من بعيد: عُبَّاد الذهب
طه حسين
جريدة الجمهورية
١١ أغسطس ١٩٥٦
ما زال العجل الذهبي قائمًا يعبده الناس في أقطار الأرض كما قال شيطان «جوت» في قصته المشهورة الرائعة فاوست. وعُبَّاد هذا العجل لا يؤثِرون القصد والاعتدال في عبادته، ولكنهم عَبَدَةٌ يتقربون إليه بخلاصة نفوسهم، وخير ما تملك أيديهم، ثم هم لا يعبدونه عبادة مهذبة نقية كما تريد الحضارة الحديثة أن تكون العبادة، وإنما يقدمون إليه من القربان ما كان القدماء يقدمون إلى آلهتهم قبل أن تمسهم الحضارة، وقبل أن يُهذِّب العلم عقولهم، ويُصفي الفن والأدب قلوبهم وأذواقهم، يقدمون إليه أبناءهم وزهرة حياتهم ضحايا بشعة منكرة لإله بشع منكر ظامئ دائمًا إلى دم الإنسان، قرم دائمًا إلى لحم الإنسان، لا يرضى إلا إذا أُجريت له دماء الناس أنهارًا، وجُمعت له لحوم البشر أكداسًا. وهو مهما يقدَّم إليه من ذلك طامعٌ في أكثر ممَّا قُدِّمَ إليه، قد ملأ قلوب عباده غرورًا بالقوة وطموحًا إليها، لا ليحموا بها أنفسهم من عدوان المعتدين، بل ليتخذوها وسيلة إلى تقريب الآمنين الوادعين قربانًا لإلههم ذلك الظامئ إلى دم الإنسان القرم دائمًا إلى لحم الإنسان.
الإله الوحشي تلك الحروب التي وضعت أوزارها منذ وقت قصير في الهند الصينية لم تكن إلا عبادة وحشية لذلك الإله الوحشي. قرَّب فيها الفرنسيون مئات الألوف من الآمنين الوادعين وأمثالهم من المُغِيرِينَ المعتدين، ضحيةً لرأس مالهم، ذلك الذي رمز له جوت بالعجل الذهبي. وأولئك الذين سُفكت دماؤهم، وفُرِّقت أشلاؤهم في كوريا، من الكوريين والأمريكيين والأوروبيين، لم يكونوا إلا قربانًا لرأس المال الأمريكي، الذي رمز له جوت بالعجل الذهبي أيضًا. وهؤلاء الذين سُفكت دماؤهم وما زالت تُسفك، وانتُهِكت حرماتهم وما زالت تُنتهك في شمال أفريقيا، ليسوا إلا قربانًا لهذا الإله البشع الفظيع. وهذه الثورة الثائرة والفورة الفائرة في فرنسا وبريطانيا العظمى الآن، حول قناة السويس وما أثار تأميمها من مشكلات؛ ليست إلا دعاء من ذلك الإله المنكر، إلى سفك دماء جديدة، وتفريق أشلاء جديدة؛ لأنه — كما قلت — ظَمِئٌ دائمًا لا يعرف الري، وجائع دائمًا لا يعرف الشبع، ومتى رأيت رأس المال يقنع بالقليل أو الكثير من الربح؟
الذهب أفسد الاشتراكيين إن الفرنسيين لِيَعْتَرِفُونَ بأن رءوس الأموال التي أنفقها المسهمون في شركة القناة القديمة، قد عادت إلى أصحابها مرات، لا مرة ولا مرتين، في هذه الحقبة الطويلة التي استُغِلَّت فيها القناة بمرأى ومسمع من أجيال المصريين الذين كانوا يرون أرضهم وقناتهم التي احتُفرت بأيديهم، تُستغل لتضاعف رءوس الأموال الإنجليزية والفرنسية وهم ينظرون، لا يستطيعون أن يمدوا يدًا إلى هذا الذهب الذي كان يتدفق أنهارًا إلى عُبَّاد الذهب من الإنجليز والفرنسيين. والغريب أن عبادة الذهب هذه لا تُفسِد قلوب المحافظين والمعتدلين وحدهم في فرنسا وبريطانيا العظمى، ولكنها تفسد قلوب الاشتراكيين منهم أيضًا.
الاشتراكيون أشد عنفًا هؤلاء الاشتراكيون الذين يقيمون مذهبهم السياسي والاجتماعي على مقاومة رأس المال، وما ينتج من الأَثَرَةِ والظلم والبغي والعدوان، وما يثير من الحروب بين الشعوب. هؤلاء الاشتراكيون أنفسهم يثورون الآن أعنف الثورة؛ لأن مصر أبت أن يُفرض الفقر على أهلها، ليتاح الغنى لقلة من الأجانب في فرنسا وبريطانيا العظمى، وكرهت أن يجوع أبناؤها وهذه القلة من الأجانب تكاد تقتلها التُّخمة من المال. فكان زعيم العمال في بريطانيا العظمى — وهو اشتراكي — قد أمَّم حزبُه كثيرًا من الشركات، وحوَّل كثيرًا من رءوس الأموال عن ملك أصحابها إلى ملك الدولة. كان زعيم العمال الاشتراكي هذا أشد ثورة وأعنف غضبًا من رئيس الحكومة البريطانية نفسه، مع أنه محافظ عريق في عبادة الذهب وتقديس رأس المال. وكان رئيس الحكومة الفرنسية الاشتراكي، الذي أمم حزبُه كثيرًا من الشركات في فرنسا، والذي أنفق حياته محاربًا لرأس المال، زاريًا عليه، ينتهز به الفرص، ويتربص به الدوائر، ويبطش به كلما وجد إلى البطش سبيلًا؛ كان هذا الرئيس الاشتراكي القديم أشد ثورة، وأعنف غضبًا، وأطول لسانًا، وأكثر هذيانًا من المحافظين الفرنسيين المُمعِنين في المحافظة على رأس المال، لا لشيء إلا لأن العمال البريطانيين طامعون في الوصول إلى الحكم، ولأن الاشتراكيين الفرنسيين حريصون على الاحتفاظ بالحكم بعد أن ظفروا به.
العجل الذهبي أولئك وهؤلاء يتملَّقون رءوس الأموال، ويبيعون مبادئهم، ويقدمونها قربانًا بغيضًا لرأس المال، الذي رمز له «جوت» بالعجل الذهبي. وكذلك كفر الاشتراكيون من الفرنسيين والإنجليز بإلههم كارل ماركس، وعادوا إلى عبادة العجل الذهبي، كما كفر حلفاؤهم من بني إسرائيل في الزمان القديم والجديد بعبادة الله العلي القدير، حين أخرج لهم صاحبهم ذاك عجلًا من ذهب له خوار. كفروا بكارل ماركس وضحُّوا بمبادئه تقرُّبًا إلى رأس المال، آثروا الحكم على المبادئ، وآثروا الكفر على الإيمان، والنفاق على الصراحة، واتفقوا مع المحافظين على أن يجعلوا من مسألة القناة مسألة سياسية خطيرة، ومن استمتاع مصر بحقها الطبيعي الذي لا ينكره إلا المحمقون اعتداءً على حق الأوروبيين والأمريكيين في عبور القناة أحرارًا ذاهبين آيبين، لا يصدهم عن الذهاب ولا عن الإياب صادٌّ، ولا يردهم رادٌّ، وإنما تُيَسِّرُ لهم مصر الأمور كما كانت مُيَسَّرَةً لهم من قبلُ، بل خيرًا ممَّا كانت ميسرة لهم من قبل. ثم أقاموا الدنيا وأقعدوها وظنوا أنهم قادرون على أن يملَئوا مصر خوفًا ورعبًا، بما يُجَنِّدُونَ من الجنود وبما يُهَيِّئُونَ من الأساطيل، كأنهم يستطيعون أن يثيروا الحرب متى شاءوا وكيف شاءوا وأين شاءوا، وكأن الأرض قد خلت لهم، يفعلون بها وبأهلها ما يحبون.
لن تخاف مصر وكأن مصر ستخاف منهم اليوم كما كانت تخاف منهم في أيام مضت، وستذعن لهم اليوم كما كانت تُذعِن لهم في أيام مضت أيضًا، وكأن العالم سيخلي بينهم وبين ما يريدون من إثارة الحرب إن صدقت نياتهم في إثارة الحرب. وقد قالت لهم مصر وما زالت تقول إنها لن تمس حرية القناة، بل ستؤمنها في المستقبل كما أمَّنتها من قبل. وهم يصدقون مصر بقلوبهم، ويكذِّبونها بألسنتهم؛ لأن رأس المال البريطاني والفرنسي لم يقنع بكل ما أُتيح له من الربح إلى الآن، فهو يتحرَّق منه إلى المزيد، ولأن إلههم ذاك الوحشي البشع لم يقنع بكل ما أُجري له من أنهار الدماء، وبكل ما قُرِّبَ إليه من أكداس الأشلاء، هو ظامئ دائمًا جائع دائمًا، يُغري عباده دائمًا بإثارة الحرب والطموح إليها. وأغرب ما يمتاز به الفرنسيون والبريطانيون في هذه الأيام أنهم لا يعتبرون بالأحداث، ولا يتَّعِظُون بالخطوب، ولا يرون أن الدنيا من حولهم قد تغيرت، وأن الفَلَكَ قد أَتَمَّ دورة الاستعمار والبغي والعدوان، وبدأ دورة جديدة قوامها الحرية، ورد الحقوق إلى أهلها وإقامة العدل بين الشعوب، لا يرون شيئًا من ذلك؛ وإنما يرون أو يُخَيِّلُونَ إلى أنفسهم أنهم ما زالوا أقوياء يستطيعون أن يتحكموا في مصائر الشعوب كما تحكَّموا فيها من قبلُ. هم يجهلون شئون أنفسهم، ويجهلون شئون غيرهم من الناس. هم لا يريدون أن يشعروا بأن الضعف قد أخذ يسعى إليهم، وبأن الأيام قد أخذت تعبس لهم، وهم لا يريدون أن يروا كذلك أن القوة قد أخذت تسعى إلى المستضعفين، وأن الأيام قد أخذت تبسم للذين عبست لهم من قبل. وهم يتملقون الأمريكيين، ويبتغون الوسائل إلى روسيا، ويؤلِّبون دول الأرض كلها على مصر، كأن مصر قد اقترفت إثمًا أخطر وأبشع من الآثام الكثيرة التي لا تُحصى، والتي اقترفوها وما زالوا يقترفونها في أقطار مختلفة من الأرض. وأمر الفرنسيين أعجب وأشد غرابة وإثارة للضحك من أمر الإنجليز، فقدْ فَقَدَ الفرنسيون رشدهم وأضاعوا صوابهم حقًّا، وأخذهم شيء من الحمى أطلق ألسنة ساستهم وأجرى أقلام كُتَّابهم بكلام لا يمكن أن يصدر عن العقلاء الذين يضبطون نفوسهم ويسيطرون على عواطفهم. أسرفوا على أنفسهم في عبادة عجلهم الذهبي ذاك، حتى أصبحوا أشبه شيء بالمجاذيب الذين يشهدون الأذكار عندنا، فيقومون ويقعدون وينحنون وينتصبون، ويميلون إلى يمين وإلى شمال، حتى يُفلِت منهم زمام أعصابهم وإذا هم يهذون بما لا يفقهون ولا يفقهه عنهم الناس.
تجاوز آداب اللياقة فرئيس الحكومة الفرنسية يريد أن يلقي على رئيس الجمهورية المصرية درسًا عنيفًا قاسيًا، ووزير الخارجية الفرنسية يتجاوز أيسر آداب اللياقة فيُهين السفير، مع أن التقاليد السياسية تحظُر ذلك حتى حين تُعلن الحرب. ورئيس وزارة سابق، كان أستاذًا قبل أن يصبح سياسيًّا، يتجاوز كل قصد، ويجاوز كل اعتدال، ويصف رئيس الجمهورية المصرية بأنه لص سرق القناة من أصحابها، ولا ينسى إلا شيئًا واحدًا، وهو أن رئيس الجمهورية المصرية استرد لوطنه قناته، وأن اللصوص حقًّا وصدقًا هم الذين يسفكون دماء الجزائريين ودماءهم ويسيرون في الجزائر كما ساروا من قبل في مراكش وتونس؛ ليملَئوا أيديهم وجيوبهم بما حرم عليهم من المال. وليت المصريين يقرءون ما تفيض به الصحف الفرنسية، وصحف المحافظين منها خاصة من الوعيد الذي يخيل إلى قارئه أن فرنسا ستسحق مصر سحقًا، وستمحق المصريين محقًا. وأنا أعترف بأني أقرأ هذا الوعيد مع من حولي من الأهل والرفاق، فلا يأخذنا خوف، ولا يملكنا إشفاق، وإنما نغرق في ضحك طويل عريض، وأتمثل أنا قول الشاعر القديم: تمناني ليقتلني زياد كذبت لتقصرن يداك دوني أما بعد فمن الحق على الحكومة المصرية — فيما أرى — أن تحفظ على المصريين كرامتهم، وأن تلقي على هؤلاء الثرثارين المتفيهقين من الفرنسيين درسًا يعلمهم التفكير والتروية فيما يقولون وما يكتبون، وما أقدر حكومتنا على أن تلقي عليهم هذا الدرس القاسي إن شاءت دون أن تعدوا حقها أو تحدث في السياسة الدولية حدثًا.
Tag: الأيديولوجية السياسية
-
من بعيد عُبَّاد الذهب | From Afar, Worshippers of Gold
-
أزمة الديمقراطية | The Crisis of Democracy
أزمة الديمقراطية
طه حسين
جريدة البلاغ
٢٤ مايو ١٩٤٥
لم تتعقَّد شئون السياسة العالمية منذ تَمَّ تسليم ألمانيا كما تعقَّدت في هذه الأيام الأخيرة؛ فقد كانت الخصومات الدولية الكبرى وحدها تشغل الرأي العالمي العام، أما الآن فقد أضيفت إلى هذه الخصومات الدولية خصومات أخرى حزبية في السياسة الداخلية لبعض الدول الكبرى.
ولما كانت هذه الخصومات الداخلية بعيدة الأثر في السياسة الدولية نفسها، فقد اشتدَّت العناية بها، وكثر التأويل لها والاختلاف فيما يستنتج من نتائج، بحيث أصبحت السياسة الخارجية نفسها تأتي في المرتبة الثانية بعد هذه المشكلات السياسية الداخلية. وأعظم هذه المشكلات الداخلية خطرًا، مشكلة بريطانيا العظمى بالطبع؛ فلبريطانيا العظمى مركزها الممتاز في العالم كله، ولها العلاقات المعقدة بالدول الكبيرة والصغيرة وبممتلكاتها المستقلة وإمبراطوريتها الواسعة؛ فليس من الغريب أن تُعْنَى هذه الدول كلها بكل ما يحدث في بريطانيا العظمى، وبكل ما يمكن أن يكون له أثر في سياستها الخارجية وفي مسلكها نحو المستعمرات.
ومصدر هذه الخصومة الداخلية في بريطانيا العظمى طبيعي لا غرابة فيه؛ فقد حكمت بريطانيا أثناء الحرب حكمًا ائتلافيًّا يقوم على اتفاق الأحزاب التي تتباين مناهجها وبرامجها. وكان رئيس الوزراء مستر تشرشل يعتقد أن هذا الحكم الائتلافي سيستمر حتى تضع الحرب أوزارها في الشرق والغرب. ولكن الحوادث دلَّت منذ وقت غير قصير على أن هذا الائتلاف قد أَخَذَ يتصدَّع، وعلى أن الاختلاف في شئون السياسة الخارجية نفسها بين الأحزاب أعظم من أن تثبت له الوزارة الائتلافية.
ويكفي أن نذكر حوادث اليونان التي لم يبعد العهد بها بعد؛ لنتبيَّن أن الأحزاب المؤتلفة في بريطانيا العظمى لم تكن تنظر إليها نظرة واحدة، وقد كان المحافظون ينظرون إليها نظرة الرضا عن السياسة الإنجليزية في تدبيرها وتسييرها، وكان العمال ينظرون إليها نظرة السخط، وكان الأحرار ينظرون إليها نظرة قلقة مترددة. ولم ننسَ بعدُ تلك المناورات البرلمانية التي لجأ إليها العمال أثناء أزمة اليونان؛ ليحتفظوا بحريتهم في الرأي وإنكارهم لسياسة الحكومة من جهة، وليحتفظوا بالائتلاف من جهة أخرى حتى يتم الانتصار في أوروبا وتُلْقِي ألمانيا السلاح.
وقد طلب مستر تشرشل الثقة غير مرة إلى مجلس العموم بشأن سياسته في اليونان فظفر بها، ولكنه ظفر بها غير كاملة: ظفر بثقة تشبه أن تكون شكلية؛ لأن عددًا ضخمًا من النواب يوشك أن يبلغ نصف المجلس — أو أن يزيد عليه — لم يشهد التصويت؛ فظفر رئيس الوزراء بالثقة من كثرة الحاضرين، واستطاع أن يقول رسميًّا إنه مؤيد بثقة المجلس، ولكنه استطاع أن يعلم أن تأييد المجلس له ليس قويًّا ولا عميقًا ولا صالحًا للاعتماد عليه.
وكان ما حدث في مؤتمر القرم مظهرًا آخر من مظاهر التصدع في هذا الائتلاف؛ فقد سخط العمال والأحرار، وأيَّدهم الرأي العام البريطاني على إمضاء الأمر في شئون بولندا وهي نائية، ودلت الحوادث بعد ذلك على أن الساخطين لم يخطئوا؛ فهذه بولندا لا تزال في موقفها المعقد، وهي لا تشارك في الشئون العالمية، ولا تشهد مؤتمر سان فرانسيسكو؛ لأن الروسيين يرون في شأنها رأيًا، ويرى الإنجليز والأمريكيون في شأنها رأيًا آخر، وتضيع هي بين أولئك وهؤلاء.
والواقع أن شئون السياسة الخارجية البريطانية مضت مستقيمة مرضية للعمال والمحافظين والأحرار أثناء المحنة حين كانت ألمانيا قوة تُخَاف ويُخْشَى خطرها، وحين كان الحلفاء في حاجة شديدة إلى تأييد القويِّ والضعيف في جميع أقطار الأرض، فلما انهزمت ألمانيا في إيطاليا وفرنسا، وأخذ الحلفاء يغزونها في أرضها، واستيقن الحلفاء أنهم منتصرون؛ تغير اتجاه السياسة الخارجية البريطانية شيئًا ما، وأخذ يسترد قليلًا لونَه القديم الذي كان يعتمد على انتهاز الفرص، وتقوية سلطان الإمبراطورية، وإظهار البأس البريطاني، وإشعار الأقوياء والضعفاء بأن للسلطان البريطاني قوَّة لا تحب الضعف وشدة لا تحب اللين.
وظهرت آثار هذا كله في أزمة اليونان، كما ظهر شيء من ذلك في الشرق الأدنى؛ فقد نسيت وعود كانت مبذولة، وظهرت ميول كانت حريصة على أن تستخفي، ولم يلبث هذا كله أن اصطدم بحرص الدول الأخرى العظيمة على ما تحب أن يكون لها من نفوذ وسلطان، ومنذ ذلك الوقت أحسَّ العمال أن المحافظين قد جعلوا يعودون إلى سياستهم التقليدية، فصبروا على مضض صامتين، ثم جمجموا وغمغموا منكرين، ثم جهروا بالخلاف، وصرَّحوا بالإنكار، وعرضوا الائتلاف للخطر.
فإذا أضفت إلى هذا أن السياسة الداخلية في بريطانيا العظمى قد سلكت نفس السبيل التي سلكتها السياسة الخارجية؛ لم تنكر مسلك العمال، فقد مضى المحافظون مع حلفائهم العمال في الحرب إلى أبعد مدًى، ودعاهم ذلك إلى أن يبسطوا سلطان الدولة على كل شيء، ويبسطوه في قوة لا تعرف هوادة ولا تراخيًا، حتى كان كثير من الناس يتحدثون بأن بريطانيا العظمى تسعى إلى الاشتراكية سعيًا سريعًا. ولكن الأستاذ بيفردج لم يكد يعلن تقريره المشهور، حتى أحسَّ المحافظون أن هناك خطرًا يحسن الاحتياط له والاستعداد لمقاومته، وإذا تقرير الأستاذ بيفردج يؤجل إلى حين، وإذا الحديث يستأنف من حق الأفراد والهيئات في أن يمكنوا شخصياتهم من العمل والابتكار والإنتاج.
وإذن فقد جعل المحافظون يستردون شيئًا عن حريتهم، ويعودون إلى سياستهم التقليدية التي تُؤْثِر التطور البطيء، فضلًا عن الثورة في كل ما يتصل بالنظم الاجتماعية والاقتصادية، وليس العمال غافلين ولا ذاهلين؛ فهم قد لاحظوا هذا التغير في سياسة المحافظين في السياسة الداخلية كما لاحظوه في السياسة الخارجية، وهم قد احتملوا الائتلاف كارهين منذ وقت طويل، حتى إذا انتهت الحرب في أوروبا قرروا أن يستردُّوا حريتهم، واستردوها بالفعل، ولكنهم ضحوا في سبيل هذه الحرية بشيء غير قليل مما كانوا يعتمدون عليه ليظفروا بالفوز في الانتخاب؛ فقد كانوا يريدون أن يخوضوا معركة انتخابية طويلة هادئة يدعون فيها لآرائهم بعد أن تطمئنَّ القلوب في الصدور، ويُفِيق الشعب البريطاني من نشوة النصر، ويستطيع أن يحكم على الأشياء في هدوء وأناة، ويعود كثير من الجنود المحاربين إلى أرض الوطن، فيسمعوا من الناس ويقولوا لهم، ويقضي الشعب في مصيره عن روية وبصيرة.
ولكن مستر تشرشل لم يمهلهم، ولم يُتِحْ لهم هذه المعركة الهادئة الطويلة، وإنما خيَّرهم بين الائتلاف إلى أن تستسلم اليابان، والانتخاب في أوائل يوليو المقبل؛ فقبلوا التحدي كارهين، ووصفوا خطة المستر تشرشل بأنها خطة مخجلة، وحملوه تبعتها، وبدءوا دعوتهم الانتخابية منذ يوم الثلاثاء.
والعالم ينتظر نتيجة هذه المعركة التي تدور الآن بين هذه الأحزاب الثلاثة، وينتظر ما سيكون لهذه المعركة من أثر في السياسة الخارجية، وفي الصلات بين بريطانيا العظمى وبين الدول الكبرى من جهة وبينها وبين الدول الصغيرة من جهة أخرى. وأيسر ما ينبغي أن يقال للمصريين خاصة وللشرق العربي عامة هو أن الشعوب المستقلة الكريمة يجب أن تعتمد على نفسها قبل كل شيء، وألا تعتمد على تحول سياسي يحدث هنا أو هناك، ويجب في الوقت نفسه ألا تهمل هذا التحول السياسي، وأن تحسب له حسابه، وتستعد للانتفاع به إن كان نافعًا، والاحتياط له إن كان مخيفًا.
على أن الأزمة الديمقراطية الداخلية ليست مقصورة على بريطانيا العظمى وحدها؛ فقد يظهر أن في فرنسا شيئًا يشبه أن يكون أزمة ديمقراطية، فقد دلت الانتخابات البلدية على أن فرنسا تتجه اتجاهًا شديدًا نحو اليسار، وكل شيء يدل على أن في الشعب الفرنسي شيئًا غير قليل من القلق حين ينظر إلى مستقبله القريب وإلى تنظيم أمره الداخلي. وقد خطب ليون بلوم رئيس الحزب الاشتراكي خطبته الأخيرة، فدلَّ على أن الأمور لا تجري في فرنسا على نحو يدعو إلى الرضا والاطمئنان. وأخص ما يلفت النظر في خطبة ليون بلوم قوله: «إن أداء خدمة الوطن مهما تعظم لا يُكسِب صاحبه حقًّا في البلاد الديمقراطية، وإنما يكسبه الحق في البلاد الدكتاتورية؛ لأن أداء الخدمة إلى الوطن الديمقراطي واجب على المواطنين جميعًا تقتضيه طبيعة الأشياء.»
وواضح ما في هذا الكلام من التعريض، وقوله كذلك: إن فرنسا يجب أن تصل إلى عظمتها من طريق الاتحاد بين المواطنين، والتعاون على تحقيق العدالة الاجتماعية في الحياة الداخلية، وعلى تحقيق العدالة الاجتماعية بين الدول؛ فلا يظلم القوي الضعيف، ولا يستأثر صاحب البأس بالأمر دون من لا حظَّ له من قوة أو بأس. وهذا البرنامج على إيجازه إن صور شيئًا فإنما يصور المثل الأعلى للعدل الداخلي والخارجي جميعًا، ولكن المثل الأعلى شيء والحياة الواقعة شيء آخر.
فأنت ترى أن مشكلات السياسة الداخلية قد كادت تسيطر في هذه الأيام على مشكلات السياسة الخارجية، ولست أدري أمخطئ أنا أم مصيب؟ ولكن أشعر بأن بعض المشكلات الأوروبية الحادة قد أخذت تتخفَّف من حدتها شيئًا ما؛ فمشكلة تريستا توشك أن تنتهي إلى حلٍّ يُرْضِي الحلفاء من جهة واليوغوسلافيين من جهة أخرى، وما أظن أن الأيام القليلة المقبلة ستنقضي دون أن يعلن أن الاتفاق تام موقوت بين أولئك وهؤلاء.
وكانت هناك مشكلة الحكم في ألمانيا، وكانت موسكو ساخطة أشدَّ السخط لبقاء حكومة ألمانية برياسة الأميرال دونتز، فقد حلت هذه المشكلة بإلغاء هذه الحكومة واعتقال أعضائها جميعًا. أما المشكلة البولندية فمرجأة إلى أن تستأنف فيها المفاوضات، فهل تُسْتَأنَفُ هذه المفاوضات مع الحكومة البريطانية المؤقتة التي يؤلِّفها المستر تشرشل الآن؟ أم هل تستأنف مع الحكومة التي ستنتجها الانتخابات؟ والشيء الواضح هو أن بولندا لن تشارك في مؤتمر سان فرانسيسكو، ولكن الشيء الواضح أيضًا هو أن مؤتمر سان فرانسيسكو قد أصبح شيئًا في المرتبة الثانية أو الثالثة، وفقد كثيرًا جدًّا من خطورته، ولن تفقد بولندا شيئًا كثيرًا لأنها لم تشترك فيه. ومن يدري لعلها سترضى في يوم من الأيام عن هذه الظروف القاسية التي حالت بينها وبين الاشتراك فيه؟