خلاف (٢)
طه حسين
جريدة صوت الأمة
٢٠ أغسطس ١٩٤٦
أمختلفون هم أم مؤتلفون؟ أمتفقون هم أم مفترقون؟ راضون هم أم ساخطون؟ أمتفائلون هم أم متشائمون؟
هذه هي الأسئلة التي يلقيها بعض المصريين على بعض وجه النهار وآخره، وفي أول الليل وحين يداعب النوم أعين الساهرين. وليست هذه الأسئلة عبثًا ولا كلفًا بالاستطلاع، وإنما هي صورة صادقة لهذا القلق الذي يملأ القلوب، وهذا الخوف الذي يزعج النفوس، وهذا الأمل الذي يعين الناس على احتمال الحياة ويُهوِّن عليهم لقاء الخطوب. وقد يكون من الغريب أن يجِد المصريون أملًا في القلق، ورجاءً في الخوف، وأن يستحبوا الاختلاف على الائتلاف، ويؤثِروا افتراق الآراء على اتفاق الأهواء، ولكن هذه هي الحقيقة الواقعة التي دفعتها إليها الظروف والتي يجب أن يعرفها رئيس الوزراء وزملاؤه المفاوضون المصريون.
فالشعب المصري يفرح الآن بما تعوَّد أن يحزَن له، ويبتسم الآن لما تعوَّد أن يلقاه بالعبوس.
قيل له إن هيئة المفاوضات قد عرضت على البريطانيين مشروعًا، وإنه آخر ما تستطيع أن تعرض، وقررت أنها لا تستطيع أن تغيِّر منه حرفًا ولا أن تنزل منه عن شيء، وقيل له إن هذا المشروع يسجل الحماية لأنه يعترف للبريطانيين بالمشاركة في الدفاع عن أرض الوطن، ويؤجل المفاوضة المفصلة في شئون السودان بشرط أن يعترف الإنجليز بوحدة وادي النيل في ظل التاج المصري. وقيل له إن في هذا المشروع أمورًا أخرى كلها شر، ولا يكاد يشتمل على خير. فامتلأت نفسه حزنًا وأُفعم قلبه غيظًا. لم ييأس من رَوح الله، ولم ييأس من نفسه، ولم ييأس من قادته وزعمائه الذين عاهدوه مخلصين على أن يجاهدوا في سبيل الحق الوطني حتى يكسبوه أو يموتوا دونه. ولكنه يئس من هؤلاء النفر الذين قبِلوا ما لم يكن ينبغي أن يقبلوا، وعرضوا ما كان يجب عليهم أن يرفضوا، وانتظروا في شيءٍ من الاستجداء وقد وضعوا أيديهم على قلوبهم ليُمسكوها أن تبلغ الحناجر أن يتفضل الإنجليز فيقبلوا عرضهم هذا الذي لا يلائم كرامة ولا حقًّا فضلًا عن أن يلائم اعتزاز المصريين بماضيهم المجيد وأمل المصريين في مستقبلهم الكريم.
وقيل له إن عضوًا واحدًا من هيئة المفاوضين هو مكرم باشا قد أبى أن يشارك في هذه الذلة، وعافَ أن يحتمل هذا الهوان لنفسه ولأمته؛ فوقف من زملائه موقف المعارضة. ثم لم يحتفظ بهذه المعارضة سرًّا بينه وبين زملائه، وإنما أعلنها إلى الشعب إعلانًا، ولم يستقل من هيئة المفاوضات، وإنما أقام في هذه الهيئة رقيبًا خطرًا كما يقيم الرقيب بين الأحياء، وكان عليهم الاستمتاع بجمال النهار وجلال الليل.
ثم قيل للشعب بعد ذلك إن الإنجليز لم يلطفوا ولم يرفقوا، ولم تعرف قلوبهم شيئًا من اللين، ولم تشعر نفوسهم شيئًا من الرحمة لهؤلاء المتهالكين المنتظرين، وإنما خوفوا وحذروا وأرسلوا آخر ما عندهم إلى هؤلاء السادة ليقبلوه أو يرفضوه. فإن كانت الأولى بلغوا الرضا وظفروا بالحظوة، واستقبلوا الأيام في ثقة وأمن، وإن كانت الثانية أضاعوا الفرصة وفقدوا الحظوة، وعرَّضوا أنفسهم لعبث الخطوب وتقلب الأحداث.
هنالك جزعت قلوب وهلعت نفوس وزاغت أبصار. وهنالك ثابت قلوب إلى بصائرها، وآبت نفوس إلى رشدها، وانقسم المفاوضون إلى فريقين: فريق خائف يريد أن يمضي المعاهدة مهما تكُن ومهما تكن نتائجها، وفريق واثقٌ بنفسه وشعبه وحق مصر في العزة والكرامة، وإباء مصر للضيم والهوان، ورفضها أن تذعن للتحريف والتحذير. وهو من أجل ذلك لا يريد أن يمضي المعاهدة مهما تكُن نتيجة هذا الرفض.
فريق يفكر في نفسه وفي منافعه العاجلة، لا يرجو للشعب وقارًا ولا يحسب لرضاه وغضبه حسابًا، بقيت له أعوام يريد أن ينفقها في هذه الحياة مستمتعًا بالسلطان وما يستتبعه السلطان من حول وطَوْل ومن نفوذ وجاهٍ، لا يتحرج أن يفرض نفسه على الشعب فرضًا، وأن يقيمها دكتاتورية تلبس ثوب الديمقراطية ويتخذ زينتها، وهو من أجل ذلك يؤثر قبول المعاهدة على رفضها.
وفريق آخر يخاف أن يمنعه ضميره من النوم، وأن ينغص الندم عليه صفو الحياة إن قبل ما لا ينبغي أن يُقبل وقصَّر في ذات الوطن وفرَّط في حقه، وهو يحسب لرضى الشعب وغضبه الحساب كل الحساب، ويريد أن يذكره الناس بالخير أثناء حياته، وأن يسجل التاريخ له احتفاظه بالكرامة وإباءه للضيم، وألَّا يذكره الناس فيقولوا آثر نفسه على أمته، وآثر العاجلة على الآجلة، ونزل عن حق الشعب وهو لا يملك أن ينزل عن حق الشعب. وهذا الفريق يأبى من أجل هذا كله أن يقبل المعاهدة وأن يجيب الإنجليز إلى ما يريدون.
فقد كان الشعب المصري يائسًا من المفاوضين جميعًا إلَّا واحدًا، فلما أذيعت فيه أنباء الخلاف ضاق اليأس واتسع الرجاء. فقد قيل له إن خمسة من المفاوضين يرفضون مشروع المعاهدة الذي يعرضه الإنجليز، وخمسة أكثر من واحد، فقد اطمأنَّ الشعب إذن إلى أن أربعة آخرين من أبنائه يريدوا أن يستمسكوا بالحق ويحتفظوا بالكرامة، فما له لا يبتهج بهذا الاختلاف، وما له لا يفرح لهذا الانقسام، وهو يرد إليه نفرًا من أبنائه كادوا يفلتون منه ويتجاوزون ما يرضيه.
بل ما له لا يرجو أن يكون في هؤلاء الخمسة أو الأربعة قدوة صالحة وأسوة حسَنة للذين يظهرون كلفًا برضى الإنجليز وشغفًا بمودتهم، فالشعب المصري لا ييأس من رَوح الله؛ لأنه لا ييأس من روح الله إلَّا القوم الكافرون. والشعب المصري يعلم أن الخير يدعو إلى الخير كما أن الشر يغري بالشر. فمن يدري لعل إباء هؤلاء الخمسة الأباة أن يزين في قلوب زملائهم الآخرين حبَّ الإباء للضيم والامتناع عن الذل وموقف الدفاع عن الحق. من يدري لعل الرافضين لهذا المشروع أن يكسبوا زملاءهم كلهم أو بعضهم، ولعل هذا أن يجنب مصر هذا الخزي العظيم، خزي الاستسلام في غير موضع للاستسلام والخنوع في غير داعٍ للخنوع.
من أجل هذا كله يلقي بعض المصريين على بعض في كل لحظة هذا السؤال: أمختلفون هم أم مؤتلفون؟ وفي نفوس المصريين أمل إن لم يتحقق كله، فهم حِراص على أن يتحقق بعضه فهم يأملون أن يأتلِف المفاوضون جميعًا وتتفق كلمتهم على رفض المعاهدة، فإن لم يكُن إلى هذا سبيل فهم يأملون أن يختلفوا وأن يكثر عدد الرافضين؛ لأن معنى هذا الخلاف أن جماعة من أبناء مصر سيبقَوْن في حظيرة مصر، وسيأبون أن يوقعوا بأيديهم صك الذل الذي يُراد أن يُفرض على مصر.
حاشية: جاء في المقال الذي نشرته لي جريدة «صوت الأمة» بعنوان «عبث» بتاريخ ١٢ أغسطس سنة ١٩٤٦ ما يأتي: وأذكر أني كتبت ذات يوم فصلًا في البلاغ أعيب فيه هذه الشركة، وأبيِّن مناقضتها للاستقلال. وكان مستر بيفن يلهج بها ويرغبنا فيها، فلم تمضِ ساعات على ظهور البلاغ حتى تحدث إليَّ متحدث بالتليفون يهنئني بهذا الفصل، ويطلب إليَّ أن أكتب أمثاله وأُبَغِّض هذه الشركة إلى الشعب؛ لأنها تلغي الاستقلال إلغاءً، وكان المتحدث إليَّ بالتليفون هو أستاذنا الجليل وزير الخارجية والعضو في هيئة المفاوضات. وقد ظن بعض الناس أن هذا الحديث جرى بين الأستاذ الجليل وبيني أثناء اشتراكه في الوزارة القائمة، فأحب أن أقرر أنه إنما جرى أثناء وزارة النقراشي باشا.
Tag: الانقسام السياسي
-
خلاف (٢) | Dispute (II)
-
العاقبة | The Consequence
العاقبة
طه حسين
جريدة البلاغ
١٨ يناير ١٩٤٥
كانت مدينة فارسوفيا أول عاصمة من عواصم الحلفاء احتلتها ألمانيا بعد حربها الخاطفة في سبتمبر سنة ١٩٣٩. وقد أعلن الماريشال ستالين أمس أنها حُرِّرت، وأن الألمان قد أُخرِجوا منها.
وفيما بين ذلك احتملت مدينة فارسوفيا من الآلام والأهوال والكوارث ما لا يستطيع العقل أن يتصوره، ولا يستطيع القلم أن يُصوِّره. وقد ثارت فارسوفيا غير مرة فقُمِعت فيها الثورة قمعًا عنيفًا، وكان آخر عهدها بالثورة في أغسطس الماضي حين انتصر الحلفاء في غرب أوروبا، وأخذت فرنسا في تحرير نفسها بمعونة حلفائها. في كل ذلك الوقت كان الروس ينتصرون في شرق أوروبا، وهمَّت بولندا أن تسير سيرة حليفتها الغربية فتحرر نفسها بمعونة حلفائها الروس، كما تحرر فرنسا نفسها بمعونة البريطانيين والأمريكيين. وثارت فارسوفيا لتحرر نفسها كما ثارت باريس لنفس هذا الغرض، ولكن الأمر كان يختلف بين فرنسا وبولندا اختلافًا عظيمًا؛ فلم يكن في فرنسا انقسام ولا افتراق ولا تبادل في الأهواء والميول، ولم يكن لفرنسا إلَّا حكومةٌ واحدةٌ هي حكومة الجنرال ديجول.
أقبل رئيسها من أفريقيا الشمالية فشهد الثورة وشارك فيها، وأشرف على أعمال التحرير من قريب. أمَّا بولندا فقد كانت لها حكومة مقيمة في لندرة متصلة بالشعب البولندي، وكانت لها لجنة تحرير مقيمة في لوبلن متصلة بالشعب البولندي أيضًا.
وكان الاختلاف بين الحكومة واللجنة واضحًا بعيد المدى، فكان انقسام الشعب البولندي ملائمًا لهذا الاختلاف، وكان من الطبيعي أن يجد تحرير بولندا من المصاعب والعقبات ما لم يجد تحرير فرنسا.
ولم يكن بين فرنسا وحلفائها خلاف في حقائق الأشياء ودقائقها، فمضت فرنسا إلى غايتها، ومضى معها الحلفاء إلى غايتهم. أمَّا الحكومة البولندية المقيمة في لندرة، فقد كان الخلاف بينها وبين الحكومة الروسية عنيفًا عميقًا، نشأ قبل أن تُثار مسألة الحدود، ثم أُثيرت مسألة الحدود فازداد سعةً وعمقًا. والناس جميعًا يعلمون أن العلاقات السياسية قُطِعت بين الدولتين قبل أن تُثار مسألة الحدود. وبمقدار ما كان من الاختلاف بين الحكومة البولندية المقيمة في لندرة وحكومة موسكو، كان الاتفاق بين لجنة لوبلين والحكومة الروسية في موسكو.
فليس غريبًا أن تخفق الثورة البولندية، وليس غريبًا أن تخفق المحاولات الرائعة التي بذلها أهل فارسوفيا ليحرروا عاصمتهم؛ فكل هذا الاختلاف كان خليقًا أن يُضيِّع الجهود، وأن يبعد الشقة بين الخطط التي كان يرسمها الروسيون للحرب، والخطط التي كان يرسمها البولنديون للتحرير.
ومهما يكن من شك، فقد كان إخفاق فارسوفيا في الصيف الماضي كارثة ليست أقل خطرًا ولا هولًا من احتلال فارسوفيا سنة ١٩٣٩، والناس جميعًا يعرفون الجهود الهائلة التي بذلتها بريطانيا العظمى للتوفيق بين الحكومة البولندية المقيمة في لندرة والحكومة الروسية، ويعرفون أن هذه الجهود قد أخفقت بعد أن كادت تنتهي إلى غايتها. وفي أثناء ذلك عَظُم النفوذ الذي كانت تستمتع به لجنة لوبلين، حتى أعلنت هذه اللجنة أنها أصبحت حكومة مؤقتة، ثم اعترفت بها روسيا، ثم كان هذا الهجوم الهائل الخاطف الذي بدأته روسيا منذ أيام، وإذا هي تكتسح به أجزاء واسعة من أرض بولندا، وتحرر العاصمة، وتحرر مدينة كراكوف ومدنًا وقرًى أخرى لا تُحصى.
وليس من شك في أن روسيا لم تبدأ هجومها هذا إلَّا وقد استوثقت من حكومة لوبلين واتفقت معها، وتحقق بينها وبين هذه الحكومة والشعب البولندي هذا التعاون الذي لا بدَّ منه لإنجاح الأعمال العسكرية الخطيرة.
والذي يعنينا الآن هو أن هذا الفوز الذي ظفرت به روسيا أمس قد ردَّ إلى بولندا عاصمتها المجيدة. وأكبر الظن أن هذا الهجوم لن يقف قبل أن يتم تحرير بولندا كلها. فستنقل الحكومة المؤقتة إذن من لوبلين إلى فارسوفيا، وستباشر سلطتها على جميع الأرض البولندية متعاونةً مع روسيا حتى تضع الحرب أوزارها، وستزداد المشكلة البولندية بين الحلفاء بهذا الانتصار وما سيتبعه من النتائج صعوبةً وتعقيدًا؛ فالروسيون هم الذين حرروا بولندا، وحكومة لوبلين هي التي يسَّرت هذا التحرير وأعانت عليه، والروسيون يعترفون بحكومة لوبلين وينكرون الحكومة المقيمة في لندرة، وحكومة لوبلين مستقرة في أرض الوطن، وستنتقل إلى عاصمته وتباشر منها سلطتها الشاملة.
فهذه هي سياسة الحقائق الواقعة، وسياسة الحقائق التي تؤيدها القوة الساحقة الماحقة، ولكن الحكومة المقيمة في لندن هي التي يعترف بها الحلفاء البريطانيون والأمريكيون وغيرهم من الأمم المتحدة، وهي تعتمد على أنها الحكومة الدستورية، ولها جيوش تعمل في ميادين الحرب المختلفة، فكيف يكون التوفيق بين هاتين الحكومتين البولنديتين من جهة، وبين الحكومة المقيمة في لندرة، وحكومة موسكو من جهة أخرى؟ هذه هي المشكلة الخطيرة التي سيواجهها اجتماع الثلاثة أو اجتماع الأربعة الذي سينعقد في وقت قريب. وليس من شك في أن المارشال ستالين سيشهد هذا الاجتماع، وسيعالج فيه هذه المشكلة وقد ملأ يديه فوزًا وانتصارًا.
وللسياسة تقلباتها وأطوارها المختلفة المتباينة، ولكن مِن وراء هذه التقلبات، بل فوق هذه التقلبات وحقائقها الواقعة حقائق أخرى معنوية أعظم منها خطرًا، وأبقى منها أثرًا؛ وهي أن الشعب البولندي قد ذاق ألوان العذاب، واحتمل من الخطوب ما يطاق وما لا يطاق، ولكنه صبر وصابر حتى أتيح له الفوز ورُدَّت إليه الحرية، وتأذن الله أن العاقبة دائمًا للصابرين الذين لا يفشلون، ولا يهنون، ولا ييأسون من روح الله.
وإذا كانت المشكلة البولندية شديدة التعقيد، فإن المشكلة اليونانية لم تُحل بعد، ويظهر أن حلها ليس قريبًا؛ فقد عقدت الهدنة بين الثائرين والإنجليز، ولكنها لم تُعقد بين هؤلاء الثائرين والحكومة اليونانية الجديدة، ويظهر أن الاتفاق بين أولئك وهؤلاء ليس يسيرًا؛ فالثائرون يريدون من الحرية والنظم الاجتماعية ما قد يميل غيرهم إلى مقاومته جهرًا أو سرًّا، والبريطانيون بين أولئك وهؤلاء يريدون أن يجدوا سبيلًا إلى التوفيق، والبرلمان البريطاني يشدد على حكومته في أن تلتزم الحيدة المطلقة على أقل تقدير.
وآية ذلك هذه المناقشة العنيفة التي اتصلت أمس في مجلس العموم، والتي لم يخلص منها وزير الخارجية إلَّا بإحالة على المناقشات التي ستدور اليوم، والتي سيتكلم فيها رئيس الوزراء، فلننتظر نحن أيضًا هذه المناقشة، على أن هناك مشكلة ثالثة معقدة كمشكلة بولندا واليونان، وهي مشكلة يوجوسلافيا؛ فقد أبى الملك بطرس، ملك هذه البلاد، إقرار الاتفاق بين رئيس وزرائها والمارشال تيتو، وأبى تعيين مجلس الوصاية، ولكن وزراءه خالفوه وأعلنوا أن البلاغ الذي أصدره منكرًا فيه هذا الاتفاق مخالفٌ للدستور؛ لأن الملك لا يستطيع أن يُمضِيَ شيئًا إلَّا إذا أمضاه معه الوزراء والمسئولون.
فليس إذن الخلاف بين الملك والماريشال تيتو فحسب، ولكنه بين الملك ووزرائه، والوزراء لم يستقيلوا، إنما أقروا رئيسهم على اتفاقه، وأصروا على تنفيذ هذا الاتفاق. وقد تدخلت الحكومة البريطانية بين الملك ووزرائه، وأكبر الظن أنها ستقنع الملك بقبول ما يعرض عليه. وقد كان بعض النوَّاب البريطانيين يأخذ المستر تشرشل في شيء من الدعابة العنيفة بأنه يغلو في محاباة الملوك على حساب شعوبهم؛ فقد ظهر أن المستر تشرشل سيقيم البرهان لخصومه على أنه لم يتردد في تأييد الشعوب على حساب ملوكها حين تقتضي مصلحة الحرب والسلم والمصالح البريطانية هذا التأييد، فهو قد أقنع ملك اليونان بقبول وصاية البطريرك، وهو يحاول إقناع ملك يوجسلافيا بقبول نظام الوصاية.
والشيء الذي ليس فيه شك هو أن حوادث السياسة تحدث وتتعقد ويركب بعضها بعضًا، حتى يكاد الناظرون في أمور العالم أن يستيئسوا من حلها، ولكن يدًا خفية تدبر هذه الحلول وتظهرها شيئًا فشيئًا حتى تفرض نفسها على الناس والساسة فرضًا. وهذه اليد الخفية هي يد الحق والعدل اللذين يأبيان إلَّا أن تكون العاقبة للشعوب حين تجاهد وتصبر وتحتمل ما يُصَبُّ عليها من الهول، ثم تريد بعد ذلك أن تجني ثمرة الجهاد، وأن تجنيها كاملةً حلوةً لا يشوبها شيء من المرارة مهما يَقُم في سبيلها من المصاعب والعقبات. -
عيد (٢) | A Holiday (2)
حديث المساء: عيد (٢)
طه حسين
كوكب الشرق
١ يناير ١٩٣٤
قل: إنه كان أمس، وقل: إنه ما زال متصلًا اليوم، فقد احتفلت الأسرة القضائية به واتصل بأول العام فلم يكن عيدًا لمعنى واحد، بل كان عيدًا لمعنيين أو لمعانٍ مختلفة كثيرة لا يكاد يبلغها الإحصاء، وكان غيره من الأعياد الخليقة بهذا الاسم حافلًا بما يملأ النفوس بهجة وحبورًا، وبما يثير في القلوب ألمًا وحزنًا. فأين المصري الذي لا يبتهج ولا يغتبط حين يرى أسرة القضاء مبتهجة مغتبطة؛ لأنها تحيي عيدها الذهبي، وتودع نصف قرن أنفقته جاهدة، مخلصة صادقة في إحياء العدل وتأمين الناس على أحب ما يطمعون في الأمن عليه وفي إحياء مصر بالعدل ورفع ذكرها بين الأمم وإعلاء كلمتها بين الشعوب وتستقبل نصف قرن جديد — أو قل: تستقبل الزمان كله — بقلوب يملؤها الإيمان بالعدل والحرص على حمايته، وصيانته والارتفاع به عن أغراض الحياة وأمراضها التي تفسد على الناس أمورهم، وتشوه مثلهم العليا وتردهم لولا العدل إلى حياة لا تليق بالإنسان؟ أين المصري الذي لا يبتهج حين يرى أسرة القضاء مبتهجة، بتوديع ما ودعت من أيامها الخصبة، واستقبال ما تستقبل من أيامها السعيدة؟ بل أين المصري الذي لا يشعر بأن ابتهاج الأسرة القضائية إنما هو ابتهاج مصر كلها، وعهد لمصر على الزمان أنها ستمضي جادة في طريق مستقيمة يسيرة إلى الرقي واستكمال حظها الطبيعي من الاستقلال؟ كل المصريين كان مشاركًا لأسرة القضاء في عيدها أمس، وكل المصريين كان سعيدًا بهذا العيد، وكل المصريين كان يشعر أمس بما كانت تشعر به أسرة القضاء من العزة والكرامة، وكان يشعر بما لم تكن تشعر به أسرة القضاء من حب لها وازدهاء بها، واستشعار لهذه العزة المقدسة التي يشعر بها الرجل الحر في بلد حر يظله قضاء حر.
ولكن أين المصري الذي لم يكن يشعر في الوقت نفسه أمس بحزن لاذع وألم ممض حين يرى السياسة تدخل بين أسرة القضاء فتفرقها فريقين، وتشقها قسمين، وتدفع طائفة منها إلى الأوبرا وسيمراميس وطائفة أخرى إلى فندق هليوبوليس؟
ليقل أنصار الوزارة ما يقولون، وليقل الوزراء أنفسهم ما يقولون؛ فلن يستطيعوا أن ينكروا أن السياسة قد اقترفت أمس إثمًا عظيمًا، وأن أسرة القضاء كلها قد أحست أمس ما أحس المصريون جميعًا من الحزن اللاذع والألم الممض لهذه الفرقة التي لم يكن يدعو إليها داعٍ، ولا يدفع إليها دافع لولا هذه الأهواء التي تعبث بنفوس الساسة فتُحمِّلهم وتُحمِّل غيرهم من الأبرياء شططًا ما كان ينبغي أن يحتملوه. لقد كانت الوزارة تستطيع أن تجنب نفسها هذا العبء الذي لا طاقة لها بها؛ عبء التفريق حين يجب التأليف. ولقد كانت تستطيع أن تجنب أمتها هذا الألم الذي لم تكن في حاجة إليه؛ ألم النظر إلى الإخوة يشتركون في الابتهاج بالعيد، ولكنهم لا يستطيعون أن يجتمعوا لإظهار هذا الابتهاج؛ فيظهره كل فريق منهم بمعزل عن صاحبه، تأتلف القلوب والنفوس، وتفترق الأجسام والأصوات؛ لأن هذا السلطان السياسي المادي قد منع الأجسام والأصوات من أن تجتمع وتلتقي. كانت الوزارة تستطيع أن تجنب نفسها وتجنب الأمة هذه الفرقة التي حدثت أمس فآلمت المصريين وصورتهم في نفوس الأجانب تصويرًا لا يلائم الحق ولا يمثل الواقع؛ لأن المصريين ورجال القضاء منهم بنوع خاص متفقون غير مفترقين ومؤتلفون غير مختلفين، ولا سيما في حب العدل وإكبار القضاء.
كانت الوزارة تستطيع ذلك لو أنها استطاعت أن تضبط نفسها وتكبح ميولها وأهواءها وتنسى السياسة في أشياء لا ينبغي أن تدخل فيها السياسة، وتذكر المثل العليا في أشياء لا ينبغي أن يذكر فيها إلا المثل العليا. وقد أشار إلى ذلك قاضي القضاء أمس في عبارة مهما تكن رفيقة، فقد كانت لاذعة شديدة القسوة، مصورة لما كان يحسه القضاة ورجال النيابة أمس من الألم لاضطرار المحامين إلى ألا يشاركوهم في أعيادهم المادية وإن شاركوهم في أعيادهم المعنوية كلَّ المشاركة. ولست أدري كيف وقعت هذه العبارة الرفيقة القاسية على الوزارة وتصرفها من قلوب الوزراء وضمائرهم وقلوب أنصار الوزراء وضمائرهم؟ ولكني أعلم أنها وقعت من قلوب المصريين موقع الحكم على هذا التصرف الذي لا يوصف بأقل من أنه كان اندفاعًا مع العواطف الجامحة، لا سلطان للإرادة الهادئة المطمئنة عليه.
كان المصريون جميعًا مبتهجين أمس مع أسرة القضاء، وكان المصريون جميعًا محزونين أمس مع أسرة القضاء. وكان الوزراء لو فتشت عن قلوبهم وقرأت في نفوسهم في موقف يشبه موقف الحياد لا يبتهجون ولا يبتئسون، وإنما يؤدون عملًا من هذه الأعمال الرسمية، وينهضون بتكليف من هذه التكاليف التي لا ينهض بها الوزراء في أيام الحفل والأعياد.
وبينما كان المحامون مجتمعين في هليوبوليس، وكان إخوتهم مجتمعين في سيمراميس كان المصريون يتحدثون فيما بينهم، فيقول بعضهم لبعض: ماذا أفادت الوزارة من هذا الاندفاع وما انتهى إليه من التفريق؟ أرادت أن تخرج مكرمًا من نقابة المحامين فجمعت حوله قلوب المحامين على اختلاف مذاهبهم، وأهوائهم وآرائهم، وأتاحت للأستاذ فكري أباظة أن يلقي كلمته البليغة أمس فيسجل فيها أن الحكومة والبرلمان لو أرادا تكريم هذا الرجل وتسجيل إكبارهما له وإعجابهما به لما بلغا من ذلك ما بلغاه أمس حين أرادا إقصاءه عن نقابة المحامين. أرادت أن تظهر قوة وبأسًا وأن تبين أنها قادرة على أن تأمر فتكره الناس على إنفاذ ما تأمر به، فلم تزد على أن جمعت أكثر من ثلاث عشرة مائة من المحامين أقبلوا من أقطار مصر كلها ليظهروا — وقد أظهروا بالفعل — تضامنهم واحترامهم لأنفسهم وحسن فهمهم لمعاني العدل والإنصاف والمحاماة والقضاء.
وفيم كان يفكر الوزراء أمس حين كانوا يعلمون أن عدد المحامين الذي كانوا يجتمعون في هليوبوليس قد أربى على الألف، وكلهم منكر لما فعل الوزراء، ساخط على ما فعل الوزراء، يحكم عليه في قسوة حازمة عادلة لا تقبل هوادة ولا لينًا؟ فيم كان يفكر الوزراء أمس حين كانوا يعلمون أن ألفًا ونصف ألف من المصريين المثقفين الممثلين في غير شك لأقطار مصر قد اجتمعوا ليقضوا على تصرفها قضاء لا لين فيه؟ لم يكونوا يفكرون في شيء، إنما كانوا يستمعون لغناء أم كلثوم وتوقيع الموقعين، ويشهدون مناظر الرقص مع الشاهدين. أما الذين كانوا يقدرون اجتماع هليوبوليس ويفهمون مغزاه ويتمثلون نتائجه ويتخذونه مقياسًا للحكم على تصرف الوزارة، هم المصريون الذين لم تفكر فيهم الوزارة، وإنما فكرت في نفسها، ولم تحفل بهم الوزارة وإنما حفلت بنفسها.
كان أمس عيدًا، وكان كغيره من الأعياد حافلًا بالمواعظ البالغة والعبر النافعة، ولكنه لم يكن على ذلك يخلو من الفكاهة. والله عز وجل رفيق بالناس عطوف عليهم يبتليهم بالحزن، ويمتحنهم بالألم، ولكنه يسوق لهم ما يبعث في نفوسهم العزاء، ويسري عنهم من الهم بعض ما يجدون. فقد كان المحامون أمس يجتمعون إلى الشاي ويجتمعون إلى الخطب، وأي خطب؟ كلها جِدٌّ حازم صارم كأنه العدل. وكانت الوزارة في الوقت نفسه تحيي لرجال القضاء حفلة ساهرة لا بأس بها ولا غضاضة فيها على القضاة. ولكنها على كل حال لم تكن تحب التقاليد ولا توافقها ولا تطمئن إليها. فليس بالغناء بأس فيما يقال، وليس بالتوقيع بأس فيما يذاع من كلام الناس. ولكن الغناء والتوقيع في رمضان لا يوافق التقاليد، وإنما تلاوة القرآن الكريم هي التي تلائم التقاليد لو فكر وزير التقاليد، بل لو فكرت وزارة التقاليد، فأما مناظر الرقص، وما أدراك ما مناظر الرقص! ففيها قولان؛ فأما المعتدلون فلا يرون فيها بأسًا بشرط أن لا يكون الشهر شهر الصوم، وأما المتحرجون فيرون فيها البأس كلَّ البأس، في شهر الصوم وفي شهور الإفطار. وأما التقاليد فتحرمها في معهد التمثيل وتبيحها في سيمراميس بمحضر من كبار الدولة ووجوهها. وأما شيخ الأزهر ورجال الدين وعبد الحميد أفندي سعيد فلا يقولون شيئًا الآن؛ لأنهم في شغل بطاعة الله عن نقد الناس.
لتسعد أسرة القضاء كلها بعيدها أمس ولتكن أيامها كلها أعياد! وليسعد المصريون بالقضاء وأعياد القضاء، ولتهنأ الحكومة بما أحرزت أمس من فوز أقل ما يوصف به أنه كان صورة صادقة للقوة البالغة والذوق الجميل!