Tag: البحث العلمي

  • أبو حيان التوحيدي | Abu Hayyan al-Tawhidi

    أبو حيان التوحيدي
    طه حسين
    جريدة أخبار اليوم
    ٢٨ نوفمبر ١٩٦٤

    كتاب ممتع كل الإمتاع، هذا الذي تفضل بإهدائه إلي الأستاذ الدكتور أحمد الحوفي أستاذ الأدب العربي بدار العلوم.

    فيه دراسة متقنة كل الإتقان، عميقة كل العمق، لكاتب من أعلام الكتاب في القرن الرابع للهجرة قلَّت العناية به أثناء حياته، وكثر الكلام عنه بعد وفاته. ولكن الذين كتبوا عنه في العصور الماضية لم يعنوا به حق العناية، وإنما ألموا به إلمامًا، منهم من يثني عليه لغزارة علمه وبراعة أدبه، ومنهم من يتهمه بالزندقة ظالمًا له في أكبر الظن. وإنما اشتدت به العناية في هذا العصر الحديث … فكتب عنه كثير من الباحثين، ولم يوفِّه أحد حقه من التعمق وحسن الاستقصاء كما فعل الدكتور أحمد الحوفي، فهو قد بذل أقصى ما يستطيع من الجهد، واحتمل أشد وأقسى ما يمكن أن يحتملَ باحث في بحثه حتى وفَّاه حقه، وبلغ في درسه غاية ما يستطيع الباحث أن يبلغ من الإتقان والاستقصاء. لم يدع كتابًا من كتبه التي وصلت إلينا إلا وقف عنده فأطال الوقوف وحلله فأحسن التحليل؛ فكان كتابه مثالًا لدقة البحث وحسن التحقيق.

    وأخص ما يمتاز به هذا الكاتب أنه كان يائسًا في حياته، ضيقًا بالناس أشد الضيق، يكبر نفسه أعظم الإكبار، ولا يجد من معاصريه معنيًّا به أو ملتفتًا إليه، وكان ضيق الحال أقرب إلى البؤس والشقاء منه إلى السعادة والرخاء.

    وكان ذلك يحزنه كل الحزن، ويوئسه من الناس والزمان أشد اليأس. ومع ذلك قد شارك مشاركة حسنة في كل ألوان المعرفة التي أُلِّفت في زمانه، فكان أديبًا متفلسفًا مشاركًا في فروع الفلسفة على اختلافها، وكان بارعًا في الكتابة مجودًا لها مفتنًّا فيها ما استطاع إلى الافتنان فيها سبيلًا. وقد حاول أن يجمع بين مذهب الذين عاصروه من الكتَّاب ومذهب القدماء من المترسلين، فاصطنع السجع كما اصطنعه معاصروه، وترسل كما كان الجاحظ يترسل؛ فكان يوشك أن ينفرد بهذا الجمع بين مذهب المعاصرين ومذهب القدماء المترسلين.

    ولعله أسرف في الأمرين معًا حتى انتهى إلى ما يشبه الإملال في كتابته؛ لإسرافه في الجمع بين هذين المذهبين. وكان إلى ذلك راضيًا عن نفسه كل الرضا، ساخطًا على عصره كل السخط، يرى غيره من الكتاب والشعراء يعيش عيشة اليسر والرخاء، يتصلون بالوزراء والأمراء وأصحاب الثراء، فيظفرون منهم بالجوائز وألوان العطاء، وكان يحاول أن يصنع صنيعهم، فلا يكاد يبلغ شيئًا مما كان يريد.

    وكان يعيش من صناعة لم يلبث أن ضاق بها أشد الضيق؛ وهي نسخ الكتب، وكانت صناعته هذه تتيح له حياة ضيقة قاسية، فحاول أن يتصل بالوزراء والسادة، فلم يظفر عند أكثرهم بشيء، وربما لقي منهم أشد الإعراض عنه والازدراء له. وقد حاول أن يجد الحظوة عند الصاحب ابن عباد، فلم يجد منه إلا الضيق به والإعراض عنه والازدراء له. وحاول ذلك عند أبي الفتح بن العميد فلم يصل عنده إلى شيء، واضطر آخر الأمر إلى أن يهجو هذين الوزيرين في كتاب أفرده لمثالبهما، وقد استيأس آخر الأمر من الناس، ولكنه لم يستطع أن يقنع بحياته الضيقة فاشتد سخطه، وانتهى إلى شيء من التشاؤم، ولعل هذا كله هو الذي دفعه إلى شيء من التصوف. طلب اليسر فلم يستطعه، فحاول أن يرتفع على اليسر والعسر معًا، وأن يأخذ نفسه بالزهد، وأن يفرغ لمحاولة الاتصال بالله. ولكنه مع ذلك لم يستطع أن يصل إلى التصوف بمعناه الدقيق، وإنما كان متكلفًا في تصوفه لا تستطيع نفسه أن تزهد في سعة الرزق وطيبات الحياة، ولا يستطيع أن يبلغ من سعة الرزق وطيبات الحياة بعض ما كان يطمح إليه؛ فكان مضطربًا أشد الاضطراب، يتقلب بين القناعة التي لا تطمئن إليها نفسه، وبين الطمع الذي لا يُبَلِّغه أملًا ولا يحقق له رجاءً.

    كان في أثناء ذلك يكتب الكتب ويذيعها ما وجد إلى إذاعتها سبيلًا، ولكن هذه الكتب على كثرتها لم تبلغه شيئًا مما كان يتمنى، فلما تقدمت به السن واستيأس من كل شيء ومن كل إنسان، انتهى إلى اليأس من كتبه أيضًا فحرقها؛ لأنها لم تجدِ عليه نفعًا، ولم تحقق له مأربًا، ولم ترغب فيه أحدًا من أصحاب الجاه والثراء، ولم ترشحه لجائزة ولم تيسر له سعة ذات اليد.

    كره الناس فأبى أن يترك لهم كتبه لينتفعوا بقراءتها؛ لأنه هو لم ينتفع بكتابتها. والغريب أنه لم يكتف بكره الذين عاصروه، وإنما أضاف إلى الضيق بمعاصريه ضيقًا بالناس جميعًا على اختلاف أجيالهم وعصورهم. على أن سوء حظه لم يبلغه من تحريق كتبه ما كان يريد، فهو قد حرق ما كان عنده من هذه الكتب، ولم يخطر له أنه كان قد أذاع هذه الكتب، وأن بعض ما أذيع منها قد بقي حتى وصل إلينا، فنحن نقرؤه ونتقن دراسته كما فعل الأستاذ الدكتور الحوفي على كره أبي حيان؛ لأنه لم يستطع أن يجمع ما كان في أيدي الناس من كتبه، فحرق الأصول، وبقي ما بقي من النسخ التي تداولتها الأجيال إلى الآن، وستتداولها إلى آخر الدهر.

    ولست أدري كيف أشكر للدكتور الحوفي جهده الخصب، فقد استمتعت بقراءة كتابه استمتاعًا لا حد له، أردت أن أقرأ منه شيئًا فإذا أنا أدفع إلى قراءته إلى آخر كلمة منه، ثم أعود إليه فأقرأ للمرة الثانية فصولًا منه؛ وذلك لأنه تعمق درس هذا الكاتب تعمقًا قل أن نرى مثله في هذه الأيام التي لا يعرف الناس فيها أناة في البحث ولا استقصاء للدرس، وإنما يلمون بالموضوعات التي يكتبون فيها إلمامًا، ويخطفون العلم والمعرفة خطفًا، ويرضون عن أعمالهم مع ذلك، ويضيقون بناقديها أشد الضيق، ولا كذلك الدكتور الحوفي الذي بدأ يدرس أبي حيان في كتاب نشره، ثم أراد أن يعيد طبعه، فأعاد النظر فيه قبل ذلك، وأحس حاجة كتابه إلى الإكمال والتجديد وحسن الإتقان؛ فحذف منه وأضاف إليه وجدد بعض فصوله، وغير في ترتيب هذه الفصول شيئًا، فخرج الكتاب في طبعته الثانية بالغًا أحسن ما كان يرجى له من حسن البحث وكمال الإتقان.

    والدكتور الحوفي كغيره من الذين كتبوا عن أبي حيان معجب به أشد الإعجاب، ويوشك أن يفضله على الجاحظ كما فعل الأستاذ أحمد أمين رحمه الله، ولكنه آثر الاعتدال، فوازن بينه وبين الجاحظ وأحسن الموازنة. ولعلِّي لا أوافقه ولا أوافق المعجبين بأبي حيان؛ لأني أجد في قراءة كتبه شيئًا من الملل، ذلك لأنه حاول أن يترسل كما ترسل الجاحظ فأسرف على نفسه وعلى قرائه في الترسل، وبلغ الإطناب الذي يضيق به القارئ أحيانًا.

    ذلك إلى حرصٍ على السجع في كثير من المواضع، بحيث يبلغ الملل من قارئه، ومن الحق أنه لا يسرف في الاستطراد كما كان الجاحظ يفعل، ولكن استطراد الجاحظ كان يضيف إلى فائدة كتبه فوائد أخرى كثيرة.

    والجاحظ بريء من إطناب أبي حيان، وهو بريء كذلك من إيثار السجع والغلو فيه كما يفعل أبو حيان. وإذا كان أبو حيان قد عاش في عصر بلغت فيه العلوم عند العرب أقصى ما كان يمكن أن ينتظر لها، على حين عاش الجاحظ في عصر كان يمتاز بالترجمة أكثر مما يمتاز بالابتكار كما يقول الأستاذ الحوفي، وكما قال من قبله الأستاذ أحمد أمين رحمه الله، فإن أبا حيان لم ينتفع بغزارة العلم والمعرفة في عصره من حيث الأسلوب، وإنما أراد أن يكتب كما كان القدماء يكتبون، فلم يبلغ من ذلك ما أراد.

    وقد كان الجاحظ في كتبه أشد عناية بالأدب الخالص من أبي حيان، فأنت لا تجد في كتب أبي حيان مثل ما تجد عند الجاحظ من العناية بالأدب القديم والجمع بينه وبين الثقافة الأجنبية التي أخذ في ترجمتها في ذلك الوقت.

    واقرأ كتاب «الحيوان» وكتاب «البيان والتبيين» وغيرهما من كتب الجاحظ ورسائله، فستجد فيها مزاجًا رائعًا حقًّا من الأدب العربي والثقافة المستحدثة. ولا سبيل للملل على نفسك حين تقرأ كتب الجاحظ، على حين يسرع إليك الملل حين تقرأ كتب أبي حيان؛ لإسرافه في الإطناب والجمع بينه وبين السجع في كثير من الأحيان. واقرأ إن شئت هذا النص من كتاب أبي حيان المعروف ﺑ «الإشارات الإلهية»:

    يا هذا! الغريب من غربت الشمس جماله، واغترب عن حبيبه وعزاله، وأغرب في أقواله وأفعاله، وغرَّب في إدباره وإقباله، واستغرب في طمره وسرباله. يا هذا! الغريب من نطق وصفه بالمحنة بعد المحنة، ودل عنوانه على الفتنة عقيب الفتنة، وبانت حقيقته فيه في الفينة حد الفينة. الغريب من إن حضر كان غائبًا، وإن غاب كان حاضرًا. الغريب من إن رأيته لم تعرفه وإن لم تره لم تستعرفه.

    أما سمعت القائل حين قال:

    بم التعلل؟ لا أهل، ولا وطنولا نديم، ولا كأس ولا سكن؟
    ولولا أن أغرقك في سأم لا تجد منه مخلصًا، لرويت لك إلى هذا النص نصوصًا أشد من هذا غلوًّا في الإطناب وإغراقًا في السجع، ولكنك تستطيع إن شئت أن تقرأ في أي كتاب من كتب أبي حيان التي بين أيدي الناس، فستجد نفس هذا الأسلوب فيها شائعًا مضطردًا.

    وأين هذا من أسلوب الجاحظ وغيره من الذين عاصروه؟!

    وأنا أحمد للدكتور الحوفي اعتداله في التقدير وإنصافه في الموازنة، وأحب أن أهنئه أصدق التهنئة بهذا الكتاب الرائع، راجيًا أن يهدي إلينا أمثاله بين حين وحين إن شاء الله.

  • جهد هائل | A Tremendous Effort

    جهد هائل
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٢٦ مايو ١٩٦٢

    أجَلْ جهد هائل هذا الذي بذله رئيس الجمهورية ليضع هذا الأثر الرائع الذي يسميه الميثاق الوطني.

    ولست أدري كيف وجد الوقت وأين وجد القوة ليفرغ لهذا العمل الخطير ويخرجه في صورته الرائعة التي عرضها على المؤتمر الوطني منذ أيام؛ فهو مُثقل بأعمال جِسام تنوء بالعُصبة أولي القوة، وتستغرق ليله ونهاره، ولا تُتيح له أن يستريح ولا أن يُريح أعوانه الذين يعملون معه من قرب.

    وهو على كثرة الأعمال وثقلها الفادح واستغراقها لأكثر وقته قد استطاع — ولست أدري كيف استطاع — أن يَفْرُغ لدرس الحياة المصرية من جميع أقطارها؛ لدرسها أثناء تاريخ الشعب المصري على طوله والتوائه وتعقده في كثير من العصور، ولدرسها في حاضرها المعقد المثقل بالمشكلات من جميع الألوان، ولتصورها، بل تحققها في مستقبلها البعيد الذي نعرف أوله ولا نستطيع أن نعرف دقائقه على مر الأيام والسنين.

    ولاستخراج هذه الحقائق الخصبة البارعة التي تحدَّث بها إلى الشعب مساء الإثنين الماضي.

    لقد سمعتُ الميثاق حين عرضه الرئيس على المؤتمر وقرأتُه بعد ذلك، وأعترف بأني لا أكاد أقضي العجب من قدرته، مع وقته الضيق وقوَّته الموزَّعة، على أن يخرجه كما عرضه واضحًا جليًّا لا غموض فيه ولا التواء.

    إنما هو توفيق كتبه اللَّه له، وأرجو أن يكتب له أمثاله في كل ما يحاول من قول أو عمل؛ لأنه حين يعرض لحياة الشعب بالقول أو العمل لا يفكر في نفسه ولا يحفل بجهده ولا بقوَّته ولا بطاقته، قد أخلص نفسه للوطن وأخلص له قلبه وضميره، فأحسن الله إليه كما يحسن هو إلى مواطنيه.

    وأنا مع ذلك أسأل نفسي عن هذا البحث الرائع العميق الذي أخرجه الرئيس: أهو حقًّا ميثاق وطني، أم هو كتاب مفصل يشتمل على كل ما تحتاج إليه لتستخرج منه خلاصة واضحة جلية يفهمها ويتمثَّلها كل من قرأها أو سمعها، في غير احتياج إلى وقوف عند هذه العبارة أو تلك، وفي غير احتياج إلى سؤال عن معنى هذه الجملة أو تلك؛ خلاصة يقرؤها القارئ ويسمعها السامع في وقت قصير لا يتجاوز الساعة بل لا يَبْلُغُها.

    هذا أجدر أن يصل إلى قلوب الناس جميعًا، سواء منهم ذو الثقافة العالية وذو الثقافة المتوسطة، ومن لم يُتح له حظ ذو بال من الثقافة.

    فقد كنت أظن أن الرئيس سيقرأ الميثاق على المؤتمر في نصف ساعة أو في أكثر من ذلك قليلًا، ولكنه احتاج إلى ستِّ ساعات ليقرأ هذا الميثاق.

    وأنا أعلم أنه قد قوطع كثيرًا بالتصفيق والهتاف، ولكني أعلم أني حين فرغت لقراءته لم أقرأه في ساعة ولا ساعتين. أقول هذا ولا أريد به أن النص الذي عرضه الرئيس قد طال أكثر مما ينبغي، بل أنا معجب بما أُتيح للرئيس من الإيجاز ليقول في هذا النص كل ما قاله، ولكن الميثاق الوطني الذي يوجه إلى الشعب على اختلاف طبقاته وعلى اختلاف حظوظه من المعرفة والثقافة، يجب أن يكون — فيما أعتقد — أقصر وأيسر من ذلك.

    ولقد كنت أقرأ هذا النص، وأفكر في كتاب من هذه الكتب السياسية والاجتماعية التي ينشرها الفلاسفة والممتازون من الساسة؛ ليقرأها أهل العلم وأصحاب الثقافة، ولعل كتاب رأس المال لماركس قد خطر لي مرات أثناء قراءة هذا النص.

    فهذا النص إذن هو رسالة من الرئيس إلى الشعب يضع فيها أصول الحياة التي تنبغي، لا للشعب المصري وحده؛ بل للأمة العربية كلها، ولشعوب أخرى تسعى إلى الرقي وإلى الحياة الحرَّة الكريمة التي تقوم على العدل والإخاء المساواة. ومن هذا النص — الذي هو منهاج فلسفي مفصل — يجب أن يستخلص البرنامج الموجز للحياة المصرية، الذي يستطيع كل إنسان أن يقرأه وأن يفهمه وأن يستجيب له بقلبه وضميره في غير مشقة ولا عناء. ولو أطاعني المؤتمر لانتخب من بين أعضائه لجنة من المختصِّين تتدبر هذا المنهاج وتتعمقه وتستخلص منه النص الموجز الذي أشير إليه.

    لقد استجبتُ لهذا المنهج حين سمعته من الرئيس، وازددتُ استجابة له واقتناعًا به واطمئنانًا إليه حين فرغتُ بعد ذلك لقراءته. ولم أقف إلا عند نقطتين اثنتين لم تطمئن إليهما نفسي؛ فأما أولاهما فتاريخية لا تمس الحاضر ولا المستقبل، وليس الخلاف فيها إذن خلافًا في البرنامج الذي يريد الرئيس أن تقوم عليه الحياة المصرية، وذلك حين تحدث الرئيس عما صارت إليه أمور الأحزاب المصرية بعد المطالبة بالاستقلال في أعقاب الحرب العالمية الأولى.

    وكل ما قاله الرئيس عن هذه الأحزاب وما كان من اختلافها وتنافسها في الحكم واستباقها إليه، لا غبار عليه ولا معنى للجدال فيه، ولكن الرئيس تحدث عن المثقفين وعن نشاطهم في هذه الفترة بين الثورتين؛ ثورة سنة ١٩١٩ والثورة القائمة. ويخيل إليَّ أنه لم ينصفهم الإنصاف كله، فهم قد انضموا إلى الأحزاب، واختلفوا كما اختلفت هذه الأحزاب، وأضاعوا في السياسة العقيمة كثيرًا من جهودهم وأوقاتهم. ولكنهم في الوقت نفسه لم يخضعوا جميعًا للإغراء، ولم يتنافسوا جميعًا في الحكم، ولم تكن جهودهم كلها عقيمة، وإنما كانت لهم جهود صادقة باقية الأثر. وما أشكُّ في أن الرئيس يعرف هذه الآثار ولا يجحدها، فهؤلاء المثقفون قد أثاروا في هذه الفترة نهضة فكرية ونشاطًا عقليًّا لا سبيل إلى الجدال فيهما، فهم قد أيقظوا الشعب وعلَّموه بما ألَّفوا من الكتب وما نشروا من الأدب، بل بكثير مما كتبوا في السياسة، وهم قد كانوا قوام التعليم في المدارس والمعاهد على اختلافها، وهم قد نهضوا بأعباء الجامعة بل بأعباء الجامعات الثلاث؛ جامعة القاهرة وجامعة الإسكندرية وجامعة عين شمس، وهم قد خرَّجوا ألوفًا كثيرة من الشباب الذين ينهضون في هذه الأيام بأعباء الحياة، لا في مصر وحدها بل في غيرها من البلاد العربية، وكنت أود لو أنصفهم الرئيس شيئًا بعد أن ذكر انضمامهم إلى الأحزاب وانسياقهم معها.

    هذه واحدة، أما النقطة الثانية التي وقفت عندها حين سمعت الميثاق، فهي ما ذكره الرئيس حين تحدث عن مهمة الجامعات، فأكد — وله الحق في ذلك كل الحق — أن العلم ينبغي أن يتجه إلى إصلاح الحياة وترقيتها، ولكنه قال: إن العلم للعلم في حد ذاته مسئولية لا تستطيع طاقتنا الوطنية في هذه المرحلة أن تتحمل أعباءها. وقد وقفت عند هذه الجملة؛ لأني أعتقد أن العلم للعلم تبعة نستطيع أن نحتملها في هذا الطور من أطوار حياتنا. ذلك أن على الجامعات والمعاهد العليا أن تعلم الشباب تعليمًا صحيحًا صالحًا يُمكنهم من النهوض بأعباء الحياة والنفوذ من مشكلاتها ومن إصلاح الحياة وترقيتها، فإذا وجد بين هذه الألوف الكثيرة من طلاب العلم من ملك حبُّ العلم عليه نفسَه وأراد أن يُخلص قلبَه وعقلَه للدرس وأن يقف حياتَه على البحث العلمي، فلا ينبغي أن نردَّه عن ذلك ولا أن نغريه بالانصراف إلى الخدمة العملية، بل يجب أن نشجعه كل التشجيع على أن يمضي في الدرس والتحصيل وتعمق حقائق العلم؛ لأن ذلك من خير ما تُخدم به الشعوب. فمن يدري لعل هذا الذي وقف حياته على العلم وأخلص نفسه للبحث والدرس، أن يستكشف ذات يوم حقيقة من الحقائق العلمية تملأ الحياة من حوله معرفة ونورًا، وعسى أن يكون لها الأثر كل الأثر في إصلاح الشعب وترقيته، وهي على كل حال تشرف الشعب وترفع مكانته بين الشعوب. والمواهب فضل يؤتيه الله لمن يشاء، ولا ينبغي أن يُرَدَّ أصحابُها أو يُصَدُّوا، فكلٌّ ميسر لما خُلق له.

    وأنا بعد ذلك مطمئن إلى أن هؤلاء الذين قد يُخلصون أنفسَهم للعلم ويقفون حياتهم عليه، لن يكونوا إلا قِلَّة قليلة، لا في شعبنا وحده بل في شعوب الأرض كلها.

    وقد ذكرت هاتين النقطتين اللتين وقفت عندهما لسبب واحد، هو أن الرئيس نفسه يؤكد في الميثاق أن النقد ضرورة من ضرورات الحياة الناهضة.

    وأنا بعد ذلك لا أدري كيف أهنئ الرئيس بهذا التوفيق الرائع، وكل ما أملكه هو أن أسأل اللَّه مخلصًا أن يُتيح له أمثال هذا التوفيق في كل ما يحاول من جهد في سبيل ترقية الشعب ورفع مكانة الوطن.

  • خطاب طه حسين باشا أمام جلالة الملك في معهد الصحراء | Taha Hussein Pasha’s Address Before His Majesty the King at the Desert Institute

    خطاب طه حسين باشا أمام جلالة الملك في معهد الصحراء
    طه حسين
    جريدة الأهرام
    ٣١ ديسمبر ١٩٥٠

    مولاي صاحب الجلالة:

    ما أروع هذا الدرس الذي تلقيه على شعبك في هذه الأيام خاصة، درس في الوفاء! ما أجدر الناس أن ينتفعوا به وأن تصطبره قلوبهم وعقولهم! فمنذ ثلاثة أيام كنَّا نحتفل بمأثرة جليلة من مآثر والدك العظيم، هي جامعة فؤاد الأول. وأمس كنا نحتفل بمأثرة عظيمة من مآثر جدك الكريم، هي الجمعية الجغرافية. ونحن اليوم نحتفل بهذه المأثرة الكبرى من مآثر فؤاد — نضر الله وجهه — وهي معهد الصحراء.

    وأنت أمامنا دائمًا يا مولاي في هذه الحفلات، تشرفها فتملأ قلوبنا غبطةً ونفوسنا ابتهاجًا، ويرى الشعب عنايتك بالعلم والعلماء، كما كان يرى عناية أبيك بالعلم والعلماء، فيرى صورة جليلة رائعة من صور الوفاء الذي لا نظير له والذي لا حدَّ له. أنت جدير أن تكون أستاذ شعبك في الخُلق، في الخُلُق الذي يَمَسُّ سيرة الفرد فيما بينه وبين الناس، وفي الخُلق الذي يمس سيرة الشعب مع ملكه وسيرة الملك مع شعبه.

    أنت تعلِّم الناس كيف يفي الأبناء لذكرى آبائهم، وتعلِّم الشعب كيف يقتدي الشعب بملكه، فيفي للملوك الصالحين المصلحين.

    وكان والدك العظيم يا مولاي أجدر الناس بوفاء الأبناء للآباء، وأجدرهم بوفاء الشعوب للملوك، ولا أغلو في أن أقول إنه كان أجدر الملوك بوفاء الإنسانية لذكراهم الخالدة. فليس قليلًا أن ينشئ في الشرق العربي وفي العالم الإسلامي أول جامعة حديثة على النحو الحديث، وليس قليلًا أن ينشئ في العالم الشرقي والإسلامي أول معهد حديث للصحراء.

    هذه الجامعة لا تنفع مصر وحدها وإنما تنفع الناس جميعًا. وهذا المعهد لا ينفع مصر وحدها وإنما ينفع العالم كله. ذلك يا مولاي أن معاهد العلم ليست مقصورة على وطن ولا على جنس، وإنما هي مشاعة للإنسانية كلها، فمن أنشأ معهدًا أو جامعةً لم يخدم وطنه وحده وإنما خدم الأوطان كلها.

    كان والدك العظيم أجدر الناس منك بهذا الوفاء، وأجدر الناس من شعبه بهذا الوفاء؛ لأنه لم يكتفِ بما أنشأ من جامعة، ولا بما أحيا من الجمعية الجغرافية، ولا بما نشر من ألوان الحضارة على اختلافها، وإنما فكَّر وقدر وغامر في هذه المغامرة العقلية الكبرى التي لا يغامرها إلا العظماء. غامر وفكر في تقريب البعيد، وإزالة مصادر الخوف والهلع والهول، وتخصيب الصحراء وتأمينها، وجعلها مصدرًا للعلم والمعرفة والأمن والهدوء.

    نحن يا مولاي أشد الناس ذكرًا للصحراء وتأثُّرًا بها. إن الصحراء تأخذنا من جانبَيْنا، وليس نيلنا العظيم إلا شيئًا ضئيلًا يجري بين صحراوين هائلتين.

    فالتفكير في الصحراء إنما هو تفكير في توسيع النيل حتى يعم الأرض بالخير، وحتى يغمر جانبيه جميعًا بالخصب والنماء. ولكننا لا نذكر الصحراء يا مولاي لأنها تأخذنا من جانبينا، وإنما نذكرها كذلك لأن أدبنا العربي القديم لم يصور شيئًا كما صور الصحراء، صوَّرها رائعة مروعة، صورها مملوءة بالهول والخوف والذعر، صورها مكمنًا للخوف والعذاب، صورها يحيط بها الخوف من جميع جوانبها، وتجري فيها السباع حرة طليقة تغتال الإنسان إن عرض لها أو وقع بين أيديها.

    كذلك ترك أدبنا العربي لنا من الصحراء صورة الروع والخوف والهول. ولم يُرِدْ والدك العظيم يا مولاي إلا أن يزيل هذا كله، وأن يجعل الصحراء مصدرًا للبحث والعلم والمعرفة والنور، وأن يتيح للناس أن يعرفوها كما يعرفون أرضهم الخصبة، وأن يستغلوها كما يستغلون أرضهم الخصبة، وأن يجنوا منها الخير والبركة والنفع. أراد ذلك يا مولاي حين فكَّر في أن يجعله مباءة للباحثين عن شئون الصحراء، يدرسون أرضها وجوها، يدرسون نباتها وحيوانها، يدرسون خصائصها كلها؛ ليعلِّموا الناس أولًا، وليبيحوا لهم النفع والانتفاع ثانيًا. أباح لهم مصدرًا من مصادر العلم، ومصدرًا من مصادر السيطرة على الطبيعة المخيفة الشاذة.

    كذلك فكَّر والدك العظيم، ولم يَكَدْ يُفكِّر حتى همَّ، ولم يكد يهَم حتى فعل، فأنشأ المعهد يا مولاي، وأراد أن يُنشِئَه هو وحده بقوته وبماله، لا يطلب إلى الحكومة إنشاءه. مغامرة غامرها وأراد أن يحتمل نفقاتها، حتى إذا ظهر نفعُها وفائدتها انتفع بها الشعب وانتفع بها الناس دون أن يتكلفوا فيها شيئًا. أنشأه ووقف عليه وقفًا ضخمًا يكفل له ما يحتاج إليه من مال. ولم يكتفِ بوقف الأرض الخصبة، وإنما وقف البناء الشامخ، ثم أدركه قضاء الله وانتقل إلى جوار ربه قبل أن يُتِمَّ ما بدأ، فأقبلتَ أنت تحمل اللواء وتمضي إلى الغاية وتتم الطريق التي بدأها.

    وهذا هو المعهد يُفتتح الآن، وهؤلاء هم علماء العالم يُقبِلون ليشاركوا المصريين في تكريم ذكرى والدك العظيم، وفي رفع الشكر الخالص إلى جلالتك لما ترعى به العلم والعلماء، ولما تيسر لهم من أسباب البحث والمعرفة، ومن أسباب هذا الغنى الذي لا يختص به الناس إلا إذا كانوا جميعًا في جميع الأقطار والبلاد. هذا المعهد يا مولاي ثمرةٌ إذن من ثمرات ذلك المُلك السعيد الذي أشرف عليه والدك العظيم، ولكنه ثمرة بدأها هو وأنضجتَها أنت، فإذا وفيت لوالدك العظيم فشهدت هذا الحفل وأتممت ما بدأ، فالشعب المصري كله يتعلم منك الوفاء.

    على أنك يا مولاي عندما عُنِيتَ بهذا المعهد نظرت فإذا العلم من حولك يتقدم، وإذا أشياء جديدة تظهر لم تكُن معروفة حين فكَّر والدك في هذا المعهد، وإذا جامعتُه التي أنشأها قد أخرجت شبابًا يُحسِنون درس الصحراء ويستطيعون النهوض بأعبائها.

    إن في المعهد مكتبة ضخمة، وفيه مُتحفًا ضخمًا وقاعةً للمحاضرات، وستكون من حوله حديقة خاصة لا تشتمل إلا على النباتات والأشياء الصحراوية، فيه كل ما يحتاج إليه العلماء للبحث والإنتاج. وكان والدك العظيم يا مولاي أبعد الملوك عن الأثرة وأقلهم تفكيرًا في نفسه، وكان يريد أن يكون وطنه مثله بعيدًا عن الأثرة. كان يفكر في أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش فردًا، وفي أن الأوطان والشعوب لا تستطيع أن تعيش منفردة. كان يفكِّر في أن التضامن والتعاون أساس الحضارة، وهو من أجل ذلك فكَّر في أن هذا المعهد سيكون حلقة يلتقي فيها العلماء من جميع أقطار الأرض، العلماء الذين يُعنَوْنَ بشئون الصحراء، وسيكون معهدًا يتعاون فيه على البحث المختصُّون مهما تكن مواطنهم، ومهما تكن أجناسهم.

    كذلك أراد هو، وكذلك أردت أنت، وقد تحقق له ولك ما أردتما. هؤلاء العلماء الذين أقبلوا الآن لمصر يشاركونها هذا الحفل دليلٌ واضح على أن ما أراده والدك العظيم من تحقيق التعاون الإنساني على البر والتقوى والمعرفة، وما أردته أنت من تحقيق التعاون، قد تحقق بأمره وأمرك وأتى ثمره الآن.

    فلك يا مولاي أجمل الشكر وأخلص الإجلال على عنايتك بهذا المعهد، ولوالدك العظيم رحمة الله ورضوانه، نضَّر الله وجهه يا مولاي وأنزله منازل الصالحين المصلحين.

  • وزارة الشعب ترد إلى الشعب أمواله على أحسن وجه وأنفعه | A Government of the People Returns the People’s Money to Best and Most Useful Effect

    وزارة الشعب ترد إلى الشعب
    أمواله على أحسن وجه وأنفعه
    طه حسين
    جريدة المصري
    ١٠ أغسطس ١٩٤٣

    توجه مندوبنا بوزارة المعارف إلى دار الدكتور طه حسين بك لزيارته بمناسبة قرب سفره إلى فلسطين، ولكن لا بدَّ لأي صحفي أن يستغل فرصة اجتماعه بمعجم وزارة المعارف، فقال مندوبنا: حضرنا الحفلة الصامتة التي أقامتها جامعة فاروق الأول يوم السبت الماضي تكريمًا لمعالي وزير المعارف والرئيس الأعلى للجامعة، وكنا نودُّ لو نسمع منكم كلمة تصور شعوركم وشعور الجامعيين الفاروقيين بعد انتهاء العام الدراسي الأول. فأجاب سعادته بقوله: «ألم ترَ من ابتهاج الذين شهدوا الحفلة من الجامعيين ما يُغنيك عن الخُطَب كما أغنى غيرك من الذين تفضَّلوا فشهدوا الحفلة؟! ولكنك صحفي لا يرضيك إلا الكلام الذي تُطالع به قراءك وترضي به صحيفتك. وربما كان أصدق تصوير لشعور الجامعيين أنه شعور الرضى والأمل والثقة. فقد لقيت الجامعة الناشئة من تأييد الحكومة ومعونتها أكثر جدًّا مما كانت تنتظر، وأطمعها هذا التأييد في المزيد منه فطلبت إلى الحكومة كثيرًا، ولكنها لم ترد يومًا عن شيء طلبته ولم تسمع بعدُ كلمة «لا». وأنا واثق بأنها لن تسمعها ما دام حضرة صاحب المقام الرفيع مصطفى النحاس باشا رئيسًا للحكومة وحضرة صاحب المعالي أحمد نجيب الهلالي باشا وزيرًا للجامعة. والجمهور بالطبع لا يعرف إلا قليلًا جدًّا من تأييد الحكومة للجامعة الناشئة، ويكفي أن أضرب لك بعض الأمثال؛ فقد كانت ميزانية المعامل هذا العام ستة عشر ألفًا من الجنيهات، وهي كما ترى ضئيلة بالنسبة لجامعة يُراد تأثيثها، ولكني تحدثت بذلك إلى رئيس الحكومة ووزير المعارف فطمأناني. ثم أصبحت ذات يوم وإذا مجلس الوزراء يأذن لجامعتنا في أن تَشتري من أدوات المعامل ما تجِد إلى شرائه سبيلًا، ويقدِّم بين يدي هذا الإذن مبلغ خمسة وأربعين ألفًا من الجنيهات، فترتفع الأموال التي خُصصت للمعامل إلى أكثر من ستين ألف جنيه. وأكبر الظن أننا سنحتاج إلى أكثر من هذا، وأننا لن نجد من رفعة رئيس الحكومة وزملائه إلا كل عون وتأييد. وما رأيت هؤلاء الناس يواجهون أمرًا من أمور الشعب إلا ذكرت ما كان يقوله بركلاس في القرن الخامس قبل المسيح، وهو: «يجب أن تُردَّ أموال الشعب إلى الشعب». فهم يردون إلى الشعب أمواله على أحسن وجه وأنفعه وأضمنه للإصلاح الذي لا يذهب مع الريح، ولكنه يبقى مع الزمن، وينتج آثارًا خالدة. وأي شيء أنفع وأبقى مما ينفق على التعليم على اختلاف فروعه؟! وهل رأيت حكومة قدرت التعليم قدره وطابت نفسها بالإنفاق عليه كما فعلت هذه الحكومة؟ على أن ما فعلته الحكومة فيما يتعلق بالمعامل ليس إلا شيئًا قليلًا إذا قيس إلى ما تفعله فيما يتعلق بمباني الجامعة. وإني لن أبلغ من شكر الحكومة ومعالي وزير الأشغال خاصة ما أريد مهما أَقُلْ. ويكفي أن تعلم أن المباني التي تحتاج إليها الجامعة للسنة المقبلة قد تتكلف نحو مائة ألف من الجنيهات، ولم تبخل الحكومة بشيءٍ من هذا ولن تبخل بأكثر منه إذا دعت إليه الحاجة؛ لأنها تعلم أن خير الادِّخار هو الإنفاق في سبيل التعليم. ذلك فضلًا عمَّا تحتاج إليه هذه المباني من جِدٍّ وحزم وإسراع في العمل حتى لا يتأخر بَدءُ العام الدراسي عن أوانه. وهنا يكفي أن نذكِّر وزير الأشغال ونذكُر البيت العربي القديم:
    إذا أيقظتك خطوب الزمان فنَبِّهْ لها عمرًا ثم نَمْ
    وقد نبهنا وزير الأشغال لحاجة الجامعة، ولكننا لن ننام، وإنما نتفرغ للراحة والاستجمام على حين يتعب هو ويجِد. فإذا عدنا أول العام وجدنا الجامعة قد استوفت ما كانت تحتاج إليه. ألست ترى أن الذين يقدمون إلى الجامعة مثل هذه المعونة خليقون بالشكر والتقدير في الحفلات الصامتة والحفلات الناطقة جميعًا؟»
    وسأله مندوبنا عن الغرض من إنشاء معهد الآداب والفنون، وصلته بين الهيئات العلمية المختلفة بمصر وبينه وبين الحكومة. فأجاب بقوله: «إن الغرض من هذا المعهد تنسيق البحث العلمي والإنتاج الأدبي والفني في مصر، وإظهار الشعب المصري والبلاد العربية على نتائج النشاط العقلي في مصر. وواضح أن هذا كله لا يتأتَّى إلا بالاجتماعات المنظمة والمحاضرات التي تُلقى بين حين وحين والمجلات والنشرات المختلفة التي تُنشر بنظام. وسيتألف المعهد من شُعَبٍ خمس، سيكون لكل واحدة منها وجودها الخاص ومجلتها ومحاضراتها، وهي شعبة العلوم وشعبة الطب وشعبة الآداب وشعبة العلوم السياسية والتشريعية، وشعبة الفنون الجميلة. وسيكون اتِّصال المعهد وثيقًا بالجامعتين والهيئات العلمية المختلفة. وسيكون له حق منح الإجازات والإعانات للباحثين أفرادًا وجماعات. وسيشير المعهد على الحكومة في كل ما تستشيره فيه، ويرفع إليها ما يعرض له من الرغبات والاقتراحات التي تمَس حياة العلم والعمل جميعًا. أمَّا موعد إنشائه فسيكون في أول الدورة البرلمانية بمشيئة الله، ولولا أحداث السياسة التي شغلت الحكومة والبرلمان لتمَّ إنشاؤه في الدورة الماضية، فقانونه مُعَدٌّ لم يبقَ إلا أن يُرسَل إلى اللجنة التشريعية ثم إلى مجلس الوزراء لاستصدار المرسوم الملكي لعرضه على البرلمان.»
    مجمع اللغة العربية وسأله مندوبنا عمَّا يُراد إدخاله من تعديل على نظام مجمع فؤاد الأول للغة العربية. فقال سعادته إن الفكرة الأساسية هي تقوية المجمع وترقيته وزيادة حظِّه من الاستقلال، وتمكينه من أن يفرغ لما أُنشئ له من المحافظة على سلامة اللغة العربية، ووضع ما تحتاج إليه من المعاجم. وسيستفيد المجمع فائدة محققة من إنشاء المعهد المصري للآداب والفنون؛ لأن هذا المعهد سيضع علم وفن ما يحتاج إليه من الاصطلاحات، يقوم بذلك الأخصائيون من العلماء والفنانين، فيُسهِّل مهمة المجمع اللغوي ويحصرها في الناحية اللغوية الخالصة. فأنت ترى أن التعاون بينهما سيكون متصلًا ومنتجًا.
    التعليم الحر وسأله مندوبنا عن مشروعات التعليم الحر. فقال سعادته إن ما يستطيع أن يقوله الآن عن التعليم الحُرِّ هو أن مشروع القانون الجديد للتعليم الحر مُهيَّأٌ للعرض على البرلمان، وهو الآن بين يدي حضرة صاحب المعالي وزير المعارف. وهو يضمن ثلاثة أشياء أساسية؛ الأول: تمكين الدولة من الإشراف على التعليم الحر كله لترقيته وتقويته، وجعله ملائمًا لتعليم الدولة. والثاني: حماية حقوق المعلمين وتيسير الأمر لهم بحيث لا تكون حياتهم عُرضة للاضطراب. والثالث: تمكين هذا التعليم من أن يكون مساعدًا حقيقيًّا لوزارة المعارف فيما ترمي إليه من نشر التعليم والثقافة في جميع طبقات الشعب إلى أبعد حدٍّ ممكن.
    شئون أخرى وسأله مندوبنا عن مشروعات أخرى تتعلق بالتعليم الفني وتعديل المناهج في التعليم العام. فقال: دع هذا إلى شهر سبتمبر المقبل …