خاتمة
أما المقدمة فقد قرأها من قرأها، وسمعها من سمعها من الناس يوم افتتحت الدورة البرلمانية في آخر العام الماضي، وألقى رئيس الوزراء خطبة العرش، فرأى الناس وعودًا كثيرة.
وأما الخاتمة فقد سمعها من سمعها، وقرأها من قرأها، ورآها من رآها أمس واليوم في هذه الخطب القصار والطوال التي ألقيت في مجلس النواب وفي مجلس الشيوخ. وفيها تسجيل وليس فيها وعد، وفيها آمال يرجو الشيوخ والنواب والوزراء أن تتحقق، وعند الله وحده تحقيق الآمال. والله وحده قادر على أن يمضي فيتم ما قضى، مهما يقل الناس، ومهما يعملوا، ومهما يرج الناس، ومهما يأملوا.
على أن هذه الخاتمة التي انتهت بها الدورة أمس لا تخلو مما يدعو إلى التفكير، ويثير في النفوس عبرًا وعظات يحسن أن يعتبر بها الحكماء، ويتعظ بها الألباء.
فقوام هذه الخاتمة شكر وثناء، وحمد وإطراء. كل إنسان في البرلمان شاكر ومشكور، وكل إنسان في البرلمان باذل للمدح، وقابل للثناء.
أما رئيس مجلس النواب فيبدأ بما يجب البدء به من حمد الله عز وجل، والثناء عليه، ثم ينثر باقة من الزهر تغمر الوزراء والنواب جميعًا، ثم يعود إلى التفصيل بعد الإجمال، فيحمد الوزراء ويثني عليهم، ويشكر النواب ويطريهم، ولا ينسى الموظفين من سكرتيرية المجلس.
ولا يكاد يفرغ الرئيس حتى يقفي على آثاره النواب، فإذا هم يحمدون ويثنون، وإنما هم يشكرون ويطرون. ثم يرد رئيس الوزراء بالنيابة، فيجزي الثناء بثناء، والإطراء بإطراء.
ويقع مثل هذا في مجلس الشيوخ، فقد شرب الوزراء والنواب والشيوخ إذن من الثناء، بالصغير والكبير، حتى ارتووا ريًا لن يظمؤوا بعده إلى آخر الصيف.
وكم كنا نحب أن تقدم أقداح الثناء وكؤوسه إلى الوزراء والنواب والشيوخ من غيرهم، لا من أنفسهم، وأن يثني عليهم الشعب، أفراده وجماعاته، بدل أن يثني بعضهم على بعض، ويهدي بعضهم إلى بعض هذه الباقات المنسقة من الحمد والإطراء.
ولكن المثل القديم لم يخطئ حين قال:
ما حكَّ جلدَك مثلُ ظفرِك
فتولَّ أنت جميعَ أمرِك
فإذا قصر الشعب، راضيًا أو طائعًا، في ذات الوزراء والنواب والشيوخ، فمن الحق عليهم هم ألا يقصروا في ذات أنفسهم. وإذا بخل الشعب، راضيًا أو كارهًا، على الوزراء والنواب والشيوخ بالتقدير والشكر والاعتراف بالجميل، فمن الحق عليهم لأنفسهم أن يقدروها، ويشكروها، ويعترفوا لها بالجميل. وقد فعلوا، وبلغوا من ذلك أمس ما يريدون، وأكثر مما يريدون. ومهما ننقدهم، ومهما ننكر عليهم، فلن نستطيع أن نصفهم بأنهم قصروا أمس في ذات أنفسهم، أو بخلوا أمس على أنفسهم بالإكبار والإعظام، وبالتحية والتقدير.
أما الشعب فهو بين اثنتين: إما أن يكون جاحدًا للفضل، منكرًا للجميل، ظالمًا للذين يحسنون إليه، بخيلًا على الذين ينالونه بالفضل، ويغمرونه بالنعمة، وهو لذلك يستقبل الخاتمة فاترًا كما استقبل المقدمة فاترًا، فلا يحمد، ولا يثني، ولا يشكر، ولا يطري.
وإما أن يكون بليد الحس، نائم الشعور، يأخذه الإحسان من كل مكان فلا يحسه ولا يشعر به، وتغرقه النعمة إلى أذنيه فلا يشعر بهذا السيل الجارف من البركات الذي كاد يأتي عليه. وهو لذلك معقود اللسان عن الحمد والشكر، مغلول الأيدي عن التصفيق، قد غشيت وجهه سحائب فيها من ظلمة وحزن، كأنه شقي مع أنه سعيد، وكأنه محزون مكلوم مع أنه فرح مبتهج، وكأنه يائس قانط مع أن قلبه يملؤه الأمل، ويفعمه الرجاء.
لإحدى هاتين الخصلتين، أو لهما جميعًا، كان الشعب فاترًا يوم افتتحت الدورة، وكان الشعب فاترًا يوم اختتمت الدورة.
وما رأيك في شعب يجتمع عليه العقوق وبلادة الحس؟ إنه لشعب خليق بما يلقى، حقيق أن تعبث به الأحداث، لعلها تعلمه شكر المحسنين إليه، ولعلها توقظه من هذا النوم العميق الذي يغرق فيه إغراقًا!
ومهما يكن من شيء، فلا بد من تسجيل هذه الظاهرة، ليعرفها الشعب حين يستيقظ ويفيق، وهي أن الشعب كان نائمًا غافلًا، مسرفًا في النوم والغفلة، على حين كان الوزراء والشيوخ والنواب يقظين متنبهين، وأن الشعب كان ماضيًا في نومه، يحلم بالأمل والرجاء، والنعمة وحسن الحال، ويشكو من الحزن والضيق والبؤس وسوء الحال، بينما كان الوزراء والشيوخ والنواب ماضين في يقظتهم وتنبههم، يرون الحقائق الواقعة، ويسجلون ما انتهت إليه مصر من رخاء وسعة، ومن رقي وتقدم، ومن ارتفاع الكلمة وعلو المنزلة، ويحمدون هذه النعم كلها للذين أسدوها، ويشكرون هذه الآلاء كلها للذين أهدوها، وهم الوزراء والنواب والشيوخ.
وما رأيك في شعب تذكر له هذه الملايين التي أرصدتها الوزارة، وأقرها النواب والشيوخ لحل الأزمة وتفريج كربها، فلا يزيد على أن يشكو الضنك والضيق، ويذكر الجوع والحرمان، والمرض والأوبئة، ويؤكد ويلح في التأكيد أن الأزمة ما زالت قائمة، لازمة، ملحة، ثقيلة؟ أليس من الحق عليك أن تنبئ هذا الشعب بأنه نائم يحلم، وبأن الحق كل الحق فيما يقوله الوزراء والنواب والشيوخ في خاتمتهم أمس؟ فليس هناك ضنك ولا ضيق، وليست هناك عسرة ولا أزمة، وإنما هي أحلام نيام قد اكتظوا بالثروة والغنى، فخيل إليهم عسر الهضم أنهم جياع محرومون!
نعم، وما رأيك في شعب يذكر له الوزراء والشيوخ والنواب أنهم قد أرصدوا أموالًا وأموالًا، وأنفقوا ألوفًا وألوفًا للري والصرف، وإقامة الخزانات والتمهيد لها، فلا يعترف بفضلهم في ذلك، بل يشكو ويلح في الشكوى، ويأسف لأن هذه الأموال قد كان يحسن أن ترصد لغير ما رصدت له، وتنفق في غير ما أنفقت فيه؟ أليس هذا الشعب نائمًا غافلًا، قد صرفه النوم عن منافعه، وألهته الغفلة عن مصالحه، فرأى كل حسن قبيحًا، وخيل إليه أن كل قبيح حسن؟ بلى، لقد أخطأ الشعب كل الخطأ، وأصاب الوزراء والشيوخ والنواب كل الصواب!
وما رأيك في شعب يذكر له الوزراء والشيوخ والنواب أنهم قد أقاموا له صرحًا مشيدًا متينًا، متناسب الأجزاء، من الثقافة، ففرضوا التعليم الإلزامي، وأصلحوا نظم الجامعة، ووسعوا نشاط الأزهر، فلا يعترف بشيء من ذلك، ولكنه يتعلل ويتجنى، ويزعم أن التعليم الإلزامي لم يدرس ويمحص، وإنما أرسل على عجل ليقال إن قانونه قد صدر، ويزعم أن الحكومة والبرلمان قد نشرا جناح الأزهر إلى أبعد مما ينبغي، وقصا جناح الجامعة حتى عجزت عن أن ترتفع في الجو، وأمضيا أمر هذا كله في سرعة لا يعرفها بلد من بلاد الأرض، وعجلة لا يعرفها جيل من أجيال الناس. وكانت الفكرة السياسية أظهر فيها من الفكرة الفنية، حتى لم يبق بد للأحزاب السياسية المعارضة من أن تجعل في برامجها إصلاح أمر الثقافة والتعليم، ورده إلى حيث كان، أو إلى خير مما كان قبل هذا العهد السعيد. أليس هذا دليلًا على أن هذا الشعب نائم حالم، يرى الخير فيحسبه شرًا، ويرى النعمة فيحسبها بؤسًا؟
ما أشد حاجة هذا الشعب إلى أن يؤخذ بشيء من العنف والقسوة، لتستقيم قناته المعوجة، ويعتدل مزاجه المنحرف، ويؤمن بما يقول الوزراء والنواب والشيوخ!..
ولكن قناة هذا الشعب، مع الأسف أو مع السرور، ومع الحزن أو مع الابتهاج، تأبى أن تلين لغمز الغامزين، وتثقيف المثقفين، وتقويم المقومين. فستظل كما هي معوجة، وسيظل مزاج هذا الشعب كما هو منحرف، لا تستقيم القناة، ولا يعتدل المزاج، مهما يقل الوزراء والنواب والشيوخ، ومهما يعملوا.
ما أشد التناقض بين هاتين المصرين اللتين تعيشان في أرض واحدة، وتتنفسان هواءً واحدًا، وتشربان من نهر واحد: مصر الرسمية ومصر الشعب!
وأي دليل على هذا التناقض بين هاتين المصرين أكثر من أن تضطرب مصر الرسمية بما يثور فيها من عواطف الرضا والسخط، وبما يدفعها من بواعث الأمل واليأس، وبما يسيطر عليها من أسباب النشاط والفتور منذ تليت المقدمة في العام الماضي إلى أن تليت الخاتمة أمس، فلا يكون لشيء من هذا كله صدى في نفس مصر الشعبية؟
تناقض شديد، وافتراق بعيد بين هاتين المصرين، والله وحده قادر على أن يلائم بين هذين النقيضين.
كوكب الشرق سنة ١٩٣٣
Tag: البرلمان المصري
-
خاتمة٢ | Closing (2)
-
لو كنت عضوا في البرلمان | If I Were a Member of Parliament

وأنا لو كنت عضوا في البرلمان . . .
الدكتور طه حسين بك يرد على إسماعيل صدقي باشا
لو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لقلت لوزير المالية لا تسمع لكلام صدقي باشا وأشباهه فإنهم لا يقولون ولا يكتبون في السياسة المالية أو غير المالية إلا وهم يذكرون أنفسهم قبل أن يذكروا شيئا آخر غير أنفسهم، فهم يفكرون فيما يمسهم من السياسة المالية أو غير المالية من قريب أو بعيد وهم يقولون أو يكتبون ليدفعوا عن أنفسهم ما قد تنالهم به هذه السياسة من نقص في الأموال أو في الثمرات ولو كان هذا النقص وهماً أو خيالاً.
نعم ولو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لقلت لوزير المالية لا تسمع لصدقي باشا وأشباهه فإنهم لا يفكرون في رخاء الشعب ولا في إرضائه ولا في إصلاح مصر ولا في رقيها بمقدار ما يفكرون في أموالهم وأعمالهم ومنافعهم وأذكر يوم فكرت الحكومة في تيسير تجارة الفاكهة بين مصر وبلاد الشرق الأدنى فثار صدقي باشا يحتج ولم يفكر في أن الحكومة إنما كانت تريد أن تبيح للمصريين الفقراء أن يذوقوا البرتقال وما يشبهه من الفاكهة بعد أن حرمت عليهم ثمرات مصر لأن أصحابها من أمثال صدقي باشا يؤثرون أن يكسبوا منها المال الكثير على أن يبيحوها مواطنيهم الذين لا يستطيعون أن يدفعوا إليهم هذا المال الكثير.
ولو كنت عضواً في مجلس الشيوخ أو مجلس النواب لقلت لوزير المالية لا تسمع لصدقي باشا وأشباهه من الذين يحسنون الكلام في المال والأعمال والعبث بالحساب والأرقام وإلقاء النظريات الاقتصادية كما كان يلقي أبولون وحيه إلى كاهنته في الزمن القديم فإن في حياة مصر بل في حياة الإنسانية الآن أموراً أعظم خطرا وأجل شأنا من الحساب والأرقام ووحي أبولون، وتشدق أصحاب الكفايات وأهم هذه الأمور أن يأكل الجائع ويشرب الظمآن ويستريح البائس ولو قليلا من بؤسه وتتاح للشعب فرصة ولو ضئيلة جداً يشعر فيها بأن الله لم يخلقه ليكون خادماً لصدقي باشا وأشباهه وإنما خلقه ليعمل ويجني ثمرة عمله فينعم بالحياة ولو قليلا بين حين وحين.
ولو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لقلت لوزير المالية لا تسمع لصدقي باشا وأشباهه فليس إنصاف الموظفين عيبا وليس إنصاف الطوائف عيبا بل ليس إرضاء الموظفين وإرضاء الطوائف عيبا فالموظفون من أبناء الشعب والطوائف من أبناء الشعب والدولة إنما وجدت لتنصف الشعب وترضيه وتمكنه من الرقي والاستمتاع بالحياة على أكبر وجه ممكن، وجدت الدولة لذلك لا لشيء آخر فإذا لم تحقق ذلك فلا معنى لوجودها ولا حق لها على الشعب، لا حق لها في طاعته ولا في عمله ولا فيما تجبي منه من الضرائب.
ولو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لقلت لوزير المالية لا تسمع لصدقي باشا وأشباهه فإنهم حين يلقون هذه النظريات الاقتصادية العليا لا يتعمقون الأشياء ولا يفكرون تفكيرا مستقيما ولا يجارون التطور السياسي والاجتماعي في العصر الذي يعيشون فيه، وإنما هم محافظون ومحافظون على أشياء لا معنى للمحافظة عليها لأن أيامها قد انقضت منذ زمن طويل، هم لا يتعمقون الأشياء ولو قد فعلوا لعرفوا أن إنصاف الموظفين وإرضاء الطوائف ومحاولة تحقيق العدل الاجتماعي كل ذلك ينفعهم أكثر مما ينفع الموظفين والطوائف، فالموظفون لا يعملون لأنفسهم وإنما يعملون للناس جميعا ومنهم صدقي باشا وأشباهه، وليس من العدل ولا من المنفعة ولا من الخير ولا مما يحقق الأمن الاجتماعي أن يشبع صدقي باشا وأشباهه وأن يروي صدقي باشا وأشباهه وأن ينعم صدقي باشا وأشباهه بطيبات الحياة وأن يجوع الذين يعلمون أبناء صدقي باشا وأبناء أشباهه وظمئوا ويشقوا ويبتئسوا ويعجزوا عن أن يجدوا ما ينفقون، ليس من العدل ولا من الحق ولا من الخير ولا من تحقيق الأمن الاجتماعي أن يفكر صدقي باشا وأشباهه في الذهاب إلى نادي محمد علي ليجتمعوا ويتحدثوا ويلعبوا النرد والشطرنج فما هي إلا إشارة تشار وعجلة تدار وإذا هم حيث أرادوا أن يكونوا لم يتكلفوا في ذلك جهدا ولم يحتملوا فيه عناء، وأن يحاول الموظفون من المعلمين وأشباه المعلمين أن يذهبوا إلى مدارسهم ودواوينهم ليخدموا صدقي باشا وأشباهه فلا يجدوا من النقد ما يمكنهم من الذهاب لأداء واجبهم إلا أن يأخذوا هذا النقد من ثمن طعامهم وطعام أبنائهم ولباسهم ولباس أبنائهم.
أؤكد لوزير المالية أن الحياء قوام الفضيلة وقوام الرجولة وأن هناك أشياء كثيرة لا ينبغي أن تقال وهم لا يفكرون تفكيرا مستقيما لأن الموظفين والطوائف الذين تنصفهم الحكومة أو ترضيهم لا يأخذون الأموال ليشتروا بها الأرض أو ليستثمروها في المصارف أو ليكنزوها حيث يعلم الله وإنما يأخذون هذه الأموال لينفقوها على أنفسهم وعيالهم، فهم يأخذون من الحكومة ليردوا على الشعب وهم بذلك لا يعطلون حركة الإنتاج وإنما يزيدونها قوة وخصبا ورخاء فأنصاف الموظفين والطوائف وإرضاؤهم خير حتى من الناحية الاقتصادية التي يستأثر بعلمها والقول فيها أصحاب الأموال والأعمال، ثم هم لا يجارون التطور السياسي والاجتماعي فقد مضت تلك الأيام السود التي كان الشعب يتخذ فيها أداة لخدمة الدولة أو وسيلة لإرضاء أصحاب الثراء وأصبح الشعب هو الغاية وأصبحت الدولة هي الوسيلة وهي الأداة.
إن صدقي باشا محافظ أشد المحافظة حين يذكر أن العناية بصحة الشعب خير لأنها تمكن الشعب من الإنتاج، كلا يا سيدي إن العناية بصحة الشعب واجبة لأن من حق الشعب على الدولة أن تعنى بصحته وكفى، إن الشعب ليس أداة ولا ماشية يجب أن نعنى بها لتكون أكثر إنتاجا وأعظم نفعا وإنما الشعب هو الغاية لكل نظام سياسي أو اجتماعي لا أكثر ولا أقل.
ولو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لتحدثت إلى وزير المالية حديثا آخر يناقض كل المناقضة حديث صدقي باشا إليه في الأهرام صباح اليوم إذن لقلت لوزير المالية صدقني إنك قد خطوت خطوة حسنة إلى إنصاف الموظفين والطوائف وإرضائهم ولكنها قصيرة جدا لا تبلغ من إنصافهم وإرضائهم إلا أيسر ما تريد أنت وأقل ما يستحقون هم، فالغلاء لا يطاق والأجور التي تعطى للموظفين والطوائف بعيدة كل البعد عن أن تلائم هذا الغلاء وعن أن تمكن الموظفين والطوائف من أن يأمنوا ويؤمِّنوا أبناءهم الجوع والبؤس والحرمان.
وأنا أعلم أن ميزانية الدولة لم تسمح لك بأكثر مما فعلت ولكني أعلم أن في موارد الأمة ما يمكنك من أن ترفع هذه الميزانية. فليس من الضروري أن تكون ميزانيتنا الآن سبعين مليونا بل من الممكن أن تبلغ مئة مليون ولكنك رفيق جدا بأصحاب الثراء عنيف جدا بالفقراء لا تفرض من الضرائب ما ينبغي أن تفرضه ولا تأخذ من الأغنياء ما ينبغي أن تأخذه، وليس عليك بأس من أن تفرض الضرائب ولا أن تأخذ من أموال الأغنياء صدقة تطهرهم وتزكيهم بها كما أمر الله. وما أشد حاجتهم إلى التطهير والتزكية.
انظر إلى ما يأخذ الإنجليز من أغنيائهم ومن فقرائهم لا في أوقات الحرب بل في أوقات السلم، واجعل نظام الضرائب عند الإنجليز أساسا لنظام الضرائب في مصر وثق بأنك ستجد من الميزانية ما تنصف به الطوائف والموظفين فتحسن إنصافهم وما ترضى به وزير الصحة الذي يطالب بالملايين الكثيرة ليعني بصحة الشعب وما ترضى به وزير المعارف الذي يتمنى الملايين الكثيرة ليعلم أبناء الشعب. وما ترضى به وزير الأشغال الذي يريد الملايين الكثيرة ليرضى صدقي باشا وأشباهه بهذه الأعمال الخطيرة التي تصلح الأرض وتنمي الثمرات وتيسر الزراعة والتجارة والصناعة وتضاعف غنى الأغنياء وثروة أصحاب الثراء. ولا بأس عليك من أن تفرض الضرائب وتأخذ من الأغنياء أكثر مما تأخذ. فقد يكفي أن تنظر إلى شعور الأغنياء في أوربا وأمريكا بالتضامن الاجتماعي وإلى شعور الأغنياء في مصر بهذا التضامن الاجتماعي لتفرض الضرائب غير متردد ولا متحفظ. إن الأغنياء في أوربا وفي أمريكا يؤدون إلى الدولة ضرائب هائلة ولكن كثيرا منهم لا يكتفي بما يؤدي إلى الدولة وإنما ينفق عن سعة لا يحلم بها صدقي باشا وأشباهه على التعليم والصحة وأعمال الخير والبر. ومع ذلك فالفقراء وأبناء الطبقات الوسطى في أوربا وأمريكا لا يرضون عن توزيع الثروة ولا يطمئنون إلى تحقيق العدالة الاجتماعية. فكيف لو تعلم أبناء الشعب في مصر ورأوا خوف أغنيائنا من الضرائب وإعراضهم عن التضامن الاجتماعي وإيثارهم أنفسهم بكل خير ولومهم للحكومة كلما حاولت أن تنصف بائساً أو ترفق بمحروم.
ألم أقل لك أن هؤلاء الناس حين يلومونك فيما يسمونه الإغداق باليمين والشمال وما أسميه أنا محاولة للإنصاف لا يتعمقون الأشياء ولا يفكرون تفكيرا مستقيما ولا يجارون التطور السياسي والاجتماعي في هذه الأيام.
أما بعد فلو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لقصصت على وزير المالية قصة صغيرة جدا قصيرة جدا ولكنها على ذلك خليقة أن تحمله على التفكير الطويل الدقيق العميق المؤلم أيضا.
كان ذلك في صيف سنة 1932 حين أبعدني صدقي باشا عن الجامعة واضطرني إلى حياة الموظف المظلوم الذي لا يجد ما ينفق وفي ذات يوم زارني أحد الأغنياء مواسياً وأقسم ما طلبت إليه شيئاً ولا فكرت في أن أطلب إليه أو إلى أحد غيره شيئا ولكنه أحس أن نظام المجاملة الاجتماعية والسياسية أيضًا يفرض عليه أن يزورني مواسياً وقد فعل مشكورا. وكانت مصر في أزمة اقتصادية خطيرة فجعل هذا الغني يشكو إلي بؤسه وشقاءه ويقول فيما يقول «أتصدق أن إيرادي كان ثلاثين ألف جنيه في العام فما زال يتضاءل ويتضاءل حتى وصل إلى خمسة عشر ألف جنيه في العام» أترى بؤسا أشد من هذا البؤس قلت له مبتسما «لا» ولكني فكرت فيما بيني وبين نفسي أن إيرادي أنا كان نحو ألف ومائتين من الجنيهات في العام وإني في هذا الوقت الذي كان يتحدث إلي فيه هذا الغني لم يكن لي إيراد ما أستطيع أن أعده بالجنيهات أو بالقروش ومع ذلك فقد كان هذا الغني بائساً لأنه قد نُصِفَ إيرادُه مؤقتا. وكنت أنا سعيدا لأني لم أفقد شيئا وما قيمة ألف ومائتين من الجنيهات بالقياس إلى أمثالنا الذين ليسوا من أصحاب الأموال والأعمال.
طه حسين
المصري، ١ أبريل ١٩٤٤. -
امتحان (٢) | A Test (2)
امتحان (٢)
طه حسين
كوكب الشرق
٢٣ مارس ١٩٣٤
أما أداؤه فقد تم في شيء من الطول، والمشقة، والعسر، وأما نتيجته فلم تظهر بعدُ، وقد كان من الخير للممتحَنين أن تظهر في هذه الأيام ليستطيعوا أن يستقبلوا العيد باسِمين له ولِما يحمل من الرجاء، أو ضيقين به وبما يحمل من اليأس والقنوط.
ولكن الأستاذ الذي نهض بهذا الامتحان فألقى الأسئلة، واستمع للأجوبة، رجلٌ مُترفٌ لا يحب العجلة، ولا يميل إلى السرعة، وإنما يحب التريُّث ويكلف بالأناة، ولعله كغيره من الأساتذة يستعذب هذه اللذة القاسية، لذة الإبطاء في إظهار النتيجة، والشعور بأن الذين أدَّوْا الامتحان ينتظرونها على قلق واضطراب.
والناس يحسنون الظن عادة بالأساتذة، ويرونهم مُثُلًا عليا للسذاجة واليسر والرفق، ولكن الناس يخطئون، فمن الأساتذة قساة، ومن الأساتذة من ذاقوا مرارة الامتحان وانتظار النتائج، وضاقوا بأساتذتهم حين كانوا طلابًا، فهم يجدون لذة، مترفة غريبة، قاسية في أن يذيقوا طلابهم ما ذاقوه هم حين كانوا طلابًا يؤدون الامتحانات.
ولسنا ندري أذاق المندوب السامي مرارة الامتحان وانتظار النتيجة في يوم من الأيام، ولسنا ندري أيجد المندوب السامي ما يجده الأساتذة القساة من هذه اللذة المترفة الغريبة القاسية؟ ولكن الذي لا شك فيه هو أن المندوب السامي قد امتَحن فأطال الامتحان، فلما فرغ من الامتحان، لم يتعجل بإظهار النتيجة، ولم يفكر في أن يهيئ للطلاب عيدًا سعيدًا، أو عيدًا هادئًا مطمئنًّا، مريحًا على أقل تقدير.
ولعلك قد فهمت أن الذين أدَّوْا الامتحان هم وزراء مصر والمشرفون على أمورها، والمسيطرون على حياتها العامة. ولا بد من أن نلاحظ مع شيء من التقدير غير قليل أن المندوب السامي على قسوته كان رفيقًا شفيقًا؛ فهو قد أقبل إلى مصر فأقام فيها أسابيع، ثم رحل عن مصر فغاب عنها أسابيع، تاركًا للذين سيؤدون الامتحان فرصة واسعة يهيئون فيها أنفسهم لليوم العظيم؛ يدرسون، ويتذاكرون، ويبحثون ويستظهرون، ويستعد كل واحد منهم أحسن استعداد ليؤدي أحسن امتحان على أجمل وجه وأكمله!
قل ما شئت أيها القارئ العزيز وليقُل الوزراء ما يشاءون، وليقل المندوب السامي ما يشاء أيضًا؛ فليس من شك في أن هذه المقابلات الفردية التي كانت بين المندوب السامي والوزراء، مبتدئة بالرئيس منتهية بوزير الزراعة أو بغيره، لا أدري تركت في نفوس الناس هذا الشعور الطريف المؤلم بأن سادتنا الوزراء كانوا يؤدون امتحانًا شفويًّا أمام المندوب السامي الجديد. والمحقَّق أن الممثلين السياسيين للدول الأجنبية يقبلون إلى مصر وينصرفون عنها، ويتعرفون إلى الوزراء ويتعرف الوزراء إليهم، فلا يجد المصريون في ذلك شعورًا غريبًا، أو شيئًا يشبه الشعور الغريب. ومن المحقق أيضًا أن المندوب السامي كان يستطيع لو أراد أن يلقى الوزراء ليتعرف إليهم وليتعرفوا إليه ليس غير، مجتمعين مرةً واحدةً في يومٍ واحدٍ وفي مكان واحد، حول كئوس من القهوة، أو كئوس من الشاي، أو حول مائدة فارغة من القهوة والشاي، فيتحدث إليهم ويسمع منهم، ثم يتفرق القوم، وتتصل المقابلات بعد ذلك، إن كان هناك ما يدعو إلى اتصال المقابلات. ولكن المندوب السامي لم يؤثِر هذا النحو من التعرف إلى الوزراء، وإنما أخذ يدعوهم إليه واحدًا واحدًا. يستقبل واحدًا منهم في يوم، ثم ينتظر أيامًا ليستقبل منهم واحدًا آخر، وقد يستقبل أحدهم اليوم، ويستقبل زميله غدًا. وقد ينشط، فيستقبل أحدهم في الصباح، ويستقبل زميله في المساء، قد يشتد النشاط للامتحان أو الضجر من الامتحان، فيستقبل وزيرين في صباح واحد.
وكانت هذه المقابلات تُذاع مواعيدها قبل أن تتم، وتذاع أنباؤها بعد أن تتم، وكان المصريون يقرءون ما كانت تذيع الصحف فيشفقون ويألمون؛ يشفقون على الوزراء، وكل من يتقدم للامتحان فهو خليق بالإشفاق، ويألمون لمصر ولأنفسهم، فقد كانوا يظنون أنهم مستقلون، وأن وزراءهم إذا لم يكُن لهم بُدٌّ من أن يؤدوا الامتحان فإنما يجب أن يؤدوه أمام البرلمان المصري. ووزراؤنا قد أَدَّوْا هذا الامتحان أمام البرلمان، ونالوا فيه أقصى الدرجات.
بهذا كله كان المصريون يُشفقون، ولهذا كله كان المصريون يألَمون، وقد انتهى الإشفاق بانتهاء الامتحان، ولكن الألم لم ينتهِ، ولا ينبغي أن ينتهي قبل أن يرى المصريون لبلادهم وزراء لا يؤدون الامتحان إلا أمام البرلمان.
نظن أن حديث الصحف يجب أن يمَس هذا الموضوع، بل نظن أن حديث الصحف يجب أن يطول في هذا الموضوع، فهو أحق بالعناية والدرس، وهو أحق بالتعليل والتأويل والتحليل، من حفلة الشاي التي دُعِيَ إليها الزعماء ورجال السياسة وكبار الموظفين في دار المندوب السامي مساء الثلاثاء، فلم يكُن في هذه الحفلة ما يدعو أن تكتب الأهرام فصلين أو أكثر من فصلين، إنما هي حفلة من هذه الحفلات، تنشأ للمجاملة، وتقوم على المجاملة، وتنتهي إلى ما تنتهي إليه حفلات المجاملة من التعارف وإنشاء الصلات بين رجل له مكانته وخطره في السياسة المصرية، وقوم لهم مكانتهم وأخطارهم في هذه السياسة؛ فلم يكُن المصريون في يوم من الأيام جفاة ولا مقصرين في آداب المجاملة وأوضاع الحياة الاجتماعية؟ ولم يكن المندوب السامي أقل منهم عناية بهذه الأوضاع وتلك الآداب، فكان من الطبيعي أن يزوروه، وكان من الطبيعي أن يدعوهم إلى الشاي فيستجيبوا لدعوته، ولم يأبَ المصريون في يوم من الأيام أن يستجيبوا لدعوة مخافة أن يلقى بعضهم بعضًا على ما بينهم من اختلاف الميول والنزعات؛ لأنهم يعرفون كيف يَحْيَوْنَ حياة القوم المتحضرين. فمن الإطالة التي لا تُجدي، أو من التماس الظهر في الساعة الرابعة عشرة كما يقول الفرنسيون أن يكثر الكلام حول هذا الشاي الذي لا غرابة فيه. إنما الموضوع الذي يستحق التفكير، والذي يستحق التفسير والذي يستحق التساؤل وانتظار الجواب، هو هذه المقابلات الانفرادية التي كانت بين وزرائنا جميعًا وبين المندوب السامي، على نحو لم يُعرف من قبلُ، ولم تجرِ به التقاليد، والتي ألقت في رُوع المصريين جميعًا أنهم كانوا يَسْعَوْنَ إلى هذه المقابلة، كأنما كانوا يسعون إلى أداء الامتحان، وأن الأحاديث إنما اتصلت بينهم وبين المندوب السامي أثناء هذه المقابلات، في أمور لا تشبه الجو والمطر، واعتدال الإقليم، وجمال النيل، وإنما تشبه ما يعنى به الوزراء من شئون الحكم وتصريف الأمور.
هذا هو الذي يستحق أن تكتب فيه «الفصول» وأن تعنى به «الأهرام» وغير «الأهرام» من الصحف التي عنيت بحفلة يوم الثلاثاء، ومهما يكُن من شيء فليس من سبيل إلى استدراك ما فات، ولن يستطيع أحد أن ينكر أو أن يمنع أن الوزراء قد سَعَوْا متفرقين إلى دار المندوب السامي كما يسعى الطلاب إلى غرفة الامتحان، ولن يستطيع أحد أن ينكر أو يمنع أن هذا السعي كان مؤلمًا مؤذيًا، ولن يستطيع أحد أن ينكر أو يمنع أن لهذا السعي المؤلم نتائجَ كنتائج الامتحان إن لم تظهر اليوم فستظهر بعد العيد بوقت قد يكون طويلًا، وقد يكون قصيرًا، ولكنه في أكبر الظن قريب على كل حال. -
هزيمة (١) | Defeat (1)
حديث المساء: هزيمة (١)
طه حسين
كوكب الشرق
١١ ديسمبر ١٩٣٣
ليست هزيمة صدقي باشا؛ فقد فرغ الناس الآن من صدقي باشا، ولعل صدقي باشا أن يكون قد فرغ من نفسه إلى وقت ما. إنما هي هزيمة هؤلاء الذين قد جمعهم حوله، وزعم لنفسه وزعم لهم أنهم حزب سياسي، شديد الأركان، متين البنيان، تستطيع أن تعتمد عليه الوزارات، بل يستطيع أن يعتمد عليه النظام.
عن هؤلاء الناس وعما أصابهم من الهزيمة نريد أن نتحدث اليوم، فهم ما زالوا يزعمون أن لهم وجودًا سياسيًّا، وهم ما زالوا يزعمون أنهم يستطيعون أن يسندوا الوزارة، ويثبتوا النظام، ولعلهم إذا خلوا إلى أنفسهم أو تحدث بعضهم إلى بعض لا يخفون على أنفسهم أنهم ممثلون، لا يمثلون للناس فحسب، وإنما يمثلون لأنفسهم قبل أن يمثلوا للناس.
وقد يكون حظ الرجل من الذكاء والفطنة قويًّا أو ضعيفًا، ولكنه لا يبلغ من الضعف في يوم من الأيام هذا الحد الذي يخيل إليه أنه جاد وهو يلعب، وأنه مخلص وهو ينافق، وأنه صادق وهو يكذب، وهؤلاء الناس الذين بناهم صدقي باشا ليهدموه، وأحياهم ليُميتوه، وآواهم ليطردوه. هؤلاء الناس يعلمون حق العلم أنهم إذا أشرقت عليهم الشمس، وتنفس الصبح عن وجوههم الحسان، اتخذوا لأنفسهم من السياسة ثيابًا، فإذا أقبل الليل واحتوتهم ظلمته المخيفة الرهيبة، خلعوا هذه الثياب، ورأوا أنفسهم كما هي لا تحفل بالسياسة ولا بالساسة، ولا تفكر في السياسة ولا في الساسة، وإنما تحفل بالحياة اليومية التي يجب أن تحتمل، وتفكر في المنافع العاجلة التي يجب أن تُقْضَى.
وهم كذلك يلبسون السياسة مع الصبح، ويخلعونها مع الليل، يتخذون السياسة ليلقوا بها الناس، لا ليلقوا بها أنفسهم؛ فالسياسة عندهم عَرَضٌ من الأعراض، ووسيلة من الوسائل لا أكثر ولا أقل، وهم يعلمون حق العلم أن صدقي باشا أنبأهم بأن الدستور القديم مُضِرٌّ فصدَّقوه، وبأن الدستور الجديد نافع فصدَّقوه، وهم يعلمون حق العلم أن صدقي باشا لو قد بقي في الحكم ثم أنبأهم بأن الدستور القديم خير كله لصدَّقوه، وبأن الدستور الجديد شر كله لصدقوه، وهم يعلمون حق العلم أن رئيس الوزراء القائم لو دعاهم إلى حب النظام القديم وبغض النظام الحديث؛ لاستجابوا له مسرعين، ولو دعاهم إلى بغض النظامين جميعًا، وإيثار الحياة في غير دستور؛ لما ترددوا في طاعته والاستماع له.
وهم يعلمون حق العلم، وهم يتحدثون بهذا إذا خلوا إلى أنفسهم، وهم يتحدثون بهذا إذا اجتمعوا بعضهم بعضًا، ولكنهم على ذلك كله يجدون أقلامًا تزعم لهم أنهم حزب، ويجدون ألسنة تذيع عنهم أن لهم مبادئ وآراء. وهم ينعمون بهذه الإذاعة كما ينعمون بكل شيء، وهم يسعدون بهذه الأحاديث كما يسعدون بكل شيء؛ لأن الله قد منحهم من فراغ البال، وسعة الضمير ومرونته ما يرضيهم بكل شيء، ويلهيهم عن كل شيء، ما داموا يظفرون بما تحتاج إليه أجسامهم من هذه اللذات العاجلة الزائلة، ومن إرضاء هذه الحاجات المادية التي تسيطر على بعض النفوس فتنسيها أن وراء المادة شيئًا آخر، وأن وراء الطعام والشراب لذات أخرى تنعم بها النفوس الراقية، وتطمح إليها القلوب الكريمة، وتسعد بها الضمائر الحية، ولا يستطيع أن يعيش بدونها كرام الناس.
لقد كان صدقي باشا منذ أشهر نابغة لم يعرف العالم نابغة مثله في عصر من العصور عند هؤلاء الناس، وكان قوام الحياة السياسية في مصر، وكان قوام النظام الحاضر، وكان منقذ مصر من الفوضى، ومخرجها من الظلمة إلى النور، وكان وجهها الوضيء، وسراجها المضيء.
كان كل هذا، ثم أصبح الآن رجلًا ممتازًا، ولكن لا يمتاز بالنبوغ، بل يمتاز بالقصور، متفوقًا ولكن لا في الخير، بل في الشر، وظهر أنه لم يكن قوام الحياة السياسية، وإنما كان لها مفسدًا، وأنه لم يكن قوام النظام، وإنما كان مُضَيِّعًا، وأنه لم يكن فخرًا لمصر، وإنما كان وصمة لها، وأنه لم يكن هاديًا يقود مصر إلى الرقي والفلاح، وإنما كان مُدمِّرًا يدفع مصر إلى الانحطاط والشقاء، وخلعت كل تلك الصفات الباهرة التي كانت تُمْنَحُ لصدقي باشا على رئيس الوزارة القائمة عبد الفتاح يحيى باشا.
فأصبح هو النابغة الفذ، وأصبح هو قوام السياسة، وركن النظام، وأصبح هو الوجه الوضيء، والسراج المضيء، وأصبح هو رجل مصر الذي لا تستطيع مصر أن تحيا بدونه. وكان رئيس الوزارة القائمة منذ أشهر رجلًا من عامة الناس، لا يمتاز بشيء، ولا يتفوق في شيء، دخل الوزارة فاحتمله الشعبيون؛ لأن صدقي باشا أدخله الوزارة، وخرج من الوزارة فنسيه الشعبيون؛ لأن صدقي باشا أخرجه من الوزارة.
وهَبْ الظروف تنكرت لعبد الفتاح يحيى باشا، وستتنكر له من غير شك؛ فسيتنكر الشعبيون له مع الظروف، وهب الظروف ابتسمت لعلام باشا، ورفعته إلى رئاسة الوزارة، فسيتهالك الشعبيون على علام باشا، وسيخلعون عليه من الصفات ما كانوا يخلعون على صدقي باشا أمس، وما يخلعون على عبد الفتاح يحيى باشا اليوم.
وهؤلاء هم الذين ينهضون بأعباء السياسة المصرية، وهؤلاء هم الذين يُرجون لحل المعضلات، وإزالة المشكلات، وهؤلاء هم الذين تعتمد عليهم الوزارة. كلا، إن الوزارة لا تعتمد عليهم، ولا تحفل بهم، وإنما هم الذين يعتمدون على الوزارة، ويعيشون للوزارة وبالوزارة، عاشوا لصدقي باشا وبه منذ أشهر، وهم يعيشون لعبد الفتاح باشا وبه في هذه الأيام.
ولو أتاحت لهم الظروف أن يعيشوا لعلام باشا وبه في يوم من الأيام؛ لكانوا بذلك مغتبطين أشد الاغتباط، مبتهجين أشد الابتهاج، هم لا يعيشون لأنفسهم، وهم لا يعيشون بأنفسهم، وإنما هم أتباع كل ناعق، وأنصار كل مستنصر، والسامعون لكل من أمر، والمستجيبون لكل دعاء.
كلا، لم يعتمد عليهم صدقي باشا في يوم من الأيام، وإنما غَشَّ بهم نفسه، وخدع بهم الناس، وخَيَّلَ إليهم أنهم أنصاره وشيعته؛ فصدقوا ذلك واطمأنوا إليه، ثم جاء عبد الفتاح يحيى باشا، فبَيَّنَ لهم أن صدقي باشا كان خادعًا أو مخدوعًا، وأنهم لم يُخْلَقُوا لصدقي، وإنما خُلِقُوا لعبد الفتاح، فصدقوا ذلك واطمأنوا إليه، وإلا فحدثني كيف يستطيع هؤلاء الناس أن يخلعوا صدقي باشا، وقد كانوا لا يؤمنون إلا به، وأن يثبتوا عبد الفتاح باشا، وقد كانوا لا يثورون إلا عليه.
كيف استطاع هؤلاء الناس أن يدينوا بالطاعة لرئيس الوزارة القائمة، وهم الذين أمطروا رئيس الوزارة القائمة منذ أيام وابلًا من الأسئلة يتهمون فيها وزارته بإفساد الحياة النيابية، والاعتداء على ضمائر النواب، وإهمال المصالح العامة، وإيثار المصالح الخاصة، كيف استطاع هؤلاء الناس أن ينسوا هذه الأسئلة، ويستكينوا للوزارة التي كانوا يلومونها فيسرفون في لومها، ويتهمونها فيتجاوزون معها القصد في الاتهام، مع أن الوزارة لم تحفل لهم بسؤال، ولم تدفع عن نفسها تهمة من هذه التهم التي وجهوها إليها؟
فكيف غَيَّرُوا رأيهم؟ وكيف اقتنعوا بأنها وزارة العدل والإنصاف، ووزارة البر ورعاية المصالح، ووزارة النزاهة والنقاء، في السر والجهر؟ إنما غيروا رأيهم لأنهم وجدوا من الخير أن يغيروه؛ إنما اقتنعوا لأنهم لم يجدوا بدًّا من الاقتناع. هؤلاء الناس سعداء بأنفسهم راضون عنها، يفاخرون بها ويكاثرون، ولكن الغريب أن يطمئن رجل كعبد الفتاح باشا يحيى إلى أمثال هؤلاء الناس، وأن يظن رجل كعبد الفتاح باشا يحيى أنه انتصر على خصمه حين غلبه على هؤلاء الناس.
وأغرب من هذا أن يتصل التمثيل، ويستمر اللعب، ويصدق غير المصريين أن لهؤلاء الناس شأنًا في السياسة المصرية، أو أثرًا في تصريف الأمور، وأشد غرابة من هذا وذاك أن يُعْنَى بعض الناس بما يكون بين هذه الجماعات من الخلاف والخصومة حول بعض المناصب والأعمال، كما يُعنون بالجد من الأمر، مع أن الأمر لا يعدو أن يكون دعابة كله، منذ ابتدأ إلى أن ينتهي في وقت قريب، دعابة لا أكثر ولا أقل، ولكن فيها من المرارة ما يُمَزِّقُ القلوب ويملؤها لوعة وأَسًى؛ لأنها أضاعت على مصر من حياتها أعوامًا، فَوَّتَتْ على مصر كثيرًا من المنافع والحقوق.
ومَنْ الذي زعم أن الأمم تستطيع أن تلهو دون أن تدفع للهوها ثمنًا؟ ومَنْ الذي زعم أن الأمم تستطيع أن تسلك طريقها إلى الحرية والاستقلال، وإلى الرقي وارتفاع الشأن، دون أن تتعثر في هذه الطريق بأمثال صدقي باشا، ومَنْ يلوذ به وبهم من النفعيين والوصوليين؟
لم ينهزم صدقي باشا وحده، ولو أن صدقي باشا وحده هو الذي انهزم لما حفل به أحد، وإنما القيمة الصحيحة لهزيمته هي أنها هزيمة عامة تتجاوز شخصه إلى سياسته كلها، سواء أكان هو المنفذ لهذه السياسة أم كان المنفذ لها رجلًا آخر مهما يكن. والقيمة الصحيحة لهذه الهزيمة هي أنها جاءت من أن هذه السياسة لم تعتمد على ما ينبغي أن تعتمد عليه السياسة الصالحة للبقاء، التي تستطيع أن تطمع في الفوز، وتظفر به، وتمتنع على الخيبة والخذلان؛ وهو حب الأمة وتأييدها وإيمانها.
هذه السياسة التي أقامها صدقي باشا بعيدًا كل البعد عن حب المصريين وتأييدهم وإيمانهم، كانت قائمة في الهواء، معرضة بأن تعصف بها الريح في كل لحظة. وقد عصفت بها الريح، فهَوَتْ بصدقي باشا إلى الحضيض، وأظهرت من أسرار أصحابه ومواطن الضعف فيهم ما لا يستطيعون بعده أن يثبتوا لأول عاصفة تأتيهم من أي ناحية من النواحي، وإن هبوب هذه العاصفة غير بعيد.