Tag: الإجلاء

  • إياب… | Return …

    إياب…
    طه حسين
    جريدة صوت الأمة
    ٢٧ أكتوبر ١٩٤٦
    هو الغنيمة الوحيدة المحققة والتي ينبغي أن يقنع بها صدقي باشا من رحلته القصيرة الشاقة. والحمد لله على أن السلامة قد كُتِبت له في غيابه وإيابه، وعلى أن هذا المرض الذي أَلَمَّ به في لندرا قد انجاب عنه وردَّه إلينا سالمًا موفورًا. فهذا كل ما يمكن أن يُلاحظ من الخير في رحلته هذه التي اندفع إليها اندفاعًا لم يحفل فيه برأي الأصدقاء ولا برأي الخصوم.

    ويجب أن نلاحظ قبل كل شيء أن بين صدقي باشا وبين الشعب المصري صراعًا سينتهي قطعًا كما ينتهي كل صراع بين الشعب والأفراد بانتصار الشعب وانهزام الأفراد. وقد انتصر صدقي باشا في هذا الصراع إلى الآن انتصارًا ظاهرًا. قال له الشعب لا تنهض بأعباء الحكم إلَّا أن تعتمد على ثقة دستورية مبرأة من كل زيف، فلم يحفل بقول الشعب، وإنما عرف كيف يقول له لا، وكيف ينهض بأعباء الحكم والأمة معرضة عنه نافرة منه غير مطمئنة إليه. وقال له الشعب: لا تقدم على مفاوضة الإنجليز حتى تقيم بينك وبينهم أساسًا صريحًا للمفاوضات يحول بينهم وبين العبث بالحقوق، ويحول بينهم وبين تضييع الوقت، ويحول بينهم وبين إنهاك قوى الشعب بالمماطلة والمطاولة والانتظار. فلم يحفل بما قال الشعب له، وإنما أقدم على مفاوضاته غير محقق ولا مدقق ولا مستوثق، وعرف كيف يقول للشعب لا.

    وقال له الشعب حين أسرف المفاوضون البريطانيون في المماطلة والمطاولة: حسبك أن الرجوع إلى الحق خير من الإمعان في الباطل، فاقْطَعِ المفاوضات وخلِّ بين الشعب وبين ما يريد أن يسلك من طريق للجهاد في سبيل مطالبه وحقوقه وأمانيه فلم يحفل. وإنما عرف كيف يقول للشعب لا. ووصل من المفاوضات ما انقطع وجدد منها ما بلي، وقاس ذراعًا كلما قاس الإنجليز أصبعًا أو أنملة؛ حتى أصبحت المفاوضات من لهو الحديث يعبث بها المصريون، ويعبث بها غير المصريين.

    وقال له المفاوضون المصريون أنفسهم: حسبك قد أذللتنا ولم نُخلق للذلِّ، وعرضتنا للهوان ولم نُخلق للهوان، وأسخطت علينا الشعب، ومن حقِّنا أن نتجنب سخط الشعب، وأطمعت فينا الإنجليز، ومن حقِّنا أن نرتفع عن طمع الإنجليز، وأضحكت منا الأجانب، ومن حقِّنا ألَّا نثير في نفوس الأجانب إلَّا عطفًا واحترامًا. وقال له الشعب: حسبك، يجب أن تسمع لزملائك؛ فقد تكون رئيسًا لهيئتهم، ولكنك واحد منهم لا ينبغي أن تستبدَّ بهم، ولا أن تستأثر من دونهم بالرأي. ولكنه لم يحفل بأولئك ولا هؤلاء، وعرف كيف يقول للشعب والزملاء جميعًا: لا. حتى إذا كان الحرج فاستقال، ثم ردَّت عليه استقالته. هنالك أزمع أمرًا نهاه عنه الشعب ونهته عنه هيئة المفاوضات، ولكنه لم يحفل بنهي الشعب ولا بنهي هيئة المفاوضات؛ فسافر إلى لندرا غير آبه بما قيل له من أن وزير الخارجية البريطانية هو الذي كان يجب أن يسعى إلى مصر؛ لأنه أزمع ذلك ووعد به، فما ينبغي أن تسعى أنت إليه؛ لأن في ذلك غضًّا من قدر مصر وإهدارًا لكرامتها وتهالكًا على الإنجليز.

    ولكنه عرف كيف يقول لا، ومضى أمامه لا يلوي على شيء ولا يكترث بشيء، حتى وصل إلى لندرا. وهناك لقي المستر بيفن، ولقي معه المرض الذي أخاف عليه، والذي نحمد الله على أنه قد أبرأه منه.

    ورب ضارة نافعة، فقد سعى صدقي باشا إلى المستر بيفن في وزارة الخارجية البريطانية، ولكن المرض اضطر المستر بيفن إلى أن يسعى إلى صدقي باشا غير مرة في فندق كلاردج. فكان في هذا السعي الاضطراري شيء يشبه أن يكون عزاءً.

    والمهم هو أن صدقي باشا قد سافر؛ لأنه أراد أن يسافر، وعلى رغم إلحاح الشعب وزملائه المفاوضين عليه في ألَّا يسافر. وهو يئوب إلينا اليوم فبماذا يئوب؟ بالإياب وحده لا أكثر بل أقل. وما ينبغي أن يُخدع المصريون بهذا الكلام الفارغ الكثير الذي يضطرب به البرق، وتهذي به بعض الصحف، وتلوكه بعض الأفواه، وتُخَطْرِف به بعض الرءوس المريضة. فقد سافر صدقي باشا إلى لندرا لا يحمل شيئًا؛ لأن الشعب المصري لم يحمِّله شيئًا. وعاد صدقي باشا من لندرا لا يحمل شيئًا مما يريد الشعب المصري أو مما يستطيع الشعب المصري أن يقبله أو يراه موضوعًا للتفكير.

    ذلك أن الشعب المصري — سواء وثق بصدقي باشا أم لم يثق به — يريد أشياء واضحة كلَّ الوضوح، بيِّنة كلَّ البيان، لا تحتمل لبسًا ولا غموضًا، ولا أخذًا ولا ردًّا ولا جدالًا. يريد جلاءً غير مشروط وغير مؤجل وغير معرض للتلكؤ. والشيء المحقق الذي لا شك فيه هو أن صدقي باشا لم يعهد بهذا الجلاء. ولست أدري أعاد بجلاء أم لا، ولكن الجلاء الذي يمكن أن يعود به هو جلاء من صنعه هو، يلائم ذوقه وطبعه، وليس من الشعب المصري في شيء.

    والشعب المصري يريد سيادة خالصة نقية لأهل وادي النيل على أنفسهم وعلى أرضهم ونهرهم وجوِّهم وبحرهم، سيادة لا يشوبها الحكم الثنائي، ولا تكدِّرها الإدارة المشتركة، ولا يخدعهم عنها لفظ مهما كان برَّاقًا، ولا يغرهم عنها تلاعب بالصيغ ولا افتتان في التنميق. والشيء الذي ليس فيه شك هو أن صدقي باشا لم يعد إلينا بهذه السيادة. ولعله لم يعد بسيادة ما. ولعله أن يكون قد عاد وفي إحدى حقائبه علبة من فضة أو من ذهب أو من نحاس أو من زجاج، وفيها نوع من سيادة تلائم طبعه هو المترف وذوقه هو الرقيق، ولكنها ليست من الشعب المصري في شيء.

    والشعب المصري لا يريد محالفة عسكرية مع الإنجليز — ولا مع غير الإنجليز — قبل أن يستوفي استقلاله كاملًا، ويستمتع بحريته خالصة، ويحالف عن بصيرة ورضًا لا عن خوف وإكراه. والشيء الذي ليس فيه شك هو أن صدقي باشا يعود إلينا ومعه محالفة عسكرية لن يتم الجلاء إلَّا إذا قُبِلت. وإذن فصدقي باشا لا يعود عودة سلبية فحسب، ولكنه يعود عودة إيجابية فيها شرٌّ عظيم لا يريد المصريون أن يقبلوه ولا يستطيع المصريون أن يقبلوه.

    فليس من الغُلُوِّ إذن ولا من الدعاية ما قلته في أول هذا الحديث من أن صدقي باشا يجب أن يقنع من رحلته القصيرة الشاقة بالإياب؛ لأن الإياب هو الغنيمة الوحيدة المحققة التي أتيحت له من هذا السفر البعيد والعناء الشديد.

    وقد قلت إن بين الشعب المصري وبين صدقي باشا صراعًا طويلًا ثقيلًا انتصر فيه صدقي باشا انتصارًا ظاهرًا إلى الآن. فقد عرف كيف يقول «لا» للشعب المصري في كل ما تقدَّم به إليه الشعب المصري من أمر أو نصح أو إرشاد. فقد آن للشعب المصري منذ اليوم أن ينتصر على صدقي باشا انتصارًا محققًا لا ظاهرًا، وأن يُسمِعه هذه الكلمة التي طالما سمعها منه، وهي كلمة «لا». وما أعظم الفرق بين هذه الكلمة حين ينطق بها صدقي باشا وحين ينطق بها الشعب! إنها رشيقة أنيقة مضحكة حين ينطق بها رؤساء الوزارات، وحين يوجهونها إلى الشعوب التي لم تُخلق ليقول لها خدَّامها «لا»، وإنما خلقت ليقول لها خدَّامها «نعم»، وليقول لها خدَّامها «سمعًا وطاعة»، ولكنها مزلزلة مجلجلة حين تنطق بها الشعوب؛ لأنها تضطر رؤساء الوزارات إلى أن يستقيلوا، وإلى أن يعودوا إلى دُورِهم وينظروا في مصالحهم الخاصة بعد أن أخفقوا في تدبير المصالح العامة. وقد أخفق صدقي باشا في تدبير المصالح العامة ليس في ذلك ريب، وإن امتلأت حقائبه بالمذكرات والاقتراحات والصيغ والنصوص، فليس في شيء من هذا كله غَنَاء.

    إن أقصى ما يمكن أن يكون صدقي باشا قد ظفر به من المستر بيفن هو موافقة البريطانيين على المذكرة التي قدمها المفاوضون المصريون منذ أكثر من شهرين ولم يقبلها البريطانيون، وأكبر الظن أنه لم يظفر بالموافقة على هذه المذكرة. وهَبْهُ قد ظفر بهذه الموافقة، فإن هذه المذكرة نفسها لا تُرضي المفاوضين جميعًا، وبينهم من احتجَّ عليها أشدَّ الاحتجاج. وهي بالطبع لا تُرضِي الشعب المصري ولا يمكن أن ترضيه. فإذا كان صدقي باشا قد ظفر من الإنجليز بقبول هذه المذكرة؛ فليهنأ بهذا الظفر وحده، أو ليهنأ به معه أصدقاؤه الذين لا يمثلون إلَّا أنفسهم، فأمَّا الشعب فإنه يرفضها منكرًا لها ساخطًا عليها مترفعًا حتى عن النظر فيها، فكيف وأنا أراهن من شاء بما شاء على أن صدقي باشا لم يظفر بقبول هذه المذكرة ولا بقبول شيء مقارب لهذه المذكرة.

    ليصدقني رئيس الوزراء وأنصاره القليلون، وليصدقني القراء جميعًا أن الإياب هو الغنيمة الوحيدة المحققة التي ينبغي أن يقنع بها صدقي باشا من هذه الرحلة القصيرة الشاقة.

    والآن ما عسى أن تأتينا به الأيام المقبلة من أنباء صدقي باشا؟

    سيعرض ما حمل من لندرا على زملائه الوزراء وعلى زملائه المفاوضين. ولست أدري بأيهم يبدأ، ولا إلى أيهم ينتهي، ولكنه سيعرض ما حمل على أولئك وهؤلاء، فإن قبلوا ما حمل إليهم؛ فما عسى أن يصنع: أيعرضه على البرلمان القائم فتتم المؤامرة ويتم إحكامها ويخضع الشعب المصري لدكتاتورية متصلة طويلة الأجل أو قصيرة الأجل، قوامها تعطيل الدراسة في معاهد العلم وحرمان المصريين حرية الاجتماع وحرية الخطابة وحرية الكتابة أيضًا، وتسليط الخوف على الأحرار كلما قالوا أو كتبوا أو تحركوا؟ ولكن هذه الدكتاتوريات لا تجدي ولا يمكن أن تبقى، ومصيرها دائمًا معروف محتوم.

    وقد يرفض زملاء صدقي باشا ما يعرض عليهم من هذه الهدايا التي جاء بها من لندرا، وإذن فهل يستقيل وترد أمور الشعب إلى الشعب؟! أم هل يبقى ليعاقب الشعب، وليعاقب المفاوضين على رفض هذه الهدايا التي جاء بها من لندرا؟ ولا سبيل إلى بقائه، ولا سبيل إلى معاقبته للشعب إلَّا أن يعتمد على الدكتاتورية التي تغل المصريين فلا يعملون، وتعقد ألسنتهم فلا ينطقون، وتعقل أقلامهم فلا يكتبون. وصدقي باشا يعلم أن هذه الدكتاتوريات لا يمكن أن تدوم ولا تعمر طويلًا، وأظنه قد جرَّب هذه الدكتاتوريات من قبل وعرف عواقبها ونتائجها.

    صدقي باشا مخير إذن بين اثنتين: إمَّا أن يستقيل فيريح ويستريح، ويغفر الله له ما قدَّم إلى الشعب المصري من شرٍّ وما صبَّ عليه من مكروه، وإمَّا أن يبقى ويفرضها على الشعب دكتاتوريةً صارمةً يعرف الشعب كيف يخرج منها كما خرج من أمثالها.

    ألم أقل لك إن الصراع بين صدقي باشا وبين الشعب قد طال أمده، وقد انتصر فيه صدقي باشا انتصارًا ظاهرًا، وآن للشعب أن ينتصر الآن على صدقي باشا انتصارًا محققًا؟!

    ومن يدري؟ لعل صدقي باشا لم يتنسَّم في لندرا هواءها البارد الذي حمل إليه مرضه البغيض وحده، وإنما تنسَّم معه ريحًا من الديمقراطية ألقت في روعه أن عصر الدكتاتوريات قد انتهى، وأن الشعوب لا تُحْكَم بالقهر، ولا تؤخذ بالعنف، ولا تحمل بالقوة على ما تريد، ولعله قد عاد وفي حقائبه — إلى جانب وثائقه الكثيرة — وثيقة صغيرة خطيرة يرفعها إلى جلالة الملك ليتفضل جلالته فيأذن له في أن يلزم داره ليريح ويستريح، ويخلي بين الشعب وبين الجهاد لتحقيق ما يريد.

    في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
    إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.
    أو يمكنك التسجيل من خلال حسابك
    تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

  • إجماع … | Consensus …

    إجماع …
    طه حسين
    جريدة صوت الأمة
    ٢١ أغسطس ١٩٤٦

    يقال: إن السادة المفاوضين قد ائتلفوا بعد اختلاف، واتفقوا بعد افتراق، وأصدروا قرارًا إجماعيًّا سيبلغ إلى الإنجليز ثم يذاع في المصريين. وقد وُصف هذا الإجماع بأنه وطني عظيم، وبأنه مطابق لأماني مصر. وقد خُيِّل إلينا حين سمعنا هذا الكلام أن السادة المفاوضين عادوا إلى الصواب بعد أن أمعنوا في الخطأ، وثابوا إلى الحق بعد أن لجُّوا في الباطل إلجاجًا. وقرروا بإجماع الآراء ألا مفاوضة مع الإنجليز حتى يقبلوا الجلاء معجلًا لا مؤجلًا، وحتى يعترفوا بوحدة وادي النيل في ظل عرش واحد هو عرش مصر وتاج واحد هو تاج مصر، وحتى يعدلوا عن هذه الشركة البغيضة وعن هذا المجلس البغيض الذي ينظم الدفاع عن مصر؛ فيلغي استقلالها إلغاءً، ويضع الأصبع الإنجليزية — بل اليد الإنجليزية كلها — في المرافق المصرية مهما تختلف ومهما تتنوع.

    وفهمنا كذلك أن السادة المفاوضين قد قرروا بالإجماع ألا يقحموا مصر في مشكلات الإمبراطورية البريطانية، قريبةً كانت هذه المشكلات من مصر أو بعيدة عنها، وألا يخوضوا ببلادهم غمرات الحرب إلا حين تكون مصر المعروفة بحدودها الجغرافية معرضة للخطر المباشر القريب.

    فهمنا هذا كله فرضينا وابتهجنا، ولكن رضانا وابتهاجنا لم يتصلا إلَّا دقائق معدودات. فقد فسَّر لنا المفسِّرون أن السادة المفاوضين لم يجمعوا على شيء من هذا ولا على شيء قريب من هذا، وإنما أجمعوا على الاستمساك بذلك الاقتراح الذي قدموه إلى الإنجليز، وزعموا أنه آخر ما يستطيعون أن يقدموه. وقبلوا فيه مجلس الدفاع وقبلوا فيه تأجيل المفاوضات المفصلة في شئون السودان، وحددوا فيه أمد الجلاء بعام واحد فيما يقال. وعرَّضوا فيه مصر لخوض غمارات الحرب حين تثار الحرب في البلاد المتاخمة دون البلاد المجاورة … إلى آخر هذا الكلام الفارغ الذي يقطع الشعرة أرباعًا، ويبحث عن الظُّهر في الساعة الرابعة عشرة كما يقال! لم يجمع السادة المفاوضون على خير إذن، وإنما أجمعوا على شر عظيم؛ أجمعوا على الكارثة التي تخذي مصر وتغض من قدرها وتضيِّع حقَّها وتجعلها ضحكة للعالم الغربي البعيد وللعالم العربي القريب. والناس قد يجمعون على الخير؛ فيرضون عن أنفسهم ويرضى عنهم الناس. ولكنهم قد يجمعون على الشر؛ فلا يرضى عنهم أحد. ثم يختلفون بعد ذلك: فمنهم من يرضى عن نفسه؛ لأنه لا يحفل بخير ولا بشر، ولا يحفل بأحد غير نفسه، ولا يعنيه أن يرضى الناس عنه أو يسخطوا عليه. ومنهم من ينكر نفسه أشد الإنكار، ويضيق بها أشد الضيق؛ لأن له ضميرًا يعرف الحياء ويعرف الندم، ويعرف أن النفس أمَّارة بالسوء، ويعرف أنها ضعيفة أمام بعض الظروف، فهو يذعن في النهار ويندم في الليل، وهو يأثم اليوم ويبكي غدًا، ثم يتوب حين لا تغني التوبة عن أصحابها شيئًا. وليس المهم أن يرضى السادة المفاوضون عن أنفسهم أو أن يسخطوا عليها، وأن يكون منهم الراضي ومنهم الساخط، وإنما المهم ألا يخدع المصريون عن حقِّهم، وألَّا تغرهم الأماني والآمال والدعاوى العراض تذاع في شمال الوادي وجنوبه.

    فالمصريون يعرفون حقَّهم كما يعرفون أنفسهم، والمصريون يعرفون الكيد الذي يُكاد والأمر الذي يُراد. وهم يعرفون الضمائر المرنة كما يعرفون الضمائر الصلبة. وهم يفرِّقون بين الجِدِّ والهزل كما يفرِّقون بين الذين يقدمون على الجد والذين يتخذون أمور الحياة لعبًا وهزءًا. المصريون يعرفون أنهم لا يريدون مشاركةً مع الإنجليز لا في الدفاع عن مصر ولا في غير الدفاع عن شئون مصر. ويعرفون أن وحدة وادي النيل حق لوادي النيل وحق لعرش وادي النيل. فالتفريط فيها تفريط في حق الأمة وفي حق العرش جميعًا. والمصريون يعرفون أنهم لا يريدون أن يكونوا جنودًا للبريطانيين، يسفكون دماءهم للدفاع عن مصالح الإمبراطورية البريطانية في البلاد المتاخمة أو المجاورة أو البعيدة. المصريون يعرفون هذا كله كما يعرفون أنفسهم، ولا يرضون من السادة المفاوضين إلا أن يجمعوا على هذا كله لا يختلفون منه في قليل أو كثير. فأمَّا أن يجمع المفاوضون على الاقتراح الذي قدموه أو يختلفوا في هذا الاقتراح، وأمَّا أن يجمع المفاوضون على المقترحات البريطانية أو يختلفوا فيها، فسخف لا يعني المصريين في قليل ولا كثير؛ لأن الحلال بيِّن والحرام بيِّن، والمصريون يعرفون ما يريدون، ولا يعنيهم أن يتورط السادة المفاوضون فيما يتورطون فيه من شبهات.

    ومع ذلك فمن الإجماع ما يحزن، ومن الإجماع ما يضحك. وإجماع السادة المفاوضين على ما أجمعوا عليه أمس من هذا النوع الثاني. فهم كانوا مختلفين منذ عاد سفيرنا من لندرة، وكان اختلافهم شديدًا وكان خطيرًا إن صحت الأنباء.

    فقد قيل: إن رئيس الوزراء كان يرى قبول المقترحات البريطانية التي حملها إليه السفير، وأنه بذل جهدًا غير قليل ليقنع بذلك زملاءه المفاوضين؛ فاستجاب له بعضهم وامتنع عليه بعضهم الآخر. فلما استيأس من الممتنعين وأعياه إقناع المفاوضين جميعًا؛ حاول إقناع الوزراء، فأتيح له من ذلك ما أراد، وأجابه مجلس الوزراء إلى إجماع كامل شامل يناقض بالضبط إجماع المفاوضين أمس.

    وكذلك وقف مجلس الوزراء في ظل إجماع رائع، ووقف السادة المفاوضون في ظل إجماع آخر ليس أقل منه روعة. المجلس يقبل المقترحات البريطانية بالإجماع، وهيئة المفاوضين ترفضها بالإجماع، ورئيس الوزراء متفق مع المجلس في إجماعه؛ لأن إجماع المجلس لا يتم إلا باتفاقه، وهو متفق مع هيئة المفاوضات في إجماعها؛ لأن إجماعها لا يتم إلا باتفاقه.

    وإذن، فهو يقبل المقترحات البريطانية ويرفضها، واجتماع الضدين مستحيل فيما يقول أرسطوطاليس، ولكن أرسطوطاليس يقول أيضًا: إن الضدين لا يجتمعان إذا اختلف المكان، فرئيس الوزراء يقبل المقترحات في مجلس الوزراء، ورئيس الوزراء يرفض المقترحات في هيئة المفاوضات. وإذا اختلف المكان أو اختلف الزمان لم يجتمع الضدان، والمكان مختلف كما ترى، وليس الزمان أقل من المكان اختلافًا. فرئيس الوزراء كان يقبل المقترحات البريطانية إلى الساعة الحادية عشرة من صباح أمس، ثم أصبح يرفض هذه المقترحات حين انتصفت الساعة الأولى بعد ظهر أمس، المكان مختلف والزمان مختلف؛ فلم يجتمع الضدان ولم يتورط رئيس الوزراء ولا وزير الخارجية في هذا المجال الذي يأتي من اجتماع الضدين. ومجلس الوزراء قابل للمقترحات البريطانية منذ جلسته الأخيرة، ولكنه سيرفضها — بإذن اللَّه — في جلسته المقبلة. سيتحقق التضامن الوزاري من جهة، وليتحقق التضامن بين المجلس وبين هيئة المفاوضات من جهة أخرى.

    وإذا اختلفت العلة اختلفت النتيجة بطبيعة الحال. فقد كان مجلس الوزراء قابلًا للمقترحات؛ لأن رئيس الوزراء كان لها قابلًا، وسيصبح مجلس الوزراء رافضًا للمقترحات؛ لأن رئيس الوزراء أصبح لها رافضًا. والشيء المحقق هو أن هناك إجماعين كلاهما يَسرُّ القلوب ويُسري عن النفوس. والمصريون في حاجة إلى ما يَسرُّ قلوبهم ويُسري عن نفوسهم في هذه الأيام الشداد، التي ينذرهم فيها الفيضان بشر مستطير. فليبتهج المصريون بإجماع أمس كما ابتهجوا بإجماع مجلس الوزراء منذ أيام، وكما سيبتهجون بإجماع مجلس الوزراء غدًا أو بعد غدٍ.

    صنع اللَّه لمصر! متى يأخذ الساسة أمورها على أنها جدٌّ لا لعب؟ ومتى يريحها اللَّه من هذه المغامرات؟ ومتى تجتمع كلمة الكثرة والقلة على الشيء الطبيعي الوحيد الذي لا ينبغي أن يكون فيه خلاف، وهو أن الشرط الأساسي لإمكان المفاوضات الحرة المنتجة إنما هو جلاء الإنجليز قبل كل شيء عن وادي النيل؟

    هنالك — وهنالك ليس غير — نستطيع أن نفاوض الإنجليز لنحالفهم أحرارًا، فنقبل الحلف أو نرفضه. فأمَّا أن يجثم العدو على صدرك، ويضع السكين على عنقك، ويدعوك إلى مفاوضة حرة؛ فهذا هو الذي لا يكون إلَّا في مصر، ولا يعرضه إلا الإنجليز!

  • أغلاط (٢) | Errors (II)

    أغلاط (٢)
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ٤ أبريل ١٩٤٦

    وُفقت الحكومة البريطانية إلى شيء من الصواب، ولكن الحكومة المصرية ما زالت مُغرِقَةً في الخطأ؛ فقد اختارت الوزارة البريطانية وفدًا رسميًّا لمفاوضة مصر، وهي بالطبع لم تَخْتَرْ هذا الوفد إلَّا بعد إلحاح متصل شديد.

    والقراء يذكرون أن وزارة الخارجية البريطانية كانت قد أعلنت — في ردِّها على المذكرة المصرية — أن محادثات تمهيدية ستُجرى بين الحكومة المصرية والسفير البريطاني في القاهرة، وأن المفاوضات ستتبع هذه المحادثات.

    وكان المصريون ينكرون هذه المحادثات التمهيدية، ولا يَرَوْنَ حاجة إليها، أو قُل كان المصريون يعتقدون أن هذه المحادثات التمهيدية قد جرت وطالت، حتى أصبحت الرغبة في إطالتها نوعًا من المماطلة. وكان المصريون يَرَوْنَ كذلك أن إصرار بريطانيا العظمى على أن تَكِلَ الأمر إلى سفيرها في القاهرة أثناء المراحل الأولى للمفاوضات لا يخلو من بعض الاستخفاف بمصر، والنظر إلى طلبها في قليل من الاكتراث. فعُدُول الحكومة البريطانية عن موقفها ذلك إلى هذا الموقف الجديد، وإقدامُها على اختيار وفد رسمي للمفاوضات صوابٌ من غير شك، صواب بالقياس إلى المصريين لأنه يرضي كبرياءهم، ويُشعرهم بأن بريطانيا العظمى لا تريد أن تُظهِر استخفافًا بمصر، ولا أن تكون قليلة الاكتراث بما ينبغي لها من الكرامة.

    وكان البريطانيون وبعض المصريين يذكرون أن مصر قد فاوضت المندوب السامي البريطاني سنة ١٩٣٦، ولا ينسَوْن إلَّا شيئًا واحدًا، وهو أن المندوب السامي في ذلك الوقت لم يكن سفيرًا ولا شيئًا يُشبه السفير، وإنما كان شخصًا ممتازًا له سلطات ممتازة فعلًا إن لم تكن ممتازة شرعًا، وله بحكم هذه السلطان مركز لا يشبه مركز السفير من قريب ولا من بعيد. ومهما يكُن من شيء فقد عدلت بريطانيا العظمى عن موقفها ذاك إلى موقف جديد، فكان في هذا العدول شيء من الصواب، وقد قلت إن بريطانيا العظمى وُفِّقَتْ إلى بعض الصواب، ولكن الحكومة المصرية ما زالت مُغرِقَة في الخطأ، ويكفي أن ننظر إلى تكوين الوفد البريطاني، وإلى تكوين الوفد المصري للمفاوضات؛ لنتبين في وضوح وجلاء صحة هذه القضية. فالوفد البريطاني مؤلَّف من ثلاثة أشخاص لا أكثر، وأحد هؤلاء الأشخاص الثلاثة — وهو الرئيس — لن يحضر المفاوضات، ولكنه سيتصل بها من بعيد ويشهدها إن أتاحت له الظروف شهودها؛ فالوفد الرسمي البريطاني مؤلَّف إذن في حقيقة الأمر من شخصين اثنين: أحدهما وزير الطيران، والآخر سفير بريطانيا العظمى في القاهرة. أمَّا الوفد المصري فمؤلَّف من اثني عشر عضوًا لا أقل من ذلك. فهو إذن يزيد على الوفد البريطاني بعشرة أعضاء أو بتسعة أعضاء على أقل تقدير. وواضح جدًّا ما في هذا التفاوُت من الإسراف الذي لا ينبغي أن يُضاف إلى بريطانيا العظمى، وإنما ينبغي أن يُضاف إلى الحكومة المصرية، فهي التي تعجَّلت الأمر وألَّفت وفدها قبل أن تتبين اتجاه الحكومة البريطانية، وتتعرف وسائلها إلى هذه المفاوضات.

    ولو أن رئيس وزرائنا صبر وصابَر حتى يقنع الحكومة البريطانية بوجوب العناية بالمفاوضات، وتأليف وفد بريطاني لها، وعرَف أنها ستؤلِّف هذا الوفد من ثلاثة أشخاص أو أقل أو أكثر؛ لَلَاءَمَ بين الوفد المصري والوفد البريطاني، ولاحتفظ لمصر بشيءٍ من الكرامة ما كان ينبغي أن يضيع. فأعضاء الوفد البريطاني أَكْفَاءٌ ممتازون ما في ذلك شك، ولكنهم ثلاثة أو اثنان سيضيعون بين هذا العدد الضخم من المصريين، وأكبر الظن أن مركز الوفد المصري الضخم سيكون غريبًا بالقياس إلى هذا الوفد الإنجليزي الضئيل، وأكاد أعتقد أن صدقي باشا سيجتهد في أن يحصر المفاوضات في لجنة ضئيلة من الهيئة المصرية يلائم عددها الهيئة البريطانية. وإذن فسيكون مركز الأعضاء الآخرين غريبًا حقًّا، سينتظرون حتى تكون الحاجة إلى دعوتهم، ويومئذٍ يدعون ليلقوا صدقي باشا والذين يعاونونه في المفاوضات، فيسمعوا منه ويقولوا له ثم ينصرفون ليستأنفوا الانتظار.

    سيكون مركزهم كمركز الهيئة السياسية التي ألَّفها المغفور له الدكتور أحمد ماهر باشا، وكانت لها مع النقراشي باشا خطوب يعرفها رئيس الوزراء، وتعجُّل صدقي باشا في تأليف وفده الرسمي هو الذي اضطره واضطر مصر معه إلى هذا الحرج.

    وأخرى يجب الالتفات إليها، وهي أن الوفد البريطاني مؤلَّف من أشخاص لكل منهم مركزه الرسمي في السلطة التنفيذية، مؤلف من وزيرين ومن سفير، على حين قد أُدخِل في الوفد المصري أشخاص ليس لهم مركز في السلطة التنفيذية المصرية، وأكثرهم ليس له عمل يتصل بهذه السلطة من قريب ولا من بعيد. ومصدر ذلك أيضًا تعجُّل صدقي باشا من جهة أخرى، ونظره إلى وراء لا إلى أمام من وجهة أخرى، فلو أنه انتظر حتى يرى كيف تُؤلِّف الحكومة البريطانية وفدها لَلَاءَمَ بين الهيئتين المتفاوضتين، ولَاكْتَفَى بنفسه ووزير خارجيته وشخص ثالث من الوزارة أو من هيئة رسمية، ولكان في ذلك ما يكفي ما دامت النتيجة ستُعرض على البرلمان آخر الأمر. وكان صدقي باشا تَعَجَّلَ من جهة ونظر إلى وراء، فأراد أن يؤلِّفَ جبهة كالتي كانت تؤلَّف من قبلُ، ومن جهة أخرى فلم يُوَفَّقْ إلى تأليف الجبهة ولا إلى تمثيل الأمة في هيئة المفاوضات، ولكنه خيل إلى نفسه وإلى الإنجليز أنه لا يفاوض باسم الحكومة وحدها، وإنما يفاوض باسم الحكومة والشعب معًا، وظاهرٌ ما في هذا من الخطأ وظاهرٌ ما فيه من الضرر أيضًا.

    فصدقي باشا يعلم والإنجليز يعلمون — وزملاؤه المصريون في المفاوضات كذلك — أن هيئة المفاوضات المصرية لا تتكلم باسم الأمة المصرية، وإنما تتكلم باسم الحكومة وبلسان الأعضاء الذين يؤلِّفونها. فأمَّا كلمة الشعب المصري فسيقولها البرلمان إذا انتُخِب حرًّا وعُرِضَتْ عليه نتيجة المفاوضات.

    وثالثة لعلها أن تكون أشدَّ خطرًا من كل ما مضى، وهي أن الحكومة البريطانية قد أَلحقت بوفدها الضئيل عددًا ليس به بأس من المستشارين العسكريين الممتازين في شئون الحرب والسياسة والاقتصاد. وهي لم تنشئ هذه الهيئة من المستشارين عبثًا، وإنما أنشأتها لتستعين بها في دقائق المفاوضات، فهل أنشأ صدقي باشا بإزاء هذه الهيئة هيئةً مصرية من المستشارين الممتازين في شئون الحرب والسياسة والاقتصاد؟ ومَن عسى أن يكون أعضاء هذه الهيئة المصرية؟

    والشيء الخطير حقًّا هو هذه العناية التي تُظهرها بريطانيا العظمى بالشئون العسكرية في البر والبحر والجو؛ فإن موضوع المفاوضات — فيما نعلمُ — هو الجلاء عن مصر والسودان، لا تنظيم شئون الحرب البرية والبحرية والجوية في مصر والسودان.

    ولسنا نعلم أن البريطانيين والفرنسيين قد فاوضوا إخواننا اللبنانيين والسوريين على هذا النحو حين فاوضوهم في الجلاء عن ديارهم؛ فالجلاء لا يحتاج إلى كل هذا العناء، وإنما هو أمر يصدر إلى القوات البريطانية للرحيل بعد أن ينظم هذا الرحيل تنظيمًا فنيًّا يحدد أوقاته ووسائله. ففيمَ إذن كل هذا العناء، أليس يمكن أن يكون البريطانيون يريدون أن يفاوضوا وفد مصر في تنظيم الدفاع عن مصر. وفي تنظيم الدفاع كلام كثير، فإذا كان هذا الدفاع مقصورًا على مصر؛ فما ينبغي للبريطانيين أن يسألوا عنه ويشاركوا في تنظيمه الآن، وإن كان هذا الدفاع مشترَكًا بين مصر وبريطانيا العظمى فما لهذا تجري المفاوضات. وليس هذا هو الجلاء؛ فالخطر المخيف حقًّا والذي ينبغي أن يحتاط له صدقي باشا أشدَّ الاحتياط، وأن يتنبه له الشعب المصري أعظمَ التنبُّه؛ هو تدخُّل الإنجليز الآن في تنظيم الدفاع عن مصر، وحمايتها من غارة خارجية، فليس ذلك من شأن الإنجليز، ولا ينبغي أن يكون من شأنهم، ونحن إنما نفاوض لنُقنِعَهم بأن ذلك ليس من شأنهم، وإنما هو من شأن مصر وحدها أوَّل الأمر. فإن احتاجت إلى معونة؛ فسيكون ذلك ليس من شأنهم، وإنما هو من شأن مصر وحدها أول الأمر، فإن احتاجت إلى معونة فسيكون ذلك من شأن هيئة الأمم المتحدة، فبريطانيا العظمى حين تُفاوِضُنا في شئون الدفاع عن مصر، إنما تدخل فيما لا يعنيها، تتطوع بما لم يَدْعُهَا أحد إليها، وتُنِيب نفسها عن مجلس الأمن دون أن يعطيها مجلس الأمن إذنًا بهذه النيابة.

    على هذا النحو يفهَم المصريون مسألة الجلاء، ويحبون أن تفهمها حكومتهم كما يفهمونها، فما ينبغي أن تتناول المفاوضات حديثَ قواعد في البر أو في البحر أو الأسطول من أساطيل الجو. وما ينبغي أن تتناول المفاوضات حديث الاشتراك مع البريطانيين في الدفاع عن مصر، فكل هذه أمور تعني مصر وحدها، والتدخُّلُ فيها إهدار للاستقلال.

    وقد يُقال إن مصر في طريق الهند، وإن بريطانيا العظمى في حاجة إلى حماية مواصلاتها. ولكن مصر ليست وحدها في طريق الهند، ففي طريق الهند بلادٌ كثيرة، وما أظن أن بريطانيا العظمى تطمع في أن تحتل كل البلاد التي تقع في طريق الهند، أو تعرض مواصلاتها لخطرها. والشيء المهم هو أن مصر تريد أن تفاوض في الجلاء وفي وحدة وادي النيل، لا في الدفاع عن وادي النيل ولا في حمايته من المعتدين، فلهذه المفاوضات وقت آخر، ولها هيئة أخرى تستطيع مصر أن تتجه إليها إن أرادت أو احتاجت؛ وإذن ففيمَ هذه الهيئة الضخمة من المستشارين في حرب البر والبحر والجو.

    هذه هي المسألة التي يجب أن يفكر فيها المصريون دائمًا، وألا يَغفُلوا عنها ساعة من ليل أو ساعة من نهار. وهذه هي المسألة التي يجب ألَّا يُشغل المصريون عنها بما يساق إليهم من القول، وبما يُقَدَّمُ إليهم من الوعود، وبما يُبذَل لهم من التلطُّف. فقد عينت بريطانيا العظمى وفدًا لمفاوضة الوفد الرسمي المصري، فأرضت الكبرياء المصرية، وإرضاءُ الكبرياء المصرية خير ليس في ذلك شك، ولكنَّ خيرًا منه إرضاء الحقوق بردِّها إلى أصحابها كاملة غير منقوصة.

    وهناك مسألة أخرى تُلقى هنا وهناك، أتَتِم المفاوضات في القاهرة أم تَتِمُّ في لُندرة؟! ولست أعرف سؤالًا أسخف من هذا السؤال؛ فالذئب قد يدعو الحمَل إلى أن يسعى إليه ليأكله، والذئب قد يسعى بنفسه إلى الحمَل ليأكله دون أن يكلفه مشقة الانتقال إليه. فلتجتهد مصر في ألَّا تكون حَمَلًا يأكله الذئب البريطاني في القاهرة أو في لُندرة.

  • ماذا قال | What Was Said

    ماذا قال

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ٧ أغسطس ١٩٤٥

    نستطيع أن نؤكد أن رئيس الوزراء لم يقُل شيئًا أمس حين تحدَّث إلى مجلس البرلمان في الحقوق المصرية. ونريد أنه لم يقُل شيئًا ذا خطر يمكن أن نعتد به، أو أن نطمئن إليه. فالمصريون جميعًا يعلمون أن رئيس الوزراء وغيره من زملائه يرون فيما بينهم وبين أنفسهم، وفيما بينهم وبين مواطنيهم، وفيما بينهم وبين الإنجليز: أن لمصر حقها الكامل في الاستقلال الصحيح، وفيما يستتبعه من الجلاء، ومن أن يخلص وادي النيل كله لسكان وادي النيل.

    المصريون جميعًا يعلمون ذلك حق العلم، وهم لم يكونوا ينتظرون من دولة النقراشي باشا أن يُنبئهم برأيه في المسألة المصرية، ولا أن يتحدث إليهم بإيمانه بحق الوطن في أن يستقل استقلالًا كاملًا كريمًا، وإنما كانوا يطلبون إليه، وما زالوا يطلبون إليه، أن ينبئهم بما صنعت حكومته لتحقيق هذا الاستقلال فورًا، وبما اعتزمت حكومته أن تصنع لتحقيق هذا الاستقلال فورًا.

    هذا هو الذي طلبه المصريون، وما زالوا يطلبونه إلى رئيس الوزراء، ومن أجل ذلك نأسف أشد الأسف حين يقرر أن رئيس الوزراء لم يقُل أمس شيئًا لمجلس الشيوخ، ولا لمجلس النوَّاب. فهو قد أنكر أن تكون الحقوق المصرية موضوع استجواب في أحد المجلسين؛ لأن المصريين جميعًا متفقون عليها. وله الحق في هذا الإنكار لولا أن أحدًا لم يتَّخذ هذه الحقوق موضوعًا للاستجواب، وإنما كان موضوع الاستجواب، وسيظل موضوع الاستجواب: ما صنعت الحكومة وما تريد أن تصنع لتجعل المطالب المصرية حقائق واقعة لا شك فيها ولا اختلاف عليها بين المصريين والإنجليز، أو بين المصريين والأجانب مهما يكونوا.

    المصريون إذن لم يختلفوا في حقوقهم، ولم يسألوا رئيس الوزراء عن رأيه في هذه الحقوق، وإنما طلبوا إليه أن ينبئهم بأنه فعل شيئًا للظَّفَر بهذه الحقوق، وقد أنبأهم بأنه لم يفعل شيئًا، وطلبوا إليه أن ينبئهم بأنه يريد أن يفعل شيئًا للظفر بهذه الحقوق، وقد أنبأهم بأنه لن يتوانى عن انتهاز أي فرصة تسنح ليفاوض في الظفر بهذه الحقوق، لن يتوانى عن انتهاز أي فرصة تسنح، ولكن متى تسنح هذه الفرصة؟ وكيف تسنح هذه الفرصة؟ ومن الذي يخلق هذه الفرصة؟ أتسنح هذه الفرصة اليوم؟ أتسنح غدًا؟ أتسنح بعد شهر؟ أتسنح بعد أعوام؟ هذا هو الذي لم يقُلْه رئيس الوزراء، وإنما انتظر أن يرى مصر مستمتعة بحقوقها بعد وقت قريب. والوقت القريب هذا قد يقصُر حتى يصبح ساعات، وقد يطول حتى يصبح أعوامًا، وقد يطول حتى يصبح عشرات من السنين؛ لأن القرب والبعد أمور إضافية إذا قيست إلى الزمن، وإذا قيست إلى حياة الأمم.

    فرئيس الوزراء إذن لم يقُل شيئًا في هذا أيضًا. وكيف تسنح الفرصة؟ أتسنح مصادفة حين يخطر لها أن تسنح؟ أتهبط من السماء؟ أتنجم من الأرض؟ أتسنح ليلة القدر؟ أم تسنح لأننا نريد أن توجد، ونريد أن ننتهزها؟ في هذا أيضًا لم يقُل رئيس الوزراء شيئًا. ومن الذي يخلق الفرصة؟ أنخلقها نحن؟ وما لنا لم نخلقها إلى الآن! أيخلقها الإنجليز؟ فإننا نستطيع أن ننتظر طويلًا إن أردنا أن نصدر في ذلك عن رضى الإنجليز. أيخلقها الأمريكيون؟ أيخلقها الروس؟ أيخلقها اليونان؟ وما شأن أولئك فيما بيننا وبين الإنجليز؟ من الذي يخلق الفرصة؟ في هذا أيضًا لم يقُل رئيس الوزراء شيئًا، وإنما أكد لنا رئيس الوزراء أنه لا يتوقع من الإنجليز معارضة أو ممانعة في استمتاع مصر بحقوقها كاملة، وإذن فما الذي ينتظر رئيس الوزراء ليطلب إلى الإنجليز التخلية بيننا وبين هذا الاستقلال الذي لا يتوقع منهم التواءً به أو معارضة فيه، وأغرب ما في الأمر أن يتلو رئيس الوزراء على المجلسين جوابه الذي هو أشبه بشهادة المسلم أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وبصلاة المسيحي حين يقول فيما بينه وبين نفسه، وفيما بينه وبين الناس: «أبانا الذي في السماء.» ويظن أنه بهذه الشهادة قد أرضى المصريين؛ فهو يرى رأيهم في الاستقلال يطلبه كما يطلبونه، وينتظره كما ينتظرونه، ولم ينسَ رئيس الوزراء إلا شيئًا واحدًا، وهو أن المصريين لم يرقوا به إلى رياسة الوزراء ليقول لهم أخر الأمر إني أحب ما تحبون وأنتظر ما تنتظرون، وإنما رفعوه إلى منصب الحكم ليبلغ بهم غايتهم ويحقق لهم أملهم، ويطلب إلى الإنجليز التخلية بينهم وبين استقلالهم. والظريف أن مجلس النوَّاب انتقل إلى جدول الأعمال، وظن نقيب الصحفيين أنه انتصر؛ لأن مجلس النوَّاب لم يوافق على جواب رئيس الوزراء؛ أي لأن مجلس النوَّاب وقف موقفًا سلبيًّا في هذا الأمر الخطير!

    معذرة يا سيدي النائب النقيب. قد كان ينبغي أن يقرر مجلس النوَّاب بإجماع الآراء تكليف الحكومة أن تتدخل فورًا مع الإنجليز في المفاوضة لتحقيق الاستقلال؛ لتعرف مصر ما يُراد بها، وليعرف المصريون أين يُساقون، فأما المطاولة والمماطلة، والمواقف السلبية، وانتظار الفرص والثقة بحسن نية الحليفة فكلام كان يُقال، ولا ينبغي أن يُكتفى بقوله الآن. لقد سمع مجلس النوَّاب، وقرأ النوَّاب في الصحف أن إيران لم تنتظر، ولم تتربص، ولم تتوقع، وإنما طالبت بالجلاء، ولمَّا تنتهي الحرب بعدُ.

    ولقد سمع النوَّاب وقرءوا أن سوريا ولبنان يطالبان بالجلاء، ويبلغان منه ما يريدان، ومصر تعينهما على ذلك. ويعينها عليه رئيس الوزراء نفسه، وهما لم ينتظرا، ولم يتوقعا، وإنما همَّا ثم فعلا، وأعانهما على العزم والفعل رئيس الوزراء. فما باله يرى ويعين فيما يتصل بسوريا ولبنان، ثم ينتظر الفرصة ويتوقع حسن النية فيما يتصل بمصر؟!

    وقد سمع النوَّاب وقرءوا ما كان في مؤتمر سان فرانسيسكو من الخطوب، وما كان في مؤتمر برلين من الخطوب أيضًا، وعرف النوَّاب كما عرف رئيس الوزراء أن هذه الظروف هي التي ينبغي أن يكون فيها العمل، وأن الانتظار تقصير في هذه الأيام، وأن الإبطاء قد يعرِّض إلى ضياع الحقوق.

    وما أشك في أن رئيس الوزراء لا يجب أن يُتهم بالتقصير، ولا يريد أن تضيع الحقوق؛ وإذن ففيمَ الصمت، وفيم الانتظار، وفيمَ التعلل بالآمال؟!

    أليس غريبًا أن تصدر «الإجيبشيان» أمس، ويتكلم رئيس الوزراء أمس أيضًا، فإذا روح «الإجيبشيان» جازيت وروح الحديث الذي ألقاه رئيس الوزراء يتفقان على أن الانتظار خير، وعلى أن المسألة مسألة وقت؟! هل يعلم رئيس الوزراء وأعضاء البرلمان، والمصريون جميعًا أن العالم الخارجي تحدث عن مذكرة الوفد، وتحدث أيضًا عن أن الحكومة المصرية ستطالب بالجلاء؟ فماذا عسى أن يقول العالم الخارجي؟ سيقول بالطبع إن السياسة قضت على الحكومة المصرية أن تستأني وتنتظر حتى تسنح الفرصة. فأما الأمة المصرية فإنها لا تستأني ولا تنتظر، وإنما تطالب بالحق كاملًا، وتسعى إليه في غير ريث ولا مهل.

    وإذن فبين الأمة والحكومة اختلاف؛ أمة تسعى وحكومة تنتظر، ومن يدري لعل يومًا يأتي تتفق فيه الأمة والحكومة، فلا تمضي إحداهما وتقف الأخرى.