Tag: الإصلاح التربوي

  • مدرسة القضاء الشرعي | The School of Sharia Judiciary

    مدرسة القضاء الشرعي
    يظهر أن قضاء الله نازل بهذه المدرسة التعسة لا محالة وأنها ستلغى أو ستحول أو ستلحق بالأزهر الشريف كما يقولون. فقد نشرت الصحف ويظهر أن ما نشرته صحيح أن هذا المشروع قد تم وأن اللجنة التشريعية نظرت فيه وأنه قد يعرض على مجلس الوزراء في جلسة اليوم فيقضى فيه. ومع أن السياسة قد لفتت الحكومة غير مرة إلى أن هذا المشروع الذي يجهله الناس قد يكون خيرًا وقد يكون شرًا ولكن المنفعة كل المنفعة في التثبت فيه ولا يتعجل به قبل اجتماع البرلمان فقد أعرضت الحكومة وألحت في إعراضها عما كتبت "السياسة" وغير "السياسة". وأبت الحكومة أن تحفل بالرأي العام في هذه المسألة كما أبت أن تحفل به في غيرها من المسائل حتى إنها لم تتنزل إلى إصدار بلاغ يبين للناس ما عزمت عليه الحكومة وما حملها على أن تفكر في هذا المشروع وتتعجله كأنما تختلسه اختلاسًا.
    لم تحفل الحكومة بشيء وإنما مضت في المشروع حتى أتمته ولم يكن مشروعها مقصورًا على مدرسة القضاء الشرعي وإنما تناولها وتناول الأزهر الشريف أيضًا فتناول إذن قسمًا عظيمًا جدًا من أقسام التعليم القومي رأت فيه الحكومة رأيًا دبرته بليل وأبت أن تظهر الناس على شيء منه حتى تقفهم في ذات يوم من الأيام أمام أمر واقع. وهذه سياسة الوزارة القائمة في كثير من الأشياء.
    الحق أنا قد نفهم – دون أن نعذر – تعجل الحكومة في بعض القوانين التي أصدرتها فقد تكون متأثرة بضغط الإنجليز في أمر التعويض على الموظفين وقد تكون متأثرة بالرغبة في إلغاء الأحكام العرفية في أمر قانون التضمينات. ولكننا لا نستطيع أن نفهم تعجل الحكومة في أمر مدرسة القضاء والأزهر ولا نستطيع أن نفهم تكتم الحكومة أمر مدرسة القضاء والأزهر ولا نستطيع أن نفهم سياسة الأمر الواقع في مثل هذه المسائل التي تستطيع البلاد أن تتأنى فيها كما تأنت في مسائل أجل منها خطرًا.
    ولكن الناس يتحدثون بأشياء نرجو ونلح في الرجاء ألا تكون صحيحة. يتحدثون بأن الحكومة لم تقصد إلى مصلحة التعليم ولا إلى مصلحة العلم ولم تفكر في إصلاح الأزهر ولا في إصلاح مدرسة القضاء. وإنما فكرت في شيءٍ آخر، فكرت في أن تؤثر قومًا على قوم وفي أن تتملق طائفة دون طائفة وفي أن ترضى ناحية الآن كما أرضت ناحية أخرى بالأمس.
    يتحدث الناس بذلك ويلحون في هذا الحديث ومصلحة الحكومة وكرامتها ومصلحة الأمة وكرامتها في ألا يكون هذا الحديث صحيحًا، وأن يكون هذا الحديث كاذبًا إلا إذا تنزلت الحكومة فسمعت لنصح الناصحين وأجلت الفصل في هذا الأمر إلى أن ينعقد البرلمان.
    إن الحكومة بطيئة جدًا في إصلاح التعليم بوزارة المعارف وكأنها لا تريد أن تصلح التعليم أو تغير من أمره إلا بعد انعقاد البرلمان، ولها في ذلك الحق كله، وهي في ذلك موفقة كل التوفيق. فيكفي أن يدرس إصلاح التعليم وتعد مشروعات الإصلاح حتى إذا انعقد البرلمان عرضت عليه ليقضى فيها.
    فما بال وزارة الحقانية تتعجل تغيير مدرسة القضاء؟ وما يزال المجلس الأعلى للمعاهد الدينية يتعجل تغيير الأزهر؟ وما بال هذه اللجنة التي ألفت سرًا وعملت سرًا وأتمت عملها سرًا ورفعته إلى مجلس المعاهد سرًا؟ وما بال مجلس المعاهد قد درس المشروع سرًا وأقره سرًا؟ وما بال وزارة الحقانية تتكتم هذا المشروع حتى تفجأ الناس به غدًا أو بعد غدٍ؟
    وبعد فما هذا الإصلاح الذي يراد بمدرسة القضاء؟ زعموا أنها ستلحق بالأزهر وتقصر على التخصيص في الشريعة أو في فقه أبي حنيفة. ولكنهم لم يضعوا برنامجًا لهذا التخصيص، ونحن لا نستطيع أن نفهم هذا التخصيص. فما الذي يراد بالطالب إذا قضى في الأزهر اثني عشر عامًا يدرس فقه أبي حنيفة ويحفظ كتبه ويستظهر متونه وشروحه وحواشيه؟ ما الذي يراد به بعد هذه المشقة وعلى أي شكل يريدون أن يلقنوه فقه أبي حنيفة؟ وفي أي لون يريدون أن يظهروا له هذا الفقه؟ وأي معنى لأن يدرس الطالب فقه أبي حنيفة اثنتي عشرة سنة في الأزهر ثم يتخصص فيه مرة أخرى أربع سنين في مدرسة القضاء؟
    يظهر أن الواضح من أمر هذا المشروع شيئان: أحدهما إلغاء ما يدرس في هذه المدرسة من العلوم الحديثة لأنه سيدرس في الأزهر. الثاني أن تمتلئ جيوب وتشبع بطون. وقد تكون هذه الجيوب ممتلئة وقد تكون هذه البطون شبعى. وقد توجد طريقة أخرى لإشباع هذه الجيوب وإشباع هذه البطون غير إلغاء مدرسة القضاء الشرعي. وإذا لم يكن بد من أن تمتلئ جيوب وتشبع بطون على حساب مدرسة القضاء الشرعي فليكن ذلك بأمر البرلمان فسينعقد البرلمان قريبًا. ويقيننا أنه لم يكن أقل سخاءً وجودًا على هذه الجيوب والبطون من وزارة الحقانية ومجلس المعاهد الأعلى.
    يظهر أننا مضطرون إلى أن نوجه القول إلى صاحب الدولة رئيس الوزراء وإلى أصحاب المعالي زملائه غير وزير الحقانية، فقد يئسنا من وزير الحقانية ومن استماعه للنصح أو احتفاله بالناصحين. وحديثنا إلى صاحب الدولة وزملائه أن إصلاح مدرسة القضاء ليس من المسائل الخطرة التي يتوقف عليها مستقبل مصر وليس أجل خطرًا من إصلاح التعليم الأولى أو الثانوي أو العالي. فإذا كانت الحكومة تنتظر البرلمان في أمر التعليم كله فلتنتظره في أمر التعليم الديني وإلا فإن الناس لن يستطيعوا أن يفهموا هذا التعجل على وجه يشرف الحكومة ويحسن الظن بها والرأي فيها وقد نعود.
    طه حسين
    السياسة، 26 أغسطس 1923.

  • العبث بالعلم والتعليم والمعلمين | Tampering with Learning, Education, and Teachers

    في وِزَارَةِ المَعَارِفِ العَبَثُ بِالعِلْمِ وَالتَّعْلِيمِ وَالمُعَلِّمِينَ
    نَكْتُبُ فِي إِصْلَاحِ التَّعْلِيمِ وَتَنْظِيمِ وِزَارَةِ المَعَارِفِ لِأَنَّنَا نَنْتَظِرُ الخَيْرَ العَاجِلَ مِمَّا نَكْتُبُ، فَنَحْنُ يَائِسُونَ مِنْ هَذَا الخَيْرِ العَاجِلِ، مُقْتَنِعُونَ بِأَنَّ الأُمُورَ كُلَّهَا قَدْ تَتَغَيَّرُ وَتَتَبَدَّلَ وَأَنَّ الأَرْضَ قَدْ تَنْدَكَّ مِنْ حَوْلِ وِزَارَةِ المَعَارِفِ دُونَ أَنْ تَشْعُرَ وِزَارَةُ المَعَارِفِ بِشَيْءٍ أَوْ تَحْفِلَ بِشَيْءٍ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ. ذَلِكَ لِأَنَّ وَزِيرَ المَعَارِفِ فِي شُغْلٍ عَنْ وِزَارَةِ المَعَارِفِ بِهَذِهِ الحَوَادِثِ الجِسَامِ وَالنَّكَبَاتِ المُخْتَلِفَةِ الَّتِي تَنَالُ مِصْرَ مِنْ يَوْمٍ إِلَى يَوْمٍ، هُوَ عَنْ وِزَارَةِ المَعَارِفِ فِي شُغْلٍ بِمَا يُدَبَّرُ فِي مَجْلِسِ الوُزَرَاءِ مِنْ تَصْمِيمَاتٍ وَتَعْوِيضَاتٍ وَاجْتِمَاعَاتٍ إِلَى آخِرِ هَذِهِ القَوَانِينِ المُخْتَلِفَةِ، هُوَ فِي شُغْلٍ بِالسِّيَاسَةِ عَنِ التَّعْلِيمِ. وَلَسْتُ أَقُولُ هَذَا مُتَحَلِّلًا لَهُ أَوْ مُتَكَلِّفًا إِيَّاهُ، وَلَكِنِّي أَذْكُرُ إِنِّي تَحَدَّثْتُ إِلَى وَزِيرِ المَعَارِفِ فِي يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ، فَلَمَّا أَلْحَحْتُ عَلَيْهِ فِي مُرَاقَبَةِ المَدَارِسِ الحُرَّةِ أَجَابَنِي بِأَنَّ هَذَا خَيْرٌ وَأَنَّهُ مَعْنِيٌّ بِهِ، وَلَكِنَّ الوِزَارَةَ الآنَ فِي شُغْلٍ عَنْ هَذَا كُلِّهِ… وَأَذْكُرُ إِنِّي لَمْ أَكُنْ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ فَطِنًا وَلَا حُسْنَ الرِّعَايَةِ لِمُقْتَضَى الحَالِ… فَسَأَلْتُ وَزِيرَ المَعَارِفِ: وَمَا شَأْنُ وِزَارَةِ المَعَارِفِ فِيمَا يَقَعُ فِي مِصْرَ مِمَّا لَا يَمَسُّ التَّعْلِيمَ؟ فَأَجَابَنِي الوَزِيرُ فِي لُطْفٍ وَسُخْرِيَةٍ وَشَيْءٍ مِنَ الغَضَبِ قَلِيلٍ: أَظُنُّ أَنَّ لِوَزِيرِ المَعَارِفِ صِلَةً بِمَجْلِسِ الوُزَرَاءِ!
    نَعَمْ. كَانَ وَزِيرُ المَعَارِفِ مُحِقًّا فِي هَذَا الجَوَابِ. فَلَهُ صِلَةٌ بِمَجْلِسِ الوُزَرَاءِ لِأَنَّهُ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَائِهِ، وَمَجْلِسُ الوُزَرَاءِ فِي شُغْلٍ عَنِ التَّعْلِيمِ وَمَا يُشْبِهُ التَّعْلِيمَ بِأَشْيَاءَ أُخْرَى لَيْسَ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تُعِينَ عَلَى إِصْلَاحِ التَّعْلِيمِ؛ لِأَنَّهَا تُوَجِّهُ أَمْوَالَ الدَّوْلَةِ إِلَى وَجْهٍ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَفِيدَ بِهِ التَّعْلِيمُ. كَانَ وَزِيرُ المَعَارِفِ مُحِقًّا وَلَكِنَّهُ كَانَ مُخْطِئًا أَيْضًا. فَلَيْسَتْ وِزَارَةُ المَعَارِفِ مَحْصُورَةً فِي شَخْصِ الوَزِيرِ، وَإِنَّمَا فِيهَا الفَنِّيُّونَ وَالمُشْرِفُونَ وَالمُدِيرُونَ لِأُمُورِ التَّعْلِيمِ. وَهَؤُلَاءِ مَقْصُورَةٌ جُهُودُهُمْ عَلَى التَّعْلِيمِ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَتَجَاوَزُوهُ إِلَى غَيْرِهِ وَلَا أَنْ يَنْشَغِلُوا عَنْهُ بِالسِّيَاسَةِ العَامَّةِ وَأَخْطَارِهَا. فَإِذَا شُغِلَ وَزِيرُ المَعَارِفِ عَنِ التَّعْلِيمِ فَلَيْسَ لِرِجَالِ المَعَارِفِ أَنْ يَنْشَغِلُوا عَنِ التَّعْلِيمِ. وَفِي الحَقِّ أَنَّ رِجَالَ المَعَارِفِ لَيْسُوا مَشْغُولِينَ عَنِ التَّعْلِيمِ، وَإِنَّمَا يَعْنُونَ بِهِ، وَيُفَكِّرُونَ فِيهِ، وَيَعْمَلُونَ لَهُ، وَلَكِنَّ الرَّحَى فِي وِزَارَةِ المَعَارِفِ تَدُورُ إِلَى الشِّمَالِ لَا إِلَى اليَمِينِ، فَتَسْمَعُ لَهَا جَعْجَعَةً وَلَا تَرَى طَحْنًا. نَعَمْ، رِجَالُ المَعَارِفِ يَشْتَغِلُونَ بِالتَّعْلِيمِ، وَلَكِنْ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهِ. لِأَنَّ رِجَالَ المَعَارِفِ قَدْ أُخِذُوا بِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ العَمَلِ وَالتَّفْكِيرِ، هُمْ عَاجِزُونَ عَنْ أَنْ يَتَجَاوَزُوهُ إِلَى غَيْرِهِ. قَدْ أَلِفُوا سِيَاسَةً تَعْلِيمِيَّةً خَاصَّةً وَضَعَهَا «دَنلُوب»، فَلَيْسَ مِنَ اليَسِيرِ عَلَيْهِمْ، بَلْ لَيْسَ مِنَ المُتَاحِ لَهُمْ، أَنْ يَتَبَدَّلُوا مِنْ هَذِهِ السِّيَاسَةِ سِيَاسَةً أُخْرَى، مَهْمَا تَتَبَدَّلِ الظُّرُوفُ وَتَتَغَيَّرِ الأَحْوَالُ، وَمَهْمَا يَقْتَضِ اسْتِقْلَالُ مِصْرَ وَدُسْتُورُ مِصْرَ أَنْ يَقُومَ التَّعْلِيمُ عَلَى أَسَاسِ الاسْتِقْلَالِ وَالدِّيمُقْرَاطِيَّةِ، لَا عَلَى أَسَاسِ الاسْتِعْمَارِ وَالاسْتِبْدَادِ.
    وَزِيرُ المَعَارِفِ مَشْغُولٌ عَنِ التَّعْلِيمِ، وَرِجَالُ المَعَارِفِ قَاصِرُونَ عَنْ أَنْ يَفْهَمُوا التَّعْلِيمَ كَمَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ الآنَ. وَإِذًا فَنَحْنُ يَائِسُونَ مِنَ الخَيْرِ العَاجِلِ حِينَ نُطَالِبُ إِصْلَاحَ التَّعْلِيمِ وَتَنْظِيمَ وِزَارَةِ المَعَارِفِ. نَحْنُ يَائِسُونَ مِنْ هَذَا الخَيْرِ، وَلَكِنَّنَا نَرْجُو خَيْرًا كَثِيرًا مِنَ البَرْلَمَانِ. فَسَتُعْرَضُ عَلَى البَرْلَمَانِ أُمُورُ وِزَارَةِ المَعَارِفِ جَلِيلُهَا وَدَقِيقُهَا، وَسَيَشْعُرُ البَرْلَمَانُ بِمَا بَيْنَ هَذِهِ الوِزَارَةِ وَبَيْنَ آمالِ الأُمَّةِ وَمُسْتَقْبَلِهَا مِنَ البَوْنِ الشَّاسِعِ وَالبُعْدِ العَظِيمِ، فَيُفَكِّرُ فِي إِصْلَاحِ هَذِهِ الوِزَارَةِ، وَيَعْمَلُ لِيُلَائِمَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَيَاةِ أُمَّةٍ مُسْتَقِلَّةٍ دِيمُقْرَاطِيَّةٍ.
    وَأَمَلُنَا فِي البَرْلَمَانِ هُوَ الَّذِي يَحْمِلُنَا عَلَى أَنْ نَكْتُبَ وَعَلَى أَنْ نُلِحَّ فِي الكِتَابَةِ. فَإِنَّ الوَاجِبَ الوَطَنِيَّ يَقْضِي عَلَى كُلِّ مِصْرِيٍّ بِأَنْ يُظْهِرَ مَا يَشْعُرُ بِهِ مِنْ عُيُوبِ التَّعْلِيمِ وَالنِّظَامِ فِي هَذِهِ الوِزَارَةِ، لِيُعِدَّ الرَّأْيَ العَامَّ لِمَا لَيْسَ مِنْهُ بَدٌّ، قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا، مِنْ إِصْلَاحِ هَذِهِ الوِزَارَةِ.
    وَقَدْ رَأَيْنَا فِي مَقَالٍ سَابِقٍ أَنَّ نَظَرِيَّةَ المَرْكَزِيَّةِ فِي وِزَارَةِ المَعَارِفِ قَدْ أَفْسَدَتْ فِيهَا شَيْئًا كَثِيرًا، وَأَضَاعَتْ فِيهَا كِفَايَاتٍ مُخْتَلِفَةً كَانَ مِنَ الحَقِّ وَالمَنْفَعَةِ أَلَّا تُضَيَّعَ. فَكَلَّفَتْ رِجَالَ التَّعْلِيمِ الثَّانَوِيِّ العِنَايَةَ بِالتَّعْلِيمِ الأَوَّلِيِّ، وَأَهْمَلَتْ رِجَالَ التَّعْلِيمِ الأَوَّلِيِّ الإِهْمَالَ كُلَّهُ. بَلْ كَلَّفَتْ أَمْرَ التَّعْلِيمِ مَنْ لَيْسَ لَهُمْ صِلَةٌ بِالتَّعْلِيمِ، وَوَكَلَتْ نُظَّارَ المَدَارِسِ الثَّانَوِيَّةِ إِلَى مَنْ لَمْ يَعْرِفُوا المَدَارِسَ الثَّانَوِيَّةَ، وَخَالَفَتْ فِي هَذَا كُلِّهِ مَصْلَحَةَ الأَفْرَادِ وَمَصْلَحَةَ الأُمَّةِ وَمَصْلَحَةَ العِلْمِ نَفْسِهِ.
    فَرَغْنَا مِنْ هَذَا فِي مَقَالٍ مَضَى، وَيَظْهَرُ أَنَّ رِجَالَ التَّعْلِيمِ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الوِزَارَةِ حَوْلٌ وَلَا طَوْلٌ يَشْعُرُونَ بِنَفْسِ مَا نَشْعُرُ بِهِ، وَيَشْكُونَ مِنْ نَفْسِ مَا نَشْكُو مِنْهُ. وَلَكِنَّ الرَّقَابَةَ عَلَيْهِمْ شَدِيدَةٌ، فَهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَجْهَرُوا بِمَا يَشْعُرُونَ، لِأَنَّ السُّلْطَةَ المَرْكَزِيَّةَ لَهُمْ بِالمِرْصَادِ، وَهِيَ تَبُثُّ عَلَيْهِمُ الجَوَاسِيسَ، وَتَأْخُذُ عَلَيْهِمُ الطُّرُقَ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَ أَصْدِقَائِي مِنَ المُعَلِّمِينَ طَلَبَ لِي ذَاتَ يَوْمٍ أَنْ أَكُفَّ عَنْ نَقْدِ وِزَارَةِ المَعَارِفِ إِذَا كُنْتُ أُرِيدُ حَقًّا أَنْ تَظَلَّ الصِّلَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنِي قَائِمَةً مَتِينَةً، لِأَنَّهُ يَخْشَى عَوَاقِبَ هَذِهِ الصِّلَةِ إِنْ مَضَيْتُ أَنَا فِي هَذَا النَّقْدِ. وَرُبَّمَا كَانَ مَيْلِي إِلَى هَذَا الصَّدِيقِ شَدِيدًا، وَحِرْصِي عَلَى مَنْفَعَتِهِ عَظِيمًا، وَلَكِنِّي أَشَدُّ مَيْلًا إِلَى التَّعْلِيمِ، وَحِرْصًا عَلَى مَنْفَعَةِ التَّعْلِيمِ مِنِّي إِلَى هَذَا الصَّدِيقِ وَمَنْفَعَتِهِ. فَسَأَمْضِي فِي هَذَا النَّقْدِ، وَاللَّهُ يَتَوَلَّى أَصْدِقَائِي المُعَلِّمِينَ بِشَيْءٍ مِنَ الحِيَاطَةِ وَالرِّعَايَةِ.
    هَذِهِ المَرْكَزِيَّةُ الَّتِي بَيَّنْتُ آثَارَهَا فِي مَقَالٍ مَضَى قَدْ أَنْتَجَتْ آثَارًا أُخْرَى شَدِيدَةَ الشَّرِّ عَلَى التَّعْلِيمِ لَمْ أَتَمَكَّنْ مِنَ الإِشَارَةِ إِلَيْهَا. وَأُرِيدُ اليَوْمَ أَنْ أَذْكُرَهَا فِي أَسْطُرٍ قَلِيلَةٍ؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْتَاجُ إِلَى شَرْحٍ وَلَا إِلَى تَفْصِيلٍ، وَلِأَنَّهَا تَنْطِقُ بِأَنَّهَا شَرٌّ لَيْسَ فَوْقَهُ شَرٌّ. فَكَّرَتْ وِزَارَةُ المَعَارِفِ – فِيمَا يَظْهَرُ – فِي إِصْلَاحِ التَّعْلِيمِ عَلَى اخْتِلَافِ دَرَجَاتِهِ وَمَنَازِلِهِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا التَّفْكِيرِ إِلَّا الخَيْرُ. فَالتَّعْلِيمُ فِي حَاجَةٍ إِلَى الإِصْلَاحِ، وَوِزَارَةُ المَعَارِفِ أَحَقُّ الوِزَارَاتِ بِالإِعْدَادِ لِهَذَا الإِصْلَاحِ، وَلَكِنَّهَا سَلَكَتْ إِلَى هَذَا الإِصْلَاحِ غَيْرَ سَبِيلِهِ.
    فَأَنْتَ لَا تَطْلُبُ إِلَى الحَدَّادِ القِيَامَ بِصِنَاعَةِ الخَبَّازِ، وَلَا إِلَى الخَبَّازِ القِيَامَ بِصِنَاعَةِ الحَدَّادِ، وَلَكِنْ لِكُلِّ صَانِعٍ صِنَاعَتُهُ، وَلِكُلِّ اخْتِصَاصِيٍّ فَنُّهُ وَاخْتِصَاصُهُ. ذَلِكَ شَيْءٌ لَا مَعْنَى لِلإِطَالَةِ فِيهِ، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ مَفْهُومٍ فِي وِزَارَةِ المَعَارِفِ، أَوْ هُوَ مَفْهُومٌ وَلَكِنْ أَحَدًا لَا يَحْفَلُ بِهِ، لِأَنَّهُ يُنَاقِضُ المَرْكَزِيَّةَ الَّتِي هِيَ أَسَاسُ كُلِّ شَيْءٍ فِي هَذِهِ الوِزَارَةِ. إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تُصْلِحَ التَّعْلِيمَ وَجَبَ عَلَيْكَ أَنْ تُؤَلِّفَ لِإِصْلَاحِ التَّعْلِيمِ لِجَانًا مِنَ الأَخَصَّائِيِّينَ. أَوَّلُ هَؤُلَاءِ الأَخَصَّائِيِّينَ هُمُ المُعَلِّمُونَ الَّذِينَ مَارَسُوا التَّعْلِيمَ، فَبَلَوْا حُلْوَهُ وَمُرَّهُ، وَعَرَفُوا خَيْرَهُ وَشَرَّهُ. وَقَدْ أُلِّفَتْ وِزَارَةُ المَعَارِفِ لِجَانًا لِإِصْلَاحِ التَّعْلِيمِ، وَلَكِنْ مَا رَأْيُكَ فِي أَنَّ هَذِهِ اللِّجَانَ تَخْلُو خُلُوًّا تَامًّا أَوْ تَكَادُ تَخْلُو خُلُوًّا تَامًّا مِنَ المُعَلِّمِينَ؟ هِيَ مَقْصُورَةٌ عَلَى المُفَتِّشِينَ وَرِجَالِ المَعَارِفِ الَّذِينَ لَمْ يُمَارِسْ أَكْثَرُهُمُ التَّعْلِيمَ إِلَّا قَلِيلًا، وَلَعَلَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُمَارِسْهُ قَطُّ.
    مَا رَأْيُكَ فِي هَذِهِ اللِّجَانِ الَّتِي سَتُصْلِحُ التَّعْلِيمَ، وَهِيَ لَا تَعْرِفُ التَّعْلِيمَ إِلَّا مَعْرِفَةً نَظَرِيَّةً تُؤْخَذُ مِنَ الكُتُبِ وَالأَسْفَارِ وَالتَّقَارِيرِ، لَا مِنْ مُعَالَجَةِ الطُّلَّابِ وَالتَّلَامِيذِ، وَالوُقُوفِ عَلَى نَفْسِيَّاتِهِمْ وَمَلَكَاتِهِمْ وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْلَكَ مَعَهُمْ مِنَ المَنَاهِجِ المُخْتَلِفَةِ المُتَبَايِنَةِ. أَتَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ اللِّجَانَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُصْلِحَ التَّعْلِيمَ حَقًّا؟ كَلَّا. فَإِنَّ إِصْلَاحَ التَّعْلِيمِ مَوْقُوفٌ عَلَى فَهْمِ التَّعْلِيمِ، وَعَلَى فَهْمِهِ فَهْمًا عَمَلِيًّا، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى التَّجْرِبَةِ وَطُولِ المُرَاسِ.
    وَلَكِنْ وِزَارَةُ المَعَارِفِ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَسْتَشِيرَ المُعَلِّمِينَ فِي إِصْلَاحِ التَّعْلِيمِ، فَإِنَّ اسْتِشَارَتَهَا لِلْمُعَلِّمِينَ رَفْعٌ لِأَقْدَارِهِمْ، وَاعْتِرَافٌ بِمَكَانَتِهِمْ، وَهِيَ لَا تَرْفَعُ لِلْمُعَلِّمِينَ قَدْرًا، وَلَا تَعْتَرِفُ لَهُمْ بِمَكَانَةٍ. وَإِنَّمَا تَنْظُرُ إِلَيْهِمْ كَمَا تَنْظُرُ إِلَى قَوْمٍ يَعْمَلُونَ؛ لِأَنَّ مِنَ الحَقِّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَعْمَلُوا، فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُفَكِّرُوا، وَلَا أَنْ يَبْتَكِرُوا، وَلَا أَنْ يُشِيرُوا، وَهُمْ إِنْ فَكَّرُوا أَوِ ابْتَكَرُوا أَوْ شَارُوا فَقَدْ تَجَاوَزُوا الحُدُودَ. وَأَيُّ تَجَاوُزٍ لِلْحُدُودِ شَيْءٌ مِنَ التَّطَاوُلِ عَلَى السُّلْطَةِ المَرْكَزِيَّةِ الَّتِي لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْرَضَ لَهَا إِنْسَانٌ إِلَّا بِالحَمْدِ وَالثَّنَاءِ وَضُرُوبِ الإِعْجَابِ وَالتَّمْلِيقِ؟…
    فِي وِزَارَةِ المَعَارِفِ مُضْحِكَاتٌ كَثِيرَةٌ. مِنْهَا أَنَّهَا خَالَفَتْ هَذِهِ القَاعِدَةَ الَّتِي ذَكَرْتُهَا لَكَ، فَأَدْخَلَتْ بَعْضَ المُعَلِّمِينَ فِي لَجْنَةٍ مِنْ لِجَانِ إِصْلَاحِ التَّعْلِيمِ. وَلَكِنِ انْظُرْ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ:
    أَلَّفَتْ لَجْنَةً لِوَضْعِ مَنَاهِجِ التَّعْلِيمِ فِي مَدْرَسَةِ دَارِ العُلُومِ، وَأَدْخَلَتْ فِيهَا مُعَلِّمًا. فَهَلْ تَظُنُّ أَنَّهَا اخْتَارَتْ هَذَا المُعَلِّمَ مِنْ دَارِ العُلُومِ؟ مِنَ الَّذِينَ بَلَوْا تَلَامِيذَ دَارِ العُلُومِ، وَعَرَفُوا قُوَّتَهُمْ وَنَفْسِيَّاتِهِمْ وَمَلَكَاتِهِمْ وَمُيُولَهُمْ؟ كَلَّا.
    اخْتَارَتْ مُعَلِّمَهَا مِنْ مَدْرَسَةِ المُعَلِّمِينَ العُلْيَا! مِنَ الأُسَاتِذَةِ الَّذِينَ قَدْ يُسْأَلُونَ عَنْ حَمَلَةِ الشَّهَادَةِ الثَّانَوِيَّةِ فَيُحْسِنُونَ الجَوَابَ؛ لِأَنَّهُمْ عَاشَرُوهُمْ، وَدَرَسُوا لَهُمْ. وَلَكِنَّهُمْ إِذَا سُئِلُوا عَنِ الشُّيُوخِ مِنْ طُلَّابِ الأَزْهَرِ لَمْ يُحِيرُوا جَوَابًا؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ مِنْ أَمْرِ هَؤُلَاءِ الشُّيُوخِ أَمْرًا.
    أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُفَسِّرَ هَذَا العَمَلَ الغَرِيبَ؟ أَمَّا أَنَا فَأُفَسِّرُهُ بِإِحْدَى اثْنَتَيْنِ:
    الأُولَى : وَهِيَ الَّتِي أُرَجِّحُهَا؛ لِأَنِّي حَسَنُ الظَّنِّ بِوِزَارَةِ المَعَارِفِ – أَنَّهَا تَعْمَلُ دُونَ تَفْكِيرٍ وَلَا نِظَامٍ، وَإِنَّمَا تَتْرُكُ الأَمْرَ لِلْمُصَادَفَةِ وَحْدَهَا.
    الثَّانِيَةُ : الأَغْرَاضُ وَالأَهْوَاءُ، وَالمَيْلُ إِلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ المُعَلِّمِينَ، وَتَأْلِيبِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ. وَقَدْ تَكُونُ هَذِهِ الثَّانِيَةُ شَيْئًا لَمْ تَقْصِدْ إِلَيْهِ وِزَارَةُ المَعَارِفِ، وَلَكِنَّهَا – مِنْ غَيْرِ شَكٍّ – شَيْءٌ تَوَرَّطَتْ فِيهِ.
    فَلِمَاذَا يَسْكُتُ أُسَاتِذَةُ دَارِ العُلُومِ وَغَيْرُهُمْ، فَيُقْضَى فِي أُمُورِهِمْ، وَيُسْتَشَارُ فِي مَدْرَسَتِهِمْ، وَفِيهِمُ الكُفْءُ، وَفِيهِمُ الخَبِيرُ بِأَمْرِ هَذِهِ المَدْرَسَةِ، وَفِيهِمُ القَادِرُ عَلَى أَنْ يُشِيرَ فِي أَمْرِهَا بِالخَيْرِ؟
    تَحَدَّثْتُ مُنْذُ حِينٍ إِلَى وَزِيرِ المَعَارِفِ، فَأَنْبَأَنِي بِأَنَّهُ حَرِيصٌ كُلَّ الحِرْصِ عَلَى أَنْ يَشْتَرِكَ فِي إِصْلَاحِ التَّعْلِيمِ رِجَالٌ مِنَ الأَخَصَّائِيِّينَ. وَبَالَغَ فِي ذَلِكَ حَتَّى طَلَبَ إِلَيَّ أَنْ أُسَمِّيَ لَهُ نَاسًا يَقْدِرُونَ عَلَى الخَيْرِ فِي هَذَا، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ وِزَارَةِ المَعَارِفِ. وَبَالَغَ فِي هَذَا فَأَعْلَنَ إِلَيَّ أَنَّهُ يَتَمَنَّى أَنْ يَسْتَعِينَ بِالأَخَصَّائِيِّينَ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ عَلَى إِصْلَاحِ التَّعْلِيمِ، يُنْدِبُهُمْ لِذَلِكَ خَاصَّةً.
    فَحَمِدْتُ لِلْوَزِيرِ هَذَا القَوْلَ الحَسَنَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى فِطْنَتِهِ وَذَكَائِهِ وَحُسْنِ رَأْيِهِ فِي التَّعْلِيمِ. وَلَكِنَّنِي بَحَثْتُ عَنِ الأَخَصَّائِيِّينَ فِي رِجَالِ الإِصْلَاحِ، فَرَأَيْتُ أَنَّ الأَجَانِبَ لَمْ يُدْعَوْا، وَأَنَّ المِصْرِيِّينَ الخَارِجِينَ عَنْ وِزَارَةِ المَعَارِفِ لَمْ يُدْعَوْا، وَأَنَّ المُعَلِّمِينَ أَنْفُسَهُمْ لَمْ يُهْتَمَّ بِهِمْ. بَلْ رَأَيْتُ شَرًّا مِنْ هَذَا: رَأَيْتُ أَنَّ لَجْنَةً قَدْ أُلِّفَتْ لِوَضْعِ مَنَاهِجِ التَّعْلِيمِ فِي دَارِ العُلُومِ، وَجُمِعَتْ بَيْنَ رِجَالِ المَعَارِفِ وَمُعَلِّمِي المَدْرَسَةِ، وَآخَرِينَ لَيْسُوا مِنَ المَعَارِفِ وَلَا مِنَ المَدْرَسَةِ. فَعُدِلَ عَنْ هَذِهِ اللَّجْنَةِ – لِأَنَّهَا كَانَتْ سَيِّئَةَ التَّأْلِيفِ – إِلَى لَجْنَةٍ أُخْرَى حَسَنَةِ التَّأْلِيفِ، لَيْسَ فِيهَا أَجْنَبِيٌّ عَنِ الوِزَارَةِ؛ لِأَنَّ ثِيَابَ الوَزِيرِ يَجِبُ أَنْ تُغْسَلَ فِي الوِزَارَةِ! وَلَيْسَ فِيهَا مُعَلِّمٌ مِنَ المَدْرَسَةِ؛ لِأَنَّ أُسَاتِذَةَ المَدْرَسَةِ يَجِبُ أَنْ يَشْعُرُوا بِأَنَّهُمْ جُنُودٌ فِي هَذِهِ المَدْرَسَةِ، يُؤْمَرُونَ فَيَأْمُرُونَ، دُونَ أَنْ يُسْتَشَارُوا، أَوْ يُشِيرُوا، أَوْ يُحْفَلَ لَهُمْ بِرَأْيٍ.
    اقْرَأْ هَذَا وَفَكِّرْ فِيهِ، وَحَدِّثْنِي عَمَّا يُمْكِنُ أَنْ يَنْتُجَ مِنْ خَيْرٍ، وَحَدِّثْنِي عَنِ الوِزَارَةِ الَّتِي تَسْلُكُ هَذَا السَّبِيلَ مُلِحَّةً فِي سُلُوكِهَا مَهْمَا يُشِرْ عَلَيْهَا المُشِيرُونَ، وَيَنْصَحْ لَهَا النَّاصِحُونَ. أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْتَهِيَ بِالتَّعْلِيمِ إِلَى الخَيْرِ؟
    ثُمَّ حَدِّثْنِي: أَلَسْتُ مُحِقًّا حِينَ أَنْبَأْتُكَ فِي أَوَّلِ هَذَا المَقَالِ بِأَنِّي يَائِسٌ مِنَ الخَيْرِ العَاجِلِ حِينَ أَكْتُبُ فِي نَقْدِ هَذِهِ الوِزَارَةِ؟
    وَلَكِنَّ الأَمْرَ لَا يَقِفُ عِنْدَ هَذَا الحَدِّ، بَلْ يَتَجَاوَزُهُ إِلَى مَا هُوَ شَرٌّ مِنْهُ. فَقَدْ أُحَدِّثُكَ بِقِيمَةِ المُعَلِّمِ فِي وِزَارَةِ المَعَارِفِ، وَلَكِنْ فِي غَيْرِ هَذَا المَقَالِ.
    طه حُسَيْن السياسة، ٣١ يُولْيَه ١٩٢٣م.

  • في وزارة المعارف رشد وغي | At the Ministry of Education: Wisdom and Folly

    في وزارة المعارف: رشد وغي

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ١٧ يوليو ١٩٢٣

    زعموا أن صلاح الجسم رهين بصلاح الرأس الذي يدبِّره، فإذا فسد الرأس فسد الجسم، وإذا اضطرب الرأس اضطربت أمور الجسم أيضًا. زعموا ذلك، وقالوه، وأكثروا من قوله؛ حتى أصبح حكمة عامة وحديثًا معادًا. ثم زعموا أن صلاح المدارس رهين بصلاح وزارة المعارف التي تديرها وتشرف عليها، فإذا فسدت وزارة المعارف لم يصبح فساد المدارس أمرًا نكرًا، وإذا اضطربت وزارة المعارف لم يَبْقَ معنى للعجب حين يضطرب التعليم. زعموا ذلك، وقالوه، وأكثروا من قوله؛ حتى أصبح حكمةً عامةً وحديثًا معادًا، وأصبح من الحق علينا أن نقبله دون أن نناقشه أو نجادل فيه.

    صلاح المدارس والتعليم إذن رهينٌ بصلاح وزارة المعارف. وما صلاح وزارة المعارف؟ وأي معنى يدل عليه هذا اللفظ؟ الحق أنه يدل على معانٍ كثيرة، وأن هذه المعاني قد أخطأت لسوء الحظ وزارة المعارف؛ فهذه الوزارة في حاجة شديدة إلى الإصلاح وإلى ضروب مختلفة من الإصلاح لا بدَّ منها إذا أردنا أن تصلح المدارس ويصلح التعليم.

    ويظهر أننا نريد ذلك، ويظهر أن وزارة المعارف تشعر بأننا نريد ذلك، ولكنها لا تشعر بالصلة بين صلاح الوزارة وصلاح المدارس، وهذا أول نوع من أنواع الفساد التي نشهدها في هذه الوزارة المسكينة.

    إنما يُقدِّر على الإصلاح من يفهمه ويشعر الحاجة إليه، فإذا كانت وزارة المعارف لا تفهم هذا الإصلاح ولا تشعر بالحاجة إليه؛ فهي عاجزة عنه غير منتهية إليه مهما تبذل من جهد ومهما تتكلف من مشقة. ونريد الآن أن نثبت بعمل وزارة المعارف في هذه الأيام الأخيرة أنها لا تفهم الإصلاح، ولا تقدِّر حاجتنا إليه، ولا تسلك السبيل التي من شأنها أن تصل بنا إلى الإصلاح.

    نريد أن نثبت هذا بعمل وزارة المعارف نفسها وهذه الأيام الأخيرة. فقد قرأت منذ أيام في الصحف تعيينات وتنقلات كما يقولون حدثت في وزارة المعارف، وهي لم تحدث عبثًا، وإنما هناك رأي من الآراء أو نظرية من النظريات صدر عنها أولو الأمر في وزارة المعارف حين أرادوا أن يعيِّنوا وحين أرادوا أن ينقلوا، ووزير المعارف وحده هو المسئول عن هذا الرأي وعن هذه النظرية. وإن كان وزير المعارف كغيره من الوزراء إنما يعتمد في مثل هذه الأشياء على مشيريه وأعوانه الفنيين في الوزارة. فهو مسئول رسميًّا، ولكن المسئولين حقًّا هم أولئك الأعوان والمشيرون. فما هذا الرأي؟ وما هذه النظرية؟ وما هذه القواعد التي اتخذها المشرفون على التعليم فيما أحدثوا من نقل وفيما أحدثوا من تعيين؟ أستطيع أن أقول إن مصلحة التعليم ومنفعة الأساتذة والتلاميذ ومنفعة مصر كلها لم تُتخَذ قاعدة لهذا النقل أو هذا التعيين، بل صُودِرَتْ هذه المنفعة مصادرة ظاهرة.

    نعم! لم تُراعَ مصلحة التعليم ولا مصلحة المعلمين ولا المتعلمين فيما حدث من نقل وتعيين في وزارة المعارف. فلو أن هذه المصلحة رُوعِيَتْ مراعاة قليلة لأُسْنِدَت المناصب إلى الأكفاء، إلى القادرين على أن يملأوها ويديروها ويحسنوا فيها البلاء لخدمة العلم والتعليم.

    ولكنَّا نقرأ أسماء المعينين والمنقولين، ونقرأ مناصبهم، ونقارن بينهم وبين هذه المناصب؛ فلا نجد صلة ما، لا نجد صلة قصيرة ولا طويلة، لا نجد صلة ضعيفة ولا قوية، لا نجد عملة فنية، وإنما نجد شيئًا واحدًا؛ هو إرادة المشرفين على الأمر في وزارة المعارف.

    نريد أن يشعر المنقولون والمعيَّنون بأنَّا لا نتهم كفايتهم الخاصة ولا ننال منها، وإنما ندفع عنها ونضن بها أن تضيع في غير ما خُلِقَتْ له. فهؤلاء المنقولون والمُعيَّنون من خيرة المصريين القادرين على أن ينفعوا مصر، ولكن فكرة شيطانية خفية وضعت كل واحد منهم في حيث لا يستطيع أن يذهب ولا أن يجيء. وسنفسر لك سر هذه الفكرة الشيطانية الخفية.

    وُضِعَ صاحب العزة علي حافظ بك مراقبًا للتعليم الأولي، وليس لصاحب العزة علي حافظ بك من التجربة في أمر التعليم الأولي حظٌّ قليلٌ ولا كثيرٌ، وإنما اشتغل طول حياته العامة بأشياء أخرى غير التعليم الأولي. ووُضِعَ صاحب العزة عوض بك إبراهيم مساعدًا لمراقب التعليم الأولي، وليس أكثر حظًّا من صاحبه في تجربة التعليم الأولي وممارسة الإشراف عليه. ووُضِعَ المستر «روب» مراقبًا للتعليم الابتدائي، ولم يشتغل المستر «روب» في أمر التعليم الابتدائي بشيءٍ منذ جاء مصر. ووُضِعَ المستر «سمسون» مراقبًا للتعليم الثانوي، ولم يشتغل المستر «سمسون» بالتعليم الثانوي منذ وفد إلى وادي النيل، وإنما فتش على التعليم في السودان، وأدار مدرسة المعلمين العليا في مصر.

    ولست أشك في أن هؤلاء الأساتذة جميعًا من الكفاية بحيث يُوفَّقون إن شاء الله إلى أن يتعلموا المهن التي كلفتهم إياها وزارة المعارف، ولكنهم سيتعلمون هذه المهن إن شاء الله بعد زمن طويل أو قصير، بعد تجربة، بعد تردد، بعد اضطراب في الإدارة ينشأ عنه اضطراب في أمر المدارس وفي أمر التعليم، بعد أن يضيع على المدارس وعلى التعليم وعلى مصر وقت التجربة هذا الذي كان يجب ألَّا يضيع.

    وهنا أسأل نفسي: ماذا تريد وزارة المعارف حين تسند منصبًا من المناصب إلى شخصٍ من الأشخاص؟ أتريد أن ينتفع المنصب بالشخص الذي يشغله أم تريد أن ينتفع الشخص بالمنصب الذي يُسند إليه؟ فإن كانت الأولى، فمن الحق على وزارة المعارف أن تشغل المناصب بالقادرين على تدبيرها، وإن كانت الثانية فهو الشر كل الشر؛ لأنه إضاعة للوقت وعبث بالمنفعة. فليس المطلوب من وزارة المعارف أن تعلِّم رجالها كيف يديرون التعليم الأولي أو التعليم الثانوي أو الابتدائي؛ لأن ديوانها ليس مدرسة لكبار الموظفين قبل كل شيء، وإنما المطلوب من وزارة المعارف أن تضع في كل منصب أشد الناس قدرة على احتمال أعبائه وتدبير أموره.

    وهؤلاء الناس موجودون، قد عدلت عنهم وزارة المعارف لأمر نجهله أو نعلمه، ولكننا لا نذكره وليس يعنينا أن نذكره.

    في وزارة المعارف رجال خبروا في التعليم الأولي، وداروه وأحسنوا البلاء في الإشراف عليه أعوامًا طوالًا، وفي وزارة المعارف رجال خبروا التعليم الابتدائي والثانوي وأحسنوا درسهما وتجربتهما. ولكن وزارة المعارف عدلت عن هؤلاء الناس إلى غيرهم، ووضعت كفايتها المختلفة في حيث لا تنفع ولا تفيد إلَّا بعد زمن طويل أو قصير.

    لم تعمل وزارة المعارف هذا عبثًا، فلكل وزارة من وزارات الحكومة المصرية سرها. وسر وزارة المعارف واضح جلي لا يخفى على أحد، ولكنه لا ينفع التعليم ولا يلائم المصلحة العامة. وزارة المعارف من أشد الوزارات حرصًا على قاعدة المركزية وجمع السلطان في يد واحدة، من أشد الوزارات حرصًا على أن تختلف مصالحها وتتعدد، وعلى أن تكون رغم هذا الاختلاف والتعدد متلائمة متحدة يشرف عليها رأسٌ واحد، وتديرها يدٌ واحدة. فإذا وُضِع في التعليم الأولي من يفهم التعليم الأولي، وفي التعليم الابتدائي من يحسن القيام على التعليم الابتدائي، وفي التعليم الثانوي من يتقن الإشراف على التعليم الثانوي؛ تعرضت المركزية وسلطة الفرد للخطر الشديد.

    أوشك هؤلاء الأكفاء أن يستقلوا بمصالحهم استقلالًا تامًّا أو ناقصًا، وهذا شرٌّ. فوزارة المعارف تريد المركزية، وسبيلها إلى المركزية أن تسند كبار المناصب إلى من لا علم لهم بها، فإذا تمَّ لهم تبوُّء هذه المناصب أدركتهم الحيرة في أمورهم، واضطروا في كل لحظة إلى أن يرجعوا إلى السلطة المركزية في الدقيق والجليل من أعمالهم. وإذن؛ فيد هذه السلطة المركزية مبسوطة على أطراف الوزارة في كل فن من فنون الإدارة، وفي كل لون من ألوان التعليم.

    النظرية في نفسها معقولة منتجة، ولكنها خطرة شديدة الخطر حين تُتخَذ أصلًا في وزارة المعارف. خطرة شديدة الخطر؛ لأنها تقتل الكفايات العلمية، ومصلحة مصر في تقوية هذه الكفايات لا في قتلها. خطرة شديدة الخطر؛ لأنها تستذل المشرفين على التعليم، ومصلحة مصر بمصلحة التعليم في أن يكون المشرفون على التعليم أحرارًا. خطرة شديدة الخطر؛ لأنها تقيم التعليم في مصر على سلطة الفرد، ومصلحة مصر — ولا سيما في عهد الاستقلال والدستور — أن يقوم التعليم على سلطة الجماعة والديمقراطية. ثم خطرة شديدة الخطر؛ لأنها تشعر المعلمين جميعًا بأنهم خاضعون لسلطان الفرد وتحكم الفرد. فما أسرع ما تفسد الأخلاق! وما أسرع ما تنمحي الشخصيات! وما أسرع ما يصبح المعلمون أدوات مُسخَّرة لا رءوسًا مفكرة! وحسبك بهذا شرًّا على مصر وأبناء مصر ومستقبل مصر.

    هذه نظرية المركزية وآثارها في وزارة المعارف، وقد تكون هذه النظرية معقولة كما قلنا، قابلة للبحث والمناقشة، ولكن هناك نظرية أخرى تعمل في وزارة المعارف، وأكره أن أسمِّيها لأني أحب أن أجلَّ وزارة العلم والتعليم عن أن تُضاف إليها هذه النظرية. لا أسمِّيها إذن، وأترك لك فهمها وتسميتها بعد أن أظهرك على شيءٍ قليل من آثارها فيما حدث في هذه الأيام الأخيرة من نقل وتعيين.

    في مصر مدارس ثانوية، ولهذه المدارس الثانوية وكلاء مصريون قد اشتغلوا فيها، فبلوها وأحسنوا إدارتها، وكان من المعقول أن تُسنَد إليهم نظارة هذه المدارس، وأن يُرقَّى نظَّار المدارس الابتدائية إلى وكالة المدارس الثانوية، حتى إذا اشتغلوا في هذه الوكالة أعوامًا فجرَّبوها وأحسنوا التصرف فيها؛ رُقُّوا إلى نظارة المدارس الثانوية. هذا هو المعقول الملائم للمصلحة، لمصلحة الأساتذة والتلاميذ والنظَّار والوكلاء والتعليم بوجه عام. ولكن المعقول شيء ووزارة المعارف شيءٌ آخر، فهناك مدارس ثانوية رُقِّيَ إلى نظارتها نظَّار مدارس ابتدائية ليس لهم في التعليم الثانوي تجربة ولا بلاء.

    ويُقال في هذه الترقية ما يُقال، ولكني لا أحفل بما يُقال، وإنما أحفل بالنظريات الفنية نفسها، وهي متشابهة في ديوان المعارف وفي مدارس المعارف. تدور حول شيءٍ واحد هو وضع الكفايات في حيث لا تنفع ولا تفيد إلَّا بعد تجربة ودرس وزمن طويل أو قصير، ونتيجة هذا ظاهرة؛ وهي اضطراب الأمر وفساده، وتعرض التعليم في نفسه لألوان العبث وضروب الخطر.

    أفيرى وزير المعارف في هذا رشدًا؟! أفيرى وزير المعارف في هذا منفعة؟! أفلا يشعر وزير المعارف كما نشعر نحن بأنه إن تكن في مصر وزارة من الحق عليها أن تضن بالوقت وبالقوة وأن تستثمر الكفايات في عدل وفي إنصاف، وأن تتخذ المنفعة الفنية وحدها قاعدة لما تحدث من نقل وتعيين؟!

    نقول: إذا كانت هناك وزارة خليقة بهذا كله، فهي وزارة المعارف التي وكِّل إليها تربية مصر وتكوين مستقبل مصر.

  • وزارة المعارف وجه الصواب في درس الآثار | The Ministry of Education: The Right Way to Teach Archaeology

    وزارة المعارف
    وجه الصواب في درس الآثار
    طه حسين
    جريدة السياسة
    ١٣ يوليو ١٩٢٣

    يوفق الله قومًا فيلهمهم الرشد ويهديهم إلى الخير؛ فإذا هم يسعون إلى المنفعة سعيًا سريعًا منظَّمًا آمنًا كل عثار. ويخذل الله قومًا فتضطرب عقولهم، وتؤخذ عليهم طرق المنفعة، ويُحال بينهم وبين الحق فإذا هم يتخبَّطون، وإذا هم يتقدمون خطوة ليتأخروا خطوات، وإذا هم يَمِيلُون إلى اليمين مرة وإلى الشمال مرة أخرى، وإذا هم يتحرَّكون حركة لها ضجيج وعجيج، ولكنها ليست بالمنتظمة ولا بالمنتجة.

    يوفق الله قومًا فيهتدون إلى الخير، ويخذل الله قومًا فيتورَّطُون في الضلال. ولست أدري أيوفق الله وزارة المعارف في أمر الآثار إلى المنفعة والحق أم يخذلها. وأحسب أن مضي وزارة المعارف في هذا الأمر الذي اعتزمته بعد أن قُدِّم إليها النصح وأُشير عليها بالخير ودُلَّت على وجه المنفعة، ليس إلا ضربًا من ضروب الخذلان.

    ولقد نيأس من وزارة المعارف ومن استماعها لنصح الناصح أو إرشاد المرشد؛ فإن وزارة المعارف لم تنسَ بعد عصر الحكم الأوتوقراطي، وعزيزٌ عليها أن تنساه، وعزيز عليها أن تطمئنَّ إلى النظم الديمقراطية الجديدة. وإذن، فهي إذا رأت رأيًا مضت فيه غير ملتفتة إلى ما يُقال، خيرًا كان أم شرًّا. وإن كان العهد بوزارات المعارف الحرة في البلاد الأخرى ألا تُقْدِم على أمر ذي بال من أمور التعليم حتى تستشير فيه أهل العلم، وربما بالغت في ذلك فاستشارت الجمهور والصحف. ولكن ذلك في البلاد الديمقراطية لا في مصر …!

    نيأس إذن من وزارة المعارف، ونعتقد أنها قد تمضي فيما تريد. ولكنَّا لا نيأس من البرلمان، وما نزال نعتقد أن البرلمان سيردُّ وزارة المعارف إلى طريق القصد، وسيأخذها بما تفرضه المنفعة الصحيحة والحق. وليس من المنفعة ولا من الحق في شيء أن يكون في مصر أغنى متحف لتاريخ الفراعنة وتاريخ مصر أيام اليونان والرومان، وأغنى متحف لتاريخ مصر في العصر الإسلامي، وألا تكون في مصر مدرسة نافعة منتجة حقًّا تُدرَّس فيها هذه الآثار المخزونة في المتاحف والمنبثَّة في أقطار البلاد.

    ليس من الحق ولا من المنفعة أن تملأ مصر بالآثار وأن تخلو مصر من مدرسة للآثار. فإذا أرادت مصر أن يكون من أبنائها عالم بالآثار أوفدته إلى مدرسة «اللوفر» في باريس، أو إلى المتحف البريطاني في لندن، أو إلى غيرهما من المعاهد في فينا وبرلين.

    ليس من الحق ولا من المنفعة أن تخلو مصر من هذه المدرسة. فإذا اشتد إلحاح مصر في أن تنشأ هذه المدرسة خدعتها وزارة المعارف عن هذه الأمنية بدروس تُلقى في مدرسة للمعلمين حول الهيروغليفية وبعض اللغات القديمة لا تنفع ولا تُفِيد. ليس ذلك من الحق ولا من المنفعة، وإنما الحق والمنفعة أن تقدِّر وزارة المعارف حاجة مصر، ومنفعة مصر وكرامة مصر، وأن تنشئ هذه المدرسة التي تستخزي مصر بأنها غير قائمة فيها، والتي إن أنشأتها وزارة المعارف لم تكلِّفها من النفقات شيئًا كثيرًا.

    تعنى وزارة المعارف في مشروعها العقيم بدرس اللغة الهيروغليفية، وتخدع الناس فتزعم لهم أن أستاذ هذه اللغة وطلابها سيزورون المتحف المصري ويقومون فيه بشيء من التمرين، وسيسيحون في أقطار مصر فيرون الآثار على اختلافها. ولكنَّا نلفت وزارة المعارف إلى أن هذه الزيارات لن تنفع؛ لأنها لن تكون من الاطِّراد والاستمرار بحيث تمكِّن الطلاب من أن يتعرفوا هذه الآثار أثرًا أثرًا، ويتقنوا هذه الفنون المختلفة التي تعلِّمهم تعيينها وترتيبها وضروب الاستفادة منها.

    وحسبك أن ميزانية كمال باشا تخصص للسياحة خمسين جنيهًا! وهو مقدار لا يكفي لسياحة فرد واحد في مصر العليا أثناء الشتاء، فكيف بطلبة كثيرين وأستاذ كثير الحاجات؟! ولكن في الأمر ما هو شرٌّ من هذا؛ فقد تكون العناية بالآثار الفرعونية واجبة، ولكن هناك عناية أخرى ليست أقل من هذه وجوبًا وهي العناية بالآثار العربية الإسلامية؛ العناية بما في دار الآثار العربية وبهذه المساجد والعمارات المنبثة في أقطار مصر وغير مصر، والتي يتقن الأوروبيون العلم بها، ونختلف نحن إليها كثيرًا دون أن نعرف من أمرها شيئًا، العناية بهذه النقوش العربية المختلفة التي تمثِّل تاريخ الإسلام وحظَّ دول الإسلام من الحضارة والرقي الفني.

    فماذا عملت وزارة المعارف للعناية بالفن العربي والآثار الإسلامية؟ وماذا أعدت وزارة المعارف للعناية بهذا الفن وهذه الآثار؟ وما لوزارة المعارف لم تستشر بهجت بك في إنشاء مدرسة أو قسم في مدرسة المعلمين تدرَّس فيه هذه الآثار، ويخرِّج لنا طلَّابًا يشعرون بأن هناك نقوشًا عربية عُنِيَ الأوروبيون بجمعها وتفسيرها ونجهلها نحن الجهل كله؟

    لم تفكر وزارة المعارف في شيء من هذا، وما كان لها أن تفكر في شيء من هذا. فهي كما قلت لك أمس ضيقة التصور؛ ترى الشيء من وجه لا من وجهين ولا من وجوه. ولو أن الله وفَّق وزارة المعارف إلى الخير لهداها إلى إنشاء مدرسة الآثار التي تدرس الآثار المصرية الفرعونية وآثار مصر أيام اليونان والرومان وآثار مصر في العصر الإسلامي. والتي لا تمضي عليها أعوام حتى تتجاوز الآثار المصرية إلى الآثار الأخرى السامية وإلى الآثار الأخرى غير السامية، فتصبح معهدًا من المعاهد الأثرية المعدودة في العالم كما ينبغي أن يكون الأمر في مصر التي التقت فيها الحضارات المختلفة، والتي لا يعرف العالم القديم تاريخًا إلا وله فيها أثرٌ ما.

    ولكن وزارة المعارف أضيق تصورًا من أن تدخل في رأسها مثل هذه الفكرة الواسعة. وليس في الأمر شيء من الغرابة؛ فأنت لا تجني من الشوك العنب، وليس ينبغي أن تطلب إلى غير الفنيين أن يعرضوا لأمر الفنيين، وما كان لرجل من رجال الشوارع أن يرسم لك صورة بيت أو يضع لك مشروع مدرسة للآثار. وإنما هذه أمور يجب أن يرجع فيها إلى أهل العلم بها.

    والشر كل الشر أن وزارة المعارف عرضت لما لا تتقن. ولو أن في مصر إدارة مستقلة للفنون والآداب كما دعونا إلى ذلك ألف مرة لأحسنت هذه الإدارة تصور هذا الأمر والقيام على تنفيذه تنفيذًا نافعًا مفيدًا. لكن الله أراد أن تشرف وزارة الأشغال على دور الآثار، وأن تتعرض وزارة المعارف لما لا تجيد.

    حدثني وزير المعارف حين زرته أخيرًا أنه يفكر في إنشاء دار الفنون، وأنه قد كتب في ذلك تقريرًا سيرفعه إلى الحكومة. فإذا كان هذا حقًّا — وما نشك في أنه حق — فما بال وزير المعارف يبني أعلى البيت قبل أن يبني أسفله؟ وما بال وزير المعارف لا يوجِّه همه إلى إنشاء هذه الإدارة قبل كل شيء؟ فإذا تم تكوينها واستقلَّت بأمورها عن المهندسين والمشرفين على تنظيم المباني وتوزيع الصدقات؛ كُلِّفت هذه الإدارة أن تنشئ ما تحتاج إليه من المدارس ومعاهد البحث. أليس هذا هو الخير؟ أليس هذا هو الصواب؟ بلى، هو الخير وهو الصواب. ولكن متى عهدت وزارة المعارف تحسن السعي إلى الخير أو إلى الصواب؟!

    صدقني يا معالي الوزير، إن الحق عليك لمصر أن تنشئ أولًا إدارة للفنون، ومن الآداب أن تجمع للمتحف المصري، ودار الآثار العربية، ودار الكتب المصرية، والأوبرا الملكية، ومدارس الفنون على اختلافها؛ فإذا تم إنشاء هذه الإدارة وتنظيمها استطعت أن تستشير «لاكو» وبهجت وأعوانهما الفنيين في إنشاء مدرسة مصرية يدرس فيها المصريون وغير المصريين الآثار المصرية وغير المصرية.

    هذا هو الحق وهذه هي المنفعة؛ فانصرف إلى الحق وإلى المنفعة، ولا تخدعنَّك هذه المشروعات التي ليست في حقيقة الأمر إلا ألفاظًا خلابة براقة، دون أن يكون وراءها نفع ولا غَنَاء.

  • في وزارة المعارف مدرسة اللغات القديمة أيضًا | At the Ministry of Education: A School for Ancient Languages, Again

    في وزارة المعارف
    مدرسة اللغات القديمة أيضًا
    طه حسين
    جريدة السياسة
    ١٢ يوليو ١٩٢٣

    بين يديَّ الآن «التقرير النهائي للجنة الجامعة الحكومية». أقرأ فيه ما كتب عن درس الآثار في هذه الجامعة. وكانت وزارة المعارف قد ألَّفت لدرس هذا الموضوع لجنة لا بأس بها، وكان أعضاء هذه اللجنة الأستاذ المسيو «لاكو» مدير مصلحة الآثار المصرية، والأستاذ المسيو «فوكار» مدير المعهد الأثري الفرنسي في مصر، وصاحب السعادة عبد الحميد باشا مصطفى، وصاحب السعادة أحمد كمال باشا، وانفصل عن اللجنة صاحب العزة علي بك بهجت مدير دار الآثار العربية.

    أقرأ تقرير هذه اللجنة الخاصة عن درس الآثار في جامعة الحكومة؛ فأرى أن هذه اللجنة قد نصَّت صراحة على أن الفصل بين درس اللغات ودرس الآثار غير معقول ولا مفيد. وقضت في صراحة على هذه الفكرة التي كانت تريد أن تنشئ مدرسة تشبه مدرسة اللغات أو مدرسة الألسن، وتدرس فيها اللغات دون الآثار.

    الحق أني لم أكن قد قرأت هذا التقرير عندما كتبت المقالة الأولى في هذا الموضوع، فلما قرأته اليوم لم تزدني قراءته إلَّا إيمانًا وتثبيتًا واغتباطًا بما كان من اتفاقي في الرأي مع لاكو وفوكار وكمال، وكلهم فني وكلهم متقن للآثار المصرية واللغة المصرية. ازددت إذن إيمانًا وتثبيتًا وإصرارًا على أن وزارة المعارف تخطئ الطريق وتتجاوز القصد حين تنشئ مدرسة للغات القديمة أو قسمًا للغات القديمة تلحقه بمدرسة المعلمين العليا. تخطئ الطريق وتتجاوز القصد لأن اللغة الهيروغليفية كما قلت ليست لغة تدرَس لنفسها، وإنما هي لغة تدرس لقراءة الآثار. وقراءة الآثار وحدها لا تفيد؛ لأن هناك آثارًا كثيرة غير مكتوبة، ولا بد من اصطناعها وتفهمها إذا أردنا أن نفهم تاريخ مصر القديم. فلا بدَّ إذن من أن ندرس فنون الآثار على اختلافها بحيث يكون طلابنا قادرين على أن يستخدموا الآثار جميعها لدرس التاريخ المصري، سواء من هذا الآثار ما كتب وما لم يكتب.

    والغريب في هذا الأمر أن صاحب السعادة كمال باشا أمضى هذا التقرير، ووافق على النص الذي يحظر الفصل بين درس اللغة ودرس الآثار. وهو مع هذا الإمضاء وهذه الموافقة واضع المشروع العقيم الذي نحاربه حربًا صريحةً لأننا نعتقد أنه غير نافع، وأن شره أكثر من خيره. وإن كانت وزارة المعارف لا تحفل بنصح ناصح ولا تعنى بمشورة من يشير، وإن كانت وزارة المعارف لا تحفل بأن تناقض نفسها وتتورط في شيء كانت أزمعت ألَّا تتورط فيه؛ لأن وزارة المعارف قد أصبحت منذ حين مشغوفة بالإعلان عن نفسها كلفة بتملق الجمهور والاستفادة من عواطفه؛ فهي تعلم أن الجمهور حريص على درس اللغة الهيروغليفية، وإذن فهي تزعم للجمهور أنها ستدرس له اللغة الهيروغليفية. وهي تعلم أن الجمهور حريص على أن يكون المصريون هم أصحاب المناصب على اختلافها، ونجد من الصحف ومن أصحاب الصحف من يحمد لها ذلك ويشجعها عليه، فتمضي إلى الأمام غير معنية بحق ولا منفعة، وإنما يعنيها التصفيق والتصفيق وحده.

    نعم، إن وزارة المعارف تخطئ الطريق، وهي تعلم أنها جربت درس الهيروغليفية حين أنشأت في مدرسة المعلمين درسًا لهذه اللغة، وكلفت كمال باشا القيام بهذا الدرس، ففشل الدرس ولم ينتهِ بوزارة المعارف إلى نتيجة. وهي الآن تعيد هذه التجربة التي فشلت، وتعيدها في طريقة أوسع وأشدَّ تعقيدًا. فشلت في درس الهيروغليفية، فتريد أن تفشل فيه مرة أخرى، وأن تفشل في اليونانية واللاتينية والقبطية؛ لأنها تريد أن تدرس هذه اللغات كما درست الهيروغليفية في تجربتها الأولى. وليس لهذا علة إلَّا ما ذكرته لك من كلف الوزارة في هذه الأيام الأخيرة بإعجاب المعجبين وتصفيق المصفقين وثناء الصحف والصحفيين.

    وفي الأمر شيء آخر غريب، وهو أن هذا التقرير الذي أشرت إليه آنفًا يرى الاكتفاء بأستاذين للآثار المصرية القديمة، ويشعر بأن هذا شاقٌّ ناقص، ولكنه مضطر إليه؛ لأن وجود الأساتذة ليس بالشيء اليسير، ذلك يرى التقرير وعلى ذلك ينص التقرير.

    أمَّا وزارة المعارف، أو كمال باشا الذي أمضى هذا التقرير، فيرى الاكتفاء بأستاذ واحد هو كمال باشا، ويمنح هذا الأستاذ الواحد الذي هو كمال باشا مرتب أستاذين؛ لأن أستاذ اللغة السامية أو اليونانية سيتقاضى مرتبًا لا يتجاوز مائتي جنيه. أمَّا أستاذ الهيروغليفية (كمال باشا) فسيتقاضى ٤٠٠ جنيه؛ لأنه سيكون أستاذًا ومشرفًا في وقت واحد، فهو يتقاضى مرتب الأستاذ ومرتب المشرف.

    وكنت أظن أنَّ وطنية كمال باشا تسمح له بأن يشرف مجانًا بحيث تستطيع وزارة المعارف أن تضم إليه أستاذًا آخر يعلِّم الآثار بينما هو يعلِّم اللغة. كنت أظن ذلك، وهو ليس بعسير على كمال باشا الذي لا يريد إلَّا الخير، ولا يتمنى إلَّا أن تُنشأ مدرسة الآثار قبل موته.

    وكنت أظن أن وزارة المعارف تستطيع أن تستغل وطنية الأستاذ لمصلحة مصر، وأن تستغل حب الأستاذ فنه لمصلحة مصر. ولكننا نريد شيئًا ويريد الله شيئًا آخر، وإذا أراد الله شيئًا فلا مردَّ له. غير أني أزعم شيئًا آخر، أزعم أن السياسة «الدنلوبية» لا تزال مشرفة على وزارة المعارف، وهذه السياسة الدنلوبية امتازت وستمتاز دائمًا بشيئين: أحدهما أنها ضيقة التصور، ليست بالعميقة ولا الحرة، تتصور الأشياء منقوصة، تتصورها من أحد وجوهها لا من وجوهها كلها، وهي في الوقت نفسه جامدة غير حرة، تُعْنَى بالألفاظ والعبث بالعقول أكثر مما تعنى بالحقائق والمنفعة الصحيحة. الثاني أنها تنافس كل حركة وطنية لا تصدر عن وزارة المعارف، تريد أن تحتكر كل شيء، تريد أن تستأثر وحدها بالأمر لتفسد ولا تصلح. هي ضيقة جامدة وهي محتكرة أثرة، وإليك البيان:

    لا ألتمس هذا البيان بعيدًا وإنما أجده في هذه المدرسة نفسها؛ فقد رأيت كيف تصورت الآثار المصرية واللغة المصرية القديمة، فأنشأت ثوبًا شديد القصر جدًّا، شديد الضيق جدًّا، يلبسه من يلبسه فإذا هو لا يسع طوله ولا عرضه.

    وقد رأيت في المقال السابق أن الجامعة المصرية تدرس ما ستدرسه وزارة المعارف؛ ففيها درس العبرية واللاتينية، وسيكون فيها منذ السنة المقبلة درس اليونانية والهيروغليفية. وإذن فوزارة المعارف تنافس الجامعة المصرية لا أكثر ولا أقل. تنافسها وتريد أن تخنقها؛ لأن الجامعة معهد وطني حر، وقد قامت سياسة «دنلوب» على أن المعاهد الوطنية الحرة إمَّا أن تذعن لوزارة المعارف وإمَّا أن تزول. تنافسها وهي منتصرة في هذه المنافسة؛ لأن لشهاداتها قيمة رسمية، وليس لشهادات الجامعة قيمة رسمية. وإذن فالطلبة يكلفون بالشهادات القيمة التي تقدر بالمال، وينصرفون عن هذه الشهادات التي ليست لها قيمة مالية. وإذن، فسيجد أستاذ الهيروغليفية في مدرسة المعلمين طلَّابًا، وسيبحث أستاذ الهيروغليفية في الجامعة عن هؤلاء الطلاب فلا يجدهم. وإذن، فيجب أن تغلق الجامعة أبوابها.

    لا أستطيع أن أفسِّر حركة المعارف غير هذا التفسير، ويخيَّل إليَّ أنه لا يستحق الإعجاب ولا تصفيق الجمهور، ويخيَّل إليَّ أن الجامعة خليقة بالتشجيع والمعونة لا بالخذلان والمنافسة، ويخيَّل إليَّ أن الجامعة أكرم وأحرص على المنفعة من وزارة المعارف. ففي الأمر شيء غريب! في الأمر أن وزارة المعارف التي تنفق مئات الألوف من الجنيهات على كبار الموظفين الذين لا يعرفون من الهيروغليفية إلَّا اسمها قد بحثت في كل وزارة المعارف في أركانها وزواياها، فيمن أرسلتهم إلى أوروبا ومن علمتهم في مصر، بحثت عن أستاذ للغة العبرية فلم تجد، فلجأت إلى الجامعة تستعير منها أستاذها، ولن ترفض الجامعة ولن يرفض أستاذ الجامعة لأنهما يريدان الخير.

    ووزارة المعارف تريد أن تنافس الجامعة وأن تنافسها بأستاذ الجامعة. أليس في ذلك شيءٌ من المهارة لسياسة «دنلوب»؟ أليس في ذلك شيءٌ من الخزي لسياسة دنلوب؟ أليس في ذلك شرف لهذه الجامعة التي حاربها دنلوب وتلاميذ دنلوب منذ أُنشئت، وهم الآن يلجئون إليها ويطلبون معونتها؛ لأنها انتصرت في ضيق وشدة على سياسة دنلوب وأنصار دنلوب؟

    الوزارة إذن تنافس الجامعة، وتنافسها منافسة ليست كريمة ولا صادقة ولا نافعة. ولو أن سياسة دنلوب غير مشرفة في وزارة المعارف لسلكت وزارة المعارف إحدى طريقين: فإما أن تنشئ مدرسة للآثار، مدرسة كاملة، مدرسة تنفق عليها آلاف الجنيهات لتخرِّج الأثريين النافعين حقًّا، وإمَّا أن تعدل عن هذا المشروع العقيم وتمنح الجامعة هذا المقدار الضئيل من المال لتوسع به الجامعة نطاق البحث فيها. ولكن وزارة المعارف لا تزال دنلوبية؛ فهي لا تبحث عن نفع ولا عن خير. وإنما تريد تصفيق الجمهور، وتحارب المعاهد الحرة التي ينشئها هذا الجمهور.

    قلت لك إننا نريد شيئًا ويريد الله شيئًا آخر: ( وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ).