إياب…
طه حسين
جريدة صوت الأمة
٢٧ أكتوبر ١٩٤٦
هو الغنيمة الوحيدة المحققة والتي ينبغي أن يقنع بها صدقي باشا من رحلته القصيرة الشاقة. والحمد لله على أن السلامة قد كُتِبت له في غيابه وإيابه، وعلى أن هذا المرض الذي أَلَمَّ به في لندرا قد انجاب عنه وردَّه إلينا سالمًا موفورًا. فهذا كل ما يمكن أن يُلاحظ من الخير في رحلته هذه التي اندفع إليها اندفاعًا لم يحفل فيه برأي الأصدقاء ولا برأي الخصوم.
ويجب أن نلاحظ قبل كل شيء أن بين صدقي باشا وبين الشعب المصري صراعًا سينتهي قطعًا كما ينتهي كل صراع بين الشعب والأفراد بانتصار الشعب وانهزام الأفراد. وقد انتصر صدقي باشا في هذا الصراع إلى الآن انتصارًا ظاهرًا. قال له الشعب لا تنهض بأعباء الحكم إلَّا أن تعتمد على ثقة دستورية مبرأة من كل زيف، فلم يحفل بقول الشعب، وإنما عرف كيف يقول له لا، وكيف ينهض بأعباء الحكم والأمة معرضة عنه نافرة منه غير مطمئنة إليه. وقال له الشعب: لا تقدم على مفاوضة الإنجليز حتى تقيم بينك وبينهم أساسًا صريحًا للمفاوضات يحول بينهم وبين العبث بالحقوق، ويحول بينهم وبين تضييع الوقت، ويحول بينهم وبين إنهاك قوى الشعب بالمماطلة والمطاولة والانتظار. فلم يحفل بما قال الشعب له، وإنما أقدم على مفاوضاته غير محقق ولا مدقق ولا مستوثق، وعرف كيف يقول للشعب لا.
وقال له الشعب حين أسرف المفاوضون البريطانيون في المماطلة والمطاولة: حسبك أن الرجوع إلى الحق خير من الإمعان في الباطل، فاقْطَعِ المفاوضات وخلِّ بين الشعب وبين ما يريد أن يسلك من طريق للجهاد في سبيل مطالبه وحقوقه وأمانيه فلم يحفل. وإنما عرف كيف يقول للشعب لا. ووصل من المفاوضات ما انقطع وجدد منها ما بلي، وقاس ذراعًا كلما قاس الإنجليز أصبعًا أو أنملة؛ حتى أصبحت المفاوضات من لهو الحديث يعبث بها المصريون، ويعبث بها غير المصريين.
وقال له المفاوضون المصريون أنفسهم: حسبك قد أذللتنا ولم نُخلق للذلِّ، وعرضتنا للهوان ولم نُخلق للهوان، وأسخطت علينا الشعب، ومن حقِّنا أن نتجنب سخط الشعب، وأطمعت فينا الإنجليز، ومن حقِّنا أن نرتفع عن طمع الإنجليز، وأضحكت منا الأجانب، ومن حقِّنا ألَّا نثير في نفوس الأجانب إلَّا عطفًا واحترامًا. وقال له الشعب: حسبك، يجب أن تسمع لزملائك؛ فقد تكون رئيسًا لهيئتهم، ولكنك واحد منهم لا ينبغي أن تستبدَّ بهم، ولا أن تستأثر من دونهم بالرأي. ولكنه لم يحفل بأولئك ولا هؤلاء، وعرف كيف يقول للشعب والزملاء جميعًا: لا. حتى إذا كان الحرج فاستقال، ثم ردَّت عليه استقالته. هنالك أزمع أمرًا نهاه عنه الشعب ونهته عنه هيئة المفاوضات، ولكنه لم يحفل بنهي الشعب ولا بنهي هيئة المفاوضات؛ فسافر إلى لندرا غير آبه بما قيل له من أن وزير الخارجية البريطانية هو الذي كان يجب أن يسعى إلى مصر؛ لأنه أزمع ذلك ووعد به، فما ينبغي أن تسعى أنت إليه؛ لأن في ذلك غضًّا من قدر مصر وإهدارًا لكرامتها وتهالكًا على الإنجليز.
ولكنه عرف كيف يقول لا، ومضى أمامه لا يلوي على شيء ولا يكترث بشيء، حتى وصل إلى لندرا. وهناك لقي المستر بيفن، ولقي معه المرض الذي أخاف عليه، والذي نحمد الله على أنه قد أبرأه منه.
ورب ضارة نافعة، فقد سعى صدقي باشا إلى المستر بيفن في وزارة الخارجية البريطانية، ولكن المرض اضطر المستر بيفن إلى أن يسعى إلى صدقي باشا غير مرة في فندق كلاردج. فكان في هذا السعي الاضطراري شيء يشبه أن يكون عزاءً.
والمهم هو أن صدقي باشا قد سافر؛ لأنه أراد أن يسافر، وعلى رغم إلحاح الشعب وزملائه المفاوضين عليه في ألَّا يسافر. وهو يئوب إلينا اليوم فبماذا يئوب؟ بالإياب وحده لا أكثر بل أقل. وما ينبغي أن يُخدع المصريون بهذا الكلام الفارغ الكثير الذي يضطرب به البرق، وتهذي به بعض الصحف، وتلوكه بعض الأفواه، وتُخَطْرِف به بعض الرءوس المريضة. فقد سافر صدقي باشا إلى لندرا لا يحمل شيئًا؛ لأن الشعب المصري لم يحمِّله شيئًا. وعاد صدقي باشا من لندرا لا يحمل شيئًا مما يريد الشعب المصري أو مما يستطيع الشعب المصري أن يقبله أو يراه موضوعًا للتفكير.
ذلك أن الشعب المصري — سواء وثق بصدقي باشا أم لم يثق به — يريد أشياء واضحة كلَّ الوضوح، بيِّنة كلَّ البيان، لا تحتمل لبسًا ولا غموضًا، ولا أخذًا ولا ردًّا ولا جدالًا. يريد جلاءً غير مشروط وغير مؤجل وغير معرض للتلكؤ. والشيء المحقق الذي لا شك فيه هو أن صدقي باشا لم يعهد بهذا الجلاء. ولست أدري أعاد بجلاء أم لا، ولكن الجلاء الذي يمكن أن يعود به هو جلاء من صنعه هو، يلائم ذوقه وطبعه، وليس من الشعب المصري في شيء.
والشعب المصري يريد سيادة خالصة نقية لأهل وادي النيل على أنفسهم وعلى أرضهم ونهرهم وجوِّهم وبحرهم، سيادة لا يشوبها الحكم الثنائي، ولا تكدِّرها الإدارة المشتركة، ولا يخدعهم عنها لفظ مهما كان برَّاقًا، ولا يغرهم عنها تلاعب بالصيغ ولا افتتان في التنميق. والشيء الذي ليس فيه شك هو أن صدقي باشا لم يعد إلينا بهذه السيادة. ولعله لم يعد بسيادة ما. ولعله أن يكون قد عاد وفي إحدى حقائبه علبة من فضة أو من ذهب أو من نحاس أو من زجاج، وفيها نوع من سيادة تلائم طبعه هو المترف وذوقه هو الرقيق، ولكنها ليست من الشعب المصري في شيء.
والشعب المصري لا يريد محالفة عسكرية مع الإنجليز — ولا مع غير الإنجليز — قبل أن يستوفي استقلاله كاملًا، ويستمتع بحريته خالصة، ويحالف عن بصيرة ورضًا لا عن خوف وإكراه. والشيء الذي ليس فيه شك هو أن صدقي باشا يعود إلينا ومعه محالفة عسكرية لن يتم الجلاء إلَّا إذا قُبِلت. وإذن فصدقي باشا لا يعود عودة سلبية فحسب، ولكنه يعود عودة إيجابية فيها شرٌّ عظيم لا يريد المصريون أن يقبلوه ولا يستطيع المصريون أن يقبلوه.
فليس من الغُلُوِّ إذن ولا من الدعاية ما قلته في أول هذا الحديث من أن صدقي باشا يجب أن يقنع من رحلته القصيرة الشاقة بالإياب؛ لأن الإياب هو الغنيمة الوحيدة المحققة التي أتيحت له من هذا السفر البعيد والعناء الشديد.
وقد قلت إن بين الشعب المصري وبين صدقي باشا صراعًا طويلًا ثقيلًا انتصر فيه صدقي باشا انتصارًا ظاهرًا إلى الآن. فقد عرف كيف يقول «لا» للشعب المصري في كل ما تقدَّم به إليه الشعب المصري من أمر أو نصح أو إرشاد. فقد آن للشعب المصري منذ اليوم أن ينتصر على صدقي باشا انتصارًا محققًا لا ظاهرًا، وأن يُسمِعه هذه الكلمة التي طالما سمعها منه، وهي كلمة «لا». وما أعظم الفرق بين هذه الكلمة حين ينطق بها صدقي باشا وحين ينطق بها الشعب! إنها رشيقة أنيقة مضحكة حين ينطق بها رؤساء الوزارات، وحين يوجهونها إلى الشعوب التي لم تُخلق ليقول لها خدَّامها «لا»، وإنما خلقت ليقول لها خدَّامها «نعم»، وليقول لها خدَّامها «سمعًا وطاعة»، ولكنها مزلزلة مجلجلة حين تنطق بها الشعوب؛ لأنها تضطر رؤساء الوزارات إلى أن يستقيلوا، وإلى أن يعودوا إلى دُورِهم وينظروا في مصالحهم الخاصة بعد أن أخفقوا في تدبير المصالح العامة. وقد أخفق صدقي باشا في تدبير المصالح العامة ليس في ذلك ريب، وإن امتلأت حقائبه بالمذكرات والاقتراحات والصيغ والنصوص، فليس في شيء من هذا كله غَنَاء.
إن أقصى ما يمكن أن يكون صدقي باشا قد ظفر به من المستر بيفن هو موافقة البريطانيين على المذكرة التي قدمها المفاوضون المصريون منذ أكثر من شهرين ولم يقبلها البريطانيون، وأكبر الظن أنه لم يظفر بالموافقة على هذه المذكرة. وهَبْهُ قد ظفر بهذه الموافقة، فإن هذه المذكرة نفسها لا تُرضي المفاوضين جميعًا، وبينهم من احتجَّ عليها أشدَّ الاحتجاج. وهي بالطبع لا تُرضِي الشعب المصري ولا يمكن أن ترضيه. فإذا كان صدقي باشا قد ظفر من الإنجليز بقبول هذه المذكرة؛ فليهنأ بهذا الظفر وحده، أو ليهنأ به معه أصدقاؤه الذين لا يمثلون إلَّا أنفسهم، فأمَّا الشعب فإنه يرفضها منكرًا لها ساخطًا عليها مترفعًا حتى عن النظر فيها، فكيف وأنا أراهن من شاء بما شاء على أن صدقي باشا لم يظفر بقبول هذه المذكرة ولا بقبول شيء مقارب لهذه المذكرة.
ليصدقني رئيس الوزراء وأنصاره القليلون، وليصدقني القراء جميعًا أن الإياب هو الغنيمة الوحيدة المحققة التي ينبغي أن يقنع بها صدقي باشا من هذه الرحلة القصيرة الشاقة.
والآن ما عسى أن تأتينا به الأيام المقبلة من أنباء صدقي باشا؟
سيعرض ما حمل من لندرا على زملائه الوزراء وعلى زملائه المفاوضين. ولست أدري بأيهم يبدأ، ولا إلى أيهم ينتهي، ولكنه سيعرض ما حمل على أولئك وهؤلاء، فإن قبلوا ما حمل إليهم؛ فما عسى أن يصنع: أيعرضه على البرلمان القائم فتتم المؤامرة ويتم إحكامها ويخضع الشعب المصري لدكتاتورية متصلة طويلة الأجل أو قصيرة الأجل، قوامها تعطيل الدراسة في معاهد العلم وحرمان المصريين حرية الاجتماع وحرية الخطابة وحرية الكتابة أيضًا، وتسليط الخوف على الأحرار كلما قالوا أو كتبوا أو تحركوا؟ ولكن هذه الدكتاتوريات لا تجدي ولا يمكن أن تبقى، ومصيرها دائمًا معروف محتوم.
وقد يرفض زملاء صدقي باشا ما يعرض عليهم من هذه الهدايا التي جاء بها من لندرا، وإذن فهل يستقيل وترد أمور الشعب إلى الشعب؟! أم هل يبقى ليعاقب الشعب، وليعاقب المفاوضين على رفض هذه الهدايا التي جاء بها من لندرا؟ ولا سبيل إلى بقائه، ولا سبيل إلى معاقبته للشعب إلَّا أن يعتمد على الدكتاتورية التي تغل المصريين فلا يعملون، وتعقد ألسنتهم فلا ينطقون، وتعقل أقلامهم فلا يكتبون. وصدقي باشا يعلم أن هذه الدكتاتوريات لا يمكن أن تدوم ولا تعمر طويلًا، وأظنه قد جرَّب هذه الدكتاتوريات من قبل وعرف عواقبها ونتائجها.
صدقي باشا مخير إذن بين اثنتين: إمَّا أن يستقيل فيريح ويستريح، ويغفر الله له ما قدَّم إلى الشعب المصري من شرٍّ وما صبَّ عليه من مكروه، وإمَّا أن يبقى ويفرضها على الشعب دكتاتوريةً صارمةً يعرف الشعب كيف يخرج منها كما خرج من أمثالها.
ألم أقل لك إن الصراع بين صدقي باشا وبين الشعب قد طال أمده، وقد انتصر فيه صدقي باشا انتصارًا ظاهرًا، وآن للشعب أن ينتصر الآن على صدقي باشا انتصارًا محققًا؟!
ومن يدري؟ لعل صدقي باشا لم يتنسَّم في لندرا هواءها البارد الذي حمل إليه مرضه البغيض وحده، وإنما تنسَّم معه ريحًا من الديمقراطية ألقت في روعه أن عصر الدكتاتوريات قد انتهى، وأن الشعوب لا تُحْكَم بالقهر، ولا تؤخذ بالعنف، ولا تحمل بالقوة على ما تريد، ولعله قد عاد وفي حقائبه — إلى جانب وثائقه الكثيرة — وثيقة صغيرة خطيرة يرفعها إلى جلالة الملك ليتفضل جلالته فيأذن له في أن يلزم داره ليريح ويستريح، ويخلي بين الشعب وبين الجهاد لتحقيق ما يريد.
في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.
أو يمكنك التسجيل من خلال حسابك
تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.
Tag: الاستبداد
-
إياب…
-
برنامج (١) …
برنامج (١) …
طه حسين
جريدة صوت الأمة
٢٥ أكتوبر ١٩٤٦
ما عسى أن تكون هذه المصاعب التي تتصل بسياستنا الداخلية والتي أشار إليها المستر بيفن حتى حين تحدث إلى مجلس العموم البريطاني يوم الثلاثاء، وذكر أنها تَحُول دون الوصول إلى نتيجة للمفاوضات؟!
لقد قِيلَ أمس إن المسئولين في وزارة الخارجية لا يريدون أن يفصلوا القول في تفسير هذه الإشارة التي ألقاها وزير الخارجية البريطانية إلى مجلس النواب البريطاني. ومن الطبيعي أن المسئولين في وزارة الخارجية لا يحبون هذا التفصيل، ولا يريدون أن يقحموا أنفسهم فيه، فهم يقدِّرون قبل كل شيء أن رئيس الوزارة المصرية الذي ألقى نفسه عليهم إلقاءَ رجل ذكي فطن يكتفي بالتلميح عن التصريح، وبالإشارة عن العبارة، وبالإجمال عن التفصيل. وهم يعلمون ثانيًا أن للسياسة الخارجية لغتها الدولية التي تعتمد على الرمز والإيماء أكثر مما تعتمد على وضع النقط تحت الياء، وهم يعلمون ثالثًا أن المصاعب التي تمس سياستنا الداخلية ليست من شئونهم، أو لا ينبغي أن تكون من شئونهم، فهم لا يريدون أن يقحموا أنفسهم فيها؛ فيُسجَّل عليهم أنهم يريدون الاستقلال المصري، ويدخلون فيما ليس لهم أن يدخلوا فيه، فليس غريبًا إذن أن يكتفي المستر بيفن بإشارته الموجزة.
وليس غريبًا أن يأتي المسئولون في وزارة الخارجية تفصيل هذه الإشارة أو تفسيرها، وإنما الغريب إن أمكن أن يُستغرَب شيء من رئيس وزرائنا الغريب ألَّا يفهم صدقي باشا هذه الإشارة، وألَّا يندم على إلحاحه في النهوض بالمفاوضات على رغم هذه المصاعب التي تمس سياستنا الداخلية، وألَّا يأخذه شيء من الاستحياء — وقد كدت أملي كلمة أشد وقعًا من هذه الكلمة — من أن نلقي هذه الإشارة إلى مجلس النواب البريطاني، يلقيها وزير الخارجية البريطانية.
وصدقي باشا مقيم في لندرة قد ذهب إليها رافضًا لكل نصح، مُعْرِضًا عن كل مشورة، مُهْمِلًا لكل صعوبة، غير مقدِّر لما يمكن أن يُقال له في لندرة، أو لما يمكن أن يُقال عنه في لندرة.
ولكننا لا نستغرب من صدقي باشا شيئًا، فصدقي باشا هو الذي قصد إليه الشاعر العربي القديم فيما يظهر حين قال:
إذا هَمَّ ألقى بين عينيه عزمهوسكت عن ذكر العواقب جانباولم يستشِرْ في رأيه غيرَ نَفْسِهولم يرضَ إلَّا قائم السيف صاحبا
وواضح جدًّا أن الشاعر العربي القديم لم يكن يفكر في رجل ينهض بأعباء السياسة الدولية، ويرأس حكومة مسئولة أمام البرلمان أولًا وأمام الشعب ثانيًا؛ لأنها تحكم في ظل النظام الديمقراطي كما يُقال، وإنما كان يفكر في نفسه من حيث هو فرد له حريته الكاملة في أن يغامر بمنافعه، وفي أن يقامر بحياته إن أراد، فهو يستطيع إذن ألَّا يفكر في العواقب وألَّا يستشير إلَّا نفسه، وأن يعتز بقائم السيف ليدافع به عن نفسه وعن رأيه متعرضًا لما تجر عليه صلابته هذه من الأخطار. فأمَّا الذين يرأسون الحكومات ويُؤتمَنون على مصائر الشعوب، ويسألون عن كل ما يقولون وكل ما يعملون، ويُحاسَبون على الخطأ إن أخطئوا، وعلى الإساءة إن أساءوا فهؤلاء يجب عليهم قبل كل شيء أن يفكروا في العواقب قبل أن يقولوا وقبل أن يعملوا، فإن لم يفعلوا فهم آثمون في ذات الوطن، وهؤلاء يجب عليهم ألَّا يستشيروا أنفسهم وحدها في آرائهم، وإنما ينبغي أن يستشيروا غيرهم من هؤلاء الذين ألقى إليهم النظام الديمقراطي عبء الأمانة على مصالح الشعب من الشيوخ والنواب والوزراء وهيئة المفاوضين، وأن يصدعوا بأمرهم ويذعنوا لرأيهم أو يستقيلوا، فإن استبدوا من دونهم بالأمر واكتفوا باستشارة أنفسهم في آرائهم فهم آثمون في ذات الوطن. وهؤلاء يجب عليهم ألَّا يعتمدوا على قائم السيف وحده، بل ألَّا يعتمدوا على قائم السيف إلَّا في تتبع الذين يفسدون في الأرض، ويعرِّضون أمن الناس للخطر، ويزهقون النفس ويسفكون الدماء بغير الحق.
في تتبع هؤلاء وحدهم وفي دفع العدو المغير يمكن أن يعتمد رئيس الحكومة على قائم السيف في حدود القانون، ويأذن من القضاء والسلطات المختصة. فأمَّا في تدبير السياسة الداخلية والخارجية فقائم السيف لا قيمة له ولا عناء فيه، والذين يعتمدون على قائم السيف في هذه الأشياء يطغون ويأثمون في ذات الوطن، ومع ذلك فقد رأينا صدقي باشا يصل من المفاوضات ما كان يريد أن ينقطع ويجدد منها ما كان يريد أن يبلى، ويسافر إلى لندرة ليستبقي هذه المفاوضات غير حافل برأي الشعب ولا برأي البرلمان، ولا برأي زملائه المفاوضين، لا يذكر العواقب ولا يفكر فيها ولا يحفل بأثر هذه العواقب في حقوق مصر وفي سمعتها، قد استشار نفسه فأشارت عليه بالسفر فسافر، ولم يصطحب إلَّا قائم السيف فعطل الدراسة في معاهد التعليم كلها شهرًا، وحظر على المصريين أن يجتمعوا وأن يخطبوا، وسلَّ على الصحف سيفًا من الخوف؛ حتى لا نقول ما يفرض عليها النصح للوطن أن تقول!
فلسنا مخطئين إذن حين نظن أن هذا الشعر العربي القديم كأنه قبل في رئيس وزرائنا هذا الذي يستبد بالرأي فيما لا يملك أن يستبد بالرأي فيه، هذا الذي يضع الشعب بأسره على الرف، ثم يصرِّف مصالحه وحقوقه وسمعته وكرامته كما يحب هو لا كما يحب هذا الشعب المغلول فلا يستطيع أن يتحرك، المكموم فلا يستطيع أن يتكلم، الذي سُلِّطت عليه ألوان الخوف، فلم يكد يستطيع أن يفكر.
أي غرابة إذن في ألَّا يحفل صدقي باشا بما يمكن أن يقول له الإنجليز في لندرة، وبما يمكن أن يقول الإنجليز عنه في لندرة، وبهذه الإشارة التي ألقاها المستر بيفن إلى مجلس النواب البريطاني يوم الثلاثاء؟!
وليس الذي يعنينا الآن أن يحفل صدقي باشا بهذه الإشارة أو لا يحفل بها، فقد استيأست مصر من صدقي باشا منذ وقت بعيد، وليس الذي يعنينا أن يفهم الإنجليز الذين تحدث إليهم المستر بيفن دقائق هذه الإشارة أو لا يفهمها؛ فمطالبنا واضحة، وموقفنا صريح، وكلمتنا حاسمة. والذين يحتاجون إلينا يجب عليهم أن يسلكوا الطريق التي تتيح لهم أن يسمعوا منا ويتحدثوا إلينا.
ليس يعنينا إذن موقع هذه الإشارة من صدقي باشا أو من الإنجليز، وإنما الذي يعنينا موقعها من المصريين أنفسهم؛ فهم الذين يعنيهم أمر الحقوق المصرية، وهم الذين ينبغي أن تكون لهم الكلمة الأخيرة في كل ما يتصل بهذه الحقوق.
وهذه الإشارة إن دلت على شيء فإنما تدل على أن هذا الشعب المصري الذي منعه صدقي باشا من أن يجتمع ومن أن يتكلم، ومن أن يستمتع بحريته السياسية كما تستمع بها الشعوب المتحضرة الديمقراطية. هذا الشعب المغلول المكموم المُضيَّق عليه في كل شيء قد استطاع أن ينتصر على صدقي باشا وعلى المستر بيفن، وعلى جميع الذين يريدون أن تُعْقَد بين بريطانيا العظمى ومصر معاهدة لا يرضاها المصريون ولا يشاركون في درس تفصيلاتها ودقائقها.
فلو كان صدقي باشا يُمثِّل الشعب المصري ويستمتع بثقته وتأييده لما ثارت هذه المصاعب الداخلية التي تَحُول دون انتهاء المفاوضات إلى غايتها، ولما احتاج المستر بيفن إلى أن يشير إليها في مجلس العموم.
ولو كان صدقي باشا يُمثِّل الشعب المصري تمثيلًا مقاربًا وينطق بلسان فريق محترم من هذا الشعب؛ لأُتِيحَ له وللمستر بيفن أن يطويا كشحًا عن هذه المصاعب إن ثارت، وأن يعتمدا على هذه القلة ذات الخطر؛ ليخفيا هذه المصاعب على الرأي العالمي العام، وليخدعا الشعب المصري عن نفسه وعن حقه، ويكرهاه على ما لا يريد. ولكن صدقي باشا لا يمثل الشعب ولا يمثل فريقًا من الشعب قل أو كثر، ولا يمثل حتى زملاءه الوزراء، ولا يمثل حتى زملاءه المفاوضين، وإنما يمثل نفسه ونفسه وحدها. ومن أجل هذا صارت المصاعب الداخلية، ومن أجل هذا أشفق وزير الخارجية البريطانية من المضي في المفاوضات إلى غايتها، ومن أجل هذا صرَّح وزير الخارجية البريطانية بإشفاقه هذا لمجلس النواب البريطاني.
والمصريون يطلبون حقوقهم ولا يرضون حتى يظفروا بها كاملة. هذا حق، ولكن المصريين يأبون أن يتحكم فيهم فرد أو أفراد من المصريين أو من الإنجليز. وهم قد استطاعوا بإبائهم وثباتهم وإصرارهم على ألَّا يمنحوا ثقتهم إلَّا للذين يأمنونهم ويطمئنون إليهم. استطاعوا بهذا كله أن يمنعوا صدقي باشا من إمضاء المعاهدة التي لا تلائم حقَّهم ولا كرامتهم واستطاعوا بهذا كله أن يشعروا بريطانيا العظمى بأن المعاهدات لا قيمة لها إذا لم تقبلها الشعوب وإن قبلتها الحكومات، وليس هذا الفوز بالشيء القليل، هو فوز سلبي ما في ذلك شك، ولكنه فوز سلبي اليوم ليكون فوزًا إيجابيًّا غدًا.
فليس على المصريين إلَّا أن يصمموا ويعزموا ويستمسكوا بهذه الكلمة التي لا يستمسك بها في مثل هذا الموقف إلَّا الشعب الكريم، وهي كلمة لا …
يجب أن يسمع صدقي باشا هذه الكلمة غائبًا أو حاضرًا، نائمًا ومستيقظًا، راضيًا وساخطًا، ويجب أن يسمعها المستر بيفن مقيمًا في لندرة أو مسافرًا إلى نيويورك، ويجب أن يسمعها العالم كله على اختلاف مذاهبه في السياسة ونُظُم الحكم لا تريد مصر أن تفكر في معاهدة مع الإنجليز قبل أن يصبح الجلاء ووحدة وادي النيل حقيقة واقعة، ولا تريد مصر أن يُنطَق بلسانها أو يُتحدَّث باسمها في شئون سياستها الخارجية مع دولة من الدول مهما تكن إلَّا الذين يستمتعون بثقتها، وينهضون بأعباء الحكم فيها نتيجة لانتخاب حر لا يخضع للبطش والبأس، ولا يتعرض للتزييف والتزوير، ولا تريد مصر أن تصبح حقوقها موضوعًا للمساومة مهما يكن المساومون، ومهما تكن الظروف التي تدعو إلى هذه المساومة، ولا تريد مصر أن تغامر بمصالحها ومستقبلها، وتقامر بدماء أبنائها لخدمة دولة من الدول، سواء أكانت هذه الدولة في الشرق أم في الغرب. ولا تريد مصر أن تعقد مخالفات هنا أو هناك قبل أن تستكمل حقوقها، وتستمتع باستقلالها، وتستطيع أن تقول نعم أو لا عن إرادة ورضا لا يفرضهما الأجنبي بجيش الاحتلال ولا يفرضهما المصري بقائم السيف.
يجب أن يكون البرنامج المصري في هذه الأيام حازمًا وحاسمًا وساطعًا قاطعًا وموجزًا كل الإيجاز، لا يجد أحد مشقة في فهمه، ولا يتكلف أحد جهدًا في النطق به، وإنما هو كلمة واحدة قصيرة كأقصر ما تكون الكلمات حازمة كأحزم ما تكون الألفاظ هي كلمة «لا» التي يجب أن تتردد بها جوانب الوادي من أقصى جنوبه إلى أقصى شماله ومن أقصى شرقه إلى أقصى غربه، يجب أن تكون «لا» هي شعار المصريين حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا. -
تسامح …
تسامح …
طه حسين
جريدة صوت الأمة
٢٠ أكتوبر ١٩٤٦
من أجمل المناظر التي يشهدها العالم في هذه الأيام منظر المفاوضات أو المحادثات أو المناقشات أو تبادل الرأي بين وزير الخارجية البريطانية ورئيس الوزارة المصرية؛ فهو إِنْ دلَّ على شيء فإنما يدل على أن العالم الذي ألح عليه الحزن والخوف والإشفاق — منذ أُثِيرَتِ الحرب العالمية الثانية — في حاجة إلى أن يشهد ما يُسَلِّيه وما يُرَفِّه عنه، وإنَّ ساسة الديمقراطية المنتصرة لا يبخلون عليه بالتسلية ولا يَضِنُّون عليه بالترفيه.
ولعلَّك تُوَافِقُني على أنَّ المستر بيفن وزير الخارجية البريطانية رجل اشتراكي، بل هو من زعماء الاشتراكية، وله في الحكم وتصريف السياسة الداخلية والخارجية مذهب يلائم سياسة حزبه الاشتراكي فيما يُقال وفيما يُكتَب على الأقل، وعلى أن صدقي باشا رئيس الوزارة المصرية أبعد الناس عن الاشتراكية وأشدهم بغضًا لها وسخطًا عليها، وله في الحكم وفي تصريف السياسة الداخلية والخارجية مذهب ينبغي أن يكون معاكسًا أشد المعاكسة لمذهب زميله في المفاوضات، أو المحادثات، أو المناقشات، أو ما شئت من هذه الأسماء التي لا يستطيع الناس أن يتفقوا عليها. وهما على ذلك يلتقيان ويتفاوضان أو يتحادثان أو يتناقشان، وهما على ذلك يرجوان أن يَصِلا إلى الاتفاق على ما يقوم فيه الخلاف بين المصريين والبريطانيين.
فهذا دليل واضح على أن العالم يتقدَّم ولا يتأخَّر، وعلى أن فكرة التسامح التي كان فولتيير يدعو إليها ويبشر بها في القرن الثامن عشر ما زالت بخير، لم يفسدها ولم يضعفها ظهور الشيوعية الروسية والنازية الألمانية والفاشية الإيطالية.
وأنت توافقني على أن المستر بيفن وزير الخارجية البريطانية عضو في حزب العمال، وهو بحكم عضويته هذه قد انتُخِبَ في مجلس النواب، وهو يعتمد على الكثرة الضخمة في مجلس العموم البريطاني، وهذه الكثرة تعتمد على ثقة الشعب البريطاني، على ثقته الخالصة من كل زيف، المتبرئة من كل زيغ، التي لا تحوم حولها الشبهات من قريب أو بعيد.
والمستر بيفن يعتمد على هذه الكثرة وحدها، لا يستعير سلطانه من تأييد خصومه السياسيين ولا من تأييد أصدقائه الذين يحالفونه اليوم ليخاصموه غدًا. وهو صادق إن قال إنه يتحدث بلسان البرلمان البريطاني، وصادق إن قال إنه يتحدث بلسان الحكومة البريطانية، وصادق إن قال إنه يتحدث بلسان الشعب البريطاني كله، بل هو صادق إن قال إنه يتحدث بلسان الممتلكات المستقلة التي تتكون منها القوة العاملة في الإمبراطورية البريطانية. وهو يستطيع أن يغضب فتغضب له الإمبراطورية كلها، وأن يرضى فترضى معه الإمبراطورية كلها.
أمَّا صدقي باشا فهو عضو في مجلس النواب الذي يعرف المصريون كيف انتُخِب، والذي يشهد عليه أعضاؤه وزعماؤه بأن انتخابه لم يكن خالصًا من كل زيف ولا مبرأً من كل زيغ ولا معصومًا من كل اعوجاج. بل قد قال فيه مكرم باشا إن انتخابه قام على التزوير، وقال فيه النقراشي باشا إن انتخاب بعض أعضائه قام على التزوير.
فمجلس النواب المصري مشكوك إذن في صحة انتخابه وصدقي باشا عضو فيه، وهو ليس عضوًا في كثرته السعدية ولا في قلته الدستورية، وإنما هو رجل ليس من هؤلاء ولا من هؤلاء، وإنما هو مستقل.
ومعنى ذلك أنه لا يعتمد على تأييد المستقلين إلَّا أن يكون هذا التأييد مؤقتًا مشروطًا، ولا يعتمد على تأييد السعديين والدستوريين إلَّا أن يكون هذا التأييد مؤقتًا مشروطًا أيضًا، ومعنى ذلك أنه إذا تكلم فليس من المحقق أنه يتكلم بلسان مجلس النواب، لا بلسان الكثرة ولا بلسان القلة. وهَبْ أن مجلس النواب قد منحه ثقة إجماعية، فقيمة هذه الثقة مشكوك فيها؛ لأن تمثيل مجلس النواب لإرادة الشعب مشكوك فيها أعظم الشك وأقصاه. وإذن؛ فلن يُصَدَّق رئيس وزرائنا إن قال إنه يتكلم بلسان الشعب.
وأبشع من هذا أن رئيس وزرائنا يرأس هيئة المفاوضات التي لا تثق به ولا تطمئن إليه؛ فلن يُصَدَّق إن قال إنه يتكلم بلسان هذه الهيئة.
وأشد مِنْ هذا كلِّه بشاعةً أن مجلس الوزراء مُؤلَّف من سعديين يستطيع حزبهم أن يصدر إليهم الأمر فينفون ثقتهم بصدقي باشا، بل هم لم ينتظروا أن يصدر إليهم هذا الأمر، فقد صرح أحدهم غير مرة بأن وزارة صدقي باشا ليست دستورية، وبأنها ضرورة لا تلبث أن تزول! ومن دستوريين يستطيع حزبهم أن يأمرهم بالتخلي عن صدقي باشا في أي وقت شاء، فإن أطاعوا فَقَد صدقي باشا ثقة زملائه، وإن عصوه أصبحوا مستقلين لا يمثلون هذا الحزب.
ومجلس الوزراء مؤلف مع هؤلاء من مستقلين يستطيع كل واحد منهم أن يتخلى عن رئيس الوزراء في أي لحظة كما تخلى عنه نائب رئيس الوزراء لطفي السيد باشا ووزير التجارة سابقًا حبشي باشا.
وإذن؛ فلن يستطيع صدقي باشا أن يضمن لنفسه الصدق إن قال إنه يتكلم بلسان مجلس الوزراء.
فالمتفاوضان أو المتحدثان أو المتناقشان يختلفان كما ترى أشد الاختلاف؛ أحدهما قوي بتأييد الشعب إلى أبعد غايات القوة، والآخر ضعيف بخذلان الشعب إلى أقصى آماد الضعف. وهما مع ذلك يلتقيان ويتفاوضان أو يتحادثان أو يتناقشان.
وأظرف من هذا كله أن وزير الخارجية البريطانية لا يستطيع — ومعه الوزارة البريطانية كلها والبرلمان البريطاني كله — أن ينذر صحيفة أو يعطلها أو يصادرها إلَّا في حدود رسمها القانون، وليس لأحد من الإنجليز مهما يكن أن يتجاوزها في أي ظرف من الظروف، حتى حين تكون الحرب قائمة، وحين تكون الأحكام العرفية معلنة، وأن رئيس الوزارة المصرية قد أنذر الصحف وعطلها وصادرها، غير ملتزم حدود القانون، ولا متقيد بنصوص الدستور. وقد همَّ البرلمان أن يحتج فلم يُغْنِ عنه الاحتجاج، وهمَّ رئيس الشيوخ أن يحتج فلم يبلغ بالاحتجاج غايته، وإنما التقى مع رئيس الوزراء عند نصف الطريق أو عند ثلث الطريق.
وأشد من هذا كله ظرفًا وطرافةً أن وزير الخارجية البريطانية لا يستطيع أن يمنع اجتماعًا مهما يكن أعضاؤه ومهما يكن موضوعه ومهما يكن مكانه، حتى ولو أيدته الوزارة الإنجليزية كلها والبرلمان الإنجليزي كله إلَّا في حدود القانون التي ليس إلى تجاوزها سبيل. ولو قال قائل للإنجليز إن وزير الخارجية أو رئيس الوزارة في بريطانيا العظمى يريد أن يمنع مستر تشرشل أو مستر إيدن من شهود اجتماع أو إلقاء خطبة؛ لرفعوا أكتافهم وهزُّوا رؤوسهم وأغرقوا في ضحك عريض!
فأمَّا رئيس وزرائنا فإنه يمنع — لا أقول الوفد — فاضطهاد الوفد شيءٌ طبيعي، ولكنه يمنع مكرم باشا من أن يجتمع إلى زملائه أو يتحدث إليهم أو يلقى الناس في ناديه!
ورئيس وزرائنا يستطيع أن يمنع النقراشي باشا من هذا كله إن خرج النقراشي باشا من هذا الحلف البديع. وليس أمر هيكل باشا بخير من أمر صاحبيه، فالاجتماع مباح لرئيس الحكومة والذين يناصرونه، والاجتماع حرام على خصوم الحكومة حتى حين يكونون أعضاء في البرلمان. وعلى رغم هذا الخلاف بين الرجلين؛ فهما يلتقيان، ويتفاوضان، أو يتحادثان، أو يتناقشان!
وليس لهذا كله مصدر إلَّا أن فكرة التسامح التي كان فولتير يدعو إليها ويُبشِّر بها في القرن الثامن عشر ما زالت بخير لم تمسسها أحداث الدكتاتورية بسوء! فصدقي باشا رجل متسامح يفاوض هذا الوزير الديمقراطي الاشتراكي الذي يؤمن بحرية الشعب البريطاني، ولا يعمل إلَّا معتمدًا على ثقته وتأييده. والمستر بيفن رجل متسامح يفاوض صدقي باشا الذي لا يحفل بالشعب إلَّا حين يتكلم، ولا يحفل بالبرلمان إلا حين يتكلم أيضًا، ولا يثق إلَّا بنفسه ولا يثق به أحد غير نفسه، ولا يطمئن إلَّا إلى نفسه ولا يطمئن إليه أحد غير نفسه. لا مصدر لهذا إلَّا فكرة التسامح التي ظفرت بها الإنسانية في العصر الحديث!
وكان الديمقراطيون المنتصرون قد أعطوا على أنفسهم عهدًا ألَّا يتركوا على الأرض شعبًا يُحكَم بالقهر والبأس، ويُساس بالقوة والبطش. ولكنهم — بعد أن أعطوا على أنفسهم هذا العهد — فكَّروا وقدَّروا وتبيَّن لهم أن الرجوع إلى الحق خيرٌ من التمادي في الباطل، وأن من حق الاستبداد أن يعيش في الأرض كما تعيش الحرية، وأن من حق الظلم أن يَسُوس بعض الشعوب كما أن من حق العدل أن يَسُوس بعضها الآخر، وأن الديمقراطية الكاذبة ليست أقل استحقاقًا للرعاية من الديمقراطية الصادقة. وهم من أجل ذلك أبقوا على نظام الجنرال فرانكو، وهم من أجل ذلك أدَّبوا اليونان الذين صدَّقوا ذلك العهد واعتمدوا عليه، وهم من أجل ذلك يكتفون من الأشياء بأسمائها ومظاهرها، بل هم قد لا يحفلون بالحقائق ولا بالأسماء.
فلم يزعم الجنرال فرانكو في يوم من الأيام أن نظامه ديمقراطي، ونظامه مع ذلك قائم يُدافع عنه الديمقراطيون المنتصرون؛ لأن التسامح ينبغي أن يكون الأصل الذي تقوم عليه الحياة وتقوم عليه الصلات بين الشعوب.
والنتيجة الطبيعية لهذا أن الشعب المصري مثلًا شعب متطفل فضولي — يدخُل فيما لا يعنيه، ويتعرض لما ليس له به شأن — حين ينكر على صدقي باشا حقَّه في أن يتكلم بلسانه أو يتفاوض باسمه مع الإنجليز، فهذا الشعب المصري من الشعوب التي لم تُخلَق للسياسة ولم تُخلَق السياسة لها، وإنما خُلِقت لتذعن وتخضع وتستكين. فإن همَّت أن تخالف ما يصدر إليها من أمر عُوقِبَتْ على ذلك أشد العقاب، فمُنِعَتْ صحفها من الظهور، ومُنِعَتِ اجتماعاتها من الانعقاد، ومُنِعَ خطباؤها من القول، ومُنِعَ الشباب والصبية من طلابها وتلاميذها من الاختلاف إلى معاهد التعليم.
فأمَّا الشعب الإنجليزي فله شأن آخر، فهو مقصِّر مسيء إلى نفسه وإلى العالم وإلى المُثُل العليا كلها إن ترك سياسته للوزراء وأشباه الوزراء، ولم يراقب قادته وسياسته بالبرلمان الحر والصحافة الحرة والخطابة الحرة والاجتماعات التي تنعقد حيث تشاء، ومتى تشاء، وكيف تشاء.
ومعنى هذا أن شعوب الأرض تنقسم إلى قسمين: شعوب خُلِقَتْ لتؤدبها حكوماتها، وتَسُوسها على رغمها، وتمتعها بالسعادة والشقاء سواء رضيت أو كرهت. وشعوب أخرى خُلِقَتْ لتؤدب هي حكوماتها، وتوجهها في تدبير مصالحها كما تشاء هي لا كما تشاء الحكومات. وقُلْ إن شئت إن من شعوب الأرض شعوبًا خُلِقَتْ خادمة لحكوماتها وشعوبًا أخرى خُلِقَتْ ليكون حكَّامها خُدَّامًا لها.
ونحن — بحمد الله — من القسم الأول، تتيح لنا الأيام من حينٍ إلى حينٍ سيدًا يرأس وزارتنا ويدبر أمرنا كما يحب، فإن جمجمنا أو حاولنا أن نجمجم؛ علمنا كيف يكون الصمت وكيف نؤدب الشعوب.
وليس في هذا كله شيء من الغرابة؛ فقد جاء في الأثر: «كما تكونوا يُوَلَّى عليكم.» وكان أستاذنا الجليل لطفي السيد باشا يعلِّمنا أن الحكومة صورة الأمة، فإذا كان الشعب ضعيفًا فحكومته قوية عليه مستبدة به، وإذا كان الشعب قويًّا فحكومته خادم له مذعنة لأمره.
ليس في هذا كله شيءٌ من الغرابة، وإنما الغريبُ حقًّا أن تقصر ذاكرة الديمقراطية المنتصرة إلى هذا الحد الذي نراه. فما أكثر الذين صدقوا في أعقاب الحرب أن الأرض ستُملَأ عدلًا بعد أن مُلِئَتْ جورًا، وأن الشعوب ستأمن إلى آخر الدهر من الخوف والعوز والظلم والعدوان! وما أكثر الذين اعتقدوا في أعقاب الحرب أن زعماء الديمقراطية المنتصرة لن يسمحوا لأيديهم بأن تصافح أيدي المستبدين!
ولكن يجب أن لا ننسى ما كان يُقال في قصص ألف ليلة وليلة مِنْ أنَّ حديث الليل مدهون بالزبد لا تكاد تطلع عليه الشمس حتى يذوب. -
مرحى
مرحى
طه حسين
جريدة صوت الأمة
١٢ أكتوبر ١٩٤٦
يُقال إن بطلًا من أبطال الأساطير تورط في بعض الخطايا، فكتب القضاء عليه أن ينفق في دار الموتى دهره السرمدي الذي لا آخر له، معالجًا شيئًا واحدًا لا يكاد يُتِمُّه حتى يضطر إلى ابتدائه؛ لأنه لا ينتهي إلى غايته مهما يبذل هذا البطل من جهد، ومهما يحتمل من عناء.
وهذه المهمة التي كُلِّف البطل أداءها، ولن يستطيع أن يؤديها، هي أن يدفع صخرة من أسفل الجبل؛ ليرفعها إلى قمته، والبطل يدفع هذه الصخرة ويشقى بدفعها ورفعها، ويلقى في جهده هذا أعظم البلاء، وأشق الامتحان، حتى إذا كاد يبلغ القمة ويقر الصخرة في المكان الذي أعد لها، أفلتت منه هذه الصخرة وانحدرت مسرعة لا تلوي على شيء حتى تبلغ القاع، واضطر البطل البائس إلى أن ينحدر معها خفيفًا أو ثقيلًا، سريعًا أو بطيئًا؛ ليجدد الدفع والرفع، ويستأنف الجهد والكد، وما يزال كذلك حتى ينقضي الخلود إن كان من الممكن أن ينقضي الخلود.
هذا البطل الشجاع الجريء الصبور يذكرني ببطلنا العظيم صدقي باشا فيما يحاول منذ عنيت مصر في أعقاب الحرب العالمية الأولى بفض ما بينها وبين الإنجليز من الخصومة، وحل ما بينها وبين العالم الخارجي من المشكلات.
فصدقي باشا صابر مصابر، ومجاهد مجالد ما في ذلك شك، ولكن لا أعرف ما هذه الخطيئة التي تورط فيها، والتي قضت عليه ألا يبلغ من جهاده وجلاده، ولا من مصابرته ومثابرته شيئًا؛ فقد جد صدقي باشا واجتهد وصابر وثابر حتى أصبح عضوًا من أعضاء الوفد، وبطلًا من أبطال الجهاد، وعلمًا من أعلام الفوز، وحتى وصل إلى باريس مع سعد وأصحابه، وخيل إليه أنه قد بلغ الغاية، وظفر من المجد بما كان يريد، ولكنه ينظر فإذا صخرته تنحدر مسرعة حتى تبلغ القاع، وإذا هو يتبعها فينحدر خفيفًا أو ثقيلًا، سريعًا أو بطيئًا حتى يبلغ القاع، وإذا هو قد عاد إلى مصر وترك أصحابه في باريس، وابتدأ جده وكده ومصابرته ومثابرته من جديد، وأخذ في الدفع والرفع يحتمل في ذلك ما يطاق وما لا يطاق من الأعباء حتى يشارف القمة مرة أخرى، وإذا هو يشارك في وزارة عدلي باشا — رحمه الله — وفيما نهضت به من عبء المفاوضات، ولكنه ينظر ذات يوم فإذا صخرة المفاوضات قد انحدرت مسرعة حتى بلغت القاع، وانحدر هو معها خفيفًا أو ثقيلًا، سريعًا أو بطيئًا حتى بلغ القاع، وأخذ يستأنف الجد والكد، ويصل حياته السياسية بحياة ثروت باشا، ويخيل إليه بعد كثير من العناء أنه قد شارف القمة، وكاد يقر الصخرة في مكانها المهيأ لها، ولكنه ينظر فإذا الصخرة تنحدر حتى تبلغ القاع، وإذا هو يتبعها إلى القاع مرة أخرى.
وما يزال في دفع ورفع ومشارفة للقمة وسقوط إلى القاع يصل حياته السياسية بحياة من شاء الله أن يقيض له من رؤساء الوزارات لا يعرف كلالًا ولا ملالًا ولا يألف يأسًا ولا قنوطًا، حتى تتاح له فرصة لم يشك — ولم يشك كثير من الناس معه — في أنها الفرصة الأخيرة التي ستبلغه فوزًا ليس بعده فوز، فوزًا ليس عليه خوف من فشل أو إخفاق، فقد أزال العقبات كلها أو خيل إليه وإلى كثير من الناس أنه أزال العقبات كلها.
لقد أقصى الوفد عن الحكم، وحل مجلس النواب، وأُتيح لصدقي باشا أن يلغي الدستور، وأن يضع مكانه دستورًا جديدًا يتَّخذُه سلمًا أمينًا يصعد فيه مع صخرته إلى القمة، وأُتيح له الجيش المصري كله، والشرطة المصرية كلها، ومعونة الإنجليز غير مضنون بها، ولا مقتر فيها. فما الذي يمنعه أن يرقى، وأن تتبعه صخرته أو تسبقه حتى يبلغ القمة فيقرها ويستقر عليها سالمًا موفورًا؟ ولكن الصخرة تنحدر كأبشع ما يكون الانحدار، ويتبعها صدقي باشا حتى يبلغ القاع، فيقيم فيه ويطيل المقام.
ولكنه يكد ويجد ويحتمل ألوان العناء، ويحاول أن يصعد مع الوفد مرة، ومع خصوم الوفد مرة أخرى، والطريق تؤخذ عليه، والأسباب تتقطع به قبل أن يبلغ القمة، وإذا هو يعود راضيًا أو كارهًا إلى القاع.
وليست هذه المحاولة التي حاولها صدقي باشا في هذا العام إلا حلقة من حلقات هذه السلسلة التي لن تنتهي إلى غاية، ولن تقف عند حد، وقد أُتيح في هذه المرة لصدقي باشا أقل ممَّا أُتيح له في المرة الأولى، فهو قد رأس الوزارة، ورأس هيئة المفاوضات، ولكنه لم يُلغِ الدستور، ولن يستطيع أن يلغيه، ولم يحل مجلس النواب، ولن يستطيع هو أن يُحلَّه، فهو مضطر إذن إلى أن يصانع الدستور، وإلى أن يصانع الأحزاب التي يأتلف منها مجلس النواب. وهذا أول الضعف، ثم لم ينشئ هيئة المفاوضات كما أراد، وإنما فرضت هذه الهيئة عليه فرضًا أتاح له أن يخلص من الوفد في هذه الهيئة، ولكن لم يُتح له أن يخلص من فلان وفلان، كما لم يُتح له أن يسيطر على فلان وفلان، فاضطر إلى أن يُصانع فريقًا من هيئة المفاوضات. وهذا ضعف آخر يضاف إلى ضعفه الأول.
وقد أُتيح له الجيش، وأُتيحت له الشرطة، وأُتيحت له وسائل القوة كلها، ولكنه رأى نفسه أمام شعب شديد حديد لا يعبث به رعب أو رهب، ورأى نفسه أمام رأي عام لا يخيفه البأس والبطش، ولا يروعه السجن ولا غير السجن من ألوان الروع، وإذا هو مضطر إلى أن يصانع الشعب والرأي العام. وهذا ضعف ثالث يضاف إلى غيره من ألوان الضعف، بل هو مضطر إلى أكثر من مصانعة الشعب والرأي العام، مضطر إلى أن يترضاهما بألوان من القول لا تخدع أحدًا، وفنون من العمل لا تغرُّ أحدًا، وينظر الناس فإذا صدقي باشا مضطر إلى أن يحدث حدثًا في التاريخ المصري المعاصر، فيؤجل افتتاح الدراسة في الجامعة والأزهر ومعاهد التعليم كلها شهرًا أو أكثر من شهر، فإذا سأله الصحفيون في ذلك قال: إنه لا يريد أن تحدث في البلاد ثورة أثناء المفاوضات.
فهو إذن لم يدر حول العقبة كما فعل وزير المعارف، ولم يتكلف العلل والمعاذير، وإنما واجه الأمر في صراحة ليس بعدها صراحة، وسجل على نفسه، وعلى حكومته، وعلى مفاوضاته أن الشعب ساخط غير راضٍ، وأن استقرار الأمور رهين بأن يحال بين المصريين وبين الاجتماع حتى في معاهد العلم. وإذن فصدقي باشا يعلم حق العلم أن الشعب ليس راضيًا عنه، ولا مطمئنًّا إليه، ليس راضيًا عن حكمه في شئونه الداخلية، وليس راضيًا عن سياسته في مفاوضة الإنجليز، وهو يريد أن يمنع الشعب من إعلان سخطه، وسبيله إلى ذلك أن يحول بين الشعب وبين الاجتماع من جهة، وأن ينشر القوة والبأس والخوف من جهة أخرى.
وصدقي باشا يعلم حق العلم أن الأجانب المقيمين في مصر، والبعيدين عن مصر يرون من أمورنا مثل ما نرى، ويشهدون منها مثل ما نشهد، ويعرفون من أسرارها ودقائقها مثل ما نعرف. وصدقي باشا يعلم أن في مصر صحفًا أجنبية تترجم ما ينشر وما يقال، وشركات للبرق تذيع في أقطار الأرض ما يصدر عنه من قول أو عمل، وصدقي باشا يعلم أن الإنجليز لا يجهلون من حقائق الأمور في مصر شيئًا، فهم يعلمون حق العلم سخط الشعب عليه، وبغضه لحكمه، وإنكاره لسياسته، وشكه في مساعيه.
صدقي باشا يعرف هذا كله كما يعرف نفسه، وهو لا يكتفي بهذه المعرفة، وإنما يريد أن يقيم الأدلة جميعًا على أن الشعب ليس راضيًا عنه، ولا واثقًا به، ولا مطمئنًا إليه، فهو يحاول أن يخطب يوم الخميس في مدينة من مدن مصر، فيحشد فيها الجيش والشرطة الظاهرة والخفية، ويقيم حولها الأرصاد ليرد عنها ما يرى أن وصوله إليها غير مرغوب فيه، ثم يلقي خطبته على قوم اختارهم اختيارًا، أو اختارتهم له الإدارة اختيارًا ليتحدثوا إليه ويسمعوا منه. والغريب أنه وهو الرجل الذكي الفطن الذي لا يخفى عليه من دقائق هذا كله وأسراره شيء، الغريب أنه يقدم على هذا كله بأعين الشعب، وبأعين الإنجليز، ويزعم أو يخيل إلى نفسه أنه يزعم أن الشعب واثق به، وأن الإنجليز مطمئنون إليه.
ولست أدري كيف يكون لقاء المستر بيفن لصدقي باشا إن أُتيح له أن يلقاه في آخر الأسبوع المقبل، أو في أول الأسبوع الذي يليه، وكيف يدار الحديث بين هذين الرجلين؛ فمستر بيفن لا يجهل من الحقائق المصرية شيئًا، وصدقي باشا يعلم أن مستر بيفن خبير بما هنالك، وإذن فماذا عسى أن يقول أحد الرجلين لصاحبه. لقد كان صدقي باشا يتهم صديقه الكبير النقراشي باشا، حين كان هذا الصديق الكبير رئيسًا للوزارة بأنه يدبر مع المستر بيفن مؤامرة الصمت حول المطالب المصرية العليا. فبماذا تسمي التقاء بيفن وصدقي باشا على رغم ما هو معلوم لا أقول للرجلين وحدهما، بل أقول للناس جميعًا في مصر وفي خارج مصر، من أن صدقي باشا لا يمثل أحدًا من المصريين، فالشعب ساخط عليه، وزملاؤه الوزراء منكرون لمكان وزارته من الدستور، وزملاؤه المفاوضون مرتابون بكل ما يعمل، وبكل ما يقول.
بماذا نستطيع أن نسمي التقاء هذين الرجلين وما يمكن أن يدور بينهما من حديث؟! أمؤامرة صمت هي أم مؤامرة كلام؟ ولمصلحة مَن تُدبَّر هذه المؤامرة؛ لمصلحة مصر التي لا تريد ذلة، ولا تريد هوانًا، ولا تقبل مخالفة ولا احتلالًا، ولا ترضى مساومة في شأن السودان، والتي تعلن هذا كله بما أُتيح لها من وسائل الإعلان؛ حتى يضطر صدقي باشا إلى أن يمنع شبابها من الاجتماع في معاهد العلم، ويؤجل الدراسة فيها شهرًا كاملًا أو أكثر من شهر؟
أم لمصلحة الإنجليز الذين يريدون — فيما يقولون — معاهدة تقوم على الرضى لا على السخط، وعلى القبول الحر لا على الإكراه الذي تفرضه النار والحديد؟ وكيف يستطيع صدقي باشا أن يلقى وزير الخارجية البريطانية، محتفظًا بما ينبغي لرؤساء الوزارات من المهابة والوقار، ومستر بيفن يعلم وصدقي باشا يعلم أن الحكومة المصرية القائمة قد أجَّلت الدراسة لأنها مشفقة من الثورة؟
فما قيمة الحكومة التي تخاف من اجتماع الطلاب، لا في الجامعة والأزهر وحدهما، بل في المدارس الثانوية والابتدائية؟ أو باسم من تستطيع هذه الحكومة أن تتكلم إلى الدول الأجنبية؟ وبأي سلطان تستطيع هذه الحكومة أن تلزم شعبًا بأسره وهي عاجزة عن أن تأخذ الشباب بالمحافظة على النظام في معاهد العلم؟
لقد خطب صدقي باشا يوم الخميس فأطال الخطبة، وشق على نفسه بإعدادها وإلقائها، ومن قبل ذلك ألقى صدقي باشا خطبًا طوالًا، وخطبًا قصارًا لا يكاد يبلغها الإحصاء. فهل يأذن لي صدقي باشا بأن أختم هذا الحديث كما بدأته بقصة من قصص الأساطير.
يُقال إن في دار الموتى فتيات تورطن في خطيئة من الخطايا، فكتب عليهن القضاء أن يملأن جرة ليس لها قاع، فهن يصببن الماء فيها منذ أول الدهر إلى أن ينتهي الخلود، إن أمكن أن ينتهي الخلود.
فليخطب صدقي باشا مطولًا أو مقصرًا؛ فلن يستقر شيء من خطبه في قلوب المصريين كما أن الماء لن يستقر في تلك الجرة التي ليس لها قاع. -
إخفاق …
إخفاق …
طه حسين
جريدة صوت الأمة
٣٠ سبتمبر ١٩٤٦
لم ينتظر المصريون في يوم من الأيام خيرًا من الوزارة المستقيلة؛ لأنهم لم يصدقوا في يوم من الأيام أن رئيسها يستطيع أن يكسب لهم خيرًا، ومصدر ذلك أنهم يعلمون فيما بينهم وبين أنفسهم علم اليقين — لا علم الظن — أن صدقي باشا رجل يحب نفسه أكثر مما يحب أي إنسان، ويؤثر ما يتصل به من المنافع والمآرب والآمال أكثر مما يؤثر ما يتصل بغيره من الناس من هذه المنافع والمآرب والآمال، سواء أكان هؤلاء الناس أفرادًا يلوذون به من قريب، أم جماعات يرمقونه من بعيد، أم شعبًا لم ينظر إليه قط إلا في كثير جدًّا من الحذر والتحفظ والاحتياط.
وقد جرب المصريون صدقي باشا حين كان وزيرًا في الوزارات المختلفة قبل صدور الدستور وبعد صدور الدستور، فعرفوا فيه الفطنة والذكاء، وعرفوا فيه اللباقة والمضاء، ولكنهم عرفوا فيه هذا الضعف الخطير الذي يحول بينه وبين أن يكون سياسيًّا ذا خطر: وهو حب النفس، وإيثار المنافع العاجلة القريبة على كل شيء آخر.
رأوه يحارب سعدًا إلى أبعد حدود الحرب وأقصى آمادها حين كان وزيرًا للداخلية، لا يتحرج من ظلم، ولا من عسف، ولا من كيد، ولا من تضليل، ولا من سفك للدماء.
ثم رأوه بعد ذلك يتقرب إلى سعد وأصحابه حين كان الائتلاف، ورأوه يسعى إلى بيت الأمة ينتظر في بعض الظروف أن يقبل الوفد ترشيحه للنيابة في دائرة من دوائر الانتخاب، يحارب سعدًا ولا يكره الاعتراف بزعامة سعد، ويحارب النحاس ولا يكره أن يعلن الخضوع لزعامة النحاس، ويخاصم محمد محمود، ولا يتردد في الانضواء تحت لواء محمد محمود، ثم رأوه حين أحدث الانقلاب الدستوري الخطير الذي ألغى فيه دستورًا، وأنشأ فيه دستورًا آخر، وأفسد فيه جيلًا من أجيال الشباب فسادًا عميقًا لم تمح آثاره بعد، وسفك فيه دماء المصريين في المدن والقرى. لم يتحرج، ولم يتحفظ، ولم يرع لأمته حرمة، ولا لمواطنيه حقًّا، ولم يخف من هذه الظلال الدامية التي كانت خليقة أن تنغص عليه النهار إذا استيقظ، وتملأ عليه الليل إذا حاول أن ينام …!
نعم، ورأوه ينشر الجاسوسية على البارزين من خصومه، وعلى غير البارزين منهم، يبث العيون والأرصاد في كل مكان، وينفذ الأحكام العرفية دون أن يعلنها. نعم، ورأوه يهين كرامة الإنسان إلى أبعد الحدود التي تهان فيها كرامة الإنسان، وما زالت قصة البداري ماثلة في النفوس، ولم تكن قصة البداري فذة ولا نادرة، وإنما كانت شائعًا مألوفًا؛ فقد أباح صدقي باشا في عهده ذاك للمصريين أن يستذل بعضهم بعضًا، وأن يستعلي بعضهم على بعض، وأن يهدر بعضهم كرامة بعض، وأن تضيع بينهم الحقوق، وتنتهك بينهم الحرمات.
نعم، ورأوه يصنع البرلمان صنعًا، ويطبخه طبخًا، وينفخ فيه روحًا خبيثًا آثمًا يملأ البلاد شرًّا ونكرًا. نعم، رأوه بعد ذلك وقد انجلت عنه غمرة السلطان فانجلت عنه غمرة الطغيان، وإذا برلمانه ينبذه كما تنبذ النواة، ويسخر منه كما يسخر من رجل ليس بذي خطر، وإذا أصحابه يتفرقون عنه ليلتفوا حول صديقه وزميله، وإذا الذين كانوا يذعنون له، ويؤمنون به، ويبتغون إليه الوسيلة، قد أصبحوا يكيدون له، ويمكرون به، ويريدون أن يحاكموه … ويتهمونه بما شاء الله أن يتهموه به من الآثام والموبقات.
وقد أنسى أشياء كثيرة قبل أن أنسى مستشارًا ملكيًّا كان يدبر المحاكمة، ويعد لها، يعمل فيها نهاره، ويأرق لها ليله، ويرسل إلي أنا — حين كنت أحرر إحدى الصحف الوفدية — من أعوانه من كان ينبئ بدقائق الاتهام الذي كان يُعدُّه، والكيد الذي كان يكيده.
ثم تدور الأيام، وتتلاحق الحوادث، وتتغير الظروف، وإذا صدقي باشا يشرك راضيًا أو كارهًا هذا المستشار في وزارته المستقيلة.
نعم، جرب المصريون صدقي باشا في هذه الأطوار كلها، فاستيأسوا منه، واستيقنوا أنه لن يكسب لهم خيرًا، وتضرعت قلوبهم إلى الله أن يصرف عنهم شره، ويكف عنهم أذاه، وأن يتيح له بعد ذلك من السعادة في نفسه ومنافعه ما يشاء، وكان صدقي باشا خليقًا بعد هذه التجارب المرة والمحن القاسية، أن يفرغ لنفسه ولمنافعه، وأن يفارق السياسة إلى غير رجعة، ويزهد فيها إلى آخر الدهر.
ولكن صدقي باشا رجل جريء لا يعرف التردد، ولا يحجم أمام شيء، تنزلق الأحداث على نفسه الملساء دون أن تترك فيها أثرًا، كما تنزلق الأجسام على الجليد الصلب الأملس دون أن تترك فيه أثرًا، وهو من أجل ذلك لم ييأس قط، وهو من أجل ذلك لم يرضَ قط أن يريح ولا أن يستريح. شارك في مفاوضات ١٩٣٦، ثم لم تكد هذه المفاوضات تنتهي حتى كاد لها، ومن يدري لعله كاد لها قبل أن تنتهي، ولعله كاد لها من قبل أن تبتدئ.
والشيء المحقق هو أنه كاد للوزارة الوفدية إذ ذاك، وما زال يكيد لها منفردًا بالكيد مرة، ومشاركًا في الكيد مرة أخرى، حتى إذا أقيلت تلك الوزارة شارك في الوزارة التي خلفتها، ولكن زملاءه الذين شاركوه في الكيد، وشاركوه في الغنيمة بعد الكيد لم يطيقوا عليه صبرًا فتخلصوا منه ولمَّا يمض على تأليف وزارتهم إلا وقت قصير، هنالك عاد إلى ما كان فيه من التخريب والتأليب والمكر الظاهر والمكر الخفي. لم يُقصِر شيئًا في ذلك على وزارة بعينها، وإنما شمل به الوزارات جميعًا. لم يرضَ قط عن وزارة ليس فيها، ولم يرض قط عن وزارة شارك فيها إلا أن يستأثر من دون أعضائها بالنفوذ.
وما زال كذلك يرضى قليلًا ويسخط كثيرًا ويعارض دائمًا، حتى كان هذا العهد السعيد، فكان من بُناته ورافعي دعائمه، ولكنه لم يشارك في الغنيمة، فلم يرضَ عن أحد، ولم يرض عنه أحد. ولم تمض أشهر على هذا العهد السعيد حتى كان صدقي باشا خصمًا لوزير المالية في كل شئون المال، وخصمًا لرئيس الوزراء في كل شئون السياسة، يعارض في البرلمان قليلًا، ويعارض في الصحف كثيرًا، ويعارض في نادي محمد علي معارضة لا تنقضي.
كان أشد الناس مطالبة بالجلاء وتعجلًا له حين كان النقراشي باشا رئيسًا للوزارة، وكان أشد الناس استبطاءً للمفاوضات وضيقًا، يكسب الوقت وتشنيعًا على مؤامرة الصمت حين كان النقراشي باشا رئيسًا للوزارة، وما زال بالنقراشي باشا حتى أفسد من حوله الجو في ذلك السخف الذي كانوا يسمونه الهيئة السياسية، ثم هوى النقراشي باشا وفوجئ المصريون بوزارة يرأسها صدقي باشا.
فأما الأغرار منهم والمحمقون والذين يذكرون اليوم لينسوا غدًا، فقد صدقوه حين أعلن إليهم أنه قد خرج من جلده القديم ودخل في جلد جديد. وأما الذين يفطنون للحوادث، وينتفعون بالعبر، ويستفيدون من الخطوب، فقد عرفوا أن الرجل قد ضرب حول نفسه سورًا ظاهره فيه الرحمة، وباطنه من قبله العذاب، ولم تمض أسابيع حتى شاع العذاب في السور كله في باطنه وفي ظاهره ومن حوله، وإذا نحن نعود إلى الوزارة الأولى لصدقي باشا، وإذا الفساد يُصب على مصر صبًّا، ويتغلغل في حياتها كلها، فساد في الحياة الداخلية، فقد محيت الحرية محوًا، وجرت أمور الحكم على الطغيان الذي لا يتحرج ولا يتحفظ، ولا يرى في الدستور والقانون إلا ستارًا تقترف من ورائه آثام الاعتداء على الحرية والازدراء للحقوق.
ثم كانت سخافة المفاوضات، وقد عرف المصريون تهالك صدقي باشا على سخافة المفاوضات، وقد رأى المصريون إلى أي حد كان صدقي باشا مخلصًا حين كان يتعجل الجلاء، ويتحمس للاستقلال، ويطالب بوحدة وادي النيل. وما أحب أن أعيد حديث المفاوضات، وما كان يشيع فيها من ثقة بين صدقي باشا وزملائه المفاوضين، ولكن أحب أن أُذكِّر المصريين أن أزمة المفاوضات التي أكرهت صدقي باشا على الاستقالة قد كانت أزمة ثقة حقًّا، أزمة ثقة لا بين المصريين والإنجليز فحسب، ولكن بين المفاوضين المصريين ورئيسهم قبل كل شيء.
لقد بلغ الأمر أن شك فريق من المفاوضين في كل ما كان رئيسهم يقول لهم، أو يقول عنهم، حتى أرادوا أن يقيدوه، بل قيدوه بالألفاظ المكتوبة المقررة، ثم لم يحتفظوا بهذا الشك بينهم وبين أنفسهم، وإنما أذاعوه في أحاديثهم، وأذاعته الصحف عنهم؛ ليعلم الشعب المصري أن من المفاوضين أنفسهم قومًا يشكون كما يشك، ويرتابون كما يرتاب، ويخافون كما يخاف.
ومهما يكن من شيء فقد أخفق صدقي باشا في وزارته هذه إخفاقًا منكرًا حقًّا أفسد على مصر حياتها الداخلية، على كثرة ما كان يلهج به من رغبة في الإصلاح، كان يريد أن يحارب الفقر والجهل والمرض، فلينظر المصريون أنفسهم وليسألوا أنفسهم إلى أي حد حماهم صدقي باشا من الفقر والجهل والمرض، وأفسد على مصر مظاهر جهادها الوطني بما فرض على الصحف من صمت، وعلى الحرية العامة والخاصة من قيود وأغلال، وأعلن أنه يريد أن يحقق الجلاء ووحدة وادي النيل.
فلينظر المصريون وليسألوا أنفسهم، ولينظر المفاوضون وليسألوا أنفسهم: ماذا حقق صدقي باشا من الجلاء ووحدة وادي النيل؟ ثم لينظر المصريون والمفاوضون منهم خاصة إلى أي حد حفظ صدقي باشا على المصريين كرامتهم أمام الإنجليز، وسمعتهم في العالم الخارجي في الشرق والغرب على السواء.
ليصدقني المصريون، والمفاوضون منهم خاصة، لقد كنت في أوروبا أستخذي حين تُذْكَر الحكومة المصرية. ولمَ لا؟ وهي الحكومة التي تحجر على الحريات العامة بالطرق الإدارية، ثم لا تكتفي بذلك فتشرع القوانين للحجر على هذه الحريات، فإذا لم يسعفها البرلمان أصدرت هذه القوانين في غيبته، وأؤكد للقراء وللمفاوضين ولصدقي باشا نفسه أن الذين يستخذون من الحكومة المصرية في الخارج ليسوا قليلين!
والآن وقد استقالت هذه الوزارة، وزالت هذه المحنة عن المصريين يومًا أو بعض يوم، ما الذي يمكن أن تتكشف عنه الأحداث لهذا البلد البائس الشقي؟ يقال — وما أكثر ما يقال: إن صدقي باشا قد يؤلف وزارة جديدة، وقد يمضي في سياسته الرشيدة، فإن يكن هذا الذي يقال حقًّا، فقد يستطيع صدقي باشا أن يطمئن إلى أن وزارته الجديدة لن تكون أحسن حظًّا من وزارته المستقيلة.
فإنك لا تجني من الشوك العنب، وقد جرب صدقي باشا حظه غير مرة، فلم يجد خيرًا، وجربت مصر حظها مع صدقي باشا فلم تجد خيرًا، فإذا كتب عليها صدقي باشا مرة أخرى، فإنها تعرف كيف تقرأ وتفهم وتذعن لقول الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ). -
حاملات الشموع
حاملات الشموع
طه حسين
جريدة البلاغ
٧ مارس ١٩٤٦
لست أدري أي أمير من أمراء الأقاصيص جادل وزيرًا من وزرائه فيما يُحكى عن بعض الفلاسفة من أنه قال إن العادة طبيعة ثانية. وكان الأمير يؤمن لهذه الفيلسوف ببُعد النظر وصِدق الحكم وحصافة الرأي وحُسن الاستقصاء. وكان من أجل ذلك يصدق أن العادة طبيعة ثانية، وأن الحيوان يمكن أن يخرجه التأديب عن طوره الغريزي وعن وحشيته الفطرية، فيتثقف بثقافة الحضارة ويتَّخذ من أخلاقها وآدابها طبيعة ثانية.
وكان وزيره يُكبِر الأمير أولًا ويُكبِر الفيلسوف ثانيًا، ولكنه يرى أن الحق أكبر من الأمير وأكبر من الفيلسوف، ويرى أن الطبيعة الثانية ليست إلَّا تكلُّفًا لا يستطيع أن يثبُت أمام الطبيعة الأولى والغرائز التي فطرت عليها الكائنات. وقد اشتد الخلاف بين الأمير والوزير حتى كاد الأمير أن يغضب، وغَضَبُ أمراء الأقاصيص خطيرٌ حقًّا ينذر بعواقبَ وخيمة. ولذلك ترفَّق الوزير واستمهل أميره وقتًا ليقيم له الدليل القاطع على أن الطبيعة الأولى أقوى وأعظم سلطانًا من الطبيعة الثانية. وقد منحه الأمير ما أراد من المهلة، فجعل يفكر ويقدر حتى كان المساء، وفي ذلك المساء أقبل إلى القصر باسم الثغر مطمئن القلب راضي النفس أيضًا، وكان الأمير قد دعا إلى وليمة من ولائمه الفخمة. فلما جلس إلى المائدة وجلس من حوله رجال الدولة وأشراف المملكة أقبلت حاملات الشموع، وأَمْرُ حاملات الشموع هؤلاء أعجب من العجب، فلم يَكُنَّ نساءً إماء أو حرائر من نساء الروم أو من نساء الهند أو من نساء السودان، وإنما كُنَّ قططًا قد أُدِّبْنَ تأديبًا رقيقًا وثُقِّفْنَ تثقيفًا متصلًا، وعوِّدن حمل الشموع والقيام بها في قاعة الطعام حين يجلس الأمير إلى مائدته.
وقد جعل الأمير يتحدث إلى من حوله من رجال الدولة ألوانًا من الحديث فيها تلطُّف وتفكُّه، وإنهم لفي ذلك وإذا كل شيء يضطرب من حولهم، فقد أُلقيت الشموع إلى الأرض، وجعل القطط يزدحمن ويستبقن. وأقبل الخدم يرفعون الشموع الموقدة مخافة الحريق، ويفرقون القطط المزدحمة المستبقة المصطخبة ليردوا إلى القاعدة بعض الهدوء. ونظر الأمير إلى هذا كله مَغِيظًا مُحْنَقًا، ولكن الوزير ابتسم له وانحنى أمامه وقال: أصلح الله الأمير، ألم أقل له في الضحى إن الطبيعة الثانية لا تثبت أمام الطبيعة الأولى؟ قال الأمير: وما ذاك؟ قال الوزير: أترى إلى هذه القطط المستبقة المصطخبة كيف ألقت شموعها وبرئت من أدبها وعادت إلى طبعها؟ قال الأمير: فإني لم أفهم عنك شيئًا! قال الوزير: فإني قد ألقيت إليهن فأرة كنت أخفيتُها في كمي، فلما رأينها ألقين الشموع، وخرجن عن أطوار الحضارة، ورجعن إلى الغريزة الأولى، وازدحمن حول الفأرة أيهن يسبق إليها.
ومنذ ذلك الوقت صدَّق الأميرُ وصدَّق الناسُ معه أن الطبيعة الثانية ليست إلَّا تكلُّفًا، وأن الطبيعة الأولى هي التي تسيطر آخر الأمر على أعمال الحيوان والإنسان جميعًا.
هذا مَثَلٌ قريبٌ لما تنعَم به مصر في هذا العهد السعيد، وهو يدعو المصريين إلى أن يفكِّروا ويقدِّروا ويُقدِمُوا عن بصيرة أو يُحجِموا عن احتياط، فهم قد عرَفوا رئيس الوزراء في وزارته الأولى قويًّا لا يعرف الضعف، عنيفًا لا يحب اللين، متسلِّطًا لا يألف الرفق، متحكِّمًا لا يُحِبُّ الاعتدال، ماضيًا إلى ما أراد، لا يصرفه صارفٌ عمَّا أراد، يصطنع اللين والرفق ما واتاه اللين والرفق. فإذا لم يغنيا عنه أسرع إلى الشِّدَّةِ والعنف وإلى البطش والبأس، فلم يقِفْ منهما عند حَدٍّ إلَّا أن يبلغ ما يريد.
هذه طبيعته التي فُطِرَ عليها، لا يستطيع لها تغييرًا ولا تبديلًا؛ لأن أيًّا كذا خُلِقَتْ كما يقول أصحاب النحو. وقد أقام رئيس الوزراء ستة عشر عامًا بعد أن خرج من وزارته الأولى، يؤدِّب طبيعته ويهديها، ويقوِّم غريزته ويثقفها، ويأخذ نفسه بالرفق الرفيق واللِّينِ اللَّيِّنِ واللطف والظُّرف والتواضع الشديد، والتحبب إلى الناس فيما يقول، والتودد إليهم فيما يعمل، والاعتبار بما يلي من التجارب في وزارته، والاتعاظ بما يبلو غيره من الوزراء في وزاراتهم المتعاقبة. وقد أقام في داره وفي ناديه يراقب الحكومات قاسيًا عليها، ويراقب الشعب حفيًّا به متقربًا إليه، ويراقب الإنجليز منذرًا لهم في تحفُّظ، مُعْذِرًا إليهم في تحرُّج؛ حتى أشفق منه مَن أشفق من الوزراء، واطمأنَّ إليه من اطمأنَّ من أصحاب السذاجة. ثم وثب إلى الحكم في رِفْقٍ وأناة، وجلس على كرسي الحكم في دعة ووقار، وتكلَّم فلم يقُل إلَّا خيرًا. وظنَّ الناس أن طبيعته الثانية قد غلبت طبيعته الأولى، وأن هذا التخلُّق الذي أخذ نفسه به أثناء ستة عشر عامًا قد غلب الخلق الذي فُطِرَ عليه، وقام هو في مجلس النواب يطلب إلى خصومه أن يَنْسَوُا الماضي، وأن يذكروا أن ستة عشر عامًا تكفي لنسيانه، وألَّا يحكموا عليه باسمه وسيرته القديمة، وأن ينتظروا ليروا مسلكه الجديد وسيرته في مستقبل الأيام، وأن يحكموا حينئذٍ عن بصيرةٍ وعن رويةٍ. وقد آمن له قوم كما آمن أمير الأقاصيص لحاملات الشموع، ولم يؤمن له قوم آخرون كما شك وزير الأقاصيص في حاملات الشموع. ولكن الشك لم يطُل، والانتظار لم يثقل على النفوس، فما هي إلَّا أن تمضي أيام وأيام حتى تُلقى الفأرة أمام القطط، وإذا الشموع تهوي إلى الأرض، وإذا الطبع يغلب التطبُّع، وإذا التخلُّق يأتي من دونه الخُلُق كما يقول الشاعر القديم.
وما أحب أن أفصِّل الحوادث ولا أن أعرض لها، والمصريون جميعًا يرون، والمصريون جميعًا يسمعون، والمصريون جميعًا يستطيعون أن يحكموا عن رَوِيَّةٍ وبصيرة. وما أحب أن أذكر الصحف المصادَرة؛ فالمصريون يعلمون متى يقرءون الصحف، ومتى يحرمون قراءتها. وما أحب أن أذكر الكلام المحرَّف والأخبار المنقوصة؛ فالمصريون جميعًا يعرفون حين يقرءون، أيقرءون كلامًا محرَّفًا أم كلامًا مستقيمًا، أيقرءون أخبارًا مستوفاة أم أخبارًا مقتضبة. والمصريون جميعًا يعرفون أن كثيرًا منهم يستقون الأخبار من لندرة لا من القاهرة، والمصريون جميعًا يعرفون أن صحف المعارضة تُقرأ قبل أن يؤذَن بنشرها، فإن امتنعت عن ذلك واحتجَّت بالقانون واحتجت بالدستور؛ صُودرت بعد طبعها، وحِيل بينها وبين الوصول إلى القُرَّاء. والمصريون يعرفون أن هذه الأعوام الستة عشر لم تغير من طبيعة صدقي باشا؛ لأن الطبيعة أقوى من أن تغيرها العادة، والغريزة أبقى من أن تمحوها الحضارة.
والمصريون يسألون أنفسهم: لماذا استقال النقراشي باشا؟ وماذا غيَّر صدقي باشا من حكم تلميذه النجيب؟ والمصريون يجيبون على هذا السؤال بأن النقراشي باشا رأى نفسه أضعف من أن يضبط الأمر، وأقصر باعًا من أن يحمل المصريين على الطاعة والخضوع وعلى الإذعان والامتثال؛ فآثر العافية واستقال. وإن صدقي باشا رأى نفسه أطول باعًا وأوسع ذراعًا من تلميذه البارع النجيب. رأى نفسه أقدر على أن يحمل المصريين على الطاعة، وأجدر أن يعلمهم كيف يمشون على البيض فلا يحطموه، وعلى العجين فلا يفسدوه. وهو من أجل ذلك ينهض بأعباء الحكم هادئًا مطمئنًّا، ومستبشرًا باسمًا، لا يعرف القلق إلى نفسه سبيلًا؛ لأن نفسه لا تقلق من شيء ولا تضيق بشيء، وإنما هي نفس قلب تلبَس لكل حالة لبوسها.
نعم، المصريون يعرفون هذا كله، ولكن المصريين يعرفون أن لهم حقوقًا عند الإنجليز يريدون أن يظفَروا بها، وأن سبيلهم إلى الظفر بهذه الحقوق إنما هي المفاوضة، وأن الشرط الأول والأخير لكل مفاوضة إنما هي الحرية، حرية الشعب لا حرية الحكومة وحدها. وليس الشعب المصري حرًّا، ولا يمكن أن يكون حرًّا وصدقي باشا يسوسه بسياسته التي تلائم طبيعته الأولى. إن من أحمق الحُمق وأسخف السُّخف أن يُقال إن المفاوضين المصريين سيُقبِلون على المفاوضة أحرارًا، فهؤلاء المفاوضون لن يكونوا أحرارًا إلَّا إذا استندوا إلى شعبٍ حرٍّ، واعتمدوا على وطنٍ حرٍّ. لن يكونوا أحرارًا والإنجليز يحتلُّون المدن ويستطيعون أن يطلقوا النار على الشعب كلما خافوا أو توهموا الخوف.
لن يكونوا أحرارًا وأمرهم وأمرُ مصر إلى رئيس الوزراء، يصنع بهم وبها ما يشاء. سيكون المفاوضون الإنجليز أحرارًا؛ لأنهم يستندون إلى حكومة حرة وإلى شعب حر. وسيكون المفاوضون المصريون مقيَّدِين لأنهم يستندون إلى حكومة مقيدة وإلى شعب مقيد. ولتنتج المفاوضات بعد ذلك ما تشاء لمن يكون ما تنتجه من إملاء من القول، يقبله الضعيف إن شاء فيستريح ويريح، ويرفضه إن أراد فيجني ثمار هذا الرفض، ويا لها من ثمار! ليصدقني المصريون أن أمورهم ليست إليهم، وإنما هي إلى هذه القلة القليلة التي أسلمت زمامها للنقراشي باشا، فكان أضعف من أن يستمسك بهذا الزمام، وقد أسلمت زمامها الآن لصدقي باشا فأظهرت التجربة في هذه الأيام القليلة أنه أشدُّ من تلميذه بأسًا وأوسع حيلةً، وما خفي كان أعظم. -
قوة …!
قوة …!
طه حسين
جريدة البلاغ
١١ نوفمبر ١٩٤٥
لم يعرف الائتلاف الذي يحكم مصر الآن قوة رهيبة مهيبة كهذه القوة الفتية الهائلة التي تجري نشيطة مرحة في جميع المؤتلفين؛ فقلوبهم كلها صافية لا يشوبها كدر، ولا يعرض لها قليل أو كثير من سوء الظن، ونفوسهم كلها متفقة لا تنحرف واحدة منها عن الطريق التي رسمت يوم قام الائتلاف، ولا يعرض لها شيءٌ من الاختلاف في الرأي، أو التنافر في الهوى، أو التباين في المذهب. وكلمتهم كلها سواء ليس فيها عوج، وليس فيها شذوذ، وإنما هو صوتٌ واحدٌ مطرد قوي، لا يرتفع أكثر مما ينبغي، ولا ينخفض أكثر مما ينبغي، صوت موسيقي رائع قد انسجمت أنغامه، وعذبت ألحانه، واستقامت طريقته، ودلَّ كل شيءٍ فيه على أن المؤتلفين قد بلغوا ذروة الائتلاف، وانتهوا به إلى غايته، وأخذوا يجنون ثمرته لذيذة حلوة تملأ النفوس أملًا ورجاءً.
وأيسر الأدلة على ذلك منظر مدينة القاهرة في أوقات السلم والحرب، فمدينة القاهرة الآن كرة يتقاذفها السلم والحرب، تخلص للسلم يومًا، وتخلص للحرب يومًا، ويصطدم فيها هذان العدوان يومًا آخر. خلصت للحرب يوم عاد رئيس الوفد من الإسكندرية، فكانت حرب أي حرب، ثم كان انتصار أي انتصار. قال قوم: إنه كان انتصارًا لأهل القاهرة الذين طغوا على قوة الائتلاف، فحيَّوا رئيس الوفد كما أرادوا أن يُحيُّوا، وكرَّموا زعيم الشعب كما أرادوا أن يكرموا، ولم تستطع قوة الائتلاف أن تبلغ منهم شيئًا، ولا أن تحوِّلهم عما أرادوا.
وقال قوم: إنه كان انتصارًا لقوة الائتلاف؛ لأنها أكرهت رئيس الوفد على أن يسعى إلى داره مستأنيًا متمهلًا، وعلى أن يرى الكرَّ والفرَّ، والإقدام والإحجام، وكان رئيس الوفد يحرص على أن يبلغ داره في أسرع وقت ممكن، فاضطرته قوة الائتلاف إلى أن يبلغ داره في أبطأ وقت ممكن. وكان رئيس الوفد يريد أن يصل إلى داره صامتًا لم يقل شيئًا، فاضطرته قوة الائتلاف إلى أن يخطب الجماهير في ميدان من الميادين العامة.
وليس المهم أن يكون المنتصر هو جمهور الشعب أو قوة الائتلاف، وإنما المهم هو أن القاهرة كانت في لهفة للحرب في ذلك اليوم، ثم خلصت لحرب أخرى منكرة في غد ذلك اليوم، دلَّت قوة الائتلاف فيها على أنها متفوقة كل التفوق، ممتازة كل الامتياز، ساحقة ماحقة لا تبقي ولا تذر، وأبلى رئيس الوزراء فيها بلاءً حسنًا رائعًا حقًّا، فأخذ بيده بعض الأسرى، وأسلمهم إلى رجال الشرطة، ثم عاد إلى مكتبه موفورًا يشرف من قرب ومن بُعدٍ على إنهاء الأعمال الحربية التي لم يكن بدٌّ من إنهائها بعد أن انصرف عن الميدان.
وقد عرف المصريون له ذلك، فأثنوا به عليه، وعرفه له الإنجليز خاصةً، فأثنوا على هذا البطل الذي يجمع بين السياسة والعمل، ويخاطر بنفسه في ميدان القتال. والأصل في القادة أن يديروا الحرب من بعيد، ثم ظلت القاهرة مترددة بين السلم والحرب، فإذا كانت الحرب اصطدمت قوة الائتلاف بخصومها من عناصر الفوضى، فمنعت اجتماع مصر الفتاة، ومنعت تكريم رئيس الغرفة التجارية، وضايقت المصلين حيث يصلي رئيس الوفد، وانتصرت في هذه المواقع كلها انتصارًا مؤزَّرًا. وإذا كانت السلم فهي سلم مسلحة؛ لأن التجارب أظهرت أن السلم العزلاء خطرة كل الخطر، ورئيس وزرائنا مجرب يحسن الانتفاع بالتجارب، فهو لا يحب السلم العزلاء، وإنما يحبها سلمًا مدججة بالسلاح، بادية الأظافر والأنياب، مستعدة لما يشاء مكرم باشا من الانقضاض في أي وقت، أو الانقضاض في أي زمان.
وتنتشر الشرطة في أنحاء المدينة مستعدة للعمل في كل لحظة، وترابط القوة في المواقع الاستراتيجية الخطيرة الحساسة، مستعدة للانتشار في شكل مروحة مرة، وفي شكل كماشة مرة أخرى، كما كان يقال منذ وقت قصير.
ومن أهم المواطن الخطرة والمواضع الحساسة تلك الدار التي يقيم فيها رئيس الوفد، فعناصر الفوضى تزورها مصبحة، وتزورها ممسية، حتى توشك هذه الدار أن تعرض أمن الدولة كلها للخطر؛ ولذلك حوصرت أشد حصار، وضيق عليها وعلى أهلها أشد تضييق، وقالت لسان الحال لرئيس الوفد: لو أنك عدت من الإسكندرية كما يعود الناس جميعًا فلم يحتفل بك أحد، ولم يجتمع للقائك شعب، لكفيت هذه المضايقة، ولأعفيت دارك من الحصار، ولأعفى زائروك من هذا العنت. وقال لسان الحال لزوار رئيس الوفد: لو أنكم تركتم رئيس الوفد يذهب ويجيء كما يذهب الناس ويجيئون، فلم تحتفلوا به ولم تجتمعوا له، ولم تحتشدوا لتحيته؛ لأتيحت لكم زيارته في غير مشقة، ولأبيح لكم لقاؤه في غير عناء. فأما وأنتم تحبونه فذوقوا ثمرة الحب، وأما وهو يحبكم فليذق ثمرة الحب أيضًا. وليس للحب قيمة إذا لم ينغصه العواذل والرقباء، فليكن بينكم وبين رئيس الوفد من الحب ما تشاءون، وليكن لنا نحن من القول والمراقبة ما نشاء.
ثم لا يقف احتياط السلم المسلحة عند هذا كله، فرئيس الوزراء رجلٌ قويٌّ جدًّا، ولكنه — مع الأسف — لا يستطيع أن يقف دورة الفلك، ولا أن يؤخر اختلاف الليل والنهار، وكرُّ الغداة ومرُّ العشي، وإنما الزمن يمضي في طريقه هادئًا متئدًا رزينًا حتى يبلغ شهر نوفمبر، ثم يمضي في طريقه هادئًا متئدًا رزينًا حتى يبلغ التاسع من شهر نوفمبر، وما هي إلَّا ليال قليلة حتى يبلغ الزمان هذا اليوم الفظيع الشنيع الذي رفعت مصر صوتها فيه مطالبة بالاستقلال.
وقد تعود المصريون أن يكبروا هذا اليوم ويعظموه ويحتفلوا به، وكان رئيس الوزراء فيما مضى ينظم هذا الاحتفال، وينفق في تنظيمه والاستعداد له الأيام والأسابيع، ولكن الدنيا قد تغيرت، وأصبح رئيس الوزراء زعيم الائتلاف الذي يحكم مصر، والعالم كله ينظر إلى مصر في هذه الأيام الشداد كما قال رئيس الوزراء نفسه منذ حين، وما ينبغي أن ينظر العالم إلى مصر فيراها مُحتفلةً بالجهاد، فقد انقضى وقت الجهاد، أو مُطالبةً بالاستقلال، فالوزارة وحدها هي التي تطالب بالاستقلال متى حان الوقت المناسب.
الوقت المناسب في رأي رئيس الوزراء، أو في رأي وزير الخارجية البريطانية، أو في رأيهما معًا، لا في رأي الهيئة السياسية، ولا في رأي مجلس الوزراء، فهما يريان أن الوقت المناسب قد حان منذ زمن بعيد، ولعله الآن قد فات. مهما يكن من شيء، فيجب أن ينظر العالم إلى مصر فيراها وادعةً قانعةً راضيةً بما قسم الله لها، مقبلة على البيع والشراء، والأخذ والعطاء، والطعام والشراب إن وجدت طعامًا وشرابًا، والجوع والظمأ إن لم تجد طعامًا ولا شرابًا.
يجب أن ينظر العالم إلى مصر، فلا يرى فيها استعدادًا للاحتفال، أو مطالبة باستقلال، فهذا كله خليق أن يسيء رأي العالم في مصر، وأن يحط مكانتها بين الأمم، ومن أجل ذلك تمنع المظاهرات منعًا قاطعًا، وتمنع إقامة السرادقات، ويمنع الانتفاع بمكبرات الصوت.
ولكن هذه مسألة أخرى، ولها وجوه أخرى من التأويل، فمكبرات الصوت هذه قد تؤذي صوت رئيس الوفد حين يلقي خطبته السياسية إلى الجماهير، والجماهير تحب هذا الصوت فيجب ألَّا تسمعه، ورئيس الوفد يحب التحدُّث إلى الجماهير، فيجب ألَّا ينتهي صوته إليها. أليست قوة الائتلاف تقوم بين الشعب وزعيمه مقام العاذل والرقيب بين العاشقين؟
والناس يتساءلون عن حرية الاجتماع وحرية الخطابة وحرية الانتقال، وعن الدستور الذي كفل هذه الحريات، وعن الوعد الذي قطعته الوزارة على نفسها بأنها ستحترم هذا الدستور في نصه وروحه جميعًا، وعن المرسوم الذي صدر بإلغاء الأحكام العرفية، ولكن الشعب المصري ساذج طيب القلب، يصدِّق كل ما يقال له، ويتقبل كل ما يلقى إليه، ولا يجهل إلَّا شيئًا واحدًا، وهو أن الحياة في هذا البلد العزيز، وفي هذا العهد السعيد تقوم على الكلام الذي يُقال في الليل فيمحوه ضوء النهار، ويُقال في النهار فتنسخه ظلمة الليل.
أليس هذا كله يدل دلالة قاطعة ساطعة على أن الائتلاف لم يكن في يوم من الأيام أشد قوةً، ولا أعظم بأسًا مما هو الآن. فلو كان الائتلاف ضعيفًا لما أظهر هذه القوة المادية الهائلة، على أن له قوة معنوية أشد هولًا، وأعظم خطرًا من قوته المادية، فقد يُقال: إن الحزب السعدي نفسه ليس متفقًا ولا مجتمع الكلمة. وقد يُقال: إن رئيس الحزب الوطني ليس مستريح النفس ولا مطمئن القلب. وقد يُقال: إن رئيس الكتلة ليس هادئ النفس ولا مستقر الفؤاد، وإنه يشتط على الوزارة ويطالب بنوع من الجلاء لا تبقى بعده مطارات ولا طائرات ولا قواعد بحرية للإنجليز، كأن الوزارة مستعدة لقبول جلاء تبقى بعده المطارات والطائرات والقواعد البحرية للإنجليز.
وقد يُقال: إن أستاذ الجيل في البأس والبطش، وفي تمرين الشعوب على الطاعة وأخذها بالقناعة، وتعليمها الخنوع والخضوع ليس راضيًا ولا منشرح الصدر، يستقيل من الهيئة السياسية، ثم يسترد استقالته على مضض، يقدِّم رجلًا ويؤخر أخرى، وينظر في السماء ثم ينظر في الأرض، ويستخير الله ويستشير الأصدقاء، ثم يقبل الترشيح لرياسة مجلس النواب منافسًا بذلك مرشح الحزب السعدي.
كل هذا يُقال، ويُقال أكثر منه، وكل هذا يخيل لأصحاب القلوب الطيبة والنفوس الساذجة أن الائتلاف يريد أن ينقض أو يريد أن ينفض، ولكن هذا هو الوهم كل الوهم، والخطأ كل الخطأ، فلم يكن الائتلاف في يومٍ من الأيام أشدَّ قوةً، ولا أعظم بأسًا، ولا أمتن بناءً مما هو الآن. وليس هذا الاختلاف أو ليست هذه المظاهر للاختلاف إلَّا دليلًا على قوته ومتانته وقدرته على البقاء؛ لأنه ائتلاف من نوع جديد، ومن طراز خاص، يزيده اختلاف أعضائه قوةً، فكلما ذهب أعضاؤه مذاهب متباينة متضادة متناقضة، وخُيِّل إلى الناس أنهم لن يلتقوا؛ أُتيح لهم حبل يشد أو يمد، وإذا هم يلتقون ويجتمعون حتى يصبحوا كأصابع اليد الواحدة، وهذا الحبل هو بغض مصطفى النحاس وتنحية الوفد عن الأمور العامة.
وما دام القوم يتفقون على بُغض مصطفى النحاس، ويأتلفون على تنحية الوفد في الشئون العامة، فأمورهم على خير دائمًا، وليس عليهم من اختلاف الرأي واختلاف الهوى.
والمهم هو أن يدعم العهد الحاضر، وإن كان كل شيء يدل على أنه منهار، ويبقى العهد الحاضر، وإن كان كل شيء يدل على أنه منهار، ويبقى العهد الحاضر، وإن كان كل شيء يدل على أنه منقض. ورحم الله تلك الفتاة العربية التي رأت جماعة من الشعراء قد أقبلوا مؤتلفين يلتمسون أباها، فلما سألتهم عمَّا يريدون منه قالوا: نريد أن نقارضه الشعر، فردَّتهم مُستخذين ببيت واحد قالته هي ولم يقله أبوها:
تجمعتو من كل أوب ووجهة على واحد لا زلتمو قرن واحد -
هل أزفت ساعة الوداع؟
هل أزفت ساعة الوداع؟
طه حسين
جريدة البلاغ
١٤ أغسطس ١٩٤٥
يُقال إن مجلس الوزراء قد نظر في إلغاء الأحكام العرفية أثناء اجتماعه الأخير، ويقال إنه لم يكتفِ بالتحدث في ذلك، وإنما أخذ يمهد له تمهيدًا عمليًّا لا أعرف كيف يكون، ولكن يظهر أن الحكومة المصرية تنتظر أن يصل إليها نبأ الاستسلام الياباني بغير شرط ولا قيد؛ لتعلن إلغاء الأحكام العرفية.
وهذا شيء حسن من غير شك، فستُرَدُّ مصر إذن إلى حياتها الطبيعية التي لا تخضع للحكم العسكري، والتي لا تُحَدُّ فيها حريات الأفراد والجماعات إلا بالحدود التي رسمها القانون العام.
وقد ذاقت مصر مرارة الأحكام العرفية وحلاوتها منذ ١٩٣٩. فمن الطبيعي أن تسأم مصر هذه المرارة وهذه الحلاوة، وأن تطمح إلى حياتها الأولى التي لا تبلو فيها إلا صرامة القانون، والتي لا يخشى الأفراد فيها على حريتهم ما يكون من تقدير الحاكم العسكري العام أو الحاكم العسكري الخاص، وما يتأثر به تقدير الحاكم العسكري من اختلاف الأمزجة بين حكامنا العسكريين، ومن اختلافهم في التأثر بالأشياء، وفي فهمهم لها وحكمهم عليها، واستخلاصهم لما يستخلصون من النتائج.
وقد يكون من الغريب أن يُقال إن مصر قد ذاقت حلاوة الأحكام العرفية؛ فالمستقر في نفوس الناس أن الأحكام العرفية شر لا بد منه، ولكن من الذي يستطيع أن يزعم أن الشر مُرٌّ كله، وأنه يخلو من بعض الخير؟!
ومن الخير الذي قد يشتاق إليه الذين يشكون من الأحكام العرفية الآن، ويتمنون أن تُزال وتُلغى، هذه الرقابة السعيدة التي نَعِم المصريون بها أعوامًا، والتي أتاحت لهم أن يعيشوا عيشة راضية مريحة لا جهد فيها ولا عناء، لا يعلمون من الأمر إلا ما تريد الحكومة أن يعلموا، ولا يجهلون من الأمر إلا ما تريد الحكومة أن يجهلوا.
قد بُسِطَ عليهم ظل ملؤه العطف والحب والرحمة والحنان، يحميهم من تهويل الشركات التي تنشر أنباء السوء في أوقات الخطر فتملأ النفوس جزعًا وهلعًا، والتي تنشر الأنباء المترددة بين الخير والشر فتملأ النفوس قلقًا وفرقًا، وتحميهم من هذا الراديو الذي يذيع ما يذيع، ويشيع ما يشيع، فيسر قليلًا ويسوء كثيرًا ويقلق دائمًا، وتحميهم من هؤلاء الصحفيين الذين يندسون هنا وهناك، يضعون أصابعهم في آذانهم ولكنهم يسمعون؛ كأن الطبيعة قد ركَّبت لهم آذانًا سرية لا تُرى ولكنها تسجل كل شيء! ثم يعودون بأخبارهم هذه المقلقة المخيفة أو المثيرة للخواطر كما يقول أصحاب القانون؛ فينشرونها في صحفهم، وإذا النفوس قلقة، وإذا القلوب مضطربة، وإذا الحياة جحيم أو شيء يشبه الجحيم.
في ظل هذه الرقابة السعيدة كانت مصر ناعمة سعيدة راضية البال، تصبح راضية وتمسي راضية، وتجهل ما تجري به الأقدار من الأحداث والكوارث، وكان الناس فارغين لأعمالهم، مشغولين بذوات أنفسهم، يعكفون على منافعهم مصبحين، ويفكرون في منافعهم ممسين، قد تركوا عواقب الأمور وضمائر الأيام للحكومة التي تستأثر بها، وتحتجزها احتجازًا، وتظهر للناس منها ما تريد، وتخفي على الناس منها ما تريد.
ثم كانت مصر سعيدة راضية تجهل حقائق الأشياء، فيُتاح لخيالها أن يخترع من الحوادث والخطوب ما يُغْنِي عن تلك الحقائق التي تجهلها. وأي شيء ألذ من أن يفوتك الحق فتكلف الخيال أن يخترع مكانه شيئًا تنكره أول الأمر، ولكنك ما تزال تفكر فيه حتى تطمئن إليه؟! وإذا أنت تصدقه وتراه حقًّا، ثم تذيعه وتقنع الناس بأنه الحق، وإذا أنت تعيش، وإذا الناس يعيشون من حولك عيشة ملؤها الوهم وقوامها الاختراع، عيشة تأتلف من الأحلام كما تأتلف من الأحلام عيشة الأطفال السعداء.
كل هذا كان من الآثار السعيدة التي كانت الرقابة تمن بها علينا، والتي انكشف عنها بعضها منذ وقف مجلس الوزراء هذه الرقابة في يونيو الماضي، فابتأسنا أشد الابتئاس وشقينا أعظم الشقاء. عبثت بنا أنباء الشركات البرقية، ولعبت بعقولنا مهارة الصحفيين، وظهرت لنا الحقائق بغيضة بشعة لا تؤدي إلى القلب راحة، ولا إلى النفس أمنًا، وإنما هي تخيف حينًا وتتعب حينًا آخر، ولا تسر بحال من الأحوال.
في أيام الرقابة السعيدة، كان الوزراء يخطئون ويصيبون، وكانوا يسيئون ويحسنون، وكانوا يظلمون ويعدلون، ولكن الرقابة كانت تخفي علينا خطأ الوزراء وتظهر لنا صوابهم، وكانت تطوي عنَّا إساءة الوزراء وتنشر لنا إحسانهم، وكانت تلقي بيننا وبين ظلم الوزراء أستارًا كثافًا، وتنشر بيننا وبين عدل الوزراء أنوارًا وهَّاجة رائعة؛ فكنَّا مطمئنين ناعمين واثقين بأن أمورنا تجري على خير ما يمكن أن تجري عليه أمور الناس: صواب دائم، وإحسان متصل، وعدل شامل كامل.
فلما وقفت الرقابة رأينا وزراءنا وأعوانهم كما يرى الناس بعضهم بعضًا، فرأينا الخطأ الذي كان يُخفى علينا، ورأينا التورط في الإساءة حينًا والتجاوز عن العدل حينًا آخر؛ فضقنا وأنكرنا، وغضب الوزراء لضيقنا وإنكارنا، وساءت الصلات بيننا وبين حكامنا، وكانت خليقة ألا تسوء لو لم يعلن رئيس الوزراء في يوم من الأيام أمام البرلمانيين أنه قد قرر وقف الرقابة إلا فيما يتصل بالشئون العسكرية.
هذا العنف الذي شبَّتْ ناره بين الحكومة والصحف المعارضة كان بعيدًا عنَّا أشد البعد، وكانت نفوسنا بريئة منه كل البراءة؛ حتى إذا خطر هذا الخاطر الغريب لمجلس الوزراء رُدَّت نفوسنا إلى عنفها، وإذا الصحفيون يبحثون وينقبون وينشرون، وإذا نحن نقرأ فنغضب كثيرًا ونضحك قليلًا، ونطالب أحيانًا باستقالة هذا الوزير وأحيانًا باستقالة ذاك، ونلح دائما في استقالة الوزارة كلها. وإذا الوزراء مثلنا يغضبون كثيرًا ويضحكون قليلًا، ويتمكنون من مجالسهم على كراسيهم مخافة أن تضطرب بهم هذه الكراسي فيسقط منهم من يسقط، ويُقال منهم من يُقال.
ثم لم يقف الشر عند هذا الذي ثار بيننا وبين وزرائنا من سوء رأينا فيهم وسوء رأيهم فيهم، وإنما أصاب الشر فريقًا منَّا كان هادئًا مطمئنًا قبل أن تُلغى الرقابة. أصاب الصحفيين أولًا؛ فالوزراء ناس من ناس يستطيعون أن يحلموا عند الغضب، وأن يصفحوا عند الموجدة، ولكنهم ناس من الناس يخرجون عن أطوارهم أحيانًا، ويخطئهم الحلم بين وقت ووقت، ولا يواتيهم الصفح حين يجد الجد، وقد جردهم مجلس الوزراء من سلطان الرقابة، ولكنه لا يستطيع أن يجردهم من حق الشكوى إلى النيابة؛ فهم إذن يشكون والنيابة تنشط، والتحقيق يبدأ اليوم لينتهي أو لا ينتهي، وأبواب السجن تُفتَح للحبس الاحتياطي.
وصوِّر أنت لنفسك ما ينشأ عن هذا كله من العناء، عناء الصحفيين الذين يرهقهم التحقيق ويؤذيهم السجن، وعناء النيابة التي يرهقها السؤال والجواب والأخذ والرد في أشياء لعلها لا تحب أن تشقى قليلًا أو كثيرًا، وعناء المحامين الذين يشهدون التحقيق إن أُذِنَ لهم بشهوده، ويتحرقون غيظًا إن رُدُّوا عن شهوده، ويقدمون المعارضات من الحبس، ويترافعون أمام القضاة فيطلقون المسجونين أحيانًا، ويعجزون عن ذاك أحيانًا أخرى، وعناء القضاة الذين يُضيِّعون أوقاتهم في قراءة أشياء لعلهم يؤثرون عليها قراءة أشياء أخرى.
كل هذا؛ لأن رئيس الوزراء تأثر بما كتب له بعض الكُتَّاب، أو قال له بعض الشيوخ فوقف الرقابة، ولو أنه تركها يظلنا بظلها الوارف لأراح واستراح.
ولكن الشر ليس مقصورًا على هؤلاء؛ فللصحفيين أسر تشقى بشقائهم وتسعد بسعادتهم، وكانت هذه الأسر راضية مطمئنة في ظل الرقابة، فقد أصبحت قلقة وَجِلة، ينصرف عنها عائلها أول النهار فلا تدري أيعود إليها آخر النهار أم لا يعود.
وهناك طائفة من الموظفين في المصالح والدواوين علَّمتهم الرقابة أن يؤثروا فضيلة الصمت، وأن يكتموا أسرار الحكومة ويضنوا بها على غير أهلها. فلما وقفت الرقابة عادت ألسنتهم إلى الطول، ولعبت بهم مهارة الصحفيين، فصرَّحوا حينًا ولمَّحوا حينًا آخر، واستغل الصحفيون تصريحهم وتلميحهم، ثم اتهمهم الرؤساء فصبُّوا عليهم البلاء، وشقي بذلك الأبرياء من أبنائهم وبناتهم ونسائهم الذين كانوا آمنين مطمئنين، فلما وقف رئيس الوزراء هذه الرقابة السعيدة جعلهم جميعًا نهبًا للقلق والخوف.
ومن المحقق أن رئيس الوزراء وزملاءه لم يكونوا يفكرون في هذا كله، وإنما كانوا يصدقون أولئك الكتَّاب الذين كانوا يقولون لهم أن الرقابة شر، ويطالبونهم بإلغائها. ولو أنهم فكروا في كل هذه العواقب، وتدبروا كل هذه النتائج؛ لأطالوا التروِّي قبل أن يُقْدِموا على هذه الخطوة الخطيرة، وبلغوا رقابتنا السعيدة.
وقد تقول إن الرقابة شر هذا لا شك فيه، وإنها شر لا بدَّ منه حين تدعو إليه ضرورات الحرب، وإن الديمقراطية الصحيحة تقتضي أن يكون الناس أحرارًا في نقد الوزراء والرؤساء. فإذا أراد الوزراء والرؤساء أن يتجنبوا النقد ويأمنوا شره، فما عليهم إلا أن يحسنوا الحكم، ويؤثروا العدل، ويتوخوا الإنصاف.
قد تقول هذا كله، ولكنك تعلم أن هذا كله كلام لا غناء فيه؛ فالديموقراطية الصحيحة خيال لم يتحقَّق بعد في مصر على أقل تقدير، والوزراء الذين يُجنِّبون أنفسهم النقد بإيثار الحكم الصالح والعدل الشامل والإنصاف المتصل أشخاص قد نراهم في الكتب وأحاديث القصاص.
والواقع أن الوزير لا يكون وزيرًا إلا إذا عرَّض نفسه للنقد بتجاوز هذا الحق أو كثيرًا. وما قيمة السلطان إذا لم يُتِحْ لصاحبه شيئًا من الاستبداد؟! والعاجز من لا يستبد، كما قال ابن أبي ربيعة!
فليس على الوزراء بأس من أن يستبدوا، وليس على الصحفيين بأس من أن ينقدوا، وليس على النيابة بأس من أن تحقق، ولا على السجون بأس من أن تتلقى الكُتَّاب!
ولا بد مما ليس منه بد. فقد جرت حياتنا على هذا النحو، فأما أن نقبل الأشياء كما أراد الله أن تكون، وإما أن نرغب إلى رئيس الوزراء مُلِحِّين عليه في أن يتفضل فيطلب إلى مجلس الوزراء إعادة الرقابة ليريح ويستريح، فمصر قد ألفت الرقابة واطمأنت إليها، وهي كالمتنبي لا تسلو إذا ألفت وتسأم إذا أحبت، وكان المتنبي يزعم أنه ألوف لورد إلى الصبا آسف على الشيب. فنحن كالمتنبي، نُرَدُّ الحرية فنأسف على الرقابة! فليمسك علينا رئيس الوزراء رقابته فإنها أضمن للأمن وأكفل للعافية.
وقد أعلن رئيس الوزراء أنه أباح الاجتماعات، والحمد لله على أنه قد أباحها في القول ولم يُبِحْها في العمل، الحمد لله على أن منع رئيس الوفد من السفر إلى بورسعيد فجنَّب جيوش الحلفاء خطرًا عظيمًا، وجنَّب مصر غضب الدول الثلاث الكبرى التي تحارب اليابان حربًا لا هوادة فيها، وجنَّب رئيس الوفد نفسه احتمال هذه التبعة الخطيرة، ثم جنَّب كثيرًا من المصريين تحقيق النيابة، والحبس الاحتياطي … إلى آخر هذه القصص التي لا تنتهي.
ويُقال لنا اليوم إن مجلس الوزراء يُمهِّد لإلغاء الأحكام العرفية، ولإلغاء الأحكام العرفية كلها. هل يُقدِّر المصريون معنى هذه الجملة؟! هل يعلم المصريون أن إلغاء الأحكام العرفية كلها إلغاءً تامًّا صحيحًا سيرفع عن رئيس الوزراء صفة الحاكم العسكري، وسيحظر عليه إعادة الرقابة إن أراد أن يعيدها رحمةً لنا وبرًّا بنا وعطفًا علينا، وسيحرمه القدرة على منع رئيس الوفد من التنقل والزيارات وإلقاء الخطب والاستماع لها؟! هل يُقدِّر المصريون أننا مُعرَّضون لهذا الخطر الهائل، وأننا سنصبح أحرارًا نقول ما نشاء ونفعل ما نشاء، لا نتعرض إلا لأحكام القانون العام؟! ألا يشفق المصريون من هذا الخطر؟! أيجدون من أنفسهم الشجاعة في مواجهته؟!
أمَّا أنا، فمشفق منه أشد الإشفاق، خائف منه أشد الخوف، ولو علمت أن رئيس الوزراء يقبل مني النصح لطلبت إليه ألا يتعجل في إلغاء الأحكام العرفية، كما أنه لم يتعجل في طلب الحقوق المصرية إلى الإنجليز، وأن يرى أن مصر تستطيع أن تصبر على انتقاص استقلالها الخارجي والداخلي حتى تسنح الفرصة؛ فمصر تستطيع أن تصبر على انتقاص حريتها، وبقاء الأحكام العرفية حتى تسنح الفرصة!
وأؤكد لرئيس الوزراء أن المصريين لا يُطاقون حين ترد إليهم الحرية! فسيقولون ويكثرون القول، وسيصيحون ويكثرون الصياح، وسيجتمعون فيسرفون في الاجتماع، وسينتشر أعضاء الوفد في أقطار الأرض، هذا يخطب في الشرق، وهذا يخطب في الغرب، وكلهم يدعو إلى استفتاء الشعب ورد الحكم إلى الأغلبية الصحيحة، وكلهم يدعو إلى المطالبة بالاستقلال الكامل الشامل. فما نحن وهذا العناء؟! ولِمَ لا نغلق هذا الباب الذي إن فُتِحَ لم نَدْرِ من الذي يدخله، ومن الذي يخرج منه.
عليَّ أن أجد في نفسي شيئًا من العزاء إن صمم رئيس الوزراء على إلغاء الأحكام العرفية؛ فلم تكن الأحكام العرفية قائمة حين وقف الدستور ثلاثة أعوام قابلة للتجديد، ولم تكن قائمة حين أُلْغِيَ الدستور ووُضِعَ مكانه دستور آخر، ولم تكن قائمة في عهود الانقلاب على اختلافها. ومع ذلك، عرفت الوزارات في تلك العهود كيف تعقل الألسنة، وتفلُّ الأقلام، وترسل الناس إلى السجون، وتمنع الخصوم من النشاط؛ فإذا لم يجد رئيس الوزراء بُدًّا من إلغاء الأحكام العرفية، فلا أقل من أن ينظر في تاريخنا القريب جدًّا، ولا أقل من أن يتأسَّى بالذين ساسوا مصر سياسة حزم وعزم، وضربوا على أيدي الذين يريدون أن يحكم الشعب نفسه بنفسه لنفسه. وصدقي باشا حيٌّ موفور الصحة والحمد لله، وهو يستطيع أن يسدي النصح، ويهدي المشورة القيمة.
فأما إذا أبى رئيس الوزراء إلا إلغاء الأحكام العرفية، وإلا الإعراض عن سيرة صدقي باشا وأمثاله من أولي العزم والحزم، فإني لا أحتمل تبعة ما ستتعرض له الوزارة، وما سنتعرض نحن له من الأمور الجسام.
فليختر رئيس الوزراء بين أمرين لا ثالث لهما: الحزم والعزم والقوة والبأس من جهة، أو الاختلاف والخصومة ثم الاستقالة، وما يكون بعدها من الخطوب.
أما بعد، فإني أؤثر في غير مزاح هذه المرة أن تبقى الأحكام العرفية على ما فيها من شدة وحرج، على أن تُلغى الأحكام العرفية من القول، وتبقى في العمل. فإذا كان النقراشي باشا يريد أن يلغي الأحكام العرفية حقًّا، وليس له من ذلك بد، فليُعْطِ على نفسه عهدًا أمام نفسه، وأمام ربه، وأمام شعبه بأنه لن يُغيِّر في أحكام الدستور، ولن يُكلِّف القوانين ما لا تطيق، ولن يسير في الحكم سيرة قوم يعرفهم حق المعرفة؛ لأنه ذاق من بأسهم وبطشهم ما لا نحب أن يذيقنا مثله حين صار الأمر إليه. -
الجنة المحرمة
الجنة المحرمة
طه حسين
جريدة البلاغ
٢٧ مايو ١٩٤٥
في هذه الأيام التي يشتد فيها القيظ، ترسل إلينا الشمس فيها أشعتها ضوءًا مشرقًا ولهبًا محرقًا، يصهر الأجسام ويكاد معها يصهر العقول والنفوس.
في هذه الأيام لا يكره الناس الأحاديث الطوال عن جنات النعيم ذات الظل الوارف والشجر المتكاثف، تجري فيها الأنهار غزارًا ويضطرب فيها النسيم فاترًا ساحرًا، ينعش الأجسام ويحيي النفوس. لا يكره الناس الحديث عن هذه الجنات، ولعلهم ينعمون إن أتاحت لهم أعمالهم بالتفكير فيها واستحضارها في نفوسهم، يستمتعون بالخيال إن لم يُتَحْ لهم أن يستمتعوا بالحقيقة.
ويُخيَّل إليَّ أننا لا نشقى بهذا القيظ المرهق الذي يهديه إلينا فصل الصيف وحده، وإنما نشقى بقيظ آخر ليس أقل منه إرهاقًا ولا إحراقًا، لا يهديه إلينا فصل من الفصول، ولا يسلطه كوكب من الكواكب، وإنما يهديه الإنسان إلى الإنسان، ويسلطه القوي على الضعيف، وتبسطه علينا هذه الظروف الكثيرة المعقدة الملتوية التي نستطيع أن نجتهد في تحليلها وتعليلها وتأويلها، فلا نجد لها إلَّا مصدرًا واحدًا في حياة الأفراد والجماعات وفي صلات الدول والشعوب، وهو أن العدل لم يستقر بَعْدُ في النفس الإنسانية، ولم يصبح مَلَكة من مَلَكاتها، ومقومًا من مقوماتها، وضرورة من ضروراتها في الحياة، وإنما ظلَّ في هذا العصر الحديث كما كان في العصور القديمة الماضية أملًا من الآمال، تتوق إليه القلوب ولا تذوقه، وتطمح إليه النفوس ولا تبلغه، وتسمو إليه العقول ولا تحققه إلَّا كما يحقق الفقير البائس المحروم جنة النعيم هذه تلتف فيها الأشجار وتجري فيها الأنهار ويترقرق فيها النسيم، وهو يحقق هذه الجنة في نفسه ويتحرق شوقًا إليها وتهالكًا عليها، ولكن حياته القاسية تمسكه فيما هو فيه من بؤس مُلِحٍّ، وحرمان مُمِضٍّ، وعَمَل مُرْهِق، وعَرَق مُغْرِق، وعذابٍ أَلِيم.
وأرجو ألَّا تظن أني حين أستأنف هذا الحديث إنما أعمد إلى نحو من أنحاء الأدب، ولون من ألوان القول المنمق؛ فأنا أؤكد لك أن الحياة التي نحياها في هذه الأيام لا تُغري بالأدب، ولا تُرغِّب في تنميق الكلام، وإنما هي حياة شاحبة تملأ النفوس شحوبًا، وتشيع في القلوب ظلامًا كثيفًا. إنما أغراني بهذا الحديث ما قرأته الآن في خطبة من الخطب الانتخابية التي أخذ مستر تشرشل رئيس الوزراء البريطانيين يذيعها بين مواطنيه، فهو قد سمع فيما يقول بأن من المثل العليا للعالم الجديد أن يأمن الناس من الخوف، وهو يرى أن هذا الخوف إن كان مصدره عدوان شعب على شعب أو انتهاك دولة لحرمة دولة أخرى، فإن ما تتخذه الأمم المتحدة من إجراء لتنظيم السلم وإقامة الأمن العالمي على أساس متين سيكفل دفع هذا الخوف، وسيرد المعتدي عن عدوانه، وسيؤمن بعض الشعوب من بعض. ولكن المستر تشرشل يرى خوفًا آخر ليس أقل خطرًا من هذا الخوف، وكأنه لا يعرف السبيل إلى إزالته ورد شره عن الناس! وهذا الخوف هو الذي لا يثيره عدوان شعب على شعب، ولا تسلُّط دولة على دولة، وإنما يثيره عدوان الحكومة على الأفراد، وتسلُّط النظم الاستبدادية على حياة الناس.
هذا الخوف الذي تستشعر الأسر في ظل بعض الحكومات من أن يُطرَق الباب في أي وقت من الأوقات، وعلى غير علم سابق ولا انتظار، فإذا فُتِح نظرت الأسرة فإذا أعوان السلطان قد أقبلوا ليأخذوا كاسبها وليلقوه في قعر مظلمة — كما يقول الشاعر العربي القديم — وليتركوا عياله وفيهم الشيخ الفاني، والمرأة الضعيفة، والأطفال الصغار عرضةً للجوع والشقاء، لا يجدون من يعولهم ويغنيهم، ولا يجدون ما ينفقون، وقد يعود إلى هذه الأسرة كاسبها وقد لا يعود.
هذا الخوف قد امتلأت به قلوب الأوروبيين في كثير من البلاد الأوروبية بين الحربين — وفي أثناء الحرب التي لم تنتهِ بعد — ويظهر أن المستر تشرشل ليس مطمئنًّا إلى أن النصر الذي أُتِيحَ للحلفاء في أوروبا قد محاه وعفت آثاره، ويظهر أن المستر تشرشل يود لو أُتِيح للمنتصرين أن يزيلوا هذا الخوف، ولكنه لا يدري كيف يمكن أن يُزال.
فالاستقلال الذي تستمتع به الدول يضع السياسة الداخلية لكل دولة من هذه الدول المستقلة بمأمن من تدخل الأجنبي، فمن الممكن — بل من الواقع — أن تقوم الدولة الديمقراطية التي تضمن لمواطنيها الحرية والإخاء والمساواة إلى جانب دولة أخرى ليست من الديمقراطية في شيء، أو لا تعرف من الديمقراطية إلَّا أسماء لا تدل على شيء، أو لا تتكلف حتى هذه الأسماء التي تخدع الغرباء، وإنما تجهر بما شاءت من نظام لا يكفل للناس أمنًا ولا حريةً ولا مساواةً، وإنما يقيم أمرهم على العسف والبطش وتحكم السلطان، فيُطرَق الباب على الأسرة في أي وقت وعلى غير انتظار، ولا يكاد يُفتَح حتى يُؤخَذ كاسب الأسرة، فيُلقَى حيًّا في غيابات السجن أو يُلْقَى ميتًا في العراء، أو يُحرَّق جسمه وتذروه الرياح.
ومن الممكن بل من الواقع أن تقوم الدولة الديمقراطية العادلة إلى جانب الدولة المستبدة الجائرة، وأن ترى ما يحدث من الفظائع وما يُقترَف من الآثام دون أن تصنع شيئًا؛ لأنها لا تستطيع أن تصنع شيئًا، يمنعها من ذلك استقلال جاراتها الظالمة المستبدة، وأن هذا الاستقلال مقدَّس لا يجوز التعرض له أو الاعتداء عليه.
فقد قامت فرنسا مثلًا بين إيطاليا الفاشية وألمانيا الهتلرية، ورأت ما رأت وسمعت ما سمعت وأنكرت ما أنكرت، ولكنها لم تصنع شيئًا. ماذا أقول؟! بل حاولت ما وسعتها المحاولة أن تتقرب إلى هتلر وموسوليني إيثارًا للعافية وتجنُّبًا للحرب. وقُلْ مثل ذلك بالقياس إلى بريطانيا العظمى، فهي قد رأت من إيطاليا وألمانيا مثل ما رأت فرنسا، وهي قد تقربت إليهما كما تقربت فرنسا، وهي قد سبقت عندما جد الجد إلى هذا التقرب، فسعى شمبرلين إلى هتلر، وسعى بعد ذلك إلى موسوليني، ولم يُغْنِ هذا السعي شيئًا، فكان ما لم يكن منه بد وشبَّتِ الحرب وانتهت بانتصار الحلفاء، وظنَّ الناس أنهم سيأمنون من الخوف الداخلي ومن الخوف الخارجي جميعًا، ولكن المستر تشرشل يتحدث في دائرته الانتخابية فيقول إنه يرجو أن يزال الخوف الخارجي بما يقرر من تنظيم السلم، ولكن هناك خوفًا داخليًّا لا يدري كيف يُزال.
والواقع أننا لم نكن ننتظر حديث المستر تشرشل أمس لنعلم أن الأمن من هذا الخوف الداخلي ما زال بعيدًا، بل لم نكن ننتظر حديث المستر تشرشل أمس لنعلم أن الأمن من الخوف الخارجي ما زال بعيدًا على رغم ما يُتخَذ من إجراء لإنشاء مجلس الأمن وتنظيم السلم في العالم الجديد.
وقد وضع باسكال — الكاتب الفرنسي المعروف — هذه المسألة في وضعها الطبيعي منذ ثلاثة قرون، حين تمنى في الجملة التي ذكَّرنا بها إدوارد هريو منذ حين أن يتحقق التوازن بين العدل والقوة، بحيث يقوى العدل فلا يطمع فيه الباغون، وأن تُبدَّل القوة فلا تبطش بالضعفاء الذين لا يجدون من يحميهم من البطش والعدوان.
وما دامت الإنسانية لم تُوفَّق إلى تحقيق هذا التوازن بين القوة والعدل، ولم تُوفَّق إلى أن تلطف القوة بشيء من العدل وتؤيد العدل بفضل من القوة، فسيبغي بعض الناس على بعض، وسيذوق بعض الناس بأس بعض، وسيجد الظلم الداخلي والخارجي في حياة الناس مرتعًا خصيبًا.
وهل من الحق أن ما يتخذ من إجراء لتنظيم السلم سيحقق الأمن من الخوف الخارجي؟! أمَّا أنا فأشك في ذلك أشدَّ الشك؛ لأن الأمن من عدوان بعض الشعوب على بعض لن يتحقق إلَّا إذا كانت المساواة الصحيحة بين الشعوب دون تفريق بين القوي منها والضعيف، والغني منها والفقير، والصغير منها والكبير، والمتقدم منها في الحضارة والذي لم يأخذ منها إلَّا بحظٍّ يسير. وهذا شيء لم تستطع عصبة الأمم الماضية أن تحققه، ولم يستطع مؤتمر سان فرنسيسكو أن يحققه، وما دامت هناك دول عظيمة تستأثر بالقوة والبأس، ودول صغيرة لا تستطيع أن تدفع عن نفسها العدوان؛ فستظل أشباح الخوف الخارجي ماثلة وراء الأفق تتراءى كلما خطر لها أن تزعج الناس.
وقد عجزت عصبة الأمم الماضية عن أن تَقِي بعض الدول الكبرى شر بعض، وكل ما يمكن أن يبلغه مؤتمر سان فرنسيسكو وما سينشأ عنه من المؤسسات هو أن يحقق ما لم تستطع عصبة الأمم تحقيقه، فتأمن الدول الكبرى من أن يعتدي بعضها على بعض.
ولست أدري أيتحقق هذا الغرض أم تتقطع دونه الأسباب؟ فأمَّا الدول الصغرى والدول المتوسطة فأمرها إلى الله وإلى أنفسها، والحق عليهم أن ترسم لنفسها من الخطط ما يعصمها من الشر ويؤمنها من الكيد إن وجدت إلى ذلك سبيلًا.
وقد تحدَّث إلينا المنتصرون حين كانوا يجاهدون في سبيل النصر بأنهم يريدون أن يؤمنوا الشعوب من العدوان، وأن يؤمنوا الأفراد من الظلم والجوع.
وظنَّ أصحاب القلوب السليمة أن النصر سيملأ الأرض عدلًا بعد أن مُلِئت جورًا، وسيحوِّل الدنيا إلى جنة كهذه الجنة التي وعد الله بها عباده الصالحين في الدار الآخرة. وقد تحقق النصر وانهارت الدكتاتوريات وظفرت الدول الديمقراطية بفوز عظيم، ولكن الشعوب ما زالت خائفة من عدوان الشعوب. ماذا أقول؟! بل ما زالت تشكو عدوان الشعوب وتصلى نار هذا العدوان. فأمَّا الأفراد فلم يفكر أحد في حمايتهم من الظلم والبطش، ولو في تأمينهم من الخوف أن تُطرَق عليهم الأبواب ليُؤخَذوا إلى حيث لا يعودون كما يقول مستر تشرشل.
وإذن؛ وإذن فالأمر يسير جدًّا، وهو أن في الأرض جنات يُتاح فيها النعيم الذي لا حدَّ له لجماعات من الناس ولأفراد من الناس أيضًا، ولكن هذه الجنات محرمة على غير أصحابها، مسوَّرة بهذه القوة الهائلة التي تتكون من الحديد والنار بالقياس إلى الشعوب، ومن القوانين وبأس الحكومات بالقياس إلى الأفراد.
يستطيع الشعب البريطاني أو الشعب الفرنسي أو الشعب الأمريكي أن ينعم بجنة الحرية التي يحميها بما له من قوة وبأس، ويرد عنها غيره من الشعوب إن أراد أن يدخلها أو يستظل بظلها، ولا عليه بعد ذلك أن تشقى شعوب أخرى بنار الظلم وعذاب الاستبداد. ويستطيع هذا الفرد أو ذاك من أصحاب الثراء أن ينعم في قصره المنيف وجنته الرائعة التي يحميها القانون وبأس الحكومة وسلطان القضاء، ولا عليه أن تتقطع أكباد الفقراء وتتمزق قلوبهم من البؤس والجوع والحرمان.
وإذا أردتَ الحق فقُلْ إن حياة الناس إلى الآن جنات محرمة ينعم بها الأقلون، وجحيم مهلك يشقى به الأكثرون. وليس من سبيل إلى أن تصبح الحياة جنة للناس جميعًا أو جحيمًا للناس جميعًا إلَّا يوم يصبح العدل ملكة من ملكات النفس الإنسانية ومقوِّمًا من مقوماتها.
وأظن أن الأمد بيننا وبين هذه الغاية ما زال بعيدًا. -
مستقبل الديمقراطية
مستقبل الديمقراطية
طه حسين
مجلة الهلال
ديسمبر ١٩٤١
أنا واثق بأن ليس على الحضارة الإنسانية خطر حقيقي من هذه الحرب مهما يعظم هولها، وأنا واثق بأن الديمقراطية هي خير ما عرف الناس من نظم الحكم، وأنا من أجل هذا مطمئن إلى أن الحضارة إن خرجت ظافرة من هذه الحرب، فستخرج الديمقراطية معها ظافرة.
ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل!
كذلك قال الطغرائي منذ قرون طوال، وكان موفَّقًا كل التوفيق إلى الحق والصواب فيما قال، وما أظن أن أحدًا من الذين يعيشون في هذه الأيام يستطيع أن ينازع في هذه الحكمة القديمة الجديدة سواء أكان من الذين يَصْلَوْن نار الحرب من قريب، أم من الذين يَصْلَونها من بعيد.
فليس من شك في أن الحياة التي تحياها الإنسانية الآن ضيقة الآفاق، ضئيلة الخطر، قليلة العناء. لولا أن في كل نفس إنسانية حية سراجًا قويًّا يشق آفاقها المظلمة، وينفذ بالنفس الإنسانية إلى عالم آخر. وراء هذه الآفاق تستطيع الآمال أن تنطلق فيه حرة خفيفة سريعة قادرة على أن ترتفع حتى تبلغ ما شاءت في جو السماء، وقادرة على أن تمضي أمامها إلى غير أمد.
وماذا تنتظر من هذه الحياة التي نحياها الآن، وقد أخذها الشر من جميع أنحائها، فلا يكاد الإنسان يفكر في أمسه إلا امتلأت نفسه حسرات على أنه قد مضى بكثير من الطيبات كنَّا نستقلها ونزدريها، فأصبحنا نستكثرها ونودُّ لو أُتيح لنا بعضها؟! ولا يكاد الإنسان يحاول التفكير في غده حتى يتساءل: أمدرك هو هذا الغد، أم مقصر هو عن إدراكه؟
والغريب أن طبيعة الحياة الإنسانية لم تتغير؛ فهي في كل وقت كما هي الآن، معرضة للخطر الذي يأتيها من حيث ينتظر الناس ومن حيث لا ينتظرون، ولكن هذه الحوادث الهائلة والكوارث المنكرة التي تتكشف عنها الحرب في كل لحظة قد جلت طبيعة هذه الحياة للناس، وأشعرتهم بغرورهم وخداعهم لأنفسهم، فواجهوا الحقائق كما هي، وعرفوا أن مثل الحياة الدنيا كمثل هذا الهشيم الذي تذروه الرياح، والذي ضربه الله لهم في القرآن الكريم، فهم يؤمنون به إذا تلوا الآية أو سمعوا الوعاظ، ولكنهم لا يلبثون أن ينسوا ما تلوا، وأن يعرضوا عمَّا سمعوا، وأن يقبلوا على لذاتهم وأهوائهم كدأبهم قبل أن يتلوا الآية، وقبل أن يسمعوا الوعاظ.
فأما الآن فكل لحظة من لحظات حياتهم تتلو عليهم هذه الآية، وكل نبأ يصبحهم به النهار، أو يمسيهم به الليل يتحدث إليهم الوعاظ، ويذكرهم بأن الحياة الدنيا هشيم تذروه الرياح، وهم من أجل ذلك خليقون أن يدركهم اليأس، وكثير منهم يدركه اليأس فيفنى في التشاؤم المهلك، أو يندفع إلى التفاؤل المهلك، ولكن نفس الإنسان أقوى من اليأس، وأقوى من أحداث الزمان؛ فهي تستطيع دائمًا أن تأمل، وهي تستطيع دائمًا أن تذكر أمس، وأن تفكر في غد، وأن تستمتع بذكريات الماضي، وأن تحلم بطيبات المستقبل.
والشر المطلق لا وجود له، كما أن الخير المطلق لا وجود له، أو قُلْ إذا شئت إن الإنسان العادي لا يستطيع أن يتصور الشر المطلق كما أنه لا يستطيع أن يتصور الخير المطلق وهو يسعد بمقدار، ولا أن يفسد الغرور عليه أمره وهو يشقى بمقدار إلا أن يفسد اليأس عليه أمره.
وهو من أجل ذلك ينتفع بالكوارث؛ لأنها ترده وتصرفه عن غيِّه، وتشعره بأن الحياة لا ينبغي أن تُؤخَذ على أنها هزل خالص، ولا على أنها جد خالص، وإنما هي مزاج من هذا وذاك فيها الرضا والسخط، وفيها الفرح والحزن، وفيها الابتسام والعبوس.
ولست أدري ما الذي يدفعني إلى هذا التفكير القاتم، بل لست أدري ما الذي يدفعني إلى التعبير عن هذا التفكير القاتم الذي صحبته أو صحبني منذ تتابعت أهوال الحرب، ولكني احتفظت به لنفسي، وضننت به على غيري، أو ضننت بغيري عليه.
لست أدري ما الذي يدفعني إلى هذا الحديث القاتم، ولم يطلب إليَّ أن أعظ الناس، ولا أن أبصرهم بجد الحياة وهزلها، وإنما طلب إليَّ أن أتحدث عمَّا أنتظره للديمقراطية بعد هذه الحرب.
وليتني أدري أيمكن أن تأتلف هذه الكلمات بعد هذه الحرب، فقد طالت هذه الحرب، وثقلت، وتتابعت أهوالها، وتوالت كوارثها، وتعمقت آثارها حياة الناس الذين يشعرون، ويفكرون، ويحسون التضامن الاجتماعي.
طالت هذه الحرب وثقلت، حتى أنستنا الماضي، وصرفتنا عن المستقبل، وشغلتنا باللحظات التي نحياها، أو التي يُتاح لنا أن نحياها، وحتى لو أرسلنا أنفسنا على سجيتها؛ لخُيِّل إلينا أن ليس لهذه الحرب قبل ولا بعد، ولكنا مع ذلك نذكر أن قد كان لهذه الحرب قبل، وأننا قد أنفقنا أعوامًا وأعوامًا كانت تمر فيها بنا الأيام والليالي والأسابيع والشهور، ونحن فارغون لحياتنا الخاصة مقبلون على ما ينفعنا وينفع الناس، لا يصرفنا عن ذلك شيء من هذه الكوارث التي لا يكاد العقل يتصورها، والتي تأخذ الحضارة من كل وجه، وتسعى إليها من كل صوب.
نعم؛ لا نزال نذكر أن قد كان لهذه الحرب قبل، نَعِمَ الناس فيه بلذات السلم واستمتعوا فيه بالعافية، ولا يزال تذكرنا لهذا الدهر القريب البعيد يُحبِّب إلينا العودة إليه، أو إلى شيء يشبهه، ويثير في نفوسنا الأمل في أن يكون لهذه الحرب بعد ينعم الناس فيه بالسلم، ويستمتعون فيه بالعافية.
وما يخطر لي أن أتصور هذا الدهر الذي ستنجلي عنه الحرب، ولا أن أشيد فيه القصور الإسبانية، وإنما أنا أرى هذه الحرب كما كان شعراؤنا القدماء يرون الليل إذا شكوا طوله، فظنوا أن نجومه قد شُدَّتْ بالحبال إلى الجبال؛ فهي لا تكاد تنتقل، والناس مع ذلك يذكرون فينعمون بالذكرى، والناس مع ذلك يحلمون فيستمتعون بالأحلام.
فلنتحدَّثْ إلى أبنائنا وشبابنا عن تلك الأيام التي لم تكن فيها حرب وإنما كانت كلها سلمًا وأمنًا ولذة ونعيمًا، ولنتحدَّثْ إلى أبنائنا وشبابنا عن أيام مقبلة لا حرب فيها ولا ضرب، ولا قتال فيها ولا نزال، وإنما فيها السلم، والأمن، واللذة، والنعيم، وفيها الآمال العراض، والأماني الباسمة، والمطامع البعيدة، والطموح الذي لا حد له، والسعي في آثار المثل العليا، والظفر بكثير مما تطمع فيه النفوس، وتطمح إليه القلوب، والثقة بأن ما يعسر على بعض الأجيال قد يسر لعضنا الآخر، وبأن الأبناء قد يبلغون ما قصر عنه الآباء، وبأن الغد قد يحقق ما عجز عن تحقيقه الأمس.
وإذا تحدثت إلى نفسي عن مستقبل الديمقراطية بعد أن تنتهي هذه الحرب فإن لي في هذا الحديث لغتين: إحداهما لغة التشاؤم والشك؛ لأننا شهدنا حربًا مضت، ورأينا بعدها سلمًا شملت الناس، وكنَّا نضيق بتلك الحرب الماضية كما نشقى بهذه الحرب الحاضرة، وكنَّا نعقد بتلك السلم التي انقضت آمالًا واسعة، وننوط بها أماني لا تنقضي، فلما أقبلت السلم لم تحقق من آمالنا الواسعة إلا قليلًا، ولم تُتِحْ لنا من أمانينا البعيدة إلا أهونها شأنًا وأقلها خطرًا.
وكنَّا نظن أن الحرب الماضية قد قتلت نفسها، وأن السلم قد عفت على آثارنا، وأن أمور الناس ستصير إلى عافية دائمًا، وأن مشكلاتهم ستُحَلُّ بينهم بالرضا والثقة المتبادلة.
وكنَّا نظن أشياء كثيرة، وكنَّا نأمل أكثر مما كنَّا نظن. فلم تكد تتقدَّم الأيام بتلك السلم؛ حتى تبين أن ظنوننا إنما كانت لغوًا، وأن آمالنا قد ذهبت هباء، وأن الحرب لم تقتل نفسها، وأن السلم لم يُعَفِّ آثار الحرب، فلا غرابة إذا فكرنا في غد مع كثير من التحفظ والاحتياط والإشفاق أن تكون عاقبة هذه الحرب كعاقبة الحرب الماضية، وأن تكون السلم المنتظرة عقيمًا مجدبة كالسلم التي انقضت في سبتمبر سنة ١٩٣٩؛ فهذه إحدى اللغتين اللتين أتحدث بهما إلى نفسي إذا فكرت في مستقبل الديمقراطية.
فأما اللغة الثانية فلغة أمل ورجاء وثقة؛ ذلك أن الإنسان لم يُعَلَّم إلا ليعلم كما قال الشاعر القديم، وإن من طبيعته الانتفاع بالحوادث، والاستفادة من التجارب، وقد أسرف في الأمل على نفسه أثناء الحرب الماضية، فأسرف عليه اليأس بعد انقضاء تلك الحرب؛ فالخير إذن أن يقتصد في الأمل، وأن يكون رجاؤه معتدلًا، وأن تكون أمانيه معقولة تحد بطاقة الناس وقدرتهم على الإصلاح.
وقد ظن الأوربيون في أعقاب الحرب الماضية أنهم قهروا الطغيان إلى أمد بعيد جدًّا، وأنهم قد أقاموا على أنقاضه عالمًا قوامه العدل، والقسط، والإنصاف، ولكنهم حين ظنوا ذلك لم يخدعوا أنفسهم وإنما خدعوا كثرة الناس؛ ذلك أنهم لم يكونوا فيما بينهم وبين أنفسهم واثقين بأنهم قتلوا الطغيان حقًّا، والطغيان الألماني لا يُقتَل بهزيمة تلقاها ألمانيا خارج حدودها، وإنما يُقتَل في موطنه حين تُقتحَم الحدود الألمانية، وحين يزول السلطان الألماني، وحين تذوق ألمانيا في وقت طويل أو قصير مرارة الغزو التي أذاقتها للآخرين، ومرارة التسلط الأجنبي الذي بعد عهدها به.
هنالك يُنتظَر أن يثوب إلى الشعب الألماني شيء من رشد وحظ من قصد، وهنالك يُنتظَر أن يبرأ الشعب الألماني من بعض غروره، ويؤمن بأنه كغيره من الشعوب قد يُتاح له النصر وقد تقضي عليه الهزيمة، وهنالك يعتدل الشعب الألماني في أطماعه، ويكبح من جماحه، ويطمئن إلى أنه يستطيع أن يقنع بالمساواة بينه وبين غيره من الشعوب، ويومئذ يمكن أن يُقْبِل مخلصًا على التعاون مع غيره في إقامة النظام الجديد على أساس من العدل والقصد، وعلى رغبة في المساواة والإنصاف.
فأما أن ينهزم الشعب الألماني خارج حدوده كما انهزم في الحرب الماضية، فذلك شيء يريح الناس من الطغيان الألماني وقتًا ما، ولكن الشعب الألماني نفسه لا يلبث أن يتساءل عن هذه الهزيمة التي لم يرها رأي العين، ولم يَذُقْ آثارها في أرضه ثم لا يلبث أن ينكرها، ثم لا يلبث أن يرى نفسه مظلومًا، ثم لا يلبث أن يحاول إنصاف نفسه.
والمظلوم معرض متى استطاع إلى أن يصبح ظالمًا مسرفًا في الظلم؛ فحدود الإنصاف ليست واضحة، والفروق بين الإنصاف والانتقام ليست بيِّنة.
وكما أن الذين نظموا العالم بعد الحرب الماضية لم يكونوا واثقين بالانتصار، فهم كذلك لم يكونوا واثقين بأنفسهم، أو بعبارة أدق لم يكونوا مخلصين لأنفسهم في تلك الثقة التي كانوا يظهرونها، فلم تكن معاهدة الصلح تمضي حتى جحدتها الولايات المتحدة الأمريكية، ولم تكد عصبة الأمم تنشأ حتى جحدتها الولايات المتحدة الأمريكية، فتركت أوروبا لنفسها فلم تصنع شيئًا، وهي لم تصنع شيئًا؛ لأنها لم تخلص لنفسها، وإنما قام سوء الظن أساسًا لما كان بينها من الصلات؛ فألمانيا مغلوبة، فهي تسيء الظن بغالبيتها وهم يسيئون بها الظن، وإيطاليا ترى أنها قد ظفرت من الغنيمة بأقل مما كانت ترجو، وإنجلترا وفرنسا تتنافسان في سيادة البر والبحر. وقد انحازت روسيا إلى نفسها، وعكفت على ثورتها، وفرغت لبغض الغالب والمغلوب جميعًا؛ ولذلك مضت الحرب الكبرى دون أن يجني الناس منها إلا شرها، وأقبلت سَلْمٌ عرجاءُ لم ينتفع بها إلا المهرة الذين يحسنون الصيد في الماء العكر، ويحسنون ملأ حقائبهم وجيوبهم إذا أظلم الليل.
وكذلك فرغت أوروبا من حرب الشعوب، ولكنها لم تنتهِ إلى السلم، وإنما انتهت إلى الهدنة، وإلى هدنة غير خالصة، إلى هدنة في السياسة الخارجية، وإلى حرب بين الطبقات فسدت بها السياسة الداخلية للأمم فسادًا عظيمًا.
ولم تَمْضِ أعوام قليلة على السلم حتى استيقن أولو البصائر أن الحرب مقبلة لا محالة، وأن الشعوب عائدة إلى شر مما كانت فيه، وأن النظم السياسية والاجتماعية التي كانت تقوم عليها أمور أوروبا لم تكن صالحة للبقاء، وإنما كانت موقوتة تنتظر من يسبق إلى هدمها.
وقد سبق الثائرون في روسيا فهدموا من ناحيتهم وحاولوا البناء. ثم سبقت إيطاليا، ثم تبعتها ألمانيا، وانقسمت أوروبا إلى قسمين متباعدين أشد التباعد أحدهما يقوم على دكتاتورية مهلكة لحرية الفرد والجماعة وكرامة الإنسان، والآخر يقوم على ديمقراطية مزعزعة مسرفة في حرية الفرد.
والجماعة مقصرة مع ذلك في إنصاف الفرد من الجماعة، وفي إنصاف الضعفاء من الأقوياء، والفقراء من الأغنياء، والعاملين من الذين لا يعملون.
ولم يكن الإنسان محتاجًا إلى كثير من الذكاء ليفهم أن دوام تلك الحال قد كان من المحال، ولم تلبث الحوادث أن أثبتت أن الحياة الأوروبية لم تكن معقولة، ولا قادرة على البقاء.
كل هذا قد تعلَّمه الإنسان في هذا العصر الذي انقضى بين حربين، فواحدة من اثنتين: إما أن يكون الشاعر صادقًا حين قال:
وَمَا عُلِّمَ الْإِنْسَانُ إلا لِيَعْلَمَا
وإما أن يكون التاريخ صادقًا فيما أنبأنا به من أن الإنسان منتفع دائمًا بالحوادث، مستفيد دائمًا من التجارب، ماضٍ دائمًا إلى أمام.
وإذن؛ فمن حقنا أن نرجو وأن نأمل، وأن نثق بأن للديمقراطية بعد الحرب مستقبلًا رائعًا مزهرًا، وإما أن يكون ظننا بحكمة الحكماء، وفلسفة الفلاسفة، وعِبَر التاريخ، واستعداد الطبيعة الإنسانية للرقي، وقدرة العقل الإنساني على قهر المصاعب، والخروج من الخطوب منتصرًا عليها كاذبًا. وإذن؛ فهو اليأس لا من الديمقراطية وحدها، ولكن من الحضارة الإنسانية كلها.
والحمد لله على أني لست من اليائسين، وعلى أني لا أفهم لليأس معنى مع الحياة، كما كان يقول مصطفى كامل رحمه الله، فهذه الكارثة الهائلة التي تخضع لها الإنسانية الآن ليست الكارثة الأولى، ولن تكون الكارثة الأخيرة مع الأسف، وقد تعرضت الحضارة الإنسانية لكوارث أخرى ساحقة ماحقة، فظهرت عليها وانتفعت بها، وخرجت منها أشد تألقًا وأكثر إشراقًا مما كانت قبل أن تلم بها الكارثات.
ولست أدري لِمَ لا تخرج الحضارة ظافرة من هذه الكارثة، كما خرجت من الكوارث الماضية، وهي الآن أشد أيدًا، وأصلب عودًا، وأمضى حدًّا، وأقدر على المقاومة، وأقدر على النفوذ أيضًا؟!
أنا إذن واثق بأن ليس على الحضارة الإنسانية خطر حقيقي من هذه الحرب مهما يعظم هولها، وأنا إذن واثق بأن الديمقراطية هي خير ما عرف الناس من نظم الحكم من الناحيتين السياسية والاجتماعية، وأنا من أجل هذا كله مطمئن إلى أن الحضارة إن خرجت ظافرة من هذه الحرب، فستخرج الديمقراطية معها ظافرة؛ لأن الحضارة الصحيحة في هذا العصر لا تستطيع أن تقوم إلا على الحرية … الحرية التي تسع الأفراد والجماعات والشعوب، الحرية التي تمنع الأفراد من أن يظلم بعضهم بعضًا، وتمنع الشعوب من أن يظلم بعضها بعضًا.
وأكاد أعتقد أن هذه الحروب التي خضعت لها الإنسانية، والتي عرَّضت الحضارة لشر عظيم، إنما هي لون من ألوان الجهاد الذي تبذله الإنسانية لتظفر بهذه الحرية، والذي تشقى به الإنسانية كثيرًا بين وقت ووقت لتنعم بما نتج لها من الحرية كثيرًا أيضًا.
والشيء الذي لا أستطيع أن أشك فيه هو أن العقل الإنساني قد وصل إلى حد من الرقي لا يستطيع معه أن يقبل الضيم، أو يصبر على الذل، أو يعيش إلا في ظل الكرامة.
وأنا أعلم أن نُظُم الطغيان قد قامت في أوروبا، وبأنها تكلف الناس من أمرهم شططًا في هذه الأيام, ولكني أعلم أيضًا أن هذه أزمات تتعرض لها الحياة الإنسانية بين وقت وآخر، وأن هذه الأزمات رهينة بالأشخاص الذين يثيرونها، أو بالظروف الطارئة التي تقتضيها. فمتى مضى هؤلاء الأشخاص ولا بد من أن يمضوا، ومتى تغيرت هذه الظروف ولا بد من أن تتغير لأن الحياة تغير مستمر؛ استأنف العقل الإنساني طريقه في سبيل الرقي.
وهذه الطريق جميلة رائعة، تقوم فيها من حين عقبات وصعاب، ولكنها تمضي دائمًا في ظلال من الحرية والكرامة والأمل والمثل العليا.
فإذا أردت أن تعرف رأيي في مستقبل الديمقراطية إذا انتهت هذه الحرب فلست أستطيع أن أعرض عليك رأيًا بعينه، ولا أن أرسم لك صورة بعينها، وإنما أستطيع أن أعرض عليك ثقة متينة وأملًا باسمًا.
فأما الثقة فبانتصار الحضارة والنور على الجاهلية والظلمة، وأما الأمل ففي أن يستفيد الناس من دروس الحرب الماضية والسلم الماضية أيضًا، وفي أن يذكروا أنهم قد أقاموا الصلح الماضي على سوء الظن، وعلى سوء النية، وعلى سوء التقدير، وعلى التنافس والتحاسد، وعلى الخديعة والمكر، فجنوا من هذا كله شرًّا عظيمًا. فهم الآن خليقون ألا يتورطوا فيما تورطوا فيه أمس، وأن يقيموا صلحهم المقبل على حسن تقدير الأمور، وعلى أخذها بالحزم والعزم، وعلى الثقة الصادقة، والتعاون القائم على الإخلاص.
ويُخيَّل إليَّ أن تجنب الأغلاط التي اقتُرِفَتْ في وضع معاهدة فرسايل وفي تنفيذها، كفيل بأن يضمن للناس ديمقراطية، لا أقول كاملة؛ فليس إلى الكمال من سبيل، ولكنها ديمقراطية قريبة من العدل، يستمتع فيها الفرد بحريته وكرامته، وينعم فيها بطيبات الحياة لا يظلمه القوي، ولا يستغله الغني، وتأخذ فيها الشعوب بحظوظها من الحياة الحرة. لا تستأثر فيها الشعوب القوية بالسيادة والغنى من دون الشعوب الصغيرة، وإنما تقوم حياة الأفراد والجماعات والأمم على شيء من الحب والرفق والعدل والإنصاف.
منى إن تكن حقًّا تكن أحسن المنى وإلا فقد عشنا بها زمنًا رغدا