Tag: الإنسانية

  • الإسلام والغرب | Islam and the West

    الإسلام والغرب
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ١٤ أكتوبر ١٩٥٥

    كان اجتماعًا قيِّمًا حقًّا ذلك الذي التقى فيه فريق من المفكرين المسلمين بفريق من المفكرين الإيطاليين في مدينة البندقية؛ ليتحدثوا في حرية صريحة، أو في صراحة حرة عن الخصومة بين الإسلام وبين الحضارة الغربية، وعن الأسباب التي أثارتها النتائج التي نشأت عنها، وعن الوسائل التي يمكن أنْ تؤدي إلى حسم هذه الخصومة، واستئناف حياة جديدة يقوم فيها الوفاق والتعاون مقام الخلاف والتدابر بين المسلمين في أقطار الأرض، وبين الذين اتخذوا الحضارة الغربية لهم قوامًا.

    وكانت المزية الأولى لهذا الاجتماع أنه لم يأتلف من عدد ضخم يكثر فيه الكلام، وتتفرق فيه الآراء، وتضيع فيه الوسائل والغايات، وإنما ائتلف من أشخاص قليلين مسلمين وإيطاليين، ولم يشهده أحد من البلاد الغربية الأخرى في أوروبا وأمريكا، وإنما شهده الإيطاليون وحدهم عن الحضارة الغربية، وشهده من المسلمين نفر لا يبلغون العشرة، كان فيهم إيرانيان وعراقي ولبناني وتركي ومصري وتونسي، وكانوا جميعًا من الجامعيين الذين أخلصوا أنفسهم، أو كادوا يخلصونها للثقافة والعلم، وتخلف من دعي من سوريا لعذر طارئ، ولم يحضر الأستاذ العقَّاد، وليته استطاع الحضور، وكان الذين شاركوا في هذا الاجتماع من الإيطاليين قليلين أيضًا كلهم من الجامعيين، ولكنهم على ذلك يختلفون فيما يفرغون له من العلم، فمنهم الفقيه، ومنهم الاقتصادي، ومنهم أستاذ الرياضة، ومنهم بعض المستشرقين، وكانت المزية الثانية لهذا الاجتماع أنه لم يكن رسميًّا؛ فلم تُدعَ إليه الحكومات، ولم تشارك فيه من قرب أو بُعد، ولم تُدع إليه الهيئات، وإنما دُعي إليه أفراد عُرفوا بمكانهم من الثقافة والعلم، وبمكانهم المرموق في أوطانهم، فلم تدخل السياسة إذن في هذا الاجتماع، وإنْ لم يخلُ من حديث السياسة، وكيف التحدث في شئون الشرق والغرب، وما بينهما من خصومة دون الإلمام بحديث السياسة وخطوبها، وقد يسأل القارئ عن مصدر هذا الاجتماع وعن الذي دعا إليه، وهنا حديث أحب أنْ يتدبره المصريون والأغنياء منهم خاصة؛ لأنه جدير أنْ يثير العبرة ويدعو إلى إطالة التفكير والتدبير.

    رجل من أغنياء إيطاليا، ومن أغنياء مدينة البندقية خاصة منحه الله بسطة واسعة في المال، وما أكثر الذين أتاح الله لهم الثراء العريض، وقد فُجع هذا الرجل في ابنه منذ خمس سنين، فاحتمل خطبه كريمًا، ثم جعله مصدر خير لأسر كثيرة من الإيطاليين. أنشأ في جزيرة من جزائر البندقية لها خطر في التاريخ معهدين، خصص أحدهما لليتامى من أبناء الذين يعملون في البحر ينشئون فيه، ويتعلمون فيه أعمال البحر، ويدربون عليها حتى إذا أتموا تعليمهم عملوا فيما كان يعمل فيه آباؤهم. وأنشأ معهدًا آخر للحرف والصناعات اليسيرة، وآوى في كل واحد من هذين المعهدين خمسمائة من التلاميذ، وضمن لهم النمو في حياته والبقاء بعد وفاته، فهو يقوم إذن على تربية ألف من الأطفال الإيطاليين وتعليمهم، وتمكينهم من أنْ يعيشوا بعد تخرجهم كرامًا ينفعون أنفسهم وينفعون الناس. ثم لم يكتفِ بذلك، وإنما جدد ما في تلك الجزيرة من معالم تاريخية خطيرة، وأنشأ فيها دارًا للكتب يختلف إليها طلاب الثقافة والمعرفة، ثم أنشأ فيها مركزًا ثقافيًّا، يلتقي فيه بين حين وحين أعلام الثقافة والعلم والأدب؛ ليتحدثوا فيما يعنيهم من شئون الثقافة والعلم والأدب.

    ***

    وكان اجتماعنا هذا واحدًا من هذه الاجتماعات، التي يراد لها أنْ تتصل وأنْ تكثر، وألا تتقيد بموضوع ولا تخضع لنظام إلا نظام التفكير الحر الصريح.

    وقد التقينا ستة أيام مصبحين وممسين، فقلنا وقالوا، ولم تنقصنا الصراحة في القول، ولم تنقصهم الشجاعة على الاعتراف بالحق حين تبين لهم الحق، ولم يكن بُد من أنْ نتفق قبل كل شيء على الحضارة الغربية ما هي، وما يمكن أنْ تكون! فلست أعرف أنَّ هناك حضارة غربية تختلف في جوهرها عن الحضارة الإسلامية، وإنما أعرف أنَّ هناك حضارة واحدة ازدهرت حول البحر الأبيض المتوسط سبقت مصر إلى أصولها، ومنحها اليونان قوة وأيدًا وخصبًا، وأخذها اليونان عن الرومان، ثم انتشرت بعد ذلك في غرب البحر الأبيض وشرقه، وفي شماله وجنوبه، ثم تنصرت حين عرفت المسيحية، وأسلمت حين عرفت الإسلام، نقلت إليها ثقافة الأمم القديمة وما يلائمها من تراث هذه الأمم وأساغته وتمثلته وجعلته جزءًا منها، وأحيت أممًا خضعت لسلطان الإسلام، ثم نقلها المسلمون أنفسهم إلى غرب أوروبا، فأحدثوا فيه نهضة خصبة ما كانت لتحدث لو لم تترجَم كتب المسلمين في الفلسفة والفنون والعلوم إلى اللغة اللاتينية، التي كانت لغة الثقافة في غرب أوروبا.

    ***

    وهذه الحضارة نفسها هي التي اشتد اتصال الأوروبيين بها في نهضتهم الحديثة، فأخذوها من أصولها اليونانية واللاتينية، وأذكوا جذوتها، وأتاحوا لها كما أتاحت لهم ما وصلت إليه، وما وصلوا إليه من الرقي والازدهار.

    فالحضارة الإسلامية والحضارة الغربية واحدة إذن في أصولها وجوهرها وطبيعتها، ولكن ظروف التاريخ قضت على المسلمين أنْ يخمدوا، وأتاحت للغربيين أنْ ينشطوا، فتقدم الغرب الأوروبي وتأخر الشرق الإسلامي، فلا يصح أنْ يقال إذن: إنَّ هناك حضارتين إحداهما إسلامية، والأخرى غربية أوروبية.

    والقول بأن هناك خصومة بين الإسلام وبين الحضارة الغربية يحتاج إلى كثير من الدقة. فالإسلام لا يخاصم الحضارة الغربية في نفسها؛ لأنها حضارته، وإنما يخاصم فريقًا من الغربيين خرجوا على أصول حضارتهم، وخالفوا عما تأمرهم به وتحثهم عليه، فملئوا الأرض شرًّا ونكرًا، وفرقوا بين الناس، وكان من الحق أنْ يتفقوا، واستعلوا في الأرض والحضارة الصحيحة شرقية كانت أو غربية لا تحب الاستعلاء، بل تمقته أشد المقت، وتقرر المساواة بين الناس في كل ما تمكن فيه المساواة لا لشيء إلا لأنهم يشتركون في الإنسانية، ويدخلون في الحياة على نمط واحد، ويخرجون منها على نمط واحد، ويجب أنْ يعيشوا فيما بين ذلك متقاربين متضامنين يستعلي بعضهم على بعض، ولا يسوم بعضهم بعضًا ظلمًا ولا خسفًا ولا هوانًا.

    ولا يصح أنْ توصف الحضارة الغربية بأنها حضارة تمتاز في جوهرها من حضارة الشرق الإسلامي؛ فجوهر الحضارتين واحد، واختلاف الدين بين المسلمين والمسيحيين لا يغير من طبيعة الحضارة شيئًا؛ لأن المُثل العليا التي يدعو إليها الإسلام وتدعو إليها المسيحية واحدة في جوهرها، كلا الدينين يدعو إلى الإيمان بإله واحد لا شريك له، وكلاهما يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، وكلاهما يفرض العدل والمساواة بين الناس.

    ***

    ولا يصح كذلك أنْ يقال: إنَّ الحضارة الغربية تمتاز بما شاع فيها من المادية بعد تقدم العلم، فالمادية ليست مقصورة على الحضارة الغربية، وقد وجدت في العالم الإسلامي وأنكرها المسلمون، كما ينكرها المسيحيون، وتجرد للرد عليها، ونصب الحرب لها فريق من علماء المسيحيين الغربيين وفلاسفتهم.

    وإذا كان هذا كله حقًّا — وهو حق لا شك فيه — فالخصومة القائمة بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي ليست خصومة بين حضارة وحضارة، وليست خصومة بين دين ودين، وإنما هي خصومة بين حب العدل والإغراق في الجور، وبين حب المساواة والغلو في التفريق وإيثار الاستعلاء والامتياز، وليس أدل على ذلك من أنَّ اختلاف الدين لم يمنع المسيحيين وغير المسيحيين من أنْ يعيشوا بين المسلمين كرامًا، ويشاركوا في الحضارة الإسلامية مشاركة عاملة موجبة لا مشاركة الخاضعين السلبيين، وهم ينكرون من طغيان الغرب ما ينكر المسلمون، وهم يطمحون إلى الحرية والعدل والكرامة، كما يطمح إليها المسلمون، وهم يجاهدون في سبيل هذه الحقوق كما يجاهد في سبيلها المسلمون.

    وليس أدل على ذلك أيضًا من أنَّ المخلصين للمسيحية الصادقين في الإيمان بها من أهل الغرب ينكرون ما يتورط فيه ساستهم وقادتهم من الاستعمار، وما ينشأ عنه من الجور والبغي والعدوان، وما يشيع بين الناس من البُغض والحقد والعداء.

    ***

    وليس أدل على ذلك آخر الأمر من أنَّ المسلمين يجدُّون في استدراك ما فاتهم، ويسعون إلى الحضارة الغربية مكتسبين لها، مشاركين فيها، آخذين بأسبابها، يوطنونها في بلادهم، ويحرصون على أنْ يكون نصيبهم منها كنصيب الغربيين؛ فليست الحضارة كلامًا يقال، وإنما هي علم وفن وفلسفة وعمل. والمسلمون يدرسون علوم الغرب وفنونه وفلسفته، ويضيفون إليها حين يتاح لهم ذلك ويلائمون بينها وبين أمزجتهم وطبائعهم وأخلاقهم وعاداتهم وسننهم الموروثة، لا يجدون بذلك بأسًا، ولا يلومهم في ذلك اللائمون وهم يصنعون ذلك كله الآن، كما صنع الغربيون ذلك كله بحضارة المسلمين في القرون الوسطى.

    ولم يستطع زملاؤنا الإيطاليون أنْ ينكروا ذلك أو يجادلوا فيه، وإنما عرفوه وابتهجوا له، وجرى الحوار بعد ذلك على أساس متين، فجعلنا نلتمس معهم أسباب الخصومة بين الإسلام والغرب، ولم نجد مشقة، ولم نتكلف جهدًا في تحديد هذه الأسباب؛ لأنها أوضح من أنْ تحتاج إلى البحث أو تكلف الجهد، فهي تنتهي كلها آخر الأمر إلى علة واحدة، هي الاستعمار الذي ورط الغربيين في كثير من الآثام، ورطهم في الظلم فاستغلوا أوطان الناس دون أنْ يكون لهم حق في استغلالها، واستأثروا بما تنتج هذه الأوطان من الثمرات من دون أهلها، واستذلوا أهل هذه الأوطان بالقوة الغاشمة لتخلص لهم ثمراتها، وإنْ حُرم أهل هذه الأوطان الاستمتاع بها، وتورطوا في القتل وسفك الدماء بغير حساب لا لشيء إلا لأنهم يريدون أنْ يستكرهوا الإصرار على أنْ يكونوا عبيدًا يجدُّون ويكدون لينعم الغربيون ويترفوا.

    ***

    وقال قائل الزملاء الإيطاليين: إنكم تسرفون على الغرب حين تذكرون له السيئات، وتنسون ما أهدى إليكم من الخير، فهو قد أَهْدَى إليكم علمه وفنونه وآدابه وفلسفته وإنتاجه المادي على اختلافه، وهو قد غيَّر حياتكم تغييرًا؛ يسرها بعد أنْ كانت عسيرة، وألانها بعد أنْ كانت قاسية خشنة. ولم أملك إنْ رددت على هذا الزميل في شيء من العنف بكلمة لم تلبث أنْ استقرت في نفوس أصحابه، فكانوا يلقونني بها كلما ضمنا مجلس يجدون حينًا ويمزحون أحيانًا … قلت: إنكم لا تهدون إلينا نتائج حضارتكم، وإنما نأخذها منكم أخذًا، ونأخذها منكم على رغمكم؛ لأننا نشتريها بالمال، ونؤدي إليكم أثمانها غالية، ولن تستطيعوا أنْ تستأثروا بها من دوننا؛ لأنكم لا تستطيعون أنْ تصدونا عن قراءة كتبكم وصحفكم والاختلاف إلى جامعاتكم ومعاهدكم، بل أنتم تتنافسون في بيع حضارتكم لنا، كنتم تظنون أنَّ ذلك يخضعنا لسلطانكم، ثم تبينتم أنَّ ذلك يغرينا بالتمرد عليكم والتخلص من بغيكم وطغيانكم، وانظروا — إنْ شئتم — إلى ما حدث في مصر، وما يحدث في شمال إفريقيا، وما يحدث في الأوطان الإسلامية كلها، بل في كل بلد حاولتم أنْ تستعمروه.

    ومضى الحوار بيننا على هذا النحو ستة أيام بعنف حينًا، حتى يبلغ من العنف أقصاه، ويرق حينًا حتى ينتهي إلى مودة وصفاء، ثم انقضى في اليوم الأخير على خير ما ينقضي عليه الحوار، انقضى على أنَّ الناس أخوة ما أقاموا حياتهم على الحب والعدل والتعاون على البر والتقوى، وأعداء إنْ أقاموا حياتهم على الأثرة والطغيان والبغي، وعلى أنَّ الخير كل الخير في أنْ يتجدد هذا اللقاء بين المسلمين وبين الغربيين؛ ليحاولوا بالبحث والدرس أنْ يصلوا إلى كلمة سواء. ولست أنسى حين أقبل ذلك الأستاذ الشيخ الذي كان يرأس جلساتنا، وهو من كبار الفقهاء الإيطاليين، لست أنسى حين أقبل يودعني على ظهر السفينة، ويذكرني متضاحكًا بهذه الكلمة التي قلتها، فاستقرت في نفسه: إنكم لا تعطوننا حضارتكم، ولكننا نأخذها منكم أخذًا.

    ولست أدري! لِم تكون مثل هذه الاجتماعات في أوروبا، ولا يكون شيء منها في الشرق العربي وفي مصر خاصة، ولكن هذا حديث يطول.

  • رخص الحياة … | The Cheapening of Life…

    رخص الحياة …

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ١٣ نوفمبر ١٩٥٤

    لم تَهُن الحياة على الناس كما تهون عليهم في هذه الأيام؛ فقديمًا عرف الناس الحرب وأجرَوْا دماءهم غزارًا في سبيل الحق حينًا وفي سبيل الباطل أحيانًا. وقديمًا عرف الناس المكر والكيد كما عرفوا البغي والعُدوان، وقتل بعضهم بعضًا جهرًا مرة وغيلة مرارًا. ولكنهم كانوا يُقدِمُون على ما كانوا يُقدِمُون عليه من ذلك في كثير من التحرُّج قبل أن يُقدِموا، وفي كثير من الندم والروع بعد أن يُتِمُّوا ما أقدموا عليه.

    كانت الحياة الإنسانية شيئًا له خطره؛ فقد سَنَّتْهَا الديانات، وعرفت حرمتها القوانين، ورعتها الأخلاق، وعظَّم أمرَها المعتدون عليها أنفسهم، فكانوا يرون أنهم حين يجترئون عليها إنما يقترفون إثمًا عظيمًا؛ لأنه من الآثام التي لا سبيل إلى تداركها.

    فقد أُتيح للإنسان أن يُصلح كثيرًا من خطئه، ويتدارك كثيرًا من ذنوبه، ويمحو بالإحسان آثار الإساءة. ولكن شيئًا واحدًا لم يُتَحْ له: وهو أن يَرُدَّ الحياة إلى من حُرِمَ الحياة. فكان القتل خطأ أو عمدًا من الشر العظيم الذي يروع الإنسان ويملأ قلبه ذعرًا وروعًا وندمًا وإنكارًا.

    وكان الناس يتحدَّثون فيكثرون الحديث عن المجرمين الذين يستحبون القتل ولا يحسون عليه بعد اقترافه ندمًا، ولا يُحِسُّونَ منه قبل اقترافه رهبةً أو خوفًا.

    كانوا يرونهم شذاذًا قد أفلتوا من قوانين الطبيعة الإنسانية التي تكبر الحياة الإنسانية، وتعظم الاعتداء عليها عن عمدٍ أو خطأ. وربما دفع بعض الناس إلى شيء من الإمعان في إكبار الحياة حتى تجاوزوا بها حياة الإنسان إلى حياة الحيوان نفسه، يرون أن الحياة جذوة مقدسة لا يجرؤ على إطفائها إلا الذين برِئوا من شعور الرفق والرحمة والبر والحنان. فحرَّموا على أنفسهم أشياء استباحها غيرهم من الناس، يُحَرِّمُون ذلك على أنفسهم دهرهم كله أو يُحَرِّمُون ذلك على أنفسهم وقتًا معلومًا بين حين وحين.

    ولأمرٍ ما أمعن أبو العلاء فيما أمعن فيه من الزُّهد، حتى أنفق أكثر حياته لا يطعم إلا ما تُنبت الأرض. ولأمر ما رأى قتْل الحيوان جبنًا، ورأى فيه دليلًا على ضِعَة النفس التي تدفع الاستعلاء على الضعف والبغي على ما لا يملِك أن يدفع عن نفسه البغي والعدوان. وقد تحدَّث الذين ترجموا له أنه مرِض مرة وألح عليه المرض حتى اضطَره إلى ضعف شديد، فوصف الطبيب له أكل الدجاج، وامتنع هو على الطبيب وعلى الذين كانوا يمرضونه. فلما اشتد عليه إلحاحهم أذعن لما أُريدَ عليه وقُدمت إليه دجاجة، فلم يكد يمسها حتى أخذته رِعدة شديدة، فانصرف عنها وهو يقول لها: «استضعفوك فوصفوك، هلَّا وصفوا شبل الأسد!»

    يريد أن الدجاجة لا تستطيع أن تمتنع على من يريدها؛ فالناس يطمعون فيها ويصفونها للمرضى، على حين يَمنع الأسد شبله، فلا يطمع فيه طامع ولا يصِفه طبيب لمريض. ولأمرٍ ما قال أبو العلاء فيما قال هذا الشعر الرائع في تحريم الحيوان على الإنسان، فعرَّض نفسه لشر عظيم من غضب السلطان:

    غدوت مريض العقل والدين فالقَنِي لتسمع أنباء الأمور الصحائح

    فلا تأكلنْ ما أخرج البحر ظالمًا ولا تبغِ قوتًا من غريض الذبائح

    ولا بَيْضَ أُمَّاتٍ أرادت صريحة لأطفالها دون الغواني الصرائح

    ولا تفجعنَّ الطير وهي غوافل بما وضعت، فالظلم شر القبائح

    ودع ضرب النحل الذي بكرت له كواسب من أزهار نَبْتٍ فوائح

    فما أحرزته كي يكون لغيرها ولا جمعته للندى والمنائح

    مسحت يدي من كل هذا فليتني أبهت لشأني قبل شيب المسائح

    فأبو العلاء — كما ترى — يحرج على نفسه ويريد أن يحرج على غيره أكل الحيوان، وما يُخرجه الحيوان؛ حتى الشُّهد الذي تخرجه النحل، يرى ذلك ظلمًا وبغيًا، ويخالف بذلك ما أباحت الديانات السماوية للناس من هذا كله. وقد انتهى شعره هذا إلى مصر فناظره فيه داعي دعاة الفاطميين، وكاد الأمر ينتهي به إلى العطب.

    وتقديس الحياة الإنسانية هو الذي دعا الناس إلى إكبار الموت وما بعد الموت، وهو الذي دعا الناس إلى إعظام حرمة الجنائز مهما تكُن. وقد رُوي أن جنازةً مرَّت بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في أصحابه، فقام لها وقام أصحابه لقيامه، ثُمَّ قيل له إنها جنازة يهودي، فقال: «أليست نفسًا؟!»

    وتقديس الحياة كذلك هو الذي دفع إلى ما شاع في هذا العصر الحديث من إنكار عقوبة الإعدام مهما تكُن جريمة من يُقضى عليه بهذه العقوبة. ويرى أصحاب هذا الرأي أن الحياة أعظم خطرًا وأكبر حرمة من أن يستبيح الإنسان لنفسه سلبها، ويرون أن الحياة شيء لا يستطع الإنسان أن يمنحه، فلا ينبغي له أن يسلبه، وإنما يَسلُب الحياة من منح الحياة.

    وكذلك أمعن الناس في تقديس الحياة، وفي إنكار البطش بها والاعتداء عليها. وما زال أمر الله قائمًا بتحريم الحياة إلا بحقِّها، وما زالت القوانين تُحرِّم الاعتداء على الحياة وتعاقب عليه أشد العقوبة وأصرمها. ولكن الدين والقوانين شيءٌ وما دُفع الناس إليه في حياتهم الحديثة شيءٌ آخر، وليس من شك في أن الناس لم يعرفوا قط عصرًا هانت فيه حياة الناس على الناس كهذا العصر الذي نعيش فيه.

    تخالف الدول عن أمر الدين والقوانين فتُقْدِمُ على الحرب المنكَرة التي لا تعرف لحياة الأفراد والجماعات حرمة، ولا ترجو للدين ولا القوانين ولا للأخلاق وقارًا، ولا تُفَرِّقُ بين الجند المسلحين المشاركين فيها والعُزل الوادعين الذين لا يريدون حربًا ولا قتالًا، ولا يتمنون إلا أن يعيشوا في دَعة وسعة، يحتملون أعباء الحياة ما خَفَّ منها وما ثقل، لا يؤذون أحدًا ولا يحبون أن يريدهم أحد بالأذى. وإغراق الحرب الحديثة في الإثم واستهانتها بالحياة واستخفافها بالمُقَدَّسَات وإشاعتها للموت والهول بغير حساب؛ كل ذلك أهدر قيمة الحياة أثناء الحرب وأهدر قيمة الحياة أثناء السلم أيضًا.

    وما دام السلطان نفسه يستبيح الخروج على الدين والقوانين في سبيل المنافع والمطامع، فلا على الأفراد ولا على الجماعات أن يستبيحوا الخروج على الدين والقوانين في سبيل المنافع والمطامع أيضًا. وما دامت الدول المتحضِّرة التي بلغت أقصى ما كان الإنسان يستطيع أن يبلغ من الرُّقِيِّ إلى الآن، تستبيح لنفسها أن تزهق النفوس وتسفك الدماء بغير حساب؛ لتكسب المال وتبسط السلطان. فلا على الأفراد والجماعات أن يصنعوا صنيعها ويسيروا سيرتها، ويزهق النفوس ويسفك الدماء في سبيل المنافع القريبة والمطامع اليسيرة. والناس يُحصُون صرعى الحربين العالميتين بالملايين، ويُحصُون صرعى الثورات الأوروبية بين الحربين بالمئات والألوف، ويُحصُون صرعى الاستعمار بعشرات الألوف ومئاتها. وهذه الضحايا الكثيرة لا يُضحَّى بها من خطأ ولا يُضحَّى بها في سبيل الحق بالعدل. وإنما يُضحى بها عن عمد وعن استجابة للبغي والطغيان، وفي غير تحرُّج ولا تحفُّظ ولا احتياط.

    وقد قرأت في إحدى الصحف الفرنسية التي وصلت إليَّ من باريس في هذه الأيام الأخيرة، أن الفرنسيين قتلوا من أهل الجزائر سنة ١٩٤٥ بعد أن وضعت الحرب العالمية أوزارها، عددًا ضخمًا يبلغ المقللون له خمسة عشر ألفًا، ويبلغ المكثِرون له أربعين ألفًا، واللهُ يعلم كم يقتل الفرنسيون من الجزائريين في ثورتهم هذه القائمة، وكم قتلوا من التونسيين والمراكشيين، وكم يقتلون منهم أثناء هذا الصراع المتصل بين قوم يريدون أن يعيشوا كرامًا، وآخرين يريدون أن يستذلُّوهم ويتخذوهم رقيقًا بعد أن ألغت الحضارة الحديثة الرق فيما يقول أصحابها. وضحايا الاستعمار في الهند الصينية من المستعمرين والمناهضين لهم لا يُحْصَوْنَ بعشرات الألوف، وإنما يُحْصَوْنَ بمئاتها. ومن يدري كم كان عدد الذين ضحى بهم الاستعمار الإنجليزي في شرق الأرض وغربها منذ انقضت الحرب العالمية الثانية إلى الآن.

    وأنت لا تقرأ صحيفة في الصباح أو في المساء إلا رأيت فيها حديث الموت الذي يصب في إيران على الذين لا يعجبهم ما كان من الاتفاق على استغلال آبار البترول؛ فقد أصبحت حياة الإنسان في هذا العصر أهون شأنًا وأقل خطرًا ممَّا تُخرج الأرض من ثمراتها الحية والميتة. فإذا شخَّصت هذا العصر بأنه عصر الحياة الإنسانية الرخيصة والمنافع الإنسانية الغالية، أو بأنه عصر الدمِ الإنساني الذي لا تبلغ قيمته قيمة البترول الذي يبسط السلطان ويدر المال؛ فلست غاليًا ولا متجاوزًا للحق.

    وكنت أفكر في هذا كله منذ وقت طويل، وأحمد الله الذي لا يُحمد على المكروه سواه، وأقول لنفسي ولكثير من الناس إننا ما زلنا في عافية ممَّا يُمتحَن به غيرنا من رخص الحياة الإنسانية وغلاء المال والمنافع والمطامع على حقارتها.

    ولكن الحضارة الحديثة قد ألغت المسافات والآماد، وقاربت بين الناس على ما يكون بينهم من تباعُد الأقطار والديار. وقد كُنَّا نرى ذلك خيرًا ونعُده رقيًّا ودنوًّا إلى توحيد العالم أو تخفيف ما بينه من الفروق، وإلى جمع الناس على كلمة سواء وتطهير قلوبهم من الضغن وتخليص نفوسهم من البغي، وتمكينهم من أن يعيشوا إخوانًا، يعيشون على ما أباح الله لهم من طيِّبات الحياة دون أن يستغل بعضهم بعضًا، أو يستذل بعضهم بعضًا، أو يستعلي بعضهم على بعض، أو يتخذ بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله.

    فقد تبين أنَّا كُنَّا نخدع أنفسنا، ونطمع في غير مطمع، ونتمنى ما لم يَؤُنْ أوان تحقيقه بعدُ. وتبيَّنَّا أن الشر يغري بالشر، وأن النكر يدعو إلى النكر، وأن الموت يرغب في الموت.

    ونحن نصبح ذات يوم، فإذا الهول يتكشف لنا كأشنع ما يكون الهول، وإذا بعض المصريين يمكرون ببعض، وإذا الموت يريد أن يتسلَّط على مصر كما تَسَلَّطَ على كثير غيرها من أقطار الأرض. وإذا كل واحد منَّا كان آمنًا أمن الغفلة الغافلة، يظن أنه لن يتعرض إلا لما يتعرض له الناس الآمنون من هذه الآفات التي لا يسلطها الإنسان على الإنسان، وإنما تسلطها الطبيعة على الحياة. إنَّا كنَّا غافلين حقًّا، خدعَنا ما عرفناه عن وطننا هذا الوادع الهادئ الكريم، الذي لا يحب العنف ولا يألفه ولا يحب أن يبلغ أرضه، فضلًا عن أن يستقر فيها. ولِمَ لا؟ ألم نشهد منذ عامين اثنين ثورة يشبها الجيش وفي يده من وسائل البأس والبطش ما يُغري بإزهاق النفوس وسفك الدماء، ولكنه يملك نفسه ويملك يده، فلا يزهق نفسًا ولا يسفك دمًا، ولا يأتي من الشدة إلا ما يمكن تدارُكه، ولا يجرح إلا وهو قادر على أن يرفق. وإذا ثورتنا فذة بين الثورات، لا تأتي من الأمر ما لا سبيل إلى إصلاحه غدًا أو بعد غد.

    كل هذا لأن مصر لا تحب العنف ولا تألَفه، ولأن نفوس أهلها نقية نقاء جوها، صافية صفاء سمائها، مشرقة إشراق شمسها، تسعى في طريقها مطمئنَّةً كما يسعى نيلها مطمئنًّا ناشرًا للخصب والنعيم من حوله، تضطرب فيها الضغائن والأحقاد بين حين وحين. ولكنها لا تلبث أن تثوب إلى العافية كما تثور فيها الرياح فتملأ الجو غبارًا، ثم لا تلبث أن تعود إلى الهدوء الهادئ المطمئن.

    كذلك عرفنا مصر في عصورها المختلفة، وكذلك رأيناها حين ثار جيشها منذ عامين فأخرج الطاغية، لكنه أخرجه موفورًا يحيا كما يحب أن يحيا، مكفوف الأذى عن مصر لم يؤذِ نفسه قليلًا ولا كثيرًا.

    واشتد على بعض أبنائها شدة يمكن أن يتداركها باللِّين في يوم من أيام الصفو هذه التي تعرف كيف تملأ قلوب المصريين حبًّا ودعة وأمنًا وسلامًا. ولكننا نصبح ذات يوم فنستكشف أن فريقًا منَّا كانوا يهيئون الموت والهول والنُّكر لإخوانهم في الحياة التي يُقَدِّسُهَا الدين كما لا يُقَدِّسُ شيئًا آخر غيرها من أمور الناس.

    ما هذه الأسلحة؟ وما هذه الذخيرة التي تُدَّخَرُ في بيوت الأحياء وفي قبور الموتى؟ ما هذا المكر الذي يُمكر؟ وما هذه الخطط التي تُدبَّر؟ وما هذا الكيد الذي يُكاد؟ لمَ كل هذا الشر ولمَ كل هذا النكر؟ ولمَ رخصت حياة المصريين على المصريين كما رخصت حياة الجزائريين والمراكشيين والتونسيين على الفرنسيين؟ وكما رخصت حياة الأفريقيين والآسيويين على الإنجليز؟

    يقال إن حياة المصريين إنما رخصت على المصريين بأمر الإسلام الذي لم يحرم شيئًا كما حرم القتل، ولم يأمر بشيء كما أمر بالتعاون على البر والتقوى، ولم يَنْهَ عن شيء كما نهى عن التعاون على الإثم والعدوان، ولم يُرغب في شيء كما رغَّب في العدل والإحسان والبر، ولم يُنَفِّرْ من شيء كما نفَّر من الفحشاء والمنكر والبغي.

    هيهات أن الإسلام لا يأمر بادِّخار الموت للمسلمين، وإنما يعصم دماء المسلمين متى شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويرى قتل النفس البريئة من أكبر الإثم وأبشع الجرم، وإنما هي العدوى المنكرة جاء بعضها من أعماق التاريخ وأقبل بعضها الآخر من جهات الأرض الأربع التي تُستحل فيها المحارم وتُسفك فيها الدماء بغير الحق، ويُستحب فيها الموت لأيسر الأمر.

    جاء بعضها من أعماق التاريخ، من أولئك الذين قال فيهم رسول الله ﷺ إنهم يقرءون القرآن لا يتجاوز تراقيهم، والذين كان أيسر شيء عليهم أن يستبيحوا دماء المسلمين مهما تكن منازلهم في الإسلام، وأن يتحرجوا فيما عدا ذلك تَحرُّج الحمقى لا تَحرُّج الذين يتدبرون ويتفكرون ويعرفون ما يأتون وما يدعون، وجاءهم بعضها الآخر من هذا الشر المحيط الذي ملأ الأرض ظلمًا وفسادًا، من هذا القتل المتصل في الحروب يثيرها بعض الأقوياء على بعض، وفي البطش يصبُّه الأقوياء على الضعفاء في البلاد المستعمرة التي يريد أهلها الحرية، ويأبى المتسلطون عليها إلا الخضوع والإذعان والسمع والطاعة، يفرضون ذلك عليها بالحديد والنار.

    وأنباء هذا الشر المحيط تملأ الجو من طريق الراديو، وتملأ القلوب والعقول من طريق الصحف، وتثير في نفوس الأخيار حزنًا ولوعة، وفي نفوس غيرهم ميلًا إلى الشر ورغبة فيه وتهالكًا عليه.

    لم يأتِ هذا الشر الذي تشقى به مصر الآن من طبيعة المصريين لأنها في نفسها خيرة، ولا من طبيعة الإسلام لأنه أسمح وأطهر من ذلك، وإنما جاء من هذه العدوى.

    والخير كل الخير هو أن نطب لهذا الوباء كما نطب لغيره من الأوبئة التي تجتاح الشعوب بين حين وحين، وقد تعلَّم الناس كيف يطبون للأوبئة التي تجتاح الأجسام وتدفعها إلى الموت دفعًا. فمتى يتعلَّمون الطب لهذا الوباء الذي يجتاح النفوس والقلوب والعقول، فيُغريها بالشر ويدفعها إلى نشره وإذاعته، ويملأ الأرض بها فسادًا وجورًا.

    بهذا يأمر الله عز وجل في القرآن العزيز حين يقول في الآية الكريمة: ( وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ).

  • لقاء بعد يأس | A Meeting After Despair

    لقاء بعد يأس

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ٢٠ مايو ١٩٤٥

    عرفته من بعيد كما عرفه المثقفون جميعًا في أقطار الأرض كلها؛ لأن شخصيته الثقافية والسياسية فرضته على هؤلاء المثقفين فرضًا منذ الحرب العالمية الماضية.

    ولعلي قد سمعت اسمه لأول مرة قبل تلك الحرب، وقبل أن أتصل بالثقافة الأوروبية اتصالًا مباشرًا، حين كان الطلاب المصريون الذين كانوا يدرسون في مدينة ليون يتحدثون بشئون مصر السياسية، فيجدون من عمدة المدينة رعاية لهم، وعناية بهم، وعطفًا عليهم. ثم سمعت اسمه حين كنت طالبًا في باريس أثناء الحرب، وحين كان وزيرًا من وزراء الحرب، وحين كان الفرنسيون يذكرون اسمه في شيء كثير من الحب الباسم والدعابة الرائقة. فقد اقترن اسمه دائمًا في نفوس الفرنسيين بالحب والدعابة والابتسام؛ لأنه هو نفسه مبتسم دائمًا، مداعب دائمًا، محب دائمًا.

    ثم سمعت اسمه بعد ذلك يُذكر في أجيال من الذين تخرجوا في مدرسة المعلمين العليا مقرونًا كذلك بالدعابة والابتسام والحب، وسمعت تندر هؤلاء الأجيال من خريجي مدرسة المعلمين العليا بدعابة هذا الوزير الممتاز حين كان طالبًا في هذه المدرسة، وعبثه بأترابه وأساتذته، ومقرونًا كذلك بكثير جدًّا من الثناء على حديثه العذب، وأدبه الغض، وبحثه العلمي الممتاز. ثم قرأت كتابه عن الحسناء الفرنسية المعروفة مدام ريكامييه، فأُعجبت بالكتاب أشد الإعجاب، وأكبرت الكاتب أعظم الإكبار، وتتبعت ما ظهر من كتبه، وترقبت ما كان ينتظر أن يظهر، وأصبحت منذ ذلك الوقت صديقًا له من بعيد. ثم كثر ذكر إدوار هريو في الصحف الفرنسية والعالمية؛ لأنه أصبح منذ سنة ١٩٢٤ مؤثرًا عظيم الخطر في السياسة الفرنسية والعالمية، ولم أره مع ذلك إلا في صيف ١٩٣٧.

    وقد لقيته في باريس حين اجتمع أصدقاء المدارس الفرنسية في الشرق برياسته، فلم أكد أسمع منه، وأتحدث إليه حتى استيقنت بأن الصورة التي ارتسمت له في نفسي كانت مقاربة شديدة الصدق.

    ثم كثر التقاؤنا بعد ذلك في تلك المؤتمرات التي كانت تُعقد في باريس حول المعرض العالمي، كمؤتمر التعليم الجامعي، ومؤتمر التعاون الفكري، واللجنة الدائمة للفنون والآداب. ولم أكن أقدر أن الصلة بينه وبيني ستزيد على هذا المقدار، ولكني لم أكد أعود إلى مصر في آخر الصيف من ذلك العام، وأستقر فيها أشهرًا حتى علمت أنه سيزور مصر؛ ليضع الحجر الأساسي للمدرسة الفرنسية التي أُنشئت في هليوبوليس. والناس يذكرون وصوله إلى هذه البلاد في أبريل سنة ١٩٣٨، واحتفاء الحكومة والجامعة به، وتكريم المثقفين المصريين له، وإهداء الجامعة إليه درجة الدكتوراه الفخرية. وقد كنت ألقاه في هذه الحفلات كلها كما كان يلقاه غيري من المصريين، إلا أن إهداء درجة الدكتوراه إليه أنشأ بينه وبيني صلة خاصة. فقد كنت عميدًا لكلية الآداب التي أهدت إليه هذه الدرجة الفخرية. وكان منذ ذلك الوقت يزعم أني أصبحت عميده، وأنه أصبح يدين لي بشيء من الخضوع على حد قوله. ولست أنسى أنه لقيني بعد ذلك في المفوضية الفرنسية بهذه الجملة الظريفة: «سيدي العميد: لن ترى بين زملائك من سيكون أحرص مني على طاعتك.»

    وقد زرت معه حفائر الجامعة في تونة الجبل، ونزلنا ضيفًا على صديقنا الأستاذ سامي جبرة، وأقمنا في هذه الحفائر يومًا كاملًا، رأيت فيه من قرب إدوار هريو زائر للآثار مستقصيًا للبحث قارئًا للنقوش اليونانية، مجتهدًا في قراءة النقوش الهيروغليفية مستعينًا على هذه وتلك الأساتذة جوجيه، ودريوتون، وسامي جبره، مستفسرًا مستوضحًا ملحًّا في الاستفسار والاستيضاح، مناقشًا فيما يلقى إليه، مقيدًا ما يسمع. كل ذلك في جو شديد القيظ، فقد كنَّا في شهر مايو، وفي أيام كالتي شهدناها في الأسبوع الماضي، وفي الصحراء. وقد بدأ إدوار هريو زيارته للآثار مع الصبح ولم يسترح إلا حين دُعي إلى الغداء، ولعله ضاق بالدعوة إلى الغداء؛ لأنها قطعت عليه ما كان يحب أن يمضي فيه من البحث والاستقصاء. ولكننا نحن نعمنا بهذه الساعات القليلة التي قضيناها معه حول المائدة، وفي ظل حجرة من الحجرات نسمع منه، ونتحدث إليه في فنون مختلفة من الحديث، في الأدب والتاريخ، ولكنه كان يحرص على أن يفر من الأدب والتاريخ؛ ليسأل أصحاب الآثار عن آثارهم، وأصحاب الزراعة عن زراعتهم، فقد كان معنا من يعنى بالزراعة ويستطيع القول فيها. ولم تنتهِ الساعة الرابعة حتى أذن إدوار هريو في أصحابه باستئناف البحث، وزيارة الآثار، ومضى في ذلك ومضينا معه، حتى أقبل الليل، هنالك جلسنا نستريح حول تلك الساقية الرومانية التي اكتشفها الأستاذ سامي جبرة، والتي أُديرت في تلك الساعة، وجعلت تسمعنا صوتها الشجي، وتسمعنا خرير الماء في الصحراء المحرقة المرهقة، وجعل إدوار هريو في أثناء ذلك يسمعنا حديثه العذب، حديثه الذي لم يكن يتصل بالسياسة، ولا بلون معين من ألوان الثقافة، وإنما كان يرتفع عن هذا كله، ويمس هذا كله مسًّا رفيقًا. وأذكر من حديثه ذاك قوله لنا إنه وقد بلغ السادسة والستين من عمره، لا يحزن على شيء كما يحزن على ثلاث خصال: فهو لم يأخذ من الموسيقى الحظ الذي كان يتمناه، وهم لم يتعلم من اللغات الأجنبية المقدار الذي كان يحب أن يتعلمه، وهم لم يستطع أن يتخذ لنفسه دارًا في الريف الفرنسي. أمَّا أنَّه لم يستطع أن يتخذ لنفسه دارًا في الريف، فشيء ليس فيه شك. وأمَّا أنَّه لم يتعلم اللغات الأجنبية كما كان يحب، فيكفي أن نعرف أنه يحسن من هذه اللغات الأجنبية: الإنجليزية، والألمانية، والإيطالية، والإسبانية، وكان في ذلك الوقت يدرس الروسية. ثم دفعته زيارته لمصر إلى دراسة الهيروغليفية. ولست أذكر اليونانية واللاتينية؛ لأنه علم من أعلام الدراسات القديمة. وأمَّا أنَّه لم يحسن الموسيقى، فيكفي أن نعرف أن كتابه عن بتهوفن، هو خير ما أخرج للناس في فرنسا عن هذا الموسيقي العظيم. ولكنك تعرف الرجل المثقف الممتاز بهذه الخصلة التي تميزه من غيره حقًّا، وهي أنه شَره إلى المعرفة مهما يُحصِّل منها، ساخط على إنتاجه مهما يبلغ من الجودة والإتقان.

    وقد مضى إدوار هريو في زيارته لآثار مصر إلى غايتها، فحمَّل نفسه، وحمَّل أصحابه جهودًا ثقالًا. ولكنه عاد إلى فرنسا، فلم يمكث فيها أشهرًا، حتى أخرج كتابه عن هذه الزيارة، وإذا هو من خير ما يُقرأ، ومن أعظم الكتب التي أُخرجت في هذه الأيام عن الشرق الأدنى حظًّا من اللذة والإمتاع.

    وأخص ما يمتاز به إدوار هريو فيما يقول هو حبه لأداء الدَّيْن، فلم يكد يحول الحول على زيارته لمصر، وتلقيه فيما تلقَّى فيها من الحفاوة، حتى كانت الحكومة الفرنسية تهدي إلى وزير المعارف إذ ذاك، وإلى وزير المواصلات، وسام اللجيون دونور. أحد الوزيرين تلقاه في الجامعة، وقدم إليه باسمها دبلوم الدكتوراه، والآخر يسر له أسفاره في أنحاء المملكة. وحتى كانت جامعة ليون تدعو عميد كلية الآداب لشهود افتتاح العام الجامعي فيها في نوفمبر سنة ١٩٣٨، وتهدي إليه درجة الدكتوراه الفخرية. وحتى كنت أقضي مع عمدة ليون في مدينته يومًا كالذي قضاه معي في القاهرة، وفي تونة الجبل.

    على أن حب إدوار لأداء الدَّين عنصر أساسي من عناصر شخصيته السياسية، فالفرنسيون جميعًا يعرفون هذه الخصلة من خصاله، يحبها كثير منهم، وينكرها كثير منهم أيضًا؛ لأنه لا يرضى لنفسه أن يلتوي بدينه الخاص، ولا يرضى لوطنه أن يلتوي بدينه العام. وقد اختلف الفرنسيون في أداء ديون الحرب الماضية إلى أمريكا، أو في طريقة أداء هذه الديون. فكان فريق منهم يريد أن تُلغى هذه الديون كلها أو بعضها، وكان كليمنصو على رأس هؤلاء الناس. وكان فريق آخر يريد أن تؤدى هذه الديون، يرى أن الالتواء بالدَّين لا يلائم مكانة فرنسا، ولا منفعتها في المستقبل. وكان هريو على رأس هؤلاء الناس، وقد سقطت وزارته من أجل حرصه على الوفاء بالدين.

    فإذا أردت أن تعرف عنصرًا آخر من العناصر الأساسية لشخصية هريو السياسية، فهو حبه للسلم، واستعداده للتضحية في سبيل هذه السلم بكثير جدًّا من ألوان الغرور الوطني. فهو الذي خاصم بوانكاريه حول احتلال وادي الرور، ولم يسترح حتى أجلى الجيوش الفرنسية عن هذا الجزء من أجزاء ألمانيا؛ إيثارًا للعافية، وحرصًا على استصلاح المغلوبين، واجتناب الكيد الذي كان يُكاد حول فرنسا مع بعض حلفائها. وهو الذي سعى وألح في السعي؛ للتقريب بين فرنسا وروسيا السوفيتية؛ فزار روسيا غير مرة، ودافع عن استئناف العلاقات معها، واستئناف السياسة التقليدية بينها وبين وطنه دفاعًا عرَّضه لكثير من العنت، ولألوان الكيد الذي كاده له رأس المال، وأنصاره من المحافظين.

    وقد كان إدوار هريو لسان أنصار السلم من الفرنسيين في عصبة الأمم، ورئيس لجنة التعاون الفكري في هذه العصبة، وخطبه السياسية والثقافية في جنيف ما زالت باقية في آذان الذين سمعوها، وفي أذهان الذي قرءوها إلى الآن.

    وهناك عنصر آخر يكمل الشخصية السياسية لأدوار هريو، وهو يتصل بالسياسة الفرنسية؛ فإدوار هريو ديمقراطي بأوسع معاني هذه الكلمة وأدقها، لا يكاد يفصله من الاشتراكيين إلا استبقاؤه للملكية، واحتياطه في تسليط الدولة على كل شيء. وهو الذي قرر المجانية في التعليم الثانوي الفرنسي، وترك في التعليم الفرنسي كله آثارًا لا تُمحى؛ فهو من أشد المؤيدين للمدرسة الواحدة، ومن أشد المقتنعين بمدنية التعليم، ومن أقوى المجاهدين في جعل التعليم على اختلاف فروعه ودرجاته حقًّا مباحًا للمواطنين جميعًا لا يردهم عنه فقر وضعف، ولا طبقة اجتماعية مهما تكن.

    هذه هي الشخصية السياسية لإدوار هريو أجملتها إجمالًا شديدًا جدًّا. فأما شخصيته الأدبية فرائعة حقًّا، فلست أعرف أني لقيت رجلًا ظفر بمثل ما ظفر به إدوار هريو من هذه الثقافة الواسعة إلى غير أمد، العميقة إلى غير مدى، المترفة إلى غير حد. وما قولك في رجل يستطيع أن يتحدث في أي لون من ألوان العلم، وفي أي ضرب من ضروب الأدب الفرنسي والأجنبي، وفي أي فن من الفنون الجميلة، وفي أي فرع من فروع السياسة والإدارة، حديث المتقن العالم بما يقول، الفاهم لما يسمع، لا حديث من يتكلف أو يصطنع أو يستعير، وإنما هو أصيل في كل ما يأخذ فيه من أطراف الحديث، وكتبه نفسها تصوِّر أروع تصوير هذه الثقافة الواسعة العميقة المترفة ذات الألوان المختلفة، والثمرات المتباينة. فهو يكتب في الأدب الفرنسي، وفي التاريخ الفرنسي، وفي الفن الفرنسي، وهو يكتب في تاريخ الثقافة الإسكندرية القديمة، وهو يزور البلقان، فيكتب عن البلقان، وعن اليونان خاصة، ويزور الشرق فيكتب عن الشرق، عن تاريخه القديم والحديث، وعن الصلة بينه وبين أوروبا، ويزور مصر فيكتب عن مصر قديمها وحديثها، وهو يكتب في الموسيقى، وهو على تقدم سنه، وكثرة عمله في رياسة مجلس النوَّاب، وإدارة مدينة ليون، وفي ما ينشئ من الكتب، وما يدرس من مصادر التاريخ للثورة الفرنسية في مدينة ليون، يتعلم الروسية، ويتعلم الهيروغليفية، ويحاول أن يتعلم العربية. وهو على هذا كله أشد الناس هدوءًا، وأعظمهم اطمئنانًا، وأوفرهم حظًّا من اعتدال المزاج، لا تلقاه إلا راضيًا، ولا تراه إلا باسمًا، ولا تتحدث إليه إلا سمعت منه الفكاهة النادرة والنكتة الظريفة، والحديث الذي يغذو العقل والروح. وبينما كان إدوار هريو ماضيًا في حياته هذه الهادئة العنيفة الخصبة، أقبلت الحرب العالمية الثانية، فلقيها كما لقي الحرب الأولى حازمًا عازمًا باسمًا مؤمنًا بأن الكلمة الأخيرة ستكون للحق والعدل، وبأن وطنه سيخرج من الحرب الثانية ظافرًا كما خرج ظافرًا من الحرب الأولى.

    ولكن الكوارث تلم، والنوائب تنوب، وإذا الجيوش الفرنسية تقهر، وإذا الماريشال بيتان يطلب الهدنة، ويقبل شروط المنتصر، وإذا نظام الحكم في فرنسا يتغير، وتقوم فيها حكومة الطغيان بأعين العدو، وإذا الزعماء الفرنسيون الأحرار يتفرقون، فمنهم من يُتاح له الفرار، ومنهم من يأخذه العدو. ولكن إدوار هريو مقيم على عهده لفرنسا الكبرى ذات النظام الديمقراطي الصحيح، يدير الشئون في مكتب مجلس النوَّاب كما كان يفعل قبل أن تلم الملمة، والنذر تسعى إليه سرًّا وجهرًا فلا يحفل بها، ولا يلتفت إليها، والرئيس روزفلت يدعوه إلى أمريكا ليقيم فيها حتى تنجلي الغمرة فيعتذر شاكرًا.

    ثم تنتهي المحنة إلى أقصاها فيؤخذ ويُعتقل، ويُمتحن في جسمه وفي عقله، فهو لا يستمتع بما تحتاج إليه سِنُّه من العناية، ولا يستمتع بما يحتاج إليه عقله من الغذاء، وإنما هو أسير في يد الفرنسيين المتعاونين مع ألمانيا، وفي يد الألمانيين.

    ثم يُنقل إلى ألمانيا، ويقيم فيها بين بوتسدام وبرلين في مستشفى من المستشفيات، حتى يأتي الجيش الأحمر فينقذه من الأسر، ويرده إلى الحرية.

    وقد أخذه الجيش الأحمر فُجاءة، ورده إلى الحرية عجلًا، وبعد به عن المستشفى أمدًا غير قصير. ولكنه حريص دائمًا على أداء الدَّين، وهو لم يودِّع مدير المستشفى الألماني، ولم يشكر له أنه كان حسن الرعاية له، فهو يستأذن القائد الروسي، ويلح في الاستئذان حتى يرده القائد إلى المستشفى، فيشكر مضيفه الألماني، ويودِّعه وداعًا جميلًا، وفي نفسه مع ذلك من بغض الألمان نار ليس إلى إطفائها من سبيل.

    وقد لقيت إدوار هريو ظهر الخميس الماضي، واجتمعت معه بعد هذه المحنة، كما اجتمعت معه قبلها حول مائدة الغداء، وتحدثت إليه وسمعت منه بعد الغداء، فإذا هو كعهدي به لم يتغير، وقد سألته وأنا أودعه: أتصدر لنا كتابًا في وقت قريب؟ قال وهو يضحك، ويضع يده على كتفي: في وقت قريب جدًّا أيها الصديق العزيز.

  • بطولة … | Heroism…

    بطولة …
    طه حسين
    كوكب الشرق
    ١٩ فبراير ١٩٣٤

    نعم بطولة كأرقى ما عرف الناس من أنواع البطولة في تاريخهم القديم والحديث، قوامها هذه العظمة التي يُحبها الناس جميعًا، ويأنس إليها الناس جميعًا، والتي تُثير الإعجاب في نفوس كبار النَّاس، وتُثِيرُ الحُبَّ والوُدَّ في نُفُوسِ صِغَارِهِم، وتُحِيطُ صَاحِبها بجوٍّ صافٍ نقيٍّ من إكبار الناس له، وإخلاصهم في حبه، واتخاذه مثلًا أعلى لكل ما تكمل به رجولة الرجل العظيم، بطولة كأرقى ما عرف الناس من أنواع البطولة.
    هذه التي امتاز بها الملك ألبير، شهيد البلجيكيين، أول أمس؛ فقد عاش عيشة البطل، ومات ميتة البطل، وسيتحدث الناس إلى آخر الدهر عن حياته العظيمة كما سيتحدث الناس إلى آخر الدهر عن موته العظيم.
    كل الناس عرضة لأن يلقى ما لقيه الملك ألبير فتزل به قدمه، ويهوي من القمة إلى القاع، ويدركه الموت في أثناء ذلك، ولكن الملوك قلما يعرض لهم مثل ما عرض لهذا الملك؛ فأنت تستطيع أن تبحث عن الملوك والرؤساء، بل تستطيع أن تبحث عن القادة والسادة وأشراف الرجال وأغنيائهم. هؤلاء الذين يخرجون للرياضة منفردين لا تُحيط بهم الحاشية، ولا يطيف بهم الأتباع، ولا تسبقهم الطلائع، ولا تسعى في آثارهم الأمداد.
    تستطيع أن تبحث عن هذا الرجل ذي المكانة الذي يخرج للرياضة ليس معه إلا خادم، والذي يخرج للرياضة وهو يسوقُ عَرَبَته، والذي يبلغ مكانَ رياضته فيدع خادمه في عربته، ويصعد في الجبل وحيدًا فريدًا كما يصعد في الجبل أقل الناس شأنًا، وأيسرهم خطرًا، ثم ما يزال يصعد وحيدًا فريدًا حتى يشرف من القمة، ثم تزل به قدمه ويُدركه المَوتُ وَحِيدًا فَرِيدًا أَيضًا، ثم يستبطئه خادمه فيستعين الشرطة وغير الشرطة على البحث عنه.
    وما يَزَالُ النَّاسُ يبحثون وينقبون حتى يظفروا بجسمه الضئيل العظيم مُلقًى في بعض القاع، فيحتملونه كما تحتمل الأجسام الضئيلة، ويعودون به إلى قصر الملك كما يعود أيسر الناس بأيسر الناس إلى أيسر الدور والأكواخ.
    موت عظيم لرجل عظيم، موت يُصوِّر إلى أي حد ترتقي ببعض الناس نفوسهم عن زخرف الحياة، ومظاهر الجلال الكاذب فيها، حتى يزدروا زُخرف الحياةِ ومظاهر الجلال الكاذب، وحتى ينتهوا إلى الحياة التي تَسْتَحِق أنْ تُسمى هذا الاسم، ويبلغوا الجلال الذي يستحق أن يُسَمَّى جلالًا.
    موت عظيم لرجل عظيم، موتٌ يُصَوِّرُ إلى أي حد ترفع الفلسفة اليسيرة الساذجة نفوس بعض الناس حتى تجردها من كل ما يتعلق به الناس، وتسمو بها إلى حيث لم يتعوَّد الناس أن يسموا، وإذا هي تنتهي بهم إلى المساواة في الحياة بأدق معاني المساواة، ثم إلى هذه المساواة الأخرى التي يؤمن الناس بها جميعًا، ولا يقبلون فيها مُنَاقَشَةً ولا جِدَالًا؛ لِأَنَّها أَوضح وأجلى من أن تحتمل المناقشة والجدال، بل هم لا يُحِبُّون أَنْ يَذْكُروها ولا أن يتحدثوا فيها، وهي المساواة أمام الموت.
    موت عظيم لرجل عظيم، موت يُصَوِّر هذا البَطَل وقد سوى في الحياة بينه وبين غيره من الناس؛ لأنه كان يعلم وكان يقدر أن الطبيعة قد سوَّت بينه وبينهم في الموت، ولم ينخدع بهذه الأوضاع والأعراض الزَّائِلَة التي جعلتْ له بين الناس في حياته مقامًا مُمْتازًا، ومَكَانًا رَفِيعًا، بل لم يؤمن لهذه الحقائق الخالدة العُليا التي مَيَّزَتْهُ من الناس بقلبه الذكي، وخُلُقه الرَّضي، وحلمه الراجح، وصبره الذي لا يشبه صبر، وثباته الذي لا يدانيه ثبات.
    رقى هذا الرجل إلى عرش بلجيكا؛ فلم يكد يستقر فيه حتى خلصت حياته كلها لشعبه، وطابت نفسه عَمَّا لا تطيب عنه نفوس الناس في سبيل هذا الشعب؛ فكان لا يعمل إلا له، ولا يُفَكِّر إلا فيه، ولا يسعد إلا إن رآه سعيدًا، ولا ينعم إلا إنْ رَآه نَاعِمَ البَال، وكانت الحياةُ حياةَ سلم، فسلك في خدمة شَعْبِهِ طُرُقَ السلم حتى إذا أحسَّ الناسُ مَقْدِمَ الحرب تأهب للحرب، وجَدَّ في تقوية شعبه وتهيئته لاستقبال الكارثة إنْ أَقْبَلَتْ، فَلَمَّا أقبلت الحرب لم تجد رجلًا ساهيًا ولا لاهيًا ولا مُقَصِّرًا. ولم تجد بنوع خاص رجلًا أثرًا، ولا مترددًا، ولا ضعيفًا، ولا مُستهينًا بالكرامة، ولا مُتهاونًا فيما تفرضه الفضيلة على الأمم الحرة المستقلة من الاستبسال والتضحية في سبيل الذود الكريم عن الحرية والاستقلال.
    وإن الذين يذكرون أوائل الحرب الكبرى ليذكرون في الوقت نفسه ما كان يملأ نفوسهم من الإعجاب بهذا الرجل الذي لم يكن جاهلًا ولا مغرورًا، والذي كان يقدر قوة شعبه ويقيسها إلى قوة ألمانيا، والذي كان يعلم حق العِلْم أَنَّهُ أَضْعَف مِنْ أَنْ يثبت لهذا العدو الذي لم تكن قواه تُحدُّ، ولكنه مع ذلك لم يضعف ولم يستسلم، ولم يُفَكِّر إلا في العِزَّة والكرامة، ولم يقارن بين الكرامة والمنفعة، ولم يشك في قوة الحق وإنْ ظَهَرَ ضعيفًا، وفي ضعف الباطل وإن ظهر قويًّا.
    نعم، إنَّ الذين يذكرون أوائل الحرب يذكرون تلك اللغة الحَازِمَة المُلْتَهِبَة التي كان يتحدث بها هذا الملك إلى عَدُوِّه الوقح كما كان يُسَمِّيه، وإلى أُمَّتِهِ الكريمة كما كان يُسميها، والذين يذكرون الحرب يذكرون معها كيف صبر هذا الرجل للكوارث، وكيف ثبت للخطوب، وكيف لم يُؤْيَسه انتصارُ العدو، وكيف لم يُقنِّطه انهزام الحليف، وكيف امتلأ قلبه إيمانًا بالحق، فاندفعت نفسه إلى التضحية في سبيل الحق، وكيف قدَّم نفسه، بل كيف كان يُقَدِّمها في كل ساعة من ساعات الحرب فداءً لشعبه، وكيف أقام فيما بقي له من أرض الوطن ضعيفًا في ظاهر الأمر، ولكنه قوي في حقيقة الأمر، مَغْلُوبًا في ظاهرِ الأَمْرِ، ولكنه مُنْتَصِرٌ في حقيقة الأمر، منتصر لا على ألمانيا وحدها، منتصر لا على ألمانيا وحلفائها، منتصر لا على هذه الكوارث والخطوب التي كانت تحدق به وتدهمه من حين إلى حين، بل مُنْتَصِرًا على العالم كله، وعلى الإنسانية كلها؛ لأنه انتصر على نفسه وعلَّمها كيف تكون فوق الحوادث، وكيف تكون فوق الخطوب، وكيف لا تجعل لليأس ولا للشك إليها سبيلًا.
    ثم تنتهي الحرب ويتم الظفر لهذا الملك وحلفائه، ويعودُ إلى عاصمة مُلْكِهِ مُنْتَصِرًا كريمًا؛ فلا يطغيه الفوز، ولا يُبطره الانتصار، ولا يطمع من شعبه ولا من غير شعبه في إكبار ولا إجلال ولا مكافأة، ولا شيء يُشبه المكافأة؛ لكثرة ما احتمل، وكثرة ما ضَحَّى، ولحُسْنِ بَلَائِه في خدمة الوطن؛ لأنه لم يكن يعتقد أنه زاد على أن أدى واجبه الوطني كما كان يُؤَدِّيه غيره من أفراد الشعب، وإنما نهض بأعباء الحرب ما قامت الحربُ؛ فلما انطفأت جذوتها نهض بأعمال السلم كما ينبغي أن ينهض الملوك بأعباء السلم، كان مُتْعَبًا مَكْدُودًا أثناء الحرب، ولكنه لم يسترح ولم يهدأ في أوقات السلم، إنما استبدل تعبًا بتعبٍ، وكدًّا بكد، وعناء بعناء، ولم يكن يتعب لنفسه ولا يكد لها، ولا يُفَكِّرُ فيها، وإنما كان تعبه وكده وتفكيره في الحرب والسلم لشعبه، ولشعبه ليس غير.
    إن الذين يذكرون الحرب الكبرى لن ينسوا بسالة الملك ألبير، وإن الذين يذكرون السلم لن ينسوا إخلاص الملك ألبير لشعبه ومعونته له في جميع فروع الحياة، لقد كان حكمًا بين الأحزاب السياسية كأحسن ما يكون الحكم، عدلًا وإنصافًا وتنزهًا عن الغرض، وارتفاعًا عن الخصومات. لقد كان عونًا للعِلْمِ والأَدَبِ كأحسن ما يكون أعوان العلم والأدب، يشجعُ العُلَمَاء والأُدَباء على أن يبحثوا وينتجوا، يُغريهم بالبحث، ويغريهم بالإنتاج، ويخلق لهم من أسباب العون ما لم يكونوا يُقدِّرون أن يظفروا به، يمنحهم من ماله، ويمنحهم من مال غيره ببذل، ويدعو غيره إلى البذل، ولا يتحرج من أن يقف موقف الدُّعاة إلى الاكتتاب لمعونة العلم والأدب، لا في وطنه وحده؛ بل في البلاد المثقفة المُتَحَضِّرة كلها.
    ليس غريبًا أنْ يظفر ملك كهذا الملك بما كان يظفر به من حب الشعب له، وفنائه فيه، لقد زُرت بلجيكا منذ أكثر من عشر سنين، ووصلت إليها في اليوم الذي كان البلجيكيون يحتفلون فيه بعيد ميلاد الملك، ووصفتُ في غيرِ هذا المكان مَا مَلأَ نَفْسِي إعجابًا من حُبِّ الشَّعْب البلجيكي لملكه، وابتهاج الشعب البلجيكي بعيد ملكه.
    لم يكن هذا العيد عيد الملك، ولم يكن عيد الشعب جملة، وإنما كان عيدًا لكل فرد من أفراد الشعب، كان عيدًا في كل أسرة، وكان عيدًا في كل مكان، وكان عيدًا صَادِقًا خَالِصًا. ولقد رَأَيْتُهُ وقد دعا إلى قصره أعضاء مؤتمر التاريخ، فلمَّا استقبلهم جميعًا كما يُستقبل الملوك صَافَحَهُم، وألقى إلى كل منهم كلمة من كلمات المُجَامَلة العادية؛ نظرت فإذا المؤتمرون جميعًا في غرفة واحدة حول الشاي، وإذا الملك وأسرته بينهم كما تكون أنت وكما أكون أنا بين المدعوين، يتنقل من مكان إلى مكان: يتحدث إلى هذا، ثم يتحدث إلى ذلك، ثُمَّ يُطِيلُ الحديث مع من يعرف من العلماء، وما أكثر من كان يعرف منهم، ويوجز الحديث مُتَلَطِّفًا مع الذين لم يكن يعرفهم من قبل، ويجد على كل حالٍ شَيئًا يَقُولُه، ويتلقى على كل حال بالظرف واللطف والإيناس ما كان يسمعه مهما يكن، ومهما يكن قائله. هنالك عرفتُ أنَّ الملكية تستطيع أن تُلائم الديمقراطية حقًّا، هنالك عرفت أن الملكية تستطيع أن لا تكون كما يُريها بعض الأوربيين.
    هذا الشيء الذي يأبى أن يتطور، ويمتنع على تقدم الحياة، وإنما هو شيء يُلَائِمُ رُقِيَّ الناس ورُقي عقولهم، وقلوبهم، وشعورهم، وحاجتهم إلى الحرية والمساواة، وهنالك عرفت أنَّ الملكية على هذا النَّحو ليستْ كَمَا يقول خصومها أثرًا من آثار القرون الماضية، وإنما هي نظام قادر على الحياة، وقابل للبقاء المنتج الخصب المفيد.
    وهنالك عرفت كيف يكون حب الشعوب الحرة الأوروبية للملوك، وكيف يكون حب الملوك للشعوب، وكيف يستطيع عرش أوروبي أن يثبت بينما كانت العُروش الأوروبية تنهار من حوله بعد الحرب الكبرى.
    ولقد كان الملك ألبير مثلًا صالحًا، وقدوة حسنة، لا للشعب وحده، بل لأسرته كلها أيضًا؛ فالناس يذكرون كيف كانت تخرج حَفيدته وامرأة ولي العهد — وملكة بلجيكا غدًا — كيف كانت تخرج لتروض ابْنَهَا، فإِذَا هي تَدْفَعُ عَرَبته الصغيرة كما تدفع أي امرأة من نساء الشعب عربة ابنها الصغير.
    ليس هينًا هذا الخطب الذي أَلَمَّ بالشعب البلجيكي العظيم في ملكها العظيم؛ لأنه ليس مقصورًا على بلجيكا، بينما هو خطب عام للإنسانية كلها في مثل من المثل العليا للإنسان الكامل حقًّا. فليحسن الله عزاء الأسرة المالكة البلجيكية عن زعيمها، وليحسن الله عزاء بلجيكا عن عظيمها، وليحسن الله عزاء الإنسانية عن هذا المثل الأعلى الخالد.

  • تعليم | Education

    تعليم

    كنت في الفصل الماضي أضع الثقافة موضع البحث، وألاحظ أن التطور الحديث الذي خضعنا له منذ أول القرن الماضي قد أثّر في ثقافتنا هذه آثارًا مختلفة، وذهب بها في طرق متباعدة، فتناقضت، وباين بعضها بعضًا.

    وكانت لنا عقول متفاوتة، يذهب كل منها في التصور والتفكير والحكم مذهبًا لا يذهبه الآخر. فالعقل الأزهري، والعقل الذي تنتجه المدارس المدنية الخالصة، والعقل الذي تنتجه المدارس المشتركة بين النظامين الديني والمدني، كل هذه العقول تتصور وتحكم وتفكر على أسلوب خاص بها، مقصور عليها.

    وينتج من هذا أن وحدتنا القومية شبه ضعيفة واهية، معرضة للخطر إذا عصفت بها الحوادث، وأصابتها فتنة أو محنة من هذه الفتن التي لا تكاد ترى منها أمة من الأمم في عصر من العصور.

    وكنت أرى أن الخير إنما هو في أن يجتهد المشرفون على التعليم في وزارة المعارف والأزهر في أن يقربوا مسافات الخلف بين هذه العقول المتباعدة، حتى تصبح لنا ثقافة واحدة، وحتى نصبح بفضل هذه الثقافة أمة واحدة بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة.

    وأنا أحب أن أعود إلى هذا الموضوع اليوم، لا لأوجز، بل لأستقصي القول فيه. فكل شيء يدعو المفكرين في مصر الآن إلى أن يتناولوا هذا الموضوع بالدرس والاستقصاء.

    فنحن ننفق من حياتنا القومية عصرًا سيكون له أعظم الأثر، لا في مستقبلنا وحده، بل في مستقبل الشرق العربي الذي نؤثر فيه، ويتخذنا له إمامًا.

    نحاول أن نظفر بالاستقلال السياسي الآن، وما أرى أن عصرًا طويلًا سينقضي دون أن نكون قد ظفرنا به.

    والاستقلال السياسي تبعة قبل أن يكون مزيّة، فهو يفرض علينا من الواجبات أكثر مما يعطينا من الحقوق.

    وحسبك أنه يفرض علينا النهوض بأعبائنا الخاصة، ندبرها وحدنا، لا نعتمد في تدبيرها على أحد، ولا نستطيع أن نحمل غيرنا تبعة الخطأ في هذا التدبير.

    وحسبك أنه يفرض علينا النهوض بواجباتنا الدولية على أحسن وجه ممكن، لا نعتمد في ذلك على المصلحين فنًا، ولا نستطيع أن نعتذر من التقصير فيه لأن غيرنا قد حال بيننا وبين ما كنا نريد.

    فالاستقلال السياسي إذن يضطرنا إلى أن نواجه كثيرًا من الحقائق الواقعة، كأنْ لم يكن غيرنا ينوب عنا في مواجهتها، ونعالج كثيرًا من المسائل المعقدة، كأنْ لم يكن غيرنا يكفينا مشقة البحث عما تحتاج إليه من حل أو علاج.

    وكل ما نأتيه من أمر في مواجهة تلك الحقائق، أو التماس العلاج لهذه المسائل، يترك آثاره الباقية في حياتنا الخاصة، وفي حياة الأمم الشرقية العربية التي نسير على آثارها، ونحرص على تقليدنا قليلًا وكثيرًا.

    فمن أوضح الأمر إذن أن نستعد للنهوض بهذه الأعباء، واحتمال هذه التبعات التي يفرضها علينا الاستقلال السياسي الذي نجد في طلبه، ونوشك أن نظفر به.

    وأول عدة يجب أن نتخذها لهذا، أن نكوّن وحدتنا القومية إذا لم تكن موجودة، ونقويها إن كان فيها شيء من الضعف أو الفتور.

    وأوضح سبيل إلى تكوين هذه الوحدة أو تقويتها إنما هو وضع نظام تعليمي عام يلائم حاجاتنا ومثلنا العليا من جهة، ويحقق لنا وحدة الثقافة من جهة أخرى.

    ونحن نعنى بأمر التعليم وإصلاحه منذ ظهرت حركتنا الاستقلالية الأخيرة، وأتيح لنا من الحرية حظ يمكننا من أن نقضي في هذا الأمر من غير رقيب.

    ولكن الغريب أننا نحس الحاجة إلى الإصلاح، ونحاول السعي إليه في غير روية، ولا أناة، ولا تفكير. ونحن نفكر فيه تفكيرًا مضطربًا لا نظام له ولا قوام.

    نشعر أن الأجنبي قد أشرف على أمور التعليم عندنا، يوجهها وجهة تلائم منفعته هو أكثر مما تلائم حاجتنا نحن، فنجد في هدم ما بناه الأجنبي، لا نكاد نفرق بين الجيد منه والرديء.

    وربما حاولنا أن نلتمس لهذا الهدم عللًا أخرى غير هذه العلة، فزعمنا أن المنفعة الصحيحة تقتضي أن نعدل عن منهج قديم إلى منهج جديد، وأن طاقة التلاميذ والطلاب تقتضي أن تنصرف عن نظام إلى نظام، وأن طبيعة الحياة الجديدة التي نحياها تقتضي أن نجدد التعليم كما نجدد غيره من ضروب النشاط العقلي والاجتماعي، إلى غير ذلك من هذه العلل المسرفة في الغموض أو المسرفة في الوضوح، والتي تقرؤها كل يوم فيما ينشئ الكتاب من فصول، وما يصدر الوزراء من قرارات، وما يلقي النواب من خطب، وما يضع الفنيون من تقارير.

    والحق الذي لا يحتمل الشك هو أن وزارة المعارف إلى الآن لم تستطع أن ترسم لنفسها طريقًا واضحًا تسلكه إلى إصلاح التعليم، لأنها لم تستطع إلى الآن أن تتبين في وضوح وجلاء الغرض الصحيح الذي من أجله توجد وزارة المعارف، والذي من أجله يتعلم الناس.

    وأكبر الظن أن وزارة المعارف تشعر أنها موجودة لأن طبيعة الأشياء اقتضت وجودها، وأن الناس يتعلمون لأن العادة جرت بأن يتعلموا، ليس غير.

    ولكن الواقع أن طبيعة الحياة الجديدة في هذا العصر الحديث قد اقتضت وجود وزارة المعارف في البلاد المتحضرة، لأنها اقتضت أن يصبح التعليم قوميًّا بعد أن كان فرديًّا، وأن تشرف الدولة قليلًا أو كثيرًا على هذا التعليم القومي، بعد أن كانت تتركه حرًّا يذهب فيه الأفراد مذاهبهم المختلفة المتباينة.

    فالتعليم إذن أمر قومي، تشرف الدولة عليه إشرافًا يختلف قوةً وضعفًا باختلاف المذاهب السياسية في بسط سلطان الدولة على الأمور العامة أو قبضه عنها، ولكنها تشرف عليه في كل حال، كما تشرف على سلامة الوطن، وأمنه، واستقرار العدل فيه.
    وإذا كان التعليم قوميًّا، فيجب أن يكون له غرض قومي يسعى إلى تحقيقه، ويكون ملائمًا له في الطبيعة والجوهر والنظام.

    فما الغرض القومي الذي نسعى إليه حين ننشئ المدارس، ونقيم المعاهد، ونفرض لذلك الضرائب، وننفق في ذلك الأموال؟

    ونلاحظ، قبل أن نجيب عن هذا السؤال، أنه من الواجب أن نجتنب هذه الألفاظ العامة المبهمة التي لا تدل على شيء؛ لأنها تدل على كل شيء، كالمنفعة، والرقي، والتقدم، والجهاد في سبيل الحياة، وما إلى ذلك من هذه الألفاظ التي يألفها الناس ويكتفون بها؛ لأنها سهلة على الألسنة، يسيرة على العقول، لا يحتاج من يسمعها أو نطق بها إلى أن يحقق لها معنًى دقيقًا محدودًا.

    يجب أن نجتنب هذه الألفاظ، أو نجتنب على أقل تقدير استعمال هذه الألفاظ في غير ضبط أو تحديد، فلم يؤخر فوزنا بما نبتغي من إصلاح التعليم إلا الركون إلى مثل هذه الألفاظ العامة الغامضة.

    يخيل إلي أن للتعليم القومي أغراضًا ثلاثة نحرص عليها، حين ننشئ المدارس، ونقيم المعاهد، ونفتح دور العلم للناس.

    فالأمة تعلم أبناءها لتنقل إلى هؤلاء الأبناء تراث الأمة من جهة، والتراث العقلي والفني والأدبي للإنسانية من جهة أخرى. وهي حين تنقل هذين النوعين من التراث إلى الأجيال الناشئة، تحتفظ للأمة بشخصيتها ومقوماتها من حيث هي وحدة مستقلة، وتقوي الصلة بينها وبين الأمم الأخرى، فتمكنها من أن تأخذ بحظها من التضامن الإنساني العام، الذي دفع الإنسانية إلى أن تنحيا، وترتقي، وتصلح من أمرها إصلاحًا مضطردًا.

    فالغرض الأول إذن من التعليم القومي يجب أن يكون الاحتفاظ بشخصية الأمة، لتعيش مستقلة من ناحية، ومتضامنة مع غيرها من ناحية أخرى.

    والأمة تعلم أبناءها ليظهروا على أسرار الطبيعة وظواهر الكون، فيتمكنوا من أن يسيطروا على هذه الطبيعة، ويسخروها لإرضاء حاجاتهم المختلفة، ليعيشوا، وليعيشوا عيشة مرفهة، أو على أقل تقدير عيشة تكفل لهم حظًّا معتدلًا من الراحة والنعيم.

    فهم يدرسون من العلم والأدب والفن ما يتيح لهم أن يزاولوا ضروب الصناعة، والزراعة، والتجارة، وغيرها من الأعمال التي تقتضيها الحضارة، والتي يعتمد عليها الناس ليكسبوا ما يحتاجون إليه من رزق.

    فالغرض الثاني من أغراض التعليم القومي تمكين الأجيال الناشئة من أن يصلوا حاضرهم بحياة آبائهم، ويرقوها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا.

    والأمة تعلم أبناءها أيضًا؛ لأن الله قد وهبهم عقولًا تحب الحق من حيث هو حق، وتلتمسه، ونفوسًا تحب الجمال من حيث هو جمال، وتطمح إليه. وقد أودع الله هذا العالم حقًّا وجمالًا، فنحن مفطورون على أن نحبهما، ونسمو إليهما، وعقولنا تستكمل بطبيعتها وتنمو بذلك الحب وهذا السمو. ونفوسنا كذلك لا تعتدل ولا تستريح من آلام الحياة ولا تنتج إلا بذلك الحب وهذا السمو.

    فالغرض الثالث من أغراض التعليم القومي هو تمكين الأجيال الناشئة من أن تستكمل حياتها العقلية والشعورية الصحيحة بحب الحق والخير، وتحصيل أعظم حظ ممكن منهما.

    ولكل غرض من هذه الأغراض الثلاثة نوع من أنواع التعليم القومي؛ لأنه يعين على تحقيقه. وهذه الأنواع كلها متضامنة في تكوين الرجل النافع الذي يصلح عضوًا منتجًا، قيمًا في الحياة، نافعًا للأمة وللإنسانية.

    فالتعليم الأولي يكون أقل مقدار ممكن من الثقافة التي يجب أن نشترك فيها الأمة كلها لتحقيق وحدتها، والإنسانية كلها ليتحقق التضامن بين أجزائها.

    والتعليم الثانوي والفني جميعًا يحققان هذا الغرض الأول، ويحققان الغرض الثاني؛ لأنهما يمكنان الشباب من العمل، ويفتحان لهم أبواب الجد والنشاط فيما يحتاجون إليه ليعيشوا عيشة خفض ونعيم.

    والتعليم العالي يحقق هذين الغرضين، ويحقق الغرض الثالث؛ لأنه يمكن الشباب من أن يبروا الحق والخير، ويأخذوا منهما ما يلائم أمزجتهم وطاقتهم من الحظوظ.

    على هذا النحو نفهم التعليم القومي، وعلى هذا النحو وحده تفهم عناية الحكومة بالتعليم القومي، وما تضطرها إليه هذه العناية من فرض الضرائب، وشرع القوانين، وتقييد حرية الأفراد والجماعات.

    وإذا كان هذا النحو من فهم التعليم القومي صحيحًا، فمن الواضح أن الحكومة، حين تعنى به وتشرف عليه، يجب أن تضع من النظم والمناهج ما يلائم هذه الأغراض ويعين على تحقيقها.

    فليس تعليمًا قوميًّا صحيحًا هذا التعليم الأولي الذي لا يعرف التلميذ تاريخ أمته ومنزلتها الصحيحة من الحياة العالمية.

    وليس تعليمًا قوميًّا هذا التعليم الثانوي أو الفني الذي لا يمكن التلميذ من العمل المنتج، ولا يفتح له أبواب الحياة.

    وليس تعليمًا قوميًّا هذا التعليم العالي الذي لا يثير في نفس الطالب حب البحث والاستكشاف، والرغبة الصادقة في تنمية التراث العلمي والفني للإنسانية.

    وإذن فليس وضع مناهج التعليم وبرامجه أمرًا يسيرًا يمكن أن يعهد به إلى كل إنسان مثقف، وإنما هو أمر دقيق يجب أن يعهد به إلى الذين يعرفون تاريخ الأمة، ويقدرون حاجاتها، ويستطيعون أن يلائموا بين هذا التاريخ وهذه الحاجات، وبين ما ينبغي أن يكون للأمة من مثل أعلى في الحياة.

    وما أبعد المسافة بين هذا النحو من تصور التعليم القومي، وبين هذه الخطط المضطربة التي اتخذها أولو الأمر عندنا وسيلة إلى تنظيم التعليم.

    وأنا أرجو أن أعود إلى هذا الموضوع، فأبسط فيه القول مرة أخرى.

    طه حسين
    المجلة الجديدة، إبريل ١٩٣٠.