في الشرق
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
٢٥ نوفمبر ١٩٤٥
ليست خطوب الغرب يسيرة ولا هينة، فللغرب مشكلاته المعقدة التي تزداد عسرًا من يوم إلى يوم،
ولكن الغرب قد ألف المشكلات، وعرف كيف يخرج منها بالصبر والأناة مرة، وبالتعجل والخصومة مرة
أخرى، وبالحرب التي لا تبقي ولا تذر حين لا يكون بدٌّ من الحرب، فلندع الغرب ومشكلاته التي لا
تنقضي، ولننظر إلى الشرق ومشكلاته التي تريد أن تكون كمشكلة الغرب شائكة معقدة شديدة
الاختلاط.
ومشكلات الشرق لا تأتيه من نفسه الآن على أقل تقدير، وإنما تأتيه من الغرب، فما نعلم أن دولة
شرقية تريد أن تعتدي على دولة شرقية أخرى، ولا أن شعبًا شرقيًّا يريد أن يستذل شعبًا شرقيًّا
آخر. ولو تركت أمور الشرق للشرق، لكان من المرجح أن يمضي في طريقه إلى الرقي، وأن يسير في هذه
الطريق سيرًا هادئًا مطردًا، حتى يبلغ منه ما يشاء الله له أن يبلغ في غير اضطراب ولا اختلاط،
ولكن شئون الشرق لا تترك للشرق، وإنما يتدخل فيها الغرب تدخلًا متصلًا، فيعقِّدها تعقيدًا
متصلًا، ويستنفد جهود الشرق في غير مصلحته، وفي غير مصلحة الغرب أيضًا، في هذا الجهاد العنيف
الذي يفني القوة، ويشيع في النفوس أملًا قليلًا، ويأسًا كثيرًا، وحزنًا دائمًا على كل
حال.
وليس في الشرق الآن مكان يمكن أن يُقال: إن القلوب فيه مطمئنة، وإن النفوس فيه راضية، وإن
الأمور تجري فيه على ما يحب الشرقيون، أو على ما يحب الغربيون، أو على ما ينبغي أن تجري عليه
الأمور لترقية الحضارة، وتحقيق منافع الناس جميعًا، وإقامتها على أساس صحيح من العدل والمساواة
والإنصاف.
فالشرق الأقصى مضطرب أشد الاضطراب وأعنفه وأبغضه، وليس لهذا الاضطراب سبب إلَّا أن الأوروبيين
الذين سفكوا دماءهم ودماء غيرهم لمحق الظلم، وإقامة العدل، لم يستطيعوا أن يتسلَّوا بعدُ عن هذا
الظلم الذي ألفوه، وأقاموا عليه. وكان من المنتظر — بعد أن تضع الحرب أوزارها، وبعد أن تنهزم
اليابان هذه الهزيمة المطلقة — أن تخلص أمور الصين للصين وحدها، ولا سيما بعد أن قيل ألف مرة
ومرة: إن الصين دولة من الدول الخمس العظمى التي تشارك في إقامة العالم الجديد. ومن الواضح كل
الوضوح أن شئون الصين ليست خالصة للصين وحدها، وإنما هي مشتركة بين الدول الكبرى الأوروبية
والأمريكية، وهي موضوع نزاع أقله ظاهر، وأكثره خفي بين الروسيين والأمريكيين.
ومن الخطأ أن يُقال أو أن يُظن أن الإنجليز ينظرون إلى شئون الصين نظرة مبرَّأة من الطمع
والاستعمار؛ فالمصالح الأوروبية الأمريكية معقدة في الصين أشد التعقيد، ولم تبلغ الصين بعدُ من
الرقي في الحضارة المادية الخالصة ما يتيح لها الاستغناء عن أولئك أو هؤلاء؛ فللدول الأوروبية
الكبرى فيها الامتيازات والمستعمرات ومناطق النفوذ السياسي والاقتصادي، ولا بد لهذه الدول من أن
تحافظ على امتيازاتها؛ فإن نزلت عن شيء منها فلن تنزل عنه إلَّا بثمن مدفوع.
وقد انتشرت الشيوعية في بعض أجزاء الصين، وقامت لها قائمة ذات خطر، فانقسم أهل الصين على
أنفسهم، وكان الطبيعي أن يُخلَّى بين الصينيين وبين شئونهم، ينظمونها كما يشاءون، ولكن للشيوعية
نصيرًا عظيمًا، ولخصوم الشيوعية أنصارًا عظماء، وفي الصين قوًى أمريكية هائلة. وبين روسيا
والصين جوار ومصالح مشتبكة، فالخصومة بين الشيوعية ورأس المال في الصين هي الخصومة بين الشيوعية
ورأس المال في أقطار الأرض كلها، ولكنها مسلحة في الصين بالأسلحة الأمريكية والروسية.
فليس من الغلو أن ننظر إلى ما يجري الصين الآن كما كنَّا ننظر إلى ما كان يجري في إسبانيا قبل
الحرب العالمية الثانية. وإذن فاختلاط أمر الصين كان خليقًا أن يصلح وينتهي إلى كلمة سواء، لو
لم يتعقد بتعارض المصالح الأمريكية والروسية في تلك الأقطار.
وللأوروبيين مستعمرات كانوا يستغلونها قبل الحرب منذ أزمان طويلة أو قصيرة، غلبتهم عليها
اليابان أعوامًا قليلة، ثم هُزمت اليابان، فهمَّ الأوروبيون أن يستردوا مستعمراتهم، ولكن هذه
المستعمرات خطر لها أنها تستطيع أن تسترد حريتها بعد أن انتصر الحق والعدل في أعقاب هذه الحرب
التي شبَّت لتحق الحق، وتنشر العدل. فما أسرع ما تبينت هذه المستعمرات أنها تمنَّت، وأن التمني
شيء والظفر بالأماني شيء آخر، وأن الحرب لم تشبَّ لإحقاق الحق، ونشر العدل، وإنما شبَّت ليزداد
القوي قوة، وذو البأس بأسًا، وليمنع الطامعون من المنافسة، وإثارة المشكلات.
فلم يكن المهم أن ينتصر الحق، وينتشر العدل، بمقدار ما كان المهم أن تردع ألمانيا وإيطاليا
واليابان عن الطمع والمنافسة في الاستعمار، وأن تظل الأرض خالصة للذين كانوا يستأثرون بها من
دون الناس!
وكذلك نشهد الآن هذه الآثام التي تقترف في الشرق الأقصى، فأهل إندونيسيا يريدون أن يستقلوا
بشئونهم تنفيذًا لما بذل المنتصرون للناس من المواثيق، فيُقال لهم: بل يجب أن تخضعوا لهولندا،
فقد كنتم خاضعين لها من قبل، ولم يحدث في العالم شيء جديد يدعو إلى أن يتغير النظام القديم.
فإذا أبى أهل إندونيسيا أن يذعنوا؛ صُبَّ عليهم الموت، وسُلطت عليهم ألوان الهول، ووضع
المنتصرون أصابعهم في آذانهم حتى لا تبلغهم أصوات الذين يطالبون بالحق والعدل والإنصاف. وليس من
المهم أن يستمتع تسعون مليونًا من الإندونيسيين بحقهم في الحرية والاستقلال، وإنما المهم أن
يستمتع ثمانية ملايين من الهولنديين بما كانوا يستمتعون به قبل الحرب من الاستعمار
والاستغلال.
أولئك شرقيون يجب أن يخضعوا، وهؤلاء غربيون يجب أن يسودوا، وقد ضحَّت هولندا في سبيل حلفائها
الإنجليز، فيجب أن تُضحِّي بريطانيا العظمى في سبيل حلفائها الهولنديين. والنتيجة أن الحرب قد
وضعت أوزارها، ولكن الدماء ما زالت تسفك في الشرق الأقصى؛ لأن أوروبا لم تتسل عن الاستعمار، ولم
تؤمن قط إيمانًا صادقًا خالصًا بردِّ الحقوق إلى أهلها، وإنما آمنت ببذل الوعود ليس غير.
والذي يحدث في إندونيسيا يحدث مثله في الهند الصينية، فما ينبغي أن تسترد هولندا مستعمراتها،
وتقصر فرنسا في استرداد ما كان لها من المستعمرات. ولم تكن فرنسا أقل تضحية في سبيل الحلفاء من
هولندا، وهي التي تلقت الصدمة الأولى، وتفوقت في المقاومة، وشاركت في قهر ألمانيا. ومع ذلك
فالبريطانيون لا يساعدون فرنسا على استرداد مستعمراتها في الشرق الأقصى إلَّا مساعدة فاترة توشك
أن تكون سلبية، ولو استطاعوا لردُّوها عن هذه المستعمرات؛ لأن المنافسة خطرة بين فرنسا
وبريطانيا العظمى، وليست خطرة بين هولندا وبريطانيا العظمى.
وقد حدثتنا الأنباء بأن أهل بورما أيضًا يطالبون بالاستقلال، ويجاهدون في سبيله، ولكن بورما
كانت مستعمرة بريطانية، فيجب أن تظل مستعمرة بريطانية، وفي جيوش الإمبراطورية البريطانية من
القوة ما يكفي لإقناعها بالخضوع لسلطان الاستعمار. وقصة الهند أظهر من أن تحتاج إلى أن يتحدث
عنها المتحدثون؛ فقد تطلب الهند الاستقلال كما تشاء، وقد تقول الهند أنها شاركت في الحرب،
وشاركت في النصر، ومن حقِّها أن تشارك في ثمرات هذا النصر. وقد تستطيع الهند أن تقول أن أبناءها
ما زالوا يعملون ويسفكون دماءهم في خدمة الإمبراطورية، وفي معونة حلفاء الإمبراطورية؛ فجنود
الهند يصبُّون الموت على أهل إندونيسيا معونةً للهولنديين. تستطيع الهند أن تقول هذا، وأن تقول
أكثر من هذا، ولكن أهلها مختلفون، ويجب أن يظلوا مختلفين؛ لأن في هذا الاختلاف تثبيتًا
للاستعمار البريطاني.
أمَّا الشرق الأوسط، فأمره عجب أي عجب، كانت إيران هادئة مطمئنة، ماضية في حياتها لا تؤذي
أحدًا، ولا يؤذيها أحد، فلما شبَّت الحرب ظهر أن احتلالها ضروري لمصلحة الحلفاء فاحتلوها،
وغيَّروا نظام الحكم فيها، وقطعوا على أنفسهم العهد مع ذلك؛ لأنهم لن يعرضوا استقلالها للخطر،
ولن يطيلوا الإقامة في أرضها بعد انقضاء الحرب، وقد انقضت الحرب، وما زال الاحتلال للأرض
الإيرانية باقيًا، يقيم الروسيون في جزء من هذه الأرض، ويقيم البريطانيون في جزء آخر، وينظر كل
فريق منهما إلى صاحبه نظرة الشك والاضطراب، ويشيع كل فريق منهما عن صاحبه ما يريد من
الإشاعات.
وتطلب إيران إلى أولئك وهؤلاء أن يفوا بالعهد، فتظفر منهم بالأجوبة الحلوة المعسولة، وتذكر
قول الشاعر القديم:
يعطيك من طرف اللسان حلاوة ويروغ منك كما يروغ
الثعلب
وتشبُّ الثورة في إيران، تشبُّ نفسها أو يشبُّها الأجنبي، فإذا أرادت إيران أن تقر النظام في
نصابه مُنعت من ذلك منعًا. ويغضب الإنجليز لأن الروس يمنعون إيران من إقرار النظام في المنطقة
الشمالية، ولو شبَّت الثورة في المنطقة البريطانية لجاز أن تمنع إيران من ردِّ النظام إلى
نصابه، ولغضب الروس من تدخل الإنجليز في شئون إيران. أولئك وهؤلاء يفكرون في أنفسهم وفي مصالحهم
أكثر مما يفكرون في إيران ومصالح الإيرانيين.
وفي الثورة الإيرانية خطرٌ على تركيا، وخطر على العراق، فالبريطانيون قلقون لهذا الخطر، لا
لأنه قد يؤذي تركيا أو قد يؤذي العراق، بل لأنه قد يضيِّع بعض المصالح الكبرى للإمبراطورية؛
فينبغي أن يستقر النظام والهدوء في تركيا والعراق لتسلم مصالح الإمبراطورية البريطانية في الشرق
الأدنى، والشرق الأدنى — كما تعلم — هو نقطة الاتصال بين الإمبراطورية ومستعمراتها.
ومن أجل هذا كان هدوء الشرق الأدنى شيئًا خطيرًا جدًّا بالقياس إلى حلفائنا وأصدقائنا
البريطانيين، فيجب ألَّا يتعرض هذا الهدوء لخطر مهما يكن مصدره، ويجب أن يسهر البريطانيون حتى
لا يصل الشر من إيران إلى تركيا أو إلى العراق، ويجب أن يسهر البريطانيون حتى لا تضطرب الأمور
في شرق البحر الأبيض المتوسط بحال من الأحوال، فإذا أخطأ الفرنسيون فنكثوا بوعودهم، واضطرب
السوريون واللبنانيون؛ فإن بريطانيا العظمى قادرة على أن ترد الفرنسيين إلى الصواب، وتضطرهم إلى
البرِّ بالوعد، والوفاء بالعهد، والجلاء عن سوريا ولبنان، فإذا قالت سوريا ولبنان: هذا حسن،
ولكننا نريد الجلاء الكامل، جلاء الأجانب جميعًا؛ قال البريطانيون: سيتم هذا الجلاء، ولكن بعد
أن نتفق على أن الشرَّ يمكن أن يأتي إلى الشرق الأدنى من إيران، كما يمكن أن يأتي من الشرق
الأدنى، من موقف الفرنسيين في سوريا ولبنان، ولكنه يمكن أن يأتي إلى الشرق الأدنى من فلسطين؛
حيث يقوم الانتداب البريطاني، وحيث يعجز هذا الانتداب عن حفظ النظام؛ لأنه لا يريد — أو لا
يستطيع — أن ينصف العرب ويرد الحق إلى أهله.
وهذه هي المشكلة المعقدة حقًّا؛ فليس الروس هم الذين يُعقِّدون الأمر في فلسطين، وليس
الفرنسيون هم الذين يعقِّدون الأمر في فلسطين، وإنما الذين يعقِّدون الأمر هم الإنجليز أنفسهم
وحلفاؤهم الأمريكيون. هم خلقوا مشكلة فلسطين من لا شيء، وهم تبرعوا بما لا يملكون، وهم وعدوا
بما لا يستطيعون تنفيذه، وهم أعطوا وعودًا متناقضة للعرب واليهود جميعًا، وصدَّقهم أولئك
وهؤلاء. فلما حان وقت الوفاء سقط في أيديهم، ووقفوا موقف الحيرة الذي يقفونه، والذي يجر على
الشرق الأدنى وعليهم شرًّا كثيرًا.
وقد يأتي الشر إلى الشرق الأدنى من مصر، فلمصر حقوق تطالب بها، وتعتقد أن قد آن الوقت لترد
إليها هذه الحقوق، وهي تعتقد أنها تملك هذه الحقوق من طبيعة الأشياء؛ لأن الله قد خلقها حرة،
فما ينبغي أن يستعبدها أحد، وهي تملك هذه الحقوق؛ لأنها ضحت في سبيلها بالكثير أثناء الحرب، بل
أثناء الحربين، فإذا لم تُرد إليها هذه الحقوق فقد تغضب، وقد يكون غضبها مصدر شر عظيم، يعرِّض
مصالح الإمبراطورية البريطانية للخطر.
وقد يأتي الشر من أفريقيا الشمالية، فهي أيضًا تريد أن تكون حرة؛ لأن الله قد خلقها حرة،
ولأنها بعيدة العهد جدًّا بالحرية والاستقلال. فالشر — كما ترى — يمكن أن يأتي من كل مكان في
الشرق، ولا بد من الاحتياط له، ولكن كيف يكون هذا الاحتياط …! يكون بإحدى ثلاث ليس لهن رابعة،
الأولى: أن تظل أوروبا في حرب متصلة، فتحشد قوة هائلة في كل جزءٍ من أجزاء الشرق؛ لتمنع أهله من
أن يثوروا. وليس إلى هذه الخصلة سبيل، فأهل أوروبا متعبون، يحتاجون إلى شيءٍ من الراحة،
وإكراههم على الحرب المتصلة لا سبيل إليه. الثانية: أن يذعن الغرب لما يطلبه الشرق، فيرد إليه
حقوقه كاملة، واستقلاله موفورًا، وليس إلى هذه الخصلة من سبيل إلَّا أن تمس الأوروبيين عصًا
ساحرة، فيصبحوا بين لحظة وأخرى ملائكةً أبرارًا. الثالثة: هي أن يلجأ الغرب إلى المداورة
والمناورة، فيصطنع الترغيب حينًا، والترهيب حينًا آخر، والتخويف مرة، والإطماع مرة أخرى.
وهذه هي الخصلة التي سيصطنعها الغرب غدًا؛ لأنه يصطنعها اليوم، ولأنه اصطنعها أمس، ولأنها
بلَّغته إلى الآن كل ما أراد. وليست المسألة المهمة هي ما عسى أن يصطنع الغرب ليواجه طموح الشرق
إلى الحرية، فجواب هذه المسألة معروف، وإنما المسألة هي: ما عسى أن يَصنع الشرق ليجعل طموحه إلى
الحرية حقيقةً واقعةً؟
Tag: الاستقلال الوطني
-
في الشرق | In the East
-
الديمقراطية والاستقلال | Democracy and Independence
الديمقراطية والاستقلال
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
٢ سبتمبر ١٩٤٥
حين أعلنت بريطانيا العظمى تصريح فبراير سنة ١٩٢٢ معترفة فيه باستقلال مصر، ومحتفظة فيه بالمشكلات الأربع التي كان يجب أن تحل بالمفاوضات الحرة؛ أبرق اللورد كرزون، وزير الخارجية البريطانية، إلى رئيس الوزارة المصرية، المغفور له عبد الخالق ثروت باشا، يُهنِّئه بما ظفرت به مصر من الاستقلال التام.
وقد ضحك المصريون يومئذ من ذلك الاستقلال التام الذي كانت تحده التحفظات الأربعة من جميع أقطاره، ولكن ضحك المصريين في ذلك الوقت كان يختلف ظهورًا وخفاءً، وخفوتًا وارتفاعًا باختلاف موقفهم من الحكومة المصرية إذ ذاك. فأمَّا المعارضون، وكانوا كثرة الشعب، فقد كان ضحكهم عاليًا عريضًا، وأمَّا المؤيدون، وكانوا قلة في الشعب، فقد كان ضحكهم مكتومًا مكظومًا.
والشيء المحقق الذي لا شك فيه هو أن اللورد كرزون قد ابتسم حين أرسل تلك الرسالة، وأن ثروت باشا قد ابتسم حين تلقاها. فلم يكن أحد يعتقد أن تصريح فبراير قد ردَّ إلى مصر استقلالها التام، وإنما كان أنصار هذا التصريح يرونه خطوة في سبيل الاستقلال، وكان خصومه يرونه عبثًا بالعقول، وكان الأنصار والخصوم مصيبين فيما كانوا يرون.
فتصريح فبراير قد مكَّن مصر من وضع الدستور، وإقامة سياستها الداخلية على نظام ديمقراطي معقول في الورق على الأقل. وقد مكَّن مصر من إعادة وزارة الخارجية، وإنشاء التمثيل السياسي والقنصلي، وإرسال الوزراء المفوضين إلى العواصم الكبرى. وكل هذا كان تقدمًا في سبيل الاستقلال، ولكن تصريح فبراير كان في الوقت نفسه لونًا من تلهية الشعب وتسليته، ومحاولة لتخفيف عنف الحركة الوطنية، ورد المصريين إلى شيء من الهدوء الموقوت. وهذا كله إن دل على شيء فإنما يدل على أن كلمة الاستقلال من هذه الكلمات المرنة التي تطول وتقصر، وتتسع وتضيق حسبما تريد الظروف.
وقد كان عندنا قبل إلغاء الحماية وبعد تصريح ٢٨ فبراير أنواع مختلفة من الاستقلال، فكان عندنا الاستقلال الكامل، وكان عندنا الاستقلال التام، وكان عندنا الاستقلال الحقيقي، والاستقلال الصحيح، والاستقلال الذي لا شك فيه! وكنا نجد لكل نوع من هذه الأنواع حدودًا ورسومًا تبيِّن أنه هو الاستقلال المحقق للآمال، الذي يرفع رأس مصر عاليًا بين الأمم، ويكفل لها المكان اللائق بها تحت الشمس، كما كان يقال في تلك الأيام، حتى انتهى الأمر بإهمال هذه الألفاظ والاقتناع بأن الشعوب الكريمة لا تنخدع بالكلمات، وإنما تقيم أمورها على الحقائق الواقعة المحسوسة.
والظاهر أن هذا النوع من الشك في معنى كلمة الاستقلال، والتردد فيما يعرض لها من الطول والقصر، ومن السعة والضيق ليس مقصورًا على مصر، وإنما هو شيء شائع في الأرض كلها، وبالقياس إلى الأمم كلها، وأن الاستقلال بالمعنى الدقيق صورة خيالية يستطيع الأديب أن يحققها في نفسه، ولكنه لا يستطيع أن يعطي لها مثالًا خارجيًّا يمكن أن يرى ويحس، فطبيعة الحياة بين الجماعات كطبيعة الحياة بين الأفراد تقوم على التضامن والتعاون، واحتياج الناس إلى الناس، واعتماد الناس على الناس.
وكما أنك لا تستطيع أن تتصور فردًا من أفراد شعب بعينه قد استغنى عن الناس جميعًا، واستقل بأمره كله فلم يحتج إلى أحد، ولم ينتظر معونة من أحد، وإنما يحتاج الناس إليه ويلتمسون عنده المعونة، فأنت لا تستطيع أن تتصور شعبًا من الشعوب يستطيع أن يستغني عن الاتصال بغيره، والاعتماد عليه في إرضاء حاجاته المختلفة، وتحقيق مآربه التي لا تحصى.
وكلما تقدمت الحضارة ازدادت تعقدًا، وازدادت مصالح الناس اشتباكًا وارتباكًا، وتعسر على المواطن أن يستغني عن مواطنيه، وعلى الشعب أن يستغني عن غيره من الشعوب. وكلما تقدمت الحضارة تيسرت المواصلات، ودنا بعض الأوطان من بعض، وألغيت مسافات الزمان والمكان بين الأمم؛ فأصبح الاستقلال أشد عسرًا، وأعظم امتناعًا. وأيسر نظرة إلى الحياة العالمية قبيل هذه الحرب الأخيرة وفي أثنائها وبعد انقضائها تبيِّن ذلك في وضوح لا يحتمل الشك، ولا يقبل النزاع؛ فالحرب تشب بين ألمانيا وبولندا، فتسرع فرنسا وبريطانيا العظمى إلى الحرب، ثم تسرع إليها إيطاليا، ثم تسرع إليها روسيا، ثم تسرع إليها اليابان والولايات المتحدة الأمريكية، ثم تصبح الأرض كلها ميدانًا للحرب، ويسخر المتحاربون من هذه الأمم القليلة التي استمسكت أو زعمت أنها تريد أن تستمسك بالحياد.
فلم تكن هناك أمة محايدة حقًّا، ويجب أن نعبث بعقولنا ونَخدع أنفسنا بما لا ينبغي أن يُخدَع به الأطفال إن ظننَّا أن تركيا مثلًا كانت محايدة، أو أن إسبانيا كانت محايدة. فأمَّا حياد مصر فقد كان كالاستقلال كاملًا أو تامًّا أو حقيقيًّا أو لا شك فيه. الواقع أن شعوب الأرض كلها تأثرت تأثرًا مباشرًا بالحرب، وأخذت بحظوظ مختلفة من المشاركة فيها على كثرة ما قيل في الحياد، وفي موقف الأمم غير المحاربة، إلى آخر ذلك الكلام الكثير الذي كنا نقرؤه ونقيم عليه النظريات والأصول ونحن لا نصدقه فيما بيننا وبين أنفسنا، وإنما نمضي فيه كما يمضي الأطفال العاقلون في لعبهم، أو كما يمضي الممثلون البارعون في فنهم على مسرح التمثيل.
ثم تنتهي الحرب ويستقبل العالم سلمًا غامضة، وإذا كل الشعب يفكر في استقلاله ويتهيأ لما يسمى تقرير المصير، وإذا الخصومات تثار من جديد أو من قديم بين الدول الكبرى المنتصرة، وتثار من جديد أو من قديم بين هذه الدول الكبرى وبين دول أخرى، منها الصغيرة ومنها الصغرى. وكل هذه المشكلات والخصومات إنما تثار حول الاستقلال وتقرير المصير. ولست أدري أي الكتَّاب الفرنسيين هو الذي قال: ما أكثر ما يقتتل الناس ويصرع بعضهم بعضًا لأنهم يتبادلون بينهم ألفاظًا لا يتفقون على معانيها، ولو قد اتفقوا على هذه المعاني لألقوا ما في أيديهم من السلاح، ولاعتنقوا اعتناق الأحباء لا اعتناق الأعداء.
وأحب أن نتبين مثلًا إلى أي حد يمكن أن يقال إن بريطانيا العظمى تستمتع بالاستقلال الصحيح الدقيق الذي لا شك فيه ولا غبار عليه. أمَّا أثناء الحرب فلم تكن بريطانيا العظمى مستمتعة بهذا الاستقلال الخالص من كل شائبة، وإنما كانت مضطرة إلى أن تلائم بين سياستها وسياسة حلفائها وأعوانها، ولو أنها انحرفت عن ذلك لخسرت الحرب. فهي إذن لم تكن مستقلة بالقياس إلى روسيا، ولا بالقياس إلى الولايات المتحدة الأمريكية، بل هي لم تكن مستقلة بالقياس إلى مصر؛ فلو قد شاءت مصر لأفسدت الأمر على بريطانيا العظمى وعلى حلفائها، ولعَرَّضتهم لخطر الهزيمة؛ فلم يكن بد لبريطانيا العظمى من أن تُصانع مصر وتُلاطفها وتَتَرَضَّاها بالابتسام، وتُغريها بالوعود، وتتقدم إلى حلفائها في أن يلقوا مصر بمثل ما تلقاها به من هذا التلطف والتجمل والإغراء.
وقد انتصرت بريطانيا العظمى وانتصر حلفاؤها، وأتت بريطانيا العظمى هذه الحركة الخطيرة التي تدل على أنها مستقلة استقلالًا لا شك فيه، فتخلصت من المحافظين، وأعطت مقاليد الأمر فيها إلى العمَّال، وأظهرت أن شعبها يريد فيبلغ ما يريد، ولكنها على ذلك لا تستمتع بالاستقلال الكامل الدقيق الذي صوَّرته آنفًا، وآية ذلك أنها جزعت حين ألغت الولايات المتحدة قانون الإعارة والتأجير، وأنها الآن تداور وتناور، وتصانع وتلاطف، وتنذر وتوعد؛ لتظفر من الولايات المتحدة بما يقوم مقام هذا القانون.
وكان المحافظون في آخر الحرب قد استردوا غطرستهم، وجعلوا ينظرون إلى الأمم الصغيرة نظرات فيها كثير من الأنفة، وجعلوا ينسون ويتناسون وعودهم الخلابة ولطفهم الذي كان أرق من النسيم، وجعلوا لا يترددون في أن يعلموا اليونان والبلچيكيين والإيطاليين كيف تكون المحافظة على النظام، وفي أن يشيروا إلى غير هؤلاء بأن الرجل العاقل الفطن هو الذين يحسن الانتفاع بما يرى ويسمع، ويجنب نفسه التعرض للأخطار. وجاء العمال بعدهم فرقت الألفاظ، وارتسم الابتسام على الثغور، وشاع في الثغرات شيء من ظرف ولطف، ولكن «الحقائق» لم تتغير.
فسياسة الائتلاف في اليونان وغير اليونان قائمة، والمستر أنطوني إيدن المحافظ يهنئ المستر بيفن الاشتراكي بحسن تقديره للأمور، ولكن روسيا تنظر إلى البلقان نظرة فيها كثير من الغموض، وكثير من المكر، والولايات المتحدة تلغي قانون الإعارة والتأجيل، وإذا المحافظون والعمال جميعًا يذكرون أن بريطانيا العظمى مستقلة من غير شك، عظيمة من غير شك، قوية من غير شك، ولكنها على ذلك كله ولذلك كله محتاجة إلى أن تلائم بين سياستها وسياسة حلفائها، سواء أكانوا كبارًا أم صغارًا.
وتحمل لنا أنباء البرق ما يقوله هذا الكاتب الإنجليزي أو ذاك من أن بريطانيا العظمى محتاجة إلى معونة أصدقائها الذين يتعاملون بالجنيه الإسترليني في هذه الأزمة التي تعانيها، وأنها لن تنسى في أيام الرخاء من يساعدونها في أيام الشدة، وكانت تقول نفس هذا القول أثناء الحرب. وليس المهم أنها وفَّت بما وعدت أو أخلفت المواعيد، وإنما المهم أنها على عظمتها وقوتها، واتساع سلطانها، وضخامة إمبراطوريتها، وظفرها بهذا النصر العظيم تستمتع باستقلال مهما يكن هائلًا فهو محدود بمعونة أصدقائها وحلفائها لها في شئون السلم، كما كان محدودًا بمعونة أصدقائها وحلفائها لها في شئون الحرب.
وقل مثل هذا بالقياس إلى روسيا وأمريكا، وقل أكثر من هذا بالقياس إلى فرنسا والصين، ففرنسا مستقلة من غير شك، ولكن استقلالها محدود بما يقدم لها من المعونة على إصلاح ما أفسدته الحرب من أمرها، وعلى رد الرخاء اليسير إلى أبنائها، وعلى تمكينها من استبقاء إمبراطوريتها، وهي على ذلك كله ليست أقل حاجة إلى حلفائها من حاجة حلفائها إليها، فليس لبريطانيا العظمى سبيل إلى الاحتفاظ بمكانتها في أوروبا إلَّا أن تعينها فرنسا على ذلك، وليس لروسيا سبيل إلى الاحتفاظ بمكانتها في أوروبا إلَّا أن تعينها فرنسا على ذلك أيضًا.
ففرنسا مستقلة محتاجة كما أن بريطانيا وروسيا مستقلتان محتاجتان، ولن تستطيع الولايات المتحدة أن تمضي سياستها في الشرق والغرب، وتنشر تجارتها في الشرق والغرب إلَّا إذا وجدت من حلفائها وأصدقائها المعونة على ذلك. أمَّا الصين فأمرها أشد من هذا كله خطرًا: لا بدَّ لها من أن تُرضي روسيا، ومن أن ترضي الولايات المتحدة، ومن أن ترضي بريطانيا العظمى، ومن أن تصانع فرنسا، وهي مع ذلك مستقلة، بل هي إحدى الدول العظمى التي تدبر أمر العالم في الشرق والغرب!
فإذا تركت هذه الدول الكبرى؛ فسترى دولًا أخرى مغلوبة قد وقف استقلالها وقفًا موقوتًا، وسترى أممًا أخرى محررة منتصرة، ولكن استقلالها يدعو إلى الفكاهة؛ فدول البلقان مثلًا مستقلة ما في ذلك شك، ولكن روسيا تحتل بعضها، وتتدخل في شئونها الخاصة؛ لأنها هي التي حررتها، وبريطانيا العظمى تحتل بعضها الآخر، وتتدخل في شئونها الخاصة؛ لأنها هي التي حررتها. وأظرف ما في الأمر أن البريطانيين والأمريكيين يعيبون تدخل روسيا في شئون رومانيا وبلغاريا والمجر وبولندا، وأن روسيا تعيب تدخل البريطانيين في شئون اليونان. أولئك يرون أن تدخل روسيا يضيع استقلال البلاد المحررة، وهؤلاء يرون أن تدخل البريطانيين يجعل استقلال اليونان عبثًا من العبث.
وأنت واجد بعد هذا كله أممًا أخرى لم تحرر؛ لأن العدو لم يحتلها ولم يقهرها، وإنما احتلها الحلفاء أنفسهم لتنفيذ خطط الحرب، فلما وضعت الحرب أوزارها أصبح بقاء الاحتلال وقتًا طويلًا أو قصيرًا شيئًا لا بدَّ منه لضمان ما تحتاج إليه هذه الأمم من الاستقلال، فإيران مستقلة، ولكن يجب أن يبقى الحلفاء فيها وقتًا ما ليقام استقلالها على أساس متين.
أمَّا الشرق العربي الأدنى، فقصته أشد من هذا كله تعقيدًا، والشيء الواضح الجلي هو أن كلمة الاستقلال فقدت قيمتها فقدانًا يوشك أن يكون تامًّا، وأننا عندما نذكر الديمقراطية والاستقلال إنما نذكر كلمتين قديمتين كانتا تدلان على بعض المعاني في أول هذا القرن، ولكن خطوب هاتين الحربين أضاعت معانيهما، وجعلتهما كلمتين لا تدلان على شيء إلَّا ما يريد الساسة من رجال الدول الكبرى أن تدلَّا عليه.
فالديمقراطية كما يريدها البريطانيون لها معناها الذي يسيغه البريطانيون وحدهم، وهي كما يريدها الأمريكيون لها معناها الأمريكي، كما أن لها في روسيا معناها الروسي. فأمَّا الأمم الأخرى فليس لها أن تختار هذا المعنى أو ذاك، وإنما عليها أن تقبل ما تفرضه الظروف من إرادة البريطانيين أو الأمريكيين أو الروس، فإن زعمت أن لها في الديمقراطية والاستقلال رأيًا خاصًّا، وأنها تريد أن تحقق هذا المعنى كما تتصوره هي لا كما يتصوره أولئك أو هؤلاء؛ فينبغي أن تذكر أن السيوف لم تُغمد بعدُ، وأن القنبلة الذرية قد استُكشفت منذ أسابيع.
هذه هي الديمقراطية التي انتهت إليها الحرب العالمية الثانية، وهذا هو الاستقلال الذي يراد أن يتخذ أساسًا للعالم الجديد، ولكن من حق الشعوب ألَّا تضعف ولا تهن ولا تيأس، فقد انتهت الحرب ولم يقرر السلام بعدُ، وإنما العالم في أزمة كأزمة المريض الذي تقلع عنه الحمى، ولكنه لم يسترد قوته بعدُ. وستنجلي هذه الأزمة يومًا ما، وسيسترد العالم المريض قوته يومًا ما، وسيعتدل مزاج الإنسانية غدًا أو بعد غد، ويمكن يومئذ أن نبحث عن المعنى الدقيق الذي تدلُّ عليه كلمة الديمقراطية وكلمة الاستقلال. -
في الجامعة المصرية | On the Egyptian University
في الجامعة المصرية
طه حسين
جريدة المصري
١٣ مارس ١٩٣٧
الجامعة لم تُسلِّم ولن تُسلِّم للأزهر، ومسألة اختلاط الجنسين مسألة سخيفة. أين كانت هذه «الغيرة» في العهود الماضية؟!
قُوبِلَت الأحاديث التي نشرناها في «المصري» من أيام عن مسألتي التعليم الديني واختلاط الجنسين في الجامعة المصرية لحضرات أصحاب السعادة والعزة: لطفي السيد باشا، والدكتور طه حسين بك، والدكتور عبد الحميد العبادي؛ باهتمام شديد في جميع الأوساط، ولا سيما الأزهرية منها.
وقد نشرنا أمس الأول ردًّا موجزًا على هذه الأحاديث لصاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ عبد المجيد اللبان شيخ كلية أصول الدين.
وننشر اليوم فيما يلي ردَّ حضرة صاحب العزة الدكتور طه حسين بك على رد فضيلة الشيخ اللبان، بل يُعتبَر رد الدكتور ردًّا على جميع الذين ينادون بضرورة التوسع في إدخال التعليم الديني، وفصل الطلبة عن الطالبات في الجامعة المصرية.
قال الدكتور طه بك جوابًا عن سؤال منَّا إليه:
أول ما ألاحظه — وما أتمنى أن يلاحظه غيري — من الذين لهم في قيادة الرأي حظٌّ صغير أو كبير؛ أننا في وقت دقيق أقل ما يجب فيه على كل مصري أن يصطنع الذوق من جهة، وأن يلائم بين أفعاله وأقواله وما تفرضه الوطنية الصادقة من جهة أخرى.
فنحن في وقت نريد أن نثبت فيه استقلالنا السياسي وحياتنا الدستورية الداخلية، وكل عمل أو قول من شأنه أن ينشئ للحكومة مصاعب في سبيل هذين الغرضين، مهما تكن هذه المصاعب، يخالف الذوق ويخالف ما تقتضيه الوطنية في وقت واحد.
وما أكثر ما رغبت مصر في الإصلاح، وتحرقت شوقًا إليه، وتألمت لطول انتظاره! فأي مشقة وأي جهد تشقى بهما مصر إن انتظرت شهرًا أو شهرين حتى تفرغ الحكومة من المسائل العاجلة التي ينبغي أن تقف عليها جهودها وتفكيرها وعنايتها، ثم نطالبها بعد ذلك بما نشاء أو بما نحب من أنواع الإصلاح؟!
أليس مما يؤلم ويسوء أن تكون الحكومة منصرفة أو يجب عليها أن تنصرف انصرافًا تامًّا إلى مؤتمر الامتيازات، وإلى دخول مصر عصبة الأمم، ونأتي نحن فنخلق لها المشكلات ونثير في وجهها المصاعب، ونعرضها للاشتغال بأشياء تستطيع أن تشتغل بها بعد أن تفرغ من مسائل السياسة الخارجية.
لذلك أعود فأؤكد لك أني آسف أشد الأسف؛ لأن كثيرين من الذين يثيرون المشكلات الاجتماعية وغير الاجتماعية الآن يخالفون الذوق مخالفة مؤلمة، ويخالفون الواجب الوطني مخالفة أشد إيلامًا. وما أريد إلَّا أن يبرأ المصريون من أهوائهم وشهواتهم — ولو إلى حين — حتى يثموا ما بينهم وبين الأجنبي من حساب، ثم لهم بعد ذلك أن يستأنفوا الاستسلام للأهواء والشهوات كما يحبون وكما تدفعهم أمزجتهم وتقديرهم لما يجب لهم وما يجب عليهم.
والآن، أقول لك في صراحة لا تحتمل لبسًا ولا تثير شكًّا، ولا تحتاج إلى تأويل إن هذه المسألة التي أُثيرت أخيرًا، والتي تتصل باختلاط الجنسين في الجامعة مسألة سخيفة لا أكثر ولا أقل. ومن الإثم في حق الذوق وفي حق الوطن أن يُشاع الفساد في الجو المصري لمسألة سخيفة كهذه. فقد قلت — وما زلت أقول — إني لا أعرف في كتاب الله عز وجل ولا في سنة رسول الله ﷺ نصًّا يُحرِّم على الفتيات والفتيان أن يجتمعوا في حلقة من حلقات الدرس حول أستاذ يعلمهم العلم، والأدب، والفن.
وإذن؛ فالجامعة لم تُحْدِث حدثًا ولم تخرج على نص من نصوص الدين، وما ينبغي لأحد أن يعرض لها في ذلك إلَّا أن يكون محبًّا لإثارة الخلاف، حريصًا على إفساد الجو، مبتغيًا ما يكره الله للصالحين من عباده أن يبتغوه.
وقد كان الفتيات والفتيان يجتمعون في دروسهم الجامعية في عهد الحكومات الماضية، فلم تَثُر المشكلات ولم تضطرب البيئات التي تضطرب الآن، ولم يتقدَّم أحد إلى الحكومة في التفريق بين الفتيات والفتيان في دُور العلم العالية. فهل كان المطالبون بهذا نائمين في العهد الماضي ثم استيقظوا في هذه الأيام؟!
والذي يؤلم أن صديقي وزميلي الدكتور منصور فهمي بك كان عميدًا لكلية الآداب ثلاثة أعوام في ظل وزارات مختلفة ووزراء مختلفين، منهم «وزير التقاليد»، فلم يفرق بين الفتيات والفتيان في دروس العلم، ولم يتقدم برأي في ذلك إلى السلطات الجامعية أو الحكومية، فما باله الآن يطالب بهذا بعد أن ترك الجامعة وألقى عن نفسه هذه التبعات الجامعية؟! وهل أستطيع أن أفهم معنى لقبول الشيء حين كان يستطيع أن يرفضه، ثم لرفض الشيء بعد أن نفض يديه منه وأُلْقِيَتْ عنه تبعاته؟!
وكذلك أصدقاؤنا الأزهريون كانوا يستطيعون أن يطلبوا إلى صدقي باشا، وعبد الفتاح يحيى باشا، وتوفيق نسيم باشا، وعلي ماهر باشا التفريقَ بين الفتيات والفتيان في الجامعة؛ فما بالهم لم يفعلوا؟! وما بالهم انتظروا حتى يأتي هذا الظرف الدقيق، ثم أخذوا يطالبون بما لا سبيل إلى تحقيقه؟! وأقول: لا سبيل إلى تحقيقه، وأنا أريد ما أقول وأفهمه حق الفهم.
فالدستور لا يبيح للحكومة أن تحرم التعليم العالي على الفتيات بحال من الأحوال، والظروف المالية لا تبيح للحكومة أن تنشئ جامعة خاصة للفتيات، ولو أرادت الحكومة ذلك لقُلْنا لها في صراحة وفي إخلاص ونصح للدين والدنيا معًا: إن هذا إضاعة للمال والجهد في غير وجههما، والجامعيون لن يقبلوا أن يدخل أحد في شئونهم على هذا النحو مهما يكن أمره.
وإذن؛ ففيمَ الضجيج والعجيج؟! وفيمَ إثارة اللغط فيما لا حاجة إلى اللغط فيه؟!
أحب أن يفهم أصدقاؤنا الأزهريون أن الجامعيين لم يسلموا ولن يسلموا لهم، ولا لأي هيئة أخرى باحتكار حماية الدين والقيام دونه؛ فليس في الإسلام ما يجعل حماية الدين إلى بعض المسلمين دون بعض.
والجامعيون يرون أن كل مسلم مكلف أن يحمي الدين كما يستطيع، وهم يرون أنهم يفهمون الدين كما يفهمه الأزهريون، ويعلمون من أمره مثل ما يعلم الأزهريون، ويعرفون ما يجب عليهم للدين، وينهضون بواجبهم في ذلك، ولا يعترفون لأحد بسلطان عليهم في ذلك إلَّا الله الذي يملك وحده محاسبة الضمائر ومراقبة القلوب.
فالجامعيون إذن لا يتلقون أمرًا من معهد آخر مهما يكن، ولا يريدون أن يتلقوا درسًا في الدين من هيئة أخرى مهما تكن، وهم لا يلقون على الأزهر درسًا في أي شأن من شئونه، وهم لا يتقدمون إلى الحكومة باعتراض ما يتصل بشئون الأزهر. فليتركهم الأزهر كما يتركونه، وليُعْنَ الأزهر بإصلاح أمره كما يُعنَى الجامعيون بإصلاح أمرهم، وليحترم الأزهر استقلال الجامعة كما تحترم الجامعة استقلال الأزهر، وليعلم أصدقاؤنا الأزهريون أن لا نفع بحال من الأحوال من إثارة هذه المشكلات الآن، وإتعاب الحكومة والأمة بما لا ينبغي أن يتعبهما به أحد.
يريد الأزهر أن يُعلِّم الدينَ في كليات الجامعة، وقد قُلْتُ في الحديث الماضي: أَحْبِبْ إلينا بهذا! ولكن يجب أن يُفهَم تعليم الدين في الكليات على وجهه؛ فليست الكليات مدارس ابتدائية ولا ثانوية، وإنما طلاب الكليات راشدون يستطيعون أن يتعلموا الدين إن أرادوا، وقد عرفوا منه ما يجب على المسلم أن يعرفه في المدارس الابتدائية والثانوية.
ولسنا نرى بأسًا من أن يزيدوا علمهم بالدين، بل نحن نُحِبُّ ذلك ونُرغِّب الطلبة فيه ونُعِينُهم عليه إن استعانونا؛ فَلْيُلْقِ الأزهر محاضرات عامة في الدين، فسنرسل إليه طلابنا ليستمعوا لهذه المحاضرات، وليرسل الأزهر إن أراد من علمائه ووعاظه مَنْ يَعِظ الطلاب في دينهم ويُبصِّرهم بما يجهلون من أموره، فسيصير لهم من ذلك ما يريدون. ولكن يجب ألَّا يخدع الأزهر نفسه، وألا يطلب تعيين أساتذة في الكليات ومنحهم مرتبات ليعلِّموا الشبان دينهم؛ فإن هؤلاء الشبَّان — كما قُلْتُ — قد بلغوا رشدهم وأصبحوا قادرين على أن يتعلموا بأنفسهم، وعلم الدين منهم قريب يُلقى في الأزهر ويُلقى في المساجد، ولن يصدهم أحد عن الأزهر ولا عن المساجد.
وبَعْدُ، فإذا طلب الأزهرُ أن يُعلَّم الدين في الكليات، وطلبت البطريركيةُ الأرثوذكسيةُ أن يُعلَّم الدين في الكليات، وطلبت البطريركيةُ الكاثوليكيةُ أن يُعلَّم الدين في الكليات، وطلب البروتستانتيون أن يُعلَّم الدين في الكليات، ثم طلب الإسرائيليون أن يُعلَّم الدين في الكليات؛ ماذا تكون النتيجة؟!
أويظن أصدقاؤنا الأزهريون أن الجامعة قد أُنْشِئَتْ لهذا، أم هم يعلمون أن الجامعة قد أُنْشِئَتْ لتخصص الطلاب في ألوان من العلم، وليس بين طلابها قاصر ولا عاجز عن تثقيف نفسه في الدين؟!
الحق أقولُ لإخواننا الأزهريين إنهم يشطون ويطغون على إخوانهم ويكلفون الدولة من أمرها عسرًا، ومع ذلك فإن الأزهر نفسه في حاجة شديدة إلى الإصلاح، وفيه مسائل معقدة أشد التعقيد تحتاج إلى الحل. والشعب المصري ينتظر من رجال الدين أن يعظوه ويبصِّروه. ألا يظن الأزهر الشريف أن بين يديه من الأعمال، وأمامه من المشكلات ما يستنفد جهده؟! أليس من الخير أن يبدأ بنفسه، فينهض بواجباته الأولى، وأن يشتغل بما يعنيه قبل أن يشتغل بما لا يعنيه؟!
إن بين الأزهر والجامعة علاقات قوامها المودة والتعاون على تحصيل العلم؛ فالخير في أن يستبقي الأزهر هذه العلاقات، وأن يعمل على تقويتها. فقد يُخيَّل إلينا أن الأزهر سيحتاج وقتًا طويلًا جدًّا إلى الجامعة لِتُعِينَهُ على تنفيذ نظامه الجديد، وعلى إدخال طائفة من العلوم الحديثة في كلياته.
فليكن الأزهر عند حسن الظن به، وليفرغ لإصلاح نفسه، وليهيئ للجامعة ما تحب من فرصة معونته والنصح له؛ فذلك خيرٌ له وخيرٌ للجامعة وخيرٌ للمصريين والشرقيين جميعًا.
وبَعْدُ، فأنا مؤمن بأن الأزهر حريصٌ أشد الحرص على أن يثير في هذه الأيام خصومة لا يكون وراءها إلَّا الشر، وإذا أُثِيرَتْ فلن يصلى نارَها الجامعيون وَحْدَهُمْ، بل سَيَصْلاها معهم قومٌ آخرون! -
في الاستقلال | On Independence
حديث الوادي
في الاستقلال…
نريد أن نتحدث عن هذا الاستقلال الذي يقف رئيس وزرائنا الرجل الطيب موقف الأبطال للذود عنه، وحمايته من تدخل الإنجليز، فهو استقلال طريف في حقيقة الأمر لا يستحق عناية ولا يجدر برجل عاقل يكرم نفسه عن السخف ويرفعها عن عبث الأطفال، أن يحفل به أو يفكر فيه. بل هو استقلال خير منه الخضوع، لأنه يقوم على الغرور أو على التغرير، ولا يقوم على الحق الواضح الجلي الذي لا يختلف فيه الناس، ولا يحتاجون إلى أن يختلفوا فيه، فالاستقلال الذي يحميه رئيس الوزراء أو يتكلف حمايته لا يبلغ حتى أن يكون شكلاً من الأشكال أو صورة من الصور أو مظهراً من المظاهر الكاذبة. وإنما هو كلام يرسل في الهواء إرسالاً ولا يستطيع أذكى الناس ولا أغباهم ولا أشدهم فطنة، ولا أعظمهم حظاً من السذاجة أن يفهم له معنى أو يستدل به على شيء. هو استقلال يبيح للوزراء أثناء الطمأنينة والهدوء أن يدخلوا الإنجليز في كل شيء، ويتقربوا إليهم من كل طريق. يبيح لهم أن يعملوا عصي الشرطة الإنجليزية وسياطها في رؤوس المصريين وأبدانهم، يبيح لهم أن يقصوا المصريين عن المناصب ليضعوا فيها الإنجليز، يبيح لهم أن يوزعوا كتباً في اللغة الإنجليزية على الطلاب والتلاميذ توزيعاً قهرياً أثناء الصيف، يبيح لهم ألا يصدروا في أمر من الأمور السياسية الخارجية إلا عن رأي الإنجليز ومشورتهم بل عن أمر الإنجليز وإرادتهم. يبيح لهم أن يقبلوا من الإنجليز مذكرات بأمر الري وفي غير الري من المسائل الداخلية الخالصة، يبيح لهم أن يتقربوا إلى المندوب السامي، بإقامة الولائم له، في داخل البلاد وفي البيئات القروية الخالصة، وأن يحشدوا له المصريين ليتلقوه بالهتاف والتصفيق إذا هبط من سيارته وليودعوه بالهتاف والتصفيق إذا صعد إليها، يبيح لهم أن يرفعوا كلمة الإنجليز، على كل كلمة إذا حسنت الصلة بينهم وبين الإنجليز وألا يحفلوا بما يقول المصريون أو بما يفعلون بل أن لا يسمحوا للمصريين بأن يقولوا أو يفعلوا، فإذا كان الحرج بينهم وبين الإنجليز لسبب من الأسباب دفعهم إليه ضعف الرأي، وسوء التدبير والعجز عن مواجهة الخطوب والعجز عن فهم الاستقلال كما ينبغي أن يفهم، في هذه الحال يصيحون بأن الاستقلال في خطر، ويدعون الشعب إلى حمايته والذود عنه والقيام دونه أن يعتدى عليه الإنجليز.
يطلبون إلى الإنجليز – فيما تؤكد دوائر لندن – أن يشيروا عليهم في أمر الوصاية والأوصياء، وما ينبغي للإنجليز أن يستشاروا، ثم لا يشيروا. فإذا أشار عليهم الإنجليز أنكروا هذه المشورة التي طلبوها وشكوا من التدخل الذي دعوا إليه، وأحدثوا أزمة عنيفة لا يقدرون عواقبها، لأنهم لا يحسنون تقدير العواقب، لشيء من الأشياء. هذا هو الاستقلال الذي يحميه رئيس الوزراء أو يتكلف حمايته، هو استقلال شر منه الخضوع، لأنه يقوم كما قلنا على الغرور والتغرير وعلى السخف الذي لا يسيغه الأطفال، فإذا نظرت إلى هذا الاستقلال من ناحيته الداخلية الخالصة، من ناحية الصلة بين الوزارة والمصريين فهو استقلال كله شر، وكله تجاوز للقانون، وكله إفساد لمعنى الاستقلال الصحيح. هو استقلال يقوم على أخذ الناس بالعنف، والبطش في غير حق، وعلى التفريق بينهم في جباية الضرائب: تخفيف على الأنصار والأعوان، وتشديد بل إرهاق للخصوم والمقاومين. وهو تبذير في هذه الأموال التي تجمع بالعصي، وتجبى بالسوط وتؤخذ من الناس في غير أوقاتها، تبذير في هذه الأموال باليمين والشمال، تبذير في مصر وتبذير في أوروبا، تبذير فيما ينفع ويمكن تأجيله، وفيما لا نفع فيه، بل فيه الضرر المحقق، عبث بالمال، كما يعبث الأطفال بما أمامهم من الرمل حين يلعبون على ساحل البحر. فإذا أنكر الناس عليهم ذلك أو هموا بإنكاره فالسؤال والتحقيق والإرهاق والمضايقات التي لا تحصى والإعنات الذي لا يحد، والاجتراء حتى على مكانة القضاء. وما ينبغي له من التقديس والإقدام على غير ذلك مما لا نحاول إحصاءه لأننا لا نستطيع إحصاءهم، ومما تضيق به كل نفس، ويدمي له كل قلب، وينطلق به كل لسان.
الاستقلال الذي يحميه رئيس الوزراء أو يتكلف حمايته يمكن أن يختصر في جملتين اثنتين: خضوع للإنجليز، ما حسنت الصلة بين الوزارة وبين الإنجليز وإذلال الشعب المصري. ما استطاعت الوزارة إذلال الشعب المصري. تستطيع أن تبحث وأن تستقصي فلن تستطيع أن تخرج باستقلال رئيس الوزراء عن هاتين الصورتين البشعتين، صورة الخضوع للقوي والإذلال للضعيف. فقد نحب أن نعلم هل هذا هو الاستقلال الذي طلبه المصريون وجاهدوا فيه، وسفكوا فيه دماءهم وأرهقوا فيه نفوسهم واحتملوا فيه ما لا يحصى من ألوان الضر والضيم والأذى. وقد نحب أن نعلم لمن أعلن هذا الاستقلال؟
ولمصلحة من؟ ولإرضاء من أعلن هذا الاستقلال؟ هل أعلن هذا الاستقلال لمصلحة الإبراشي باشا وأمثاله من الذين تظهرهم الأحداث في هذا البلد الشقي، ولأنصاره والمذعنين له من الوزراء وأشباه الوزراء؟ فإن كان هذا الاستقلال قد أعلن لمصلحة هؤلاء الناس دون الشعب المصري فليحموه وحدهم، وليحتفظوا به وحدهم وليدعوا الشعب المصري يطلب استقلاله الصحيح الذي لم يظفر به بعد. أم هل أعلن الاستقلال للشعب المصري نفسه لإرضائه ولتحقيق مصالحه، وللوصول إلى تحقيق الاتفاق بينه وبين الإنجليز؟ فإن كانت هذه ونظن، بل نؤمن، أن هذه هي الصحيحة التي ليس فيها شك، فإن الشعب المصري يفتقد استقلاله فلا يجده وإنما يجد قوماً آخرين هم الإبراشي باشا وأمثاله قد استأثروا من دونه بهذا الاستقلال، وغصبوا لأنفسهم هذه الحقوق.
وما نظن أن المصريين قد انتهوا من السخف إلى حيث يصدقون أن استقلال الإبراشي باشا وأمثاله هو استقلال مصر، وأن بقاء الإبراشي باشا وأمثاله في مناصبهم يتجاوزون القانون وينتهكون حرمات الدستور هو المظهر الصادق للاستقلال الصحيح.
كلا. قد ينتهي فريق من الناس إلى هذا السخف، لأن الله أراد لهم ذلك، ولكن الشعب المصري ما زال رشيداً، يفهم الاستقلال على وجهه ويريده على حقيقته. ويعلم أن حماة الاستقلال والذادة عنه، ليسوا ولا يمكن أن يكونوا من طراز الإبراشي باشا ورئيس الوزراء.
طه حسين
الوادي، ٢٥ أكتوبر ١٩٣٤. -
مساواة | Equality
حديث الوادي
مساواة . . .
أجمل ما تشتمل عليه الرسالة البرقية التي أرسلها مكاتب التيمس إلى صحيفته، يتحدث فيها عن رحلة رئيس الوفد الأخيرة، نقده للرئيس لأنه لا يريد أن يتعاون مع أحزاب المعارضة الأخرى على قاعدة المساواة.
هذا النقد جميل حقاً وهو خليق بالإكبار والإعجاب وخليق بالتفكير فيه، والتفسير له، بنوع خاص، فرئيس الوفد رجل ظالم حقاً، يعترف له الإنجليز ويعترف له خصومه من المصريين بأنه زعيم الكثرة من الشعب وبأن التصريف المعقول لأمور الشعب من دونه أمر لا سبيل إليه، ثم يقول له الإنجليز ويقول له خصومه من المصريين ما بالك تظلم وتطغى، وتأبى أن تعمل مع غيرك، من الساسة على قاعدة المساواة؟ يؤمن الإنجليز والمصريون بأن الوفد صورة ديمقراطية صحيحة، للشعب المصري، وبأن الأحزاب الأخرى صور لأنواع من القلة، منها الصحيح، ومنها المتكلف المصنوع ثم يقول الإنجليز، ويقول بعض المصريين للوفد، ما بالك لا تتعاون مع هذه الأنواع من القلة الصحيحة أو المصنوعة، على قاعدة المساواة؟
ومعنى هذا بالضبط أن هؤلاء الإنجليز والمصريين يسلمون بأن الألف أكثر من العشرة، ولكنهم يتساءلون في الوقت نفسه ما بال الألف لا تساوي العشرة؟ يسلمون بأن هناك كثرة واضحة، بينة، وبأن إرادة هذه الكثرة واضحة بينة، ثم يتساءلون ما بال الكثرة لا تساوي القلة، وما بال إرادة الكثرة لا تتضاءل ولا تنزل عند إرادة القلة؟ يسلمون بأن هناك أوضاعاً طبيعية قد وجدت لأن الله أراد أن توجد، ثم يتساءلون ما بال هذه الأوضاع لا تقلب ولا تتغير، فيصبح الواحد مساوياً للاثنين، وتصبح العشرة مساوية للألف، وتصبح الكثرة مساوية للقلة؟ والغريب أن هؤلاء الإنجليز، والمصريين، حين يلقون على أنفسهم وعلى غيرهم هذه الأسئلة، لا يخطر لهم أن يجيبوا بأن هذه الأوضاع لا تتغير، لأن الله قد خلقها كذلك، وإذا أراد الله شيئاً فلا مرد له، وبأن الواحد لا يستطيع أن يساوي الاثنين، لأن طبيعة الأشياء أرادت وستزيد دائماً أن يكون الواحد نصف الاثنين، وبأن الكثرة لا تستطيع أن تساوي القلة، لأن الله قد فطر العقل الإنساني على أن يتصور التفاوت الطبيعي بين الكثير والقليل. لا يخطر لهم أن يجيبوا بهذه الأجوبة على تلك الأسئلة، مع أنها من بسائط الأشياء وأولياتها، ومع أنها لو ألقيت عليهم في حياتهم العادية الخاصة، أو في غير السياسة المصرية، من الأمور العامة، لما ترددوا في أن يهزوا الرؤوس، ويرفعوا الأكتاف ويسخروا من الذين يريدون أن يقلبوا أوضاع الطبيعة ويغيروا حقائق الأشياء ذلك أن هؤلاء الإنجليز وأصدقاءهم من المصريين يؤمنون فيما بينهم وبين أنفسهم بأن الأمور لا ينبغي أن تجرى على طبائعها في مصر، كما تجرى على طبائعها في غير مصر من البلاد، أما لأن اطراد الأمور على طبيعتها في مصر يقتضي أن يكون أمر الشعب إلى الشعب، وأن تصبح الديمقراطية في مصر جداً لا لعباً، والحياة الدستورية في مصر حقاً لا خيالاً، وهذا شيء يكرهه الإنجليز، فيما يظهر، ولا يستطيعون أن يسيغوه أو يطمئنوا إليه وأما لأن الأمور إن جرت على طبيعتها في مصر أصبحت أمور الشعب إلى كثرة الشعب لا إلى قلته وآلت شؤون الحكم إلى رئيس الوفد وأصحابه دون الذين يناظرونهم ويناضلونهم من المصريين. وهؤلاء المصريون لا يستطيعون أن يطمئنوا في قرارة نفوسهم إلى الديمقراطية الصحيحة، وأن يرضوا فيما بينهم وبين ضمائرهم بما قسم الله لهم من مكان القلة المعارضة، أمام الكثرة الحاكمة. فهم يرون أنفسهم أصحاب الذكاء، وهم يرون أنفسهم أصحاب الكفاية وهم يرون أنفسهم أقدر على الحكم، وأبرع في تصريف الأمور، وأجدر أن تلقى إليهم أزمة مصر.
وهم إذن يؤثرون أنفسهم على الحق، ويقدمون أنفسهم على الديمقراطية ويبغون طريقهم إلى الحكم عوجاً، يخيلون إلى الناس أنهم ديمقراطيون، وأنهم دعاة إلى الحياة الدستورية الصحيحة وهم في حقيقة الأمر أرستقراطيون، لا يدعون إلى حياة دستورية، وإنما يدعون إلى تحكم القلة في الكثرة.
هذا هو التعليل الصحيح فيما يظهر لهذا النقد الظريف الذي يسوقه الإنجليز وبعض المصريين إلى رئيس الوفد، وإلى أصحابه شيعته الوفديين، وظاهر أن هذا النقد إن فهم من الإنجليز لا يمكن أن يفهم من المصريين فالإنجليز مستعمرون، وهم بحكم موقفهم هذا لا يستطيعون أن يطمئنوا إلى حرية مصر، ولا أن يأمنوا استمتاعها بالحكم الديمقراطي الصحيح، ولا أن تطيب نفوسهم عن سيطرة الشعب على شؤونه واعتداد الشعب بنفسه، وإيمان الشعب بحقوقه، فكل هذا خطر على الاستعمار مضيق لسلطان الإنجليز، دافع بمصر إلى ما تريده صادق من الاستقلال الصحيح. فلا يستغرب من الإنجليز أن يضيقوا بالوفد ورئيس الوفد ولا أن يطلبوا من الكثرة أن تتضاءل حتى تساوي القلة، ولا أن يلجأوا إلى العنف والكيد، يبعدون بهما الكثرة عن الحكم إبعاداً إذا أبت أن تذعن لما يريدون.
كل هذا يفهم من الإنجليز، والمصريون يفهمونه حق الفهم، ويقاومونه حق المقاومة، ولكنه لا يفهم من المصريين لأنهم إن كانوا يريدون الاستقلال لبلادهم حقاً، ويحرصون على أن تكون بلادهم حرة حقاً، ويخلصون فيما يعلنون من أنهم دعاة الحرية وحماة الدستور، فهم يعلمون حق العلم أن طريق الاستقلال والحرية والدستور، إنما هي أن تكون أمور الشعب إلى كثرة الشعب لا إلى قلته، وأن يكون الألف من المصريين أكثر من العشرة وأن يكون حق الألف أكثر من حق العشرة وهم يعلمون هذا حق العلم، لأنهم أصحاب الذكاء، وأصحاب الكفاية، والذين يجتمع لهم الذكاء والكفاية لا يجهلون البسائط، ولا يغفلون عن الأوليات. وإذن فما مطالبتهم للكثرة بأن تكون متساوية للقلة؟ وما إلحاحهم على زعيم الكثرة في أن ينزل عن حقوق هذه الكثرة لا لشيء إلا ليمكنهم من هذا الحكم الذي يريدونه ويلحون فيه ولا يستطيعون أن يتعزوا عنه، ولا يستطيعون أن ينهضوا وحدهم بأثقاله؟ خير من هذا، وأقرب إلى المعقول وأشد ملاءمة للذكاء أن يعلنوا أنهم لا يحبون الديمقراطية ولا يرضونها ولا يقبلونها نظاماً للحكم، وأنهم يفضلون حكم القلة على حكم الكثرة. فهم إن فعلوا لاءموا بين آرائهم وبين سيرتهم، ووافقوا بين أقوالهم وأعمالهم، وكانوا صادقين فيما يسرون وما يعلنون، وعرف المصريون كيف يخاصمونهم في الرأي، أو كيف يؤيدونهم فيه.
وأغرب من هذا كله أن يعترف الإنجليز بأن رئيس الوفد رجل شجاع، وبأن رئيس الوفد رجل نزيه، وبأن رئيس الوفد رجل ثابت على الرأي، لا يضطرب ولا ينهزم، ثم يطلبون إليه بعد ذلك أموراً لا تلائم الشجاعة ولا النزاهة ولا الثبات، فليس من الشجاعة أن يكون مصطفى النحاس زعيم الكثرة ثم يضحي بحقوق هذه الكثرة ليرضي الإنجليز أو ليرضي قلة من المصريين وليس من النزاهة أن يكون مصطفى النحاس أميناً على حقوق الشعب ثم يساوم في هذه الحقوق ليرضي الإنجليز وقلة من المصريين، وليس من الثبات على الرأي أن يكون مصطفى النحاس مقتنعاً بأن أمور الشعب يجب أن تكون إلى كثرة الشعب، ثم يعلم بأن أمور الشعب يجب أن تكون إلى قلة ضئيلة من أبناء الشعب ليرضي الإنجليز وفريقاً من المصريين.
هذا غريب قوامه التناقض والاضطراب وإيثار المنافع والاندفاع مع الأهواء، على أن المسألة ليست رضى الإنجليز ولا غضبهم، وليست رضى القلة أو غضبها، وإنما هي رضى الحق من جهة وتربية الخلق السياسي في الشعب من جهة أخرى، وإقناع الإنجليز وأصدقائهم من جهة ثالثة بأن نهضة المصريين ليست لعباً ولا مزاحاً، فالحق يريد أن تكون أمور الشعب إلى كثرة في كل بلد ديمقراطي، وهذا رأي الوفد الذي لن يحيد عنه، وخطة رئيس الوفد التي لن يساوم فيها. وتربية الخلق السياسي تريد من الوفد ورئيسه إصراراً على حق الشعب وثباتاً فيه. وهذا هو مذهب الوفد الذي لن يحيد عنه، وخطة الرئيس التي لن يجادل فيها، وإقناع الإنجليز وأصدقائهم بأن مصر لم تنهض لتلهو، وإنما نهضت لتجد حتى تظفر بالاستقلال، يريد من الوفد ورئيسه ألا توضع حقوق الشعب وآماله موضع الأخذ والرد ولا موضع البيع والشراء، وهذا هو مذهب الوفد الذي لن يحيد عنه وخطة الرئيس التي لن يقبل فيها نزاعاً ولا حواراً، فإذا لم يكن بد من أخذ ورد، وإذا لم يكن بد من جدال ونزاع، فلترد إلى الشعب حقوقه قبل كل شيء ولنقم الديمقراطية في مصر على أساسها الصحيح المتين، ثم يمكن بعد ذلك أن يكون الأخذ والرد والنزاع والحوار بين الأحزاب في المسائل التفصيلية الثانوية التي تمس الحياة اليومية للناس، فأما الحقوق العليا للأمم فهي فوق المناقشة وفوق الجدال.
طه حسين
الوادي، ٥ أغسطس ١٩٣٤. -
الجامعة المصرية في عالم الحرية | The Egyptian University in a World of Freedom
الجامعة المصرية في عالم الحرية – بطل من أبطال الديمقراطية الحديثة
طه حسين
مجلة المصور
١١ مايو ١٩٣٤
كان أبوه يسوق العربات في قرية من القرى، لا يقرأ ولا يكتب ولا يمس من أمور الحياة إلا صناعته هذه اليسيرة، وإلا ما يحسنه أمثاله من أصحاب السذاجة والجهل والعيش الخشن العسير، وكانت أمه خادمًا لسيدة من سيدات القصر، لا أمل لها في أكثر من أن ترضى عنها سيدتها، ويطمئن إليها زوجها، وينشأ ابنها كما ينشأ أمثاله من أبناء الطبقات الفقيرة البائسة، وكانت هذه الطبقات الفقيرة البائسة قد ظفرت بشيء من الحرية قبل أن يُولَد طفلنا هذا بسنتين اثنتين، وطفلنا هذا قد وُلِد سنة ١٨٥٠م.
وكانت هذه الحرية اليسيرة التي فتحت أبوابها المتواضعة لهؤلاء الناس البائسين قد أثارت في نفوسهم شيئًا من العزة، وفتحت لهم نوافذ ضيقة إلى الأمل، ولكنها نوافذ على كل حال ينفذ منها الضوء والهواء، وتتسع بها آفاق الحياة بعض الشيء، بعد أن كانت ضيقة شديدة الضيق.
وكان سائق العربات في تلك القرية قد أحس شيئًا من هذا النسيم الذي فتحت له النوافذ، وقد مدَّ عينه من هذه النوافذ إلى أفق أبعد من أفقه القديم؛ فكَرِه أن يكون ابنه سائق عربة مثله، وطمع في أن يرقى به بعض الشيء إلى صناعة خير من صناعته، وإلى مهنة أرقى من مهنته قليلًا، وبدأ فأرسله إلى المدرسة حتى إذا تعلَّمَ فيها أصول الكتابة والحساب، وتعلَّم معه أبوه هذه الأصول دفعه إلى مَن يعلِّمه صناعة أحذية الخيل، ثم ارتقى به شيئًا فأرسله إلى حيث يتعلَّم صناعة الحدادة، وفي ذات يوم خرج الصبي يلتمس الماء للدكان، وإنه ليحمل وعاء الماء على ما هو فيه من زي قبيح، وشكل تنبو عنه العين، ووجه له حظ من القذارة غير قليل، إذا هو يلمح أحد الذين كانوا يعلمونه في المدرسة، فيستحي ثم يستخفي حتى لا يضطر إلى تحيته، ولكن معلمه قد رآه، وأحس حياءه، فلم يُظهِر معرفته، وإنما ذهب إلى أمه فتحدَّث إليها في أمره حديثًا غيَّر حياته كلها تغييرًا، ولم تغرب الشمس ذلك اليوم حتى كان الصبي مرتحلًا مع معلمه إلى مدينة قريبة، فيها مدرسة التحق بها الصبي لا ليطلب العلم، فقد كان أفقر من ذلك، بل ليكون خادمًا أو كالخادم، لعل حياته في هذه البيئة أن تنفذ إلى نفسه شيئًا من هذا العلم، الذي يلقى فيها من الصباح إلى المساء.
وفي هذه المدينة اتصل الصبي بالكنيسة، وتعلَّم فيها الموسيقى والغناء، وكان الغناء لاتينيًّا؛ فحفظ الصبي أغاني لم يفهمها، وشقَّ عليه أن يغني ما لا يفهم؛ فتعلَّم اللاتينية وحده ليفهم الغناء، وما هي إلا أن يستكشف القسيس أنَّ الفتى يفهم اللاتينية فيكبره ويضن به على الجهل، وعلى هذه الحياة الخاملة ويرسله إلى مدرسة ثانوية، ومن ذلك الوقت اعتدلت له الحياة بعض الشيء، واستقامت له الطرق بعد العوج والالتواء، فأتمَّ درسه الثانوي واتصل بالجامعة في فينا فأتمَّ فيها درسه، ثم ارتحل إلى ليبزج فدرس في جامعتها، ثم عاد إلى وطنه، وإذا هو أستاذ من أساتذة الجامعة في مدينة براج، ولست أدري! أعرفتَ هذا الرجل أم لم تعرفه، ولكني أوثر ألا أسميه الآن، وأن تسميه حياته نفسها، أو أن تسميه الأيام التي صارعته وقارعته فلم تستطع أن تصرعه، وإنما اضطرت إلى أن تذعن له. ظل هذا الرجل أستاذًا في الجامعة يعلِّم الشباب من مواطنيه أصول الفلسفة وفروعها، ولكنه يعلِّمهم أيضًا كيف تكون الرجولة الصادقة، وكيف تكون العزة الأبية، وكيف تكون الحرية التي لا تستطيع الذلة أن تجد إليها سبيلًا، ثم كيف يكون الإخلاص للحق والوفاء له، والثبات عليه والتضحية في سبيله بكل عزيز، والاحتمال في سبيله بكل مكروه.
في ذات يوم اضطربت مدينة براج وما حولها من المدن بحديث خطير، فقد استكشف نسخة خطية لكتاب يُثبِت أنَّ البوهيميين كانوا أصحاب ثقافة وأدب وفن في القرن الثاني للمسيح، حين كان الألمان جهَّالًا متوحشين يرتدون جلود الحيوان، ويعيشون أخشن العيش.
وتستطيع أن تقدِّر أثر هذا الكتاب المستكشف في نفس أمة قد استذلها الألمان، وهي تطمح إلى الحرية وتلج فيها، ولكن الأستاذ درس الكتاب، وإذا هو يعلن — لا مترددًا ولا قادرًا لاضطراب الرأي العام قدرًا — أنَّ هذا الكتاب منحول مصنوع لا أصل له، وهو إذن لا يثبت شيئًا، وأنَّ مجد الأمم لا ينبغي أنْ يقوم على الكذب، ولا أن يعتمد على التضليل، وإذا الرأي العام كله عدو لهذا الأستاذ، الذي لم يتجاوز السادسة والثلاثين من عمره، وإذا الناس كلهم ينكرونه ويمكرون به ويكيدون له ألوان الكيد، ولكنه ثابت في موقفه يعلن أنَّ الكتاب منحول مصنوع، ويجهر بأن مجد الأمم لا ينبغي أن يقوم على الكذب، ويعتمد على التضليل، وتشتد عليه العاصفة، ولكن الشجرة ثابتة لا تنثني ولا تنحني، حتى إذا مضت أيام ثم أسابيع ثم أشهر ثم أعوام تبيَّنَ الحق؛ فإذا الكتاب مصنوع، وإذا الأستاذ لم يكن خائنًا للوطن، ولا منكرًا لمجده القديم، وإذا الذين كانوا ينكرونه قد عرفوه، وإذا الذين كانوا يمكرون به قد أحَبُّوه، وإذا الذين كانوا يكيدونه له قد وثقوا به فأرسلوه نائبًا عنهم في البرلمان.
لم يُخِفْه تنكُّر الرأي العام له، ولم تغرره ثقة الرأي العام به، ولم يتحول عن حبه للحق ووفائه له؛ لأنه كان يحب الحق لنفسه لا ليخاصم به الشعب، ولا ليصيد به الشعب. وفي ذات يوم قُتِلت فتاة وأُخِذ يهوديٌّ من أبناء السبيل فاتُّهِمَ بقتل الفتاة، وعظم أمر هذه الحادثة لأن الناس ظنوا أنها جريمة دينية، ولكن الأستاذ تتبع القصة ودرس القضية واستيقن أنَّ اليهودي بريء، وكان قد قُضِي على هذا اليهودي بالموت، فطلب إعادة النظر في الحكم وألحَّ في ذلك، وهناك تنكَّر له القصر، وتنكَّر له السلطان، وتنكَّر له الرأي العام كله، وضاق به الشباب أشد الضيق، ولكنه لم يحفل بشيء من ذلك، وإنما مضى في دعوته إلى ما يرى أنه الحق، وأقبل ذات يوم إلى الجامعة؛ فإذا الطلاب قد وقفوا يريدون منعه من إلقاء الدرس، وقد جاهدهم وجاهدوه حتى نفذ إلى حجرة الدرس وهَمَّ أن يتكلم، فصاحوا به حتى أخفوا صوته، وهَمَّ أن يكتب فمنعوه من الكتابة، وأقبل العميد فرَجَا منه أن ينصرف، فانصرف عن الدرس ولكنه لم ينصرف عن الدعوة إلى الحق، حتى اضطر السلطان إلى أن يغيِّر الحكم فيكتفي بسجن اليهودي ويصرف عنه الموت، ثم تمضي الأيام وتتابع الحوادث حتى تُعلَن الحرب الكبرى، وإذا صاحبنا في جنييف ومعه نفر من أصدقائه همهم همه وهواهم هواه، كلهم كاره لسلطان الأجنبي، كلهم راغب في استقلال الوطن، كلهم عدو لسلطان النمسا، ساخط على آل هبسبورج، وإذا هم يؤلفون من أنفسهم مجلسًا وطنيًّا يعمل أول الأمر في جنييف، ثم ينتقل إلى باريس، ثم يعظم نشاطه وينبسط سلطانه؛ فيؤلِّف جيشًا من مواطنيه يبلغ نحو خمسين ومائة ألف من المقاتلين في صفوف الحلفاء، ثم لا يأتي أكتوبر من سنة ١٩١٨م حتى يعلن استقلال تشكوسلوفاكيا في الرابع عشر من هذا الشهر، ثم لا يمضي شهر حتى تعقد الجمعية الوطنية في براج، وإذا الجمهورية قد أُقِيمت، وإذا دستورها قد أُعلِن، وإذا توماس مازاريك قد انتُخِب رئيسًا للجمهورية، وإذا الدستور يخصه بميزة لا يشاركه فيها أحد من مواطنيه، فهو قابل للانتخاب لرياسة الجمهورية كلما جاء ميعاد الانتخاب أثناء حياته، على حين لا يباح لغيره أن ينتخب لرياسة الجمهورية إلا مرتين.
وسيُنتَخَب للمرة الرابعة رئيسًا للجمهورية، وفي الرابع والعشرين من هذا الشهر.
هذا هو الطفل الذي كان أبوه يسوق عربة في قرية من القرى، وكانت أمه خادمًا لسيدة من سيدات القصر، وكان أبوه يريد أن يجعله حدادًا، فجعلته نفسه الكبيرة رئيسًا للجمهورية في وطنه، بل مؤسِّسًا للجمهورية في وطنه، بل مُعلِنًا للاستقلال في وطنه، بل بطلًا من أبطال الديمقراطية الحديثة وفيلسوفًا من فلاسفتها، فما أجدر الشباب أن يعرفوه، وأن يحبوه، وأن يتخذوه مثلًا من هذه المثل العليا التي تُحتذَى، وما أجدرهم أن يقرءوا عنه وعن مذهبه في الديمقراطية وأصول الحكم فصلًا ممتعًا رائعًا، نشرته مجلة «الالستراسيون» في عددها الذي صدر في ٢٨ أبريل سنة ١٩٣٤م. -
تواضع! | Modesty!
حديث المساء: تواضع!
طه حسين
كوكب الشرق
١٩ مارس ١٩٣٤
أمَّا أنَّ وزراءنا في هذا العهد السعيد أساتذة يعلموننا الأخلاق ويأخذوننا بِحُسْنِ
السِّيْرَةِ والاستقامَةِ فيما نعمل ونقول، فذلك شيء لا شك فيه، ينكره المعارضون وحدهم، ومتى
اعترف المعارضون بالحق؟ ومتى أنكر المعارضون غير الحق؟ إنما هم قوم مُكابرون، لا ينبغي لك أنْ
تَسْمَعَ لهم، فإن اضطررت إلى ذلك اضطرارًا؛ لأنَّهم أعلى الناس صَوتًا، وأكثر الناس لغطًا،
فاسمع لهم، وصَدِّق عكس ما يقولون؛ فإنْ قالوا لك إن الحكومة مُسرفة في المال، فافهم من هذا
أنها مقتِّرة، وإن قالوا لك إن الحكومة مُهْدِرة للحُرِّيات، فافهم من هذا أن الحكومة تغلو في
حماية الحرية والتسامح مع الخصوم حتى تكاد تغريهم بالفوضى، لا تسلك مع المعاضرين غير هذا
السبيل، اعكس كلامهم عكسًا. فأمَّا الوزَرَاء فصَدِّقْهُم، وآمن لهم؛ لأَنَّهُم لا يَقُولون غير
الحق، ولا يُريدُون غير الخير، ولا يأتون غير الصواب.
وأخصُّ ما يمتاز به وزراؤنا ورئيسهم الرجل الطيب خاصة أنهم أذكياء، وأنهم لذلك مُتَوَاضِعُون،
أذكياء يفهمون الأمور على وجهها، ويرون ما نَسْتَطِيعُ وما لا نستطيع، ويقدِّرُون ما
نَسْتَحِقُّ وما لا نستحقُّ، وهذا الذكاء هو الذي يدفعهم إلى التواضع دفعًا، ويغرقهم فيه
إغراقًا. ذكاؤهم بيَّن لهم أن الدستور القديم كان أكثر مما ينبغي، فرُدَّ الدستور إلى ما ينبغي
له من الضيق، وذكاؤهم بَيَّن لهم أنَّ الاستمتاع بالحرية كما يستمتع بها الناس في غير مصر
مُفْسِدٌ لأخلاقنا، ومرافقنا، فرُدَّ الاستمتاع بالحرية في مصر إلى أضيق حد ممكن، أو قل
أُلْغِيَ.
وذكاؤهم بيَّن لَهُم أنَّ جامعتنا كانت أرقى مِمَّا ينبغي لبلد كهذا البلد الجَاهِل الضعيف،
فردت جامعتنا إلى ما ينبغي أن تكون عليه الجامعات في شعب من الطبقة الرابعة أو الخامسة بين
الشُّعوب المُتحضِّرة، وعلى هذا النَّحو جرى وُزَراؤنا في هذا العهد، إلا في بعض النواحي التي
لا يحسن فيها التواضع، ولا يليق فيها الاعتدال، كالمؤتمرات والإعلان وما يُشبه ذلك؛ فهذه كلها
أمور يَحْسُن فيها أن نسرف بعض الإسراف ونغلو بعض الغلوِّ، لينتفع الأجانب من ناحية ولينخدع
الأجانب فينا من ناحية أخرى، وليعتقد الناس أننا أغنياء وإن كنا فقراء، وأننا راقون وإن كان
عهدنا بالرُّقي بعيدًا، وأننا مستقلون وإن كان استقلالنا وهمًا من الوهم، ولونًا من ألوان
الخيال.
وآخر درس ألقي علينا في التواضع، ولا بد من أن ننتفع به ونستفيد منه، هو هذا الدرس الذي ألقاه
الرجل الطيب حين تحدَّث إلى بعض الكُتَّاب الإنجليز بحديث أُذيع في إنجلترا، ونقلته الأهرام
صباح اليوم، في هذا الحديث يسأل رئيس وزرائنا الرجل الطيب مُحَدِّثه الإنجليزي في هدوء ودعة
واستحياء: لماذا لم يأتِ الإنجليز الخطوة التي ينتظرها منهم المصريون؟ فإذا سأله مُحَدِّثه
الإنجليزي عن هذه الخطوة التي ينتظرها المصريون من الإنجليز، أنبأه رئيس الوزراء بأنها إلغاء
الامتيازات، ومن قبل ذلك أعلن صدقي باشا في باريس أنه ينتظر أن يفرغ بال الإنجليز ليطلب إليهم
مُسَاعدتنا في إلغاء الامتيازات؛ فقد كان صدقي باشا إذن يعلم لماذا لم يأتِ الإنجليز هذه
الخطوة، كان صدقي باشا يعلم أن الإنجليز مشغولون، وكان ينتظر أن يفرغوا مما يشغلهم ليعينونا على
إلغاء الامتيازات.
أما عبد الفتاح باشا فإنه فيما يظهر لا يعلم أن الإنجليز مشغولون، وهو لذلك يسأل ما بالهم لا
يُلغون الامتيازات، ولو كنتُ مكان هذا المحدِّث الإنجليزي لأجبتُ رئيس الوزراء، الرجل الطيب،
بأن الإنجليز لم يلغوا الامتيازات إلى الآن لأن المصريين لم يدفعوا إليهم ثمن إلغاء الامتيازات،
فإذا كان عبد الفتاح باشا قادرًا على إتمام الصفقة ودفع الثمن فإن الإنجليز قادرون على إتمام
الصفقة، وتسليم العين، ولكن عبد الفتاح باشا مع الأسف الشديد أو مع السرور الشديد عاجز كلَّ
العجز عن أن يدفع الثمن؛ لأنَّه لا يَسْتَطِيعُ أن يفاوض ولا أن يُعَاهِدَ، وإذن فلن يستطيع
الإنجليز أن يسلموا له العين، ويلغوا الامتيازات.
ولكن الظريف في هذا هو تواضع رئيس الوزراء؛ فالرجل مُؤْمِنٌ بأنَّه عَاجِزٌ عن أن يُلْغِي
الامتيازات وحده أو عن أن يفاوض في إلغائها وحده، وهو مؤمن بأن الإنجليز إذا لم يعينوه فليسَ
إلى إلغاء الامتيازات من سبيل، وهو حريص كلَّ الحرص على أن تُلْغَى الامتيازات رحمةً بالفلاح
وعطفًا عليه، وهو لذلك يسأل الإنجليز في هدوء وأناة واستحياء: لماذا لم تلغوا الامتيازات؟ أرأيت
تواضعًا أحسن من هذا التواضع؟ أرأيتَ اعتدالًا أجمل من هذا الاعتدال؟ أرأيت شعورًا بالكرامة
أصدق من هذا الشعور؟ أرأيت إيمانًا بالاستقلال أثبتَ من هذا الإيمان؟
أمَّا المُعَارِضُونَ فسيثورون ويثورون لهذا الكلام؛ لأنَّهم لا يَنتظرون إلغاء الامتيازات من
الإنجليز، بل لا يحبون أن ينفرد الإنجليز بإلغاء الامتيازات، وإنما يريدون أن يفرغوا أولًا من
الإنجليز، ليجدُّوا هم في إلغاء الامتيازات، يسلكون إليه من السبل ما يُلائم الكرامة والمنفعة
والاستقلال. أرأيت إلى الفرق بين هؤلاء المُعارضين الذين تفسد الكبرياء عليهم أمورهم فلا يبلغوا
شيئًا، وبين هذا المتواضع الذي يصلح التواضع له أموره، فيبلغ كل شيء؟!
وأدخل من هذا في التواضع، وأدل من هذا عليه، أن رئيس الوزراء يتحدث إلى صاحبه الإنجليزي
فيُنبئه بأن الوقت قد آن لإعادة النظر في تنظيم المحاكم المختلطة، وكان قاضي القضاة منذ وقت غير
طويل يريد ويطلب إلى حضرة صاحب الجلالة أن تُلْغَى المحاكم المختلطة، وأن تستقلَّ مصر بشئون
القضاء فيها، لا أن يُعاد تنظيم هذه المحاكم؛ فانظر إلى الفَرْق بينَ رَئيس الوزَرَاء وَقَاضي
القضاة! أولهما متواضع لا يسرف في الطلب، ولا يغلو في الأمل، والآخر مُتكبر شديد الطمع، لا
يرضيه إلا أن تلغى المحاكم المختلطة إلغاءً، وانظر إلى النتيجة لكبرياء المتكبرين وتواضع
المتواضعين؛ فأمَّا كبرياءُ قاضي القُضاة، فقد أنكرها وزراء الدول المفوضون، وسعوا بإنكارها إلى
رئيس الوزراء، وأما تواضع رئيس الوزراء فقد وافق عليه مُحَدِّثه الإنجليزي، واختصَّه بشيء من
الثناء، وستقول إن نتيجة الأمرين واحدة؛ فلم تُلْغَ المَحَاكِمُ المُخْتَلَطة، ولم يُعَد النظر
في تنظيمها، ولكن هذه مسألة أخرى، لا تمسُّ كبرياء المُتَكَبِّرِين، ولا تَمَسُّ تَوَاضُع
المُتَوَاضِعِينَ، وإنما هي رهينة بما بيننا وبين الأجانب من صلات، ورهينة بالوزارات التي تقوم
على تصريف الأمور.
والغريب أنَّ البرلمان الحاضر متكبر أيضًا؛ فمَجْلِسُ الشيوخ كان يطلب فيه إلغاء المحاكم
المختلطة، ومجلس النواب كان يطلب فيه إلغاء المحاكم المختلطة، وكلا المجلسين يريد إلغاء
الامتيازات من طريق مِصْرِيَّة خَالِصَةٍ، ولكن رئيس الوزراء أُسْتَاذٌ، وهو أستاذ مُتْقِنٌ
لِفَنِّ التعليم؛ فهو يعرف كيف يردُّ البرلمان إلى التواضع، وهو يعرف كيف يأخذ البرلمان
بالاعتدال، وهو يَعْرِفُ كيف يصور مطالب البرلمان التصوير الدقيق الصادق الذي يُلائم ما يستطيع
المصريون أن يطلبوه؛ فهو يكتفي بإعادة النظر في تنظيم المحاكم المختلطة، وهو يريد إلغاء
الامتيازات، ولكن بشرط أن يأتي من الإنجليز لا من المصريين، وقبل المعاهدة لا بعدها.
أرأيت كيف يكون التواضع؟ أرأيت كيف يكون التوفيق؟ ثم يشكُّ المصريون بعد ذلك في كفاية الوزارة
القائمة، ثم يرتاب المصريون بعد ذلك، في أنَّ الوزارة القائمة هي وحدها التي تُلائم مصر، وتقدر
على أن تحقق لها الآمال وتكسب لها الاستقلال. نستغفر الله ماذا نقول، وهل لم يكسب الاستقلال إلى
الآن، وإذن فماذا كان المصريون يصنعون يوم الخميس؟ ألم يكونوا يحتفلون بعيد الاستقلال؟ -
مفاجأة | A Surprise
مفاجأة
لم تقع اليوم، ولم تقع أمس، وإنما وقعت مساء السبت فيما يقول الناس؛ فقد زعموا أن بعض البيئات المصرية قرأت في وقت واحد خلاصة الفصل الذي نشرته «الديلي تلغراف»، ونفت فيه نفيًا قاطعًا نقل المندوب السامي، وأنباءً خاصة وصلت إليها وأثبتت لها إثباتًا قاطعًا أن المندوب السامي قد نُقل بالفعل إلى أنقرة. وكذلك لم يُرد الله لهذه البيئات أن تجني ثمار هذا الجهد العنيف الذي بُذل في لندرة لكسب رضا «الديلي تلغراف» بعد جورها القديم؛ فقد ثابت «الديلي تلغراف» إلى الرضا بعد الغضب، وعادت «الديلي تلغراف» إلى الإنصاف بعد الجور، وعطفت «الديلي تلغراف» على الوزراء وأنصار الوزراء وعلى الحزبين المؤتلفين ومن يدور حول الحزبين المؤتلفين. وأكدت «الديلي تلغراف» أن المندوب السامي عائد إلى مصر ومستأنف عمله فيها، وأن الوزارة قد تُحرم رئيسها المريض ولكنها ستبقى كما هي إجمالًا، وسيُضاف إليها رجلان أو ثلاثة لتمضي في تصريف الأمور على هذا المنهاج البديع الخصب المنتج الذي ثبّت الأمن وأقرّ النظام، والذي استنقذ مصر من الفقر والبؤس، ووفّر عليها أعظم حظ ممكن من العزة والمجد، ومن الثراء والسعادة والنعيم. وكان رأي «الديلي تلغراف» مخالفًا لهذا كله منذ أسبوعين، وكان رئيس الوزراء وزملاؤه يرونها جائرة ظالمة، فيطلب بعضهم إليها الإنصاف والعطف، ويعلن بعضهم عنها أنها لا تستحق عناية ولا التفاتًا.
فلما أجابت «الديلي تلغراف» إلى ما طُلب إليها من عطف وإنصاف، فرحت صحف الوزارة، وظهرت إحداها في صباح الأحد سعيدة مبتهجة، قد زيّنت صدرها بحليتين كريمتين هما صورة المندوب السامي المقيم في منصبه، لأن الله قد قدّر له الشفاء التام، وصورة رئيس الوزراء الذي سيعتزل منصبه لأن صحته تحتاج إلى الراحة وفراغ البال.
وبينما كانت الصحف الوزارية سعيدة بعودة «الديلي تلغراف» إلى الوصل بعد الصد، وإلى القرب بعد الهجر، وإلى الصفو بعد الجفاء، كان الراسخون في العلم من الوزاريين يذوقون حلاوة هذا الخيال مشوبة بمرارة اليأس الذي لا حظ له من عذوبة. وكانوا يقرءون مع هذا الفصل الحلو أنباء بأن المندوب السامي سيسافر ولكن لا إلى مصر، وسيعبر البحر ولكن لا إلى وادي النيل، وسيستقر في الشرق ولكن لا في القاهرة، بل في أنقرة، لأن جو مصر قد يكون جميلًا معتدلًا، وقد يكون صفوًا سمحًا، وقد يكون ملائمًا للنقاهة في الخريف والشتاء بعد المرض الطويل في الربيع والصيف، لولا أن في جو مصر سحابة عظيمة مقيمة، تزول السحب كلها ولا تزول، وتحول بين مصر وبين الصفو الذي تبغيه، والاعتدال الذي تريده وتشتهيه، وتتحول الأحداث والأشياء كلها ولا تحول.
وهذه السحابة العظيمة المقيمة يسميها الناس الوفد، ويحاول الإنجليز وغير الإنجليز أن يردّوها عن هذا الجو الصفو، ويصدّوها عن هذا الإقليم المعتدل ليخلص لهم صفو ذلك واعتدال هذا، ولكنهم لا يجدون إلى ردّها ولا إلى صدّها سبيلًا؛ فهي عظيمة دائمًا، مقيمة دائمًا، تظلّ المصريين بالصبر والثبات، وتحمي المصريين من اليأس والقنوط. وهذه السحابة يستطيع المندوب السامي أن يحتمل ظلّها المُحرِق عامًا وأعوامًا، ولكنه لا يستطيع أن يحتمله إلا بمقدار، ولا أن يثبت له إلا بمقدار. وقد رأى الإنجليز أن مندوبهم السامي قد احتمل ظلّ هذه السحابة العظيمة المقيمة حتى احترق به أو كاد، فأنقذوه ونقلوه إلى أنقرة حيث لا وفد ولا شيء يشبه الوفد، وحيث لا يحتاج إلا إلى أن يسير سيرة غيره من الوزراء والسفراء في هدوء شامل، واستقرار كامل، وتصريف للعلاقات السياسية المألوفة بين الدول التي تستمتع بالاستقلال الصحيح.
والإنجليز يحبون العدل للإنجليز، ويكرهون الجور عليهم والإلحاح عليهم بالظلم؛ فهم قد أشفقوا على السير برسي لورين فنقلوه، كما أشفقوا على اللورد لويد فعزلوه. وهم يريدون أن يرسلوا إلى مصر مندوبًا ساميًا جديدًا يستقبل من أمر العلاقات الإنجليزية المصرية ما استقبل أسلافه، ويجرّب فيها ما منحه الله من الذكاء والفطنة، ومن الدهاء والحذق، ومن المرونة واللباقة، لعله أن يُبلي فيحسن البلاء مع هذه السحابة العظيمة المقيمة التي تظلّ المصريين بالصبر وتحمي المصريين من اليأس، وتأبى أن تدع مكانها من جو مصر إلا أن تتمّ لها الحرية الصادقة والاستقلال الصحيح والسيادة التي لا تقبل شكًا ولا جدالًا، ولا تتعرض لعبث ولا لعب. وقد يكون المندوب السامي الجديد موفقًا كما وُفِّق جورج لويد فيُعزل، وقد يكون موفقًا كما وُفِّق برسي لورين فيُنقل. وقد يكون الله قدّر له توفيقًا من طراز جديد، لأنه قدّر له خطة جديدة غير خطة صاحبيه؛ فقد أراد أحدهما أن يأخذ مصر بالبطش فانتهى إلى العزل، وأراد الآخر أن يأخذ مصر باللين والدهاء فانتهى إلى النقل. فلعل المندوب الجديد أن يُلهمه الله أخذ مصر بالصراحة والصدق ومواجهة الحقائق الواقعة، مخلصًا لها ولأمته، ناصحًا لها ولأمته، لا متجبرًا فقد مضى زمن التجبر، ولا ملتويًا فقد مضى زمن الالتواء، وأصبحت الأمم لا تُساس كما يُساس الأطفال، ولا تُؤخذ كما يُؤخذ الأغرار والضعفاء. والأيام وحدها هي التي ستكشف عما قدّر الله للمندوب الجديد من توفيق أو إخفاق.
مصر تعلم حق العلم أن الله قد كتب لها الفوز، لأن الله قد كتب الفوز للحق دائمًا، وقدّر الانتصار للعدل دائمًا. وأيّ حق يشبه حق مصر في أن تعيش حرّة آمنة لا تعتدي على أحد، ولا يعتدي عليها أحد؟! وأيّ عدل يشبه حرص مصر على أن تكون أمورها إليها هي، لا إلى غيرها من الأفراد، ولا من الشعوب؟ فسينظر المصريون إذن إلى انتقال المندوب السامي القديم باسمين، وسينظرون إلى مقدِم خلفه باسمين كما تعوّدوا أن ينظروا إلى الأحداث كلها باسمين، لا يعرفون هذا الفرح الذي يُنسي الناس أحلامهم، ولا يعرفون هذا الحزن الذي يصرف الناس عن الجهاد، وإنما يعرفون الثقة بالحق والثبات على المطالبة به والسعي إليه في حزم وعزم، وفي عزة وإباء.
ولكن أمر هذا الحادث الفجائي لا يخلو من شيء طريف. فلم نكن نقدر ونحن نكتب ما كتبناه أمس أن نبوءتنا ستتحقق بهذه السرعة، وأن الذين ساءتهم أنباء «الديلي تلغراف» سيسرّون عن قريب بما يسوء الذين استكتبوا «الديلي تلغراف». وكنا نظن أن خطط الصراع والنزاع، وأساليب النضال والنزال، تقتضي شيئًا من التمهل، وأن الثأر لن يظفر به طلابه إلا بعد أسبوع أو ما يزيد على الأسبوع. ولكن القوم كانوا فيما يظهر قد تأهبوا فأحسنوا التأهب والاستعداد، فلم يكد ينتصر الموحون إلى «الديلي تلغراف» ويظفرون برضاها حتى انتصر خصومهم، وحققت لهم الظروف ما يريدون.
وفي هذا الأمر عبرة خليقة بالتفكير، وهي أن كل شيء ممكن، حتى أن تقول «الديلي تلغراف» وتؤكد، وتصطنع الحزم والجزم فيما تقول وتؤكد، ويشيع الناس أنها لم تقل ولم تؤكد إلا عن وحي من المصادر العليمة، ثم يظهر في اليوم نفسه أنها قد قالت وأكدت، وحزمت وجزمت، ولكن الظروف والحقائق الواقعة قالت شيئًا آخر.
فما أجدر المصريين أن يعتبروا، وما أجدر المصريين ألا يغلوا في تصديق الصحف والإيمان لها، حتى ولو كانت «الديلي تلغراف» وأشباه «الديلي تلغراف».
كوكب الشرق في ١٤-٨-١٩٣٣.