مصادر القلق
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
٣ مارس ١٩٤٦
إلي أي حد يمكن أن يُقال: إن القلق الذي يسيطر على العالم الآن ليس إلا نتيجة طبيعية من نتائج الحرب، فقد بلغت الحرب من العنف، واستتبعت من الأحداث ما يحتاج إلى وقت طويل لتمحى آثاره، وينتهي العالم إلى شيء من الاستقرار.
والواقع أن الناس كانوا يعللون أنفسهم بهذه التعليلات في الأشهر القليلة التي مضت بعد انتهاء الحرب في أوروبا، ولكنهم أخذوا يشفقون بعد انتهاء الحرب اليابانية، من أن تكون هناك أشياء أخرى تدفع العالم إلى القلق، بل إلى الخوف من أن تكون هذه الأشياء مقدمات لهول آخر يتعرض له العالم في وقت قريب أو بعيد. وكان أول هذه الأشياء انتهاء الحرب اليابانية نفسها. فهل انتهت الحرب بفضل القنبلة الذرية التي أُلقيت على مدينتين يابانيتين، فدمرتهما تدميرًا؟ أم هل انتهت الحرب بفضل التدخل الروسي في مشكلات الشرق، بعد أن تمت هزيمة ألمانيا في الغرب؟! أم هل انتهت الحرب بفضل الأمرين جميعًا؟!
هذه مسائل خاض الناس فيها فأكثروا الخوض، ولكنهم لم يكونوا يقدرون أنها ستكون المصدر الأول لموجة القلق التي سيطرت على العالم في شهري سبتمبر وأكتوبر الماضيين. فهذه القنبلة الذرية خطر عظيم على الحضارة، ما في ذلك شك، والاستئثار بها في دولة بعينها، أو في جماعة بعينها من الدول، يجعلها أشد خطرًا وأعظم هولًا، ويعرض العالم لهولين، كلاهما أشنع من الآخر: يعرضه قبل كل شيء لخطر التنافس بين الدول الكبرى على نحو لم يعرف له نظير من قبل، فاستئثار الأمريكيين بهذا السر الخطير يحمل غيرهم من الأمم على البحث المتصل، والجد الذي لا ينقطع، للوصول إلى استكشاف جديد يوازن الاستكشاف الأمريكي، ويعصم أصحابه من أن يتعرضوا دائمًا للخوف والنذير، ومن أن يصبحوا بحكم ضعفهم في المرتبة الثانية أو الثالثة بين الأمم المتسلطة.
ومن أجل ذلك لم تكد تظهر أخطار القنبلة الذرية؛ حتى ظهر القلق، لا في روسيا وحدها، بل في فرنسا أيضًا. فأما الروسيا فقد طالبت، وألحت في المطالبة بأن يصبح أمر هذه القنبلة الذرية دوليًّا، تشرف عليه وتتصرف فيه لجنة يؤلفها مجلس الأمن، وكانت الروسيا تقرر أن طلبها سيلقى مقاومة شديدة فلم تكتفِ به، وإنما دفعت علماءها دفعًا إلى الجد والبحث والاستكشاف، ثم أعلن وزير خارجيتها ذات يوم أن روسيا تملك أشياء أشد خطرًا من القنبلة الذرية. ثم لم تكتف بهذا، وإنما كلفت إدارة المخابرات أن تعمل، وقد عملت هذه الإدارة في تحفظ وتكتم إلى أن كانت الأحاديث التي روع لها الأمريكيون منذ حين، حين علموا بأن أسرارًا خطيرة تتصل بهذه القنبلة الذرية قد تسربت إلى الروسيين.
هنالك اندفعت الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا العظمى إلى تحقيق دقيق عرف الناس أنه ابتدأ، ولكنهم لن يعرفوا متى ينتهي، ولا كيف ينتهي، ولا إلى أي نتيجة ينتهي. والمهم هو أن روسيا طالبت بجعل القنبلة الذرية شيئًا دوليًّا أولًا، وجدَّت في استكشاف الأسلحة التي تقاومها وتوازنها ثانيًا، ثم جدَّت في السعي إلى العلم بأسرارها ودقائقها ثالثًا.
أمَّا فرنسا فطالبت في استحياء بمثل ما طالبت به روسيا؛ لأنها لا تمتلك من القوة المادية ما تملكه روسيا، ولكنها أنشأت هيئة علمية للبحث والدرس والاستكشاف، وأرصدت لهذه الهيئة من المال ما يرهق خزانتها المحتاجة إلى كثير من المعونة والتأييد، وقال القائلون: إن بعض هيئاتها الشيوعية شاركت الروس في السعي بدقائق القنبلة الذرية وأسرارها.
وأمَّا بريطانيا العظمى، فقد شاركت في استكشاف القنبلة الذرية، وسعى رئيس وزرائها إلى أن يجعل أمرها دوليًّا فنجح ولم ينجح … نجح في أن يجعل أمر البحث عن الطاقة الذرية دوليًّا، ولكنه لم ينجح في أن يزحزح الولايات المتحدة عن موقفها من الاحتفاظ بأسرار القنبلة الذرية. وجعل الناس يتحدثون بأن بريطانيا العظمى نفسها ليست واقفة على دقائق هذه الأسرار، وبأن الولايات المتحدة تعلم منها ما لا يعلمه غيرها من الدول، حتى التي شاركت في استكشافها. وكذلك استقر في أذهان الناس أن الولايات المتحدة الأمريكية تستأثر بهذا السلاح الخطير من دون غيرها من أمم الأرض، كما استقر في أذهان الناس أن الدول الأخرى العظمى لن تصبر على هذا الاستئثار، وأن الحرب العالمية الثانية لم تنتهِ إلا لتستأنف الأمم سعيها إلى حرب عالمية ثالثة.
هذا أحد الشرَّين، أمَّا الشر الآخر فهو هذا الذعر الذي امتلأت به قلوب الناس من أن تستخدم الولايات المتحدة هذا السلاح؛ لتفرض به سياسة القهر والتسلط على غيرها من الأمم المستضعفة. وهذا الذعر لم يشع خارج الولايات المتحدة فحسب، وإنما شاع في الولايات المتحدة نفسها، فكتب الكتاب، وتحدث المتحدثون في الراديو، وأعلن أولئك وهؤلاء أن استئثار بلادهم بهذا السر يعرض الحضارة الإنسانية كلها للخطر، ويجعل حياة الأمم المستضعفة خاضعة لأهواء المستأثرين.
كذلك كان انتهاء الحرب اليابانية نذيرًا بهذين الشرَّين العظيمين، ومثيرًا لهذا القلق الذي يسيطر على العالم الآن، والذي أخذ يعظم ويشتد، وتبعد آثاره منذ اجتمع وزراء الخارجية في لندرة أثناء الخريف الماضي. فقد رأى العالم أن هؤلاء الوزراء لا يتفقون على شيء، وأن روسيا تقف موقف تحفظ شديد وشك مريب، وأن بريطانيا العظمى تلقاها بمثل تحفظها وارتيابها. وأحس العالم أن هناك شيئًا خطيرًا من سوء الظن قد وقع بين الحلفاء، وأن الأمور لن تستقيم بينهم إلا إذا زال سوء الظن هذا، وقامت مقامه ثقة كاملة، وأن هذه الثقة لن تقوم، ولن تكتمل إلا إذا لم يخفِ بعض الحلفاء على بعضهم شيئًا، وإلا إذا لم تصبح القنبلة الذرية سرًّا مكتومًا.
وقد تفرق المجتمعون ولم يتفقوا. ثم اجتمع وزراء الخارجية الثلاثة في موسكو، وخُيِّل إلى الناس أنهم اتفقوا على بعض الأمر، ولكن لم تكد جمعية الأمم المتحدة تجتمع في لندرة؛ حتى ظهر أنهم لم يكادوا يتفقون على شيء. ثم جعل ممثلو وزارات الخارجية يجتمعون؛ ليعدوا لمؤتمر الصلح الذي سيُعقد في مايو. ويُقال الآن: إن أمامهم من المصاعب ما يحول بينهم وبين الاتفاق، وإن المؤتمر قد لا يجتمع في الموعد المحدد له.
فهذا مصدر من مصادر القلق أصله في أمريكا، وهناك مصدر آخر أصله في بريطانيا العظمى، وليس هو بأقل خطرًا على مستقبل السلم من أمر القنبلة الذرية؛ وهو هذه الفكرة التي حرصت عليها بريطانيا العظمى دائمًا، واستأنفت الحرص عليها بعد انتهاء الحرب، وهي تكوين كتلة قوية متعاونة في غرب أوروبا.
هذه الفكرة خطيرة بالقياس إلى روسيا؛ فإن انهزام ألمانيا وإيطاليا واستسلامها بلا قيد ولا شرط، يجعل من الغريب التفكير في تكوين هذه الكتلة الغربية. فهي لا تكون فيما يرى الروس إلا لتقاوم وتخيف، وهي لن تقاوم ألمانيا، فقد أصبحت ألمانيا شيئًا لا يخاف، ولن تقاوم أمريكا، فالصلات بين أمريكا وبريطانيا العظمى أوضح من أن تحتمل الشك، ولن تقاوم الأمم المستضعفة في الشرق والغرب بطبيعة الحال. وإذن، فقد أنشئت لتقاوم روسيا، وقد ثار الجدال في غرب أوروبا حول هذه الفكرة، وقال بعض أنصارها من الفرنسيين: إن هذه الكتلة ستحمي نهر الرين من الذين قد يهاجمونه من الشرق، والذين قد يهاجمونه من الشرق ليسوا هم الألمان بالطبع، فليس في الألمان قوة على أن يهاجموا الآن، وما دام البريطانيون يكونون كتلة في غرب أوروبا، فيجب على الروسيين أن يكونوا كتلة في شرقها، وهم من أجل ذلك يضمون إليهم بولندا، والمجر، وتشكوسلوفاكيا.
وكذلك تنقسم أوروبا إلى كتلتين عظيمتين؛ إحداهما في الغرب تقودها بريطانيا العظمى، وتؤيدها الولايات المتحدة، والأخرى في الشرق تقودها روسيا.
وحل هذه المشكلة الآن في يد فرنسا، فهي قد حالفت روسيا منذ حين، وقام الحلف بينهما على التعاون المشترك؛ لمنع ألمانيا من أن تكون خطرًا. فإذا اكتفت فرنسا بهذا الحلف كما يريد الشيوعيون الفرنسيون استراحت روسيا. وإذا أبت فرنسا إلا الحلف مع الإنجليز، وغيرهم من أمم الغرب كما يريد الاشتراكيون والمعتدلون، أصبح انقسام أوروبا على نفسها أمرًا واقعًا.
وليس أدل على خطورة هذا الموقف والقلق الذي ينشأ عنه من المسألة الإسبانية؛ فالروسيون ليس بينهم وبين الحكومة الإسبانية القائمة علاقات سياسية، وهم يبغضون هذه الحكومة بغضًا شديدًا، ويريدون إزالتها، وإعادة النظام الديمقراطي في إسبانيا. والرأي العام الفرنسي يريد ذلك، ويلح فيه، ولكن فرنسا لا تريد، ولا تستطيع أن تعمل وحدها، وإنما هي محتاجة إلى أن يشاركها في العمل الإنجليز والأمريكيون، وأولئك وهؤلاء يقدمون رِجلًا، ويؤخرون أخرى، وهم إلى التأخر أميل منهم إلى التقدم.
فهذا مصدر ثانٍ من مصادر القلق أصله في لندرة. وهناك مصدر ثالث أصله في موسكو، وهو هذا الذي يتصل بشئون الترك وإيران من جهة، وبشئون البلقان من جهة أخرى. فقد وقفت تركيا من الحرب موقفها المعروف، واتهمها الروس بأنها أعانت عليهم العدو في ظل الحياد، وبأنها نسيت أو تناست ما قدموا إليها من معروف، وهم من أجل ذلك يتنكرون لها الآن، ويريدون أن يأمنوا جانبها، ويضمنوا الدفاع عمَّا بينها وبينهم من الحدود. ثم لا يكتفون بذلك، بل يريدون أن ينفذوا إلى البحر الأبيض المتوسط آمنين، وأن يقضوا على كل نفوذ لتركيا في البلقان.
وواضح جدًّا أن تركيا تقاوم هذا كله أشد المقاومة، وتنذر بأنها ستلقى الشر بالشر مهما تكن النتائج والظروف.
وواضح كذلك أن الشر بين روسيا وتركيا، أو بين روسيا وإيران، يتجاوز هذه الدول الثلاث إلى بلاد الشرق الأدنى كلها؛ ومن أجل ذلك أخذ القلق يشيع في الشرق الأدنى نفسه، وجعلت تركيا تتقرب إلى العرب، وتحاول أن تنشئ بينها وبينهم صلات قد تنفع في يوم من الأيام. وأخذت بعض البلاد العربية تستجيب لهذه الدعوة، وقد نشرت الصحف اليوم أن وفدًا عراقيًّا سافر إلى تركيا للمفاوضة في تعاون اقتصادي وثقافي ومالي.
وواضح كذلك أن كل ما يمس الشرق الأدنى والأوسط يزعج غرب أوروبا، فلغرب أوروبا في هذين الشرقين مصالح ومطامع لا تخفى. أمَّا البلقان فأمره معروف، تريد روسيا أن تنفذ فيه السياسة القديمة التقليدية، فتضمه إلى جبهتها، وهي قد بلغت من ذلك أكثر مما تريد، بفضل جيشها العظيم وسياستها البارعة. ففي نفوذها الآن رومانيا وبلغاريا ويوجوسلافيا وألبانيا، واليونان وحدها هي التي لا تزال موضوعًا للنزاع بين موسكو ولندرة.
وكذلك يرى القارئ أن لكل دولة من الدول الثلاث الكبرى حظها من تبعة هذا القلق الذي يسيطر الآن على العالم: فعلى الولايات المتحدة تبعة الاستئثار بالقنبلة الذرية، وعلى بريطانيا العظمى تبعة الاجتهاد في إنشاء الكتلة الغربية، وعلى روسيا تبعة الغلو في نشر النفوذ في البلاد المجاورة لها. وقد كان من الممكن أن يتحرر العالم من هذا القلق، وأن تتخفف الدول الكبرى من هذه التبعات، لو أن المنتصرين أخلصوا فيما بينهم وبين أنفسهم، وفيما بينهم وبين الناس، وأنشئوا جماعة الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، جادين لا لاعبين، ولكن شاعرنا القديم لم يخطئ حين قال:
ومكلف الأشياء ضد طباعها متطلب في الماء جذوة نار
Tag: الأمن العالمي
-
مصادر القلق | Sources of Anxiety
-
بين الحلفاء | Among the Allies
بين الحلفاء
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
١١ نوفمبر ١٩٤٥
يخطئ الذين يظنون أن أمور السياسة العالمية تجري على خير ما تحب الشعوب، سواء في ذلك الشعوب المنتصرة والشعوب المحررة والشعوب التي اصطلت نار الحرب من بعيد. وفي الوقت نفسه يخطئ الذين يسرفون في التشاؤم؛ فيتوقعون الأخطار الكبار، وينتظرون الأهوال الجسام. فأمور السياسة العالمية مضطربة اضطرابًا شديدًا لا يُشَكُّ فيه، ولكن ليس هذا الاضطراب غريبًا، وإنما الغريب هو أن تستقر أمور العالم بعد هذه الحرب العنيفة الطويلة التي خضعت لها الأرض كلها ستة أعوام.
أمور العالم إذن مضطربة اضطرابًا شديدًا، لكن هذا الاضطراب طبيعي — إن صح أن يكون الاضطراب طبيعيًّا — ويكفي أن نعلم أن السلام الجديد ما زال حديث العهد صغير السن، ولد في مايو الماضي، ولم تتمَّ ولادته إلَّا في أغسطس. فإذا لم تستقر أمور العالم في هذه الأشهر القليلة، فليس في ذلك شيء يدعو إلى العجب أو إلى التشاؤم. والهدم أيسر من البناء، وإثارة الحرب أيسر من توطيد السلم، فإذا استطاع زعيم من الزعماء أو وزير من وزراء الخارجية أن يعلن الحرب، ويملأ الأرض فسادًا بكلمة تقال، أو كلمة لا تقال؛ فلن يستطيع هذا الزعيم أو هذا الوزير أن يردَّ أمور الناس إلى نصابها بعد انتهاء الحرب بكلمة تقال أو لا تقال.
فالحرب أولها كلام كما قال الشاعر العربي القديم، ولكن السلام لا يتقرر بالكلام، وإنما يتقرر بالأعمال، والأعمال لا تنتج إلَّا إذا صدرت عن النيَّات الخالصة، والإيمان البريء، وخلوص النيَّات، وبراءة الإيمان، وصدق العزم.
كل هذه الأمور لا تأتي فورًا، ولا تُبْلَغ بمجرد الرغبة في بلوغها، ولكنها نتيجة الروية والتفكير والجهود الصادقة، وكثير من التضحية بألوان الغرور الفردي والاجتماعي، والانتفاع بالدروس القاسية التي تلقيها الحوادث على الأفراد والجماعات.
وكل هذا يحتاج إلى الوقت الطويل. فليس هناك إذن ما يدعو إلى الإسراف في التشاؤم، وإن لم يكن هناك ما يدعو إلى الإسراف في التفاؤل أيضًا. فلنَسِرْ إذن مع العالم كما يسير، ولنجرِ مع الزمان كما يجري، لا مسرفين في الرضا، ولا مسرفين في السخط. وليس المهم أن نرضى أو نسخط؛ فإن الأحداث لا تحفل برضا الناس أو سخطهم، وإنما المهم أن نتبصَّر ونتدبَّر ونفهم ما يجري حولنا من الحوادث؛ لنتبيَّن لأرجلنا موضعها قبل الخطو، ولنتجنَّب الزلل ما وجدنا إلى تجنب الزلل سبيلًا. وقد سمعنا في الأيام القليلة الماضية زعماء الدول الثلاث الكبرى يتحدثون إلى شعوبهم، وإلى أمم الأرض كلها، ويعرضون سياستهم ومذهبهم في بناء العالم الجديد. ويجب أن نعترف بأن أحاديث هؤلاء الزعماء إن دلَّت على شيء فإنما تدل على أنهم بعيدون أشدَّ البعد عن الاتفاق.
وقد كان أسرعهم إلى الحديث رئيس الولايات المتحدة الأمريكية؛ فقد ألقى خطبته المشهورة في الاحتفال بالبحرية الأمريكية، فأعلن مبادئه الاثني عشر، كما أعلن الرئيس ولسن مبادئه الأربعة عشر. وواضح أن الإنسانية قد تلقت دروسًا خطيرة قاسية، تعلمت منها ألَّا تنخدع بهذه المبادئ، سواء أكانت أقل من عشرة أو أكثر من عشرة أو أكثر من عشرين. فقد آمنت مصر بمبادئ ولسن، وكان ولسن أسرع إلى الاعتراف بالحماية البريطاينة على مصر. وآمنت الإنسانية كلها بميثاق الأطلنطي والحريات الأربع، ثم أنبأنا المستر تشرشل بأن هذه كلها مثل عليا تطلب ولا تنال.
ويجب أن ننصف رئيس الولايات المتحدة؛ فهو قد أعلن أن مبادئه الاثني عشر أمور تحرص عليها الدولة الأمريكية العظمى، وإن لم تكن واثقة من تحقيقها، فهو إذن — كالمستر تشرشل — يراها مثلًا عليا تُطلب ولا تُنال. والشيء الوحيد الذي يمكن أن نستبقيه من خطة الرئيس ترومان هو أن أمريكا معتزة بقوتها في البر والبحر والجو، ما ظهر منها وما خفي، وأنها حريصة على أن تحتفظ بهذه القوة وتزيدها ما استطاعت، وأنها حريصة كذلك على أن تستخدم هذه القوة الهائلة المتزايدة لحماية السلم وتأمين الناس على حياتهم ومنافعهم، وأَهَمُّ شيء في هذه القوة الأمريكية الهائلة هو القنبلة الذرية، وقد صرَّح الرئيس ترومان بأن سرَّها سيظل مكتومًا، وأنها ستظل أداة من أدوات السلم كما تفهمه الولايات المتحدة الأمريكية.
وخلاصة هذا كله: أن الولايات المتحدة الأمريكية تريد السلام المسلح، والمسلح بأسرار لا يعرفها الحلفاء، فضلًا عن الأعداء. وقد تكلم الرفيق مولوتوف بعد الرئيس ترومان فلم يكن أقل منه اعتزازًا بالقوة الروسية الهائلة التي سحقت الطغيان الألماني في الغرب، والعدوان الياباني في الشرق، والتي أتاحت النصر للحلفاء، وردَّت الحرية إلى أوروبا. ولم يكن أقلَّ منه حرصًا على استبقاء هذه القوة والاستزادة منها لتكون أداة للسلم كما يفهمه الروسيون.
ثم صرَّح الرفيق مولوتوف بأن الائتلاف الديمقراطي الذي كسب الحرب يجب أن يبقى ويتعاون ليكسب السلم، وبأن بقاء هذا الائتلاف وتعاونه وفوزه، كل ذلك رهين بصدق النيَّات، وصفاء القلوب في السرِّ والجهر. وإذن فلا معنى لاستئثار الولايات المتحدة بأسرار القنبلة الذرية. على أن مثل هذه الأسرار لا يمكن في هذه العصور الحديثة أن تظل مكتومة زمنًا طويلًا. ثم أضاف الرفيق مولوتوف إلى هذا كله أن روسيا تملك طاقة ذرية وأشياء كثيرة أخرى. فهناك إذن قوتان هائلتان: إحداهما في أمريكا والأخرى في شرق أوروبا، وكلتاهما تريد أن تكون أداة للسلم، وكلتاهما تحتفظ بأسرار هجومية ودفاعية لا تعرفها الأخرى.
ثم تكلم المستر تشرشل ووزير الخارجية البريطانية في مجلس العموم البريطاني مساء الأربعاء، فكان موقف الزعيمين البريطانيين آية في الرشاقة واللباقة؛ فأمَّا أحدهما — وهو المستر تشرشل — فقد أعطى روسيا كلامًا كثيرًا جدًّا، حسنًا جدًّا، يبلغ السحر أحيانًا. ولكنه لم يعطها إلَّا الكلام؛ فهو مؤمن بشجاعتها وقوتها وبأسها، وفضلها على الحلفاء، وتضحيتها في سبيل الحرية والنصر، ووجوب التعاون المتصل بينها وبين بريطانيا العظمى. ولكنه بعد هذا كله لا يريد أن يُبيح لها سر القنبلة الذرية، فيجب أن يكون هذا السر مقصورًا على أصحابه الأمريكيين والبريطانيين والكنديين. ويرى مستر تشرشل أن روسيا لو استكشفت القنبلة الذرية لما أباحت أسرارها للحلفاء.
ولا يصدق مستر تشرشل أن روسيا تملك طاقة ذرية، وإذن فلا ينبغي أن تخاف روسيا من هذه الناحية، وإذن فيجب أن تحتفظ بريطانيا العظمى والولايات المتحدة وكندا بهذا التفوق الذي أتيح لهن ولم يتح لحليفتهن في شرق أوروبا. فأنت ترى أن مستر تشرشل كان جوادًا في القول، بخيلًا بالعمل؛ فهو يثني على روسيا ما استطاع الثناء، وهو يطوي عنها سر القنبلة الذرية ما استطاع له طيًّا.
أمَّا وزير الخارجية المستر بيفن، فلم يُرِدْ أن يعرض للقنبلة الذرية، وإنما آثر أن يخرج بالصمت من لا ونعم، كما يقول شاعرنا القديم.
ونتيجة هذا كله أن في العالم الآن قوتين خطيرتين، تريدان حفظ السلم وإقرار الأمن: إحداهما تأتلف من أمريكا والإمبراطورية البريطانية، والأخرى تأتلف من روسيا وما يخضع لنفوذها من البلاد الأوروبية الأخرى. وكل واحدة من هاتين القوتين تريد أن تحمي السلم، ولكنهما لا تتفقان فيما بينهما. فالسؤال الذي يلقى على العالم الآن هو: هل يكون السلام روسيًّا، أم يكون السلام إنجليزيًّا سكسونيًّا؟
وقد عرف العالم القديم سلامًا رومانيًّا أزهرت فيه الحضارة الإنسانية إزهارًا هائلًا لا تزال تنعم بآثاره إلى الآن، ولكن هذا السلام الروماني لم يتحقق إلَّا بعد أن سحقت روما دول الأرض كلها في ذلك الوقت، واستأثرت وحدها بالسلطان، وأخضعت العالم القديم كله لنفوذها الذي كان يتدرج مما كان يسمى محالفة الند للند — وكان يعادل الحماية في هذه الأيام — إلى الاستعمار البسيط. فأي قوة تريد أن تحقق السلام في هذا العصر الحديث، وأن تحققه وحدها مضطرة قبل كل شيء إلى أن تسحق القوة الأخرى التي تقابلها؛ أي إلى أن تثير الحرب العالمية الثالثة؟ ومن هنا يبعد جدًّا أن يفكر زعيم عاقل في أن ينفرد مقرًّا السلم. ومن هنا يضطر الساسة جميعًا إلى التفكير في إقامة التوازن الدولي؛ ليكون السلم شركة بين القوى المتكافئة لا يستأثِر به فريق دون فريق.
ولكن هذا التوازن الدولي يمكن أن يقوم على وجهين: أحدهما قديم عرفته أوروبا في العصر الحديث، وانتهى بالكارثتين العالميتين اللتين وقعت إحداهما سنة ١٩١٤ وثانيتهما سنة ١٩٣٩. وهذا التوازن يقوم على المودة الظاهرة والعداوة الخفية بين الدول، يقوم على الأسرار المكتومة والأعمال المستورة؛ لضمان التفوق يوم تقع الواقعة. هذا التوازن يقوم على بركان مستعد للانفجار في أي وقت. أمَّا التوازن الآخر فهو الذي طلبته الإنسانية بعد الحرب العالمية الأولى، فلم توفق إليه؛ لأن الولايات المتحدة الأمريكية أبت أن تشارك في عصبة الأمم. وتطلبه الإنسانية بعد الحرب العالمية الثانية فلا توفق إليه؛ لأن الولايات المتحدة الأمريكية تحتفظ بسر القنبلة الذرية، ولأن قلوب المنتصرين لا يصفو بعضها لبعض، ولأن في أعماق الضمير الإنساني بقعةً من الخوف والشك وسوء الظن لا تُريد أن تُمحى.
وقد ذكر الشاعر الفرنسي ألفريد دي موسيه بقعة الإثم التي تستقر في أعماق القلب الإنساني، فلا تستطيع البحار إذا مرت على هذا القلب أن تمحوها؛ لأنها استقرت في أعماق الضمير، ولو عاش الشاعر الفرنسي في هذه الأيام لقال لنا شيئًا كهذا الشعر في هذه البقعة التي تمثِّل الخوف والشك وسوء الظن، ثم تمثَّل بعد ذلك ما يستتبعه هذا كله من الحذر والتحفظ والاحتياط للمستقبل، ثم تمثل بعد ذلك هذا السلم الخائف، وهذا الأمن القلق، وهذا الصلح الذي هو أشبه بالهدنة الموقوتة منه بأي شيء آخر …
نعم لو عاش الشاعر الفرنسي في هذه الأيام لذكر هذه البقعة المنكرة التي استقرت في أعماق الضمير الإنساني، والتي عجزت عن محوها بحار الدماء حين سالت في الحرب العالمية الأولى، وحين سالت في الحرب العالمية الثانية. وما دام الإنسان خائفًا قلقًا شاكًّا سيئ الظن؛ فسيظل دائمًا حذرًا متحفظًا محتاطًا مستعدًّا للدفاع والهجوم؛ أي مستعدًّا للحرب. وإذن فما عسى أن نستفيد نحن من هذا الدرس القاسي المر! نستفيد شيئًا بسيطًا جدًّا، وهو أن من الغفلة أن نأمن ونطمئن حين تقلق الدول الكبرى وتخاف، وأن الكياسة كلَّ الكياسة هو أن نقلق ونخاف كما يقلق الناس ويخافون، وأن نتحفَّظ ونحتاط كما يتحفَّظ الناس ويحتاطون، وأن نذكر أن مصدر شقائنا الذي نريد أن نخرج منه هو أننا أسرفنا في الأمن والاطمئنان. فكنَّا كالحَمَل الوادع الذي يريد أن يعيش آمنًا بين الذئاب، ونحن مع ذلك نحفظ قول شاعرنا القديم:
ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه يهدم ومن لا يَظْلِم الناس يُظلمِ
وأعوذ بالله أن أدعو إلى أن نظلم الناس لنتجنب الظلم، ولكني أتمنى — على الأقل — أن نكون من القوة المعنوية والمادية بحيث يتردد الناس قبل أن يظلمونا. -
العالم الجديد | The New World
العالم الجديد
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
١٢ أغسطس ١٩٤٥
كانت أيامًا خطيرة حقًّا في تاريخ العالم الجديد، هذه هي التي بدأت يوم الخميس الماضي ٢ أغسطس، وانتهت يوم الخميس ٩ أغسطس.
ففي اليوم الثاني من هذا الشهر أعلن رؤساء الدول الثلاث الكبرى بعض ما اتخذوا من قرارات في اجتماعهم ببوتسدام، وفي السابع من هذا الشهر عرف العالم هذا الحدث الخطير، حدث استعمال القنابل الذرية على أنها وسيلة من وسائل التعجيل بإنهاء الحرب. وفي اليوم التاسع من هذا الشهر عرف العالم أن روسيا قد أعلنت الحرب على اليابان، وكذلك يسعى العالم القديم سعيًا سريعًا نحو غايته، وهي الفناء في العالم الجديد الذي ينتظر أن يقوم مقامه بما يهيأ له من نظم، وبما يرسم له من خطط، وبما يؤمل فيه من إصلاح شامل وأمن كامل وسلام طويل.
ولست أدري إلى أي حدٍّ يحسن التفاؤل، ولا إلى أي حدٍّ يفرض التشاؤم على الذين يحسنون التفكير فيما كان والتقدير فيما هو كائن، والتنبؤ بما يمكن أن يكون؟ فقد رأى بعض فلاسفة التاريخ منذ زمن طويل أن حياة الناس يشبه بعضها بعضًا كما تشبه القطرة من الماء قطرة من الماء، وأن حياة الناس يباين بعضها بعضًا كما يكون التباين بين الليل والنهار، وأن تاريخ هذا النوع الإنساني يقوم على هذين القانونين الخطيرين؛ قانون التوافق من جهة، وقانون التخالف من جهة أخرى. فبحكم قانون التوافق يكون التفاهم بين الأفراد والجماعات، ويكون التعاون بين الأمم والشعوب، ويتم ما يتم من رقي الحضارة وتقدم المعرفة وتسلط الإنسان على ما يعترض سبيله من المصاعب والعقبات، وبحكم قانون التخالف يكون افتراق الكلمة وانشقاق العصا بين الأفراد والجماعات في الوطن الواحد، ثم يكون تباين المنافع وتغاير الأهواء وتدابر المصالح، وما ينشأ عن ذلك من التنافس والخصام والحرب.
وليس من سبيل فيما يظهر إلى أن يخلص النوع الإنساني خلوصًا تامًّا من سلطان هذين القانونين أحدهما أو كليهما، وإنما هو خاضع لهما في جميع الأوقات وفي جميع الظروف. وكل ما في الأمر أن هذين القانونين يختصمان، فيسود أحدهما حينًا ويسود أحدهما الآخر مرة أخرى.
وواضح جدَّا أننا نعيش الآن في عصر يسود فيه قانون التخالف. فلم تكن الحرب العالمية الأولى، ولم تكن الحرب العالمية الثانية، ولم يكن التنافس بين الحربين إلَّا مظاهر لهذه السيادة البغيضة. ولست من الذين يكلفون بفلسفة التاريخ أو يؤمنون بقوانينها هذه العامة التي ترسل إرسالًا وتخلب العقول بما يظهر عليها من مظاهر الدقة والشمول. ولكن من المحقق أن العصر الذي نعيش فيه ليس بعصر اتفاق ووئام، وإنما هو عصر اختلاف وخصام. وقد قيل لنا في أول القرن: إن الحرب العالمية الأولى ستقضي على أسباب الفرقة، وسترد العالم إلى الوفاق الكامل والأمن المطمئن والأمل العريض والنشاط الخصب. فلما لم تحقق تلك الحرب هذه الوعود الخلَّابة ولم يستقر السلم في الأرض؛ قال القائلون: إنها لم تنتهِ في سنة ١٩١٨، وإنما كانت هدنة بين الحربين، ثم استؤنف الخصام. وقيل لنا بعد ذلك: إن انهيار ألمانيا، وخضوعها الكامل لسلطان المنتصرين، واحتلال جيوشهم المظفرة أرضها في الشرق والغرب؛ هو الذي سيبلغ الحرب غايتها، وسيقر السلام على الأرض، وسيضع الأساس المتين للعالم الجديد.
وقد انهارت ألمانيا واحتلت الجيوش المنتصرة أرضها كلها، واجتمع رؤساء الدول المنتصرة في عاصمتها؛ ليضعوا أساس الصلح، وليحكِّموا نظام السلم. ولكن يقال لنا: إن الحرب لم تبلغ غايتها بعد، فما زالت اليابان تقاوم في أقصى الشرق، ولا بدَّ من أن تنهار كما انهارت ألمانيا؛ ليكون الحديث عن السلم صريحًا صحيحًا منتجًا. كل هذا قيل، وكل هذا ما زال يقال. وقد حرص الإنجليز والأمريكيون والصين على أن يفرغوا من حرب اليابان؛ ليعجِّلوا وصول العالم إلى هذا السلام الذي يتحرق شوقًا إليه، فأرسلوا إلى اليابان إنذارًا نهائيًّا خطيرًا يطلبون إليها فيه أن تسلم كما سلَّمت حليفتها الهتلرية بلا قيد ولا شرط. فلما أبت رموها بقنبلتين هائلتين في أقل من أسبوع، بل في أقل من ثلاثة أيام … رموها بالقنبلة الذرية يوم الإثنين الماضي، ثم رموها بإعلان الحرب الروسية عليها يوم الأربعاء. وهم الآن ينتظرون أن تتدبر اليابان عاقبة أمرها. فإما أن تستسلم بلا قيد ولا شرط فيعود السلام الشامل، وإمَّا أن تصرَّ على العناد فتصب عليها القنابل الذرية صبًّا، وتغزوها جيوش الحلفاء من كل وجه، والغاية محققة لا شك فيها وهي انهزام اليابان واستسلامها في أقرب وقت ممكن.
وكذلك نخرج — بإذن الله — من سلطان قانون التخالف لندخل — بإذن الله — في قانون التوافق في ظل ذلك السلطان، يسيطر على العالم سلام قوامه النظام والانسجام والوئام الذي لا يعرف اختلافًا ولا افتراقًا. وكذلك تجري الأمور ميسرة سهلة في أحاديث الناس حين يتحدثون، وعلى أقلام الكتَّاب حين يكتبون، ونستطيع أن نتمثل باسمين مطمئنين قول الشاعر القديم:
منى إن تكن حقًّا تكُن أحسن المنىوإلَّا فقد عشنا بها زمنًا رغدًا
وأكبر الظن أن هذه المنى ليست حقًّا، وأن قانون التخالف جزءٌ مقوم للطبيعة الإنسانية، وأن منافع الأفراد والجماعات ومنافع الأمم والشعوب ستصطدم دائمًا في ظل السلم ما دامت الدولة متعبة مكدودة. فإذا استراحت واستجمعت واستردت قوتها الحربية والاقتصادية ظهر التنافس العنيف والتخاصم المخيف، وصرح قانون التخالف عن نفسه واستؤنف الاصطدام المسلح. وقال لنا القائلون: إن الحرب الثانية لم تنهِ الحرب، وإنما وصلت بالعالم إلى هدنة طويلة أو قصيرة، كتلك الهدنة التي كانت بين سنة ١٩١٩ وسنة ١٩٣٩. ذلك أن كل ما أعلن من القرارات التي اتخذت في بوتسدام لا يدل على أن الإنسانية قد رُدَّت إلى العقل، وثابت إلى الرشد، وآثرت العافية، ووضعت الأسس لسلام متصل صحيح. وما أحب أن أعرض لهذه القرارات التي اتخذها الرؤساء الثلاثة بشأن الشعب الألماني، فهم منتصرون قد لقوا من ألمانيا المحاربة هولًا عظيمًا، وهم مضطرون إلى أن يقسوا على هذا الشعب الظالم كما قسا على شعوبهم وعلى غيرها من الشعوب، وهم مضطرون إلى أن يجرِّدوه من السلاح تجريدًا تامًّا، ويمرنوه على الحضارة تمرينًا دقيقًا، ويغيِّروا عقليته التي أفسدها الطغيان. ولست أدري أينجحون في ذلك أم يخفقون؟ ولكني أفهم هذه المحاولة وأكاد أجد ما يسوغها. أمَّا الذي أريد أن أعرض له هو هذه المواقف التي اتخذها الرؤساء الثلاثة من أنفسهم أولًا ومن حلفائهم ثانيًا، ومن الأمم الأخرى المحايدة آخر الأمر. فهم قد وقفوا من أنفسهم موقفًا فيه كثيرٌ جدًّا من الأثرة وقليلٌ جدًّا من القصد، فأعطوا أنفسهم ما استطاعوا أن يعطوها، ولم يكادوا يعطون غيرهم شيئًا. ومن الحق أن بريطانيا العظمى وأمريكا لم تأخذا شيئًا من الأرض الألمانية، بل تكتفيان بالاحتلال الذي يقصر أو يطول، ولكن روسيا قد أخذت لنفسها جزءًا من ألمانيا، وفيه مدينة كونجسبرج مدينة الفيلسوف الألماني العظيم كانت، وأعطت جزءًا آخر لبولندا لتعوضها عما أخذت منها في الشرق حين غيرت الحدود. فأمَّا مصانع الألمان فقد قسمت بين الدول الثلاث تقسيمًا تفوقت فيه روسيا؛ لأنها احتملت من الشر أكثر مما احتمل حليفاتها، وواضح جدًّا أن هذا التقسيم الأثِر لن يُحفظ ألمانيا وحدها، ولكنه يترك في نفس الحلفاء الآخرين الذين مستهم الحرب بمثل ما مسَّت به غيرهم من الأذى آثارًا خطرة على السلام المستقبل. ومهما يكن من شيء فلن يستطيع أحد أن يقول إن فرنسا وبلجيكا وهولندا واليونان راضية كل الرضا عن هذا المذهب الذي ذهبه الرؤساء الثلاثة في بوتسدام. أمَّا الأمم الأخرى المنبثة في أقطار الأرض، فقد كان موقف الرؤساء الثلاثة منها غريبًا أيضًا لا يخلو من هذه الأثرة الظاهرة. فرومانيا وبلغاريا والمجر ويوغوسلافيا خاضعة للنفوذ الروسي ما في ذلك شك، والنمسا موضع خلاف بسيط. أمَّا الشرق الأدنى فلم يجهر الرؤساء برأيهم فيه؛ لأن فيه مشكلات لم تستطع حكومة العمال الجديدة فيما يظهر أن تقطع فيها برأي قبل أن تدرس وتقلب وجوه التفكير. فلروسيا مطالب عند الترك ونظرة خاصة إلى المضايق … وفي البلاد العربية مشكلات خطيرة ليست مشكلة فلسطين أقلها خطرًا. وإذن، فالتمهل فيها خير وحلَّها شيئًا فشيئًا أدنى إلى اليسر وأقرب إلى النجح. وأمَّا مسألة إيران، فلم يقل المؤتمرون فيها شيئًا، ولكن ظهر اليوم أنهم قد اتفقوا بشأنها على المقدمات الأولى التي تعلل الأطفال، ولكنها لا تقيد المستقبل تقييدًا خطيرًا، فسيجلو الحلفاء عن طهران فورًا، فأمَّا الجلاء عن إيران فمسألة فيها نظر يمكن البحث عنها بعد أن تستسلم اليابان. وكذلك وُضعت للعالم الجديد أسس لا تختلف عن أسس العالم القديم؛ لأنها تقوم قبل كل شيء على الأثرة التي يشتد لها التنافس من جهة، وعلى التوازن الدولي الذي يخيف بعض المنتصرين من بعض من جهة أخرى، ثم على المساومة والمداورة التي تؤجل حل المشكلات المعقدة من جهة ثالثة. وواضح جدًّا أن ما ظفرت به روسيا من التفوق قد كان ثمنًا معجلًا لما قرأنا من إعلان روسيا الحرب على اليابان اليوم. فأمَّا الثمن المؤجل فستنكشف عنه الأيام في تركيا أو في إيران أو فيهما معًا، وفي الشرق الأقصى على كل حال. والنتيجة الواضحة لكل هذا هو أن من الممكن أن يظفر العالم بسلام طويل، ولكنه سيكون كالسلام الذي فرضته الإمبراطورية الرومانية على العالم القديم، قوامه القوة والتفوق والبأس، وقد استأثرت الدول الثلاث بالقوة والتفوق والبأس، فستفرض سلمها على الإنسانية، وأقول: سلمها، وأنا أريد ما أقول. لن تفرض على الإنسانية سلامًا إنسانيًّا يستمتع به الناس جميعًا في حدود العدل والمساواة، ولكنها ستفرض عليها سلامًا سكسونيًّا روسيًّا يظل شاملًا ما استقامت الأمور بين الروس والسكسون، فأمَّا سائر أمم الأرض فليس عليها إلَّا أن تسمع وتطيع، فإن أبت فالقنبلة الذرية موجودة تستطيع أن ترد العقل إلى المجانين، وأن تحبب الأمن والنظام إلى الذين يخطر لهم أن يكدروا صفو الأمن والنظام. ولكن المسألة الخطيرة التي ينبغي أن نلقيها على أنفسنا هي هذه، أيهما سيكون أقوى سلطانًا على الناس وأمضى أثرًا في توجيه الإنسانية: قوة القنبلة الذرية أم قوة الحق والعدل والمساواة؟