرسمية مريضة بشيءٍ آخر وإنها مصابة منذ نشأت بضعف عام قد انتشر في بنيتها كلها، فجعلها غير قادرة على المقاومة ولا قابلة لاحتمال العلاج. انظر إليها من جميع أنحائها فستجد فيها ضعفًا ظاهرًا لا يخفى على أشد الناس سذاجة فضلًا عن الأطباء. فلو لم تكن ضعيفة من ناحية الوزارة لما استطاع صدقي باشا أن يلعب بها هذا اللعب الغريب المتصل. وقد قيل: إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، ومع ذلك فقد لدغت الوزارة من جحر صدقي باشا مرات! ثم انظر إليها من جهة الأحزاب فسترى أنها ضعيفة حقًّا. أموجودٌ حزب الشعب أم غير موجود، أقوي هو أم ضعيف؟ أمخلصٌ هو لرئيس الوزراء أم متنكرٌ هو لرئيس الوزراء؟ أَوَفيٌّ هو لصدقي باشا أم غادرٌ هو بصدقي باشا؟

    هذه أسئلة تستطيع أن تلقيها فستظفر حين تلقيها بأجوبة طريفة. فحزب الشعب موجودٌ غير موجودٍ؛ موجود إذا اختصم صدقي باشا وعبد الفتاح باشا فظهرت المنافع والمطامع، ولاحت أشباح الأمل والرجاء. وهو غير موجود إذا ظهرت القوة وكشرت عن نابها. وهو كذلك قوي وضعيف، وهو كذلك مخلص ومتنكر، وهو كذلك وَفِيٌّ وماكر.

    ثم انظر إليها من هذه الجهة جهة الصلة بين الوزارة والبرلمان؛ فسترى مرضًا ظاهرًا جِدًّا، ظهر حتى شاع أمره في الآفاق ونشرته الصحف الإنجليزية، وأفاضت فيه. ألم تقرأ ما نشرته الديلي تلغراف وهي صديقة الوزارة القائمة بعد أن كانت صديقة الوزارة الساقطة، وستكون بإذن االله صديقة الوزارة المقبلة. فالديلي تلغراف تقول: إن الوزارة القائمة قوية قابضة على أعنة الأمور؛ لأن في يدها سلاحًا قاطعًا هو تهديد النواب بحل مجلس النواب. أرأيت إلى حياة نيابية تتحدث عنها الصحف الأجنبية بهذا الحديث؟! أرأيت إلى وزارة قوية؛ لأنها تهدد بحل مجلس النواب، وإلى نواب أقوياء واثقين بالوزارة؛ لأن الوزارة تهددهم بالحل والتفريق؟! ومع ذلك فهذا كلام نشرته الديلي تلغراف صديقة الوزارة بعد أن نشرته صحف مصرية موالية للوزارة. والغريب أن رئيس الوزراء ينكر ما نسب إليه، وأن وزير التقاليد ينكر ما نسب إليه، وأن وزير الداخلية ينكر ما نسب إليه، وأن نوابًا يسعون إلى صدقي باشا، وإلى غير صدقي باشا مؤكدين أن رئيس الوزراء قد قال ما نسب إليه، وأن وزير التقاليد قد قال ما نسب إليه، وأن وزير الداخلية قد قال ما نسب إليه. والغريب أن جماعة من النواب يهيئون استجوابًا في هذا الموضوع ولا يصدقون الوزراء حين ينكرون بل يريدون التحقيق. ولست أدري كيف يكون هذا التحقيق؟ أيكون والوزارة قائمة في الحكم، أم يكون بعد أن تستقيل الوزارة؟ أم يكون والوزارة بين البقاء والفناء موقوفة عن الحكم؟! أكبر الظن أن هذا كلام يقال، ومن الممكن جِدًّا أن يكون الاستجواب نفسه كلامًا يقال.

    وأظرف من هذا كله وأطرف أن نائبًا من النواب زعم للناس أنه سيوجه سؤالًا إلى رئيس الوزراء، وسيقول له في المجلس بمحضر من إخوانه جميعًا أنه سمع منه هذا الكلام الذي ينكره. وكان هذا النائب يقول هذا الكلام أمس قبل الظهر أو نحو الظهر، وكان يزعم أن سؤاله مستعجل، وأنه سيلقى إذا كان الليل، فلما أقبل الليل وانعقد المجلس كان هذا النائب بين المعتذرين.

    أترى إلى هذا كله؟ أتظن أن هذا كله يصدر عن سياسة صحيحة بريئة قوية البنية قادرة على المقاومة والاحتمال؟ كلا، إنها سياسة مريضة حقًّا، مريضة إلى أقصى غايات المرض. وحسبك أن تذكر أن مجلس النواب اجتمع أمس فلم يستطع أن ينشط لانتخاب لجنة الرد على خطاب العرش، بل تخفف من هذا الانتخاب على مكتبه، ثم انصرف ليستريح مع مجلس الشيوخ إلى يوم الإثنين. وهو معذور؛ صوم بالنهار وسياسة بالليل، هذا كثير! ولا سيما حين يكون الإنسان متعبًا مكدودًا قد أصابه هذا المرض الجديد الذي يسميه الأطباء صدقي باشا.

    سياستنا الرسمية إذن مريضة كصدقي باشا حين كان مريضًا، فقد يقال: إنه قد ثاب إليه الشفاء، أو هي أشد مرضًا من صدقي باشا، وهي تحتمل من هذا المرض وتُحمِّل الناس عناء لا حدَّ له. ألستَ ترى معي أن الخير والرحمة لأنفسنا ولهذه السياسة المسكينة أن نسأل الله ببركة شهر الصوم أن يعجل لها بالراحة من هذا العناء؟!

  • رحمة | Mercy

    حديث المساء: رحمة

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٩ ديسمبر ١٩٣٣

    لا ينبغي أن نيأس من قلوب الناس؛ فقد تقسو هذه القلوب حتى تكون كالحجارة أو أشد قسوة، ثم يمسها بعد ذلك جناح من الخير والبر، ومن العطف والإشفاق؛ فإذا هي ترق وتلين حتى كأنها النسيم الرقيق، والماء العذب الصفو.

    ولا ينبغي أن تيأس من نفوس الناس؛ فقد تخشن وتجفو، ثم إذا بلغت أقصى غاية الخشونة، وأبعد آماد الجفوة، مسها ذلك الجناح السحري، فإذا هي ناعمة ملساء صافية حلوة كأنها العسل الماذي الذي تحدَّث عنه الشعراء الأقدمون.

    لا ينبغي أن تيأس من شيء؛ فكل شيء ممكن حتى أن يلين قلب صدقي باشا بعد شدة، وتلطف نفس صدقي باشا بعد حدة، ويصفو طبع صدقي باشا بعد جفوة، ويصبح هذا الطاغية الجبار مَلَكًا حلو الشمائل، كريم النفس، رحيم القلب، عطوفًا على الناس رءوفًا بهم، يرحمهم حتى إنه ليحتمل في سبيلهم المكروه، ويتجشم في سبيلهم الأهوال. وماذا تنكر من هذا وأنت ترى صدقي باشا يرق للحياة النيابية، ويفيض رحمةً للنواب، وحنانًا عليهم، وخوفًا أن تمسهم الحكومة بما يكرهون، أو أن يردهم الحل إلى حيث كانوا قبل أن يدعوا إلى قبة البرلمان، وإذا هو يخرج من صمته، ويتخلص من هدوئه وسكونه، ويتخفف من عزلته، ويضحي براحته، ويكتب إلى رئيس مجلس النواب يسحب استقالته من مجلس النواب؟!

    وقد يظهر لك هذا غريبًا طريفًا، ولكن الغرائب قد تقع، والطرائف قد تحدث، وليس على الله بمستنكر أن يرد الأشياء إلى أضدادها، ويحول سير الناس إلى نقائضها، ويجعل صدقي باشا رجلًا شفيقًا رحيمًا يشفق على النواب من مس النسيم بعد أن لم يشفق على الشعب من مس النار والحديد.

    نعم، لم يشفق صدقي باشا على أولئك المصريين الذين حصد الرصاص نفوسهم حصدًا، ومزقت الحراب أجسامهم تمزيقًا، وهشمت المقامع عظامهم تهشيمًا.

    لم يشفق صدقي باشا على واحد من هؤلاء، بل كان صدقي باشا ينظر إليهم وإلى ما يصيبهم، فيطغيه ما يرى، ويزدهيه ما يسمع، ويعلن إلى محدثيه أنه أصبح لا يخشى إلا الموت.

    فلما أبعد عن الحكم وأخرج من الحرب، واضطر إلى أن يستقيل من مجلس النواب؛ عادت إلى قلبه الرحمة، وثابت إلى نفسه الدعة، فلم يكد يحس نذير الحكومة أمس بحل مجلس النواب إن لم يقبل استقالته، حتى أسرع إلى هذه الاستقالة فسحبها سحبًا، وابتلعها ابتلاعًا، رحمةً بالنواب، وحمايةً للنظام الحاضر، وصيانة للتقاليد الدستورية.

    ألست ترى معي أن النكتة فاترة، وأن المزاح سخيف، وأن التكلف بريء كل البراءة من المهارة الفنية، خلو كل الخلو من اللباقة والرشاقة اللتين كان الناس يعرفونهما عن الدكتاتور العظيم، أيام كان قويًّا جريئًا لا يخاف إلا الموت؟

    بلى، وليس من شك في أن رئيس الوزراء لم يخطئ حين صوَّر موقف صدقي باشا أمس في صورته الصحيحة، فأعلن أنه إنما استرد استقالته حين استيقن أن المجلس سيقبلها، واستيأس من أن أحدًا سيذود عنه أو يتعصب له؛ ذلك أن صدقي باشا أعلم الناس بأصحابه، وأشد الناس، وأحسن الناس ابتلاءً لسرائرهم، وامتحانًا لطاقتهم.

    رأى منهم الخذلان فاستقال حتى لا ينهزم أمام الدكتور رفعت باشا، ثم رأى منهم الخذلان فاسترد استقالته أمس حتى لا يقبلها النواب بالإجماع أو شيء يشبه الإجماع. وكل شيء يدل على أن رئيس الوزراء كان مصيبًا في هذا التصوير؛ فهذا مرشح الوزارة لوكالة المجلس قد ظفر أمس بمائة أو نحو مائة من الأصوات بعد أن لم يظفر يوم الخميس إلا بأربعة وخمسين صوتًا، فكان النذير إذن قد أحدث آثاره، وانتهى إلى نتائجه، وكانت نظرات الغضب التي أرسلها الرجل الطيب ووزير التقاليد القديم ووزير التقاليد الجديد قد انتهت إلى غايتها، فطابت قلوب النواب لما تحب الوزارة، ولو قد عرضت استقالة الدكتاتور أمس لقبلت دون أن تنتطح فيها عنزان، كما يقول المثل القديم.

    فصدقي باشا إذن لم يشفق على النواب ولا على الحياة النيابية من الخلاف بين الهيئة التشريعية والهيئة التنفيذية حول شخصه العظيم، وإنما أشفق على نفسه من الاتفاق بين الهيئتين على شخصه هذا. ولعله أشفق على النواب والحياة النيابية من قبول استقالته، فلو قد قبل النواب استقالته، وذلك شيء لم يكن منه بد لسجلوا على أنفسهم أنهم قد سمعوا النذير فخافوه، واضطروا إلى الطاعة والإذعان.

    وصدقي باشا رجل يحب النواب، ويؤثرهم بالخير، ويفديهم بالنفس والمال، ولا يريد أن يعرضهم لرفض الاستقالة، وما يتبعه من الحل، أو لقبول الاستقالة وما يتبعه من سوء الحديث؛ فهو على كل حال بطل من أبطال التضحية، وهو على كل حال خليق أن يعرف له النواب هذه الصنيعة، ويشكر له النواب هذه النعمة، ولكن صدقي باشا رجل قد أصبح الآن فيلسوفًا، يعرف الناس، ولا ينتظر منهم فوق ما يطيقون، ولكن صدقي باشا قد أصبح الآن خيِّرًا بطبعه يعمل الصالحات، ويقدم المعروف، ويحسن إلى الأصدقاء والخصوم، ولا يبتغي بذلك جزاءً ولا شكورًا، ولا يريد بذلك إلا وجه الله، وخدمة الوطن خالصة لوجه الله، ولوجه الوطن. وقد يكون هذا غريبًا، ولكن الغرائب تقع، والطرائف تكون.

    وتسألني بعد ذلك عن التفسير الصحيح لهذا الموقف الظريف الذي وقفه صدقي باشا أمس، فعلم هذا التفسير عند الله، ولعله عند أكواب الشاي التي شهدت خلوته مع المندوب السامي السابق مساء الثلاثاء. فأنت توافقني على أن من الغريب أن يخلو صدقي باشا إلى السير برسي لورين مساء الثلاثاء، فيتقبل صورته الفوتوغرافية، حتى إذا كان مساء الأربعاء عاد صدقي باشا إلى الصحف، فتحدث إلى الأهرام، حتى إذا كان الخميس سقط مرشح الحكومة لوكالة النواب، وكاد مرشحها الآخر أن يبلغ القاع، حتى إذا كان صباح الجمعة ظهرت لصدقي باشا صحيفة تذود عنه وتنطق بلسانه، حتى إذا كان السبت والأحد كثر الكلام وشاعت الإشاعات، وتحدث الناس بأن لصدقي باشا أنصارًا قد يأبون قبول استقالته، واضطر الحزبان الشقيقان أن يحتاطا لذلك، فقال رئيس الوزراء ما قال، وقال وزير التقاليد ما قال، وقال وزير الداخلية ما قال، حتى إذا كان مساء الأمس ظهر صدقي باشا فجأة في الملعب، فاسترد استقالته وعاد إلى الحظيرة في مجلس النواب.

    قل ما شئت؛ فإن هذه الحوادث المتعاقبة لا تخلو من دلالة، وقل ما شئت في هذه الدلالة، فإنها كافية لدفع رجل ضعيف كصدقي باشا إلى أن تعاوده الآمال الكذاب؛ فيستأنف النشاط، ويسترد استقالته من مجلس النواب، ويعود إلى حيث يناوئ خصمه الرجل الطيب رئيس الوزراء.

    ورب لين خير منه القسوة، ورب رحمة خيرٌ منها العنف، وهل يعلم صدقي باشا أنه كان أقسى على النواب أمس من رئيس الوزراء، وأنه كان أغلظ عليهم وأعنف بهم من وزير الداخلية ووزير التقاليد؟ فهو يسجل عليهم أن رئيس الوزراء قد أنذرهم، وهو يسجل عليهم أنه استرد استقالته ليحمي الحياة النيابية، فقد كانوا هم إذن عاجزين عن أن يحموا الحياة النيابية، وعن أن يذودوا عن أنفسهم ويحفظوا كرامتهم.

    أكان صدقي باشا مخلصًا فيما يقول؟ وهل بلغ ازدراؤه لكفاية النواب وقدرتهم على النهوض بواجبهم لأنفسهم وللحياة النيابية إلى هذا الحد؟ أكان صدقي باشا عابثًا فيما يقول؟ وهل بلغ استخفافه بعقول النواب والوزراء إلى هذا الحد؟ أم يريد صدقي باشا أن يشارك رئيس الوزراء فيسجل الفشل الذي ليس بعده فشل على سياسة هذه الأيام؟

    رئيس الوزراء ينذر بحل المجلس إذا لم يذعن النواب لما تريد الحكومة، وصدقي باشا يسترد استقالته خوفًا على المجلس من الحل، والنواب ماذا يصنعون بين هذين الرجلين. هذا يدفعهم، وهذا يلقاهم! هذا يخوفهم، وهذا يحميهم. ومعنى هذا كله أن الحياة النيابية في مصر قوية ثابتة صالحة لا خوف عليها، ولا بأس بها، ولا فساد فيها. أليس هذا مضحكًا؟ أليس هذا مُسلِّيًا للصائمين؟ أليس هذا مُعينًا على احتمال أثقال الصوم؟ بلى، ولكنه في الوقت نفسه مؤلم ممض؛ فقد استحالت أمور السياسة الرسمية إلى نوع من العبث الرخيص الذي لا مهارة فيه ولا لباقة ولا فن، وأصبحت شئون مصر الرسمية فنًّا من فنون اللهو التي يصطنعها الناس في أنديتهم ومجالسهم لا أكثر ولا أقل.

    ألم يُقدِّر الله لهذا البلد أن تعود أموره إلى شيءٍ من الجد، وألا تفسد سياسته بين رجلين يختصمان فإذا هما يلعبان؟

  • انتظار | Waiting

    انتظار
    طه حسين
    كوكب الشرق
    ٣ ديسمبر ١٩٣٣

    زعموا أن توقع البلاء شر من وقوع البلاء؛ لأن في توقع المكروه عذابًا مصدره الاضطراب بين الأمل واليأس، وبين القنوط والرجاء، ولأن في وقع المكروه يأسًا مريحًا، يستتبع الإذعان لما لم يكن منه بد. ومن المحقق أن عمد السياسة الرسمية يشقون في هذه الأيام بانتظار طويل ثقيل، ويلقون في هذه الأيام عذابًا يُمِضُّ النفوس، ويقضُّ المضاجع، ويحتملون في هذه الأيام آلامًا ليس الصبر عليها والثبات لها بالشيء اليسير.

    يذوق الصدقيون عذاب الانتظار لما ستتكشف عنه الأحداث من فوز الدكتاتور العظيم أو اندحاره. ويذوق العبفتيون عذاب الانتظار لما ستنجلي عنه الخطوب من انتصار رئيس الوزراء أو اضطراره إلى الانهزام وإلقاء السلاح، أو إلى الاستطالة وحل مجلس النواب. ولعل الخصمين — صدقي باشا وعبد الفتاح يحيى باشا — أشد القوم ألمًا وأعظمهم ضيقًا بهذا الانتظار. فالشعبيون إذا فتشت أمورهم سعداء بهذا الموقف الظريف الذي انتهوا إليه؛ كل منهم يسعى إليه، وكل منهم يرغب فيه، وكل منهم يسعى في تأييده، ويحرص على معونته. كل منهم يلقى ابتسامات حلوة مشرقة وضاءة من صدقي باشا، وكل منهم يلقى من وراء هذه الابتسامات آمالًا وأمانيَّ تسبغ على الحياة لونًا ورديًّا جميلًا ساعة من نهارٍ أو ساعة من ليل. كل منهم يشعر بأنه في هذه الأيام قادر على صدقي باشا، بعد أن كان صدقي باشا قادرًا عليه، متحكم في صدقي باشا بعد أن كان صدقي باشا متحكمًا فيه. كل منهم يستطيع أن يلقى طاغية أمس بشيء من الذل الذي يغيظ ويحرج، وبشيء من التيه الذي يملأ الصدور كمدًا والقلوب غلًّا وحقدًا، ويضطرها مع ذلك إلى التملق والاسترضاء والإذعان لأحكام القضاء. كل منهم يذكر تلك الأيام التي كان صدقي باشا فيها أرفع وأكبر من أن يصدر أوامره بطرف اللسان إلى واحد منهم، إنما كان يريد فيبتسم أو يريد فيعبس، أو يريد فيشير وبطرف العين أو بطرف البنان؛ فإذا الأنصار والأعوان يسرعون إلى السمع والطاعة والنزول عند ما يريد الدكتاتور العظيم. فأصبح الآن صدقي باشا يسعى ويلح في السعي ويتوسل ويغلو في التوسل، يمد الموائد ويفتن في إعداد الطعام، ويرسل المغريات عن يمين وشمال ويوجه الرسل والسفراء، وينطلق لسانه بالحمد والثناء والاستعطاف والاستجداء لعل أتباعه يستجيبون له فيجددوا معه أكل الخبز والملح. وبينما الشعبيون يدلون ويتيهون ويشعرون بهذه الغبطة التي يشعر بها من عز بعد ذلة، وأمر بعد طاعة، وتحكم بعد خضوع، إذا رئيس الوزراء وأصحابه يبسمون هم أيضًا للشعبيين ويترضونهم ويتقربون إليهم، ويرسلون إليهم الرسل والسفراء. وقد كان الشعبيون من قبل يسعون إلى رئيس الوزراء، وإلى الوزراء، فأصبحوا الآن يُقصَدون بفتح الصاد ولا يَقصِدون بكسر الصاد، أصبحوا الآن يغالون بأنفسهم ويكبرون على هؤلاء الذين كانوا ينظرون إليهم أمس في غطرسةٍ وكبرياء. وليس قليلًا أن يحس الشعبيون أنهم قادرون على أن يتحكموا في مؤسس النظام القائم، وفي حامي النظام القائم. أضف إلى ذلك أن الشعبيين رابحون على كل حال: رابحون طعامًا وشرابًا عند لملوم باشا وعلي المنزلاوي بك، ورابحون طعامًا وشرابًا اليوم عند صدقي باشا، وعند صدقي باشا يوم الخميس. فما عليهم أن يطول الخصام ويتصل الخلاف! وهم يجدون في ذلك هذه اللذات المختلفة لذات الذين يتحكمون ولم يتعودوا أن يتحكموا، ويثيرون الطمع ولم يتعودوا إلا أن يكونوا طامعين، وينعمون بما لا يتاح للناس أن ينعموا به في هذه الأيام إلا حين تشتد الخصومات بين رئيس وزارة كعبد الفتاح يحيى باشا، ورئيس حزب كإسماعيل صدقي باشا.

    أما الذين يَشْقَوْنَ بهذا الخلاف ويبتئسون بهذه الخصومة، ويذوقون ألوان العذاب بينما يذوق غيرهم ألوان الطعام والشراب، فهم القادة والسادة الذين يسمعون الوعد ويشفقون من الإخلاف، ويرون الرضا ويخافون من السخط، ويؤنسون التأييد ويتوقعون الخذلان، ثم ينفقون أوقاتهم في العد والإحصاء، وفي البحث والاستقصاء.

    لقد بلغ أنصارنا نيفًا وثلاثين، فإذا انضم إليهم فلان، ومنَّ إلي فلان فقد يبلغون الأربعين، فإذا انضموا إلى الاتحاديين فقد تمت لنا الكثرة، ولكن فلانًا هذا زواغ رواغ:

    يعطيك من طرف اللسان حلاوةويروغ منك كما يروغ الثعلب
    وبينما الوزراء وأنصار الوزراء في هذا التفكير والتقدير، إذا صدقي باشا والذين يدفعون صدقي باشا ليسوا أقل منهم تفكيرًا وتقديرًا، فهم يعدون ويحصون، وهم يبحثون ويستقصون، وهم يثقون ويشكون، وهم يَصْلَوْنَ نارًا أي نار من طول هذا الانتظار! وأقبح ما يكون الانتظار أثرًا وأشد ما تكون النار لذعًا حين تكون الموقعة ثم تنجلي عن الشك لا عن اليقين، وعن الريب لا عن الثقة؛ هنالك تخفق القلوب وتضطرب النفوس وتظلم السماء، وتضيق الحياة بالأحياء ويود السادة لو لم يكونوا سادة، ويود القادة لو لم يكونوا قادة. ثم يبلغ بهم الضعف أقصاه وينتهي بهم الضجر إلى غايته، فيدقون كفًّا بكف، ويستسلمون لقضاء الله ويستأنفون الانتظار، واصطلاء تلك النار. وأنت واهمٌ إن ظننت بهذا الكلام غلوًّا أو إغراءً أو قصدًا إلى العبث والدعابة. فلو قد رفعت عنك الحجب واستطعت أن ترى القلوب لعلمت أن هذا الكلام يصور لك حقيقة الأمر كما هي.

    والناس يتساءلون ما بال المرسوم الذي يدعو البرلمان إلى الانعقاد لم يصدر إلى الآن؟ مع أن موعد انعقاد البرلمان قد قرب، وأسرف في القرب، ومع أن التقاليد جرت بأن يصدر هذا المرسوم قبل انعقاد البرلمان بشهر وأكثر من شهر لا بأيام. والناس يتساءلون كيف فرط وزير التقاليد في حق التقاليد، وسمحت نفسه أن تهمل إلى هذا الحد؟ فإذا كثر السؤال وطال القيل والقال ظهر الجواب من وراء حجاب، وقال القائلون: إنما يتأخر المرسوم حتى تنجلي الغيوم، وتصدق النجوم ويعلن الشعبيون مع من يكونون؛ فإن كانوا مع الوزارة صدر المرسوم، وإن كانوا مع الدكتاتور فالحل المحتوم.

    وكان الناس قد تحدثوا، وكانت الصحف قد نشرت أن مجلس الوزراء سينعقد صباح اليوم، وكان الناس قد قالوا والصحف قد نشرت أن مجلس الوزراء إذا انعقد فسيهيئ المرسوم بدعوة البرلمان. ثم أمسى الناس أمس وإذا هم يتحدثون أن المجلس قد أرجئ إلى غدٍ ثم أصبح الناس اليوم وإذا الصحف تنشر أن المجلس مرجأ إلى غدٍ فتساءل الناس عن هذا الإرجاء ما مصدره وما غايته؟ وقال الماكرون والمتشائمون: إن مصدر هذا الإرجاء وليمة الغريب، فمن يدري لعل الذين يستجيبون للدكتاتور ويطعمون عنده اليوم ويعدونه بالنصر والتأييد أن يكونوا أكثر من الذين ذهبوا إلى مصر الجديدة، وشربوا الشاي وصفقوا لرئيس الوزراء يوم الجمعة؛ وحينئذٍ يحسن التفكير قبل تهيئة المرسوم بدعوة البرلمان. ولعل الذين يستجيبون للدكتاتور أن يكونوا قلة قليلة وجماعة ضئيلة لا تقدم ولا تؤخر؛ وحينئذٍ يمكن الإسراع إلى تهيئة المرسوم بدعوة البرلمان. ولسنا ندري أحق هذا الفهم لما كان من إرجاء مجلس الوزراء؟ أم هو لون من ألوان الخيال وفن من فنون الدعابة؟ ولكن الشيء الذي ليس فيه شك هو أن الناس يرتابون في تأخر دعوة البرلمان إلى الآن، وينظرون في شيء من العجب إلى إرجاء مجلس الوزراء في اليوم الذي يأدب فيه الدكتاتور العظيم مأدبته. وإذا كان لنا أن نفسر أو أن نقول، فإنا لا نتردد في أن نشفق على الوزارة من هذا الإبطاء والإرجاء؛ فهما لا يدلان على أنها مترددة وإن أظهرت الحزم، خائفة وإن أظهرت الثقة، ضعيفة وإن تكلفت القوة، تظهر الإعراض عن خصمها المريض، ولكنها إذا خلت إلى نفسها حسبت له حسابًا شديدًا.

    وأكبر الظن أن تردد الوزارة هذا هو الذي سينتهي بها إلى الإخفاق السريع؛ فهو يطمع فيها خصومها ويغري بها أعداءها من الصدقيين. ولو أن الوزارة عرفت كيف تستقبل الخصومة وتثبت للخصوم لما أبطأت في استصدار المرسوم، ولما حسبت لصدقي باشا حسابًا؛ فصدقي باشا أهون على أنصاره أنفسهم من أن يغضبوا الوزارة من أجله. ولكنهم يرون الضعف فيشكون، ويرون التردد فيرتابون ويقول بعضهم لبعض: إن صدقي باشا نفسه لم يضعف، ولم يتردد حين كان إليه الأمر، ولولا أن هناك سرًّا مكتومًا وقضاءً محتومًا وأمورًا تدبر بليل لما وقفت الوزارة هذا الموقف الضعيف. ومن يدري، لعل قوى خفية تسند الدكتاتور وتغريه بهذه الحرب التي لم يكن أهلًا لها ولا قادرًا عليها!

    وكذلك تفسد الأمور بين أولئك وهؤلاء؛ فيخاف بعضهم بعضًا، ويرتاب بعضهم ببعض، ويكيد بعضهم لبعض. وما رأيك في صلة تقوم على الخوف والكيد؟! والظريف أن موقعة الغريب ستنجلي — كما انجلت موقعة مصر الجديدة — عن الشك لا عن اليقين؛ فيزداد تردد الوزارة واضطرابها. ومن يدري، لعلها ترجئ مجلس الوزراء، أو تهيئة المرسوم إلى يوم الجمعة، أو إلى يوم السبت بعد أن تنجلي الموقعتان الحاسمتان يوم الخميس في دار وزير الزراعة وفي نادي حزب الشعب.

    ومهما يكن من شيء فإن عمد السياسة الرسمية خليقون أن يغتبطوا بهذه القوة التي انتهوا إليها، وبهذا الانتصار الذي ظفروا به. وأي قوة أعظم، وأي انتصار أروع من أن يزعم قوم لأنفسهم أنهم حماة النظام ومقروه؛ فإذا هم لا يزيدون على أن يلهوا الناس ويضحكوهم بما يقولون ويعملون!