Tag: الاستقرار

  • نوم | Slumber

    حديث الوادي
    عيسويات…
    نوم

    نعم نوم، ولعله أن يكون لذيذًا، وإن كانت الأحلام كثيرًا ما تروع الوزارة في هذه الأيام. ولكن نوم وزارة المعارف، فيما يظهر، عميق صفيق لا تبلغه الأحلام، ولا تصل إليه الحوادث، فإذا كان الصيف، ازداد هذا النوم صفاقة وعمقًا؛ لأن الراحة تضرب أطنابها حول الوزارة، وتبسط ظلها على الكبار والصغار من الموظفين.

    النوم العميق الصفيق وحده هو العلة المعقولة لإبطاء وزارة المعارف في إصدار حركة التنقلات لرجال التعليم الثانوي إلى الآن، فلعل وزارة المعارف تعلم أن الدراسة الثانوية ستبدأ يوم السبت المقبل، أي بعد ثلاثة أيام، ولعلها تعلم أنها لم تمضِ حركة التنقلات بين رجال التعليم الثانوي إلى الساعة التي نملي فيها هذا الكلام. ولعلها تعلم أن ثلاثة أيام ليست شيئًا يذكر إذا صدرت هذه الحركة اليوم، ليبلغ أمر النقل إلى المعلمين، ثم ليتخذ المعلمون لأنفسهم ما ينبغي من الأهب لتنفيذ هذا النقل. ومع ذلك فلسنا نلعب ولا نشتط على الوزارة، ولا نداعب المدرسين، ولا نفكه الجمهور حين نقول إن حركة التنقلات لم تصدر إلى الآن.

    وقد نتعب كثيرًا إذا التمسنا علة معقولة لهذا الإبطاء؛ فأشهر الصيف طوال يستطيع أن يأخذ منها كبار الموظفين لراحتهم، وأن يعطوا منها للعمل، وراحة المئات من المدرسين والألوف من أسر هؤلاء المدرسين ليست أهون على الدولة ولا أيسر على مصر من راحة نفر لا يبلغون العشرة من كبار الموظفين. فمن المعقول أن يستريح هؤلاء الموظفون الكبار شهرين، فإذا كان أغسطس أعدوا حركة التنقلات، فإذا كان سبتمبر أصدروها في أوله، ليجد رجال التعليم الثانوي أمامهم شهرًا، والشهر قليل، يتهيأون فيه للانتقال من مدينة إلى مدينة، ومن وجه إلى وجه، ومن عمل إلى عمل، ويهيئون فيه لأبنائهم وبناتهم ما يستتبعه هذا الانتقال من تبديل مدرسة بأخرى، ومن كل هذا العناء الذي أخذ رجال التعليم أنفسهم باحتماله في كل عام؛ لأن وزارة التعليم لا تزال مقتنعة بأن رجال التعليم يجب أن ينقلوا في كل عام، وأن يكونوا كقطع الشطرنج لا يستقرون في مكان إلا ريثما ينقلون عنه إلى مكان آخر.

    ولسنا نريد الآن أن نبين ما في هذا التنقيل الكثير لرجال التعليم من سخف ومن فساد التعليم نفسه، فقد نعود في غير هذا الفصل، وإنما نريد أن ننبه وزارة المعارف إلى أن هذا الشر التقليدي، الذي تحرص عليه أشد الحرص، دون أن تفطن لآثاره السيئة في التعليم نفسه، وفي حياة المعلمين وأسرهم، وفي أموال الدولة التي تنفق في كل عام على هذه التنقلات، نريد أن ننبه الوزارة إلى أن هذا الشر إذا لم يكن منه بد، فلا أقل من أن يخفف احتماله على الناس، وليس هناك ما يدعو إلى أن تضاعف الأمة أثقاله. فحسب رجال التعليم، أنهم يعيشون عيشة البدو وإن كانوا متحضرين، وأنهم ينقلون كما ينقل البدو في الصحراء، وإن كانوا يعيشون في بلد من طبيعته الاستقرار، وأن أحدهم يجب أن يرتب حياته على أنها مضطربة لا هدوء فيها ولا استقرار، وعلى أن الله قد كتب عليه أن يقضي عامًا في أقصى الصعيد، وعامًا في أسفل الأرض، وأعوامًا أخرى متنقلًا بين ذلك. حسب رجال التعليم هذا، وليس من الضروري ولا مما يصلح شؤون التعليم أن يترك المعلمون في حيرة عميقة منكرة يشاركهم فيها نساؤهم وأبناؤهم وبناتهم وذوو قرباهم، شهرًا كاملًا لا يعرفون أين يقضون العام، ولا كيف يستقبلون أيامهم، حتى إذا انقضى شهر سبتمبر أو كاد، صدرت إليهم هذه الأوامر الحازمة الحاسمة، كلفوا تنفيذها في سرعة ودقة معًا، فازدادت أمورهم اضطرابًا، وازدادت حياتهم فسادًا، وامتلأت نفوسهم سخطًا على العلم والتعليم، وعلى هذا الحظ الذي جعلهم معلمين.

    ليس شيء من هذا ضروريًّا، وإنما الضروري هو عكس هذا بالضبط؛ هو أن تتعب الوزارة ليستريح المعلمون، وليؤدوا واجبهم الوطني العظيم، في صدق وإخلاص، وفي رغبة وارتياح للعمل. وليس أخطر على أخلاق المعلمين والمتعلمين من أن يشعر رجال التعليم بأنهم أهون على كبار الموظفين من أن يضحوا في سبيلهم بشيء من الراحة، أو يتحملوا في سبيلهم عناء العمل والحر الشديد.

    فالمعلمون يعلمون، لا يشكون من الحر ولا من البرد، ولا يأبون تنفيذ ما يصدر إليهم من أمر قد يخالف مصالحهم ويضيع كثيرًا من منافعهم، وهم لا يأخذون على ذلك أجرًا ضخمًا، ولا مرتبًا فخمًا، كهذه الأجور والمرتبات التي يأخذها الوزراء وكبار الموظفين ليعملوا قليلًا، وليستريحوا كثيرًا، وليعملوا كما يحبون لا كما تحب المصلحة، وحاجة العمل في أكثر الأحيان.

    ليس من الضروري أن يسرف المراقبون في الراحة، ولا أن يسرف وزير التعليم في الاشتغال بغير أمور التعليم، ولا أن يذهب وكيل الوزارة إلى أوروبا ليقضي فيها أشهر الصيف، ولا أن يتردد سكرتير الوزارة بين القاهرة والإسكندرية كأنه يعمل وآثار عمله لا تكاد تظهر.

    ليس هذا كله ضروريًّا، وإنما الضروري الذي تفرضه المصلحة وتفرضه الأمانة ألا يأتي شهر سبتمبر إلا وقد علم رجال التعليم جميعًا أين يراد منهم أن يقضوا عامهم المقبل.

    فليتنبه لذلك رجال وزارة المعارف، وما نظنهم يفعلون. فالناس ينبهون لذلك في كل عام، ولكنهم عن هذا كله معرضون، ولو أني أعلم أن وزير التقاليد قادر على أن ينتصح بما أقدم له من نصح لأشرت عليه بألا يصدر حركة التنقلات في هذا العام؛ لأن وقتها قد انقضى، وبأن يدع رجال التعليم حيث هم، حتى لا يضطرهم إلى ما لا بد لهم منه، إن صدرت الحركة، من هذا العناء السخيف الثقيل.

    طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/٩/٢٥.

  • إنذار | A Warning

    إنذار
    كانوا[1] يخوضون في ألوان مختلفة من الحديث، فقال قائل منهم: زعموا أن من أكل السمك وشرب اللبن ثم دخل الحمام لم يخرج منه إلا مجنونًا. ولم ينكر على هذا القائل قوله من أصحابه — وكانوا كثيرين — إلا رجل واحد ألحّ في الإنكار والمماراة حتى ضاق به أصحابه، وحتى أقسم هو ليأكلن السمك، وليشربن عليه اللبن، وليدخلن بعد ذلك الحمام، وليخرجن منه موفور العقل، متزن الطبع، معتدل المزاج.
    ورآه الناس بعد ظهر ذلك اليوم يطوف في شوارع القرية، ويقف بأنديتها ومجالس أهلها عاريًا، قد جمع ثيابه كلها على رأسه، واندفع في ضحك مخيف وهو يقول: زعموا أن من أكل السمك وشرب اللبن ودخل الحمام لم يخرج منه إلا مجنونًا. وقد فعلت ذلك كله، أفترون عليّ أثرًا من آثار الجنون أو مظهرًا من مظاهر الاضطراب؟
    والذين يعرفون هذه القصة التي يتندر بها الناس إذا ذكروا أكل السمك وشرب اللبن ودخول الحمام، لا يملكون أنفسهم أن يذكروها ويضحكوا منها ويغرقوا في الضحك إذا رأوا صحف الوزارة في هذه الأيام، ولا سيما إذا رأوا «الاتحاد» التي ظهرت أمس، و«الشعب» التي ظهرت اليوم.
    فالاتحاد والشعب آمنتان كل الأمن، مطمئنتان كل الاطمئنان، واثقتان كل الثقة، تقضيان النهار في راحة المطمئن الآمن، وتقضيان الليل في نوم المستريح الهادئ، لأن الوزارة القائمة لا تتعرض لبأس، ولا تستهدف لمكروه، ولا تأتيها الاستقالة من بين يديها ولا من خلفها، ولا من يمين ولا من شمال، ولا تهبط من السماء، ولا تنجم لها من الأرض. هي مستقرة كاستقرار المقطم، ثابتة كثبات الأهرام. ولهذا لا تحفل «الاتحاد» ولا تحفل «الشعب» بهذيان المعارضين الذين يحلمون باستقالة الوزارة، ثم يخيل إليهم أن أحلامهم قد أصبحت حقًّا لا شك فيه.
    لا تحفل «الاتحاد» بهذا الهذيان ولكنها تكتب فيه أربعة فصول، ولا تحفل «الشعب» بهذا الهذيان ولكنها تكتب فيه ثلاثة فصول. لا تحفلان جميعًا بهذا الهذيان ولكنهما لا تشغلان إلا به. فإن زعمت بعد ذلك أن قصتهما لا تذكر بقصة هذا الذي أكل السمك وشرب اللبن ودخل الحمام ثم خرج كامل العقل، موفور الذكاء، مستقيم الطبع، معتدل المزاج، يثبت ذلك للناس بهذا البرهان الذي لا يقبل شكًّا ولا جدالًا، فيجرد جسمه ويستر رأسه، إن زعمت أن ليس بين القضيتين شبه فأنت في حاجة إلى أن تستأنف النظر في أصول علم البيان وما أُحصي من شروط التشبيه الصحيح.
    وهذه الفصول السبعة التي كُتبت في هذين اللسانين الرسميين من ألسنة الوزارة، فيها الطويل والقصير، وفيها الضيق والعريض، ولكنك على كل حال، وأياً كان كاتبها، وفي أي وقت ظهرت، لن تجد فيها ما يُغني وما يفيد، وما يُقنع بأن الوزارة ثابتة مستقرة آمنة مطمئنة، إلا إذا كان ذلك الذي أكل السمك وشرب اللبن ودخل الحمام قد أقنع الناس بأنه عاقل موفور العقل، ذكي موفور الذكاء. فلك أن تقرأ هذه الفصول إن أردت أن تلهو، ولك أن تهمل هذه الفصول إن كان وقتك أعز عليك من أن تنفقه في لهو الحديث، ولكن في جريدة «الشعب» فصلًا لم يُكتب لك ولم يُكتب لي، ولذلك ينبغي أن تقرأه كما قرأته أنا، أو ينبغي على كل حال أن تعرف خلاصة هذا الفصل، فهو خليق أن يُدرس وأن يُفكر فيه. لم يُكتب هذا الفصل لك ولا لي، وإنما كُتب للإنجليز.
    فإذا وجب عليك أن تقرأه متطفلًا، وجب عليّ أن أقرأه متطفلًا، فقد يجب على الإنجليز أن يقرؤوه مرة ومرة، وأن ينظروا فيه فيطيلوا النظر، وأن يتعمقوا فيه فيطيلوا الإمعان، فقد فتح الإنجليز على أنفسهم بابًا لست أدري أيستطيعون إغلاقه؟
    وبدأ الإنجليز يسلكون طريقًا لست أدري أيستطيعون المضي فيها؟ نقلوا مندوبهم السامي لأنهم راضون عنه، فهم يريدون ترقيته، أو ساخطون عليه، فهم يريدون تنحيته عن العمل في هذه البلاد. هذا حقهم لا ينازعهم فيه أحد، ولا يدافعهم عنه إنسان، ولكن الناس يتحدثون بأن الإنجليز قد تأمرهم نفسهم — والنفس أمّارة بالسوء — أن يتخذوا نقل المندوب السامي وسيلة إلى التغيير في سياستهم المصرية، وأن يكون هذا التغيير سببًا إلى استقالة الوزارة. وهذا هو الباب المنكر الذي فتحه الإنجليز على أنفسهم، ويجب أن يسارعوا إلى إغلاقه.
    وهذه هي الطريق المنكرة التي بدأ الإنجليز يسلكونها، ويجب أن يتحولوا عنها مسرعين، فإن الوزارة المصرية ليست من هذه الوزارات الهينة اللينة التي يقول لها الإنجليز: قومي فتقوم، أو اقعدي فتقعد، أو اصعدي فتصعد، أو انزلي فتسرع إلى النزول. إنما هي وزارة حرة مستقلة، ووزارة قوية عزيزة، ووزارة أبية منيعة، قد عرف رئيسها كيف يوقف الإنجليز عند حدودهم، ويضطر «مكدونالد» إلى السكوت والسكون. وما زال رئيسها هو «صدقي باشا» لم يتغير ولم يتبدل، ولم يسعَ إليه ضعف ولم يأخذه وهن، ولن يعجزه غدًا كما لم يعجزه أمس أن يقول لـ «مكدونالد»: مكانك، لا تخطُ خطوة واحدة إلى الأمام، فإني لا أسمح لك بذلك ولا آذن لك فيه.
    وإذن فخليق بالإنجليز أن يتدبروا وأن يتفكروا، وأن يغيروا مندوبهم السامي ما أحبوا، وينقلوه إلى حيث أرادوا، ولكن بشرط ألا يمسوا السياسة المصرية ولو من بعيد، وألا يعرضوا ببقاء الوزارة المصرية أو ذهابها، فذلك ليس من شأنهم وإنما هو من شأننا. وكل أجنبي يعرض لشؤوننا فلا يلومن إلا نفسه حين تنزل به النوازل، وتطيف به النوائب، وتحدق به الأخطار من كل مكان. والإنجليز أعقل من أن يلقوا بأنفسهم إلى التهلكة، وهم أحرص على كرامتهم أن تُهان، وعلى دمائهم أن تُراق، وعلى قوتهم أن تضعف، من أن يعرضوا للوزارة المصرية فيشيروا إليها بالاستقالة من قريب أو من بعيد. هم أعقل من هذا كله لأنهم يعلمون أنهم إن طلبوا ذلك لم يُجابوا إليه، وإن ألحوا في ذلك ففي مصر قوة تثبت لقوتهم، ولعلها أن تردهم خاسئين.
    وليس من شك في أن هذا المقال فيه شيء من ريح الحرب، ومن يدري؟ لعل الذي كتبه أن يكون مجاورًا لوزارة الحربية أو كثير التردد عليها والإلمام بها، فهو لذلك مستشعر القوة والعزة، مقدر حظ مصر من البأس والبطش، ومن الاستعداد للطوارئ والقدرة على رد المغيرين. وليس من شك في أن هذا المقال خليق لهذا كله أن يقرأه الإنجليز وأن يتدبروه ويتفكروا فيه قبل أن تحدثهم أنفسهم بالتعرض للشؤون المصرية والتلميح إلى تغيير السياسة المصرية.
    ثم ليس من شك في أن من الواجب علينا نحن المصريين أن نقرأ هذا الفصل ونتدبره؛ فالإنجليز قوم مغرورون، أظهر عيوبهم الصلف والكبرياء والاعتداد بالنفس، ومن يدري؟ لعل هذا التحدي الذي تتقدم به إليهم صحيفة من صحف الوزارة، بل صحيفة رئيس الوزراء، أن يغيظهم ويحفزهم ويدفعهم إلى قبول المعركة التي تُعرض عليهم، وإلى اقتحام الهول الذي يُردّون عنه. ومن يدري؟ لعلهم أن يشيروا إلى الوزارة بالاستقالة، فتأبى الوزارة، فيلح الإنجليز، فتغضب الوزارة، فتشب الحرب بين البلدين، وليست حرب الإنجليز سهلة ولا هينة. والمصريون قادرون عليها إن دعتهم الوزارة إليها، ولكن الحرب على كل حال خليقة أن يحتاط لها الناس. وإذن فينبغي أن نحتاط لنضمن الفوز ونأمن الهزيمة.
    أما الوزارة فمقال كاتبها يدل دلالة قوية على أنها متأهبة محتاطة، لا تخاف أن تؤخذ على غِرّة ولا أن تزول عن مواقفها، ولكن الأمة لم تُنبّأ بهذه الحرب ولم تُهيّأ لها، فلا بد من أن تحتاط منذ الآن، ولا بد من أن تستعد لآلام الحرب وآثامها. ونحن واثقون بشجاعة الأمة وصبرها على البأساء والضراء، واستعدادها لتأييد الوزارة وحمايتها بالأنفس والأموال.
    أرأيت أني لم أخطئ حين لخّصت لك هذا الفصل ودعوتك إلى التفكير فيه؟ فليس ينبغي أن يقرأه الإنجليز وحدهم فيستعدوا للهجوم، وأن يجهله المصريون وحدهم فلا يستعدوا للدفاع. والآن وقد قرأ الإنجليز هذا الفصل، وعرف المصريون خلاصة ما فيه، فالعالم بين اثنتين: إما أن يثوب الإنجليز إلى رشدهم فيؤثروا العافية ويجنحوا إلى سلم، ويدعوا الوزارة تصرف أمور مصر على أحسن حال في حرية واستقلال، وإذن فالعالم مطمئن راض، وإما أن تأخذهم العزة والكبرياء فيدخلوا فيما لا يعنيهم، ويعرضوا لما لا ينبغي أن يعرضوا له، وإذن فأربعون قرنًا أو تزيد تنظر إلى المصريين من أعلى قمم الأهرام، ولن يكذب المصريون ظن هذه القرون. ولكن ويل للعالم من هذه الحرب المنكرة، وهل فرغ العالم من تلك الحرب الكبرى وآثارها ليتورط في حرب أخرى أعظم منها شرًا وأقبح آثارًا؟
    وبعد، فحديث مطمئنين هذا الكلام الذي نشرته صحيفة الوزارة، أم حديث قوم فقدوا الاطمئنان وفقدوا مع هذا الاطمئنان شيئًا آخر؟ وبعد، فحديث صحيفة تعبر عن وزارة قائمة هذا، أم حديث قوم يهذون ولا يقدرون ما يقولون؟ وبعد، فهل بلغ من ضعف الوزارة واستسلامها وإذعانها للأحداث وتصاريف الخطوب أن تدع كتابها يدافعون عنها بمثل هذا اللغو، ويذودون عنها بمثل هذا الهذيان؟ وبعد، فقد آثرت الوزارة الصمت، وهو خير ما تؤثره، فهلا أمرت كتابها أن يؤثروا الصمت عن هذا الموضوع وأن يخوضوا في غير هذا الحديث؟ فإذا لم يكن بد من أن يقولوا فيه، فهلا أمرتهم الوزارة أن يقولوا ما لا يضحك وما لا يدعو إلى هز الرؤوس ورفع الأكتاف؟
    وبعد، فماذا تخاف الوزارة وماذا يخاف أنصارها؟ وأي بأس عليها وعليهم من أن يصيبها ما يصيب الوزارات كلها؟ فكل وزارة ذائقة الاستقالة، والمناصب — كما تقول «المقطم» — تقليد لا تخليد. وما دام في الناس رمق من الحياة فلهم حظ من أمل، فلتصبر الوزارة على ما يمكن أن يلم من خطوب، ولتأمل الوزارة فيما يمكن أن يتاح من خير، فلم يقل أحد من خصومها ولا من أنصارها — بالطبع — إن الإنجليز سيأمرونها بأن تستقيل، ومتى أمر الإنجليز وزارة مصرية بأن تستقيل؟ لم يفعلوا ذلك قط، لا في أيام الاحتلال، ولا في أيام الحماية، فهم أجدر ألا يفعلوه في أيام الاستقلال. لم يكن إليهم في يوم من الأيام إقالة الوزارات المصرية أو توليتها، فلتطمئن الوزارة وليطمئن أنصارها، فلن يكون عليها — إن شاء الله — بأس من الإنجليز، ولن يأمرها الإنجليز بأن تستقيل، ولن تحتاج إلى أن تقاوم الإنجليز، ولا أن تأبى الإذعان لهم.
    ولكن من الذي زعم أن الوزارات المصرية لا تستقيل إلا إذا صدر إليها بذلك الأمر من الإنجليز؟ ما أسخف هذا الإنذار الذي ازدانت به «الشعب» صباح اليوم!
    [1] كوكب الشرق في ١٧-٨-١٩٣٣.
    [2] قالت صحيفة الأهرام (١٨ – ٨ – ١٩٣٣) ما نصه: جاء في التصريح الذي فاه به المستر مكدونالد رئيس الوزارة البريطانية في لندن أن الحكومة البريطانية أرسلت تعليمات إلى السير برسي لورين المندوب السامي في مصر، يطلب منه فيها أن يبلغ صدقي باشا رئيس الوزراء أنها تعدّه مسؤولًا عن حماية أرواح الأجانب وممتلكاتهم في مصر. وأن السير برسي كُلِّف أيضًا بإبلاغ النحاس باشا أنه يجب حل مشاكل مصر الداخلية بدون أن تتعرض أرواح الأجانب ومصالحهم للخطر، وأنها تعدّه مسؤولًا مع الحكومة إذا تعرضت تلك المصالح والأرواح للخطر. وقد أبلغ فخامة المندوب السامي هذا التصريح لحضرة صاحب الدولة إسماعيل صدقي باشا رئيس الوزراء، وقد دُعي دولته وسعادة الدكتور حافظ عفيفي باشا لتناول الغداء في دار المندوب السامي. وفي هذا اللقاء تم وضع رد الوزارة على تصريح مستر مكدونالد، ومما جاء فيه: ترى الحكومة المصرية — ولم يكن يسعها إلا أن ترى — في التبليغ الذي تفضلتم بإرساله أن الموقف الذي اتخذته الحكومة البريطانية أخيرًا لا يكاد يتفق مع تصريحاتها المتكررة بأنها «ستراعي بالنسبة لمسائل مصر الداخلية مقتضيات الحياد الدقيق». فإذا كانت الحكومة البريطانية تقف على الحياد، ولا تتدخل في الشؤون الداخلية المصرية، فكيف نوفق بين هذا الزعم وتصريح إسماعيل صدقي باشا المنشور في صحيفة البلاغ (٢ – ٩ – ١٩٣٣) وهو: «كل ما أرجوه أن يتابع المندوب السامي الجديد سياسة السير برسي لورين، ألا يحدث أي تبدل في السياسة الإنجليزية، لأن السياسة الحاضرة توافق مصر»؟

  • آمال | Hopes

    آمال
    بدا لرئيس الوزراء فاستبدل سفينة بسفينة، وقدم عودته يومين بعد أن قدمها نصف شهر. ولعل رئيس الوزراء أن يبدو له مرة أخرى فيستبدل سفينة بسفينة، ويقدم عودته ساعات أو يقدمها يوما أو يقدمها يومين أو أياما. فقد يظهر أن الحاجة إلى الإسراع ملحة، وقد يظهر أن الضرورة إليه ماسة، وقد يظهر أن صحة الرئيس لو سمحت له أن يطير بجناح أو جناحين أو أجنحة لما تردد في العودة على متن الهواء مكان العودة على متن الماء.
    والناس لا ينتظرون من هذا الإسراع والرغبة فيه والإلحاح في هذه الرغبة خيرا، ولا يلقون هذا النحو من التعجل بما ينبغي من التفاؤل والاستبشار. فهم كانوا يعلمون أن وزيرهم الأكبر مستريح إلى الجو الأوروبي، محب للاستمتاع بما فيه من هواء وماء، ومن اعتدال يبعث النشاط ويدعو الشفاء. فلما علموا أنه قد كره هذا الجو فجأة وزهد فيه على غير انتظار، لمسوا لذلك العلل، وبحثوا عن الأسباب فلم يجدوا شيئا في حياة مصر، ولا في حياة الوزارة يدعو إليه أو يبعث عليه.
    وقد قال قائلهم إن الرئيس كان شديد الرغبة في العودة إلى مصر منذ وقت طويل لأسباب منها ما يمس الحياة المصرية، ومنها ما يمس الحياة الدولية. فقد راعته قصص التبشير والمبشرين، وكأن سياسة الوزارة في هذه القصة لم تبلغ من نفسه كل الرضا، فهو حريص على أن يشرف عليها بنفسه من كثب، لتنبت الملاجئ في الأرض كما ينبت الزرع، ولكن في غير ريث ولا إبطاء، ولتغلق بعض المعاهد التي لم تستطع الوزارة إغلاقها إلى الآن.
    وقد عرف رئيس الوزراء أن اضطراب الأمن قد ازداد حتى أصبح مقلقا مزعجا، وأن سياسة الوزارة في إقراره وتهدئة نفوس الناس هؤلاء لم تبلغ من نفسه كل الرضا، فأراد أن يشرف على هذه السياسة بنفسه من كثب، لتستقر قلوب الناس في صدورهم، وعقول الناس في رؤوسهم، ولتجري دماء الناس في عروقهم دون أن تخاف أن تنشق عنها هذه العروق.
    وعرف رئيس الوزراء فيما يظهر قصة هذه السحابة التي خرجت من بلاد اليمن فأظلت بلاد العرب كلها، وأخذت بروقها ورعودها تنذر بالويل في النهار والليل، وتنبئ الناس بأن حربا ضروسا قد تشب بين الملكين العربيين، فتذيق المسلمين من آثارها شرا عظيما، ونكرا شديدا ونكدا مقيما. فأثر رئيس الوزراء أن يسرع في العودة إلى مصر، لتسعى الوزارة المصرية بين الملكين بالصلح كما سعى هرم بن سنان بين عبس وذبيان، أو لتدبر الوزارة المصرية لمصر حيادا حازما صارما شريفا بين الملكين المختصمين إن لم توفق إلى فرض التحكيم والسلام.
    ورأى رئيس الوزراء فتنة الآشوريين في العراق وما نجم عنها من الخلاف بين العراق وفرنسا، فأزمع العودة السريعة إلى مصر ليدخل بين الخصمين مدخلا حسنًا ينتهي بهما إلى الوفاق، ويريحهما من مشقة الاحتكام إلى عصبة الأمم في جنيف.
    قال قائل من الناس هذا الكلام وأشباهًا لهذا الكلام ليرد عن الناس هذا الخوف الذي غشيهم من تعجل الرئيس في الرجوع إلى مصر، وليلقي في روع الناس أن الرئيس مقبل عليهم بالخير كل الخير، والأمن كل الأمن، والبقاء في منصب الحكم إلى أن تمحى المعارضة محوًا، ويصبح الوفد حديثًا من حديث التاريخ. ولكن الناس كانوا يسمعون هذا الكلام بأذن ويخرجونه من أذن أخرى، ويقولون إن قصة التبشير قد طال عليها العهد، وبعد بها الأمد، وإن فساد الأمن قد طال عليه العهد وبعد عليه الأمد، فلو قد شاء الرئيس أن يعود لهذين الأمرين أحدهما أو كليهما لعاد منذ أمد بعيد.
    وما علمنا أن لمصر في جزيرة العرب ناقة ولا جملا، وما علمنا أن الوزارة المصرية تدخل بين المختصمين وغير المختصمين من المسلمين أو غير المسلمين. إنما مصر مقصورة على نفسها، مشغولة بهمومها الطارئة والمقيمة. فلن يعود رئيس الوزراء ليسعى بالصلح بين نجد واليمن، أو ليحمل الوفاق بين فرنسا والعراق. إنما يعود رئيس الوزراء ويسرع في العودة لأن حادثًا حدث لا ينبئ بخير.
    وهذا الحادث لم يأت من قبل الشرق ولا من قبل الجنوب، وإنما جاء من بلاد الإنجليز. وأي حادث جاء من بلاد الإنجليز إلا نقل المندوب السامي من القاهرة إلى أنقرة؟ فالناس إذن ملحّون في أن عودة رئيس الوزراء موصولة بنقل المندوب السامي، لا يريدون أن يغيروا رأيهم في ذلك، ولا أن يقبلوا فيه نصحًا ولا مشورة. ويظهر أن الوزارة، أو البيئات الوزارية على أقل تقدير، قد أحست خوف الناس هذا وأشفقت منه عليهم وعليها، فهي آمنة مطمئنة، لا تتعرض لخوف ولا تستهدف لمكروه.
    أحست خوف الناس وأشفقت عليهم منه، فأرسلت طيرًا تحمل إليهم الهدوء وتظلهم بأجنحة فيها الأمن والدعة، وفيها الطمأنينة والرضا. وقد أخذت هذه الطير تظهر في جو مصر منذ أمس، فتحدثت صحيفة من صحف المساء بأن المندوب السامي قد نقل، ولكن نقله ليس تامًا ولا كاملًا، وأنه سيذهب إلى أنقرة ولكن بعد أن يمر بمصر ويقيم فيها شهورًا ينهض في أثنائها بأعماله كلها كأن لم يكن نقل ولا ما يشبه النقل.
    فالمندوب السامي منقول ولكنه ثابت، مرتحل ولكنه مقيم، مفوض عند الترك، ولكنه مسلط على مصر. ومعنى هذا أن أمام الوزارة التي يحبها الناس ويفتدونها بالأنفس والأموال فسحة من الوقت وسعة من الحياة، فهي لن تدع الناس فجأة، ولن تخطف من بينهم كما خطف رئيس الوفد من بين أهل الصعيد في قطار سريع، ولكنها ستودعهم فتطيل الوداع، وستقدم إليهم وتقبل منهم من الهدايا ما تدوم به الذكرى ويتصل به الود.
    ومن يدري؟ لعل هذه الأشهر التي سيقيمها المندوب الثابت المنقول بيننا أن تكون فيها المفاوضة التي لا ريب فيها، وتمضي فيها المعاهدة التي لا بد منها. ثم يفترق الصديقان، رئيس الوزراء ومندوب الإنجليز، وقد أتما في آخر عهدهما بحياة أخرى ما لم يستطيعا أن يتمّاه حين كان السعد مقبلًا، والنشاط موفورًا، وأسباب القوة والبأس والسلطان ممدودة إلى أقصى غاية وأبعد مدى.
    وتحدثت صحيفة أخرى من صحف الصباح اليوم، نظنها «الأهرام»، وهل يصدر مثل هذا الحديث إلا عن «الأهرام»؟ تحدثت بأن رئيس الوزراء لا بأس عليه من مرض، ولا بأس عليه من استقالة، وبأنه قد اتصل دائمًا بالوزارة في مصر، وصرف دائمًا أمورها من بعيد، وأنه قد اشتاق إلى أن يدنو منها حتى يصبح قاب قوسين أو قاب إصبعين، ولهذا تعجل العودة، وهو مصمم على أن يمضي في طريقه بعد عودته، لا ينحرف عنها إلى اليمين ليستريح، ولا ينحرف عنها إلى الشمال ليستقيل، ولا يعنيه أن يذهب مندوب ويجيء مندوب، فالمندوبون كلهم عنده سواء.
    نشرت صحيفة أخرى من صحف الصباح، نظنها صحيفة «الشعب»، شيئًا آخر أجلَّ خطرًا، وأبعد أثرًا، وأدلَّ على ثبات القلوب واستقرار النفوس من هذا الذي أشرنا إليه ونشرته «المقطم» أمس و«الأهرام» اليوم. فقد زعمت «الشعب» أنها تحدثت إلى وزير، نعم إلى وزير، وإلى وزير مختص لا ينبغي التحدث إلى غيره في مثل هذا الموضوع، وهو وزير الخارجية الجديد. تحدثت إليه «الشعب» وتحدثت إليه «الاتحاد». فرأت «الشعب» ورأت «الاتحاد» أن وزير الخارجية لا يعلم من أمر المندوب السامي ونقله شيئًا أكثر مما تعلم «الشعب» وتعلم «الاتحاد» ويعلم مثلك ومثلي من قراء الصحف.
    وكان هذا الحديث من أشد الأحاديث نشرًا للاطمئنان السياسي في الجو المصري. وكيف لا نطمئن على بقاء الوزارة وثباتها، وعلى أن نقل المندوب السامي أمر عادي هين يسير ضئيل لا خطر له؟ وقد ظهر أن علم الوزراء به كعلم قراء الصحف، لا ينقص ولا يزيد. ولو قد كان له خطر ولو يسير لاستشيرت فيه الوزارة قبل أن يحدث، وهل رأيت دولة تغير ممثلها في بلد من البلاد دون أن تتفق مع الوزارة القائمة في هذا البلد؟ ولو قد كان له خطر ولو ضئيل لأنبئت به الوزارة بعد حدوثه. وما دامت الوزارة لم تُسأل فيه ولم تُنبَأ به فهو أمر لا خطر له ولا شأن.
    وأحمد من هذا في نشر الاطمئنان وتأمين الناس على بقاء الوزارة المحبوبة أن «الشعب» سألت وزير الخارجية، وسألته معها «الاتحاد»: هل صحيح ما تقوله بعض الصحف الإنجليزية من أن نقل المندوب السامي لا يدل على تغيير السياسة الإنجليزية في مصر؟ فأجاب الوزير بهذا الجواب الطريف الذي لا يصدر إلا عن وزراء الخارجية، والذي يصور الثقة كل الثقة، والأمن كل الأمن، والاطمئنان كل الاطمئنان. أجاب: ولم لا يكون صحيحًا؟
    وكان جواب الوزير سؤالًا، وكان من الحق أن تجيب عليه «الشعب» وأن تجيب عليه «الاتحاد»، ولكنهما لم تفعلا، لأن علم هذا السؤال وجواب هذا السؤال ليس عندهما ولا عند وزير الخارجية، ولا عند الصحف الإنجليزية، وإنما هو عند قوم آخرين لم يفصحوا عنه بعد، ولعلهم يفصحون عنه بعد أن يعود رئيس الوزراء.
    ومهما يكن من شيء فقد مضت هذه الطير التي أخذت تُرسل في الجو منذ أمس لتطمئن الناس على بقاء الوزارة وتملأ قلوبهم هدوءًا واستقرارًا. وأكبر الظن أن طيرًا أخرى سترسل في أثر هذه الطير. وأنك لن تسمع بعد أيام إلا صيحة تملأ الجو المصري وتصم الآذان المصرية، وهي أن الوزارة لم تكن في يوم من الأيام أقوى منها في هذه الأيام. وكذلك يصدق الشاعر القديم حين يقول:
    وما أضيق العيش لولا فسحة الأمل
    وتصدق الشاعرة القديمة حين تقول:
    ولولا كثرة الباكين حولي … على إخوانهم لقتلت نفسي
    وكل ما نرجو هو أن يخلص الجو المصري، ولو أيامًا، لطير الأمل هذه، وألا تظهر فيه طير أخرى ترسلها صحف الإنجليز أو وزارة الخارجية الإنجليزية، منذرة باليأس، وداعية إلى القنوط، ومهيبة ببعض الأنصار والأولياء لينجو من استطاع النجاة.
    كوكب الشرق في ١٦-٨-١٩٣٣.

  • اطمئنان | Reassurance

    اطمئنان
    إن مركز الوزارة الصدقية لم يكن في وقت من الأوقات أقوى وأمتن مما هو الآن، فهي تتمتع بعطف جلالة الملك ورعايته كما تتمتع في الوقت نفسه بثقة البرلمان التامة.
    على أن أحوالاً وظروفاً خاصة قد تفضي إلى تعديل في الوزارة، إذ ليس ثمة وزارة يمكن أن تبقى في مركزها على الدوام.
    لا بأس على رئيس الوزراء من أن يجمع بين هذين النقيضين في حديث قصير جداً، تقرؤه في دقيقتين اثنتين؛ فرئيس الوزراء متعب لا جناح عليه إن جمع بين النقائض، ورئيس الوزراء نابغة لا حرج عليه أن يجمع بين النقائص.
    والواقع أن التأليف بين الأضداد، والجمع بين النقائض شيء لم يبحه الله إلا للمتعبين الذين يعييهم التفكير المستقيم، أو النابغين الذين يخرجون من أطوار الناس ويتحدثون بما لا يفهم ولا يحتمل التفسير.
    ورئيس وزرائنا نابغة ما في ذلك شك ولا ريب. ورئيس الوزراء كان مريضاً وقد برئ من هذا المرض والحمد لله، ولكنه متعب مكدود ما في ذلك شك. وآية ذلك — إن كنت في حاجة إلى آية — أن الأخبار قد استفاضت به فلم ينكره أحد، وأن الإجماع كان قد انعقد على أن رئيس وزرائنا سيستقبل في حفل عظيم، وسيلقى خطبة سياسية جامعة حين يعود سالماً موفوراً إن شاء الله. ثم أصبحت خطبته السياسية شكاً من الشك، ولوناً من ألوان الريب. ثم أقبل سكرتيره يتقدمه بأسبوع عجلان مسرعاً، فزار أشخاصاً بارزين من أساطين العهد السعيد، ولم يمضِ على مقدمه ليل كامل — نستغفر الله — بل ساعات حتى أصبح الحفل العظيم شكاً من الشك، ولوناً من ألوان الريب، وقيل إنه أجل إلى غير أجل. وكانت الوفود قد هيئت وأخذت تحزم أمتعتها فيقال لها: مكانك تحمدي أو تستريحي.
    وكانت الخطب قد حبرت أو أخذ في تحبيرها فسيقال لها: انحلي انحلالاً، وليذهب كل لفظ من ألفاظك إلى حيث كان، وليذهب كل معنى من معانيك إلى معدنه الكريم الذي خرج منه، فلا استقبال ولا احتفال ولا استباق في حلبة الفصاحة والبيان، لأن رئيس الوزراء متعب يريد أن يستريح فلا ينبغي أن يُشق عليه، ولأن رئيس الوزراء قد برئ من مرضه ولكنه حريص، ومصر حريصة معه على أن يقف ما أنعم الله به عليه من الصحة لتصريف الشؤون العامة، واستنقاذ البلاد من هذه الأخطار المحدقة التي تأخذها من كل مكان.
    رئيس وزرائنا نابغة ما في ذلك شك، ورئيس وزرائنا متعب ما في ذلك شك. ولأحد هذين السببين أو لهما جميعاً استطاع رئيس وزرائنا أن يلائم بين الأضداد، ويجمع النقائض، ويعلن إلى مكاتب الأهرام أمس أن مركز الوزارة الصدقية لم يكن في وقت من الأوقات أقوى وأمتن مما هو الآن، ويعلن إلى مكاتب الأهرام في الوقت نفسه وفي الحديث نفسه أن أحوالاً وظروفاً خاصة قد تفضي إلى تعديل في الوزارة، إذ ليس ثمة وزارة يمكن أن تبقى في مركزها على الدوام.
    فالوزارة إذن قوية إلى غير حد، ومركزها متين إلى غير حد، ولكنها مع ذلك قد تعدل لأن بقاء الوزارات على الدوام في مركزها أمر لا سبيل إليه. كلام يفهمه المتعبون أو يفهمه النابغون. أما أنت فلست متعباً ولا نابغة ولست أنا أشد منك تعباً ولا أدنى منك إلى النبوغ، فلنا العذر كل العذر إذا لم نفهم هذا الكلام على وجهه، ولم ننتهِ منه إلى النتيجة التي أرادها صاحبه، وهل أراد صاحبه شيئاً؟ مثلي ومثلك من الذين أعفاهم الله من المرض والتعب إلى حين، ولم يتح لهم التفوق والنبوغ، إذا سمع مثل هذا الكلام هز رأسه ورفع كتفيه ومد شفتيه مغضباً لمخالفة أحكام العقل، أو قبض شفتيه باسماً للخروج عن أصول التفكير المستقيم، ثم غشيت وجهه سحابة رقيقة فيها ألم للمتعبين وإعجاب بالنابغين، لأن الوزارة القوية إلى غير حد، المتينة إلى غير حد، التي لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي الآن، لا يحتمل تعديلاً ولا تبديلاً، ولا تتعرض لتغيير أو تحوير، وإنما تفرضها قوتها على الناس والأيام والظروف فرضاً حتى يأتيها الضعف من بعض نواحيها. فإذا أتاها هذا الضعف لأن رئيسها مريض قد طال مرضه، أو لأن سياستها قد أخفقت إخفاقاً معيباً، أو لأن صديقاً من أصدقائها الأعزاء قد اضطر إلى الرحلة منقولاً أو معزولاً، فهي حينئذ محتاجة، لا إلى ما يسميه الناس التعديل، بل إلى ما يسمونه التغيير، لا إلى ما يسميه الناس تبديلاً في بعض الأشخاص، بل إلى ما يسمونه استقالة، وقيام وزارة أخرى مقامها. وكل شيء يدل عندك وعند الموظفون وعند أمثالنا من الذين لا يزال الله يحفظ عليهم شيئاً من الصحة ويحرمهم نصيباً من النبوغ، على أن وزارتنا في موقف من هذه المواقف الذي يجعل التغيير والاستقالة أمراً لا بد منه، وحتماً لا منصرف عنه؛ فرئيس وزرائنا قد طال عليه المرض وهو قد برئ منه الآن ولكن ليستريح، لا ليستأنف النشاط السياسي فوراً.
    وسياسة وزارتنا قد أخفقت إخفاقاً معيباً، فلا هي كسبت خصومها بحسن السياسة، أو بالإغراء، ولا هي قهرت خصومها بسعة الحيلة أو بالإسراف في البطش وألوان العنف، وإنما هي اليوم كشأنها يوم قامت منذ أكثر من ثلاثة أعوام أمام شعب قوي حازم، لا يعبث الآن كما لم يكن يعبث من قبل في مطالبته بالحق وإلحاحه فيه وحرصه على أن يحكم كما يريد هو، لا كما يريد غيره مهما يكن من الناس.
    نعم، وأخفقت الوزارة في غير ذلك مما عرضت له من الشؤون، فالأزمة تشتد وتشتد حتى تكاد تضطر الشعب كله إلى الجوع. والأمن يختل حتى يكاد يضطر الشعب كله إلى الاستخفاء إذا كان الليل. والأجنبي يطغى حتى يعبث فريق من المبشرين في غير حرج ولا جناح بأبناء الشعب وبناته، وحتى تتألب أوروبا علينا الآن لتكرهنا على أن نؤدي فوائد الدين ذهباً، لا ورقاً، مع أنها تخلصت هي من عبء الذهب، ومن دولها من تخلص من عبء الدين كله أو بعضه، وحتى أصبحنا غرباء في بلادنا، تعبث بنا الشركات كما تريد، وتضطر عمالنا إلى الجوع والسؤال. والوزارة تنظر إلى ذلك باسمة مطمئنة، والقوانين تشرع ثم لا تحترم، بل يتجاوز الوزراء أنفسهم حرمات هذه القوانين. والموظفون يشهدون من ألوان المحاباة والإيثار ما يفسد عليهم كل شيء وينزع من قلبها الثقة والأمل، ويبث بينهم العداوة والبغضاء. وكل شيء في مصر قد فسد حتى بلغ من الفساد أقصاه أو كاد يبلغه حتى لو قال قائل إن هذه الوزارة إنما قامت لتحليل الشعب وإظهار ما فيه من مواضع الضعف وتعريضه لكل ألوان الشر لما أخطأ ولا جار عن قصد السبيل. ولم تأخذ مصر لهذا الشر العظيم والخسران المبين ثمناً قليلاً أو كثيراً، فما زال الإنجليز كما كانوا، لم يفاوضوا ولم يعاهدوا، ولا أظهروا رغبة في المفاوضة أو المعاهدة. وإنما غلوا في التسلط على مصر سراً وجهراً، فحققوا ما أرادوا من المأرب وردوا مصر إلى مكان البقرة الحلوب من الشره والنهم الذي لا يروى مهما شرب، ولا يشبع مهما أكل، ولا بد له من أن يحلب ويحلب، ومن أن يمرى ويمرى حتى يخرج إليه لبن البقرة مشوباً بالدم.
    أفتظن أن هذه الحال هي التي جعلت وزارة صدقي باشا اليوم من القوة والمتانة بحيث لم تكن في يوم من الأيام؟ أم تظن أن هذه الحال هي التي جعلت وزارة صدقي باشا معرضة للتغيير، لأن بقاء الوزارات في مراكزها على الدوام لا سبيل إليه؟
    كلا الأمرين قاله رئيس الوزراء، وكلا الأمرين يؤمن به رئيس الوزراء فهو يرى أن وزارته لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي الآن. وهو يرى أن وزارته قد يصيبها التعديل. وأكبر الظن أنه لا يريد أن يجيب على سؤال لم يكن بد من أن يجيب عليه. ويقول كلاماً لم يكن بد من أن يقوله. فأما الحق الذي لا شك فيه فهو أن الأمر قد خرج من يد صدقي باشا، لأنها لم تبق قادرة على ضبطه وتصريفه.
    وأظرف من هذا التناقض ما يقوله رئيس الوزراء من أن وزارته مستمتعة بثقة البرلمان. هي إذن قوية إلى غير حد، متينة إلى غير حد. فأما ثقة البرلمان فسيستمتع بها صدق باشا ما أقام في الحكم. وأما ثقة جلالة الملك فقد نحب أن نعلم كيف يجمع رئيس الوزراء بين استمتاعه بها وبين إعلانه أن وزارته قد يصيبها التعديل، لأن بقاء الوزارة في مراكزها على الدوام شيء لا سبيل إليه.
    وكم نحب لصدقي باشا وزملائه وأنصاره أن يقتصدوا في ذكر جلالة الملك وثقته بهم وعطفه عليهم، فنحن نعلم حق العلم أن الشعب المصري نفسه مستمتع بحب جلالة الملك له، وعطف جلالة الملك عليه، وإيثار جلالة الملك لمنافعه على الوزراء وبقائهم في مناصب الحكم. فخير الوزراء أن يرفعوا ثقة جلالة الملك عن هذه الأحاديث السياسية التي هي بطبعها موضوع للمناقشة والجدل.
    وظريف من رئيس الوزراء تأكيده أن تغيير المندوب السامي لن يغير السياسة الإنجليزية. هذا ظريف لأن رئيس الوزراء يسلك في هذا التأكيد مسلك زميله الذي خطب في حزب الشعب منذ أيام فأعلن أن المندوب السامي لم ينقل لأسباب سياسية، وإنما نقل لعامل شخصي محض. وهذا رئيس وزرائنا يعلن إلى مكاتب الأهرام أن لديه أوثق تأكيد بأن سياسة وزارة الخارجية البريطانية لم تتغير. فسياسة وزارة الخارجية البريطانية هي هذه الدائرة التي تدور فيها منذ الثورة. وهذه الدائرة ما زالت قائمة لم تنفرج بعد، وما تزال وزارة الخارجية البريطانية تدور فيها. فإذا كانت هذه السياسة ثابتة باقية فإن ثباتها لا يستلزم بقاء الوزارة القائمة، ولعله يستلزم ذهابها كما استلزم ذهاب المندوب السامي، لأن وزارة الخارجية تدور، وقد قطعت من دائرتها مكان صدقي باشا والسير برسي لورين. فإذا كان رئيس الوزراء يظن أن ما لديه من التأكيدات يخدع أحداً، فهو مخطئ، فإن هذه التأكيدات لا تخدع إلا الذين يتعلقون بأهداب الوهم. ورئيس الوزراء نفسه غير مخدوع بهذه التأكيدات فهو يعلن أن وزارته القوية المتينة قد يصيبها التعديل لأن بقاء الوزارات في مراكزها على الدوام شيء لا سبيل إليه.
    ما أجدر رئيس الوزراء وأصحابه أن يأخذوا بحظهم من الشجاعة وأن يؤمنوا للحق الواقع ويعترفوا به؛ فقد أخفقت سياستهم وسياسة المندوب ولا بد من تغييرهم كما تغير المندوب. والأيام حازمة صارمة، لا تعرف ضعفاً ولا تردداً، ولا تعرف رحمة ولا إشفاقاً. وهي ممضية حكمها فيهم كما أمضته في المندوب، لا يعنيها أن يرضوا بذلك أو يسخطوا عليه. فليطمئن رئيس الوزراء فإن الأيام مطمئنة أيضاً.
    كوكب الشرق في ٣٠ – ٨ – ١٩٣٣.


  • ثقة | Trust

    ثقة
    لكل ظاهرة من ظواهر الحياة الاجتماعية أصولها المعروفة، وعاداتها الموروثة، وقواعدها التي يلزمها الناس ولا يحيدون عنها إلا أن تضطرهم إلى ذلك ضرورة ملجئة. فإذا أقام حزب الاتحاد حفلًا لوداع وزير التقاليد وكان من الأصول أن تثور حفيظة حزب الشعب فيقيم حفلًا لوداع وزير من وزرائه كوزير الزراعة مثلًا، وكان من الأصول أن يكون الحفل الشعبي أضخم وأفخم من الحفل الاتحادي. وإذا أشرف رجل من رجال المال على الإفلاس وما يستتبعه الإفلاس كان من الأصول أن يخيل إلى الناس أنه لم يكن في يوم من الأيام غنيًا مثريًا موفور الحظ من الغنى والثروة كما هو في هذه الأيام. وما أسرع ما يقيم الحفل ويدعو إليه ويسرف في تجميله وتزيينه، ويغلو في إكرام المدعوين والترفيه عليهم وإمتاعهم بفنون من لذات الحياة، حتى إذا أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح كما يقول العامة قرأ الناس في الصحف أن صاحب الحفل قد فتح لنفسه طريقًا يمضي فيها الناس فلا يرجعون أو عجز عن أن يفتح لنفسه هذه الطريق ففتحت له الحكومة طريقًا أخرى إلى دار من تلك الدور التي تضيف المفلسين. وإذا أحست وزارة من الوزارات من نفسها ضعفًا، أو فتورًا، وشعرت بأن كرسيها يهتز فلا تكاد تثبت، وأن الأرض من تحت أقدامها تضطرب، حتى لكأنها تريد أن تزول، وأن نفوسًا قد انصرفت عنها ونفرت منها، وانحرفت عن طريق إلى طريق أخرى، وأن ألسنة قد انطلقت فيها بغير ما كانت تؤثرها به من الثناء والإطراء، ومن التشجيع والإغراء.
    إذا أحست وزارة هذا، أو شيئًا يشبه هذا من قريب أو بعيدٍ أظهرت القوة والبأس، وأعلنت الفتوة والبطش، وتحدثت فأسرفت في الحديث بأنها لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي في هذه الأيام التي يطيف بها الضعف فيها من كل مكان، ويسعى إليها الفتور فيها من كل نحو، ويأخذها الإفلاس فيها من كل طريق، حتى إذا أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح كما يقول العامة، نظر الناس فإذا استقالة مرفوعة أو إقالة موضوعة،
    وإذا وزارة تذهب وأخرى تُجْبَى. وأنا مؤمن أشد الإيمان بقوة الوزارة القائمة في مصر، مطمئن أشد الاطمئنان إلى ما تملك من حول وطول، وما تصرف من بأس وبطش، عالم حق العلم أن شيئًا في مصر لا يعجزها، واثق كل الثقة بأنها لم تكن في يوم من الأيام أقوى منها أمس، وأقوى منها اليوم، وأقوى منها غدًا!!
    ولست في حاجة إلى أن أقيم لنفسي أو لغيري على ذلك دليلًا، فما زال الوزراء يذهبون إلى مكاتبهم ويعودون إلى بيوتهم ويقيم بعضهم في مصر ويرحل بعضهم إلى أوروبا. وما زال الناس يصرفون عن الوفد ورئيس الوفد بقوة الشرطة وبأس الجند. وما زال لدى الوزارة عدد وعدة تسخرهما متى شاءت في تفريق الشعب إن اجتمع وإسكات الشعب إذا نطق، ورد رئيس الوفد وأصحابه إن تحدثت إليهم أنفسهم برحلة لا ترضاها الوزارة ولا تميل إليها. فالدليل قائم – والحمد لله – على قوة الوزارة، والبرهان ناطق – والحمد لله – ببأس الوزارة. وإنا نؤمن بهذا كله إيمانًا لا يشوبه شك ولا يداخله ريب! وكم أحب أن يؤمن الناس جميعًا أو أن تؤمن كثرة الناس أو قلتهم بقوة الوزارة كما أؤمن بها. والناس يتمنون ذلك ويسعون إليه، ولكن للوزارة أصدقاء حظهم من الجهل أشد من حظهم من الحلم، ونصيبهم من الحمق أعظم من نصيبهم من الرشد والتوفيق. يريدون أن يدافعوا عن الوزارة، والوزارة في غير حاجة إلى الدفاع، ولكنهم على ذلك يدافعون عنها فيسيئون إليها، ويطمعون فيها الناس، ويخيلون إليهم أنها في الرمق الأخير. ومن هؤلاء الناس كتاب الوزارة الذين يكتبون لها في صحفها الخاصة وفي الصحف الموالية لها.
    فهؤلاء الناس يقولون على الوزارة ما لا تريد أن يقال عنها. يقولون مثلًا إنها راضية مطمئنة عن ثبات الأمن واستقرار النظام، لأن الأمن ثابت بالفعل والنظام مستقر بالفعل، ولأن هذه الحوادث التي تحدث لا سبيل إلى منعها فضلًا عن اتقائها لأن ذلك ليس في طاقة الحكومات!!
    يقولون هذا، وهم يعلمون حق العلم أن الوزارة لا ترضى هذا، ولا تحب أن يقال عنها، فهي ليست مطمئنة إلى ثبات الأمن، ولا إلى استقرار النظام. ولو قد كانت مطمئنة لما ألغت إجازات المأمورين ورؤساء الشرطة ولو قد كانت مطمئنة لما ألفت لجنة لتقوية الشرطة في الأقاليم وللمقارنة بين عدد الشرطة وعدد السكان. وهي تعلم حق العلم أن الناس يقتل بعضهم بعضًا ويجرح بعضهم بعضًا، أفرادًا وجماعاتٍ تحت ضوء النهار، وفي ظلمة الليل. وهي تعلم حق العلم أن قد ظهرت في مصر ظاهرة غريبة في
    هذه الأيام وهي تنظيم الغارات والاستعداد للغزو بين القرى، بل بين الأسر في القرية الواحدة. فلم يكد الناس يقرأون أنباء موقعة «الشوبك» حتى ظهرت الصحف وفيها موقعة جديدة في سوهاج. والوزارة أعقل وأشد احترامًا لنفسها من أن تزعم أن الأمن ثابت وهو مضطرب، وأن النظام مستقر وهو يهتز ويترجح حتى يسقط عنه الناس صرعى، فيهم القتيل وفيهم الجريح، ولكن صحف الوزارة تريد أن تدافع عن الوزارة فتهاجمها، لأن الناس يظنون أن هذه الصحف إنما تكتب عن وحي من الوزارة. وهم يبيحون لأنفسهم أن يصفوا الوزارة بالضعف والتقصير إذا ظهر عجزها عن حماية الأمن وحفظ النظام، ولكنهم لا يحبون ولا يرضون أن يصفوا الوزارة بالكذب والمكابرة. والوزارة لا تكذب وإنما صحفها هي التي تكابر وتماري وتغلو في المكابرة والمماراة حتى كأنها تزدري عقول الناس.
    وهذه الصحف تريد أن تدافع عن الوزارة فتسخف، وتقول على الوزارة أشياء لو صحت لما كان بد من أن تستقيل لأن عملها قد تم، ومهمتها قد انتهت. فهذه الصحف تزعم أن الوزارة لا تخاف الوفد ولا تخشاه ولا تحسب له حسابًا، لأن الوفد قد مات! مات وشبع موتًا! مات وأصبح جثة هامدة تطؤها الأقدام ولا تنخفض إليها الأبصار!!
    كذلك تقول صحيفة من صحف الوزارة فتسيء إلى الوزارة من أنحاء كثيرة. تسيء إليها لأنها تكذب عليها، فالوزارة ما زالت تخاف الوفد وتخشاه وتحسب له ألف حساب وحساب، ولولا ذلك لما طوقت دار رئيسه بالجند ولولا ذلك لما عبأت وحشدت كلما هم رئيس الوفد بزيارة أو أداء صلاة.
    وهذه الصحف تسيء إلى الوزارة لأنها تجعل وجودها الآن غير نافع ولا مفيد، وتسحق الفوضى. ولعلها تتمنى للوفد طول الحياة ليتم لها طول البقاء، فالتحدث بأن الوفد قد مات مطالبة للوزارة بأن تستقيل. وهذه الصحف تسيء إلى الوزارة لأنها تتحدث عن خصوم الوزارة في أدب أقل ما يوصف به أنه رفيع جدًّا كهذا الأدب الذي يتحدث به وزير التقاليد ووزير الزراعة عن المعارضين.
    وليس من مصلحة الوزارة في شيء أن يضيف الناس إليها هذا الأدب الرفيع. وهذه الصحف تسيء إلى الوزارة لأنها تضيف إليها من الثقة بنفسها هذا النوع الذي يشبه ثقة المفلس في آخر عهده بالغنى وأول عهده بالإفلاس، وتخيل إلى الناس أن هذه الثقة
    ليست إلا متكلفة مصنوعة يراد بها التجلد والصبر وانتظار الأحداث، ولست أدري ما نفع وزارة المعارف إذا لم تعلم كتاب الوزارة كيف يدافعون عن الوزارة.
    فصحف الوزارة مرآة لها. ونؤكد للوزارة أنها تظهرها في مظهر لا يدل على قوة، ولا على أمن، ولا على استقرار. وإنما يدل على الضعف والخوف والاضطراب. فنحن نعلم حق العلم أن وزارتنا لا تنقصها الشجاعة ولا الرجولة، وأن الرجل الشجاع هو الذي لا ينكر الخطر الواقع وإنما يثبت له ويهجم عليه. وفساد الأمن أمر واقع لا تنكره الوزارة وإنما تعترف به، وتحاول أن تزيله. وليس ذنب الوزارة أنها لا تستطيع إزالة هذا الشر وتبقى مع ذلك في مناصب الحكم.
    ومثل هذا يقال عن دفاع صحف الوزارة في كل ما تحتاج الوزارة فيه إلى الدفاع. وهي محتاجة الآن إلى الدفاع في كل شيء. فكتابها يزعمون أنها قد فعلت في مسألة الدين أقصى ما تستطيع أن تفعل، وخصومها لا ينكرون ذلك، وإنما يقولون إن هذا الذي فعلته ليس شيئًا. وما دامت لا تستطيع أن تفعل خيرًا منه فيجب عليها أن تستقيل.
    حسن جدًّا أن تثق الوزارة بنفسها، وأن يثق أنصار الوزارة بها، ولكن أحسن من هذا أن تكون هذه الثقة صادقة، وأن يكون تصويرها صحيحًا وكل شيء في أعمال الوزارة وأقوال أنصارها لا يدل على ثقة صادقة ولا يصور اطمئنان النفوس. ومن أشد الخطر أن يرى الناس رأي العين عجز الوزارة حتى عن أن تثق بنفسها.
    كوكب الشرق ١ — ٨ — ١٩٣٣

  • يقظة | Vigilance

    يقظة
    أما أن الوزارة يقظة لا تعرف النوم ، ساهرة لا تعرف الرقاد ، حذرة لا تعرف الإهمال ، متنبهة لا يمكن أن تؤخذ على غرة ، فهذا أمر واضح كل الوضوح ، جلي كل الجلاء ، لا يقبل الشك ولا يحتمل النزاع . وإذا لم يكن بد من أن يقام الدليل على ذلك للمكابرين والممارين مع أن ذلك لا يحتاج إلى دليل فيكفي أن يفكر الناس في أن خصمًا من الخصوم السياسيين للوزارة لا يقول كلمة إلا أحصيت عليه ، ولا يأتي حركة إلا علمت بها الوزارة ، ولا ينتقل من مكان إلا سبقته من عيون الحكومة وأرصادها طلائع وأتباع ، ولا يزوره زائر إلا نمي أمره إلى السلطان ، ولا يتحدث إليه متحدث إلا عرف أمره في ديوان . فإذ كنت تريد بعد ذلك يقظة ، وإذ كنت تريد فوق ذلك تنبهًا وحذرًا فأنت عسير ، لا يعجبك العجب ولا الصوم في رجب . ومع ذلك ففوق كل يقظة يقظة أخرى ، وفوق كل حذر حذر آخر أشد منه وأدق ، وأبلغ في الحيطة وأقطع للشر ، وأحسم للداء . فالوزارة يقظة في المراقبة ولكنها يقظة أيضًا فيما هو فوق المراقبة ، فهي تبذل الممكن لتحول بين الناس وبين خصومها السياسيين ، تفرق هؤلاء الناس عن خصومها بالحار حينًا والبارد حينًا آخر ، وبالفاتر في كثير من الأحيان .
    فأما الحار فهذه العصي والسياط التي تعمل في الجلود . وأما البارد فهذا الماء الذي يتدفق من مضخات الحريق . وأما الفاتر فأشياء بين ذلك ، منها الزجر والانتهار ، ومنها التهديد والوعيد ، ومنها الترغيب والترهيب ، ومنها ما شئت وما لم تشأ مما يطمع ويخيف . ومنها ما أحببت وما لم تحب من القطارات المسلحة والسيارات المصفحة والخنادق المحفورة والأسوار التي ترفع إلى السماء .
    فليس من سبيل إذن إلى أن ينكر منكر أن وزارتنا يقظة كل اليقظة ، حذرة كل الحذر ، متنبهة كل التنبه . وليس من سبيل إلى الشك في أن رئيس وزرائنا كان موفقًا كل التوفيق حين أبرق إلى الديلي تلغراف منذ أيام بأن غيبته عن مصر وإقامته فيها سواء ، لأن السياسة المرسومة لمصر في هذه الأيام تجري وستجري على أحسن ما تجري عليه السياسة .
    فقد مرض رئيس الوزراء وكأنه لم يمرض ، وسافر رئيس الوزراء وكأنه لم يسافر ، ومضت حكومة رئيس الوزراء أثناء مرضه وأثناء سفره على ما كانت تمضي عليه أثناء صحته وإقامته من اليقظة والحذر ، ومن التضييق على الخصوم والمعارضين ، تسلك إليه كل سبيل وتنهج فيه كل يوم نهجًا جديدًا .
    وليس من سبيل إلى الشك في أن رئيس الوزراء يستطيع أن يتمثل الآن قول الشاعر القديم :
    إذا أيقظتك خطوب الزمان فنبه لها عمرا ثم نم
    فهو يستطيع أن يتمثل هذا البيت وأن ينام ملء جفونه ويتنفس ملء رئتيه ويستمتع بالراحة والهدوء طول الصيف فقد نبه عمرًا ، وعمرو هو وزير الداخلية الذي لا ينام ولا خوف عليه من أن ينام .
    ولكن اليقظة الإنسانية محدودة ككل ما يضاف إلى الإنسان ، فقد يستطيع وزير الداخلية أن يأرق الليل والنهار ، ويبذل من الجهد ما لا يبذله غيره في بلد من البلاد ، ثم لا يظفر بعد ذلك بما يحب وما نحب نحن من ضبط الأمن وإقرار النظام وحماية الأنفس والأموال . وليس ينبغي أن يؤخذ وزير الداخلية بهذه الحوادث الكثيرة العنيفة التي تحدث متصلة مطردة في أرض مصر والتي تزهق فيها الأنفس وتسفك فيها الدماء وتكثر فيها الجراحات ، وتنهب فيها الأموال . فوزير الداخلية مهما يكن رجل من الناس ، له قوة المتفوقين وفيه ضعف الناس على كل حال . والله وحده هو القادر على أن يعصم النفوس من أن تزهق والدماء من أن تسفك ، والأموال من أن تسرق ، والحرمات من أن يعتدى عليها لأن الله وحده هو الذي لا يمكن أن يفوته آثم ، ولا يفلت من سلطانه مفلت مهما يكن قويًا ماكرًا .
    وعلى هذا النحو تستطيع كل وزارة أن تعتذر حين تفلت الأمور من يدها ، وحين تتفرق الأمور عليها ، وحين لا توفق من ضبط الأمن وحماية النظام إلى ما تريد . أما في غير مصر فيقبل منها هذا العذر لأنه لا يقدم إلا مقرونًا بشيء آخر ، هو الاعتراف بالضعف والعجز والاستقالة من النهوض بما لا يمكن النهوض به ، والقيام بما لا يمكن القيام به . يقبل العذر ، وتقبل الاستقالة . ويكلف بحماية الأمن والنظام قوم آخرون لعلهم أن يكونوا أقدر على حماية الأمن والنظام ، فإن وفقوا فذاك وإلا قدموا العذر والاستقالة فيقبل العذر والاستقالة مرة أخرى .
    وأما في مصر فالوزارة لا تقدم عذرًا ، ولا استقالة . وإنما يلتمس لها الناس العذر فتقره أو لا تقره ، وترضاه أو لا ترضاه . وثق بأن وزارتنا القائمة لن تقبل هذا العذر الذي تلتمسه لها لأنها لا تسلم ولا يمكن أن تسلم بأن الأمن مضطرب ، وبأن النظام ضعيف وبأن حياة الناس وأموالهم ليست من الصيانة بحيث يجب أن تكون في بلد متحضر يعيش في القرن العشرين ، لن تسلم الوزارة بهذا ، ولن تقبل الاعتذار . فأما الاستقالة فشيء لا يمكن التفكير فيه .
    ومع ذلك فالوزارة نفسها تعترف بهذا العجز وتعترف به على نحو يخيل إلينا أنه لا يليق بالوزارة القوية العزيزة ذات الشأن الرفيع والسلطان المنيع . وأي اعتراف أوضح وأجلى وأشد خطرًا على سمعة الوزارة وسمعة مصر من هذا القرار الذي اتخذه وزير الداخلية منذ أسبوع فألغى به إجازات المأمورين ورؤساء الشرطة في مصر كلها طول فصل الصيف . ومتى اتخذت وزارة من الوزارات مثل هذا القرار في غير أيام الخطر الداهم الذي تتعرض فيه سلامة الدولة وأمنها للاضطراب .
    ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد ، فقد ظهر أن حرمان المأمورين ورؤساء الشرطة حقهم من الراحة أثناء الصيف لا يكفي لتكون يقظة وزير الداخلية مجدية منتجة . وهذه الصحف ذكرت أن المديرين رفعوا من أقاليمهم إلى وزير الداخلية مطالب يلحون فيها أن تزاد قوة الشرطة في الإقليم ، لأن ما بين أيديهم من القوة لا يكفي ولا يمكنهم من حماية الأمن بعد أن كثرت الجرائم في هذه الأيام كثرة خاصة .
    ويظهر أن وزير الداخلية قد عني بهذه المطالب ولكنه عني بها في رزانة وأناة وهدوء فلم يتسرع بإمداد المديرين بما يطلبون إليه من المدد ، وإنما أراد أن يدرس فيتقن الدرس ، ويبحث فيحسن البحث ، ويرسل الإمداد حين يثبت له أن إرسالها أمر لا مندوحة عنه ولا سبيل إلى الإبطاء فيه . وكذلك ألف وزير الداخلية لجنة برئاسة أحد الوكيلين ، برئاسة الوكيل المقيم الذي لم يسافر ليستريح ، وكلف هذه اللجنة أن تدرس اقتراح المديرين وتستعرض أمر الشرطة في كل إقليم وتقيس عدد الشرطة في كل إقليم إلى عدد السكان . وقد اجتمعت هذه اللجنة مرة في القاهرة ، فدرست واستعرضت ، ثم أرجأت الاجتماع إلى يوم يحدد فيما بعد ، وقد يكون هذا الاجتماع في الإسكندرية حيث يصطاف الوكيل ، وحيث يصطاف الوزير . وسينتهي الدرس من غير شك اليوم أو غدًا أو بعد غد إلى أن عدد الشرطة ملائم أو غير ملائم لعدد السكان ، ثم إلى قبول الاقتراح الذي يقدمه المديرون أو الإعراض عنه ، ولكن تنبئنا الصحف في أثناء هذا كله بأن اضطراب الأمن يزداد من يوم إلى يوم ، ويشتد من حين إلى حين ، وهذا نبأ نقرأه صباح اليوم يحدثنا بأن أسرتين اختصمتا في قرية من قرى الصعيد فدارت بينهما رحى القتال كما يقولون ، وأطلق الرصاص ، ولعب السلاح الأبيض ، ولعبت العصي والنبابيت وانجلت الموقعة بعد ساعة عن أربعة قتلى وعن خمسة وعشرين من الجرحى ، بينهم عشرة قد أصيبوا بجراحات خطرة بالغة . ومصدر هذه المعركة – فيما تقول الصحف – ضغائن قديمة بين الأسرتين ، والذين مكن هؤلاء الناس من أن يقتتلوا ويفني بعضهم بعضًا ، هو في أكبر الظن أن عدد الشرطة في ذلك الإقليم وفي ذلك المركز ، وفي تلك القرية لم يكن ملائمًا لعدد السكان . وكنا نحب أن نعرف معنى هذه الملاءمة كيف تكون وبم تتحقق؟ فهل يكفي لكل عشرة من السكان شرطي؟ أم هل يجب لكل مائة من السكان شرطي؟ أم هل يجب لكل ألف من السكان شرطي؟
    مسألة مشكلة تحتاج من غير شك إلى درس طويل ولكن هذا الدرس الطويل لن يسعف المديرين والمأمورين الذين ألغيت إجازاتهم والذين يعجزون عن إقرار الأمن وحفظ النظام .
    ألا يرى وزير الداخلية أن الخير إنما هو في أن يتلمس دواء أسرع وأنجع من المقارنة بين عدد السكان وعدد الشرطة؟ وهذا الدواء نعرفه نحن ، ويعرفه الناس جميعًا ، وتعرفه الوزارة حق المعرفة ، ولكنه لا تريد أن تأخذ شجاعته بكلتا يديها وأن تقدم عليه . هذا الدواء هو الاستقالة . فاستقالة الوزارة وحدها هي التي ترد الأمن إلى الاستقرار وترد النظام إلى الثبات ، لأن ما نحن فيه من فساد ليس مصدره أن بقاء الوزارة قد أفسد الشؤون العامة ، وزعزع ثقة الناس بكل شيء ، وشكك الناس في قيمة الحياة والأموال والحرمات . وإلا فلم يكن عدد الشرطة في عهد الوزارات السابقة أقل ملاءمة لعدد السكان منه الآن . ولم يكن أمر الأمن والنظام فاسدًا كما هو الآن ، ولم يظهر عجز الوزارة عن ضبط الأمن ووضع اليد على المجرمين في سرعة كما يظهر الآن .
    هذا هو الدواء الصحيح ، ولكن قلت لك إن الوزارة لن ترضاه فهناك دواء آخر لا يحسم الداء ولكنه يخفف شره بعض الشيء . وهو أن يسير وزير الداخلية في الناس سيرة زياد في أهل العراق فيشتد على المجرمين ما استطاع ويضمن في الوقت نفسه لمن تقع عليهم الجرائم ما يصابون به من الأنفس والأموال . ومعنى ذلك أن تدفع الحكومة إلى كل أسرة يقتل أحد أبنائها دية القتيل وإلى كل أسرة يجرح أحد من أبنائها دية ما أصابه من الجراحات ، وإلى كل أسرة يسرق منها شيء قيمة ما سرق منها قل أو كثر . فالحكومة – بحكم وجودها – ضامنة للناس الأمن على الأنفس والأموال . فإذ عجزت عن تحقيق هذا الأمن وأبت مع ذلك أن تستقيل فلا بد من أن تعوض على الناس ما يخسرون لعجزها وقصورها . ستقول : وأين تجد الحكومة ديات الذين يصرعون من القتلى والجرحى وقيمة ما يسرق من الأموال والعروض؟ والجواب على ذلك يسير لا ينكره إلا من ليس له قلب يشعر أو عقل يفكر ، فأنا أؤكد أن حياة مصري واحد من هؤلاء الذين يصرعون في كل يوم أحب إلى مصر وأعز عليها وأنفع لها من مؤتمر الطيران ومن مؤتمر البريد ومن مؤتمر السياحة ومن مؤتمر السكك الحديدية ومن مؤتمر الموسيقى الشرقية . حياة مصري واحد أنفع لمصر من هذه المؤتمرات كلها مجتمعة .
    فيجب على الوزارة أن تنصرف عن سياسة المؤتمرات وعن سياسة الدعاية في الخارج ، وعن سياسة الترف كلها وأن ترصد الأموال التي تنفقها في هذه السبيل للتعويض على الأسر التي يقع فيها القتل ، أو تقع عليها السرقة لعجز الوزارة عن حماية الأمن .
    ولعلك توافقني على أن مصر تؤثر ألف مرة ومرة أن تنفق الحكومة على هذه الأسر البائسة وتحميها من الجوع والحرمان على أن تدعو في الشتاء جماعة الممثلين والممثلات ، والراقصين والراقصات لتلهية الأجانب والمترفين في القاهرة . فليفكر وزير الداخلية اليقظ في هذا الاقتراح ، وله أن يعرضه إن شاء على هذه اللجنة التي تقارن بين عدد الشرطة وعدد السكان .
    كوكب الشرق في ٢٦ – ٧ – ١٩٣٣

  • أمن | Security

    أمن
    أما الأمن فمطمئن في مصر أشد ما يكون الأمن اطمئنانًا في بلد من البلاد! وأما النظام فمستقر في مصر أحسن ما يكون النظام استقرارًا في قطر من الأقطار. وليس أدل على اطمئنان الأمن واستقرار النظام من أن رئيس الوزراء يصطاف ويستشفى في أوروبا، ومن أن مدير الأمن العام كان يستريح في رودس وقد عاد ليستطيع وكيل الأمن العام أن يستريح، لا أدري في أي جزيرة من الجزر، أو في أي إقليم من الأقاليم السبعة كما كان يقول الجغرافيون القدماء، ومن أن وكيلًا من وكيلي الداخلية قد سافر ليستريح كما يصطاف وزير الداخلية ويعمل ويستريح.
    ولو قد كانت في مصر آية ولو يسيرة تدل على فساد الأمن واضطراب النظام لاستقر هؤلاء السادة في مدينة القاهرة ليشرفوا من كثب على كل شيء، ويدبروا من كثب كل شيء. وما داموا قد تفرقوا على هذا النحو، وذهبوا في الأرض هذه المذاهب المختلفة فمصر بخير والحمد لله، لا خطر فيها على الأمن ولا على النظام.
    وهناك أخبار تذاع وأنباء تُشاع، والوزارة عنها صامتة ساكتة، ولا تقول ولا تهتم بأن تقول. وأكبر الظن أنها تزدري هذه الأخبار وتحتقر هذه الأنباء، ولا تعني حتى بتكذيبها أو نفيها، فضلًا عن أن تلتمس لها التفسير والتعليل. فالصحف تنبئنا بأن بعض العمد يقتلون على أبواب دورهم آخر النهار وأول الليل فتصطبغ أرض مصر الطاهرة بدمائهم البريئة بينما تودع الشمس آفاق السماء فتترك في مصر حزنًا هادئًا يمتزج به في مصارع هؤلاء الناس حزن عنيف عميق. والصحف تنبئ بأن قومًا يقتلون على الطريق العام وهم عائدون إلى دورهم في الشرقية، لا ينتظرون الموت ولا يخشونه، ولكن الموت كان ينتظرهم ويكمن لهم في بعض الوجوه والأنحاء. والصحف تنبئنا أيضًا بأن قرى تختصم على الري فيطلق بينها الرصاص ويصرع قوم، منهم من يدنو من الخطر، ومنهم من يكاد يدنو منه، ومنهم من تصيبه جراح إن لم تكن مهلكة ولا مشرفة بصاحبها على الموت، فهي مؤذية مؤلمة، مؤذنة بأن الناس لا يتحرجون من أن يتراموا بالرصاص، ويدعو بعضهم الموت إلى بعض.
    ثم تنبئنا الصحف أيضًا بأن وزارة الداخلية التي أذنت لأحد وكيليها بالرحلة وللآخر بالعمل على ساحل البحر، والتي أذنت لمدير الأمن العام بنزهة قصيرة ولوكيله بإجازة لا بأس بها، تنبئنا الصحف بأن هذه الوزارة قد ألغت في القطر كله إجازات المأمورين والذين يشغلون مناصب الحكمدارين. وقد نشرت الصحف هذا النبأ مرة ومرة، فلم تنكره الوزارة ولم تكذبه ولا نصف تكذيب.
    والصحف تنبئنا أيضًا بأن مظاهرات ومناورات عسكرية تنظمها الشرطة في مدينة الإسكندرية فتروع الناس وتلفت نظر الجمهور، وتحمل الإسكندريين حين يرون هذه المظاهرات والمناورات والمصريين حين يقرأون أنباءها على أن يتساءلوا: فيم هذه المناورات والمظاهرات، أو فيم هذا التمرين والتدريب، فيقال لهم – بهذا الفعل المبني للمجهول الذي لا يسمى فاعله: إن هذه المظاهرات والمناورات إنما تجري لتعرف الشرطة كيف تفرق الشعب إذا احتشد، وتقمع المظاهرات الشعبية إذا هم بها الجمهور.
    والصحف تنبئنا بغير هذا، ومن المحقق أن الصحف لا تعرف كل شيء، ولا تذيع كل ما يصل إليها. فهذا كله لا يدل طبعًا على اضطراب الأمن، ولا على فساد النظام. وإنما يدل على أن الأمن مستقر هادئ، وعلى أن النظام مطمئن ثابت ولولا ذلك لما ذهب الوزراء والوكلاء وكبار الموظفين في الداخلية مذهبهم الذي أشرنا إليه في أول هذا الفصل.
    وهناك دليل آخر لا يقبل شكًا ولا ريبًا، ولا يحتمل جدالًا ولا نزاعًا. وهو يثبت لكل ذي عقل – وما أقل أصحاب العقول – أن الأمن لم يطمئن في يوم من الأيام كما اطمأن في هذا الصيف. هو مطمئن اطمئنانًا يدفعه إلى أن ينام ملء جفونه، لا توقظه طلقة نار، ولا وقع عصا، ولا ينبهه اعتداء، ولا ما يشبه الاعتداء. وهذا الدليل الساطع القاطع هو هذا الثناء الجميل الجزيل الذي صاغ منه مكاتب الديلي تلغراف باقة أنيقة رشيقة، وقدمها في ظرف ولطف إلى وزير الداخلية بعد أن نال زملاءه جميعًا وفي مقدمتهم رئيس الوزراء بما يكرهون! فمكاتب الديلي تلغراف يشهد لوزير الداخلية بأنه رجل الساعة، بل رجل اليوم، بل رجل الغد القريب والبعيد، لأنه صان الأمن والنظام، وضبط الأمر فأحكم ضبطه، وأكره الجهات المختلفة على أن تؤمن له بالتفوق والمقدرة والنبوغ!!
    ومكاتب الديلي تلغراف لم يرسل هذا الكلام إرسالًا، ولم يخترعه من عند نفسه اختراعًا. وأكبر الظن أن المصدر الموثوق به الذي أنبأه بأن الوزراء جميعًا يخافون من ظلالهم إلا وزير الداخلية فهو وحده الذي يخيف الناس، وهو وحده الذي يخيف الظلال. وما دام هذا المصدر موثوقًا به فيما تحدث فيه من أمر الوزارة والوزراء، وفيما تحدث فيه من ضياع هيبة الحكومة لأن الوزراء يخافون من ظلالهم، وفيما تحدث فيه من الحماقة وحدها هي التي أقصت عن هذه الوزارة القائمة وزيرين خطيرين، وفيما تحدث فيه من أن التغيير قد أصبح فرضًا مفروضًا وحتمًا محتومًا. ما دام هذا المصدر موثوقًا به أيضًا فيما ألقي إلى مكاتب الديلي تلغراف من الشهادة لوزير الداخلية بالمهارة والبراعة وبالكفاية والنبوغ. وأنا أصدق مكاتب الديلي تلغراف وأصدق المصدر الذي ألقي إليه هذه الشهادة. فوزير الداخلية بارع ماهر من غير شك، ووزير الداخلية كفء نابغة من غير شك. وآية ذلك الآية التي لا ينكرها إلا مكابر يحب المراء، هي أن الظن لم يسوء باطمئنان الأمن واستقراره في مصر كما ساء الآن. فليس مما يدعو إلى حسن الظن باطمئنان الأمن واستقراره أن تذاع أنباء القتل وسفك الدماء جهرة على هذا النحو، وليس ما يدعو إلى حسن الظن باطمئنان الأمن واستقراره أن تلغى إجازات المأمورين ورؤساء الشرطة في جميع الأقاليم، وليس مما يدعو إلى حسن الظن أن لا تكتفي وزارة الداخلية بمنع الاجتماعات السياسية مخالفة في ذلك الدستور، بل تتجاوز ذلك إلى منع الاجتماعات الدينية في المساجد التي أقيمت ليعمرها المسلمون بذكر الله، والتواصي فيما بينهم بالخير والرشد والمعروف. وليس مما يدعو إلى حسن الظن أن ينشط مدير الأمن العام الأوروبي نشاطًا غريبًا لم يعرف من قبل فيزور المدن، ويطوف في الأقاليم على حين يستريح مدير الأمن المصري في رودس أو غيرها من جزر البحر.
    ليس شيء من هذا كله يدعو إلى حسن الظن بثبات الأمن واستقرار النظام واطمئنان الوزارة على ذلك الأمن وهذا النظام، وليس مما يدعو إلى حسن الظن بقوة الحكومة وقبضها على أعنة الأمور كما يقولون أن تحاصر الدور ويراقب أعضاء الوفد والمتصلون به، ويؤخذ الناس من الطريق إلى أقسام الشرطة لأنهم كانوا يمرون قريبًا من دار رئيس الوزراء بالنيابة. بلى، وليس مما يدعو إلى حسن الظن باستقرار الأمن والنظام أن يكون الخطف وتسليح القطارات وحفر الخنادق وتسوير المدن بالتراب والسيارات وسيلة إلى المحافظة على الأمن وإلى إقرار النظام.
    ومع ذلك فهذا كله قد كان، وهذا كله استحدثه وزير الداخلية القائم، فإذا لم يكن هذا كله دليلًا على أن وزير الداخلية القائم قد زعزع رأي الناس من المصريين والأجانب في اطمئنان الأمن، واستقرار النظام، فأي دليل آخر تريد؟
    وإذا لم يكن هذا كله حجة صادقة قاطعة على أن وزير الداخلية القائم قد ظفر بأعظم حظ ممكن من المهارة والبراعة، ومن التفوق والنبوغ فأي حجة أخرى تريد؟ لقد صدق مكاتب الديلي تلغراف وصدق المصدر الذي ألهمه وأوحى إليه، فوزير الداخلية رجل عظيم ولكن عظمته هذه تجعل استقالته كاستقالة زملائه شيئًا مرغوبًا فيه كل الرغبة، بل شيئًا لا بد منه إذا كان يراد بمصر أن يحسن الظن بها وبوزارتها، وألا يُذاع عنها في أقطار الأرض أنها موطن الفزع والخوف وأن الوزراء فيها يخافون من ظلالهم وأن إجازات المأمورين ورؤساء الشرطة فيها تلغى طول فصل الصيف.
    إن الذين يحبون هذا البلد ويحرصون على أن يستقر فيه الأمن حقًا، ويطمئن فيه النظام حقًا، ويعرف الناس عنه أنه بلد الهدوء والسلام خليقون أن يفكروا وأن يسرعوا في التفكير ولا ينتظروا به فصل الخريف، فإن هذه الوزارة لم تبلغ مداها فحسب، بل بلغته منذ زمن بعيد وجاوزته منذ زمن بعيد، وعجزت عجزًا تامًا عن أيسر ما وجدت من أجله الحكومات وهو تأمين الناس على دمائهم وأموالهم، وأصبحت تقبض على أعنة الأمور بيد مرتخية شديدة الارتخاء، ولا تستطيع لها تدبيرًا ولا تصريفًا. وإذا لم تكن هذه الوزارة نفسها محسة لهذا العجز، أو شاعرة به فإن الناس من المصريين والأجانب يعلنون ذلك ويلحون في إعلانه وهي عاجزة حتى عن نفي ما يعلنون.
    أما بعد، فليس يعنينا أن يكون المصدر الذي أوحى إليه موثوقًا به أو مشكوكًا فيه، وإنما الشيء الذي يعنينا ويعني الذين يحبون مصر حقًا هو أن عجز الوزارة قد أصبح أوضح من أن يشار إليه، وأن تغييرها أمر لا بد منه مهما يقل القائلون ويكابرون.
    كوكب الشرق في ٢١ – ٧ – ١٩٣٣

  • استقالة | A Resignation

    استقالة
    لم يقدمها رئيس الوزراء، وما ينبغي لرئيس الوزراء أن يقدمها، فصحته — والحمد لله — موفورة، والشفاء مقبل عليه — والحمد لله — في خطى واسعة سراع. وما ينبغي لرئيس الوزراء أن يقدمها حتى ولو كانت صحته من الضعف والوهن بحيث لا تسمح له أن ينهض بهذه الأعباء الثقال التي يسمونها أعباء الحكم. فاسم رئيس الوزراء يغني عن صحته، واسم رئيس الوزراء خليق أن ينهض الوزراء بأثقال الحكم، فيتحملوا جهده، ويصرفوا أموره كأحسن ما يُحتمل الجهد وتُصرف الأمور!!
    فاسم رئيس الوزراء قوة تُدك لها الجبال، وتُزلزل له الأرض. وفي اسم رئيس الوزراء بركة يستحيل لها الجدب خصبًا، وتصبح بها الأزمة ثروة، ويصير بها الشقاء والبؤس سعادة ونعيمًا. وإذا اجتمعت للوزارة من أسباب الحياة والبركة في اسم رئيس الوزراء، فقد اجتمعت للوزارة من أسباب الحياة وطول البقاء أمتنها وأقواها. وإذن فليس رئيس الوزراء هو الذي قدم الاستقالة، لأنه ليس في حاجة إلى تقديمها، ولأنه واثق كل الثقة، ونحن واثقون معه كل الثقة، بأنه سينفع مصر صحيحًا وعليلًا، وسيخدم مصر قريبًا وبعيدًا، وسينقذ مصر مشتركًا في الحكم بالفعل وغير مشترك فيه. ولو قد أزمع رئيس الوزراء أن يرفع استقالته إلى جلالة الملك لأنه مريض عليل، أو لأنه ناءٍ بعيد، لسعت مصر كلها سعيًا تلح عليه وتتوسل إليه في أن يمسك استقالته أو يستردها. فمصر حريصة على رئيس الوزراء، ومصر مشغوفة برئيس الوزراء! تحبه حب الأم الشفيقة البرّة لابنها الوفيّ الوحيد! مصر قد ذاقت من ألوان السعادة والنعيم في عهد رئيس الوزراء ما تستعذبه وتستلذه، وتحرص كل الحرص على أن يدوم ويتصل. وهل ذاقت مصر لذة الحرية قبل رئيس الوزراء؟! وهل استمتعت مصر بالعزة والكرامة قبل رئيس الوزراء؟! وهل عرفت مصر الرخاء والثروة قبل رئيس الوزراء؟ وهل شكت مصر من كثرة المال حتى كادت تكتظ به قبل رئيس الوزراء؟ فكيف تريد أن تفرط مصر في رئيس الوزراء؟ أو أن تسمح مصر لرئيس الوزراء بأن يستقيل؟ كلا، لن يستقيل رئيس الوزراء، ولن تأذن مصر في ذلك! ولن تشك في أن رئيس الوزراء إن قدم استقالته أو أوهم بتقديمها فلن يفعل ذلك إلا مكرهًا عليه، مضطرًا إليه من هؤلاء الإنجليز الذين لا يحبون مصر، ولا يحبون لها الخير، والذين يظهرون التأييد لرئيس الوزراء، ويسرّون الكيد له والجد في تأييد الوفديين!! ولا بد لمصر من أن ترد إلى الإنجليز كيدهم، وتصرف عن نفسها شرهم، وتحوط رئيس وزرائها بالنفوس والقلوب، وتألى على الإنجليز إكراههم إياه على أن يستقيل. فذلك ليس من شؤون الإنجليز، وإنما هو من شؤون مصر وحدها. وقد ضرب رئيس الوزراء لمصر في العزة والكرامة، وفي الأنفة والإباء مثلًا لن تنساه، يوم أفحم المستر مكدونالد ووقفه عند حده، حين أراد أن يعرض لشؤون مصر الخارجية. وقد انتفعت مصر بهذا المثل، واستفادت مصر من هذا الدرس، فستقول للإنجليز يوم يريدون رئيس وزرائها على الاستقالة: مكانكم، لا تتقدموا، بل تأخروا. وإن شئتم فلن تسمح لكم مصر القوية العزيزة أن تمسوا بسوء رئيس وزرائها القوي العزيز!
    لم يقدم رئيس الوزراء إذن هذه الاستقالة التي عنونا بها هذا الحديث، وإنما قدمها رجل آخر ليس له خطر رئيس الوزراء، ولا يمكن أن يكون له خطر رئيس الوزراء، وإنما هو رجل كغيره من الناس، لا يشارك رئيس الوزراء إلا في شيئين: في الوزارة، وفي المرض.
    فهو وزير الخارجية كما أن رئيس الوزراء وزير المالية، وهو مريض كما أن رئيس الوزراء مريض، ولكن الحوادث أظهرت أن رئيس الوزراء قد أخطأ، وأي الناس لا يخطئ؟ وهل أكثر خطأ من عظماء الرجال حين اختار نخلة باشا المطيعي ليكون له زميلًا في الوزارة وشريكًا في الحكم؟ أخطأ لأن وزير الخارجية لم يكد يصيبه المرض حتى استقال أو تحدث في الاستقالة. وقد تقدم إليه من تقدم في أن الاستقالة لا تليق بوزراء هذا العهد لأنها ضعف في النفوس وخور في الطبيعة. فقبل النصيحة وعدل عن حديث الاستقالة، ثم طال عليه المرض بعض الشيء فعاد إلى هذا الحديث، وعاد ناصحوه يذكرونه بأن الاستقالة آفة قد برئ منها وزراء هذا العهد السعيد. فسكت الرجل على مضض، ثم طال عليه المرض فاضطر إلى أن يخرج من الصمت ويذكر الاستقالة من جديد. وأظهرت التجارب أن النصح لا ينفعه، وأن الموعظة لا تعني عنده شيئًا، وأنه لم يكن من الرجال الذين يصلحون لهذا العهد، وإنما هو من رجال العهد القديم الذي كان يستقيل فيه الوزراء إذ مرضوا وألم بهم من العلة زائر ثقيل.
    وقوم آخرون فيهم مكر وفيهم شدة حتى في الدعاية، يزعمون أن وزير الخارجية لم يستقل أول الأمر، وإنما أثبت أنه من رجال هذا العهد، وأنه قادر كرئيس الوزراء على أن يجمع المرض والحكم في غمد، لكنه أراد أن يسافر ليستشفي كما سافر رئيس الوزراء ليستشفي، واستأذن في ذلك فلم يؤذن له، فغضب لكرامته وغضب لصحته واستقال. وإذ كان هذا النبأ صحيحًا فهو دليل أيضًا على أن وزير الخارجية لم يكن من رجال هذا العهد، وإنما هو من رجال العهد القديم الذين كانوا يغضبون إذ استأذنوا فلم يؤذن لهم، أو طلبوا شيئًا فلم يجابوا إليه، والذين كانوا يستقيلون إذ أبى عليهم رئيس الوزراء بالأصالة فضلًا عن رئيسهم بالنيابة بعض ما كانوا يطلبون.
    أثبت وزير الخارجية أنه من تلك الدقة القديمة التي تمرض فتستقيل، وأي خطر تتعرض له مصر لو أن جميع الوزراء كانوا من تلك الدقة القديمة يستقيلون للمرض ويستقيلون للغضب! ومع ذلك فقد خلت المثلات من قبل وزير الخارجية، وكان عليه أن يستفيد من وزراء قبله غضبوا وألح عليهم الغضب فلم يستقيلوا، وإنما ثبتوا في أماكنهم حتى استقال رئيس الوزراء نفسه فأخرجهم من الحكم، وهم يعلمون أو لا يعلمون. ثم ألّف وزارته الثانية فلم يردهم إلى الحكم وهم يريدون أو لا يريدون.
    والغريب أن وزير الخارجية غير موفق حتى في مرضه، فهو مشارك في هذا المرض لرئيس الوزراء، ولكنه أراد أن يمضي بهذه الشركة إلى أبعد حدودها، فظن أنه يستطيع هو أيضًا أن يسافر إلى أوروبا كرئيس الوزراء، وأن الذي يؤذن فيه للوزراء إنما هو الراحة إذ تعبوا وهم أصحاء، كما يستريح وزير التقاليد بعد أيام لأنه متعب لا لأنه مريض. وعلى كل حال فقد كان مرور نخلة باشا المطيعي بالوزارة درسًا إن لم ينفعه هو فقد ينفع زملاءه، وقد ينفع الوزير الذي سيخلفه على وزارة الخارجية.
    وخلاصة هذا الدرس أن الوزير الذي يفكر في أن يقيس نفسه برئيس الوزراء لا يصلح للوزارة، وإنما الوزير الذي يصلح للوزارة حقًا هو الذي يضعه رئيس الوزراء على كرسيه فلا يبرحه حتى يدفعه عنه رئيس الوزراء دفعًا! والوزير الذي يصلح للوزارة هو الذي يعرف أن للناس مقامات، وأن مقام الوزير رفيع بالقياس إلى موظفيه، ولكنه على كل حال لا ينبغي أن يرقى إلى ما فوق ذلك أو أن يسامي مقام رئيس الوزراء.
    فلعل المصريين أن يشاركوا الوزراء والمستوزرين في الانتفاع بهذا الدرس السياسي القيم الذي تلقيه عليهم ظروفنا السعيدة في هذا العهد السعيد.
    كوكب الشرق في ٩ – ٧ – ١٩٣٣.

  • قمر | The Moon

    قمر
    هو رئيس وزرائنا، أتمّ اللّٰه له الشفاء، وأسبغ اللّٰه عليه العافية. وقد طلع في سماء مجلس النواب فبهر الأبصار، وخلب العقول، وهزّ القلوب في الصدور، وأطلق لسان أحد النواب المحترمين بهذه الجملة الشعبية الظريفة: «طلع القمر».
    ولكن القمر يطلع في أول الشهر، ويطلع في أثنائه، ويطلع في آخره. وله في مطالعِه المختلفة هذه أسماء مختلفة، منها ما يبعث السرور والبهجة، ومنها ما يبعث الأمل والرجاء، ومنها ما يبعث في النفس شعورًا هادئًا شاحبًا، لا بهجة فيه ولا سرور، ولا أمل فيه ولا رجاء.
    فالهلال يبعث في النفوس الأمل لأنه سيصير بدرًا كاملًا كما قال أبو تمام. والبدر يبعث في النفوس بهجة وسرورًا وثقة، لأنه يصوّر القمر في أجمل صوره وأبهاها، وأخلبها للعقول والأبصار.
    أما القمر فلا يبعث في النفوس شيئًا خاصًا، وإنما هو شعور هادئ قلّما يتجاوز هذا الجمال العام. ففي أي طور طلع قمر رئيس الوزراء أمس في مجلس النواب؟ لم يكن هلالًا من غير شك! فقد كان هلالًا منذ زمن بعيد حين ألف الوزارة ونهض بأعبائها الحكم. ولم يكن بدرًا من غير شك، فقد كان بدرًا منذ زمن بعيد حين استحكم له الأمر، واجتمعت له أسباب القوة، فسيطر على مصر غير منازع ولا مدافع، وأجرى أموره كما أحب بيد قوية حازمة لا تعرف الضعف، ولا يجد الخور إليها سبيلًا. وأطلق لسانه بألوان الخطابة في السياسة حينًا، وفي الاقتصاد أحيانًا، بالعربية حينًا، وبالفرنسية أحيانًا، في القاهرة حينًا، وفي الأقاليم أحيانًا، بل في مصر حينًا، وفي أوربا أحيانًا.
    كان في ذلك الوقت بدرًا كاملًا! كان قوي البأس، شديد المراس، حديد الشكيمة. وكان صحيح الجسم، موفور النشاط. أما الآن فقد هان بأسه، ولان مراسه، وضعفت شكيمته. وتفرقت عليه الأمور فهو لا يضبطها، وندّت عليه الأعمال، فهو لا يستقل بتسييرها وتدبيرها، وأثّر فيه المرض، فهو لا يخطب فيطيل، وإنما يشكر فيوجز. وهو لا يزور فيقيم، وإنما يلمّ ثم ينصرف.
    لم يكن هلالًا، ولم يكن بدرًا، وإنما كان قمرًا في آخر الشهر. على أنه لم يكن قمرًا فحسب، وإنما كان عرفًا وطيبًا أيضًا. لاح نوره في مجلس النواب، وكان المجلس مختنقًا بريح البصل كما قال بعض الخطباء! فتبددت هذه الريح، وتردد في الجو عطر خفيف ظريف، أنعش نفوسًا، وأحيا آمالًا، وأقرّ السلام في نصابه بين الفريقين المختصمين، بين المؤيدين والمعارضين.
    وكان هذا السلام قد استقر من قبل في ذلك المؤتمر الذي انعقد صباح الجمعة، والذي مهد له بالاجتماعات الخاصة والمقابلات المتكررة، والذي انتهى إلى صيغتين كُتبتا، ثم قُرئتا، ثم تم الاتفاق على أن يتلو إحداهما رئيس المجلس، ويتلو الأخرى رئيس المعارضين. وقد أُنُفّذ الاتفاق في أمانة لا غبار عليها، واتخذ تنفيذه مظاهر تمثيلية لا تخلو من جمال، ولا تعوزها اللباقة والرشاقة.
    فأما في الفصل الأول من القصة، فيجتمع مجلس النواب وتُفتح جلسته، ويأخذ في أعماله كأن لم يكن شيء، ولكن النظارة لا يشكّون في أن شيئًا قد كان، لأن هناك مجالس خالية ولم تكن عادتها أن تخلو، وكراسي تنتظر أصحابها ولم يكن من شأنها أن تطيل الانتظار. فأنت إذا تردد بصرك بين المجلس وهو يمضي في أعماله أو يظهر المضي فيها، وهذه الكراسي الفارغة، لا تشك في أن شيئًا ذا بال قد كان، وفي أن أمرًا ذا خطر سيكون.
    فيما أنت تفكر فيما كان وتترقب ما سيكون، يدخل المعارضون وعلى رأسهم زعيمهم، فتشخص الأبصار، وتشرئب الأعناق، ويتقدم زعيم المعارضين إلى رئيس المعتذرين، فيكون حديث لا يسمعه أحد، ولكن كل إنسان يذهب في تقديره وتفسيره المذاهب. ثم يعود زعيم المعارضة إلى مكانه، ويتلو رئيس المجلس الصيغة التي كُتبت، فإذا هو يعتذر فيبسط العذر، ويؤكد حبه لحرية الرأي ولحرية الكلام. ثم إذا أتم هذه الصيغة نهض زعيم الغاضبين فتلا صيغة الرضى، وإذا هو يسجل ويشكر ويتمنى! ثم يجلس ويمضي المجلس في أعماله كأن لم يكن شيء، وكأن لم يحدث خلاف.
    وتفكر أنت في العواطف التي ثارت في نفوس الغاضبين والمعتذرين، والعواطف التي هاجت في قلوب المعارضين والمؤيدين، وهم يسمعون اعتذار الرئيس واسترضاءه، وشكر الزعيم ورضاه، وتفكر في العواطف والعواصف فلا يهتدي تفكيرك إلى شيء، وتحدق النظر في الوجوه ملتمسًا للعواطف والعواصف، فلا ترى عاطفة، ولا تظفر بعاصفة. وإنما هو هدوء شامل قبل الاعتذار والرضى، وهدوء شامل بعد الاعتذار والرضى.
    كان الجو ملبدًا بالغيوم كما يقولون، ويقصف فيه الرعد، ويخطف فيه البرق، ولكنك تعلم أن الجو يصفو بعد الزوبعة. وقد كانت الزوبعة يوم الأربعاء، فبدأ الجو يصفو يوم الخميس، وانجلى صباح الجمعة، وتم صفوه وانجلاؤه بعد ذلك، وعاد إلى المجلس هدوؤه الشامل وسكونه الكامل، وإذا هو يتحدث في بنك التسليف العقاري، وفي قانون البصل.
    ثم يكون الفصل الثاني، وفيه يشرق القمر فيبعث في المجلس ضوءًا هادئًا فاتراً مريحًا، ولكنه باعث للنشاط، موقظ للهمم على كل حال. وإذا القوم يقفون إجلالًا للقمر، وإذا القوم يهتفون ترحيبًا بالقمر، وإذا القوم يصفقون إكبارًا للقمر، وإذا أشد القوم نشاطًا وأعظمهم قوة، يطير في الجو، ويصعد في السماء، حتى يبلغ القمر فيقبّل راحته! وأي غرابة في أن يكون للقمر راحة، ينهال عليها محبّ القمر باللثم والتقبيل؟
    ثم يتكلم رئيس المجلس، فيرفع التحية إلى القمر، ويتكلم القمر فيرد التحية على محبيه، ثم يغيب القمر فتتبعه القلوب والنفوس، وتمضي في أثره الأماني والآمال.
    ويعود كل شيء إلى الهدوء والاطمئنان، وقد نجا المجلس من خصومة المختصمين، واعتذار المعتذرين، ورضى الراضين. وربح البصل، وانغمس في وزارة الزراعة، يدرس ميزانيتها، في نفس العجلة التي درس فيها ميزانية وزارة الأشغال مساء الأربعاء!
    كذلك تجري أمورنا في مصر: اضطراب يعقبه هدوء، وغضب يعقبه رضى، وقمر يطلع ثم يغيب، ونظارة يرون فيبتسمون، ويسمعون فيضحكون. حتى إذا أصبح الصباح وتناول الناس الأهرام، نظروا فإذا الجد كل الجد في لندرة، وإذا سياسة مصر تُدبّر في وزارة الخارجية البريطانية.
    أيعود المندوب السامي فيظل القمر مشرقًا في السماء؟ أم يُنقل المندوب السامي فيهوى قمر، ويصعد مكانه قمر آخر يبدو هلالًا، واللّٰه يعلم أتتمّ دورته أم يهوى قبل أن يصير بدرًا؟
    كوكب الشرق ١٩ – ٤ – ١٩٣٣

  • إقدام | Daring

    إقدام
    ولكنه إقدام خطر ، قد يجرّ إلى الشر ، وينتهي إلى ما لا يحبه المُقدِمون أنفسهم ، وقد لا تحتمله أيضًا صحة هذه الوزارة التي أخذتها العلل من أطرافها المختلفة فأعجزتها عن النهوض بجلائل الأعمال ، سواء أكانت هذه الأعمال نافعة أم ضارة .
    نعم ، إقدام خطر مريب معيب ، هذا الذي أخذت تظهر آثاره وبوادره على أعمال الإدارة في الصعيد؛ فقد كانت الإدارة هادئة في أسوان ، وكانت مستقرة ، تسمع وترى ، وتتألم وتغضب ، ولكنها لا تضطرب ولا تسرف في الاضطراب ، بل تُخلي بين الناس وبين أنفسهم ، يحسون ويشعرون ، ثم يعبّرون عما يجدون من حسٍّ وشعور ، فيحتفلون ويصفقون ويهتفون ، وكل شيء هادئ ، والنظام مستقر ، إلا أن يكون إظهار الشعور والاستمتاع بالحرية الطبيعية التي يكفلها الدستور خروجًا على النظام ، وتكديرًا للصفو والهدوء .
    كانت الإدارة هادئة مطمئنة في أسوان حين زارها الرئيس الجليل ، فلم يحدث أو لم يكد يحدث شيء ذو بال ، ولكن أشد الأحلام رزانة قد يخف ، وأعظم الأحلام ثقلًا قد يطيش . ويظهر أن صبر الإدارة محدود مهما يطل ، وأن حلمها ضيق مهما يتسع ، وأنها قد ترى ما تكره هي ، وإن لم يكرهه الدستور ولا القانون ولا النظام ، فتحتمله ساعة أو ساعات ، وتصبر عليه يومًا أو أيامًا ، ثم لا تلبث أن تتنكر له وتثور به ، وتعرض للناس تأخذهم بكظم الحس ، وكتمان الشعور ، والتنزّل عن حقهم الطبيعي في أن يغدوا ويروحوا ، ويأتوا من الأمر ما يحبون لتكريم من يحبون .
    يظهر أن الإدارة لا تستطيع أن تمضي في الصبر والاحتمال إلى مدى بعيد ، وهي بذلك تقيم أوضح الأدلة وأقواها على أن كفايتها للنهوض بما تنهض به من الأعمال عُرضة للشك وموضع للريب .
    فليس الحكم بطشًا ولا عسفًا ، وليس الحكم تحدّيًا ولا تصدّيًا ، وليس الحكم إظهار القوة والبأس ، وإنما الحكم صبر واحتمال ، والحكم احتياط للطوارئ ، واستعداد للحوادث ، لا تعجّل لها ولا إثارة للناس إلى أحداثها .
    نعم ، ليس الحكم بطشًا ولا عسفًا ، وإنما الحكم هو هذه القدرة التي تمكّنك من أن تلاحظ وتراقب ، وأنت هادئ مطمئن ، وأنت قوي مستعد لدفع الشر إن وقع أو خفت وقوعه .
    وكل شيء يدل على أن الإدارة لو أخذت بأصول الحكم هذه ، فهدأت واستقرت ، واكتفت بالاستعداد للطوارئ ، ولم تتورط في إثارتها ، لم يحدث شيء ، ولم يتعرض فرد أو جماعة لمكروه . ولكن هذا — كما قلت — شيء ليس باليسير فيما يظهر ، وهو لا يكون يسيرًا ولا ممكنًا إلا يوم تحيا الأمة والحكومة حياة واحدة ، وتشعران شعورًا واحدًا ، وتشتركان اشتراكًا صحيحًا في المنافع والآمال والمثل العليا .
    هنالك تستطيع الأمة أن تعيش حرة ، وتستطيع الحكومة أن تحمي هذه العيشة الحرة ، مؤيدة لها ، مقوية لما فيها من أسباب الحياة وعناصر الحرية .
    ولكن الأمر في مصر على غير هذا من كل الوجوه؛ فللأمة حياتها وآمالها ، وللحكومة حياتها وآمالها ، وبين هذين النوعين من الحياة والآمال آماد بعيدة لا سبيل إلى تقصيرها أو تقريبها .
    تريد الأمة أن تحيا حرة ، وتأبى الوزارة إلا أن تقصّ من جناح هذه الحرية . تحب الأمة من تحب من الزعماء ، فتلقاهم فرحة بهم ، مستبشرة بلقائهم ، مؤمِّلة فيهم ، وتكره الوزارة هؤلاء الزعماء الذين تحبهم الأمة وتعقد بهم الآمال . تكرههم الوزارة فتحول بينهم وبين الحركة والانتقال إن وجدت من نفسها القوة على ذلك ، وتدعهم وما يريدون إن عجزت عن أن تحبسهم في بيوتهم ، ولكنها تتنكر وتتنمّر وتتحدى وتتصدى ، وتظهر من ألوان الشدة ومظاهر القوة والبأس ما يثير ويغري بالشر ، حتى إذا وقع الشر أو كاد ، اتخذت من هذا سبيلًا إلى مصادرة حرية الزعماء والناس ، وحجة على أن استقرار النظام في حاجة إلى أن تستقر الأمة فلا تحس ولا تشعر ولا تعيش !
    ما هكذا يكون الحكم ، وما هكذا يكون إقرار النظام . ما هذه الأنباء التي أخذت ترد من الصعيد بالاصطدام بين الناس والشرطة في الأقصر ، وبتحطيم سيارات وإصابة أفراد من الناس والشرطة بجراحات ، ومن محاصرة بيوت واقتحام أخرى ، ومن استصدار أوامر من النيابة بالقبض على بعض الناس ؟ ما هذا كله ؟ وفيم هذا كله ؟ ولأي خطر تتعرض البلاد لتقف الإدارة من الناس هذا الموقف ، وتثير شعورهم على هذا النحو ؟
    ما وضع المحطات تحت الحصار ؟ وما مرافقة الرئيس الجليل وصاحبه في القطار ؟ أتريد الحكومة أن يشعر الناس أنها قوية ، وأن لديها شرطة مسلحة بالبنادق والعصي ، وأن هذه الشرطة قادرة على تفريق المجتمعين وتبديد المحتفلين وإسكات الهاتفين ؟ فإن أحدًا لم يشك في أن للحكومة شرطة وجيشًا ، وفي أن عندها بنادق وعصيًّا ، وفي أن من وراء هذه الشرطة وهذا الجيش جيشًا آخر قويًّا أجنبيًّا مستعدًّا للنصر والتأييد ، ولكن عمل الشرطة والجيش إنما هو أن يجيبا إذا دُعيا؛ فمن الذي دعاهما ؟ ومن الذي طلب إليهما أن يعرضا للناس وهم آمنون ؟
    لم يشك أحد في أن الحكومة قادرة إن أرادت على أن تبطش بالناس ، وقد أرادت ذلك غير مرة فبطشت بالناس وأذاقتهم ألوانًا من المكروه ، ولكن الشيء الذي نشك فيه جميعًا — بل لا نشك فيه وإنما نوقن به — هو أن هذا البطش لا خير فيه ، وإنما هو الشر كل الشر ، والخطر كل الخطر .
    لقد بطشت الحكومة بالناس غير مرة ، فكان القتلى وكان الجرحى ، وكانت الخطوب والأهوال ، ولم تظفر الحكومة بعد هذا كله ورغم هذا كله بشيء مما كانت تريد؛ فلا هي جذبت إليها قلوب الناس ، ولا هي هدأت عن نفسها سخط الناس ، ولا هي صرفت الناس عمن يحبون ، ولا هي زهّدت الناس فيما يحبون ، وإنما انتهت بها سياسة التحدي والتحرّش إلى عكس ما كانت تريد .
    فما أحبّ الناس حريتهم كما يحبونها اليوم ، ولا حرص الناس على استقلالهم كما هم حريصون عليه اليوم ، ولا تعلقت قلوب الناس بدستورهم القديم كما تتعلق به اليوم ، ولا وثق الناس بزعمائهم وقادتهم كما يثقون بهم اليوم ، ولا يئس الإنجليز من سياسة اللعب والدوران والعسف والبطش كما ييأسون منها اليوم ، ولا فشل حكم الإرهاب والإرهاق كما يفشل اليوم .
    تستطيع الحكومة أن تنظر وأن تسمع حيث شاءت ومتى شاءت ، فلن ترى ولن تسمع إلا جبالًا من الحرية لا يشبهها حب ، ولا كلفًا بالديمقراطية الصحيحة لا يشبهه كلف ، وازدراءً للخطوب ، واستخفافًا بالصروف ، واستعدادًا للصبر واحتمال المكروه .
    لم يصل اليأس بعد ، ولن يصل إلى قلوب الناس . فما تعلق الحكومة بما لا سبيل إليه ؟ وما تهالك الحكومة على ما لا خير فيه ؟ هذه الأمة تحيا حياتها هادئة مطمئنة ، تنظر إلى الحوادث صابرة عليها ، معتصمة بإيمانها ، واثقة بالمستقبل ، معرضة عن الحكومة ، تاركة لها تسلك طريقها المعوج . فما للحكومة لا تحيا هي الأخرى حياتها ، ولا تدع الأمة وما تريد ؟
    نعم ، في مصر حياتان مختلفتان: إحداهما حياة أمة كلها أمل ، فهي تصبر وتبتسم؛ والأخرى حياة وزارة كلها يأس ، فهي تغضب وتتنكّر ، وهي تهيج وتثير الناس . وأي غرابة في أن يضيق من يملأ قلبه اليأس بمن يملأ قلبه الرجاء ؟
    إقدام خطر هذا الذي تظهر آثاره في الصعيد ، خير منه الإحجام . ما أشد حاجة الوزارة إلى أن تفكر في نفسها ، وتعنى بصحتها ، وتعالج هذا الشلل الذي أصاب أطرافها ، وتفرغ لهذا المرض الذي دبّ في أجزائها؛ فإن في هذا كله ما يشغلها عن زيارة الرئيس الجليل وصاحبه للصعيد .
    لتتفرغ الحكومة لشؤونها الصغيرة والكبيرة ، ولتطمئن ، فلن يتعرض النظام ولا الأمن للخطر ، ولا لما يشبه الخطر ، إذا أخذت هي رجال الإدارة بالهدوء ، وكفّت هي يد الإدارة عن الناس .
    إن استقرار النظام رهين باستقرار الإدارة ، فإذا لم يكن بدّ من أن تعمل الحكومة شيئًا ، فلتجذب إليها بشدة لجم الإدارة ، فقد يظهر أن في خيل الإدارة ميلًا إلى الجموح .