في الذوق الأدبي
طه حسين
جريدة الجمهورية
٣ أبريل ١٩٥٧
كنت أسأل منذ خمسة عشر يومًا عن الذوق الأدبي الذي عرفه المصريون في النصف الأول من هذا القرن، أَصائِرٌ هو إلى البقاء أم إلى الفناء؟ …
وكان هذا السؤال لا يخلو من الإجابة، فكل شيء يدل على أنه صائر إلى تغيير خطير هو بالفناء أشبه منه بالبقاء، ولكن التفاؤل يُغْرِي بالأمل … ولم تَخْلُ مصر بَعْدُ مِنْ قِلَّةٍ تُؤْثِر ذلك الذوقَ الأدبيَّ، وتدعو إليه، وتود لو أشاعته بين القُرَّاء وبين الكُتَّاب والشعراء معًا.
ولا بد من تسجيل حقيقةٍ ما أظنُّ أحدًا يجادل فيها، وهي أن الشِّعر المصري الحديث أقلُّ تطورًا وأبطأ حركةً من النثر؛ فالناس لا يصطنعون الشِّعر للإعراب عمَّا يضطرب في نفوسهم من شئون الحياة اليومية، وهم لا يحررون للصحف شِعْرًا ولا يكتبون فيما يريدون أن يكتبوا فيه حين يؤلفون الكتب شعرًا أيضًا، وإنما يصطنعون النثر في هذا العصر كما اصطنعوه في جميع العصور، كما تقدمت الحضارة لتأدية أغراضهم المختلفة، والشعراء يطرفون أنْفُسَهم ويطرفون قُرَّاءَهم بالقصيدة أو الديوان أو القصة التمثيلية الشعرية حين يتهيأ لهم ذلك وتدفعهم إليه الدوافع وتحس به نفوسهم وطباعهم التي تختلف حظوظها من الخصب وقدرتها على الإجادة والبراعة.
ومن هنا، كان الشعر المعاصر محتفظًا بتلك المقاييس التي ألفها شعراؤنا في أول هذا القرن لم يكادوا يتحوَّلون عنها، وهناك تجارب للتجديد في الشعر من حيث الأوزان والقوافي ومن حيث الموضوعات والأساليب، ولكنها لم تَعُد طور التجارب والمحاولات. لم يتقبلها أكثر الذين يقرضون الشعر ولم يُقْبِل عليها أكثر الذين يقرءونه ولم يمضِ فيها أصحابُها؛ لأنهم لا يجدون عليها تشجيعًا.
ومن أجل هذا، ظلَّ الشِّعْر المصري المعاصر في جملته كما عرفناه أيام الممتازين من شعرائنا لم يكد يتقدَّم خطوة إلى أمام وأصابه شيء من الجمود والعقم؛ لأن الدنيا تغيَّرت من حوله ولم يستطع هو أن يساير التغيُّر ولا أن يستجيب له.
الإجادة وإذا أُتِيحَتِ الإجادةُ لشاعر من شعرائنا المعاصرين فقَلَّ أن يضيف إلى ما ورثناه عن شعرائنا القدماء والمحدثين شيئًا ذا بال. أما النثر فأمره مختلف جدًّا؛ فهو قد ساير الحياة وتأثر بما أدركها من تطور، وتأثر كذلك بما أصابها من قصور، وعسى أن يكون قد أسرف في تطوره وتأثر بأسباب القصور والضعف أكثر مما تأثر بأسباب القوة والازدهار. ولا بد من أن نلاحظ أن الذين طوَّرُوا الذوق الأدبي في النصف الأول لهذا القرن لم يكونوا كما يظن كثير من الناس في هذه الأيام يعيشون في البروج العاجية، ولا يعتزلون الحياة الشعبية، ولا ينأون بحال من الأحوال عن آلام الناس وآمالهم، ولا يهملون قدرتهم وطاقاتهم، وإنما كانوا يعيشون مع الشعب بل يعيشون بالشعب وللشعب، يعيشون له لأنهم كانوا يعربون عن ذات نفسه، يصورون له آماله ليحرص عليها ويجد في تحقيقها، ويفتحون له آفاقًا جديدة من الأمل ليسرع إليها ويمعن فيها، ويصورون له آلامه ليبرأ منها ويضع عن نفسه أثقالها … وأيسر القراءة فيما كانوا يكتبون تُبيِّن ذلك في غير لبس ولا غموض. فهُمُ الذين صوَّروا له الاستقلال وزيَّنوه في قلبه، وهم الذين بغَّضوا إليه الاحتلال وأثاروه على الإنجليز. وهم الذين كرَّهُوا إليه الاستبداد وأطمعوه في الحرية وأغروه بالإلحاح في طلبها، وهم الذين أعدوه للثورة وأسخطوه على حياة سيئة كان يحياها، وهيأوا ضميره ليسرع إلى الخير حين يُدعَى إليه، وينصرف عن الشر حين يُرَدُّ عنه، ويتقبل الإصلاح حين يُعرَض عليه. وهم قاوموا الاستبداد ولقوا في مقاومته ضروبًا من الأذى وفنونًا من الفكر.
المعوجون وهم قوَّموا المُعْوَجين من الحكام، وجدُّوا في صرف الشعب عنهم وتزهيده فيهم. فعلوا كل هذا وتقبَّل الشعب منهم ما فعلوا، واستجاب الشعب لهم حين دعوه واستمع لهم حين تحدثوا إليه. وآية ذلك أنه كان يقرأ لهم حين يكتبون ويسمع لهم حين يخطبون أو يتحدثون. وهم على كثرة ما فعلوا وحُسن ما أبلوا قد احتفظوا للأدب العربي بروعته ونضرته وأحيوا اللغة العربية بعد أن أدركها شيء يشبه الموت، وأثبتوا شخصية وطنهم بين الأوطان المعاصرة، وأثبتوا شخصية أنفسهم بين الكُتَّاب الذين كانوا يكتبون في أطراف الأرض، وهم كتبوا لمواطنيهم أدبًا خالصًا رفيعًا كما كتبوا لهم في فنون العلم المختلفة ما غذا قلوبَهم وعقولَهم، وصفَّى طباعهم وأذواقهم، وحبَّبَ إليهم الحقَّ والخيرَ والجمالَ.
التعليم وكانوا جديرين أن يبلغوا من ذلك أكثر مما بلغوا، وأن يتيحوا للشباب من ذلك أكثر مما أتاحوا لهم لو واتتهم الظروف واستجاب لهم التعليم العام. ولكن الظروف لم تُواتِهم والتعليم العام لم يستجب لهم، ولا بد من أن يذكر القُرَّاء أن الحرية السياسية لم تَكَدْ تُتاح لمصر وأبنائها حتى أدركتها نكسة خطيرة قبل أن تبلغ العاشرة من عمرها. فهذه الأطوار المختلفة التي مرَّتْ بالحياة السياسية المصرية، والتي ملأها النكر والظلم والعبث وإهدار الحقوق ومصادر الآراء. هذه الوزارات التي ضاقت بالحرية، وبطشت بالأحرار، وجدَّتْ في إفساد الضمائر، وسلطت القسوة على الكُتَّاب والخطباء والأساتذة في جامعاتهم، وأقامت في مصر حكمًا قوامه البطش، وأرسلت بعض الكُتَّاب إلى السجون، وصادرت بعضهم الآخر في رزقه، كل هذا الشر كان عقبة خطيرة في سبيل الأدب المصري الحديث أثناء الربع الثاني لهذا القرن. والغريب أن الأدباء في تلك الأيام قد استطاعوا أن يقهروا تلك الظروف ويَنْفُذوا بما أُقِيمَ أمامَهم من المصاعب. حِيلَ بين أقلامهم وبين الحرية في الصحف؛ فأقبلوا على الكتب يؤلفونها ويستمتعون في تأليفها بالحرية الكاملة لأن الوزراء وأعوانهم لم يكونوا يقرءون الكتب ولا يفرغون لها! وكذلك كانت تلك الأيامُ السودُ أيامَ خصبٍ للتأليف والإنشاء الأدبي الرفيع، ومن الكُتَّاب مَنْ عمد إلى الرمز في بعض ما كان يكتب في الصحف وفي بعض ما كان ينشئ من الكتب؛ فداورَ السياسةَ حتى غلبها، وقال للظالمين ما أراد أن يقول. وهذه الأحكام العرفية التي اتصلت منذ أُعْلِنَتِ الحرب العالمية الثانية إلى الآن، ولم تُرْفَع في هذه السنين الطوال إلا فترات قصارًا، والأحداث الكثيرة التي عرضت فصرفت الناسَ أو كادت تصرفهم في بعض الأوقات عن الفراغ للإنشاء والقراءة. فإذا أضفت إلى هذا كله أن التعليم العام لم يستجب لحاجات النهضة الأدبية، وإنما اقتضت ظروفُه ألا يتقدَّم إلا في بطء شديد، واقتضت ظروفه أيضًا أن يحسب القائمون على أموره حسابًا أي حساب للغالين في المحافظة والمسرفين في الجمود والمبغضين لكل تطور أو تجديد؛ فظلَّتِ اللغةُ العربيةُ وعلومها وآدابها تُدرَّس للتلاميذ في مدارس التعليم العام أثناء هذا القرن كما كانت تُدرَّس للتلاميذ منذ أكثر من ألف عام.
التلاميذ وظل التلاميذ يسمعون لدروس أساتذتهم دون أن يحققوها أو يذوقوها ودون أن تُقْبِل عليها قلوبهم أو تُسِيغها عقولهم، فكانوا يرون أنفسهم مُسخَّرين لهذه الدروس تسخيرًا، وكانوا يرون الإقبال عليها شفاء والجد فيها عناء، ثم يخرجون من المدارس وهم لا يقيمون ألسنتهم إذا تكلموا ولا يُحْسِنون الإعراب عن نفوسهم إذا كتبوا؛ لأنهم لم يتعلموا وسائل التعبير الصحيح الرائق بالكتابة أو الكلام. فأي غرابة بعد هذا كله في أن يقصر الشباب عن قراءة الأدب الرفيع أو ذوقه، فضلًا عن محاولة إنشائه والمشاركة فيه؟!
الصحافة وفي أثناء ذلك تطورت الصحافة تطورًا خطيرًا، فأعرضت أو كادت تعرض عن الأدب بعد أن كانت تحبه وتكلف به وتتنافس في نشره وتغري بين الأدباء ليختصموا في مشكلاته … أعرضت عن الأدب وانصرفت إلى الأخبار والإعلان والأحاديث اليسيرة القصار التي تُقرَأ وتُفهَم في غير حاجة إلى تفكير، أو تذوق، أو أي نوع من أنواع الجهد. ثم لم يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما شُغِفَت الصحف بالصور، وكثرت الصحفُ الأسبوعية التي تكتب للناس باللغة التي يتكلمونها وتكثر لهم من المغريات بقراءتها والمرغبات في الإقبال عليها والتنافس في شرائها. فإذا أضفت إلى ذلك ما كان من إغراء السينما، ومن الكلام الفارغ الكثير الذي تَصُبُّه الإذاعة في آذان الناس صبًّا في كل ساعات النهار وفي كثير من ساعات الليل، لم تُنْكِر ما ظهر في الذوق الأدبي من أعراض التغيير الذي يَمِيل إلى الضعف والانحلال؛ لأنه آثرَ السهل على العسير وآثرَ من القراءة ما يُعِين على قطع الوقت، وأعرض عن القراءة التي تكلف صاحبها الجهد في الروية والتفكير، والتي تحتاج إلى الأناة والتمهل ولا يلائمها السَّرَعُ والعَجَلُ. صحف يومية جادة قد أعرضت عن الأدب إعراضًا وآثرت أيسر ما يُكتَب لِيُقْرَأ في أقصر وقت وأيسر جهد … وصحف أسبوعية تطلع مع الشمس في كل يوم على قرائها، وهي تتحدث إليهم بلغة الشارع وتنشر لهم الصور المغرية وتسليهم بالفكاهات التي لا صلة بينها وبين الجَمَال الذي يستحبه الذوق. فليس عجيبًا بعد هذا كله أن يؤثر الشباب القريب منهم على البعيد عنهم، وليس عجيبًا أن يرى كلُّ قارئ في نفسه القدرةَ على أن يكتب كلامًا يسيرًا قريبًا كهذا الذي يقرأ مصبحًا وممسيًا وغاديًا ورائحًا.
الشباب وإذا الشباب كلهم كُتَّاب، وإذا كل من استطاع أن يُجْرِي قلمًا على قرطاس يرى نفسه كاتبًا، فإنْ نَشَرَتْ له الصُّحُفُ ما يكتب فهو الأديب الذي ذاع اسمه في الآفاق وقرأته الألوف المؤلفة من القُرَّاء، وإن لم تنشر له الصحف ما يكتب فهو الأديب المغمور المظلوم الذي أُهْدِرَ حقُّه وأُنْكِرَ أدبُه، ولم تظلمه الصحف وحدها، بل ظلمه معها القراء أيضًا؛ لأن قراءته لم تُتَحْ لهم. ومن حقه أن يسخط على الناس جميعًا، ومن حق المظلوم أن يسخط على الظالمين. وأحق الناس بسخطه عليهم هم الذين تنشر لهم الصحف ويراهم أقل منه براعة، ويراهم مع ذلك قد ظفروا من الشهرة بما لا ينبغي لهم أن يظفروا به، والسخط يدعو إلى الحسد، وإذا كاتبنا المغمور المظلوم حاسد لكل كاتب يخلو له وجه صحيفة يومية أو أسبوعية.
نفس اللغة وإذا كانت الصحف تروج على هذا النحو ويُقْبِل الناس على قراءتها إلى هذا الحد، فما يمنع أن تُؤلَّف الكتب بنفس اللغة التي تُكتَب بها الصحف، وما يمنع أن تُذَاع هذه الكتب في الناس وأن تُنشَر عليهم في مواعيد منظمة كما تُنشَر الصحف والمجلات؟! وما يمنع الناس أن يقرءوها مُقْبِلين عليها، راغبين فيها، يستعينون بها على قطع الوقت وعلى احتمال أثقال الحياة، ويتسلون بها عما يعرض لهم من الأحداث وما يلم بهم من بعض ما يكرهون؟! وكذلك يتبذَّل الذوق ويتبذَّل معه الأدب، وتسقط معهما اللغة ويدركها الفساد. وفيمَ هذا العناء الكثير الذي يحتمله الأدباء المجودون؟! وفيمَ قراءة هذا الكلام الذي يشق على الكاتب أن يكتبه، ويشق على القارئ أن يقرأه، ويشق على الذوق المبتذل أن يسيغه، وابتذال الذوق والأدب وابتذال اللغة معهما لا يغير مع ذلك من الحياة شيئًا؟! فالشمس تشرق وتغرب، والليل والنهار يختلفان، والأحداث تجري فيهما كما تعوَّدَتْ أن تجري، والناس يسعدون ويشقون ويحزنون ويأسون كما كانوا يتعرضون لذلك كله حين كان الذوق مصفى، والأدب رفيعًا، واللغة نقية مبرأة من الفساد. ثم لا يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما يتعقَّد شيئًا فشيئًا؛ لأن بعض المذاهب تطرأ وتَصِل إلى مصر ويَجِد فيها بعض الشباب الذين يكتبون ملاءمةً لضعفهم في اللغة وقصورهم في الأدب وإيثارهم لليسر؛ فيستحبونها أولًا، ويكلفون بها ثانيًا، ويتعصبون لها آخر الأمر، ويريدون أن تتسلط على الإنتاج الأدبي والفني والنقد جميعًا.
المذاهب ولكنَّ حديثَ هذه المذاهب الأجنبية في الأدب وإقبال فريق من شبابنا عليها واستمساكهم بها، حتى بعد أن ضاق بها أصحابها، حديثَ هذا كله يَطُول؛ فَلْنُرْجِئْهُ إلى الأسبوع المقبل إن شاء الله.
Tag: الإصلاح التربوي
-
في الذوق الأدبي | On Literary Taste
-
والفلسفة | And Philosophy
والفلسفة
طه حسين
جريدة الجمهورية
١٤ مايو ١٩٥٥
نعم والفلسفة، أنترجمها إلى العربية كما ترجمها الأولون من العرب فغيَّروا بترجمتها طبيعة الحياة العربية، وأقاموا بفضلها هذه الحضارة الإسلامية الرائعة التي كان لها أثرها الخطير في إحياء أوروبا في القرون الوسطى … قبل أن يُتاح لها العلم المباشر بفلسفة الأولين وآدابهم وفنونهم على اختلافها؟
هذا سؤال لا يُلْقِيه المعاصرون كما ينبغي أن يُلْقى، ولا يفكرون فيه كما يجب أن يكون التفكير فيه، وإنما يَقْطَعون فيه بالرأي الحازم الجازم، ثم يهجمون برأيهم هذا في غير تحفظ ولا تثبت ولا روية؛ ليهدموا آراء غيرهم هدمًا ويدكوها دكًّا.
فالمعاصرون من كُتَّابنا محاربون يُتْقِنون أساليب الهجوم ويتفقون في المصاولة والمجاولة والمطاولة حتى حين لا يصاولهم ولا يجاولهم ولا يطاولهم أحد، ولعلَّهم إنما يهاجمون حيث لا موضع للمهاجمة، ويَصُولون ويَجُولون حيث لا موضع لصيال أو جيال، وربما كان الخير في أن يأخذوا ما يعرض لهم من الأمور أخذًا رفيقًا هيِّنًا، فيه شيء من سعة الخُلُق وسماحة النفس وسجاحة الطبع، ورجاحة الحلم. ذلك أجدر أن يهديهم ويهدي غيرهم إلى الحق، وأحرى أن يدلهم ويدل غيرهم على الصواب، ولكنهم أخذوا أنفسهم بالعنف في غير موضع للعنف والجدال في غير حاجة إلى الجدال.
والقصة كلها تنحل كما يُقال إلى عناصر ثلاثة تعمل مُجْتَمِعةً أحيانًا وتعمل متفرقة أحيانًا أخرى؛ فأحد هذه العناصر الافتتان بالألفاظ والانخداع بالظواهر؛ قوم يَرَوْن المخترعات الحديثة وما أُتِيحَ للغرب عامة ولأمريكا خاصة من التفوق في تجديد الحياة المادية التي يحياها الناس وابتكار الأدوات الرائعة والمروعة فيُبهَرون ويُسْحَرون، وقد أُلْقِيَ في روعهم أن هذه المخترعات التي تملأ الحياة دعة وسعة، والتي تعرض الحياة للموت والفناء، إنما مَرَدُّها إلى تقدُّم العلم ورُقِيِّه فيدعون مُسْرِعين إلى ترجمة العلم، لا يتحفظون ولا يتثبتون ولا يسألون أنفسهم كيف تكون ترجمة العلم، ولمن تكون ولماذا تكون، ومن الذين سينتفعون بهذه الترجمة؟ … وما عسى أن يكون أثر هذه الترجمة في تمكين العرب خاصة والشرقيين عامة من المشاركة في الاختراع، والابتكار، وتجديد الحياة، وتعريضها للهول والفناء؟
وثاني هذه العناصر ما أَلِف الناسُ في هذه البلاد مِنْ تَعَصُّبِ كل امرئ لِمَا يُحْسِن ولِمَا يظن أنه يُحْسِن، فالمؤرخ لا يعدل بالتاريخ علمًا، والفيلسوف لا يعدل بالفلسفة شيئًا، والرياضي يرى الرياضة أول العلم وآخره، والأديب يرى الأدب قوام الحياة!
وقد بلونا ذلك حين رأينا رجال التعليم يحاولون أن يضعوا مناهج الدرس وبرامجه للمدارس الابتدائية والثانوية، فتتعصب كل جماعة لِمَا تمارس من ألوان العلم، يريد كل فريق منهم أن يقيم التعليم ومناهجه وبرامجه على اللون الذي يفرغ له ويتخصص فيه، وينسون جميعًا أن الثقافة مزاج يجب أن يأتلف من عناصر مختلفة، وأن تعتدل فيه هذه العناصر فلا يطغى بعضها على بعض.
أما العنصر الثالث فيَسِيرٌ جدًّا؛ وهو الحرص على المشاركة في كل ظاهرة من ظواهر النشاط للظفر بنصيب قليل أو كثير من نتائج هذا النشاط، مادية كانت أو معنوية.
وقد قِيلَ للناس إن رئيس الحكومة أرصد خمسين ألفًا من الجنيهات للترجمة؛ فكل قادر على الترجمة ينبغي أن يكون له نصيب من هذه الألوف الخمسين، نصيب قليل أو كثير؛ فشيء خير مِنْ لا شيء، ومَالُ الشعب يجب أن يُرَدَّ إلى أكثر عدد ممكن من الشعب، وأُحِبُّ أن أُرِيح هؤلاء الطامعين الطامحين بالحق وبغير الحق؛ فأؤكد لهم أن رئيس الوزراء لم يضع تحت تصرُّفي ألفًا واحدًا ولا آلافًا قليلة، ولا ألوفًا كثيرة، ولم يُطْلِق يدي في مال ما لأنفقه كما أحب وأهوى، وإنما أظهر استعداده للعناية بشئون الأدب والفن والإنتاج الثقافي كله، وعَهِد إلى زميله وزير التربية والتعليم بوضع ما تقتضيه هذه العناية من نظام.
ووزير التربية والتعليم جادٌّ فيما طلب الرئيس إليه؛ فَلْيَنْتَظِرِ الطامعون والطامحون إذن، فقد يُتاح لكل واحد منهم نصيبه من هذه الألوف التي قد تبلغ الخمسين وقد تزيد عليها كثيرًا.
ولْنَعُدْ بعد ذلك إلى الذين يجادلون ويناضلون ويجاولون ويصاولون منخدعين بالألفاظ والظواهر أو متعصبين لِمَا يُحْسِنون، أو ما يظنون أنهم يُحْسِنون من ألوان المعرفة فندعوهم إلى كلمة سواء تريحهم وتريحنا وتريح الناس جميعًا من هذا الجدال العقيم الذي لا يُغْنِي عن أحد شيئًا.
فأما الذين يُحِبُّون ترجمة العلوم، فمن حقهم أن يطلبوا ذلك إلى العلماء وإلى الحكومة، وقد أُنْشِئ في مصر منذ حين مجلس البحوث العلمية، فليطلبوا إليه من ترجمة العلم ما يريدون، وليطلبوا إلى الدولة أن تُيَسِّر له ذلك، فتُعِيد النظر في نظامه وتمنحه من المال ما يمكنه من البحث وإعانة الباحثين، وما يمكنه من الترجمة وإعانة المترجمين إلى أبعد حد ممكن. فليس عليهم في مطالبة المجلس والحكومة بهذا كله حرج أو جناح؛ فهم يعيشون في وطن ناهض طامح إلى المجد حريص على أن يشارك في تنمية الحضارة الإنسانية، ومن حقهم أن يطالبوا بتوجيه هذا الطموح إلى حيث يرون الخير.
وأما الذين يطلبون ترجمة الفلسفة فمن حقهم أن يطلبوا هذه الترجمة إلى المجلس الجديد الذي تريد الحكومة إنشاءه ليقوم على رعاية الآداب والفنون والثقافة، وأظنهم لا يكرهون أن ينتظروا نشأة هذا المجلس، فإذا تمَّتْ نشأته وأخذ في عمله طلبوا إليه ما يحبون.
وأنا مؤمن أشد الإيمان وأقواه بأن ترجمة أصول الفلسفة الإنسانية ضرورة من ضرورات الحياة الراقية في كل وطن يطمح إلى الرقي ويجد في سبيله، وأنا مؤمن كذلك بأن لا أمل لوطن حي يريد أن يرقى وأن يكون لحياته حظ من خصب، لا أمل لهذا الوطن في أن يبلغ ما يريد إلا إذا عرف أصول الفلسفة الإنسانية على اختلاف مذاهبها وأوطانها.
ولكن كنت أحب لهؤلاء ألا يسرفوا على أنفسهم وعلى الناس بهذا الكلام الذي يُرْسَل إرسالًا في غير تحفظ ولا تثبت ولا احتياط؛ فالأولون من العرب لم يُؤْثِروا الفلسفة على الأدب حين ترجموا ما ترجموا من آثار الأولين، وإنما ترجموا ما عرفوا وما أُتِيحَ لهم أن يترجموا. ولو أنهم عرفوا الآداب اليونانية واللاتينية كما كان ينبغي أن تُعْرَف لما قصَّروا في ترجمتها.
وما أكثر السخف الذي يُقال عن غير بحث أو تحقيق! فالعرب لم يترجموا شعر هوميروس ولا شعر بندار، والعرب لم يترجموا تمثيل الشعراء التمثيليين إعراضًا منهم عن هذه الألوان من الأدب؛ لأنها كانت — فيما يزعم الزاعمون — وثنية لا تلائم الإسلام. كأن كل ما ترجموا من الفلسفة كان يلائم الإسلام ويطابقه ولا يخالفه قليلًا أو كثيرًا!
ولا أعرف مقالة أشد إمعانًا في الحمق والسخف من هذه المقالة؛ فقد ترجم العرب من فلسفة الفلاسفة ما يُخالِف الإسلامَ أشد الخلاف، لم يمنعهم ذلك من ترجمته والرد عليه، وقد وُجِد بينهم في العصور الأولى من خلب لُبَّه بعضُ الآراء الفلسفية المخالفة للدين؛ فألَّفَ في ذلك الكتب وكتب فيه المقالات ونَظَم فيه الشعر، يجاهر بذلك حين تُتاح له المجاهرة ويَسْتَخْفي بذلك حين لا يكون له بد من الاستخفاء، إنما ترك العرب ترجمة الآداب القديمة؛ لأنهم لم يعرفوها حق معرفتها وهم لم يعرفوها لأن المسيحية هي التي سبقت إلى الإعراض عنها واضطرتها إلى أن تستخفي وتختبئ حتى تُستكشَف في العصور الحديثة.
وقد كان المسيحيون كما كان المسلمون يذكرون الشعراء القصصيين والغنائيين والتمثيليين؛ لأن أسماء هؤلاء الشعراء وقعت إليهم، ولكن أولئك وهؤلاء لم يقرءوا آثار هؤلاء الشعراء؛ لأنها لم تكن شائعة ولا مألوفة عند اليونانيين في الشرق، ولا عند الذين كانوا يتكلمون اللاتينية في الغرب.
وأنا مطمئن إلى أن العرب لو عرفوا الشعر التمثيلي اليوناني جده وهزله لترجموه، ولحاولوا أن يصنعوا مثله ولحاولوا كذلك أن ينشئوا التمثيل، وأن يجعلوه فنًّا عربيًّا أصيلًا كما ترجموا الفلسفة ثم جعلوها فلسفة عربية أصيلة.
فالعرب إذن لم يتعمدوا الإعراض عن ترجمة الآداب القديمة وإنما اضطروا إلى هذا الإعراض اضطرارًا، وهَبْهم تعمَّدوا هذا الإعراض، فمَنِ الذي يستطيع أن يلزمنا أن نخطئ كما أخطأوا ونقصر كما قصروا — إن كانوا قد تورطوا في خطأ أو تقصير؟!
لِيَطْمَئِنَّ الذين يريدون ترجمة الفلسفة؛ فستُتَرْجَم الفلسفة إلى اللغة العربية ما في ذلك شك، وسيُتَرْجَم قديمها وحديثها مهما تختلف مذاهبها وأوطانها؛ لأن طبيعة الحياة المصرية الحديثة تقتضي هذه الترجمة وتفرضها فرضًا، وفيمَ هذه الخصومة كلها أو فيمَ كل هذا اللغو الذي لا ينفع ولا يفيد؟!
لقد قُلْتُ في حديث مضى إن الناس جميعًا لا يستطيعون أن يقرءوا العلم، ولا أن يصبحوا بحكم هذه القراءة علماء، وإن العلماء يُحْسِنون اللغات الأجنبية ويقرءون فيها علمهم وهم ليسوا في حاجة إلى أن يُتَرْجَم لهم، وأقول مثل هذا بالقياس إلى الفلسفة فليس كل الناس يستطيع أن يسيغ فلسفة ديكارت، وكانت، وأوجست كونت، وأمثالهم من أعلام الفلسفة في العصور القديمة والحديثة، وإنما يسيغها وينتفع بها الذين يقرءون لها من الأساتذة والطلاب وأصحاب الثقافة العليا.
وكل هؤلاء يُحْسِن لغة أو غير لغة أجنبية، فترجمة العلم والفلسفة تستطيع أن تنتظر قليلًا حتى تُهَيَّأ لها الوسائل المادية والفنية وليس في انتظارها ضرر قليل أو كثير، ولا أعرف أحدًا يستطيع أن يجادل في أن قُرَّاء الأدب والمنتفعين به والحريصين عليه أكثر جدًّا من قُرَّاء العلم والفلسفة، وأنا حين أفكر في هذه الأشياء لا أفكر في مصر وحدها، وإنما أفكر في البلاد العربية كلها، وأفكر في كل الذين يتخذون اللغة العربية وسيلة إلى الثقافة وإلى الثقافة العليا خاصة، وأنا لا أحاول ترجمة شكسبير وغيره من أعلام الأدب والثقافة باسم الحكومة المصرية، وإنما أحاول ذلك باسم الجامعة العربية التي تعمل للعالم العربي كله.
فليس بأس إذن من أن نبدأ بما ينفع أضخم عدد ممكن من العرب، وأن ننتظر قليلًا بما ينفع الخاصة حتى يُتاح لنا من الأسباب ما يمكننا من أن نترجم للخاصة وللكثرة معًا، ولن يطول هذا الانتظار؛ فالحكومة معنية بهذا الأمر جادَّة فيه كما لم تُعْنَ به ولم تجدَّ فيه حكومة أخرى مِنْ قَبْلِها.
فالذين يخلصون للعلم والفلسفة يستطيعون أن ينتظروا مطمئنين، والذين يحرصون على أن يكون لهم نصيب من النشاط في ترجمة العلم والفلسفة يستطيعون أن ينتظروا مطمئنين أيضًا، والذين يطمعون في أن يأخذوا بحظوظهم من الألوف الخمسين أو الستين أو من مئات الألوف يستطيعون كذلك أن ينتظروا مطمئنين، فإذا كانوا لا يحبون الانتظار ولا يريدون إلا العجلة فليوجهوا إلحاحهم وتعجلهم إلى رئيس الوزراء ووزير التربية والتعليم لا إليَّ أنا؛ فلستُ أَمْلِك من هذه الألوف الكثيرة أو القليلة شيئًا، ولو قد ملكتُ منها شيئًا لملأت عليهم الأرض علمًا وفلسفة وأدبًا وفنًّا، ولا أكرهتهم على أن يطالبوني بشيء من الريث والأناة لكثرة ما أفرض عليهم من الجد والجهد والنشاط.
أما بعد، فإن الشاعر القديم لم يخطئ حين قال:
قَدِّرْ لِرِجْلِكَ قَبْلَ الْخَطْوِ مَوْضِعَها فَمَنْ عَلَا زَلَقًا عَنْ غِرَّةٍ زَلِجَا
وأي تقدير للخطر أوجب من تقدير الوسائل المادية والفنية التي تتيح لنا الترجمة في غير تعرض لزلل أو لخلل أو توقف في أثناء الطريق؟! -
طه حسين يروي «للأخبار» لماذا قال لفاروق إنه أستاذ الشعب | Taha Hussein Tells Al-Akhbar Why He Called Farouk the People’s Teacher
طه حسين يروي «للأخبار»: لماذا قال فاروق إنه أستاذ الشعب
طه حسين
جريدة الأخبار
١١ يونيو ١٩٥٣
سألت «الأخبار» الدكتور طه حسين عمَّا ورد في مرافعة الأستاذ أحمد رشدي المحامي من أنه خطب وهو وزير للمعارف، فوصف الملك السابق بأنه أستاذ الشعب في الأخلاق … إلخ …
فقال الدكتور طه: إني لم أتكلم عن فاروق، ولكن تكلمت عن الملك، كما ينبغي أن يكون الملك. ولم أُرِدْ بما قلته أن أمدحه، ولكن أردت أن أكسب لبلادي عملًا صالحًا، وأظن أني حققت كثيرًا مما أردته.
لقد كان معروفًا أن هناك خلافًا بينك وبين الملك السابق، فهل أنهت هذه العبارات ما بينك وبينه من خلاف؟
فقال: إن الخلاف بين الملك السابق وبيني لم ينتهِ في أي وقت … وآية ذلك أني اقترحت في آخر خطبة للعرش أعدتها حكومة الوفد أن ينص فيها على مجانية التعليم الجامعي، فوجدت أن بعض الوزراء مترددون في قبول هذا الاقتراح، ولما بحثت الأمر تبين لي أن الملك السابق أبدى لهم عدم ارتياحه من سياسة نشر التعليم بين طبقات الأمة، وقال: إن طه حسين يريد أن يقلبها شيوعية!
– هل نشأ خلافك مع فاروق بعد توليك منصب الوزارة؟
فقال: لست أدري على وجه التحديد متى نشأ الخلاف، وكل ما أدريه أني قابلته لحلف اليمين في يناير سنة ١٩٥١ مع الرئيس السابق مصطفى النحاس وزملائه الوزراء، والرئيس السابق حسين سري وكان رئيسًا للديوان، فقال لي على مشهد من الجميع: يا حسين … هذه تجربة لك … هذه آخر مرة أمتحنك فيها، وأنا موش عاوز مبادئ هدَّامة. يا حسين … هذه هي التجربة الأخيرة!
ولما خرجنا من المقابلة أخذ زملائي يداعبونني، فكانوا يخاطبونني قائلين: يا حسين … يا حسين … يا حسين.
وبطبيعة الحال لم أَرُدَّ على الملك وهو يوجه لي نصائحه … ولكني عرفت كيف أرد عليه عمليًّا …
ففي خطبة العرش التي أُلقيت بعد يومين من المقابلة وضعت سياسة الوزارة في مجانية التعليم … وهي السياسة التي وصفها بأنها هدَّامة … لأنها تبني مستقبل مصر … وتجعل التعليم حقًّا لكل مصري!
ومضى الدكتور طه يقول: إنني حينما خاطبت فاروق لم أخاطب شخصه، ولكن خاطبت الملك أيًّا كان اسمه. ولم أذكر صفاته، ولكن ذكرت الصفات التي يجب أن تكون له. وقد استطعت بهذا الكلام الهائل — كما يقول الأستاذ رشدي — أن أعمل الكثير؛ استطعت أن أعمم المجانية، واستطعت أن أنشئ الجامعات، ثم استطعت — والحمد لله، وهذا ما أعتز به — أن أخرج من الوزارة كما دخلتها … فلم أكسب جاهًا، ولم أقتنِ مالًا، ولم أستغل نفوذي في كبيرة أو صغيرة. -
احتكار! | A Monopoly!
احتكار!
طه حسين
مجلة المصور
٢ أبريل ١٩٤٨
لو قيل للمصريين إنَّ حكومتهم ستقتر عليهم في أسباب المواصلات المُختلفة، فتريحهم بالقوة الصريحة، أو بالحيلة المُلتوية — من الطَّائرات، أو من السفن، أو من القطر، أو من السيارات، أو من الترام، أو من البرق، أو التليفون، أو البريد — لو قيل للمصريين إنَّ حكومتهم ستقتر عليهم في هذه الأسباب الكثيرة المُختلفة التي يتخذونها وسائل ليلتقوا ويفترقوا، وليتصلوا وينفصلوا؛ لضاقوا بذلك أشدَّ الضِّيق، ولسخطوا على حكومتهم أشدَّ السخط، ولما استقر لهم قرار حتى يردوا حكومتهم إلى العقل والرشد والصواب؛ ذلك لأنَّ المصريين كغيرهم من النَّاس يُؤمنون بالحضارة الحديثة، ويُؤمنون بالنَّاحية المادية من هذه الحضارة الحديثة خاصة أشدَّ الإيمان وأقواه، ويُريدون أن يأخذوا من أسباب هذه الحضارة الحديثة المادية ما يستطيعون أن يأخذوا به في غير تردد ولا تلكؤ، ولا إبطاء ولا تقصير، واسمع إلى المصريين الذين يختلفون إلى أوربا وأمريكا في الطائرات كيف يحمدون ما تكفل لهم من السرعة والراحة، وتحقيق المنافع البعيدة في الآماد القصيرة، وكيف يوازنون بين سرعة الطائرات، وبطء السفن والقطارات. ومن الممكن لو فرغ النَّاس للقول والتفكير، وهذا الترف الأدبي الذي لا يكاد يغني عن أصحابه شيئًا؛ أن تنشأ ألوان جديدة من الأدب الحديث، تُوازن بين أسباب المواصلات في الإسراع والإبطاء، وفي الرَّاحة والعناء، وفي العَجل والمهل، كما تخيل الشعب في أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن تلك المناظرة الطريفة بين القطار والبرق في ذلك الكُتَيِّب الظريف الذي كنَّا نقرأه أطفالًا، ونستمتع فيه بالمحاورة بين السلك والوابور!
ولكنَّنا في هذه الأيام معجلون عن كل شيء، لا نكاد نستبقي أدبنا القديم، فكيف باستحداث آداب جديدة، حول وسائل المواصلات أو غيرها؟ والمهم هو أنَّنا نحرص أشدَّ الحرص على أن نستبقي وسائل المواصلات هذه كلها، ونسرع إلى ما يمكن أن يستحدث منها، لا يخطر لنا أن نتردد في ذلك، أو أن نحتاط، فأمَّا وسائل المواصلات العقلية بين الأفراد والجماعات، وبين الأمم والشعوب، وبين أقطار الأرض على تباعدها، وبين ألوان الحضارة على تباينها؛ فإننا لا نحفل بها، ولا نقف عندها، ولا نكاد نلتفت إليها، ولا نفكر في الاحتفاظ بما عندنا منها، فضلًا عن أن نُفكِّر في أن نُضيف إليها وسائل جديدة لم يسبق لنا الانتفاع بها، وفضلًا عن أن نلوم حكومتنا أن قصرت في استبقاء ما عندنا من هذه الوسائل!
وهذه الوسائل بالطبع هي اللغات الأجنبية؛ فالطائرات والقطارات والسيارات والسفن تنقل أجسامنا، وتتيح لعقولنا أن تفكر، وتتزيد من المعرفة، واللغات تنقل عقولنا، وتتيح لها أن تتصل بما تنتجه عقول الأمم الأخرى، وتنقل قلوبنا، وتتيح لها أن تتصل بما يثور في قلوب الأمم الأخرى من العواطف والشعور.
ولكننا خلقنا هكذا: نُعنَى بأجسامنا قبل أن نُعنَى بعقولنا، وأكثر مما نعنى بعقولنا، ونهتم لمنافعنا المادية قبل أن نهتم لمنافعنا المعنوية، وأكثر مما نهتم لمنافعنا المعنوية، وآية ذلك أننا نتحضر في المادة قبل أن نتحضر في العقل، وإنَّك تجد كثيرًا من المصريين — بل تجد المصريين كلهم — ينتفعون بوسائل الحضارة المادية، دون أن يسألوا أنفسهم عن هذه الوسائل كيف نشأت، وكيف أُتيحت لهم، يركبون القطار، والطائرة، والسفينة، والسيارة، ولا يعنيهم إلا أن يركبوها! وليس في ذلك شيء من الغرابة، فليس كل إنسان مُكلفًا أن يفهم كل شيء، وليس ينبغي لكل إنسان أن يفهم كل شيء، وإنَّما الغريب ألا يفكر أولو الأمر في أنَّ الطبيعي أن يكون منَّا قوم يتقسمون فيما بينهم العلم بدقائق الحضارة وحقائقها، وفهم هذه الوسائل التي يُتاح لنا الانتفاع بها على كثرتها واختلافها وتنوعها.
وأنا أبسط هذا الحديث الطويل بمناسبة عناية وزارة المعارف بتعليم اللغات الأجنبية في مصر، فقد كان يُظنُّ أنَّ طبيعة الحياة المصرية، وطبيعة الصِّلات التي أنشأتها الحياة الحديثة بيننا وبين أمم الأرض وشعوبها، وطبيعة الرقي الذي دفعنا إليه وظفرنا منه بحظٍّ لا بأس به؛ كل ذلك سيلقي في روع وزارة المعارف أنَّ التَّوسع في تعليم اللغات الأجنبية المُختلفة قد أصبح ضرورة من ضرورات حياتنا الحديثة، وسيلقي في روعها أيضًا أن استئناف النَّظر في برامج التعليم ومناهجه فُرصة يجب أن تنتهز؛ لنجعل التَّوسع في تعليم اللغات حقيقة واقعة، ولكني أنظر فأرى وزارة المعارف لا تلتفت إلى هذا التطور الخطير في حياتنا العقلية إلا لتقلل من عنايتنا بدرس اللغات الأجنبية!
كنت أظن أنَّ حياتنا الحديثة ستحمل وزارة المعارف على أن تتيح لبعض الصبية والشباب من أجيالنا الناشئة تعلُّم بعض اللغات الأجنبية الكبرى، ليكون منَّا الذين يُحسنون الاتصال بالثقافات العالمية على اختلافها مباشرة لا بالوساطة، فيكون بين شبابنا من يترجم عن الألمانية والإيطالية والإسبانية، ولولا أن أحفظ بعض الصدور لذكرت اللغة الروسية أيضًا، ففي الثقافة الروسية أدب وعلم وفن، وليست الثقافة الروسية شيوعية كلها! ولكنَّ وزارة المعارف مع الحزن الشديد لم تُفكِّر في شيء من ذلك، وإنَّما استبقت اللغة الإنجليزية كما هي أو زادتها قوة — ولست أجد بذلك بأسًا — وأضعفت اللغة الفرنسية وردتها إلى شيء من الضيق يجعل دراسة الشباب لها إضاعة للوقت لا تنفع ولا تفيد، ولعلها تضر وتبغض إلى التلاميذ الدرس والتحصيل!
***
وليس المهم أن تُعنى الوزارة أو لا تُعنى بهذه اللغة أو تلك، وإنَّما المهم أن تلتفت الوزارة إلى أنَّ اللغات الأجنبية هي وسائل المواصلات العقلية، وإلى أنَّ المواصلات العقلية هي أساس المواصلات المادية، وإلى أنَّ حياتنا الحديثة تفرض علينا أن نُشارك في الثقافة الإنسانية العالمية مُشاركة فعلية مباشرة، كما تفرض علينا أن نفهم أصدقاءنا وخصومنا، وكما تفرض علينا أن ننفع وننتفع، وكما تفرض علينا أن نعتمد على أنفسنا في النفع والانتفاع، وألا نكون عيالًا على غيرنا.
***
وكل ذلك يفرض علينا أن نُتيح للشباب المصريين درس اللغات الأجنبية على كثرتها واختلافها؛ فليس من ذلك بدٌّ إذا أردنا أن نكون أمة راشدة حقًّا، وقد جعلنا العقل المصري حكرًا تقتسمه الثقافة الفرنسية والإنجليزية منذ بدأت نهضتنا الحديثة، وقد آن لنا أن نُحرِّر العقل المصري والقلب المصري من هذا الاحتكار، وسبيل ذلك أن تعدل وزارة المعارف أولًا عما عمدت إليه في إصلاحها الأخير من إهمال اللغة الإضافية، سواء أكانت فرنسية أم إنجليزية، وأن تستأنف النظر في تعليم اللغات فتبيح للشبان والصبية وأسرهم أن يختاروا لغتين أجنبيتين من اللغات العالمية الكبرى، لا يتقيدون بهاتين اللغتين اللتين ألفناهما إلى الآن!
***
وإذا لم تتح لوزارة المعارف أن تُجاري هذا التطور الحديث، فإنَّ البرلمان لم ينشأ عبثًا، وإنَّما أُنشئ ليرد الحكومة إلى القصد إنْ جارت عنه، وليبصرها بمواضع النفع. وإصلاح التعليم معروض على البرلمان أو سيعرض عليه، فلتؤد وزارة المعارف واجبها، وليؤد البرلمان واجبه، وليذكر المثقفون أنَّ للثقافة عليهم حقوقًا ينبغي أن تُراعى. -
مشكلة اللغات الأجنبية | The Problem of Foreign Languages
مشكلة اللغات الأجنبية
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
١٨ يناير ١٩٤٨
عمدت وزارة المعارف أخيرًا إلى تخفيف برامج اللغات الأجنبية في المدارس، فما هو رأيك في هذه السياسة من حيث تأثيرها في الثقافة العامة للجيل الجديد؟
هذا هو السؤال الذي طرحه مندوبنا على الدكتور طه حسين بك والدكتورة درية شفيق، فأجابا بما يلي:
الدكتور طه حسين رأيي أن النزعة إلى إضعاف اللغة الأجنبية في المدارس شديدة الخطر … لا على حياتنا الثقافية وحدها، بل على حياتنا العامة كلها. فاللغة العربية تتطور وترقى، ولكنها لم تبلغ بعدُ أن تكون لغة عالمية للعلم والأدب والسياسة والاقتصاد. واتصالنا بالعالم الغربي هو الأساس الصحيح لنهضتنا ورُقِيِّنا، ولن تُفلِح وزارة المعارف إلَّا إذا أعادت النظر في تعلُّم اللغة الأجنبية، فلم تقصره على اللغتين الإنجليزية والفرنسية؛ لأن في ذلك احتقارًا للعقل المصري ووقفًا له على النفوذ الثقافي للفرنسيين والإنجليز. وإنما يجب أن تُدرَّس اللغات الأوروبية الكبرى كلها في المدارس، على أن يختار التلميذ أو أسرته لغتين من هذه اللغات؛ فالألمانية والإيطالية والإسبانية والروسية لغات عظيمة الخطر في الثقافة والسياسة والاقتصاد، ويجب أن يكون بين شبابنا من يُحسنوا هذه اللغات. ومن الخزي لمصر في القرن العشرين أن يُنقل إليها الأدب الألماني والإيطالي والروسي والإسباني لا مباشرةً من اللغات التي كُتب بها، بل من طريق التراجم الإنجليزية والفرنسية. هذا الاحتكار لا يلائم الاستقلال الذي نطمح إليه، وهذا الجهل لا يلائم الكرامة التي نحن أهل لها. والأمر لا يحتاج إلَّا إلى شيءٍ من الشجاعة يمكِّن وزارة المعارف من أن تخطو هذه الخطوة التي طالبت وما زلت أطالب بها. والشرق العربي وحده هو الذي قبِل هذا الاستعمار الثقافي الإنجليزي الفرنسي، فإذا كنَّا نريد الاستقلال حقًّا فسبيله ألَّا نبيح لأمة من الأمم — مهما تكُن — أن تحتكر أخص ما يمتاز به الإنسان وهو العقل والقلب والذوق.
الدكتورة درية شفيق رأيي أن الاتجاه الذي يقصد به تخفيض عدد الدروس للغات الحية في مدارس الحكومة اتجاه يسيء إلى مصر وإلى تطلُّعها المرموق نحو الفائدة من حضارات الأمم الأخرى. ونحن نسيء إلى أنفسنا إذا خلطنا بين التعصب للوطنية والاستفادة من حضارة الغرب؛ فإن مصر الحديثة لم تستطع أن تتبوَّأ مكانها الرفيع بين الأمم الغربية والشرقية إلَّا بعد أن استكملت بعض الدراسات الغربية. وكان محمد علي الكبير والخديو إسماعيل فاهمين هذا الوضع تمامًا؛ لذلك كانت بعوثهم العلمية كثيرة، متعددة الجوانب. ولولا مدرسة البعوث لكان تأخرنا ملحوظًا، ولولا مدرسة الألسن وناظرها رفاعة الطهطاوي وتلاميذه الأعلام؛ لما زخرت آدابنا وعلومنا العربية بهذا التراث الفخم من المعرفة. ولولا دراسة أدبائنا للُّغات الفرنسية والإنجليزية والألمانية وغيرها دراسة عميقة؛ لما فخرنا بهؤلاء الأدباء الذين يضارعون أدباء الغرب فكرًا وعقلًا وأسلوبًا. فإذا نحن حاربنا هذه اللغات لأمر غير مفهوم، فإنما نحارب أنفسنا، وسوف يأتي يوم — إذا نجح خصوم اللغات الحية — نبحث فيه عن مترجم في مصالح الحكومة أو الأعمال الحرة فلا نجده. ناهيك بما يترتب على جهل أمة بهذه اللغات، فإن كل جديد سيبقى محجوبًا عن لغتنا وآدابنا، ولن نُفيد من أي تيار فكري جديد؛ لأننا قوم انطوينا على أنفسنا ونسِينا أن من يتعلم لغة أمة أمِن مكرها كما قال رسول الله ﷺ.