بين الشرق والغرب (٢)
طه حسين
جريدة البلاغ
١٢ أبريل ١٩٤٥
لم يفرغ الناس بعد من الحديث عمَّا قصدت إليه روسيا حين قررت ألَّا تجدد ما بينها وبين تركيا من ميثاق الصداقة والحياد؛ لأنه فيما ترى قد أصبح غير ملائم لظروف العالم الجديد، وأصبح محتاجًا إلى أن يمسَّه كثيرٌ من التعديل والتبديل.
وقد كثر التنبؤ بما تريد روسيا أن تقترح من تعديل وتبديل، يقتصد المتنبئون مرة ويسرفون مرة أخرى؛ حتى أذاعت بعض الصحف الإنجليزية أمس أن روسيا تريد أن تطلب إلى تركيا حرية المضايق، والنزول لها عن ولايتين من ولاياتها على الحدود، وتعديل دستورها بحيث يصبح ديمقراطيًّا صحيحًا. والمرجح أن مثل هذا التنبؤ لا يخلو من غلو شديد، وهو على كل حال مناقض للتصريحات التي تصدرها روسيا بالقياس إلى الدول التي تحررها من ألمانيا. فقد أعلنت روسيا غير مرة أنها لا تريد أن تتدخل في الشئون السياسية والاجتماعية لهذه الدول، وأنها لا تريد أن تحقق لنفسها مطامع إقليمية؛ أعلنت هذا بالقياس إلى رومانيا وبلغاريا والمجر، وأعلنته أمس بالقياس إلى النمسا. فمن غير المعقول أن يكون هذا موقف روسيا من البلاد التي تحررها بقوة السلاح، وأن تقف موقفًا آخر من بلاد مستقلة محايدة لم تكن بينها وبين روسيا حرب ما، ولعل الأدنى إلى المعقول ما أُذيع منذ حين من أن روسيا تريد حرية المضايق من جهة وضمان التعاون العسكري بينها وبين تركيا — إن ظهرت الحاجة إلى ذلك — من جهة أخرى.
ولكن المهم هو أن روسيا لم تكد تفرغ من تبليغ تركيا عدولها عن تجديد هذا الميثاق حتى خطت مثل هذه الخطوة بالقياس إلى اليابان، فأبلغتها أنها لا تريد أن تجدد ما بينهما من ميثاق الصداقة والحياد، وأبلغتها ذلك في لهجة عنيفة توشك أن تكون تحدِّيًا وإنذارًا؛ حتى تعجل المتنبئون فقالوا: إن روسيا قد تُعلن الحرب على اليابان قبل أن يبلغ الميثاق أجله. وقال قائلون آخرون: إن اليابان هي التي قد تعلن الحرب على روسيا قبل أن يبلغ الميثاق أجله. والشيء الواضح هو أن هذه الخطوة الروسية لها ما بعدها غدًا أو بعد غدٍ، وأن روسيا لم تخطها عبثًا، وأنها قد قصدت بها إلى أشياء ستكون أبعد مدًى وأعمق أثرًا مما ذهبت إليه حين ألغت ما بينها وبين تركيا من ميثاق.
والشيء الواضح أيضًا هو أن روسيا لم تسر حلفاءها البريطانيين والأمريكيين بموقفها الجديد من تركيا، وأنها قد سرَّت هؤلاء الحلفاء في ظاهر الأمر على الأقل بموقفها الجديد من اليابان. فتركيا حليفة للبريطانيين صديقة للأمريكيين، واليابان خصم لأولئك وهؤلاء، فتشدد الروسيين مع الترك يسوء الحلفاء من غير شك، وتشددهم مع اليابان يسرُّ الحلفاء من غير شك. وإن دل هذا كله على شيء فإنما يدل على أن للروسيين سياستهم الخاصة المستقلة التي يدبرونها ويسيرونها على مناهجهم الخاصة المستقلة أيضًا. وقد كانت روسيا ضيقة بما تفرض عليها الظروف السياسية والجغرافية في المضايق والبحر الأسود، وهي تريد أن تخرج من هذا الضيق. وكانت روسيا كذلك ضيقة بما تفرضه عليها الظروف السياسية والجغرافية في الشرق الأقصى — ولا سيما بعد انتصار اليابان عليها في أول هذا القرن — فهي تريد أن تخرج من هذا الضيق أيضًا. وهي بعبارة موجزة تريد أن تحقق سياستها التقليدية منذ عهد القياصرة، وهي حرية العمل في الشرق الأوسط والبحر الأبيض من جهة، وحرية العمل في الشرق الأقصى من جهة أخرى. ولن تستريح روسيا حتى يكون لها من الحرية في هذه الأرجاء كلها مثل ما لحليفتيها العظيمتين بريطانيا العظمى وأمريكا.
ونتيجة هذا كله أن الحرب واقعة لا محالة بين روسيا واليابان، فما ينبغي أن تنظم شئون الشرق الأقصى وتحدد فيه مناطق النفوذ وروسيا غائبة عن مؤتمر الصلح، ولا بدَّ من أن تشهد روسيا هذا المؤتمر مع البريطانيين والأمريكيين والفرنسيين والصينيين. ولا بدَّ من أن تثأر روسيا لنفسها من الحرب اليابانية الروسية التي وقعت في أول هذا القرن.
وقد أحسَّت البيئات السياسية في بريطانية وأمريكا إحساسًا قويًّا واضحًا بهذه الاتجاهات الروسية. ولاحظ الملاحظون أن الابتهاج لم يكن شديدًا جدًّا في أمريكا — مثلًا — بهذه الخطوة التي خطتها روسيا مع اليابان، وأن الأمريكيين تساءلوا متى تعلن الحرب بين الدولتين، وكان ابتهاج البريطانيين بهذه الخطوة معتدلًا أيضًا. ولست أعلم أن هذه الخطوة ذكرت في مجلس العموم البريطاني، ولكن البريطانيين قومٌ عمليون يحسنون انتهاز الفرص، ويحسنون لقاء الحوادث والخطوب، ويحسنون الاحتياط للمستقبل وما قد يثار فيه من المصاعب والمشكلات. ومع أن الهيئات الرسمية البريطانية لم تعلن خطة ما بشأن موقف روسيا من تركيا أو موقفها من اليابان؛ فقد نشرت التيمس منذ يومين مقالًا له خطره ومغزاه بالقياس إلى بلاد الشرق الأوسط، وأكبر الظن أنها ستنشر يومًا مقالًا آخر له خطره ومغزاه بالقياس إلى مشكلات الشرق الأقصى.
فأمَّا المقال الذي نشر منذ يومين فهو طريفٌ حقًّا عمليٌّ حقًّا؛ لأن محرر التيمس لا يطلب فيه إلَّا شيئًا يسيرًا وهو ألَّا تنفرد بريطانيا العظمى باحتمال أعباء الأمن السياسي والعسكري والاقتصادي في بلاد الشرق الأوسط كما كانت الحال أثناء هذه الحرب، وإنما ينبغي أن تشترك الدول الأربع الكبرى في هذا كله. والدول الأربع الكبرى بالطبع هي بريطانيا العظمى وفرنسا وروسيا وأمريكا. ومعنى هذا الاقتراح هو أن التيمس تريد من بريطانيا العظمى أن تفتح الباب للتعاون الروسي والأمريكي في شئون هذا الشرق. وقد كانت شئون الشرق الأدنى على الأقل محتكرة أو كالمحتكرة لبريطانيا العظمى وفرنسا، فأمَّا الآن فقد ظهر أن هذا الاحتكار غير مفيد أو غير ممكن، وظهر أن من الملائم للمنفعة الإنسانية العامة — أو من الملائم للضرورات الإنسانية العامة — أن تتعاون الدول الأربع ذات الخطر في الإشراف على شئون هذا الشرق. ولو أن للصين من البأس مثل ما لهذه الدول الأربع لدُعيت هي أيضًا إلى المشاركة في هذا الإشراف. ولكن يد الصين أقصر من أن تبلغ الشرق الأوسط، فليس لها من أساطيل البحر والجو ما يبلغها البحر الأحمر أو البحر الأبيض أو البحر الأسود، وحسبها أن تشارك في شئون الشرق الأقصى.
وتقترح ألَّا يُلغى مركز تموين الشرق الأوسط؛ لأن التجارب قد أظهرت أنه عظيم النفع في أيام الحرب، ولأن التجارب ستظهر أنه سيكون عظيم النفع بعد إمضاء الهدنة وبعد إمضاء الصلح، ولأنه سيكون وسيلة صالحة من وسائل التعاون بين الشرق والغرب.
وقد تسأل عن موقف بلاد الشرق الأدنى والأوسط نفسها من هذا التعاون بين الدول الكبرى كما يتصوره محرر التيمس، وكما يصوره محرر التيمس أيضًا. فموقف هذه الدول الشرقية بسيطٌ جدًّا واضح كل الوضوح، هو موقف الدول القاصرة التي تحتاج إلى الوصاية والمعونة والإرشاد حتى تبلغ أشدها في يوم من الأيام. فلا بدَّ من حماية المواقع العسكرية ذات الخطر؛ لأن التجارب قد أظهرت أن لهذا الشرق شأنه العسكري العظيم، وأن الاستيلاء عليه أمر حاسم في الحرب. وقد نهضت بريطانيا العظمى بحماية هذه المراكز العسكرية وأيَّدتها البلاد الشرقية في ذلك تأييدًا له قيمته، ولا ينبغي أن تنهض وحدها بهذا العبء منذ الآن. ولا بدَّ من الإشراف على النظام الاقتصادي لهذا الشرق؛ لأنه طريق التجارة من جهة، ولأنه مصدر خطير من مصادر الإنتاج من جهة أخرى، فلا يمكن الاستغناء عنه لا في السلم ولا في الحرب.
وقد أنشئت الجامعة العربية، وإنشاؤها خطوة حسنة جدًّا في سبيل هذا التعاون بين الشرق والغرب.
كل هذا صورته التيمس منذ يومين تصويرًا رائعًا مؤثرًا، ولم تنسَ أن تذكر في مقالها ذاك استقلال البلاد الشرقية والمحافظة لها على كرامتها. وأي شيء أيسر من المحافظة على الكرامة والاستقلال بعد أن تُضمن حماية المراكز العسكرية، ويُضمن الإشراف على الشئون الاقتصادية، ويُضمن تقديم المعونة والإرشاد لهذه الدولة حتى تستطيع أن تعتمد على نفسها. ولست أدري أتصور التيمس الرأي العام البريطاني في هذا المقال أم تريد التيمس أن تدعو الرأي العام البريطاني إلى أن يتصور شئون الشرق الأوسط على هذا النحو؟
ولكن الشيء الذي لا أشك فيه هو أن الشرقيين أنفسهم لا يتصورون المستقبل القريب على هذا النحو، بل لا يتصورونه على نحو قريب من هذا النحو. فهم لا يريدون أن يخرجوا من وصاية دولة واحدة إلى وصاية دول أربع، وإنما يريدون أن يخرجوا من الوصاية كلها سواء أكانت فردية أو اجتماعية، وأن يخرجوا منها خروجًا صريحًا لا غموض فيه. وهم لا يطيقون الاحتلال مهما تكن أسبابه وأغراضه ودواعيه، وهم يريدون أن يشاركوا بأنفسهم في حماية الأمن الدولي، وأن ينهضوا بحماية المراكز العسكرية ذات الخطر، وهم لا يريدون الإشراف الاقتصادي وإنما يريدون التعاون الاقتصادي ينظِّمونه فيما بينهم من جهة، وينظِّمونه فيما بينهم وبين أوروبا وأمريكا من جهة أخرى، وينظِّمونه تنظيم الراشدين المستقلين لا تنظيم القاصرين الذين يحتاجون إلى الأوصياء.
والشيء الذي أستطيع أن أؤكده هو أني أصوِّر الرأي العام الشرقي تصويرًا دقيقًا كل الدقة، وأن أصدقاءنا البريطانيين وغيرهم من الأوروبيين والأمريكيين يخطئون الخطأ كله إن ظنُّوا أنهم يستطيعون أن يتحدثوا إلى الشرق بهذه اللغة القديمة التي أدركها البلى وأصبح الشرق عاجزًا عن أن يفهمها أو يسيغها.
وهذا كله يدلُّ فيما يظهر على أن مؤتمر سان فرانسيسكو ليس وحده هو الذي يشغل الرأي العام العالمي، وإنما هو شيء يسير بالقياس إلى المشكلات التي تشغل الناس ويجب أن تشغلهم. ولست أدري أي الأمرين هو الأصل، وأيهما هو الهامش، وأكاد أعتقد أن المشكلات التي تحدثت عنها هي الأصل، وأن مؤتمر سان فرانسيسكو سيجتمع وسيعمل على هامش هذه المشكلات.
وقد أنبأنا وزير الخارجية الأمريكية في خطبة ألقاها منذ أيام بأن مهمة مؤتمر سان فرانسيسكو يسيرة جدًّا، وهي: وضع نظام الأمن الدولي، وإنشاء محكمة العدل الدولية، وإنشاء المجلس الاقتصادي الدولي. وكل هذه أمور حسنة جدًّا، ولكنها بناءٌ ينبغي أن يوضع له أساس، وأساسه لن يوضع في مؤتمر سان فرانسيسكو؛ لأن مؤتمر سان فرانسيسكو لن يكون مؤتمر صلح، ولن يقضي في استقلال الدول المطالبة بالاستقلال، ولا في استكمال الاستقلال للدول التي تريد أن تستكمل استقلالها، وإنما هو يترك هذه الأمور كلها ويضع نظامًا مثاليًّا لتحقيق السلم وحمايتها بعد أن يستكمل العالم نظمه التي تتيح له شيئًا من الاستقرار. وقد فهمت مصر فيما أعتقد أمر المؤتمر فهمًا صحيحًا قائمًا على التجربة، فهي قد ظنته هائلًا عظيم الخطر أول الأمر؛ فألَّفت له وفدًا هائلًا خطيرًا، ثم جعلت مهمة المؤتمر تتضاءل شيئًا فشيئًا، وجعل وفدنا إلى المؤتمر يتضاءل شيئًا فشيئًا حتى إذا ظهرت مهمة المؤتمر كما هي قيِّمة جدًّا ولكن يسيرة جدًّا أصبح وفدنا ملائمًا كل الملائمة لهذا المؤتمر القيم اليسير. فأعضاؤه ثلاثة لا عشرة وفي الثلاثة الكفاية كل الكفاية، ورئيسه وزير الخارجية لا رئيس الوزراء وفي وزير الخارجية الغناء كل الغناء.
فلنتمنَّ للمؤتمر نجحًا، ولنتمنَّ لوفدنا فوزًا وتوفيقًا، ولنتمنَّ قبل هذا كله وبعد هذا كله أن تبلغ مصر حقوقها كاملة موفورة لا يشوبها احتلالٌ ولا وصايةٌ ولا إشرافٌ.
Tag: الاستعمار
-
بين الشرق والغرب (٢)
-
بين الشرق والغرب (١)
بين الشرق والغرب (١)
طه حسين
جريدة البلاغ
١ فبراير ١٩٤٥
من المحقق أن الرأي العالمي العام يعني في هذه الأيام أشد العناية وأقصاها باجتماع الرؤساء الثلاثة الذي بدأ انعقاده، أو أوشك أن يبدأ؛ لأن هذا الاجتماع سيحاول تدبير الحلول للمشكلات الخطيرة الكبرى التي تشغل العالم، والتي يتوقف عليها إجراء أمور الحرب والسلم جميعًا على أكمل وجه ممكن؛ لتنتهي إلى أحسن غاية ممكنة.
ولكن من المحقق أيضًا أن هذه المشكلة الكبرى إذا كان لها مكانها الخطير فإن هذا المكان نسبي، يعظم ويصغر بالقياس إلى الذين يمسُّهم من قريب أو من بعيد. فالمشكلة البولندية مثلًا عظيمة الخطر جدًّا بالقياس إلى البولنديين، وبالقياس إلى روسيا وألمانيا؛ لأنها تمسُّ مصالح هذه الدول من قريب. وهي عظيمة الخطر بالقياس إلى إنجلترا وأمريكا وفرنسا؛ لأنها تمسُّ نظام السلم الأوروبي أولًا، والعالمي بعد ذلك. وتستطيع أن تقول مثل هذا في غير المشكلة البولندية من الأمور التي سيفرغ لدرسها الثلاثة المجتمعون.
ولكننا نحن الشرقيين ننظر إلى هذه المشكلات نظرتين مختلفتين؛ أولاهما: نظرة الإنسان الذي يعنيه ما يعني الإنسانية المتحضرة من أمر السلم والحرب، والثانية: نظرة الإنسان الذي يريد أن يحقق لنفسه الخير والعدل دون أن يؤذي أحدًا، ودون أن يؤذيه أحدٌ، ودون أن تتعرض مصالحه لخطر عظيم أو ضئيل حين يحدث في العالم ما يحدث من اختلاف الدول واتفاقها. ولست أدري أيفرغ الثلاثة المجتمعون الآن لمشكلات الشرق العربي، أم يشغلون عنها بمشكلات الغرب الأوروبي؟ ولكن الشيء الذي لا شكَّ فيه هو أن للشرق العربي مشكلات يجب أن تُحل، ويجب أن تُحل في نفس الوقت الذي تُحل فيه مشكلات الغرب الأوروبي؛ لأن الشرق العربي جزءٌ أساسيٌّ مقوم للعالم المتحضر من جهة، ولأن هذا الشرق العربي قد عرف نفسه وعرف مكانه من العالم المتحضر، وقدَّر أدق التقدير وأصدقه حاجته إلى التضامن من هذا العالم المتحضر، وحاجة هذا العالم المتحضر إليه.
وهو من أجل ذلك حريصٌ كل الحرص على أن تحل مشكلاته، مصممٌ كل التصميم على أن يكون هذا الحل ملائمًا للحق والعدل وللمثل العليا التي يقال إن العالم قد خاض الحرب من أجلها، والتي قد ينظر بعض الأوروبيين والأمريكيين إليها نظرات لا تخلو من دعابة وفكاهة، ولكن الشرقيين ينظرون إليها الآن نظرة الجد المر الذي لا يعرف الدعابة ولا الفكاهة ولا المزاح؛ فالشرقي العربي إذا ذكر الاستقلال لم يذكره مستخفًّا به، ولا مستعدًّا للتفريط فيه، ولم يذكره بهذه اللهجة الحلوة التي تشيع فيها الدعابة، وإنما يذكره بهذه اللهجة الحازمة الصارخة التي إن صورت شيئًا فإنما تصور الإيمان الذي يوشك أن يبلغ التصوف.
وليس الشرق العربي وحده هو الذي يُعنى بحل هذه المشكلات الشرقية العربية، وإنما تعنى بها الدول الكبرى نفسها عناية تزداد قوة على مر الأيام؛ فبريطانيا العظمى لا تزال تردد هذا الحديث المألوف، حديث المصالح البريطانية المحققة، وحديث الإمبراطورية البريطانية التي يجب أن تؤمن طرقها في البر والبحر والجو، وحديث التعاون الذي يجب أن يكون أساسًا لهذا التأمين. وفرنسا لا تزال تتحدث حديثها المألوف عن تقاليدها الموروثة في حماية المسيحية في بعض بلاد الشرق، ونشر الثقافة في الشرق العربي، بل في الشرق كله، والمحافظة على مكانتها الممتازة في البحر الأبيض المتوسط الشرقي.
وأمريكا تُعنى بالتجارة والاقتصاد عناية يظهر أنها تريد أن تبلغ مدًى لم تبلغه قط قبل هذه الحرب، وتفكر في المستقبل الاقتصادي لهذا الشرق العربي بما فيه من مصادر الثروة، وفيما يمكن أن يكون لهذا المستقبل من أثر في تجارتها واقتصادها. وروسيا تنظر إلى هذا كله ولا تقول شيئًا، ولكن الصمت لا يدل على النسيان، ولا على الإهمال، ولعله إن دل يدل على التذكر القوي، والعناية الشديدة، وانتظار الفرصة السانحة للقول حين يكون القول مجديًا ومفيدًا.
وإذا كان هذا حظ الأمم الغربية من العناية بمصالحها في الشرق العربي؛ فيجب أن يكون حظ الشرق العربي نفسه من العناية بمصالحه في بلاده أشد وأعظم. ويجب أن يكون حرص الشرق العربي على أن تُحلَّ مشكلاته حلًّا يلائم الحق والعدل والمنفعة أشد وأعظم من حرص الغرب على حل هذه المشكلات.
فليس غريبًا إذن أن يشغل الشرق العربي — في الصيف الماضي — بما كان من دعوة إلى اجتماع الدول العربية؛ لتنظيم شئونها، ووضع أساس متين للتعاون بينها على ما يحقق مصالحها، ويكفل لها الحياة الكريمة الحرة في العالم الجديد الذي يريد أن يكون حرًّا كريمًا.
وليس غريبًا أن تستأثر شئون الجامعة العربية التي أنشأها اجتماع الإسكندرية، وصوَّرها بروتوكول الإسكندرية تصويرًا دقيقًا بنفوس العرب جميعًا، حتى توشك أن تشغلهم عن غيرها من شئون العالم. وليس غريبًا أن تتجه نفوس العرب اتجاهًا شديدًا إلى الخطوات التي يجب أن تُخطَى بعد أن أمضي بروتوكول الإسكندرية، فتأخذ اللجان المختصة في الأعمال التي خصصت لها، وتظهر النتائج التي تثبت للشعوب العربية أن حكوماتها راغبة في العمل لا قانعة بالكلام، ثم ليس غريبًا أن تهتم الشعوب العربية أشد الاهتمام وأعظمه بهذا السعي الكريم الذي سعاه حضرة صاحب الجلالة، ملك مصر المعظم، إلى حضرة صاحب الجلالة، ملك الدولة العربية السعودية المعظم، في هذه الأيام؛ لأن هذه الشعوب العربية تعرف حق المعرفة أن هذا السعي الملكي الكريم، وهذا الاجتماع التاريخي العظيم يجب أن يتصلا أشد الاتصال وأوثقه بما تحرص عليه الشعوب العربية من تحقيق آمالها في التعاون على بلوغ ما تسمو إليه من حياة حرَّة كريمة في العالم الجديد، الذي يريد أن يكون حرًّا كريمًا.
وليس من الغريب أن يكون اشتغال الشرق العربي باجتماع الملكين العظيمين أشد من اشتغاله باجتماع الرؤساء الثلاثة؛ لأن اجتماع «رضوى» يمسُّ مصالحه القريبة العاجلة، ويمسُّ آماله التي يصبو إليها، وأهدافه التي يحرص عليها أكثر ممَّا يمسُّها اجتماع الرؤساء الثلاثة في مكان نجهله اليوم لنعلمه غدًا.
وليس أدل على ذلك من أن الدول العربية التي أمضت بروتوكول الإسكندرية كانت تتشوق إلى استئناف الاجتماع، وقد جاء بعض وزراء الخارجية فيها إلى مصر لهذا الاجتماع، ولكنهم عادوا إلى بلادهم دون أن يتم هذا الاجتماع. فما كان السعي الملكي الكريم، وتم اجتماع «رضوى»، عرفنا صباح اليوم أن وزير خارجيتنا سيدعو إلى عقد هذا الاجتماع الذي كان منتظرًا، والذي طال انتظاره بعض الشيء.
فمن حق الشعوب العربي أن تستبشر بنتائج هذا السعي الملكي الكريم، وأن تنتظر خطوات حازمة حاسمة في سبيل آمالها الكبرى، ولكن ما عسى أن تكون هذه الآمال! أظن أن قد آن الوقت الذي تظهر فيه آمال الشعوب العربية واضحة جلية، والذي تقوم فيه الصراحة التامة بين شعوب الشرق والغرب مقام المداورات الملتوية والمناورات الغامضة. وأظن أن قد آن الوقت الذي يجب أن يعرف الشرقي فيه معرفة واضحة جلية ما يريد، وما ينبغي له أن يريد؛ حتى لا يسعى على غير هدى، ولا يتعرض لخيبة الأمل.
وأعتقد أن قد آن الوقت أيضًا الذي تستطيع أوروبا أن تواجه فيه الحقائق الواقعة، فهي قد ذاقت ما ذاقت من أهوال الحرب، وهي قد عرفت ما عرفت من مرارة الاحتلال الأجنبي. فليس في أوروبا بلد مهما كان عظيمًا لم يذُق مرارة الاحتلال الأجنبي، أو الخوف من هذا الاحتلال الذي كان ممكنًا قريبًا.
لم تذق بريطانيا العظمى مرارة الاحتلال، ولكنها تعرضت لأخطاره، وذاقته الدول الأوروبية الكبرى كلها، وألمانيا تتجرع كأسه المُرَّة الآن. وما من شك في أن أوروبا قد كرهت هذا الاحتلال، ورأت التخلص منه فوزًا كريمًا، فيجب أن تستفيد أوروبا من هذا الدرس، وأن تكره الاحتلال لغيرها كما كرهته لنفسها. ويجب أن تعلم أوروبا على كل حال أن الشرق العربي قد سَئِم مرارة الاحتلال، وهو طامح إلى أن يخلص منه، وواثق بأنه سيخلص منه. وإذا عرفت أوروبا هذه الحقيقة الواقعة، فقد تريح نفسها وتريح الشرق من أخطار وأهوال تضر كثيرًا ولا تنفع شيئًا، وربما كان تقرير هذه الحقيقة واتخاذها أساسًا للعلاقة بين الشرق والغرب هو الأساس الصحيح العاجل لما ينبغي أن يُقام من علاقات بين أوروبا وبلاد الشرق العربي.
وهناك حقيقة واقعة أخرى يجب أن تستيقنها أوروبا؛ لأن الشرق العربي أصبح مقتنعًا بها أشد الاقتناع، وهي أن الحياة الإنسانية قد تغيَّرت، سواء أراد الساسة أو لم يريدوا، فلم يبق من الممكن أن تخضع أمم متحضرة لأمم متحضرة خضوع العبد للسيد، ولا خضوع المعتق لسيده القديم. ومعنى ذلك أن الشرق العربي يرفض كل الرفض أن تقوم العلاقات بينه وبين الغرب على الرق أو على الولاء. وإنما هو يحرص كل الحرص على أن تقوم هذه العلاقات على الحرية الصحيحة الأصيلة، وينظر إلى التسلط الأوروبي على أنه عرض من الأعراض الطارئة التي يجب أن تزول دون أن تترك أثرًا. وهو من أجل ذلك لا يفهم ولا يريد أن يفهم أن يُقسَّم إلى مناطق نفوذ، فتمتاز دولة من الدول في هذا الجزء من أجزائه، وتمتاز دولة أخرى في هذا الجزء الآخر.
كل هذا كلام قديم قد كان ينشأ عن تفكير قديم، وقد تغير هذا النوع من التفكير، فيجب أن تتغير آثاره، وإذا عرفت أوروبا هاتين الحقيقتين الواقعتين، وآمنت بهما مخلصةً فعدلت عن سياسة الاحتلال، وعدلت عن سياسة التسلط ومناطق النفوذ؛ فقد تصبح الأمور بينها وبين الشرق مُيَسَّرة سهلة قريبة المنال؛ لأنها ستقوم على المنافع المحققة، وعلى المودة التي لا يشوبها خوف، ولا يفسدها كيد، ولا يكدرها ما يكدر العلاقة بين المعتدي والمُعتدى عليه.
ومن المحقق أن الشرق سيحتاج إلى الغرب في تجارته وصناعته واقتصاده وتعليمه، وفي كثير من المرافق الأخرى، ولكن كما يحتاج الحرُّ إلى معونة الحرِّ، وسيستعين الشرق بالغرب، ولكن على أساس تبادل المنافع لا على أساس الاحتكار والتسلط.
هذه فيما أعتقد هي الآمال القريبة التي تضطرب بها قلوب العرب جميعها، وتؤمن بها نفوسهم جميعًا، والتي يجب أن تعرفها أوروبا وتواجهها مواجهةً صريحةً خالصةً من كل شائبة. إذن يستقر السلم والأمن في الشرق العربي، وإذن يستفيد العالم الجديد من تعاون الشرق والغرب، وإذن تفرغ الدول الأوروبية لما ينبغي أن تفرغ له من تضميد الجراح، وتعمير الخراب، وإصلاح ما يحتاج إلى الإصلاح من أمرها، وإنه لكثير.
فأمَّا إن سارت أوروبا بعد هذه الحرب سيرتها بعد الحرب الماضية؛ فستلقى من الشرق شططًا، وسيصبح بأسها بينها شديدًا، وستذوق من مرارة الانقسام والاختلاف والعداء ما نظن أنها ليست في حاجة إليه.
وواضح جدًّا أني حين أصور هذه الآمال التي تمتلئ بها قلوب العرب؛ لا أفصلها ولا أدلُّ على دقائقها، ولا أذكر بلدًا بعينه، ولا أملًا بعينه؛ لأني أعلم أن الحكومات الشرقية معنية بهذه المسائل، وأن من الشر كل الشر أن نعرض للتفصيلات قبل أن تعرض لها الحكومات، وأن نقول فيها قبلما تقول. -
يوم
حديث الوادي
يوم…
فيه عرف التاريخ أن الشعوب تستطيع أن تريد، وأن تنفذ ما تريد، بل فيه عرف التاريخ أن الشعوب تستطيع أن تستكشف نفسها، وتعرف أن لها حقوقاً يجب أن تُنال، وكرامةً يجب أن تُصان، وحُرمةً يجب أن تُرعى. بل فيه عرف التاريخ أن الشعوب تستطيع أن تنظر إلى نفسها في مرآة نفسها، فترى أنها أصل السيادة، وقد كانت موضوع الاستعباد، وترى أنها أصل العزة، وقد كانت مهبط الذلة، وترى أنها مصدر السلطان، وقد كانت خليقة بالطاعة والخضوع. وكان التاريخ قد رأى قبل ذلك اليوم أياماً كثيرة مختلفة ظهرت فيها حرية الجماعات، واحترمت فيها حقوق الشعوب، ورُوعيت فيها حُرمات النفس الإنسانية، ولكنه لم يكن قد رأى يوماً أبلغ من ذلك اليوم أثراً في حياة الناس، وأبعد منه مدىً في إشعارهم بكرامة أنفسهم، وتحقيق المساواة بينهم على اختلاف المنازل، وتفاوت الطبقات. فيه تمت المساواة بين الناس، كأقوى ما يمكن أن تتم، وزالت الفروق بين الناس كأقصى ما يمكن أن تزول، وكان أرفع الناس مكانةً، وأعلاهم قدراً، وأنبههم ذكراً، يسعى مع أحط الناس منزلةً، وأعظمهم من الضعة حظاً، وأبعدهم عن أن يُعبأ به أحد أو يُؤبه له إنسان، وكان هذان الرجلان المتباعدان في كل شيء، يسعيان أخوين متحابين لا يفرق بينهما شيء، ولا يبغيان إلا أن يهدما صرح الظلم، وينبِئا الأيام بأن الإنسان قد عرف آخر الأمر أنه خُلق ليعيش حراً، عزيزاً، كريماً.
كان الشعب الباريسي في ذلك اليوم، وفي الأيام القليلة التي سبقته من سنة ١٧٨٩، أعزل لا قوة له، ولا سلاح في يده، فقيراً مُعدماً لا يجد ما يُطعم، ولا يكاد يتقي عوادي الجو وأحداث الأيام. ولكنه مع ذلك استطاع أن يجد القوة، وأن يأخذ السلاح عنوةً، وأن يحاصر حصن الباستيل، وأن ينزل الجند فيه على حُكمه، وأن يُقنع الظالمين بأن عصر الظلم الذي لا عقاب عليه، والبغي الذي لا يُحاسب أصحابه، قد انقضى، وبأن عصر التفرقة بين الناس وتسلط بعضهم على بعض، وتحكّم بعضهم في بعض، قد انتهى، وبأن نظام الحق الإلهي قد زال، وبأن الملك لا يستمد سلطانه من الله، ولا يمثل الله في الأرض، وإنما يستمد سلطانه من الشعب، ويمثل الشعب أمام الدول والملوك.
ومن الإطالة التي لا تُجدي أن يفصل الكاتب في مقال كهذا حوادث ذلك اليوم، ومن الإسراف الذي لا يُغني أن يزعم الكاتب أن هذا اليوم قد كان خيراً كله، وأنه قد برئ من الشر المُنكر، والفساد العظيم. فقد كان يوماً مشهوداً، وكان شرّه عظيماً، وكانت آثامه لا تُحصى، ولكنه مع ذلك يوم مُخلّد في التاريخ، لأنه امتاز بما لم تتميز به الأيام التي سبقته، من إظهار الإنسان لكرامته، ولأنه أثبت ما عبرت الأيام السابقة عن إثباته، من أن الشعب مهما يظهر ضعفه، فهو قوي، ومهما تبدو ذلته، فهو عزيز، ومهما يعلن عجزه، فهو قادر، ومهما يظن به الظالمون من اليأس والقنوط، فهو عظيم الحظ من الأمل والرجاء.
والناس جميعاً يعلمون أن هذا اليوم قد فتح للتاريخ الإنساني باباً جديداً، دخلت منه الحرية والمساواة، وتغيرت له نظم الحكم في أوروبا أول الأمر، ثم أخذت تتغير في غير أوروبا من أقطار الأرض. والناس جميعاً يعلمون أن ما أصاب الفرنسيين من الأحداث، وما اختلف عليهم من الخطوب لم يغير من ثورتهم شيئاً، فهي ما زالت قائمة تعمل عملها، وتسلك طريقها إلى تحرير الجماعات والأفراد، وتؤدي رسالتها إلى الناس، فكل حدث يحدث، وله بنظام الحكم صلة قريبة أو بعيدة، وله في حرية الأفراد والجماعات أثر قوي أو ضعيف، إنما هو نتيجة من نتائج الثورة الفرنسية، وأثر من آثار ذلك اليوم العظيم الذي تغلب الباريسيون فيه على حصن الباستيل. وليس المهم أن يتحدث الكتاب بمجد هذا اليوم وآثاره التي تُحمد أو التي تُذم، وإنما المهم أن يتساءل الناس إلى أي حد استطاع هذا اليوم أن ينتهي بالإنسانية من الحرية الصحيحة، ومن المساواة التي تستحق هذا الاسم. إلى أين انتهى هذا اليوم بالإنسانية؟ إلى ما يُراد لها، من حفظ كرامتها كاملةً، ورعاية حرمتها موفورةً، والوصول بها إلى المثل الأعلى من العدل في أجمل صورةٍ وأنقاها، وأرقاها، وأبعدها عن الظلم والفساد.
أسئلة سيلقيها الناس في كل يوم، وسيجيبون عليها أجوبةً تختلف باختلاف البيئات والظروف، ولكن هناك شيئاً لا يمكن أن يختلف الناس فيه، ولا أن يكون بينهم حوله جدال. وهو أن الثورة الفرنسية إن كانت قد حررت الأفراد في أوروبا وأمريكا إلى حد بعيد، وحررت الجماعات في أوروبا وأمريكا إلى حد ما، فإنها ما زالت بعيدة كل البعد عن غايتها الطبيعية، قاصرة كل القصور عن بلوغ أمدها الذي ينبغي أن تنتهي إليه. فالأفراد أحرار في بعض أقطار الأرض دون بعض، والجماعات حرة في بعض البلاد دون بعض، ولكن الكثرة المطلقة من الناس ما زالت بعيدة كل البعد عن أن تستمتع بما يستمتع به هؤلاء الأوروبيون الممتازون من حريتهم الواسعة أو الضيقة. وما دام الاستعمار قائماً، وما دام الاستعمار نظاماً من نظم الحياة الإنسانية العامة، وما دام الاستعمار أصلاً من أصول العلاقة بين الأمم والشعوب، وما دامت في الأرض أمم قوية تستطيع كل شيء، وأمم ضعيفة لا تستطيع شيئاً، فالثورة الفرنسية لم تبلغ أمدها، ولم تحقق غايتها، ولم تؤدِّ رسالتها إلى الناس. ذلك أن حقوق الإنسان التي أعلنتها الثورة الفرنسية قد ذكرت الإنسان ولم تذكر الفرنسي، وذكرت الإنسان ولم تذكر الأوروبي، وذكرت الإنسان فلم تفرق بين جنس وجنس، ولا بين جيل وجيل، فما دامت مقصورةً إلى الآن على أجيال من الناس دون أجيال، فليست هي حقوق الإنسان، وإنما هي حقوق هذه الأجيال التي تنعم بها، وتستمتع بثمراتها، أو قُل إنها حقوق الإنسان كله، ولكن قوماً قد ظفروا بها، فهم سعداء، وقوماً آخرين لم يظفروا بها، فهم أشقياء، وهم مضطرون إلى أن يسعوا إليها، ويجدوا في السعي، حتى يبلغوها، وحتى يتمتعوا بثمراتها التي تسمى الحرية والإخاء والمساواة.
ليس صحيحاً أن الثورة الفرنسية قد حررت الإنسان، فما زال الإنسان يستعبد الإنسان، وما زال الفرنسيون الذين كانوا يرون أنفسهم رسل الحرية يستعبدون أجيالاً من الناس في أقطار الأرض على تباعدها، ويستعبدونهم باسم الثورة، ويستعبدونهم باسم الحرية والإخاء والمساواة. ليس صحيحاً أن الثورة الفرنسية قد محت الرّق، فالأفراد لا يُباعون ولا يُشترون في البلاد المتحضرة، ولكن الأمم الكبيرة، والشعوب الضخمة ذات الحضارة القديمة، والمجد المؤثّل تحيا حياة الرقيق، وتُسام ألوان الذل والخسف، بأيدي هؤلاء الأوروبيين الذين يرون أنفسهم رسل الحرية والإخاء والمساواة.
ليس صحيحاً أن الثورة الفرنسية قد أخرجت الناس من الظلمة إلى النور، فما زالت ظلمات البأس والبطش والقسوة والعنف، والجور والظلم حالكةً مدلهمةً على أممٍ من حقها أن تستمتع بالنور كما تستمتع به أوروبا، وكما يستمتع به الفرنسيون.
كلا، كلا. إن من الخير كل الخير أن يعرف الناس أنهم ارتقوا، وأن أمورهم قد صلحت، وأن حياتهم قد تغيرت، ولكن من الشر كل الشر أن يغتر الناس بهذا الرقي، وأن ينخدعوا بهذا الصلاح، وأن يُلهيهم هذا التغير. إن من الحماقة أن تسحرنا ألفاظ الحرية والإخاء والمساواة، ما دمنا لا نستمتع بها، ولا نستظل بظلها، ولا نشعر بأن ليس بيننا وبين الأوروبيين فرق عظيم أو يسير.
إن من الجنون أن نظن أننا أحراراً؛ لأن لفظ الحرية شائع بيننا، ولأن الفرنسيين يحتفلون اليوم بعيد حريتهم. إن من الغفلة أن ننتظر الحرية مؤمنين بها، واثقين بأنها ستتفضل ذات يوم فتُلِمّ بنا وتختار بلادنا لها داراً.
إن الحرية لا تُلِمّ ببلد إلا إذا دُعيت إليه، ولا تُقيم في بلد إلا إذا هُيئ لها المقام فيه. فإذا كنا نحب الحرية حقاً فلندعها، وإذا كنا نحب أن تُقيم بيننا فلنُقم لها داراً في مصر، فإن دارها فيما يظهر لم تُشيَّد بعد.
إن الثورة الفرنسية لم تصل بالناس إلى الحرية، ولكنها فتحت للناس أبواب الحرية. فمن الناس من يلج هذه الأبواب، ومنهم من يقف أمامها حائراً ذاهلاً مبهوتاً.
طه حسين
الوادي، 14 يوليو 1934. -
فضيحة
حديث الوادي
فضيحة . . .
وإذا لم تسمها فضيحة، فلست أدرى ماذا تجد لها من الأسماء، أما أنا فأقسم أني لا أتحدث عنها خجلا كأشد ما يخجل الناس، ولولا أن من الحق علينا أن نحاول جهد المطبق إصلاح الفاسد، وتقويم المعوج، وإظهار الناس على ما ينبغي أن يظهروا عليه من أمورهم العامة، وما يتصل بمواقفهم، وحقوقهم، وكرامتهم، لأعرضت عن هذه القصة المخزية إعراضا. فليس في ذكرها أو الحديث عنها، ما يرضى المصري أو يشرفه، ويمكنه من أن يرفع رأسه أمام الأجانب عامة، وأمام الإنجليز بوجه خاص.
ولكن مهنة الكتابة في الأمور العامة ثقيلة مؤلمة، تكلف أصحابها شططا، وتدفعهم إلى ما لا يحبون. فلنحتمل هذا التكليف ولنقدم على ما نكره، ولنؤد واجبنا، مذعنين لقضاء الله، محتسبين ما نلقى في سبيله من المشقة عند الله عز وجل، فهو الذي لا يضيع عنده الحساب. ولست أدرى إلى من أتحدث أول الأمر في هذه القصة المخزية المؤلمة. أتحدث فيها إلى وزير التقاليد، ففي وزارته دبرت، وفي مكتبه تم تكوينها، ومن مكتبه خرجت حتى انتهت إلى الناس، أم أتحدث فيها إلى رئيس الوزراء، فهو المسؤول الأول عن منافع المصريين ومرافقهم، وعن حقوق المصريين وكرامتهم، وعن تنفيذ القانون واحترام الدستور، وعن إشعار المصريين بأن مصر لهم، قبل أن تكون لغيرهم، وبأن المناصب المصرية يجب أن يشغلها المصريون، إلا إذا لم يوجد بينهم الكفء للنهوض بأثقالها. أم إلى وزير المالية، فإن هذه القصة ستنتهي إليه آخر الأمر إن أراد الله أن تتم، وسيؤخذ رأيه فيها وستطلب موافقته عليها وسيصيح به ضميره: ألا تفعل. فإن من الإثم أن تمنح أموال المصريين، لغير المصريين، إلا حين لا يكون من ذلك بد؟ أم أتحدث فيها إلى البرلمان، فقد يقال إن من حق البرلمان، ومن الواجب عليه أن يسأل الوزارة عما تجور فيه عن القصد، وتتجاوز فيه حدود الحق والعدل. وأن يبطل من أعمالها ما لا يلائم المنفعة، ولا يوافق القانون والدستور. أم إلى المندوب السامي البريطاني، فإن الأمر يمس الإنجليز من قريب، ويمس الصلة التي يجب أن تكون بينهم وبيننا، ويمس ما يظهر الإنجليز الحرص عليه، من أن يقوم الود بيننا مقام الخصام، ومن أن لا نشعر بأنهم يعتدون علينا في دارنا، وينتزعون منا حقوقنا وأرزاقنا انتزاعا.
إلى هؤلاء جميعا فيما يظهر يجب أن أسوق هذه القصة، فإنها خليقة بتفكير هؤلاء جميعا، وبرجوعهم إلى ضمائرهم، واستفتائهم هذه الضمائر، ليعرفوا منها: أتجوز هذه القصة في قضية العقل، والحق، والكرامة أم لا تجوز؟ وقد كنت أحب أن أتحدث في هذه القصة إلى الشعب، ولكن من ذا الذي يحفل بالشعب، أو يحسب له حسابا؟ ومتى استطاع الشعب أن يرفع عن نفسه ظلما، أو يكشف عن أبنائه ضرا، أو يكفل لأبنائه ما ينبغي لهم من رعاية الحرمات وحفظ الحقوق؟
فلأسق هذه القصة إذن إلى الذين يستطيعون تغييرها، فقد يخيل إلي أن تغييرها واجب، وإن إقرارها إثم، وإنها لو وقعت في بلد ديمقراطي حقا، لأنزلت الوزير الذي ألفها وأقرّها عن منصبه، ولردّته إلى داره، ولوقفته من البرلمان موقفا لا يُحسد عليه الوزراء، بل لا يُحسد عليه الوطنيون، الذين يُحسنون النهوض بأمانة الوطن، واحتمال عبئها الثقيل.
لمدرسة الهندسة الملكية مجلس إدارة يرأسه وزير من وزراء الدولة، ويشترك فيه جماعة من كبار الدولة المصريين، وجماعة آخرون من الأجانب. وقد عرض على هذا المجلس في أبريل الماضي بناء على طلب وزارة المعارف أن ينظر في عقود الأساتذة الذين تنتهي خدمتهم هذا العام، ليقترح أن يجدد منها ما يجب تجديده، وأن يعدل عن تجديد ما لا حاجة إلى تجديده منها، وقد نظر المجلس في هذه العقود. واتخذ قرارا بتجديدها كلها، إلا عقد الأستاذ سميث، أستاذ الطبيعة، وهو إنجليزي، لم يرد المجلس أن يجدد عقده، لأن في المدرسة أستاذا مساعدا مصريا يراه المجلس كفؤا لشغل منصب الأستاذ، والدستور صريح في أن مناصب المصريين يجب أن يشغلها المصريون، إلا إذا لم يوجد بينهم الكفء، وحينئذ، وحينئذ ليس غير. يُختار الأجنبي لشغل المنصب، حتى يتم إعداد المصريين له. وقد حرص مجلس المدرسة على احترام هذا النص الدستوري، ومراعاة هذا الحق الصريح من حقوق الوطنيين، فصرّح في قراره تصريحا بأنه إنما اقترح تجديد العقود التي طلب تجديدها، لأنه لا يوجد في المدرسة من المصريين من يستطيع أن يشغل هذه المناصب منذ الآن إلى سنة ١٩٣٧، وهي السنة التي تنتهي إليها آماد العقود الجديدة. وصرح المجلس في قراره تصريحا بأنه لا يريد أن يجدد عقد الأستاذ سميث، لأن في المدرسة أستاذا مساعدا مصريا هو الأستاذ مصطفى نظيف، يستطيع أن ينهض بعمله، فيجب أن يؤول المنصب إليه. وهذا المجلس كما قلت مؤلف من المصريين والأجانب، فرأيه لا تحيز فيه ولا محاباة، وإنما هو الإنصاف كله، الإنصاف الذي يصدر عن قوم يقدرون الحق والواجب والمنفعة، ولا يقدرون غيرها من الظروف، ومن الظروف السياسية خاصة. وانتهى قرار المجلس إلى وزارة المعارف، فلقي فيها شرا، لقي فيها شر ما تلقى القرارات. عرض على السكرتير العام للوزارة فوافق عليه كله، ولكنه اقترح أن يعرض تعيين الذي يخلف الأستاذ سميث عرضا مستقلا. اقتراح ظريف لبق، يضع تعيين الأستاذ المصري موضع الأخذ والرد، ولكنه لا صراحة فيه، ورفع القرار إلى وكيل الوزارة صبري باشا، فوافق على اقتراح السكرتير العام عشماوي بك بكلمة واحدة «أوافق». وأي شيء أيسر من هذه الكلمة؟ وأي شيء أملأ من هذه الكلمة وأحفل بالمعاني؟ ثم رفع القرار إلى الوزير فلم يكن كالوكيل، ولا كالسكرتير العام، ولكنه كان صريحا غامضا في وقت واحد، فوافق، ولكنه أضاف هذه الجملة البديعة «ويكتب الرد حسب التفهيم». أي تفهيم؟ عمن صدر؟ وإلى من انتهى؟ وما خلاصته؟ وما غايته؟ الجواب على هذا كله يسير. تجده في الكتاب الذي صدر من الوزير إلى مدرسة الهندسة. تجده في الرد الذي كتب حسب التفهيم، فهذا الرد يوافق على كل ما اقترحه المجلس إلا شيئا واحدا، هو، تعيين المصري في منصب الأستاذ، فالوزير لا يقر ذلك، ولا يرضاه، ولا يعلل رفضه لذلك، ونفوره منه، وإنما يطلب إلى المدرسة أن تتخذ الإجراءات لتعيين أستاذ بريطاني في هذا المنصب. أسمعت؟ أفهمت؟ لا يريد الوزير أن يعين مصريا وإن اقترح مجلس المدرسة تعيين هذا المصري، وإنما يريد الوزير أن يعين أستاذا بريطانيا، وواضح أن مصدر هذا ليس هو الشك في كفاية المصري، فقد رضي الفنيون عن هذا المصري. وإنما هو الرغبة في إيثار البريطاني بهذا المنصب دون المصري. لماذا؟ سل عن ذلك وزير التقاليد وسل عن ذلك ظروف السياسة، وسل عن ذلك حاجة الوزارة إلى رضى الإنجليز أو زهد الوزارة في رضى الإنجليز. ثم سل عن ذلك رغبة الإنجليز في شغل المناصب، أو رغبتهم عن شغل المناصب ثم سل عن ذلك ضمير الوزير، وضمير رئيس الوزراء، وضمير الوزراء جميعا، وضمير البرلمان، ولا تبخل بأن تسأل عن ذلك ضمير المندوب السامي أيضا. سل هذه الضمائر كلها، أتقبل هذا أم تأباه؟ أتسخط على هذا أم ترضى عنه؟ أتقر هذا أم تنكره؟ فإن تكن الأولى، فليعلن هؤلاء جميعا إلى المصريين في صراحة لا تحتمل شكا ولا لبسا، أنهم عبيد مستضعفون في بلادهم، لا حق لهم ولا حرمة ولا كرامة، وإن تكن الثانية، فليعيَّن المصري في المنصب الذي اقترحت المدرسة أن يعين فيه، وليسأل وزير التقاليد وأعوانه سؤالا دقيقا عسيرا، كيف؟ ولم؟ وفيم أقدموا على ما أقدموا عليه فأهدروا حق المصري وكرامته وحرمته؟
نعم لا بد من أن يتخذ سادتنا وحكامنا من المصريين، وأصدقاؤهم من الإنجليز، موقفا صريحا إزاء هذه القصة. فإما أقروها، فعرفنا أين نحن، وماذا يراد بنا؟ وإما أنكروها، فرد الحق إلى أهله، وقيل لوزير التقاليد ما ينبغي لك، بعد اليوم، أن تنهض بأمانة المصريين.
أما المدرسة التي يرأسها أجنبي سويسري، فقد يقال إنها ما تزال مستمسكة بقرار مجلسها، حريصة على أن يشغل المصري منصب الأستاذ وإن كره الوزير.
فالكلمة الآن للوزارة، فإن لم تقلها، فللبرلمان، وما أشد شوق المصريين إلى أن يسمعوها. . .
طه حسين
حديث الوادي، ١٢ يونية ١٩٣٤. -
حظوظ
حديث الوادي حظوظ . . .
لا أريد أن أعرض لهذه الحظوظ التي توزعها المصادفة والظروف بين الناس توزيعًا غريبًا، فترفع الخامل وتضع النابه، وتسعد الجاهل وتشقي العالم، وتسود الغبي الأحمق، وترد الذكي العاقل إلى مكان المقهور المسود.
هذه الحظوظ معروف، وكلام الناس فيها كد وإيمان الناس بها شائع، والناس جميعًا يشفقون منها ويطمعون فيها، كل يريد أن يكون مجدودًا يناله الحظ بما يشتهي ويتمنى. إن أدركه الحظ لم يؤمن به، ولم يذعن له، وإنما زعم أنه أكفأ الناس، وأذكى الناس، وأحق الناس بالسؤدد والرفعة والرخاء. وإن لم يدركه الحظ ذم الدنيا، ولعن الظروف، وأنكر على المجدودين كل كفاية، ورماهم من العيب بما يكون وما لا يكون.
لا أريد أن أتحدث عن هذه الحظوظ التي تمس الناس، فالحديث عنها لذيذ في نفسه، ولكنه معاد. إنما أريد أن أتحدث عن حظوظ أخرى، ما أرى أنها تخطر لك على بال، وما أرى أنك تهتدي إليها، أو تظفر بها، مهما تفكر وتقدر، ومهما تقلب أمور الأحياء والأشياء، طوال الليالي والأيام. ذلك أني أريد أن أتحدث عن حظوظ الصناديق. ستدهش لهذه الكلمة وسينتهي دهشك إلى شيء من الضحك، يقل ويكثر بمقدار استعدادك، واعتدال مزاجك حين تقرأ هذا المقال. ولكني مصر مع ذلك على أن أتحدث إليك عن حظوظ الصناديق. فهناك صناديق يدركها الحظ، ويبسم لها الدهر، وتسعدها الأيام بالتأييد والعون، فلا يدنو الناس منها، ولا ينظر الناس إليها، ولا يتحدث الناس عنها إلا في حذر واحتياط، وفي تحفظ وتدبر، وفي حساب دقيق، لكل ما يقولون. وهناك صناديق أخرى يتنكر لها الحظ، وتدبر عنها الأيام، وينظر القضاء إليها في شيء من السخرية والإعراض، فإذا الناس ينظرون إليها نظر الطامع، ويدنون منها دنو الراغب، ويمدون إليها أيديهم بالتحطيم والتدمير. وما أظنك فهمت عني إلى الآن ما أريد أن أقول، فأنت تمعن في الدهش، وقد تمعن في الضحك، وقد يغيظك مني هذا التطويل، في غير انتهاء إلى الغاية، فتلقي الصحيفة وتعدل عن قراءة هذا الفصل، إلى قراءة شيء آخر أقل منها لفًّا ودورانًا. وأؤكد لك أني لا أريد أن ألف ولا أن أدور، وإنما أريد أن أتحدث عن صندوقين: أحدهما سعيد مجدود، والآخر شقي منكوب، وكلاهما في القاهرة، وكلاهما يتحدث الناس عنه في هذه الأيام.
فأما أولهما فصندوق الدين العام، وأما ثانيهما فصندوق القبلة القديمة في الأزهر الشريف. أفطنت الآن إلى ما أريد؟ أعلمت الآن أن من الصناديق ما يتاح له البقاء، ومنها ما يُقضى عليه بالفناء! أما صندوق الدين العام، فقد عرضت له اللجنة المالية في مجلس النواب أثناء دراستها للميزانية وكتبت فيه وفيما يحتويه من أموال الدين تقريرًا هو آية بين ما تكتبه اللجان في مجلس البرلمان. آية في الإقدام والإحجام معًا، آية في الرجاء واليأس معًا، آية في الهجوم والفرار معًا، ثم آية في الطلب والرفض وآية في القرب والصد، لا يشبهها أو لا يصورها، إلا قول بشار في صاحبته:
صدّت بخد وجلت عن خد
ثم انثنت كالنفس المرتد
ولو أنك قرأت هذا التقرير البديع، لأعجبك منه ما أعجبني، ولراعك منه ما راعني، فاللجنة تريد أن تعرض لظروف النزاع القضائي السياسي القائم حول مسألة الدين العام، ولكنها لا تريد أن تعرض لها من الوجهة القضائية لتظل أمور القضاء، في حرز حريز، ولا من الوجهة السياسية ليستطيع المفاوض أن يمعن في المفاوضات، وهو هادئ مطمئن، إنما تريد أن تعرض من الوجهة المالية العامة، فتطلب إلى الحكومة ألا تدفع إلا ورقًا، ولك أن تفهم وألا تفهم، هذا شيء لا خطر له. . ولك أن تقول إن موضوع النزاع القضائي والسياسي، هو بالضبط ما تحدثت فيه اللجنة، من وجوب الدفع ورقًا لا ذهبًا. فهذا صحيح، ولكن اللجنة مع ذلك، لم تعرض لهذا النزاع من الوجهة القضائية، ولا من الوجهة السياسية، وإنما طلبت إلى الحكومة، ألا تدفع إلا ورقًا، سواء أقرها القضاء أم لم يقرها، وسواء أقرتها المفاوضات، أم لم تقرها. واللجنة ضيقة بصندوق الدين العام، لأن وجوده لا يلائم السيادة المصرية، ولا يتفق مع الاستقلال، ولا يوافق مقدرتنا المالية، وتأديتنا لما علينا من دين، وإذن فاللجنة تريد أن تطلب إلغاءه ولكنها تحتاط في ذلك أشد الاحتياط، فتطلب إلى الحكومة أن تتهيأ للمفاوضة في ذلك، وتطلب إلى المجلس أن يقر ميزانيته في الوقت نفسه، فهي تلغيه بالقول وتبقيه بالفعل، وهي تغري به، وترغب فيه. وهي تؤلب عليه، وتدعو إلى تأييده، بما يحتاج إليه من المال. ألست ترى أن هذا الصندوق مجدود سعيد حسن الحظ؟!
فدعه ينعم بسعادته وحظه الحسن، وانظر إلى هذا الصندوق الآخر، فسيمتلئ قلبك رحمةً له وبرًّا به وعطفًا عليه. كان قائمًا في هذا المكان المبارك، منذ مئات السنين، ترتفع الأبصار إليه وملؤها الإكبار والإجلال، وتفكر العقول فيه وملؤها العجب والحيرة والدهش، ينظر الناس إليه على اختلافهم، ويتساءلون ما خطبه، ما سرّه، علامَ يشتمل، ثم يجيبهم هذا القدم وما يحيط به من البركة والجلال والإكبار: إن فيه سرًّا مصونًا، هو سر مجد الأزهر ورفعته. لا تقربوه ولا تمسوه، فإنكم إن تفعلوا هدمتم الأزهر هدمًا، وطردتم منه البركة طردًا، ومحوتم كل ما يحيط به من مظاهر العظمة والجلال. ثم يمضي هذا القدم في حديثه، فيقول للناس: لا تسألوا عن هذا الصندوق، ولا عن مادته، ويكفي أن تعلموا أن بين أجزائه قطعة من سفينة نوح، لتمتلئ قلوبكم له حبًّا، ونفوسكم له إكبارًا. ثم يمضي القدم في أحاديث أخرى تستطيع أن تقرأها في الكتب، وأن تسأل عنها شيوخ الأزهريين، أولئك الذين لم يفسدهم العلم الحديث، ولم تغيرهم الحضارة الحديثة، أولئك الذين لا تمتد أيديهم إلى القديم، إلا لتمسه تبركًا به وإعظامًا له. ولكن انظر ماذا أصاب هذا الصندوق في هذه الأيام.
أراد عالم من علماء الآثار – وويل للقدم من علماء الآثار – أن يفضح سرّه ويهتك ستره ويتبين حقيقته، وحقيقة ما فيه. فما هي إلا أن يطلب فيجاب. وما هي إلا أن تمتد يده المدمرة إلى الصندوق المبارك الكريم العتيق، فيزال عن مكانه ثم يفتح ويستخرج ما فيه. فإذا هي صحف من القرآن الكريم، قد كتبت بخط قديم. فأما الصحف فستستقر في مكتبة الأزهر، وأما الصندوق فالله يعلم أين تستقر مادته، وأما القبلة القديمة فستعطل من حليتها، وأما الأزهر الشريف فستنزع منه بركته. لماذا؟ لأن عالمًا من علماء الآثار أراد أن يبحث ويطلع، ويرضي حاجة العلم إلى البحث والاطلاع. ولأن هذا الصندوق الكريم العتيق، قد ساء حظه في هذه الأيام، فاستطاعت الأنظار أن ترتفع إليه بالجشع والطمع، واستطاعت الأيدي أن تمتد إليه بالتحطيم والتخريب. أما صندوق الدين فترعاه المعاهدات، وتصونه حماية الدول الأجنبية، فلا يستطيع أحد أن ينظر إليه، أو يطمع فيه، أو يتحدث عنه، أو يطلب إلغاءه إلا بما يضمن بقاءه، كما فعلت اللجنة المالية حين كتبت تقريرها إلى مجلس النواب.
أراك حزينًا كئيبًا كاسفَ البال، وقد كنت تضحك في أول المقال. أتراك ترثي مثلي لصندوق الأزهر الشريف، وتحسد مثلي صندوق الدين؟ إن كان هذا شأنك، فقد بلغت ما أريد!
ما أجدر صندوق الأزهر بالرثاء، وما أجدر صندوق الدين بالحسد. والأيام دول، لا يداولها الله بين الناس وحدهم، وإنما يداولها بين الصناديق أيضًا.
[طه حسين]
حديث الوادي، ٣ يونية ١٩٣٤. -
عاصفة …
حديث المساء: عاصفة …
طه حسين
كوكب الشرق
٤ أبريل ١٩٣٤
ليست هذه التي ثارت عنيفة يوم الأحد فأفسدت الجو، وجعلت التنفس فيه شاقًّا عسيرًا؛ فإن ثورة الريح مهما يبلغ بها العنف تنتهي إلى الهدوء، كما أن الجو مهما يبلغ من الفساد ينتهي إلى الصلاح، ثم يستطيع الناس أن يستأنفوا حركتهم ونشاطهم، وأن يتنفسوا ملء رئاتهم لا يضيقون بشيء، ولا يشفقون من شيء، ولا يُحرَمُون لذة الهواء الطلق النقي.
وليست هي هذه العاصفة التي أثارتها الوزارة فجأة حول استبدال المعاشات؛ فزادت بها الجو السياسي فسادًا إلى فساد، وأضافت بها في قلوب الناس شكًّا إلى شك، وأفسدت بها رأي الناس في الحكم وفي فريق ضخم من الحاكمين؛ فليس في هذه العاصفة شيء جديد، وقد كان الناس يعلمون من أمرها أكثر مما تظن الوزارة ومما كشفت لجنة التحقيق.
وليست هذه العاصفة هي الوحيدة من نوعها، فهناك عواصف أخرى شديدة هوجاء، ليست أقل منها شرًّا ولا نكرًا، قد أُثِيْرَتْ وقد تُثَار، والمصريون يألفون هذه العواصف فيحتملون شرها، سواء أرضاهم ذلك أم لم يرضهم؛ لأنهم يعلمون أنها ملائمة لطبيعة الأشياء في هذه الحياة السوداء التي يحيونها، وفي ظل هذا العهد السعيد الذي يقاسون فيه عبث المصريين وتحكم الإنجليز!
وإنما هي هذه العاصفة التي أثيرت منذ حين حول موقف القضاة المصريين في المحاكم المختلطة من زملائهم الأجانب، وموقف هؤلاء الزملاء منهم؛ فهذه العاصفة شر كلها لا تثير غبارًا ولا هباء في الجو، وإنما تثير سُمًّا خطرًا مفسدًا أقبح الفساد لهذه الصلات القائمة بين الأجانب والمصريين عامة، والتي يحرص الأجانب — فيما يقولون — على أن تكون صفوًا كلها، ونحرص نحن — من غير شك — على أن تكون بريئة من كل فساد.
هذه العاصفة خطرة حقًّا. كنا نود لو فكَّر فيها الأجانب وقدَّروها حق قدرها، وعنوا بتَبيُّن الآثار السيئة التي قد تنتهي إليها، وما زلنا نود لو فعلوا ذلك، وفعلوه في رَوِيَّةٍ وأَنَاة وإخلاص؛ فإن أعراض الحياة التي تعرض، وحوادث الحياة التي تطرأ لا ينبغي أن تشغلهم عن الحياة نفسها، وعن قوام العلاقات التي يجب أن تكون بينهم وبين المصريين.
ومن الخطأ الشنيع أن يعتمد الأجانب على حسن الصلات الرسمية بين الحكومة المصرية والحكومات الأخرى، أو أن يعتمد الأجانب على ما قد يظفرون به بين حين وحين من انحياز بعض الوزارات المصرية إليهم، وتعصبها لهم، وإيثارها إياهم بالمودة والبر، وتقديمها إياهم على المصريين، أو أن يعتمد الأجانب على هذه الحياة الظاهرة التي ينظمها القانون، ويحمي فيها بعض الناس من بعض، ويرد فيها شر بعض الناس عن بعض، ويكفل فيها الإنصاف الرسمي لمن اعتُدي عليه أو أصابه الشر؛ فكل هذه الأشياء لا تصور إلا ظاهرًا من الحياة، ولا تغني عن حقيقة الأمر شيئًا.
وحقيقة الأمر هي أن حياة الأجانب في أي بلد من البلاد لا تفيد أصحابها ولا تنفعهم، ولا تكفل لهم الراحة الصحيحة والقدرة على تحقيق المنافع المتصلة، إلا إذا اعتمدت على صلات صافية نقية، قوامها الحب والاحترام بين الأجانب وأهل البلد الذي ينزلون به ويقيمون فيه.
والأجانب يوافقوننا من غير شك على أن هذه العاصفة الأخيرة التي أثيرت حول القضاة، حول المصريين والأجانب في المحاكم المختلطة، خليقة أن تنشئ بينهم وبيننا جوًّا سيئًا كل السوء، لا خير فيه، ولا أمل في أن ينتهي إلى خير؛ فالمصريون يطمعون في أيسر ما يطمع فيه كل شعب متحضر حر، وهم يعتقدون أنهم أهل للحضارة والحرية، وهم يريدون أن يكونوا سادة في بلادهم، لا يؤذون أحدًا، ولا يؤذيهم أحد، يكرمون نزلاءهم بشرط أن يكرمهم هؤلاء النزلاء.
والمصريون يؤمنون إيمانًا قويًّا جدًّا أقوى ألف مرة ومرة مما يظن الأجانب، بأن قد انقضت تلك العهود التي كان المصري يقبل فيها أن يُسَامَ الضيم في بلده، أو يحتمل الخسف من الطارئين عليه. وكان من المعقول أن يلاحظ الأجانب هذا التطور الذي طرأ على حياة المصريين؛ بل أن يلاحظوا هذه الثورة التي غيرت نفوس المصريين تغييرًا، وأقنعتهم بأنهم ناس كغيرهم من الناس لا يرضون لأنفسهم من أحد ما لا يرضاه الناس منهم.
والأجانب إن فعلوا ذلك أراحوا أنفسهم، وأراحوا المصريين من هذا العناء الثقيل الذي يحتملونه في هذه الأيام، ومن هذا الشر العظيم الذي تتعرض له علاقاتهم في هذه العهود السود، والأجانب إذ خلوا إلى أنفسهم، ونزلوا بعض الشيء عن كبريائهم، وآمنوا في مصر بما يؤمنون به في بلادهم من أصول الحق والعدل والمساواة، يعتقدون أن هذه العاصفة التي تهز المحاكم المختلطة الآن لا تقوم على إيثارهم للعدل، أو حرصهم على الحق، أو إيمانهم بالمساواة، أو تقديرهم لكرامة المصريين.
فالقضاة الأجانب في المحاكم المختلطة يعترفون بفضل زملائهم المصريين وكفايتهم، ويسجلون ذلك في محضر الجمعية العمومية، ويكتبه رئيسهم إلى الوزارة المصرية، وليس في نظام المحاكم المختلطة وقوانينها ما يحول بين هؤلاء القضاة المصريين — الذين لا يشك أحد في فضلهم وكفايتهم — وبين رياسة الدوائر، ولكن هؤلاء القضاة المصريين — على هذا كله — لا يُخَلَّى بينهم وبين هذا الحق، وإنما يُرَدُّون عنه ردًّا، ويُصْرَفُون عنه صرفًا عنيفًا؛ فإذا أنكروا ذلك وطالبوا بحقهم، وأقرهم وزير الحقانية على ما طلبوا، لم يلقوا إلا الرد العنيف، والصرف الذي لا رفق فيه ولا مجاملة، والإنذار بمجالس التأديب إذا لم يستردوا طلبهم —إن صح ما نشرت الصحف من الأنباء.
ثم لا يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما يكتب الوزير إلى الجمعية العمومية مؤيدًا وجهة نظر هؤلاء القضاة، معتمدًا في تأييده على الحق والعدل والقانون، ويعلن ذلك في البرلمان؛ ليهدئ الناس، وليلقي في روع المصريين أن ليس على كرامتهم بأس، فإذا فعل ذلك تلقى من رئيس محكمة الاستئناف المختلطة — إن صح ما نشرت الصحف — كتابًا شديدًا قاسيًا، لا ينبغي أن يصدر من رئيس محكمة إلى وزير، فيه دروس تُعِلِّم الوزير — في رأي صاحبها — كيف يعالج مثل هذه المسائل، وتلفت الوزير إلى أن من الخطأ التعرض لمثل هذه المسائل في البرلمان، أو في الصحف.
ومعنى هذا أن المصريين — وزارة وبرلمانًا وصحافة وشعبًا — لا ينبغي لهم أن يعرضوا لمثل هذه المسائل، أو يعلنوا لأنفسهم فيها رأيًا، أو يظهروا إنكارهم — إن أحسوا ما ينبغي أن ينكروه — فإن فعلوا ذلك أدركهم اللوم، وأُلْقِيَتْ عليهم الدروس من رجل مهما تكن مكانته عالية، ومهما يكن منصبه ساميًا؛ فهو موظف مصري؛ ينبغي أن يرعى للمصريين حرمتهم وكرامتهم، وحقهم المقدس في أن يكونوا سادة في بلادهم.
نظن أن الأجانب إن خلوا إلى أنفسهم، وفكروا في هذا كله لم يسعهم إلا أن يشاركونا في الأسف لهذه العاصفة الهوجاء، التي ما كان ينبغي أن تُثَار، والتي ما كان ينبغي أن تدفع الأمور إلى هذا الحرج، والتي ما كان ينبغي أن تعرض الصلات بينهم وبيننا لهذا الفساد. وإنه لمن المؤلم حقًّا أن ينظر المصريون إلى أي ناحية من نواحي الحياة المصرية فلا يكادون يخطون خطوة إلى تحقيق أمل من آمالهم، أو منفعة من منافعهم، إلا رأوا عقابًا وصعابًا ومشاكل وأهوالًا قوامها: الأجانب، ومصالح الأجانب، وامتيازات الأجانب، وقيام الإنجليز دون مصالح الأجانب، يزعمون لأنفسهمم حمايتها، ويتخذونها وسيلة لمحاربة المصريين، وإقامة العقبات بينهم وبين ما يريدون من الحرية والاستقلال.
هذا كثير، وليس من شأنه أن يحقق ما ينبغي من التعاون الصادق بين المصريين والأجانب، بل ليس من شأنه إلا أن يزيد الهُوَّةَ بينهم بعدًا، والخلاف بينهم شدة، ويملأ القلوب بما لا ينبغي أن تمتلئ به من الشك والريبة وسوء الظن.
أما بعد، فالأجانب أحرار بالطبع في أن يُقدِّروا أو لا يُقدِّروا هذه الأمور التي ندعوهم إلى التفكير فيها، ولكن من الحق عليهم أن يعلموا أن المصريين يقدرون هذا حق قدره، وأنهم مصممون على أن ينكروا كل اعتداء على حقوقهم، وكل امتهان لكرامتهم، وكل انتهاك لحرماتهم، مهما يكن مصدره، ومهما تكن النتائج التي ينتهون إليها حين يذودون عن الحق والكرامة والحرمات.
أما بعد، فإن المصريين قد رأوا موقف الجمعية العمومية في المحاكم المختلطة، وما يقال عن مسلك رئيسها مع القضاة المصريين ومع الوزير، وعن رأيه في الصحافة والبرلمان، وهم يريدون أن يروا الآن موقف الوزارة من هذا كله، وهم يريدون أن يروا الآن موقف البرلمان من هذا كله، وهم يريدون أن يروا الآن موقف الصحافة من هذا كله.
وهم ينكرون أشد الإنكار أن تُلْقَى عليهم مثل هذه الدروس مهما يكن الأساتذة الذين يُلقونها، وهم يُلحُّون أشد الإلحاح في أن يستمتع القضاة المصريون بالمساواة بينهم وبين زملائهم الأجانب، وهم لا يستطيعون أن يفهموا كيف يُطلَب إلى القاضي المصري أن يحقق المساواة بين الناس إذا لم يظفر هو بحقه في المساواة. -
غريب
حديث المساء: غريب
طه حسين
كوكب الشرق
٤ مارس ١٩٣٤
وا رحمة بالغريب في البلد النازح
ماذا بنفسه صنعا
فارق إخوانه فما انتفعوا
بالعيش من بعده ولا انتفعا
وليست مصر بلدًا نازحًا بالقياس إلى فلسطين في هذه الأيام التي يستطيع الناس أن يطووا الأرض فيها طيًّا، أو ينهبوا المسافات فيها نهبًا، بالسيارات حينًا، وفي القطارات حينًا آخر، والتي يستطيع فيها الناس أن يقتحموا الجو اقتحامًا ويلتهموه التهامًا، بالطيارات حين تدعوهم إلى ذلك مرافقهم وحاجاتهم؛ أو حين يدفعهم إلى ذلك ما يُثِيرُهم من الآمال والآلام.
نعم، وليست مصر بلدًا نازحًا بالقياس إلى فلسطين ولا بالقياس إلى أي بلد من بلاد هذا الشرق العربي، الذي تجمع بين أجزائه صلات المودة والحب، وعلاقات الثقافة واللغة والدين. فالرجل من أهله مقيم في وطنه مهما تبعد به الدار، مضطرب بين مواطنيه مهما تنأَ به الآماد، ما دام لم يخرج من هذا الشرق العربي.
ليست مصر بلدًا نازحًا بالقياس إلى فلسطين؛ فما ينبغي أن يكون الرجل من أهل فلسطين غريبًا في مصر، وما ينبغي أن يكون الرجل من أهل مصر غريبًا في فلسطين. ولكن الظروف القاسية، والخطوب العاتية، والأيام السود، تأبى إلا أن يكون المصري غريبًا في مصر، فكيف بالرجل من أهل فلسطين إذا أقام على شواطئ النيل؟
وإذا كان المصري من أهل القاهرة لا يستطيع أن يزور بنها أو قليوب أو طوخ إذا كرهت له الوزارة، أو كرهت منه الوزارة أن يزور هذه المدن، مع أن أرض مصر مباحة للمصريين جميعًا بحكم الدستور والنظام والقانون وطبيعة الأشياء، فكيف ننكر أن يعجز الفلسطيني عن أن يزور مصر أو أن يعجز الفلسطيني عن أن يخرج من مصر عائدًا إلى وطنه مهما تكن الظروف التي تدعوه إلى أن يعود.
نعم، يجب أن يشعر كل شرقي بأنه غريب في الشرق! سواء أكان هذا الشرق وطنه الذي ولد فيه أم لم يكن، ذلك شيء لا منصرف عنه ما دامت أمور الشرق ليست إلى الشرقيين، وما دام الذين يحكمون في الشرق ليسوا هم الشرقيين، وإنما هم قوم آخرون أقبلوا من وراء البحر تسبقهم القوة المدمرة، وتتبعهم القوة المدمرة، ويستطيعون أن يفرضوا إرادتهم وأهواءهم على عباد الله فرضًا. يجب أن يشعر الشرقي بأنه غريب في الشرق ما دام الغربي — والغربي وحده — هو الذي يصرف أمور الشرق ويقضي فيها بما يحب ويريد. ومن يدري؟! لعل شعور الشرقيين بأنهم غرباء في بلادهم، أجانب في أرضهم، سجناء في أوطانهم، لعل هذا الشعور إذا قوي واتصل وتغلغل في أعماق النفوس أن يُثِيرَ في نفوس الشرقيين ما ينبغي أن يثور فيها من الحرص الصحيح المنتج على أن يكونوا أبناء بلادهم حقًّا، وأهل أوطانهم حقًّا، وسكَّان أرضهم حقًّا، لا ينازعون في ذلك، ولا يدافعون عنه، ولا يتحكم فيه المتحكمون.
كل شيء في هذه الأيام يُلْغِي ما بين البلاد والأوطان من هذه الحدود التي أقامتها الطبيعة جبلًا حينًا ونهرًا حينًا، وبحرًا مرة وصحراء مرة أخرى، وكل شيء في هذه الأيام يخفف هذه الفروق التي أنشأتها الطبيعة بين الناس. ولكن هناك شيئًا يقيم مكان الحدود الطبيعية حدودًا أخرى، ويقيم مكان الفروق الطبيعية فروقًا أخرى، ويزيد التقاطع والتدابر بين الناس، وهو ظلم الاستعمار. ظلم الاستعمار يجعل الشرق العربي سجنًا ضخمًا هائلًا يسكنه عشرات الملايين من السجناء، وهو يقسم هذا السجن أقسامًا، ويلزم أهله أن يُقِيموا في هذه الأقسام لا يخرجون منها، ولا يدخلون إليها إلا بإذنه ورضاه، وهو لا يعتمد في إذنه ورضاه على عدل ولا قسط، ولا رحمة، ولا عاطفة، وإنما يعتمد على المنفعة وحدها وعلى هذه المنفعة الآثمة الظالمة التي تجعل الناس عبيدًا للناس في وقت يجب أن يكون الناس فيه كلهم أحرارًا، وأن يكون الناس فيه كلهم سواءً أمام الحق والعدل والإنصاف.
خطرت لي كل هذه الخواطر المظلمة حين أقبل مقبل فأنبأني بأن صديقًا لنا من أهل فلسطين أقام في مصر منذ أعوام، وله في سياسة بلده مذهب يكرهه المستعمرون؛ فهو يقيم في مصر كأنه حر، وأكبر الظن أنه سجين، وهو راضٍ بهذه الحرية الضيقة، وهو مغتبط بهذا السجن الذي اتخذ له من وادي النيل؛ لأن له من السجناء المصريين أصدقاء يحبهم ويحبونه، يخلطونه بأنفسهم ويخلطهم بنفسه، ولكن الحوادث تحدث والنائبات تنوب، والله لم يقطع الصلات كلها بينه وبين وطنه في فلسطين؛ فهناك أهله الأقربون وهناك إخوانه، وهناك أترابه ولِدَاته، وهو يتصل بهم، وهم يتصلون به، يلقاهم إن هبطوا إلى مصر، وتسعى بينهم الكتب إن أقاموا في فلسطين.
ثم جاءته الأنباء بأن أمه مريضة، وبأن مرضها شديد، فهَمَّ أن يذهب للقائها، والعناية بها، وقضاء ما فرض الله وما فرضت الطبيعة وما فرضت الأخلاق من حقها عليه، ولكنه وجد باب السجن مغلقًا، فلما استفتح الباب لم يفتح له، ولما ألحَّ في الاستفتاح لم يحفل به، ولما غلا في الإلحاح لم يلتفت إليه، والمرض هناك في فلسطين يسلك طريقه لا متوانيًا، ولا متباطئًا، لا مفكرًا في أن هناك ابنًا في مصر يريد أن يرى أمه ويجد في الخروج من مصر مشقة وعناءً؛ فمن الخير أن يمهل ومن الخير أن ينتظر لعل قلب السجَّان أن يرقَّ، لعل هذا السجين أن يلقى أمه قبل أن يدركها الموت.
والسجين يستفتح الباب ويرفع إلى السجان ما يأتيه من آراء الأطباء وشهاداتهم بأن المرض يسلك طريقة مسرعًا لا يصطنع رفقًا ولا أناة. ولكن قلب السجان مغلق كباب السجن لا تنفذ إلى قلب السجان رحمة ولا بِرٌّ كما لا يستطيع السجين أن ينفذ إلى أرض وطنه ليرى أمه قبل أن تموت.
ثم يحمل البرق إلى هذا السجين فجيعته في أمه، فلا تذكر حزنه ولا تذكر جزعه ولا تذكر يأسه! فكل هذه أشياء لم يبقَ لها الآن خطر ولا قدر، ولكن اذكر أنه أسرع بهذا النبأ إلى السجان، يسأله أن يفتح له الباب ليسرع إلى وطنه فيؤدي إلى أمه الواجب بعد أن أدركها الموت ما دام قد عجز عن أن يؤدي إليها الواجب قبل أن يدركها الموت. ولكن قلب السجَّان مغلق دائمًا كباب السجن؛ فلن يخرج هذا الصديق الحزين البائس من مصر، ولن يرى أمه ميتة كما أنه لم يرها مريضة، لن يسعى في جنازتها، لن يُصَلِّي عليها، لن يقوم على قبرها، وستسعى هذه المرأة الصالحة إلى القبر لا يشيِّعها ابنها، وستهبط هذه المرأة الصالحة إلى القبر لا يودِّعها ابنها، وستلقى دون الأحياء ودون هذه المرأة الصالحة هذه الجنادل الصم التي تغلق أبواب القبور، وسيظل ابنها سجينًا، وستحول بينها وبينه هذه الأبواب الثلاثة المغلقة؛ هذا الباب الذي لا يفتح للرحمة إلى قلب السجان، وهذا الباب الذي لا يفتح للسجين إلى فلسطين، وذلك الباب الذي إذا أغلق من دون الموتى فإنه لا يفتح إلا يوم يؤذن للموتى بالبعث والنشور، وسيقول المستعمرون بعد هذا: إنهم رسل الرحمة وملائكة السلام، وإنهم قد أقبلوا إلى الشرق يحضِّرونه ويهذِّبونه ويثقِّفونه ويرمون به إلى المثل الإنسانية العليا!
ما أجدر الإنجليز أن يتفكروا في هذه القسوة التي يعجز الناس عن وصفها؛ لأنهم يعجزون عن إدراكها، ولكنهم لا يعجزون عن اقترافها حين يدفعهم إلى ذلك الظلم والجور، والغطرسة والكبرياء!
ما أجدر الشرقيين أن يتفكَّروا في هذا، وأن يرحموا أخاهم هذا الغريب، وأن يرحموا أنفسهم؛ فكلهم غريب كهذا الرجل، وأن يفكروا لأنفسهم في شيء من العزة والكرامة يطلقهم من هذه السجون الواسعة الهائلة التي يخيم عليها الظلام.
ما أجدر هذا الصديق الغريب الأستاذ محمد علي الطاهر أن يتعزَّى وأن يتأسَّى، وأن يعلم أنه لا يشقى وحده بهذه الآلام الثقال، وإنما يشقى بها معه كل هؤلاء الشرقيين الذين يضطرهم الاستعمار إلى حياة الذل والبؤس والهون. -
حماية (٣)
حديث المساء: حماية (٣)
طه حسين
كوكب الشرق
٣ مارس ١٩٣٤
إذا كان مُكَاتِب التيمس صَادقًا فيما بينه وبين نفسه، فإنَّ رَأي الإنجليز في المصريين سيئ حقًّا، لا يدعو إلى التفاؤل ولا يحيي الأمل، ولا يقرب مَسافة الخُلْف بين البلدين المُخْتَلِفَينِ؛ فقَدَ زَعَمَ مُكاتِب التيمس في مقاله الذي نشر منذ أسبوع وكثر الحديث عنه في مصر، والذي يعيد الكوكب نشره بنصه اليوم، أنَّ المصريين ينظرون إلى أيسر كلمة يُلقيها المندوب السامي إلى وزير مصري كأنها بلاغ نهائي من بريطانيا العظمى.
وزعم مكاتب التيمس أن المصريين يُعْنَونَ أَشَدَّ العِنَايَةِ وأعظمها بأيسر عمل يأتيه المندوب السامي، وزَعَمَ مكاتب التيمس أنَّ المَنْدُوب السامي الجديد لنْ يَجِدَ مَشَقَّةً ولا عُسرًا في تحقيق ما تنظره منه مصر من الخدمة والإنقاذ، ثُمَّ زَعَمَ مكاتب التيمس آخر الأمر أن المندوب السامي يستطيع أن يدبِّر شئون مصر بخنصره.
فإذا كان هذا رأي مكاتب التيمس حقًّا، وإذا كان كثيرٌ من الإنجليز يُشاركونه في هذا الرأي، ويُؤمنون فيما بينهم وما بين أنفسهم بأن المصريين قد بلغوا من الهوان إلى هذا الحد، فأصبحوا لا يثبتون لكلمة يقولها المندوب السامي في حديث يلقيه إلى أحد الوزراء، وأَصْبَحَ المندوب السامي قَادرًا على أن يُدِير أمورهم بخنصره، فلسنا نَدْرِي في حَقِيقة الأَمْرِ لماذا يحفل بنا الإنجليز، ويظهرون من العِنَايَةِ بالاتفاق معنا وعقد معاهدة بينهم وبيننا مثل ما يظهرون، ويضمرون من ذلك أكثر مما يظهرون؟! فإنَّ الأُمَّة الهيِّنة اللينة التي تخاف من الكلمة اليسيرة، والتي تدار أمورها بالخنصر لا بالسبابة ولا بالإبهام، ليست خليقة أن يحفل بها أحد، أو يفكر فيها أحد، أو يُعْنَى بالاتفاق معها أحد، وإنَّما هي خليقة أن تُحْكَم وتُسْتَذَلَّ كما يحكم أضعف الأمم وأهون الشعوب.
ومن المُحَقَّق أنَّ مكاتب التيمس يخدع نفسه ويخدع شعبه حين يكتب هذا الكلام وحين يذيعه في صحيفته الكبرى، ومن المُحَقَّق أيضًا أن مكاتب التيمس معذور في أن يضلل نفسه وشعبه هذا التضليل، فلولا أنَّ في مصر رِجالًا مُستضعفين يؤمنون للمندوب السامي بهذه القوة الخارقة، وينظرون إلى كلمته اليسيرة كأنها بلاغ نهائي من بريطانيا العظمى، ويعقدون بالمندوب السامي آمالهم، ويسخِّرون للمندوب السامي ما يملكون من قوة وجهد، ويخيلون إلى المندوب السامي أنهم قادرون على أن ينفذوا أمره ويذعنوا لرأيه ويكونوا له أداة في تصريف الأمور، لولا أن بين المصريين رجالًا مستضعفين تَهُونُ عليهم نفوسهم وأمتهم إلى هذا الحد المُهين، لما استطاع مكاتب التيمس أن يظنَّ ما ظن، ولا أن يقول ما قال.
نعم، ولولا أنَّ بين المصريين رجالًا مُستضعفين يبلغ بهم الصَّغَارُ والذِّلَّةُ أنْ يَتَحَدَّثُوا إلى مكاتب التيمس وأشباهه بمثل هذا الحديث الذي يصور أمتهم من الضعف والهوان بحيث ينبغي أن يطمع فيها الطامعون، ويهزأ بها الهازئون، ويَعْبَثَ بمصالحها العَابثون، لما استطاع مكاتب التيمس أن يظن ما ظن، أو يقول ما قال.
ولكن لكل شعب مهما تكن عزته وقوته، ومهما يكن حرصه على الكرامة وإباؤه للضيم، نقمة من بعض أبنائه يُمْتَحَنُ بها في حياته الخاصة كما يُمتحن بها في حياته العامة.
وإن الإنجليز ليعلمون من ذلك مثل ما نعلم، وإن الإنجليز ليشقون من ذلك بمثل ما نشقى به، فأين الشعب الأوروبي الذي لا يوجد بين أبنائه الجواسيس الذين يتصلون بالأجنبي في أثناء السلم، ويُعينون العدو في أثناء الحرب، والذين تعرف الشعوب الرَّاقية الحرة كيف تجزيهم جزاء العدل على ما يرتكبون من الإثم، وما يقترفون من السيئات؟ ولو أنَّ الإنجليز يخضعون لمِثْلِ مَا نَخْضَعُ نحن له من الاحتلال الأجنبي لرأوا بينهم أفرادًا ينظرون إلى الكلمة اليسيرة يُلقيها ممثل الدولة المُحْتَلَّة إلى وزير من وزرائهم كأنها بلاغ نهائي من هذه الدولة المُحتلة.
ولكن الإنجليز لا يشقون بالاحتلال الأجنبي، وإنما يفرضون الشقاء باحتلالهم على أمم لا ينبغي لها هذا الشقاء … فليس عند الإنجليز إذن أفراد كهؤلاء الذين صورهم مكاتب التيمس، ولكنهم لا يعدمون من حين إلى حين أفرادًا آخرين يخدمون الأجنبي أثناء السلم، ويخدمون العدو أثناء الحرب، وهم يحتاطون لهؤلاء الأفراد كما تحتاط لهم كل الأمم الحية الراقية.
والفرق بيننا وبين الإنجليز وأشباه الإنجليز من الشعوب المستقلة أنهم مستقلون حقًّا؛ فهم لا يجدون من القوة الأجنبية ما يحمي منهم أمثال هؤلاء الأفراد، وهم لذلك يستطيعون أنْ يَقِفُوهم أمام القضاء المدني أو العسكري، وأن ينزلوا بهم ما يستحقون من العِقَاب. أَمَّا نَحْنُ فلسنا مُسْتَقِلِّين حقًّا، والإنجليز هم الذين يغصبون استقلالنا، والإنجليز هم الذين يحمون منا ومن قوانيننا هؤلاء الأفراد الآثمين الذين يرون كلمة المندوب السامي مهما تكن يسيرة بلاغًا نهائيًّا من بريطانيا العظمى، والذين يخيلون إلى المندوب السامي وإلى غيره من الإنجليز أن أمور أمتهم يسيرة هينة يمكن أن تُدار بالخنصر ولا بالسبابة ولا بالإبهام.
كل هذا شيء لا شك فيه، وهو مُؤلم حقًّا، ولكن العزاء عنه يسير؛ فإنَّ الله قد أبى أن تكون السيادة للإثم أو أن يكون الانتصار للذلة أو أن يكون الشذاذ مِنَ الشَّعب هم الذين يمثلون الشعب. وهُنَا يَظْهَرُ ما قُلْنَاه ونقُولُه مِنْ أَنَّ الإنجليز يَخْدَعُون أنفسهم إنْ صَدَّقُوا مثل هذا الكلام الذي يكتبه لهم مكاتب التيمس، والذي قد يُلْقِيه إلى مكاتب التيمس بعض الشذاذ من المصريين، يخدعون أنفسهم حقًّا؛ فهم يعلمون حق العلم أن بين المصريين وزراء ثبتوا وسيثبتون دائمًا لكلمة المندوب السامي يسيرة كانت أو عسيرة، وقد أبوا — وسيأبون دائمًا — أن يذعنوا لأمر المندوب السامي أو يسلموا للإنجليز على قوتهم وبأسهم بما لا يلائم حقَّ المصريين ولا منافع المصريين، هم يعلمون ذلك حق العلم، وهم يُؤْمِنُون بذلك أشدَّ الإيمان، ولولا هذا لما وجد الخلاف بينهم وبين مصر، ولولا هذا لما اتصل الجهاد، ولولا هذا لما كانت الأزمة العنيفة القائمة بينهم وبينا، ولولا هذا لما أُلغي دستور وأصدر دستور، ولولا هذا لما حُوربت مصر هذه الحرب المُنكرة في حقوقها ومرافقها، وفي كراماتها وحرماتها، ولولا هذا لما قُسِّم المصريون إلى فريقين؛ فريق ضئيل يُصْطَفَى منه الحكام والمتسلِّطون، وفريق عظيم لا ينبغي أن يصل إلى الحكم ولا أن يطمع فيه.
لو أنَّ أُمُور مِصْرَ هينة حقًّا على الإنجليز لما كانَتْ كثرة ولا قلة، ولما كانت هناك أحزابٌ تُصْطَفَى وتُخْتَار، أو تُنْشَأ وتُخْلَقُ خَلقًا، وشعبٌ يتقي ويخاف وتنزع أموره منه نزعًا، والغريبُ أنَّ هؤلاء المصريين الذين يصورهم مكاتب التيمس بهذه الجمل المهينة لا يستحون من أنفسهم ولا يستحون من الناس، ولا يتحرَّجون من أن يلقوا مكاتب التيمس، حين تسنح لهم الفرصة أو يخلقوا الفرصة للقائه ولقاء أمثاله، فيلقوا إليهم بمثل هذا الحديث.
والغريب مع هذا أنَّ الوزراء الذين يقرءون مثل هذا الكلام لا يبذلون ما يملكون وما لا يملكون من الجهد، ليثبتوا لأنفسهم ولأمتهم وللإنجليز أنَّ هذا الكلام الذي يكتبه مكاتب التيمس سخيف فارغ لا يصور أحدًا ولا يدل على شيء، ولا يمثِّل الصلات التي تكون بالفعل بين المندوب السامي والوزراء. ومع ذلك فأَوَّلُ ما يَجِبُ على الوزراء المصريين مهما يكونوا هو أنْ يَرْفَعُوا أنفسهم أمام أنفسهم بالقول والعَمَلِ على أن تظن بهم الظنون أو يقول فيهم القائلون أنهم ينظرون إلى كلمات المندوب السامي كأنها بلاغ نهائي من بريطانيا العظمى.
لقد نشرت المُقطمُ منذ أيام أن المندوب السامي تخلَّف في باريس ليتحدث مع الفرنسيين في مسألة الدين العام، فأنكرنا ذلك أشدَّ الإنكار وعبناه؛ لأنَّ المندوب السامي حين مَرَّ بباريس لم يكن قد أوجد الصلات الأولى بينه وبين الوزارة المصرية؛ ولأنَّ وزارة الخارجية المِصْرِيَّة لم تنشأ عبثًا، وإِنَّما أنشئت لمثل مسألة الدين؛ ولأن توسط الإنجليز بين مصر وبين فرنسا شيء وتولي الإنجليز الشئون المصرية فيما يتصل بفرنسا شيء آخر.
وكنا نظن أن الوزارة المصرية ستقول أو ستعمل شيئًا يَدُلُّ على أنها لا ترضى عما نشرت المُقطم إن كان قد وقع بالفعل، أو تُكَذِّب ما نشرت المُقطم إن لم يكن قد وقع بالفعل. ولكن الوزارة لم تقل شيئًا، ولم تعمل شيئًا، وعادت المقطم فنشرت مساء أمس ما نشرته منذ أيام، ثم زعمتْ أَنَّ الحُكومة الإنجليزية ستفاوض الحكومة المصرية في مسألة الدين بعد أن تحدَّث فيها المندوب السامي إلى الفرنسيين حين مَرَّ بباريس.
ومعنى هذا إن كنا نفهم اللغة العربية التي تتحدث بها المُقطم أنَّ الإنجليز يُريدون أنْ يتولوا بأنفسهم مسألة الدين، وأنْ يَتَحَدَّثوا فيها إلى المصريين عن الفرنسيين وإلى الفرنسيين عن المصريين، ومعنى هذا أن المفاوضات في هذه المسألة لن تكون مُباشرة بين المصريين والفرنسيين، ولكنها تُريد أن تكون بواسطة دار المندوب السامي. ففيم أنشئت إذن وزارة الخارجية المصرية؟ وهل عدنا إلى مثل ما كنا عليه أيام الحماية؟ لقد كان صدقي باشا نفسه يفاوض الفرنسيين والإيطاليين، ويستعين في ذلك بتوسط الإنجليز، فهل يُرَادُ أَنْ نفهم أنَّ الوزارة القائمة قد تأخرت عن وزارة صدقي باشا خطوتين أو خطوات فهي لا ترى بأسًا بأن تنتظر حتى يحلَّ لها الإنجليز مسألة الدين.
إن هذا التصرف وأمثاله إن صح ما نشرت المقطم — ونرجو أن لا يكون صحيحًا — هو الذي يطوع لمُكاتِب التيمس أن يقول إن المندوب السامي يستطيع أن يدبر أمور مصر بخنصره، فليُفِق النائم ولينتبه الغافل، وليعلم المصريون أن الاستقلال ليس كلامًا يُقال ولا فصولًا تُكتب في الصحف، وإنما هو أعمال تأتيها الأمم وأعمال تأتيها الوزارات؛ فتثبت أنها حرة حقًّا، وقُل ما شئت؛ فلست أدري لِمَ أجمع دائمًا في نفسي بين هذين الخاطرين: المندوب السامي يتحدث إلى الفرنسيين في مسألة الدين ويُريد أن يفاوض فيها المصريين، والمندوب السامي يصيد البط ثم يوزع صيده على الفقراء.
ما أجدر المصريين أن تستغني وزارتهم عن معونة المندوب السامي في مسألة الدين، وأن يستغني فقراؤهم عن البط الذي يصيده لهم المندوب السامي في أكياد أو غير أكياد، وأن تستحي صحفهم من نشر مثل هذا الكلام. -
قدوم …
حديث المساء: قدوم …
طه حسين
كوكب الشرق
١٧ فبراير ١٩٣٤
إذا أقبل مساء اليوم أقبل معه المندوب السامي على مصر، تشق به طيارته الجو المصري، ثم تهبط به طيارته على النيل العظيم، وفي هذه المرة لا يستقبله المصريون راضين أو كارهين، وفي هذه المرة لا ينظر المصريون إلى هذه المظاهر الفخمة الضخمة التي يُحَاطُ بها سفر المندوب السامي وتُحَاطُ بها عودته، والتي تؤذي شعور المصريين بالكرامة والعزة، وتؤذي آمالهم في الحرية والاستقلال، ولو أننا نستطيع أن نُحْسِنَ الظن بمندوب سامٍ؛ لشكرنا للمندوب السامي الجديد ارتحاله عن مصر طائرًا، ورجوعه إلى مصر طائرًا، وتجنبه هذه المظاهر التي كان يحبها غيره من المندوبين، ويرون فيها إعلاءً لكلمة الإنجليز، في بلد ليس من الضروري ولا من الحق أن تعلو كلمتهم فيه؛ ولقَدَّرْنَا أنه رجل رقيق الشعور، دقيق الذوق، يُؤلِمه أن يُحَاطَ قدوم الممثلين السياسيين على بلده بما يحاط به قدوم المندوبين السامين على مصر من هذه المظاهر الفخمة المؤذية؛ فهو يكره أن يألم المصريون لمثل ما يألم له الإنكليز إن وقع في بلادهم، مما يؤذي الكرامة والاستقلال.
ولكنَّا نعلم أن المندوب السامي الجديد، لم يُقَدِّرْ هذا في أكبر الظن، ولم يفكر فيه، ولم يخطر له أن يُجَنِّبَ المصريين ألمًا لا يرضاه لنفسه، وإنما هو رجل حديث، يعتقد أن المَدَنِيَّة لم تنشأ عبثًا، وأن الطيَّارات إنما اخترعت ليطير بها الناس، فهو يستخدم المدنية، ويُسَخِّرُ الطيارات لما سُخِّرَتْ له، ويُؤْثِرُ السرعة ولذتها ومنافعها على القطار والسفينة وبُطئِهما، وما يحيط بالسفر فيهما من مظاهر الإكبار والإجلال، وسواء أكان المندوب السامي قد ذكر المصريين، وأشفق عليهم من مظاهر الحفاوة هذه في سفره وعودته، أم لم يذكر إلا نفسه، وحاجته إلى السرعة؛ فإن من حقه علينا أن نعرف له هذا السفر الهادئ الوديع، الذي لم يكد يحسُّه أحد، وهذه العودة الهادئة الوديعة التي لم يكد يحسها أحد.
على أن من غير الإنصاف أن نقول: إن أحدًا لم يحسَّ سفر المندوب السامي إلى إنجلترا، وعودة المندوب السامي إلى مصر؛ فقد كان سفره الهادئ الوديع موضوع الأحاديث الطوال العراض التي لم تنقضِ بعد، وهذه عودته الهادئة الوديعة موضوع أحاديث طوال عراض يعلم الله وحده متى تنقضي، والسياسة وحدها هي التي ذهبت بجمال هذا الهدوء وهذه الوداعة، وماذا تنتظر من السياسة؟! فهي لا تدخل في شيء إلا وأفسدته وذهبت بجماله ونضرته، ولأمر ما نشأت بين المندوب السامي وبين الرجل الطيب أزمة، في تلك المدة القصيرة التي أقامها السير لامبسون في القاهرة، وزادها سفر السير لامبسون تعقيدًا؛ لأنه لم يَزُرْ رئيس الوزارة، أو أن رئيس الوزارة لم يزره؛ أو لأنهما لم يلتقيا بعد التقائهما بالمحطة، فكان هذا موضوع حديث له أول ولم يعرف آخره بعد؛ أيُّ الرجلين أخطأ، وأيُّ الرجلين أصاب؟ أيُّ الرجلين ينزل على ما يريد صاحبه، بعد أن يعود المندوب السامي إلى القاهرة؟ أيذهب رئيس الوزراء إلى قصر الدوبارة؟ أم يذهب المندوب السامي إلى دار الرياسة، أم يلتقيان في وسط الطريق، في حفلة من الحفلات، أو في مأدبة من المآدب، أو عند صديق من الأصدقاء؟
وأخذ الناس يقولون فيطيلون، وأخذ بعضهم يرد على بعض، والناس معذورون، فما دامت هذه القصة قد خَلَقَتْ أزمة اتصل فيها الحديث بين القاهرة ولندرة؛ فإن من حق الناس أن يخوضوا في هذه الأزمة؛ لأن الأزمات لم تُخْلَق عبثًا، وإنما خُلِقَتْ ليخوض فيها الناس، كما خُلِقَت الطيارات ليطير بها الناس، وكذلك لجَّ الناس في الحديث، ولجُّوا في المناقشة، وقال فريق منهم: إن الأزمة قد حُلَّتْ، وقال فريق منهم: إن الأزمة لم تُحَلَّ، وقال الذين يحبون العبث: إنها محلولة معقدة في وقت واحد، وما زال الناس يتحدثون حتى يتبيَّن لهم أين كان الخطأ وأين كان الصواب، وأي الرجلين ينزل عندما يريد صاحبه.
ثم إن المندوب السامي الجديد يَرِثُ مندوبًا ساميًا قديمًا، وقد تحدَّث الناس عن المندوب السامي القديم فأطالوا الحديث، تحدثوا عنه حين كان مقيمًا وتحدثوا عنه حين كان مسافرًا، وتحدثوا عنه حين كان ثابتًا، وتحدثوا عنه حين كان قَلِقًا في مركزه، وتحدثوا عنه بعد أن نُقِلَ؛ فمن الطبيعي أن يتحدثوا عن خليفته ووارثه، وهم يتحدثون بأن المندوبين السامين لم يُخْلَقُوا عبثًا، وإنما خُلِقُوا ليتحدث عنهم الناس من جهة، وليمثِّلوا بلادهم تمثيلًا ممتازًا في بعض البلاد الأجنبية من جهة أخرى، ولا يكون المندوب السامي الجديد مندوبًا ساميًا حقًّا إلا إذا حقق هذين الشرطين. أما تحقيق الشرط الثاني فشيء لا شك فيه، والسير لامبسون يعرف منه أكثر مما نعرف، وأما تحقيق الشرط الأول فشيء يمسنا نحن ويتصل بنا، ونستطيع أن نؤكد للمندوب السامي أننا سنحقِّق له هذا الشرط على أكمل وجه وأجمله، وقد بدأنا نحققه؛ فنحن نتحدث عنه، ونطيل الحديث، نتحدث عنه في الأندية، ونتحدث عنه في الصحف، ونتحدث عنه من جميع الأنحاء، التي يتحدث منها الناس عن الناس، وَصَفَتْ لنا الصحف الإنجليزية قامته؛ فنحن نتحدث عن قامته، ووصفت لنا الصحف الإنجليزية سيرته في الصين؛ فنحن نتحدث عن سيرته في الصين، ورأينا طرفًا يسيرًا جدًّا من سيرته في مصر؛ فنحن نتحدث عن هذا الطرف اليسير، ولكننا نتحدث بنوع خاص عن سيرته التي لم نَرَهَا؛ لأنها لم تكن بعد، نتحدث ونتبارى في الحديث، نتنبَّأ بما يريد، ونتنبَّأ بما سيفعل، ونُسرِف في التنبؤ، وإذا أحاديثنا عنه تشغل أنديتنا حين نسمر فيها شطرًا غير قصير من الليل؛ فليطمئن المندوب السامي من هذه الناحية؛ فهو يشغل الأندية، ويطلق الألسنة، ويُثِير في النفوس نشاطًا إلى التفكير، وفي العقول حاجة إلى الاستطلاع، وليس هذا كله بالشيء القليل، ومع ذلك فقد نحب أن لا يتخذ المندوب السامي لنفسه صورة مخطئة من أحاديث الناس وتفكيرهم، ومما يقصدون به إلى تلك الأحاديث وهذا التفكير، فقد يصور له بعض المصوريبن اشتغال الناس به على أنه اعتماد عليه، والتجاء إليه، وانتظار الفرج على يديه؛ فنحب أن يعلم المندوب السامي أن هذه الصورة إن قُدِّمَتْ إليه كانت خليقة أن لا يعجب بها، ولا يطمئن إليها، ولا يثق بما توحي به من الخواطر والمعاني؛ لأن هذه الصورة لا تطابق الأصل، ولا تمثل الحقيقة الواقعة، ولا تعطي فكرة صحيحة صادقة عن ما يشغل الناس من أمرها، فالكثرة المطلقة من المصريين تتحدث عن المندوب السامي؛ لأنها تحب الاستطلاع قبل كل شيء؛ ولأن حب الاستطلاع طبيعة لا يستطيع الناس مقاومتها.
ثم هي تشتغل بالمندوب السامي؛ لأنها تريد أن تعرف مذهب الإنجليز فيما بينهم وبين مصر من الصلات، ألا يزال هو هذا المذهب الذي اختاروه بعد انقطاع المفاوضات الأخيرة؛ فدفعهم إلى أن يُعِينُوا الظلم ويؤيدوه، بل إلى أن يُدْفَعُوا إليه، ويرغبوا فيه بهذا الحياد الذي انتحلوه انتحالًا، وتكلفوه تكلفًا، وخَدَعُوا به قومًا ليس إلى انخداعهم من سبيل، أم هو مذهب جديد؟ وإذا كان كذلك فماذا عسى أن يكون؟ أهو مذهب القوم الذين يحبون الإنصاف، ويُؤْثِرُون العافية ويرغبون في السلم؛ فيخلون بين المصريين وبين حقوقهم ومصالحهم، ويهيئون للمفاوضة الحرة الشريفة التي يُرْجَى أن تُرْضِي الفريقين المختصمين، أم هو مذهب القوم الأقوياء الذين تغرهم قوتهم، ويطغيهم بأسهم؛ فلا يحفلون بحق ولا عدل، ولا يقدرون وفاءً بعهد، ولا إنصافًا لمظلوم، وإنما يبسطون السلطان ما وجدوا إلى بسطه سبيلًا، ويتدخلون في أمور المصريين وإن لم يرضَ المصريون؟
ونظن أن أحدًا لا يستطيع أن ينكر على المصريين حقهم في أن يتحدثوا بهذا كله، وأن يتساءلوا عن هذا كله؛ فكل أمة في الأرض حرة في أن تحب الاستطلاع وتتحدث عن كبار الناس، وكل أمة في الأرض حرة في أن تسأل عما يراد بها لتلقى الخير بالخير، والشر بالشر، لتلقى الود بالود، والعداء بالعداء؛ فليس على المصريين بأس إذن من أن يتحدثوا ويطيلوا الحديث عن المندوب السامي الجديد؛ لأن المندوب السامي الجديد لم يُرْسَلْ إلى بلادهم ليستمتع فيها باعتدال الجو وصفائه، ولا بجمال النيل وما يقوم على شاطئيه، إنما أُرْسِلَ إلى مصر ليعمل في السياسة المصرية، التي تمسُّ حياة المصريين اليوم وتمس حياتهم غدًا، ولكن هذا الحديث الذي لا شك في أنه من حق المصريين لا يدل، ولا ينبغي أن يظن أنه يدل، على أن المصريين يعتمدون على المندوب السامي، أو ينتظرون الفرج على يديه.
إنما يدل — ويجب أن يُفْهَمَ أنه يدل — على أن المصريين يعرفون حقوقهم كأحسن ما يجب أن يعرف الناس حقوقهم، ويحرصون على هذه الحقوق كأحسن ما يحرص الناس على الحقوق، ويريدون لهذا أن لا يخدعوا عن شيء، وألا يُغْصَبَ منهم شيء، وأن لا تلهيهم المظاهر عن الحقائق.
وليس من شك في أن قومًا سيزعمون للمندوب السامي أن مِنَ الناس مَنْ يرجونه ويطمعون فيه، وينتظرون منه خيرًا كثيرًا، ويفكرون فيه إذا أصبحوا، ويفكرون فيه إذا أمسوا، ولكن من الخير للمندوب السامي أن لا ينخدع بما سيُنْقَلُ إليه من أمر هؤلاء الناس؛ فهم قليلون قليلون جدًّا، لا يعبرون عن رأي أحد غير أنفسهم، ولا يصورون آمال أحد غير أنفسهم، وهم قد خَدَعُوا كثيرين من الذين سبقوه، وخدعوا بذلك الحكومة الإنجليزية نفسها، خيَّلوا إلى الإنجليز أنهم شيء، فلما امتحنهم الإنجليز لم يجدوهم شيئًا، ولعل دكتاتورنا العظيم أوضح مثال لهؤلاء الناس؛ فهو قد خَيَّلَ إلى المندوب السامي القديم وخيَّل إلى الحكومة الإنجليزية أنه شيء عظيم، وأنه يستطيع أن يُتِمَّ ما عجز غيره عن إتمامه، فلما امتحنوه كان أمرهم معه كأمر المسافر الظمآن، الذي يطمعه السراب فيَجِدُّ في طلبه؛ حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، ووجد الله عنده فوفَّاه حسابه.
وكان انخداع الإنجليز بما خَيَّلَ إليهم دكتاتورنا العظيم مصدرَ شرٍّ عظيم للإنجليز وللمصريين وللدكتاتور العظيم نفسه: فأما الإنجليز ففقدوا مودة مصر فقدانًا يوشك أن يكون تامًّا، وأما المصريون ففقدوا حريتهم وضاعت عليهم منافع لا تُحْصَى، وسُفِكَتْ فيهم دماء، وأُزْهِقَتْ فيهم نفوس، وأَلَمَّتْ بهم مظالم تَسْتَخْذِي لها الحضارة الحديثة، وأما الدكتاتور ففقد حُبَّ مواطنيه وثقتهم وعطفهم، ثم فقد الحكم؛ فإذا هو يفقد حتى أقرب الناس إليه وألصقهم به، وأشدهم انتفاعًا بما جنى على بلاده من السيئات.
ويستطيع المندوب السامي ويستطيع الإنجليز أن ينظروا إلى صديقهم القديم ليروا أين هو من مصر وأين مصر منه، وهم قد نظروا بالفعل؛ فأبوا أن يفاوضوه، ثم أبوا أن يمضوا في نصره وتأييده حين كان أشدَّ الناس حاجةً إلى أن ينصروه ويؤيدوه؛ وإذن فقد يقال للمندوب السامي: إن بين المصريين قومًا ينتظرونه، ويطمعون فيه ويعرضون أنفسهم عليه، فليذكر المندوب السامي أن رجلًا كان ينتظر السير برسي لورين ويطمع فيه ويُطَمِّعُه في نفسه، فلما انخدع له السير برسي لورين، لم يُفِدْ منه لما بين مصر وإنجلترا من العلاقة شيئًا، إنما أضاع من أجله شيئًا كثيرًا، ونحب أن نؤكد للمندوب السامي أنه يريح نفسه من تعب كثير، ويقتصد لنفسه وللإنجليز جهدًا كثيرًا ووقتًا كثيرًا، إن نظر إلى المصريين على أنهم شعب راشد يعرف ما يريد، ويُقَدِّرُ ما يُرَادُ به، ولا يَرْضَى من الإنجليز ولا من غير الإنجليز إلا ما يلائم حقه وكرامته، وعزته القومية، فهو إن نظر إلى المصريين على هذا النحو؛ استطاع أن يفهمهم واستطاعوا أن يفهموه، وقد يمكنه ذلك من أن يُتِمَّ مع المصريين ما عجز عن إتمامه المندوبون السابقون، فأما إن سار سيرة السير برسي لورين؛ فسينتهي إلى ما انتهى إليه السير برسي لورين، وإن سار سيرة اللورد لويد أو اللورد كرومر؛ فسينتهي إلى ما انتهى إليه اللورد لويد أو اللورد كرومر.
وستظل مصر قائمة كما كانت، تطالب بالحق، وتحرص على الكرامة، وتجاهد في سبيل العزة، وتصبر على الظلم وتقاومه ما وجدت إلى هذه المقاومة سبيلًا، ولكن رضا مصر ومودتها وثقتها أمور لن تُكْتَسَبَ بقسوة ولا بظلم ولا بمكر ولا بخداع، إنما هي الصراحة والصراحة وحدها، الصراحة التي تقوم على احترام مصر، والاعتراف لها بأنها بلد كريم، هذه الصراحة وحدها هي التي تستطيع أن تريح الإنجليز من المصريين، وتريح المصريين من الإنجليز، وتحقق بين هذين الشعبين مودة من الخير لشعوب الشرق كلها أن تحقق. -
مصر
مصر
مصر للدكتور طه حسين. مصر بلد خلقه الله ليكون حراًّ مستقلاًّ، عزيزاً كريماً، ومتّعه الله بحقه في الحرية والاستقلال، ونصيبه الأوفى من العزة والكرامة قبل أن يشعر غيره من البلاد بمعاني هذه الكلمات، بل قبل أن يعرف التاريخ وجود غيره من البلاد؛ ولكنه الآن قد فقد حريته واستقلاله، وأُودي في عزته وكرامته. وهو يستقبل الآن يوماً من هذه الأيام التي فقد فيها الحرية والاستقلال، والتي غُضّ فيها من عِزَّته وكرامته. وأهله الآن — كما كانوا من قبل — يعرفون معنى الحرية والاستقلال، ويقدّرون قيمة العزة والكرامة، ويحرصون أشد الحرص على أن يكونوا أحراراً مستقلين، ويجدون أشد الجد في أن يكونوا أعزة كراماً. مصر بلد كانت له الكلمة في حياة الأمم والأجيال منذ عشرات القرون، قبل أن يعرف غيره من الشعوب معنى كلمة الأمم والأجيال، بل قبل أن يعرف التاريخ غيره من الشعوب زمناً طويلاً. ولكنه الآن ليست له كلمة في حياة أمة ولا شعب، بل ليست له كلمة في حياة نفسه. إنما الكلمة في حياته لقوم آخرين أقبلوا من وراء البحر، ففرضوا عليه قوتهم فرضاً، وأخضعوه لسلطانهم إخضاعاً، وأخذوا منذ ذلك اليوم يقضون في أمره؛ لا يستشيرونه ولا يسألونه، ولا يسألون أنفسهم ولا يسألون غيرهم من الناس أرضيَهم قضاؤهم في أمره أم لا يرضيه؟ مصر بلد لا تسأل أحداً من أهله عن الحرية والاستقلال إلا أنبأك بأنه يلحّ فيهما إلحاح المظلوم في الوصول إلى حقه، ولا تسأل أحداً من أهله عن العزة والكرامة إلا أنبأك بأنه يحرص عليهما كل حرص الحي على الحياة. ولكنه مع ذلك لا يستمتع بهذا الحق الذي يلحّ فيه، ولا يظفر بهذه الحياة التي يحرص عليها؛ لأن قوماً جاءوا من وراء البحار فصبوا عليه الحديد والنار، واضطروه إلى حياة بعيدة كل البعد عن حياة الشعب الحر المستقل، وعن حياة الشعب العزيز الكريم. مصر بلد يعيش أهله عيشتين؛ إحداهما شر كلها، وذل كلها ونكر كلها، وهي عيشة الشعب الذي يتسلط عليه الأجنبي ويقضي في أمره كما يشاء. والأخرى عيشة هي خير كلها وعز كلها ومجد كلها، وهي عيشة الشعب الذي أحسّ الضيم فأقسم على رفضه، وأحسّ الذل فأقسم على نبذه، وأحسّ الهوان فأقسم على أن يخلص منه مهما يكلفه هذا من الجهود. مصر هو هذا البلد الذي يعيش أهله عيشة الصراع المتصل العنيف بين الواقع والأمل، وبين الحياة اليومية والمثل الأعلى، والذي لا تطلع عليه الشمس إلا أحسّ ذلاًّ يلمّ به، وعزًّا يدفعه إلى رفضه، والذي عرف كيف يصبر ولكن في غير يأس، وكيف يثبت ولكن في غير استسلام، وكيف يطاول ولكن في غير رضا بالخسف، أو استسلام للضيم. والذي اتخذ لنفسه في الحياة مثلاً أعلى لن يطمئن للحياة قبل أن يصل إليه، وهو الحرية الكاملة والاستقلال التام. والذي أخذ يجدّ في سبيل المثل الأعلى رغم ما يُبث في طريقه من العقبات، وما يُصبّ عليه من ألوان الشر، وما يُهيأ له من ألوان المكر والكيد؛ فلم يمنعه شيء من ذلك أن يمضي في طريقه ثابت القدم، ماضي العزم، صادق النية، مؤثراً الموت على أن يقف في هذه الطريق.
هذه هي «مصر» التي تُذكر اليوم في حزن يبعث الأمل، ويجدد النشاط، ويثير الحفيظة، ويذكر بالمجد القديم، ويقرب من المثل الأعلى؛ تذكر ذلك اليوم المشؤوم الذي دخل فيه «الجيش الإنجليزي» مدينة «القاهرة» منذ أكثر من نصف القرن. لم تنسَ «مصر» ذلك اليوم منذ كان، ولن تنسى «مصر» ذلك اليوم حتى بعد أن يخرج جيش الإنجليز من «القاهرة». هو الآن تذكار ذلة فرضها الأجنبي ظلماً وعدواناً، ولكنه سيكون من غير شك ولا ريب تذكار عزة يفرضها المصريون على الزمان فرضاً؛ لأنهم يؤمنون بحقهم ويجاهدون، ولن يكفوا عن جهادهم، ولن يفتروا فيه حتى يبلغوا هذا الحق، وحتى يجبروا الإنجليز على أن يعودوا أدراجهم ويجلوا عن بلادهم معترفين لهم من الحق بما كانوا ينكرون.
إن المصريين اليوم أعرف بالحق وأحرص عليه من أن يعرضوا عنه أو يقصروا في ذاته، وإن «الشباب المصري» اليوم أذكى قلباً، وأرق خلقاً من أن يخدع نفسه بالألفاظ أو يعلل نفسه بالأماني؛ فلن يؤمن «الشباب المصري» بأنه حرّ حقًّا والجيش الإنجليزي مقيم في أرض مصر، ولن يؤمن «الشباب المصري» بأنه مستقلّ حقًّا والسلطان الإنجليزي مبسوط على أرض مصر، ولن يصدق «الشباب المصري» أنه عزيز كريم حقًّا وأمور مصر كلها، صغيرها وكبيرها، تُصرف على غير ما تريد مصر. إن «الشباب المصري» الآن أذكى قلباً، وأعظم تقديراً للحق والواجب من أن يطمئن إلى غير ما يطمئن إليه الشباب في كل أمة حرة مستقلة حقًّا. ليس «الشباب المصري» غافلاً ولا لاهياً، ولكنه فطن يقظ، يعلم حق العلم ما يُراد منه، ويعلم حق العلم ما يريد هو، ويعلم حق العلم كيف يأبى على الغاصبين والمستعمرين غصبهم واستعمارهم، وكيف يقدم حياته وجهوده ثمناً يسيراً هيناً لما يريد من تحقيق آماله في العزة والاستقلال.
إن «الشباب المصري» الآن يعرف تاريخ مصر، ويعلم حق العلم بما اختلف على بلده من الخطوب، وما ألمّ به من المحن، ويعلم حق العلم كيف يستفيد من درس هذا التاريخ: كيف يستشعر العزة والإباء حين يقرأ من صحف التاريخ المصري تلك الصور التي تصور مجد مصر ورفعتها في العصور القديمة والعصور الوسطى، ويعرف كيف يستشعر الصبر والثبات وإباء الضيم، والجد في سبيل المجد حين يقرأ من تاريخ مصر تلك الصحف التي تصور ما أصاب مصر من ضروب البغي والعدوان.
وهو حين يقرأ صحف التاريخ المصري على اختلاف ما فيها من الصور المشرقة والقاتمة يعرف كيف يحب مصر سعيدة وشقية، وكيف يكبر مصر عزيزة ومستقلة، وكيف يقدم حياته فداء لهذا البلد الذي ذاق أحلى ما ذاقته الشعوب من حياة السعادة والعز والنعيم فلم يفسده أشر ولا بطر، وتجرع أمرَّ ما تجرعته الشعوب من كؤوس الظلم والبغي والعدوان فلم يفسده استسلام ولا استكانة، ولا خنوع ولا خضوع.
مَن زعم أن «الشباب المصري» يلهيه عن واجبه الوطني شيء من الأشياء مهما يكن فهو خادع أو مخدوع. ومَن زعم أن «الشباب المصري» كان محتاجاً إلى هذا اليوم الذي يذكره باحتلال الإنجليز لـ«القاهرة»، أو بذلك اليوم الذي يذكره بضرب الإنجليز لـ«الإسكندرية»، فهو خادع أو مخدوع؛ فإن في كل قلب مصري صورتين تختصمان دائماً، وتتصارعان دائماً: إحداهما تمثل الاعتداء الأجنبي، والأخرى تمثل العزة القومية. وقد كان كل يوم من أيام المصريين، وسيظل كل يوم من أيام المصريين تذكاراً قويًّا محزناً مُحيياً للأمل، يعيد على المصري ذكرى تلك الأيام السود التي وطئ فيها الأجنبي أرض الوطن الخالد العزيز.
لا تسل المصري شابًّا كان أو شيخاً، كبيراً كان أو صغيراً، غنيًّا أو فقيراً، عن «مصر» هذه التي يحبها ونهض للذود عنها، ويبذل حياته لاستنقاذها: أَعَرَبيّة هي أم فرعونية؟ فذلك شيء لا يفكر فيه المصريون إلا حين يريدون أن يتحدثوا في العلم، وفيما يشبه العلم من الحديث. فأما «مصر» التي تملأ قلوب المصريين وتدفعهم إلى الأمل والعمل دفعاً، فهي فوق الفروض جميعاً، وهي فوق الاحتمالات جميعاً، وهي فوق علم العلماء، وبحث الباحثين، وفلسفة الفلاسفة؛ هي هذا الوطن الخالد الثابت السعيد الذي تنبتنا أرضه، وتظلنا سماؤه، ويسقينا ماؤه، والذي يخرج لنا كل ما تشتمل عليه الحياة من أنواع اللذة التي تحبب العيش، وأنواع الألم التي تكون الأخلاق.
«مصر» هي هذا الوطن الخالد الثابت السعيد الذي تختلف عليه الأزمنة وما تحمل من الخطوب والصروف فلا يتغير ولا يمضي مع الزمن، ولكنه ثابت مقيم، مبتسم دائماً؛ تشرق شمسه الحلوة الهادئة كل يوم فتبعث الحركة والحياة في كل شيء وفي كل إنسان، ويجري نيله القوي الرزين فيبعث الحركة والحياة في كل شيء وفي كل إنسان.
«مصر» هذه هي التي عاش لها آباؤنا مهما تكن أجناسهم الأولى، فلم يعدلوا بها بلداً، ولم يضنوا عليها بجهد، ولم يبخلوا عليها بالحياة. «مصر» هذه هي التي نعيش لها نحن مهما تكن أجناسنا الأولى كما عاش لها آباؤنا، وكما سيعيش لها أبناؤنا؛ لا نعدل بها بلداً مهما يكن، ولا نضن بجهد مهما يكن، ولا نبخل عليها بالحياة.
«مصر» هذه هي التي نراها في أنفسنا اليوم مستذلّة للسلطان الأجنبي، ونريد أن نراها في أنفسنا غداً أعزّ وأمنع وأكرم من أن يطمع فيها الطامعون.
كوكب الشرق في ١٤ – ٩ – ١٩٣٣.