ما أحوج ثقافتنا إلى التنظيم
طه حسين
مجلة المصور
٩ فبراير ١٩٤٠
أنشأت وزارة المعارف العمومية في حركتها التجديدية الأخيرة مراقبة جديدة سمَّتها «مراقبة الثقافة العامة»، واختارت لرئاستها الأستاذ النابغة الدكتور طه حسين بك. وقد قابله مندوب المصور، وسأله عن الغرض من إنشاء هذه الرقابة وبرنامجها وأهدافها في خدمة الثقافة العامة، فتفضل عزته بالحديث الآتي:
لوزارة المعارف في نشر الثقافة مهمتان: مهمةُ نشرِها في مدارسها الخاصة والمشرفة عليها، ومهمة نشرها وتنظيمها خارج هذه المدارس. وقد بَقِيَتْ هذه المهمة الأخيرة بلا تحديد ولا تنظيم ولا أهداف معينة، مع أنها أخطر من المهمة الأولى، وأكثرها ارتباطًا بالأمة وهيئاتها وبالأمم الأخرى، فأرادت الوزارة أن تتلافى هذا النقص، وأن تضع حدودًا تُمَكِّنها من خدمة الثقافة العامة على أحسن الوجوه وأصحِّها غرضًا وأضمنها إنتاجًا؛ فأنشأت هذه الرقابة، وجعلت تحت إدارتها قسمين: قسم الترجمة والإحصاء، وقسم التعاون الثقافي.
ولأدعك من هذا التنظيم الإداري الذي ما زلت أُعنَى به؛ لأحدِّثك عن التنظيم الثقافي. فالواقع أننا في حاجة إلى تنظيم الثقافة العامة، وفي حاجة إلى تحديدها، بل إلى توحيدها إذا أمكن هذا التوحيد. فجميع الجهود المبذولة فيها مبعثَرة، والأعمال الجارية بها تكاد تكون فوضى، وخدمات وزارة المعارف فيها غير منظَّمَة، وأغراضها منها غير معروفة. وهذا التنظيم الثقافي يتناول داخِلَ البلاد وخارجها. فعندنا في مصر جمعيات علمية وأدبية ولجان التأليف والترجمة والنشر. وهذه الهيئات تعاونها وزارة المعارف كل عام بنحو «١٥ ألف جنيه». ولا ريب أنها تقوم بواجبها في خدمة الثقافة العامة، ولكن جهودها غير منظَّمَة، وإنتاجها غير محدود. فلو أمكن تنظيم جهود هذه الجمعيات لاستطعنا أن ننشئ منها مجمعًا علميًّا عامًّا لا يقل عن المجمع العلمي في فرنسا. فعندنا في مصر ثروة علمية وأدبية لا ريب فيها، ولكنها كما قلت غير منظمة، والإشراف عليها غير موجود. ولست أدَّعي أننا في ثروتنا الفكرية كفرنسا وإنجلترا، ولكنني أقول إننا لسنا أقل من بلجيكا وإسبانيا واليونان، بل لسنا أقل من إيطاليا في ثروتنا العلمية والتاريخية.
وقد قامت الحرب ومجمع فؤاد الأول للغة العربية على أبواب افتتاح دورته السنوية، فاعتذر بعض أعضائه في الخارج. فرأى المجمع تأجيل دورته، ورأت وزارة المعارف في هذا التأجيل ما يُفوِّت الغرض من قيام هذا المجمع، فعهدت إلى رقابة الثقافة العامة في تنظيم العضوية فيه؛ بحيث تكون أكثريته العامة في مصر حتى نتابع أعماله على الدوام، وحتى نكون أسرع إنتاجًا.
***
وقد رأت رقابة الثقافة العامة أن دراسة التاريخ المصري القديم والتاريخ العربي في مدارس الوزارة يكاد يكون مقصورًا على الكتب، فاقترحت أن يقوم رجال المُتحف المصري ودار الآثار العربية بإلقاء محاضرات فيهما على المعلمين؛ ليقوموا هم بإلقاء دروسهم على طلابهم بين آثار هذين المُتحفين. وقد شرعت الوزارة في العمل بهذا الاقتراح، ويقوم رجال الآثار الفرعونية والعربية بإلقاء هذه المحاضرات.
***
أمَّا إحياء التراث العربي، فقد اقترحت أن تضاعِف دار الكتب المصرية عنايتها بإخراج نفائس العلوم والفنون العربية، ونقل نفائس المؤلَّفات الأجنبية وطبعها في مطبعتها التي تُعَدُّ من أرقى المطابع. وقد صادف هذا الاقتراح عناية معالي وزير المعارف العمومية واهتمامه الكبير. كما اهتم معاليه بالعمل لإنشاء فرقة مصرية للموسيقى الأجنبية تحل محل الفرق الأجنبية التي تستدعيها الوزارة كل عام للعزف والتمثيل بدار الأوبرا الملكية، وتُنفِق عليها ستة آلاف جنيه، فعندنا الآن طائفة من المصريين والمصريات يُتقِنُون هذه الموسيقى، كما عندنا طائفة يستطيعون التمثيل باللغة الأجنبية، ويستطيعون أن يكفوا حاجة الأجانب في مصر. وقد لا يمضي وقت طويل حتى تكون هذه الفرقة قد أُنشِئت.
***
هذه بعض نواحي تنظيم الثقافة العامة في داخل البلاد، أمَّا تنظيمها في الخارج، فلمصر عَلاقات ثقافية بالأقطار الشرقية والبلدان الغربية. فالأقطار الشرقية ترسل الآن بعوثها من الطلبة إلى المعاهد المصرية، كما تستدعي بعض المعلِّمين المصريين للتدريس في معاهدها. ولما كانت برامج التعليم في هذه المعاهد تختلف كثيرًا عن برامج التعليم في مصر؛ فقد جعلت المعاهد المصرية تشترط شروطًا معينة في البعثات الشرقية، وتُجري بين طلبتها امتحانات خاصة. كما أن إيفاد المعلِّمين المصريين إلى الأقطار الشقيقة يحتاج إلى تنظيم خاص. لذلك كان من مهمة رقابة الثقافة العامة أن تُعنى بهذا التنظيم، وأن تهتم بتقريب المناهج بين الأقطار العربية حتى يسهُل التعاون، ويؤدي إلى الوحدة العربية المنشودة.
***
أمَّا أوروبا، فقد أخذت مصر منذ زمن طويل تستدعي بعض علمائها وأساتذة جامعاتها للدراسة في معاهدها، وتأخذ عنها بعض نُظُمِها، وتتبادل معها الشئون الثقافية، وترسل مندوبيها لحضور مؤتمراتها العلمية، كما ترسل بعض البلدان الأوروبية علماءها لحضور بعض المؤتمرات العلمية في مصر. فهذه العلاقات الثقافية بيننا وبين أوروبا في حاجة إلى تنظيم، وإلى عناية خاصة؛ حتى لا تظهر مصر أمام البلدان الراقية بمظهر يحط من شأنها، ويجعل الغربيين ينظرون إلى حركتنا العلمية نظرة لا تتفق وما أخذته وزارة المعارف على عاتقها من تقدُّم النهضة العلمية والأدبية وخدمة الثقافة العامة على أكمل الوجوه، وأحسن النُّظُم التي تضمن المحافظة على كرامة البلاد.
Tag: الإدارة التربوية
-
ما أحوج ثقافتنا إلى التنظيم | How Our Culture Needs Organizing
-
نوم | Slumber
حديث الوادي
عيسويات…
نوم
نعم نوم، ولعله أن يكون لذيذًا، وإن كانت الأحلام كثيرًا ما تروع الوزارة في هذه الأيام. ولكن نوم وزارة المعارف، فيما يظهر، عميق صفيق لا تبلغه الأحلام، ولا تصل إليه الحوادث، فإذا كان الصيف، ازداد هذا النوم صفاقة وعمقًا؛ لأن الراحة تضرب أطنابها حول الوزارة، وتبسط ظلها على الكبار والصغار من الموظفين.
النوم العميق الصفيق وحده هو العلة المعقولة لإبطاء وزارة المعارف في إصدار حركة التنقلات لرجال التعليم الثانوي إلى الآن، فلعل وزارة المعارف تعلم أن الدراسة الثانوية ستبدأ يوم السبت المقبل، أي بعد ثلاثة أيام، ولعلها تعلم أنها لم تمضِ حركة التنقلات بين رجال التعليم الثانوي إلى الساعة التي نملي فيها هذا الكلام. ولعلها تعلم أن ثلاثة أيام ليست شيئًا يذكر إذا صدرت هذه الحركة اليوم، ليبلغ أمر النقل إلى المعلمين، ثم ليتخذ المعلمون لأنفسهم ما ينبغي من الأهب لتنفيذ هذا النقل. ومع ذلك فلسنا نلعب ولا نشتط على الوزارة، ولا نداعب المدرسين، ولا نفكه الجمهور حين نقول إن حركة التنقلات لم تصدر إلى الآن.
وقد نتعب كثيرًا إذا التمسنا علة معقولة لهذا الإبطاء؛ فأشهر الصيف طوال يستطيع أن يأخذ منها كبار الموظفين لراحتهم، وأن يعطوا منها للعمل، وراحة المئات من المدرسين والألوف من أسر هؤلاء المدرسين ليست أهون على الدولة ولا أيسر على مصر من راحة نفر لا يبلغون العشرة من كبار الموظفين. فمن المعقول أن يستريح هؤلاء الموظفون الكبار شهرين، فإذا كان أغسطس أعدوا حركة التنقلات، فإذا كان سبتمبر أصدروها في أوله، ليجد رجال التعليم الثانوي أمامهم شهرًا، والشهر قليل، يتهيأون فيه للانتقال من مدينة إلى مدينة، ومن وجه إلى وجه، ومن عمل إلى عمل، ويهيئون فيه لأبنائهم وبناتهم ما يستتبعه هذا الانتقال من تبديل مدرسة بأخرى، ومن كل هذا العناء الذي أخذ رجال التعليم أنفسهم باحتماله في كل عام؛ لأن وزارة التعليم لا تزال مقتنعة بأن رجال التعليم يجب أن ينقلوا في كل عام، وأن يكونوا كقطع الشطرنج لا يستقرون في مكان إلا ريثما ينقلون عنه إلى مكان آخر.
ولسنا نريد الآن أن نبين ما في هذا التنقيل الكثير لرجال التعليم من سخف ومن فساد التعليم نفسه، فقد نعود في غير هذا الفصل، وإنما نريد أن ننبه وزارة المعارف إلى أن هذا الشر التقليدي، الذي تحرص عليه أشد الحرص، دون أن تفطن لآثاره السيئة في التعليم نفسه، وفي حياة المعلمين وأسرهم، وفي أموال الدولة التي تنفق في كل عام على هذه التنقلات، نريد أن ننبه الوزارة إلى أن هذا الشر إذا لم يكن منه بد، فلا أقل من أن يخفف احتماله على الناس، وليس هناك ما يدعو إلى أن تضاعف الأمة أثقاله. فحسب رجال التعليم، أنهم يعيشون عيشة البدو وإن كانوا متحضرين، وأنهم ينقلون كما ينقل البدو في الصحراء، وإن كانوا يعيشون في بلد من طبيعته الاستقرار، وأن أحدهم يجب أن يرتب حياته على أنها مضطربة لا هدوء فيها ولا استقرار، وعلى أن الله قد كتب عليه أن يقضي عامًا في أقصى الصعيد، وعامًا في أسفل الأرض، وأعوامًا أخرى متنقلًا بين ذلك. حسب رجال التعليم هذا، وليس من الضروري ولا مما يصلح شؤون التعليم أن يترك المعلمون في حيرة عميقة منكرة يشاركهم فيها نساؤهم وأبناؤهم وبناتهم وذوو قرباهم، شهرًا كاملًا لا يعرفون أين يقضون العام، ولا كيف يستقبلون أيامهم، حتى إذا انقضى شهر سبتمبر أو كاد، صدرت إليهم هذه الأوامر الحازمة الحاسمة، كلفوا تنفيذها في سرعة ودقة معًا، فازدادت أمورهم اضطرابًا، وازدادت حياتهم فسادًا، وامتلأت نفوسهم سخطًا على العلم والتعليم، وعلى هذا الحظ الذي جعلهم معلمين.
ليس شيء من هذا ضروريًّا، وإنما الضروري هو عكس هذا بالضبط؛ هو أن تتعب الوزارة ليستريح المعلمون، وليؤدوا واجبهم الوطني العظيم، في صدق وإخلاص، وفي رغبة وارتياح للعمل. وليس أخطر على أخلاق المعلمين والمتعلمين من أن يشعر رجال التعليم بأنهم أهون على كبار الموظفين من أن يضحوا في سبيلهم بشيء من الراحة، أو يتحملوا في سبيلهم عناء العمل والحر الشديد.
فالمعلمون يعلمون، لا يشكون من الحر ولا من البرد، ولا يأبون تنفيذ ما يصدر إليهم من أمر قد يخالف مصالحهم ويضيع كثيرًا من منافعهم، وهم لا يأخذون على ذلك أجرًا ضخمًا، ولا مرتبًا فخمًا، كهذه الأجور والمرتبات التي يأخذها الوزراء وكبار الموظفين ليعملوا قليلًا، وليستريحوا كثيرًا، وليعملوا كما يحبون لا كما تحب المصلحة، وحاجة العمل في أكثر الأحيان.
ليس من الضروري أن يسرف المراقبون في الراحة، ولا أن يسرف وزير التعليم في الاشتغال بغير أمور التعليم، ولا أن يذهب وكيل الوزارة إلى أوروبا ليقضي فيها أشهر الصيف، ولا أن يتردد سكرتير الوزارة بين القاهرة والإسكندرية كأنه يعمل وآثار عمله لا تكاد تظهر.
ليس هذا كله ضروريًّا، وإنما الضروري الذي تفرضه المصلحة وتفرضه الأمانة ألا يأتي شهر سبتمبر إلا وقد علم رجال التعليم جميعًا أين يراد منهم أن يقضوا عامهم المقبل.
فليتنبه لذلك رجال وزارة المعارف، وما نظنهم يفعلون. فالناس ينبهون لذلك في كل عام، ولكنهم عن هذا كله معرضون، ولو أني أعلم أن وزير التقاليد قادر على أن ينتصح بما أقدم له من نصح لأشرت عليه بألا يصدر حركة التنقلات في هذا العام؛ لأن وقتها قد انقضى، وبأن يدع رجال التعليم حيث هم، حتى لا يضطرهم إلى ما لا بد لهم منه، إن صدرت الحركة، من هذا العناء السخيف الثقيل.
طه حسين
الوادي، ١٩٣٤/٩/٢٥. -
يوم | A Day
حديث الوادي
يوم…
فيه عرف التاريخ أن الشعوب تستطيع أن تريد، وأن تنفذ ما تريد، بل فيه عرف التاريخ أن الشعوب تستطيع أن تستكشف نفسها، وتعرف أن لها حقوقاً يجب أن تُنال، وكرامةً يجب أن تُصان، وحُرمةً يجب أن تُرعى. بل فيه عرف التاريخ أن الشعوب تستطيع أن تنظر إلى نفسها في مرآة نفسها، فترى أنها أصل السيادة، وقد كانت موضوع الاستعباد، وترى أنها أصل العزة، وقد كانت مهبط الذلة، وترى أنها مصدر السلطان، وقد كانت خليقة بالطاعة والخضوع. وكان التاريخ قد رأى قبل ذلك اليوم أياماً كثيرة مختلفة ظهرت فيها حرية الجماعات، واحترمت فيها حقوق الشعوب، ورُوعيت فيها حُرمات النفس الإنسانية، ولكنه لم يكن قد رأى يوماً أبلغ من ذلك اليوم أثراً في حياة الناس، وأبعد منه مدىً في إشعارهم بكرامة أنفسهم، وتحقيق المساواة بينهم على اختلاف المنازل، وتفاوت الطبقات. فيه تمت المساواة بين الناس، كأقوى ما يمكن أن تتم، وزالت الفروق بين الناس كأقصى ما يمكن أن تزول، وكان أرفع الناس مكانةً، وأعلاهم قدراً، وأنبههم ذكراً، يسعى مع أحط الناس منزلةً، وأعظمهم من الضعة حظاً، وأبعدهم عن أن يُعبأ به أحد أو يُؤبه له إنسان، وكان هذان الرجلان المتباعدان في كل شيء، يسعيان أخوين متحابين لا يفرق بينهما شيء، ولا يبغيان إلا أن يهدما صرح الظلم، وينبِئا الأيام بأن الإنسان قد عرف آخر الأمر أنه خُلق ليعيش حراً، عزيزاً، كريماً.
كان الشعب الباريسي في ذلك اليوم، وفي الأيام القليلة التي سبقته من سنة ١٧٨٩، أعزل لا قوة له، ولا سلاح في يده، فقيراً مُعدماً لا يجد ما يُطعم، ولا يكاد يتقي عوادي الجو وأحداث الأيام. ولكنه مع ذلك استطاع أن يجد القوة، وأن يأخذ السلاح عنوةً، وأن يحاصر حصن الباستيل، وأن ينزل الجند فيه على حُكمه، وأن يُقنع الظالمين بأن عصر الظلم الذي لا عقاب عليه، والبغي الذي لا يُحاسب أصحابه، قد انقضى، وبأن عصر التفرقة بين الناس وتسلط بعضهم على بعض، وتحكّم بعضهم في بعض، قد انتهى، وبأن نظام الحق الإلهي قد زال، وبأن الملك لا يستمد سلطانه من الله، ولا يمثل الله في الأرض، وإنما يستمد سلطانه من الشعب، ويمثل الشعب أمام الدول والملوك.
ومن الإطالة التي لا تُجدي أن يفصل الكاتب في مقال كهذا حوادث ذلك اليوم، ومن الإسراف الذي لا يُغني أن يزعم الكاتب أن هذا اليوم قد كان خيراً كله، وأنه قد برئ من الشر المُنكر، والفساد العظيم. فقد كان يوماً مشهوداً، وكان شرّه عظيماً، وكانت آثامه لا تُحصى، ولكنه مع ذلك يوم مُخلّد في التاريخ، لأنه امتاز بما لم تتميز به الأيام التي سبقته، من إظهار الإنسان لكرامته، ولأنه أثبت ما عبرت الأيام السابقة عن إثباته، من أن الشعب مهما يظهر ضعفه، فهو قوي، ومهما تبدو ذلته، فهو عزيز، ومهما يعلن عجزه، فهو قادر، ومهما يظن به الظالمون من اليأس والقنوط، فهو عظيم الحظ من الأمل والرجاء.
والناس جميعاً يعلمون أن هذا اليوم قد فتح للتاريخ الإنساني باباً جديداً، دخلت منه الحرية والمساواة، وتغيرت له نظم الحكم في أوروبا أول الأمر، ثم أخذت تتغير في غير أوروبا من أقطار الأرض. والناس جميعاً يعلمون أن ما أصاب الفرنسيين من الأحداث، وما اختلف عليهم من الخطوب لم يغير من ثورتهم شيئاً، فهي ما زالت قائمة تعمل عملها، وتسلك طريقها إلى تحرير الجماعات والأفراد، وتؤدي رسالتها إلى الناس، فكل حدث يحدث، وله بنظام الحكم صلة قريبة أو بعيدة، وله في حرية الأفراد والجماعات أثر قوي أو ضعيف، إنما هو نتيجة من نتائج الثورة الفرنسية، وأثر من آثار ذلك اليوم العظيم الذي تغلب الباريسيون فيه على حصن الباستيل. وليس المهم أن يتحدث الكتاب بمجد هذا اليوم وآثاره التي تُحمد أو التي تُذم، وإنما المهم أن يتساءل الناس إلى أي حد استطاع هذا اليوم أن ينتهي بالإنسانية من الحرية الصحيحة، ومن المساواة التي تستحق هذا الاسم. إلى أين انتهى هذا اليوم بالإنسانية؟ إلى ما يُراد لها، من حفظ كرامتها كاملةً، ورعاية حرمتها موفورةً، والوصول بها إلى المثل الأعلى من العدل في أجمل صورةٍ وأنقاها، وأرقاها، وأبعدها عن الظلم والفساد.
أسئلة سيلقيها الناس في كل يوم، وسيجيبون عليها أجوبةً تختلف باختلاف البيئات والظروف، ولكن هناك شيئاً لا يمكن أن يختلف الناس فيه، ولا أن يكون بينهم حوله جدال. وهو أن الثورة الفرنسية إن كانت قد حررت الأفراد في أوروبا وأمريكا إلى حد بعيد، وحررت الجماعات في أوروبا وأمريكا إلى حد ما، فإنها ما زالت بعيدة كل البعد عن غايتها الطبيعية، قاصرة كل القصور عن بلوغ أمدها الذي ينبغي أن تنتهي إليه. فالأفراد أحرار في بعض أقطار الأرض دون بعض، والجماعات حرة في بعض البلاد دون بعض، ولكن الكثرة المطلقة من الناس ما زالت بعيدة كل البعد عن أن تستمتع بما يستمتع به هؤلاء الأوروبيون الممتازون من حريتهم الواسعة أو الضيقة. وما دام الاستعمار قائماً، وما دام الاستعمار نظاماً من نظم الحياة الإنسانية العامة، وما دام الاستعمار أصلاً من أصول العلاقة بين الأمم والشعوب، وما دامت في الأرض أمم قوية تستطيع كل شيء، وأمم ضعيفة لا تستطيع شيئاً، فالثورة الفرنسية لم تبلغ أمدها، ولم تحقق غايتها، ولم تؤدِّ رسالتها إلى الناس. ذلك أن حقوق الإنسان التي أعلنتها الثورة الفرنسية قد ذكرت الإنسان ولم تذكر الفرنسي، وذكرت الإنسان ولم تذكر الأوروبي، وذكرت الإنسان فلم تفرق بين جنس وجنس، ولا بين جيل وجيل، فما دامت مقصورةً إلى الآن على أجيال من الناس دون أجيال، فليست هي حقوق الإنسان، وإنما هي حقوق هذه الأجيال التي تنعم بها، وتستمتع بثمراتها، أو قُل إنها حقوق الإنسان كله، ولكن قوماً قد ظفروا بها، فهم سعداء، وقوماً آخرين لم يظفروا بها، فهم أشقياء، وهم مضطرون إلى أن يسعوا إليها، ويجدوا في السعي، حتى يبلغوها، وحتى يتمتعوا بثمراتها التي تسمى الحرية والإخاء والمساواة.
ليس صحيحاً أن الثورة الفرنسية قد حررت الإنسان، فما زال الإنسان يستعبد الإنسان، وما زال الفرنسيون الذين كانوا يرون أنفسهم رسل الحرية يستعبدون أجيالاً من الناس في أقطار الأرض على تباعدها، ويستعبدونهم باسم الثورة، ويستعبدونهم باسم الحرية والإخاء والمساواة. ليس صحيحاً أن الثورة الفرنسية قد محت الرّق، فالأفراد لا يُباعون ولا يُشترون في البلاد المتحضرة، ولكن الأمم الكبيرة، والشعوب الضخمة ذات الحضارة القديمة، والمجد المؤثّل تحيا حياة الرقيق، وتُسام ألوان الذل والخسف، بأيدي هؤلاء الأوروبيين الذين يرون أنفسهم رسل الحرية والإخاء والمساواة.
ليس صحيحاً أن الثورة الفرنسية قد أخرجت الناس من الظلمة إلى النور، فما زالت ظلمات البأس والبطش والقسوة والعنف، والجور والظلم حالكةً مدلهمةً على أممٍ من حقها أن تستمتع بالنور كما تستمتع به أوروبا، وكما يستمتع به الفرنسيون.
كلا، كلا. إن من الخير كل الخير أن يعرف الناس أنهم ارتقوا، وأن أمورهم قد صلحت، وأن حياتهم قد تغيرت، ولكن من الشر كل الشر أن يغتر الناس بهذا الرقي، وأن ينخدعوا بهذا الصلاح، وأن يُلهيهم هذا التغير. إن من الحماقة أن تسحرنا ألفاظ الحرية والإخاء والمساواة، ما دمنا لا نستمتع بها، ولا نستظل بظلها، ولا نشعر بأن ليس بيننا وبين الأوروبيين فرق عظيم أو يسير.
إن من الجنون أن نظن أننا أحراراً؛ لأن لفظ الحرية شائع بيننا، ولأن الفرنسيين يحتفلون اليوم بعيد حريتهم. إن من الغفلة أن ننتظر الحرية مؤمنين بها، واثقين بأنها ستتفضل ذات يوم فتُلِمّ بنا وتختار بلادنا لها داراً.
إن الحرية لا تُلِمّ ببلد إلا إذا دُعيت إليه، ولا تُقيم في بلد إلا إذا هُيئ لها المقام فيه. فإذا كنا نحب الحرية حقاً فلندعها، وإذا كنا نحب أن تُقيم بيننا فلنُقم لها داراً في مصر، فإن دارها فيما يظهر لم تُشيَّد بعد.
إن الثورة الفرنسية لم تصل بالناس إلى الحرية، ولكنها فتحت للناس أبواب الحرية. فمن الناس من يلج هذه الأبواب، ومنهم من يقف أمامها حائراً ذاهلاً مبهوتاً.
طه حسين
الوادي، 14 يوليو 1934. -
عبث | Futility
حديث الوادي
عبث…
تغلو في وزارة المعارف حتى تتجاوز حدود الغلو والإسراف، إذا كان من الممكن تجاوز هذه الحدود، ووزارة المعارف بطبعها أحق الوزارات بأن تكون بعيدة عن العبث، منزهة عن الخطأ، متخلية لكل عمل غير معقول. فالمفروض في رجال هذه الوزارة أنهم علماء أو مثقفون، وأنهم أصحاب تجارب واسعة عميقة في كل ما يمس شؤون التعليم على اختلاف أنواعه وفروعه، أي في كل ما يمس شؤون الحياة كلها؛ لأن التعليم على اختلاف فروعه يتناول كل هذه الشؤون.
ولكن وزارة المعارف المصرية على هذا كله غارقة في العبث إلى أذنيها، تقول في مصر وفي غير مصر كلامًا كثيرًا لا يخدع أحدًا، فإذا نظرت إلى أعمالها، لم ترَ إلا ما يحزن ويسوء؛ لأنها أعمال لا تدل على شيء كما تدل على العبث والغلو فيه.
ولعل أغرب مظهر من مظاهر هذا العبث الذي يضحك ويبكي في وقت واحد أمر معهد التربية، هذا الذي أنشئ منذ أعوام، وكان الناس ينتظرون من إنشائه خيرًا كثيرًا، وكانت الدولة تعقد به آمالًا جسامًا، فانتهى أمره إلى الإفلاس، أو إلى ما شر من الإفلاس، وأصبح حديثًا من الأحاديث التي يتفكه بها رجال التعليم، إذا لقي بعضهم بعضًا، أو تحدث بعضهم إلى بعض.
كانت وزارة المعارف ضيقة أشد الضيق بمدرسة المعلمين العليا، تبدئ وتعيد في أنها أصبحت بعيدة كل البعد عن أن تلائم ما ينبغي لمصر من الرقي في التعليم الثانوي وفي التعليم الابتدائي، وكان وزراء المعارف لا يتحدثون إلا بمدرسة المعلمين وقصور مدرسة المعلمين، ووجوب الإصلاح السريع في مدرسة المعلمين. وزاد سخط وزارة المعارف في مدرسة المعلمين حين أنشئت الجامعة وقامت فيها كلية الآداب وكلية العلوم، وأصبح من الممكن أن تنشأ مدرسة المعلمين، يكون طلابها من أصحاب الليسانس الذين أتموا درسهم في هاتين الكليتين، لا من أصحاب البكالوريا الذين لم يتجاوزوا التعليم الثانوي.
هنالك جدت وزارة المعارف وألحت في الجد، فألفت اللجان، وهيأت المشروعات، واستدعت الخبراء، وطبعت التقارير، وأنفقت الأموال، وطلبت إلى الجامعة أن تغير بعض نظامها، وانتهى الأمر بها إلى إنشاء مدرسة لم ترد أن تسميها مدرسة المعلمين العليا، ضيقًا منها بهذا الاسم، وحرصًا منها على نسيانه، ورغبة منها في ألا يبقى لهذه المدرسة المسكينة ذكر ما، فسمت مدرستها الجديدة معهد التربية، تقليدًا لما يوجد في سويسرا، وجعلت هذا المعهد قسمين، أحدهما يدرس فيه أصحاب الليسانس ليشتغلوا بالتعليم الثانوي، والآخر يدرس فيه أصحاب البكالوريا ليشتغلوا بالتعليم الابتدائي.
وكان ظاهر الأمر يدل على أن الوزارة قد خطت خطوات بعيدة في سبيل إصلاح التعليم، وما رأيك في مدرسة يتعلم فيها الذين تخرجوا في الجامعة ليعلموا الشباب في المدارس الثانوية، والذين ظفروا بالبكالوريا ليعلموا الأطفال في المدارس الابتدائية؟
ولكن التجربة أظهرت صدق المثل القديم: «إنك لا تجني من الشوك العنب».
فما كان ينبغي لوزارة المعارف، وهي بحيث نعلم من الضعف، وضآلة الثقافة، وقصور التفكير، وتحديد الأفق، أن تنشئ مدرسة عالية حقًّا، أو تفهم التعليم العالي على وجهه الصحيح، لذلك لم يكد طلاب الجامعة يعملون في هذا المعهد حتى ضجوا وعجوا، وشكوا إلى الأرض والسماء، وأعلنوا أنهم يردون إلى الجهل بعد العلم، وإلى اللعب بعد الجد، وإلى الجهد الضائع بعد العمل المفيد.
وكان الخلاف بين الجامعة ووزارة المعارف حول معهد التربية من أهم الأسباب التي دعت إلى ما ألم بالجامعة من خطوب، ولكن معهد التربية قد بقي على كل حال، وأخذت وزارة المعارف تنفق عليه الأموال الضخمة، وما زالت تنفق هذه الأموال، والمعهد يمضي في الطريق العوجاء التي رسمت له، ولكنه يمضي على كل حال، والشبان ينفقون فيه من أعمارهم حظًّا لا بأس به، ثم يؤدون الامتحانات، ثم يظفرون بالإجازات، ثم… وهنا نستطيع أن نسأل وزارة المعارف عن أمر هؤلاء الشبان الذين ينفقون أربعة أعوام من أعمارهم في الجامعة، ثم عامين في معهد التربية يتهيأون للتعليم، وتنفق عليهم الدولة ما تنفق من مال لتهيئهم للتعليم. تستطيع أن تسأل وزارة المعارف عن هؤلاء الشبان أين يذهبون، وماذا يصنعون، فستجيبك وزارة المعارف راغمة أنهم يذهبون إلى الشارع، وأنهم يضطربون بين الأندية والقهوات، وأنهم ينفقون وقتهم في انتظار المنصب الذي تهيأوا له والذي لا يجدون السبيل إليه، وأنهم كانوا يعيشون في المعهد، عيشة هادئة فيها الراحة المادية على أقل تقدير، فأصبحوا يعيشون خارج المعهد عيشة منكرة فيها الحزن الطويل، والهم الثقيل، واليأس الذي يميت القلوب، ويفسد النفوس، ويذهب بنضرة الشباب، ويسوء الظن بالحياة والأحياء.
نعم، فوزارة المعارف لم تسند مناصب التعليم الثانوي إلا إلى ثلاثة من الذين أخرجهم هذا المعهد منذ بدأ المعهد يخرج الذين أتموا الدرس فيه، وظفروا بالإجازات، أي منذ سنة ١٩٣١.
وتعليل هذا الإهمال غامض؛ إن سألت عنه، فهؤلاء الشبان لا يصلحون للتعليم الثانوي، في رأي رجال الوزارة حينًا، لأنهم مروا بالجامعة التي تفسد الشباب، وإذن فلم لا تُلغى الجامعة، ولم لا يُلغى هذا المعهد؟ ومناصب التعليم مشغولة كلها، في رأي رجال الوزارة ـ حينًا آخر؟ وإذن فلم لا يغلق المعهد أعوامًا حتى لا يخرج شبابًا عاطلين؟
ذلك أن المعهد مدرسة فنية، لا تدرس من العلم للعلم، وإنما تدرسه للحاجة العملية، فلا ينبغي أن تقبل الشبان إلا إذا كان من المحقق أنهم سيعملون، بل لا ينبغي أن تفتح أبوابها إلا إذا كان من المحقق أن الدولة في حاجة إلى طلابها جميعًا. ووزارة المعارف تعلم من غير شك أن الذين يدخلون مدرسة المعلمين العليا في فرنسا يأخذون على الدولة الفرنسية عهدًا بأنها ستكفل لهم العمل متى أتموا الدرس، فإذا ظفروا بالإجازة العليا فالدولة ملزمة بأن تجد لهم عملًا في التعليم، فإن لم يوجد هذا العمل، فالدولة ملزمة بأن تجري عليهم أجورهم حتى يوجد هذا العمل؛ لأن المعلم لا يستطيع أن يعمل كاتبًا في الدواوين، ولا بائعًا في دور التجارة، ولا سائقًا للسيارات.
ألم يأنِ لوزير التقاليد أن يلتفت إلى هذا العبث الذي تغلو فيه وزارته، وأن يحاول إصلاحه إن كان قادرًا على الإصلاح؟ ألم يأنِ لوزير التقاليد أن يفرق بين الجامعة التي يدرس فيها العلم للعلم، والتي يجب أن تفتح أبوابها للطلاب جميعًا، والتي لا ينبغي لطلابها أن يتعلقوا على الدولة بشيء، وبين المدارس الفنية الخاصة، التي لا ينبغي أن تقبل الطلاب، ولا أن تخرجهم إلا بقدر الحاجة؟
إحدى اثنتين: إما أن يكون هذا المعهد نافعًا، فالذين يخرجون منه يجب أن يعملوا جميعًا، فيما أُعدوا له، وإما أن يكون هذا المعهد غير نافع، فإلغاؤه واجب، واقتصاد الأموال التي تنفق عليه فرض، وصرف الشبان الذين يدرسون فيه إلى وجوه أخرى من وجوه النشاط أمر لا بد منه.
ليفق وزير التقاليد، وليعنَ بأمر وزارته بعض الشيء، ولينظر في هذا العبث لعله يستطيع أن يصلح منه بعض الشيء.
طه حسين
الوادي، ١٩٣٤/٨/١٥. -
تحقيق | Inquiry
حديث اليوم: تحقيق
طه حسين
جريدة السياسة
١٧ يوليو ١٩٣٢
في وزارة المعارف تحقيق عظيم الخطر، بعيد الأثر، مروع الذين يحسن ظنهم بالأمور العامة في مصر، فيحسبون أن فيها تعليمًا ووزارة للتعليم.
في وزارة المعارف تحقيق لا تشرف عليه كله وزارة المعارف، وإنما تشرف عليه لجنة نصفها من الوزارة، ونصفها الآخر موزع بين إدارة الجامعة، وإدارة الأوقاف الملكية، وإدارة المعاهد الدينية. ومعنى هذا أن وزارة المعارف لا تثق بنفسها، ولا تطمئن إلى أهلها، ولا ترى أن تكون لجنتها من الذين يشرفون فيها على التعليم؛ حتى تضمَّ إليهم قومًا آخرين، وحتى تجعلَ الأمر في هذه اللجنة مناصفةً بحيث لا يستطيع رجال الوزارة وحدهم أن يكوِّنوا أغلبية في اللجنة أو يستقلوا فيها برأي قاطع.
وزارة المعارف إذن تنكر نفسها، وتستطيع أن تصدقني حين أؤكد لك أنها لم توفق في شيء كما وفقت في هذا الإنكار. هي جديرة أن لا تثق بنفسها، جديرة ألَّا يثق بها الناس؛ لأنها فقدت فيما يظهر كل ما يحمل على الثقة، أو يدعو إلى الاطمئنان. ولست أنا الذي يزعم ذلك أو يدعيه، وإنما الوزارة هي التي تؤكده وتقيد عليه ألف دليل.
انظر إليها تؤلف لجنتها على هذا النحو، فثبت للذكي والغبي أنها لا تطمئن إلى رجالها، ولا تأمن إن جعلت اللجنة كلها أو أكثرها منهم أن يجوروا في الحكم، وأن يحابوا وزارتهم ويقولوا فيها غير الحق. والوزارة تريد الحق، وتريده كله، وتريده صارمًا قاطعًا؛ لأنها تريد أن تحدد التبعات وتعاقب المقصرين عقابًا يضمن لها حسن النتائج في الأعوام المقبلة.
ثم انظر إليها في هذا التحقيق نفسه مع من تحقق، وعلى من تقيم هذه القيامة، وحول من تثير هذه الضجة، وفيمن تثير هذه الشكوك المخزية؟ في هيئة التدريس كلها في المدارس الثانوية، وفي هيئة النظار كلها في المدارس الثانوية، وفي هيئة التفتيش كلها في المدارس الثانوية، ثم في مراقب التعليم الثانوي ومساعده.
المعلمون والنظار والمفتشون والمراقب ومساعده، كل هؤلاء خاضعون الآن لتحقيق تجريه معهم لجنة نصفها من غير رجال الوزارة، ثم تزعم لي بعد ذلك أن وزارة المعارف خليقة أن تثق بنفسها أو أن يثق بها الناس؟!
ولمن يعمل هذا التحقيق؟ لوزير المعارف ووكيلها. وأين وزير المعارف ووكيلها؟ ذهب أحدهما إلى فرنسا ليستشفي، وذهب الآخر إلى إنجلترا ليستريح فيما يُقال. ألست ترى معي أن أقل ما توصف به وزارة المعارف وهي بهذه الحال أنها مضحكة. وإذا كانت وزارة المعارف مضحكة، فلا ينبغي أن تنتظر منها تعليمًا ولا تربية؛ لأن التعليم والتربية ليسا من الكوميديا في شيء.
تأمر وزارة المعارف بالتحقيق مع المعلمين والنظار والمفتشين والمراقب ومساعده، وتنسى أن تأمر بالتحقيق مع الوزير ووكيل الوزارة. فهما وحدهما اللذان ينبغي أن يُسألَا، وأن يكون معهما التحقيق. ولو أن الأمور العامة تجري في مصر على وجهها؛ لما قبل مجلس الوزراء من وزير أن يأمر بالتحقيق في أمر التعليم الثانوي كله حتى إذا أمضى قراره هذا ركب البحر إلى فرنسا ليستشفي ويستريح. ولو أن الأمور العامة تجري في مصر على وجهها، ولو أن مصالح الناس تُرعى في هذا البلد — كما تُرعى في البلاد الأخرى — لما سمح مجلس الوزراء بأن يشرف على التعليم وكيل لا يكاد يقترح إنشاء هذه اللجنة حتى يركب البحر إلى إنجلترا ليستريح إن صحَّ أنه ذاهب ليستريح.
وأين كان وزير المعارف ووكيله وسكرتير الوزارة العام طوال السنة؟ أين كانوا من المعلمين والنظار والمفتشين والمراقب ومساعده، ليتعرفوا أمرهم اليوم وليسألوا لجنة مختلطة أن تبيِّن لهم أدَّى هؤلاء الناس واجبهم أم قصَّروا فيه؟
الذي أعلمه أن هؤلاء الثلاثة قضوا عامهم في وزارة المعارف، وكانوا يتصلون كل يوم بالمراقب ومساعده، وكان هذا المراقب يعرض عليهم كل يوم شئون التعليم الثانوي على اختلافها. وإذن ففيمَ التحقيق وفيمَ السؤال؟ وفيم هذه الفضيحة التي لا تحتملها وزارة تقدر نفسها وكرامتها لو أن رئيس الوزراء ملتفت إلى وزارته غير منهمك في طلب المفاوضات أو الطيران إلى الحدود؟
إلَّا أن الأمر في وزارة المعارف لا يحتاج إلى تحقيق، وهو لا يحتاج إلى تحقيق من هذا النوع على الأقل، وإنما يحتاج إلى تحقيق آخر يأمر به مجلس الوزراء أو البرلمان؛ ذلك أن وزارة المعارف مشغولة بالديوان عن التعليم. وإذا قلت إنها مشغولة بالديوان، فمعنى ذلك أنها مشغولة عن التعليم بأمرين: أحدهما السياسة، والآخر الخصومة بين كبار الموظفين.
فأمَّا السياسة، فهي في وزارة المعارف فنون وألوان. وتستطيع أن تصدقني؛ فأنا أحدثك عن علم: في وزارة المعارف لون من السياسة يُراد به الإعلان عن الحكومة، وإقامة الأدلة على أن الناس قد أحبوها وانصرفوا إليها عن المعارضة، ويظهر هذا اللون حين يتفضل الوزير بزيارة المدارس والمعاهد، فتُهيأ له الخطب والقصائد، ثم ترسل البلاغات بعد ذلك إلى الصحف.
وفي وزارة المعارف لون من السياسة الحسيبة حين يتعقب الموظف؛ لأنه كان فيما مضى من الزمان سعدي اللون أو دستوري الهوى. وفي وزارة المعارف لون آخر من السياسة، لا أسميه ولا أستطيع أن أطيل القول فيه، وإنما يستطيع تفصيله وكيل الوزارة ووزير المعارف السابق ورئيس الوزراء وأشخاص آخرون مصريون وغير مصريين.
ثم في وزارة المعارف تنافسٌ بين كبار الموظفين وأوساطهم. يستقيم الأمر بين الوزير والوكيل حينًا، فيعوج بين الوزير وخصوم الوكيل، وهم كثيرون. ثم يعوج الأمر بين الوزير ووكيله، فيستقيم في الحال بين الوزير وخصوم الوكيل. وخصوم الوكيل هؤلاء من كبار الموظفين وأوساطهم. فإذا سألت عن صغار الموظفين ماذا يصنعون، فهم يسعون بين أولئك وهؤلاء بالخير والشر، ويحملون إليهم المنكر والمعروف.
أحسَّ وزير المعارف في الصيف الماضي حاجة ديوان الوزارة إلى شيءٍ من الإصلاح، ورأى خصومة شديدة بين كبيرين في الوزارة يُفسد لها أمر الديوان، فخطر له أن يفصل أمر الإدارة عن أمر التعليم. ولم تكد تظهر هذه الفكرة البريئة التي لم يُرد بها الوزير إلَّا الخير، حتى فسد الجو في الوزارة فسادًا تامًّا، وكانت حرب شعواء صمَّاء، عنيفة حقية، بين المراقبين ومساعدي المراقبين؛ أيهم يكون له الفن؟ وأيهم تكون له الإدارة؟ وكانت هذه الحرب سجالًا، ينتصر فيها فريقٌ، فتنشر الصحف أن فلانًا سيكون مراقبًا عامًّا للتعليم، ثم ينتصر الفريق الآخر، فتنشر الصحف أن تعيين فلان هذا لم يتقرر بعد، ويتضاحك صغار الموظفين في الديوان حين يقرءون هذه الأنباء المتناقضة.
فأمَّا المعلِّمون والنظَّار والمفتِّشون، فكانوا يؤدون واجباتهم المختلفة كما يستطيعون، لا يلتفت إليهم أحد، ولا يحفل بهم إنسان.
وإذا شُغِل رجال الديوان بالسياسة والكيد، وانصرفوا عن أمور التعليم، فبأي حقٍّ يلام المعلم أو الناظر أو المفتش أو المراقب إذا ساءت نتيجة الامتحان؟ وما قيمة اللجان التي تؤلف في الوزارة أو خارجها؟ أو التي تتناول هؤلاء المظلومين بالسؤال والاستجواب، ثم باللوم والعقاب، وهم أبرياء لا إثم عليهم ولا تثريب؟!
لست أزعم أن هيئة التعليم الثانوي عندنا تحقق المثل الأعلى في الكفاية والعناية بأداء الواجب، بل هي مع الأسف الشديد بعيدة جدًّا عن هذا المثل الأعلى، ولكنها على كل حال أقل الناس استحقاقًا للوم واحتمال التبعة حين تسوء نتيجة الامتحان.
وأخرى قد كثر الكلام فيها، ولكنها لن تُوفَّى حقَّها مهما يكثر فيها الكلام، وهي الضعف الخلقي عند الذين يشرفون على التعليم. فهؤلاء الناس الذين يُحارب بعضهم بعضًا، ويمكر بعضهم ببعض، ويكبر بغضهم لبعض، يخاف بعضهم بعضًا إلى حد غريب! وهم يضحُّون في سبيل هذا الخوف بشيءٍ كثيرٍ مما لا يحب الرجل العادي أن يضحي به إلَّا نادرًا.
أذكر أني حين نقلت إلى وزارة المعارف، وذهبت إليها مغاضبًا للوزير، أعرض عن لقائي فيها قومٌ كانوا يظهرون لي المودة، وشيئًا فوق المودة، حين كانت الصلات بيني وبين الوزير حسنة. فلم أنكر منهم ذلك لأني جربت إقبالهم وانصرافهم مع تغير الوزارات، ولكن واحدًا منهم رأى أن الأمر بينه وبيني لا يحتمل مثل هذا الإعراض، فأخذ شجاعته بيديه — كما يقول الفرنسيون — وجاءني في غرفتي زائرًا، وإنه يشرب القهوة ويحرق السيجارة، ويخوض في أمر الوزارة إذ فتح باب الغرفة، ثم أغلق، ونظر الخادم بين ذلك كأنه يريد أن يعرف من بالغرفة. هنا وقف زائري فجأة كأنما دُفع إلى الوقوف دفعًا عنيفًا، ثم قال: «يا خبر أسود، هم يتجسسون على من يزورك، لن تراني بعد اليوم.» وقد صدق، فلم أره إلى الآن وكثيرًا ما كنت أراه، ولم أسمع صوته إلى الآن وكثيرًا ما كان يتحدث إليَّ بالتليفون، وهو على ذلك من أشجع رجال التعليم في وزارة المعارف!
كلا، لا يصلح الأمر في وزارة المعارف بالتحقيق، ولو قامت به لجنة مختلطة، ولو أمر به مجلس الوزراء أو البرلمان. وإنما وزارة المعارف في حاجة إلى التغيير، في حاجة إلى أن تنشأ من جديد. في حاجة إلى أن يدعها هذا الجيل الذي كوَّنه دنلوب والمغربي باشا وعبد الفتاح باشا صبري، ويستخلف عليها جيل جديد لم يتأثَّر بهؤلاء الثلاثة. يومئذ لا تحسن نتيجة الامتحان وحدها، وإنما يحسن التعليم نفسه في جوهره، وتحسن الأخلاق، وتستطيع مصر أن تنتظر الخير من وزارة التعليم، فأمَّا قبل ذلك فلا. -
في وزارة المعارف حول مدارس البنات | At the Ministry of Education: On Girls’ Schools
في وزارة المعارف
حول مدارس البنات
طه حسين
جريدة السياسة
٢٧ ديسمبر ١٩٢٣
لا أعرض اليوم لتعليم البنات في نفسه، وإنما أعرض لمسألة ليست منه ولكن تمسه في جوهره؛ فقد يُقال إن وزارة المعارف اعتزمت أن تُقيل الأجنبيات اللاتي يُدِرْنَ بعض مدارس البنات، وتقيم مكانهن لإدارة هذه المدارس سيدات مصريات، ويظهر أن هذا الأمر قد تجاوز العزم وأوشك أن يُنفَّذ ويصبح أمرًا واقعًا. فمن الحق أن نفكر فيه قليلًا وأن نتحدث فيه إلى وزير المعارف بما نرى قبل أن تتورط الوزارة في تنفيذه فتسيء إلى هذه المدارس وتسيء إلى التعليم فيها.
ولقد نعلم أنَّا سنغضب قومًا، ولكننا نعتذر إليهم، ونعتقد أنهم إن فكروا قليلًا فلن يغضبوا، بل نعتقد أنهم إن فكروا قليلًا فسيشاركوننا في الرأي وسيشجعوننا عليه؛ فالمنفعة فوق العاطفة ولا سيما في أمور التعليم.
حسن أن يترك الأجنبي مكانه للمصري في جميع مناصب الحكومة على اختلافها، ولكن على شرط أن يكون المصري الذي يخلف الأجنبي أشد منه كفايةً أو مساويًا له في الكفاية على أقل تقدير؛ فإن المنصب من حيث هو ليس غاية وطنية، ولا ينبغي أن يكون غاية وطنية، وإنما هو وسيلة إلى تحقيق المنفعة الوطنية العامة. وإذا كان وسيلة إلى تحقيق المنفعة فينبغي ألَّا يُوضَع فيه إلَّا من هو أهل لتحقيق هذه المنفعة، قادرٌ على احتمال أعبائها. وواضح أنه إذا تساوى المصري والأجنبي في الكفاية، فالحق والإنصاف والمنفعة أيضًا كل ذلك يقضي بأن يكون المنصب للمصري دون الأجنبي، لا نزاع في ذلك ولا معنى للمناقشة فيه. ولكن ما تقول في أجنبي كيف يُقال من منصبه؛ لأنه أراد أن يُقال أو لأن الحكومة أرادت أن تقيله ثم يوضع مكانه مصري أقل منه كفاية وأضعف منه قدرة على احتمال أعباء المنصب؟ قد يكون في وضع المصري مكان الأجنبي إرضاءٌ لهذه العاطفة العامة التي نريد أن تكون أمورنا إلينا، والتي هي في نفسها حق، والتي شغف بها الجمهور شغفًا شديدًا. ولكن إرضاء هذه العاطفة لا ينبغي أن يكون في نفسه غاية، وإنما يجب أن يُحتاط فيه الاحتياط كله، وأن يُنظر إليه من حيث هو وسيلة إلى تحقيق المنفعة كما قلنا، فالحكومة ومناصبها لم تنشأ ليختص بها المصري دون الأجنبي أو الأجنبي دون المصري قبل كل شيء، وإنما أُنشِئَت لتدبير أمور الدولة ومنافعها. فإذا كان المصريون قادرين على هذا التدبير فهم أحق الناس بالحكم ومناصبه، وإلَّا فهم مكلَّفون أن يستعينوا بالأكْفاء من الأجانب مهما يكونوا. وليست الغضاضة على العاطفة الوطنية أن يقوم الأجنبي مقام المصري، وإنما الغضاضة حقًّا أن تفسد الأمور العامة وأن تفسد بنوع خاص تحت إشراف بعض المصريين الذين ليس لهم من الكفاية حظٌّ موفور. هذه هي الغضاضة حقًّا، بل هي شرٌّ من الغضاضة؛ لأن فيها ضياع المنفعة من جهة، وإقامة الدليل للخصم على سوء تصوُّرنا للأمور من جهة أخرى. فالوطني المخلص لا يُطالب بأن يقوم كل مصري مقام كل أجنبي في تدبير الأمور العامة ومنها التعليم، وإنما يُطالب بأن يقوم المصري مقام الأجنبي كلما كان لهذا المقام أهلًا، فإذا لم يكن المصري أهلًا لهذا المقام، فالوطني المخلص يستعين بالأجنبي ويُلِحُّ في الاستعانة بالأجنبي حتى يبلغ المصريون حظهم من الكفاية. نظن أن هذه القضايا واضحة بَيِّنَة، ونظن أن المصريين جميعًا يقدِّرونها ويريدون أن تُتَّخَذَ أساسًا في إسناد المناصب إلى المصريين وغير المصريين.
وإذن فلنرجع إلى أنفسنا ولنتساءل عن مدارس البنات وعن حظ المصريات من الكفاية لإدارتها والإشراف عليها، ولنطالب وزارة المعارف بألا تتعجل في وضع السيدة المصرية في هذه المدارس مكان السيدة الأجنبية لترضي هذه العاطفة العامة التي أشرنا إليها، دون أن تفكر في المنفعة تفكيرًا دقيقًا صحيحًا، ودون أن تتبين بعد البحث الطويل والأناة الشديدة أن لهؤلاء السيدات المصريات اللاتي يرشحن للقيام مقام الأجنبيات من حسن الخلق ومن الكفاية الإدارية والعلمية والتعليمية، ما يجعلهن أهلًا لهذه المناصب التي ستسند إليهن. نعم! نطالب وزارة المعارف بأن تفكر وتمعن التفكير في هذا كله. فوزارة المعارف تعلم أن تعليم البنات والإشراف على مدارسهن في مصر من أدق المسائل وأشدها حاجة إلى الروية والأناة وحسن الاختيار، وإذا كان حسن الخلق شرطًا أساسيًّا للعمل في أي منصب من المناصب، فهو أهم الشروط الأساسية للعمل في مناصب التعليم، وفي تعليم البنات بنوع خاص، وفي الإشراف على مدارسهن بنوع أخص. وقل مثل هذا في الكفاية الإدارية والعلمية والتعليمية. فهل من اليسير حقًّا على وزارة المعارف أن تجد سيدات مستوفِيَات لهذه الشروط استيفاءً يمكِّنهن من الإشراف على مدارس البنات؟ نرجو أن يكون ذلك يسيرًا، ولكننا نخشى ألَّا يكون من اليسر بحيث تظن وزارة المعارف. ولسنا مسرفين في هذه الخشية؛ فنحن نعلم أن تعليم البنات في مصر ليس من الجودة والإتقان، بل لم يكن في يوم من الأيام من الجودة والإتقان بحيث يستطيع أن يُخرِج سيدات قادرات حقًّا على الإشراف على مدارس البنات، وحل ما يعرض فيها من المسائل الدقيقة في التربية والتعليم.
لم يكُن تعليم البنات في مصر جيدًا ولا متقَنًا في يوم من الأيام، ونحن نريد أن يكون جيدًا وأن يكون متقنًا في المستقبل القريب. فليس مما يسهُل الوصول إلى هذا الغرض أن ننصب لإدارة مدارس البنات سيدات تنقصهن الخبرة أو تعوزهن الكفاية. وعندنا أن مصر تستطيع أن تحتمل راضية إشراف الأكفاء من الأجنبيات على مدارس البنات؛ حتى يتم لها إصلاح هذا النوع من التعليم، والوصول بمدارسه إلى تخريج سيدات يضارعن الأجنبيات التي أخرجتهن جامعات أوروبا.
نعم، تستطيع مصر أن تحتمل هذا راضية، بل هو أهون عليها من هذا الانخداع بالمظاهر الذي يُخيِّل إلينا أن أمورنا في أيدينا، ثم لا يلبث أن يثبت لنا وللناس أننا طمِعنا فيما لا نستطيع أن نحسنه، وتكلفنا الاستقلال بأمورنا فلم نوفَّق إلى إحسان تدبيرها.
وإذن فقد يصح أن نطلب إلى وزير المعارف ألَّا يتعجل في مثل هذا الأمر، فإذا لم يكُن له بُدٌّ من أن يرى المصريات مستأثرات بأمور التعليم، فليهيئ لذلك أسبابه، وليسارع إلى تهيئة هذه الأسباب، وليبدأ منذ الآن في إصلاح ما لدينا من تعليم البنات، ولا سيما في مدارس المعلِّمات، وإيجاد ما ينقصنا من هذا التعليم؛ فهو إن يفعل يمهِّد السبيل حقًّا لإشراف المصريات على أمور التعليم، يمهِّد هذه السبيل بما يُصلِح من الأخلاق وبما يوسِّع من الاطلاع وبما يقوِّي من الكفاية الفنية. وكل هذه كما قدمنا شروط لازمة لإدارة مدارس البنات، وهي — فيما نعتقد — لا تزال تنقصنا إلى الآن. -
في وزارة المعارف حركة الإصلاح | At the Ministry of Education: A Movement for Reform
في وزارة المعارف: حركة الإصلاح
طه حسين
جريدة السياسة
١٠ أكتوبر ١٩٢٣
أنشأ وزير المعارف مكتبه الفني، فحمِدنا له إنشاء هذا المكتب، وانتظرنا من ورائه الخير الكثير، وما نزال نحمَد إنشاء هذا المكتب، ونعتقد أنه سيكون مصدر خير كثير للعلم والتعليم، وما نزال نرجو من وزير المعارف كثيرًا ونُلِحُّ عليه في أن لا يكتفي بإنشاء هذا المكتب الفني، بل يضيف إليه ما لا بدَّ منه من ضروب الإصلاح. وقد اقترحنا عليه وما زلنا نقترح أن يغير نظام المجلس الأعلى للمعارف وتأليفه، واقترحنا عليه وما زلنا نقترح أن يكوِّن إدارات مستقلة للتعليم على اختلاف أنواعه، واقترحنا عليه وما زلنا نقترح أن يمنح المدارس العالية نوعًا من الاستقلال بأمورها يمكِّنها من أن تدير شئونها التعليمية، وأن تنتخب عميدها أو ناظرها كما يقولون.
اقترحنا هذا كله، وما نزال نُلِحُّ في اقتراحه. ونعتقد أن وزير المعارف سيقدر هذه الاقتراحات ويفكر فيها؟ ويشجعنا على هذا الأمل إنشاء المكتب الفني نفسه؛ فإن من شأن هذا المكتب أن يدرس مثل هذه الاقتراحات درسًا صادقًا صحيحًا. ويُخيَّل إلينا أن هذا المكتب الفني إذا أمعَن النظر في هذه الاقتراحات رأى أننا لا نطلب إلى وزير المعارف أن يبتدع شيئًا غير معروف في وزارات المعارف الشرقية، وإنما نطلب إليه أن ينحو نحو هذه الوزارات، وأن ينظِّم وزارته تنظيمًا يكفل لها النفع والإنتاج من جهة، ويعصمها من العبث بالعلم والتعليم والمعلمين من جهة أخرى. وقد يستطيع المكتب الفني أن ينظر في تاريخ التعليم في الأمم الأوروبية والأمريكية المختلفة؛ ليرى نتائج هذه النظم التي نقترحها. وليقارن بين هذه النتائج وبين ما أنتجه نظامنا التعليمي العقيم الذي لم يكن يُنتظر منه أن ينتج خيرًا، والذي لم يُوضع لينتج خيرًا.
ولقد قرأنا هذا الكتاب الذي أذاعه وزير المعارف في نظَّار المدارس يطلب إليهم أن يرفعوا اقتراحاتهم في شأن التعليم وإصلاحه إلى هذا المكتب الفني، ويعدهم بأن هذه الاقتراحات ستدرس وتمحَّص وتقدَّر قدرها، وينفذ منها ما يظهر أن فيه الخير. وهذه خطوة صالحة في السبيل التي ندعو إليها، وهي استشارة المعلمين في أمر التعليم، فليس لنا إلَّا أن نحمَد لوزير المعارف اعترافه بأن المعلمين قد يكون لهم رأي في التعليم يَحسُن أن يظهروه ويَحسُن أن يدرس وأن يؤخذ به أحيانًا. هذه خُطوة صالحة، ولكنَّا لا نريد — ويقيننا أن وزير المعارف لا يريد — أن تقف الوزارة من استشارة المعلمين عند هذا الحد، وإنما نريد أن يخطو وزير المعارف الخطوة الثانية وهي تغيير نظام المجلس الأعلى وتأليفه من جماعة تكون الكثرة المطلقة فيها للمعلمين.
بل نحن نريد أن يخطو وزير المعارف خطوة أخرى، فلا يقصر دعوته على نُظَّار المدارس ولا على المعلمين في مدارس الحكومة، وإنما يجعل هذه الدعوة عامة موجَّهة إلى كل الذين يستطيعون أن يفهموا التعليم ويشيروا فيه؛ بحيث يستطيع هؤلاء أن يرفعوا اقتراحاتهم في أمر التعليم إلى المكتب الفني، وهم واثقون بأن هذا المجلس سيدرسها ويمحِّصها ويقدِّرها قدرها. نرجو ذلك ونعتقد أن الوزير لا يأباه، وأن هذه الاقتراحات الكثيرة المختلفة التي نشرتها لنا «السياسة» والتي ستنشرها لنا «السياسة» ستنال من المكتب الفني شيئًا من العناية، فتُدرس وتُمحَّص ويُنفَّذ منها ما يظهر أن فيه الخير وما يكون تنفيذه يسيرًا لا تعترضه العقبات العسيرة.
وربما كان من الحق علينا ألَّا نتعجل وزير المعارف في إصلاح وزارته وتنظيمها؛ فإن إصلاح التعليم ليس بالأمر الهين، بل قد يكون أصعب من كل إصلاح، نعلم ذلك فلا نتعجل الوزير وإنما نكتفي منه بهذا الشعور الذي نجِده في كل يوم، وهو الشعور بأن الوزير مريد للخير جادٌّ فيه، وأن الأدلة تقوم في كل يوم على أنه لا يكتفي بحسن النية وإنما يضيف إليه حسن العمل؛ فقد أنشأ هذا المكتب وطلب إلى المعلمين أن يمدُّوه بالاقتراحات. ونقرأ اليوم في الصحف أنه سيُلحق بهذا المكتب مكتبًا آخر للترجمة العلمية والفنية، سينفع وزارة المعارف ومدارسها نفعًا لا شكَّ فيه. وقد رأينا موقف الوزير في أمر هذا المشروع المشوه، مشروع مدرسة البنات، وأنه قد أرجأه إلى أن يستشير الفنيين فيه، ورأينا موقف الوزير في إنصاف بعض الكفايات التي ظلمتها السلطة المركزية السابقة في وزارة التعليم، وقد يكون من الحق علينا أن نشكر لوزير المعارف بنوع خاص عملًا جديدًا أذاعته الصحف، نشكره بنوع خاص لأنه تنفيذ لاقتراح اقترحناه على وزير المعارف السابق في هذه الصحيفة، أو ألححنا فيه، فلم يحفل به وزير المعارف السابق أو مشيروه، وحفل به معالي زكي باشا أبو السعود، فهو خليقٌ أن نشكره.
اقترحنا على وزارة المعارف أن تستشير الأجانب الذي يشتغلون بالتعليم في مصر في أمر تعميم التعليم الأوَّلِي، وأن تضمَّ نفرًا من هؤلاء الأجانب إلى اللجنة التي ألفتها للنظر في تعميم التعليم الأولي. ونقرأ في الصحف اليوم أن قد بُدئ في تنفيذ هذا الاقتراح، فاعتزم وزير المعارف أن يضمَّ إلى هذه اللجنة أمريكيًّا وإيطاليًّا وفرنسيًّا، وفي اللجنة إنجليزي. وهذا خير، ولكنَّا نريد ألَّا يضم الأجانب إلى هذه اللجنة لأنهم أجانب، بل لأنهم أخِصَّائيون في التعليم. نريد ذلك ونرجو أن يختار وزير المعارف هؤلاء الأجانب من بين الذين يُشرِفون على المدارس الأميركية والإيطالية والفرنسية.
على أننا نريد أن نختم هذه الكلمة التي نستغربها نحن لأنها تخلو من النقد ولا تكاد تشتمل إلَّا على الثناء، نريد أن نختم هذه الكلمة باقتراح يسير لا يكلِّف الوزير ولا الوزارة مشقة ولا عناء. وفيه الخير للوزراء وللناس، وهو أن تكون الصلة بين الوزارة وبين الرأي العام قوية متينة؛ بحيث ينشر على هذا الرأي العام في بلاغات واضحة جلية ما تعمل الوزارة وما تعتزم أن تعمل في أمر الإصلاح. هذا خيرٌ؛ لأنه يُحسن ظن الناس بالوزارة ويُشجِّع الناس على أن يعينوا الوزارة ويتيح للناس أن يفهموا في غير غموض ولا اضطراب ما تريد الوزارة أن تعمَل. وودِدْنا لو بدأ الوزير فأنبأنا عن مكتب الترجمة هذا الذي يُنشئه أو يريد أن ينشئه: ما هو؟ وما عمله؟ وما الغرض الصحيح من إنشائه؟ -
في وزارة المعارف رشد وغي | At the Ministry of Education: Wisdom and Folly
في وزارة المعارف: رشد وغي
طه حسين
جريدة السياسة
١٧ يوليو ١٩٢٣
زعموا أن صلاح الجسم رهين بصلاح الرأس الذي يدبِّره، فإذا فسد الرأس فسد الجسم، وإذا اضطرب الرأس اضطربت أمور الجسم أيضًا. زعموا ذلك، وقالوه، وأكثروا من قوله؛ حتى أصبح حكمة عامة وحديثًا معادًا. ثم زعموا أن صلاح المدارس رهين بصلاح وزارة المعارف التي تديرها وتشرف عليها، فإذا فسدت وزارة المعارف لم يصبح فساد المدارس أمرًا نكرًا، وإذا اضطربت وزارة المعارف لم يَبْقَ معنى للعجب حين يضطرب التعليم. زعموا ذلك، وقالوه، وأكثروا من قوله؛ حتى أصبح حكمةً عامةً وحديثًا معادًا، وأصبح من الحق علينا أن نقبله دون أن نناقشه أو نجادل فيه.
صلاح المدارس والتعليم إذن رهينٌ بصلاح وزارة المعارف. وما صلاح وزارة المعارف؟ وأي معنى يدل عليه هذا اللفظ؟ الحق أنه يدل على معانٍ كثيرة، وأن هذه المعاني قد أخطأت لسوء الحظ وزارة المعارف؛ فهذه الوزارة في حاجة شديدة إلى الإصلاح وإلى ضروب مختلفة من الإصلاح لا بدَّ منها إذا أردنا أن تصلح المدارس ويصلح التعليم.
ويظهر أننا نريد ذلك، ويظهر أن وزارة المعارف تشعر بأننا نريد ذلك، ولكنها لا تشعر بالصلة بين صلاح الوزارة وصلاح المدارس، وهذا أول نوع من أنواع الفساد التي نشهدها في هذه الوزارة المسكينة.
إنما يُقدِّر على الإصلاح من يفهمه ويشعر الحاجة إليه، فإذا كانت وزارة المعارف لا تفهم هذا الإصلاح ولا تشعر بالحاجة إليه؛ فهي عاجزة عنه غير منتهية إليه مهما تبذل من جهد ومهما تتكلف من مشقة. ونريد الآن أن نثبت بعمل وزارة المعارف في هذه الأيام الأخيرة أنها لا تفهم الإصلاح، ولا تقدِّر حاجتنا إليه، ولا تسلك السبيل التي من شأنها أن تصل بنا إلى الإصلاح.
نريد أن نثبت هذا بعمل وزارة المعارف نفسها وهذه الأيام الأخيرة. فقد قرأت منذ أيام في الصحف تعيينات وتنقلات كما يقولون حدثت في وزارة المعارف، وهي لم تحدث عبثًا، وإنما هناك رأي من الآراء أو نظرية من النظريات صدر عنها أولو الأمر في وزارة المعارف حين أرادوا أن يعيِّنوا وحين أرادوا أن ينقلوا، ووزير المعارف وحده هو المسئول عن هذا الرأي وعن هذه النظرية. وإن كان وزير المعارف كغيره من الوزراء إنما يعتمد في مثل هذه الأشياء على مشيريه وأعوانه الفنيين في الوزارة. فهو مسئول رسميًّا، ولكن المسئولين حقًّا هم أولئك الأعوان والمشيرون. فما هذا الرأي؟ وما هذه النظرية؟ وما هذه القواعد التي اتخذها المشرفون على التعليم فيما أحدثوا من نقل وفيما أحدثوا من تعيين؟ أستطيع أن أقول إن مصلحة التعليم ومنفعة الأساتذة والتلاميذ ومنفعة مصر كلها لم تُتخَذ قاعدة لهذا النقل أو هذا التعيين، بل صُودِرَتْ هذه المنفعة مصادرة ظاهرة.
نعم! لم تُراعَ مصلحة التعليم ولا مصلحة المعلمين ولا المتعلمين فيما حدث من نقل وتعيين في وزارة المعارف. فلو أن هذه المصلحة رُوعِيَتْ مراعاة قليلة لأُسْنِدَت المناصب إلى الأكفاء، إلى القادرين على أن يملأوها ويديروها ويحسنوا فيها البلاء لخدمة العلم والتعليم.
ولكنَّا نقرأ أسماء المعينين والمنقولين، ونقرأ مناصبهم، ونقارن بينهم وبين هذه المناصب؛ فلا نجد صلة ما، لا نجد صلة قصيرة ولا طويلة، لا نجد صلة ضعيفة ولا قوية، لا نجد عملة فنية، وإنما نجد شيئًا واحدًا؛ هو إرادة المشرفين على الأمر في وزارة المعارف.
نريد أن يشعر المنقولون والمعيَّنون بأنَّا لا نتهم كفايتهم الخاصة ولا ننال منها، وإنما ندفع عنها ونضن بها أن تضيع في غير ما خُلِقَتْ له. فهؤلاء المنقولون والمُعيَّنون من خيرة المصريين القادرين على أن ينفعوا مصر، ولكن فكرة شيطانية خفية وضعت كل واحد منهم في حيث لا يستطيع أن يذهب ولا أن يجيء. وسنفسر لك سر هذه الفكرة الشيطانية الخفية.
وُضِعَ صاحب العزة علي حافظ بك مراقبًا للتعليم الأولي، وليس لصاحب العزة علي حافظ بك من التجربة في أمر التعليم الأولي حظٌّ قليلٌ ولا كثيرٌ، وإنما اشتغل طول حياته العامة بأشياء أخرى غير التعليم الأولي. ووُضِعَ صاحب العزة عوض بك إبراهيم مساعدًا لمراقب التعليم الأولي، وليس أكثر حظًّا من صاحبه في تجربة التعليم الأولي وممارسة الإشراف عليه. ووُضِعَ المستر «روب» مراقبًا للتعليم الابتدائي، ولم يشتغل المستر «روب» في أمر التعليم الابتدائي بشيءٍ منذ جاء مصر. ووُضِعَ المستر «سمسون» مراقبًا للتعليم الثانوي، ولم يشتغل المستر «سمسون» بالتعليم الثانوي منذ وفد إلى وادي النيل، وإنما فتش على التعليم في السودان، وأدار مدرسة المعلمين العليا في مصر.
ولست أشك في أن هؤلاء الأساتذة جميعًا من الكفاية بحيث يُوفَّقون إن شاء الله إلى أن يتعلموا المهن التي كلفتهم إياها وزارة المعارف، ولكنهم سيتعلمون هذه المهن إن شاء الله بعد زمن طويل أو قصير، بعد تجربة، بعد تردد، بعد اضطراب في الإدارة ينشأ عنه اضطراب في أمر المدارس وفي أمر التعليم، بعد أن يضيع على المدارس وعلى التعليم وعلى مصر وقت التجربة هذا الذي كان يجب ألَّا يضيع.
وهنا أسأل نفسي: ماذا تريد وزارة المعارف حين تسند منصبًا من المناصب إلى شخصٍ من الأشخاص؟ أتريد أن ينتفع المنصب بالشخص الذي يشغله أم تريد أن ينتفع الشخص بالمنصب الذي يُسند إليه؟ فإن كانت الأولى، فمن الحق على وزارة المعارف أن تشغل المناصب بالقادرين على تدبيرها، وإن كانت الثانية فهو الشر كل الشر؛ لأنه إضاعة للوقت وعبث بالمنفعة. فليس المطلوب من وزارة المعارف أن تعلِّم رجالها كيف يديرون التعليم الأولي أو التعليم الثانوي أو الابتدائي؛ لأن ديوانها ليس مدرسة لكبار الموظفين قبل كل شيء، وإنما المطلوب من وزارة المعارف أن تضع في كل منصب أشد الناس قدرة على احتمال أعبائه وتدبير أموره.
وهؤلاء الناس موجودون، قد عدلت عنهم وزارة المعارف لأمر نجهله أو نعلمه، ولكننا لا نذكره وليس يعنينا أن نذكره.
في وزارة المعارف رجال خبروا في التعليم الأولي، وداروه وأحسنوا البلاء في الإشراف عليه أعوامًا طوالًا، وفي وزارة المعارف رجال خبروا التعليم الابتدائي والثانوي وأحسنوا درسهما وتجربتهما. ولكن وزارة المعارف عدلت عن هؤلاء الناس إلى غيرهم، ووضعت كفايتها المختلفة في حيث لا تنفع ولا تفيد إلَّا بعد زمن طويل أو قصير.
لم تعمل وزارة المعارف هذا عبثًا، فلكل وزارة من وزارات الحكومة المصرية سرها. وسر وزارة المعارف واضح جلي لا يخفى على أحد، ولكنه لا ينفع التعليم ولا يلائم المصلحة العامة. وزارة المعارف من أشد الوزارات حرصًا على قاعدة المركزية وجمع السلطان في يد واحدة، من أشد الوزارات حرصًا على أن تختلف مصالحها وتتعدد، وعلى أن تكون رغم هذا الاختلاف والتعدد متلائمة متحدة يشرف عليها رأسٌ واحد، وتديرها يدٌ واحدة. فإذا وُضِع في التعليم الأولي من يفهم التعليم الأولي، وفي التعليم الابتدائي من يحسن القيام على التعليم الابتدائي، وفي التعليم الثانوي من يتقن الإشراف على التعليم الثانوي؛ تعرضت المركزية وسلطة الفرد للخطر الشديد.
أوشك هؤلاء الأكفاء أن يستقلوا بمصالحهم استقلالًا تامًّا أو ناقصًا، وهذا شرٌّ. فوزارة المعارف تريد المركزية، وسبيلها إلى المركزية أن تسند كبار المناصب إلى من لا علم لهم بها، فإذا تمَّ لهم تبوُّء هذه المناصب أدركتهم الحيرة في أمورهم، واضطروا في كل لحظة إلى أن يرجعوا إلى السلطة المركزية في الدقيق والجليل من أعمالهم. وإذن؛ فيد هذه السلطة المركزية مبسوطة على أطراف الوزارة في كل فن من فنون الإدارة، وفي كل لون من ألوان التعليم.
النظرية في نفسها معقولة منتجة، ولكنها خطرة شديدة الخطر حين تُتخَذ أصلًا في وزارة المعارف. خطرة شديدة الخطر؛ لأنها تقتل الكفايات العلمية، ومصلحة مصر في تقوية هذه الكفايات لا في قتلها. خطرة شديدة الخطر؛ لأنها تستذل المشرفين على التعليم، ومصلحة مصر بمصلحة التعليم في أن يكون المشرفون على التعليم أحرارًا. خطرة شديدة الخطر؛ لأنها تقيم التعليم في مصر على سلطة الفرد، ومصلحة مصر — ولا سيما في عهد الاستقلال والدستور — أن يقوم التعليم على سلطة الجماعة والديمقراطية. ثم خطرة شديدة الخطر؛ لأنها تشعر المعلمين جميعًا بأنهم خاضعون لسلطان الفرد وتحكم الفرد. فما أسرع ما تفسد الأخلاق! وما أسرع ما تنمحي الشخصيات! وما أسرع ما يصبح المعلمون أدوات مُسخَّرة لا رءوسًا مفكرة! وحسبك بهذا شرًّا على مصر وأبناء مصر ومستقبل مصر.
هذه نظرية المركزية وآثارها في وزارة المعارف، وقد تكون هذه النظرية معقولة كما قلنا، قابلة للبحث والمناقشة، ولكن هناك نظرية أخرى تعمل في وزارة المعارف، وأكره أن أسمِّيها لأني أحب أن أجلَّ وزارة العلم والتعليم عن أن تُضاف إليها هذه النظرية. لا أسمِّيها إذن، وأترك لك فهمها وتسميتها بعد أن أظهرك على شيءٍ قليل من آثارها فيما حدث في هذه الأيام الأخيرة من نقل وتعيين.
في مصر مدارس ثانوية، ولهذه المدارس الثانوية وكلاء مصريون قد اشتغلوا فيها، فبلوها وأحسنوا إدارتها، وكان من المعقول أن تُسنَد إليهم نظارة هذه المدارس، وأن يُرقَّى نظَّار المدارس الابتدائية إلى وكالة المدارس الثانوية، حتى إذا اشتغلوا في هذه الوكالة أعوامًا فجرَّبوها وأحسنوا التصرف فيها؛ رُقُّوا إلى نظارة المدارس الثانوية. هذا هو المعقول الملائم للمصلحة، لمصلحة الأساتذة والتلاميذ والنظَّار والوكلاء والتعليم بوجه عام. ولكن المعقول شيء ووزارة المعارف شيءٌ آخر، فهناك مدارس ثانوية رُقِّيَ إلى نظارتها نظَّار مدارس ابتدائية ليس لهم في التعليم الثانوي تجربة ولا بلاء.
ويُقال في هذه الترقية ما يُقال، ولكني لا أحفل بما يُقال، وإنما أحفل بالنظريات الفنية نفسها، وهي متشابهة في ديوان المعارف وفي مدارس المعارف. تدور حول شيءٍ واحد هو وضع الكفايات في حيث لا تنفع ولا تفيد إلَّا بعد تجربة ودرس وزمن طويل أو قصير، ونتيجة هذا ظاهرة؛ وهي اضطراب الأمر وفساده، وتعرض التعليم في نفسه لألوان العبث وضروب الخطر.
أفيرى وزير المعارف في هذا رشدًا؟! أفيرى وزير المعارف في هذا منفعة؟! أفلا يشعر وزير المعارف كما نشعر نحن بأنه إن تكن في مصر وزارة من الحق عليها أن تضن بالوقت وبالقوة وأن تستثمر الكفايات في عدل وفي إنصاف، وأن تتخذ المنفعة الفنية وحدها قاعدة لما تحدث من نقل وتعيين؟!
نقول: إذا كانت هناك وزارة خليقة بهذا كله، فهي وزارة المعارف التي وكِّل إليها تربية مصر وتكوين مستقبل مصر.