Tag: البرلمان

  • صوم

    صوم
    من المحقق أن القضاء لم يرد حين قضى بالسجن على توفيق دياب أن يقضى عليه بالمرض ولا بالتعرض للمرض. ومن المحقق أنه لم يرد أن يقضى عليه بالعذاب ولا بالتعرض للعذاب. ومن المحقق أنه أراد إرساله إلى السجن ليستقر فيه أشهرا ثم يخرج منه فيستأنف الحياة مع الأحياء، لا ليبقى فيه ريثما تسوء معاملته فتشرف به على المرض، ثم تسلمه إلى اليأس، ثم تضطره إلى الصوم، ثم تنتهي به إلى حيث يعلم الله، وإلى حيث يعلم الناس من أمر المريض المضنى إذا ألح في الصوم وامتنع عن الطعام والشراب.
    من المحقق أن القضاء لم يرد من هذا شيئا، وما ينبغي أن يريد شيئا من هذا، ومن المحقق أن مصلحة السجون لم تنشأ لتعرض الأصحاء للمرض، ولا لتدفع بالمرضى إلى السقم المهلك والآلام التي تفتك بالحياة، ومع ذلك فقد أسلم إلى مصلحة السجون رجل مريض، ليس مرضه غامضا ولا مجهولا، وليس مرضه من هذه الأمراض التي يكون فيها الشك، ويختلف في تصويرها وتقديرها الأطباء. وإنما هو مرض معروف قد سجل الأطباء آراءهم فيه، ورفعت هذه الآراء إلى مصلحة السجون، ولم يسجلها أطباء مغمورون، وإنما سجلها جماعة معروفون، منهم أستاذ في المعهد الرسمي للطب في مصر، فيجب أن تسمع كلمته وأن تقدر. ومع هذا كله يقال إن مصلحة السجون لم تحفل بمرض المريض، ولا بآراء الأطباء حتى اضطرت إلى ذلك اضطرارا حين رأت من حال السجين نفسه ما يلزمها أن تختصه ببعض العناية.
    ويقال إن مصلحة السجون لم ترد أن تمضي في هذه العناية بسجينها المريض، لأنها رأت حاله تحسن بعض الشيء، ورأته يأخذ بحظ من الشفاء، فردته إلى حال المسجونين العاديين، وهي تعلم من قرار الأطباء أنه عائد من غير شك إلى مرضه الحاد المضنى بعد أيام قليلة.
    فهل تريد مصلحة السجون أن نفهم أنها تجد لذة في أن يألم المسجونون وتجد من تكميل العقاب أن تدور بهم بين الصحة والمرض، وبين الراحة والألم، تتركهم حتى يصيبهم المرض المحتوم، أو يشتد عليهم المرض الذي لا يفارقهم، وهنالك تعنى بهم شيئا، وتتفضل عليهم بقليل من العلاج حتى إذا حسنت حالهم قليلا، ردتهم إلى ما يسيئها ويفسدها، وتنقلت بهم على هذا النحو، تعالجهم ليمرضوا، وتمرضهم ليصحوا، تخرجهم من النار لتعيدهم إليها، وتدخلهم فيها لتخرجهم منها.
    ما لهذا أنشئت مصلحة السجون، ولا لهذا أنشئت السجون، وما بهذا يمكن أن ترضى حكومة تقدر لنفسها شيئا من الكرامة وتطمع لنفسها في شيء من الاحترام، أم هل تريد مصلحة السجون أن نفهم أنها تعامل ضيوفها معاملة آلية صرفة، لا فهم فيها ولا فقه، ولا تدبر فيها لشيء، وإنما هو تطبيق ميكانيكي للنظام، فلان حسن الحال بعض الشيء، فيجب أن يصلى نار المعاملة العادية حتى إذا ساءت حاله كانت العناية به، فهي لا تعنى بالسجين إلا حين ترى نفسها مضطرة إلى هذه العناية! ما هكذا ينبغي أن تشرف الإدارات على مصالح الناس، وما هكذا ينبغي أن يفهم النظام وتنفذ أصوله وقواعده.
    رجل قال الطب إنه لا يستطيع أن يبرأ من الألم، أو لا يستطيع أن يخف عنه الألم إلا إذا عاش عيشة خاصة رسمها له الأطباء وبينوا حدودها بيانا مفصلا واضحا. فمن الحق على مصلحة السجون أن تذعن لرأي الأطباء وأن تنفذ ما قرروا في غير تردد ولا تلكؤ، إلا أن تكون مصلحة السجون حريصة على أن يلقى الناس عندها ألوان العذاب ويتعرضوا عندها لخطر الموت!
    هذا كله ولم نذكر أن توفيق دياب لم يقتل ولم يقطع طريقا ولم يسرق ولم ينقب على قوم آمنين، ولم يقترف إثما من هذه الآثام المنكرة التي يعاقب عليها القانون وحده، وإنما تعاقب عليها الأخلاق، ويعاقب عليها العرف، وتبقى آثارها السيئة ملازمة لصاحبها ما عاش، وملازمة لاسمه بعد أن يموت. لم يقترف توفيق دياب شيئا من هذه الآثام، وإنما أتى شيئا يختلف تقديره باختلاف الظروف، وباختلاف البيئات، وينكره القانون الآن في مصر، ولعله لا ينكره غدا، ولعله ليكن ينكره على هذا النحو من قبل. ولعله لا ينكره بحال من الأحوال في كثير من البلاد الأخرى، ولعله أن يكون مصدر شرف لصاحبه في بعض البيئات وفي بعض الظروف وفي بعض العهود. فليس من الحق ولا من العدل ولا من الرعاية لحرية الرأي أن يعامل هذا الرجل معاملة هؤلاء المجرمين الذين يفسدون في الأرض، والذين يلزمهم إثم الجريمة أحياء وأمواتا.
    لم نذكر هذا لأننا قد ذكرناه وألححنا فيه، وذكره غيرنا وألح فيه، فلم يسمع له أحد ولم يحفل به أحد، حتى استيئسنا من أن الحكومة ستقبله أو تؤمن له، فلم نطمع إلا في أن يعامل الرجل معاملة سجين مريض قد يخف عنه الألم إذا ظفر من العناية بما ينبغي له، ولكن مرضه لا يزول. وآية ذلك أنه كان حرا طليقا قادرا على أن يحيط نفسه بألوان العناية والعلاج كلها، معتمدا في هذه العناية على خير الأطباء، فظل ست سنين لا يفارقه المرض، ولكنه يخف عنه حينا، ويثقل عليه أحيانا. أفتأبى مصلحة السجون على المريض أن تعامله معاملة المرضى؟
    يقولون إن حال توفيق دياب قد حسنت بعض الشيء فيجب أن يُسوَّى بينه وبين غيره من السجناء تنفيذا للنظام، ولكن التسوية بينه وبين غيره من السجناء شيء لا سبيل إليه، لأنه لم يُشفَ من مرضه، فهو مريض، والسجناء أصحاء، وإنما تستطيع مصلحة السجون أن تسوي بينه وبين غيره يوم تسوي الطبيعة بينه وبينهم، فترد عليه صحته كاملة، ويسجل أطباؤه أن هذا المرض قد فارقه وانجلى عنه، وأنه قد شُفيَ الشفاء التام. فأما قبل هذا فإن مصلحة السجون تأثم حين تضطر المريض السقيم إلى ما يشق احتماله على الأصحاء.
    زعموا أن بعض النواب تقدم إلى مجلسه باقتراح يصلح نظام السجون، ويفرق بين جرائم الرأي والنشر، وبين غيرها من جرائم العدوان على الحقوق والأنفس والأموال، وزعموا أن قد كان في النواب عطف على هذا الاقتراح وميل إلى قبوله والعمل به، ولكن هذا الاقتراح الذي قدم في نشاط إلى المجلس لم يكد يستقر فيه حتى أصابه جمود وخمود، وشيء يشبه الموت، فلم يذكره أحد، ولم يفكر فيه أحد، وأكبر الظن أننا لم نخطئ حين قدرنا منذ قدم هذا الاقتراح أن المجلس لن يحفل به إلا ريثما يهمله، وما هي إلا أن يقيم بعض النواب أنفسهم أوضح الأدلة على أنهم لم يكونوا جادين حين تلقوا هذا الاقتراح!
    نعم وقف بعض النواب منذ أيام يستعدي على الصحف، ويلومها لأنها تطالب بأن يعامل المسجونون في الرأي كما يعامل أمثالهم في البلاد المتحضرة، ويرى أن هذا من الصحف تشجيع للإثم، وتحريض على التورط فيه. وقد فهمنا عن النائب ما أراد وعلمنا أن القوم لا يريدون بخصومهم خيرا ولا إنصافا، ولا يتحرجون في أن يصموا أنفسهم في ذلك بتجنب الحضارة والإغراق فيما تتنزه عنه البلاد الراقية حقا.
    ليس لنا إذن أمل في النواب، والنواب مشغولون عن السجون ومن في السجون بما هم فيه من شؤون، والنواب مطمئنون فقد أذن الله لأوليائهم وأنصارهم من الكتاب ألا يقدموا للقضاء، ولا أن يدخلوا السجون، ولا أن يتعرضوا لمكروه ما دام الأمر إليهم، وما دام الحكم إلى وزارتهم القائمة والنواب حراص على أن يذوق خصومهم من ألوان الشدة والضيق، وصنوف العذاب والنكال، لعل ذلك أن يصدهم عن المعارضة ويصرفهم عن النقد، فكل شيء يدعو النواب إلى أن يهملوا هذا الاقتراح وينسوه حتى تنقضي هذه الدورة!
    وزعموا أن الصحف كرهت أن يعامل الصحفيون كما يعامل توفيق دياب، فأنكرت واحتجت، واجتمعت وكررت الاجتماع، ولجت في الإنكار والاحتجاج، وانتهى بها كل هذا إلى فوز عظيم، ونجاح رائع، فأنشأت لنفسها ناديا تجتمع فيه مع الضحى، وتجتمع فيه مع الأصيل، وتجتمع فيه تحت جنح الليل، وهي في أثناء هذا الاجتماع المتكرر لا تلعب ولا تلهو، ولا تهمل ولا تقصر، ولا تتحدث إلا عن سجينها المريض، وعما يلقى وتلقى معه من مرارة إهانة وعما يحتمل وتحتمل معه من ألم ومضض، ولكنها لا تتحدث إلا إلى نفسها، ولا تسمع إلا نفسها، ولا تسعى إلا في ناديها. ومهما يكن من شيء فلم ترفع عنها إهانة، ولم ترد إليها كرامة، ولم ترع لها حرمة، ولم يزل عنها ضيم. وهي مع ذلك راضية مطمئنة، لأنها تجتمع وتسعى، وتتحدث. وهل تملك إلا الاجتماع، والسعي والحديث؟!
    وكذلك تعرض مصلحة السجون عن الواجب، وكذلك يعرض النواب عن الواجب، وكذلك تعرض الصحافة عن الواجب. أما توفيق دياب فيثقل عليه المرض حتى يضنيه، فإذا ردت إليه العناية اليسيرة بعض صحته، أعيد إلى شر ما كان فيه، فينظر فإذا هو بين إهانة لازمة لا ترفع عنه، إهانة السجن في الرأي يلقى جزاء المجرمين العاديين، وبين مرض لازم لا تخف آلامه إلا ريثما تعود ثقيلة منهكة، وبين يأس يتراءى له من بعيد، ثم يدنو منه شيئا فشيئا، ويقرب منه قليلا قليلا حتى يتصل به ويملأ عليه عزلته ووحشته ووحدته إذا أشرق النهار، وهل يشرق النهار إلا في شحوب؟ وإذا أظلم الليل، وهل ظلمة الليل عليه إلا اتصال لظلمة النهار؟ يتلفت فلا يرى إلا مرضا ويأسا، ويفكر فلا يجد إلا مرضا ويأسا، وإذن فماله لا يخلص من المرض، وما له لا يخلص من اليأس، وما له لا يضع حدا لهذه الآلام التي يأبى الناس أو يعجزون أن يضعوا لها حدا.
    ما له لا يقصر الأمد بينه وبين الراحة الكبرى والهدوء الشامل الذي لا يعرف مرضا ولا صحة، والذي لا يعرف يأسا ولا أملا، والذي لا يحتاج صاحبه إلى رحمة الناس ولا إلى عدل الناس، ولا إلى مروءة الناس، وإنما يحتاج إلى رحمة الله وحده، وإلى عدل الله وحده، وإلى رأفة الله وحده.
    ما له لا يقطع أسباب الحياة هذه التي يجد الناس فيها ظلما وجورا، والتي يجد الناس فيها قسوة وغلظة، والتي يجد الناس فيها نزولا حتى عن الكرامة، وتفريطا حتى في الحرمات؟ ما له لا يدع الطعام والشراب، ولا يقبل على الصوم المتصل لعله أن يخلص من كل هذا المكروه.
    وكذلك تحدث الناس أن توفيق دياب قد بدأ صومه هذا الخطر منذ أمس، وتساءل الناس عن هذا النبأ، فأكد لهم، وسأل الناس الحكومة عن هذا النبأ فآثرت صمتا هائلا مخيفا! وتسامع النواب بهذا النبأ فلم يقولوا عنه شيئا! وتسامعت الصحف بهذا النبأ فأذاعته وأشاعته، وتداعت للاجتماع بعد أن يكون توفيق دياب قد صام ثلاثة أيام، ووقع هذا النبأ في بيت توفيق فجزعت قلوب، وذهلت نفوس، وانهمرت دموع. وأقبل اليأس على هذا البيت الذي كان يملأه الأمل منذ أسابيع فأقام فيه ضيفا ثقيلا!
    نعم وحل اليأس قلوبا ما كان ينبغي أن يصل إليها، وغشى اليأس بالحزن وجوها ما كان ينبغي أن يظهر فيها إلا البشر والابتسام للحياة.
    اللهم اشهد أن هذا السجين البائس وأبناءه الصغار وأصدقاءه لا ينكرون القضاء، ولا يمارون فيه، ولا يترددون في الإذعان له عن رضى وطمأنينة، ولكنهم يريدون العدل الذي لا شك فيه ولا مراء، العدل الذي يأبى أن يعامل المريض معاملة الصحيح، وأن يعامل السجين في الرأي معاملة السجين في قطع الطريق.
    كوكب الشرق ٢٦ – ٥ – ١٩٣٣

  • أجد أم مزاح

    أجد أم مزاح
    بقلم الدكتور طه حسين بك
    يقال أن الحرية قد ردت إلينا سمحة مشرقة الوجه بعد أن حجبت عنا أعواماً طوالاً. ويقال كذلك أن البرلمان قد شكر لرئيس الوزراء بيانه الرائع البارع الذي رد إلينا فيه الحرية باسمة الثغر وضاءة الجبين. ويقال بعد هذا وذاك أن الصحف نفسها قد رضيت عن هذا البيان الذي أطلق به رئيس الوزراء حريتنا بعد أن ظلت في غيابات السجن ما يكاد يبلغ ستة أعوام.
    يقال هذا ويقال أكثر من هذا. فهل يأذن لي رئيس الوزراء في ألا أصدق أن الحرية قد ردت إلينا سمحة مشرقة الوجه، وفي أن أرجو من الشعب ألا يصدق أن الحرية قد ردت إليه باسمة الثغر وضاحة الجبين. وإنما هذه الحرية التي أرسلها رئيس الوزراء حين شاء ليستردها متى شاء تذكرنا بصاحبة بشار تلك التي يقول فيها قوله المعروف:
    صدت بخد وجلت عن خد
    ثم انثنت كالنفس المرتد
    فنحن أحرار ما أراد لنا رئيس الوزراء أن نكون أحراراً، ونحن مقيدون متى أراد رئيس الوزراء أن يلقي في أعناقنا وفي أيدينا وأرجلنا ما يحب أن يلقي من القيود والجوامع والأغلال.
    وتفسير ذلك يسير جداً. فرئيس الوزراء لم يعلن إلينا إلا أنه قرر مع زملائه أن يردوا إلينا الحرية في حدود معينة وشروط مبينة. فإن خالفنا عن هذه الحدود وتجاوزنا عن هذه الشروط فمن حق رئيس الوزراء وزملائه أن يستردوا المنحة ويرجعوا في الهبة ويردونا كما كنا قاصرين لا نملك من أمر قلوبنا وعقولنا وألسنتنا وأقلامنا شيئاً.
    ولقد ذكرت حين قرأت بيان رئيس الوزراء، وما قيل حوله من الكلام، وما كتب حوله من الفصول، كلاماً آخر كتب وأذيع ونطق به الممثلون في باريس قبل الثورة الفرنسية بست سنين أي منذ أكثر من قرن ونصف قرن حول حرية الرأي. وفي هذا الكلام أن نظاماً للحرية قد أقيم في مدريد يبيح للناس أن يقولوا ما يشاءون وأن يكتبوا ما يشاؤون بشرط ألا يعرضوا للسلطان، ولا للدين ولا للسياسة ولا للأخلاق، ولا لأصحاب المناصب، ولا للهيئات التي يثق بها الناس، ولا للأوبرا، ولا للتمثيل بوجه عام، ولا للأشخاص الذين ينهضون ببعض الأمر فإذا تركوا هذه الأشياء كلها فمن حقهم أن يكتبوا أحراراً كل شيء على أن يخضع ما يكتبون لمراجعة رقيبين أو ثلاثة من الرقباء.
    كذلك قال الكاتب الفرنسي سنة ١٧٨٤ ونستطيع نحن أن نقول شيئاً يشبه ذلك سنة ١٩٤٥. ولست أرى بين الكاتب الفرنسي وبيننا فرقاً عظيماً فكل هذه الموضوعات التي أشار إليها الكاتب الفرنسي يمكن تأويلها نحوًا من التأويل، وتمكينها نحوًا من التمكين من أن تتصل بالأمور العسكرية أو بالتموين أو بالأمن أو بما شئت من هذه الأشياء المقدسة التي لا يصح أن تمس من قريب أو من بعيد إلا بإذن الحاكم العسكري العام وأعوانه من الرقباء.
    وكل ما في الأمر أن هؤلاء الرقباء لا يستقرون في دور الصحف وإنما يستقرون حيث يريد لهم الحاكم العسكري أن يستقروا، ولا يراقبون المقال قبل أن ينشر ليمنعوا نشره، وليريحوا الكاتب والناشر من احتمال التبعات وإنما يراقبونه بعد أن يذاع ليأخذوا الكاتب والناشر والصحيفة بهذه التبعات، وبهذه التبعات كما يفهمونها هم لا كما يصورها القانون العام، ولا كما تصورها النيابة ولا كما يقدرها القضاء. ونحن بعد ذلك ومع ذلك أحرار نكتب ما نشاء وبهذه الحرية التي أهداها إلينا رئيس الوزراء فرح الشيوخ، وفرح النواب، وصفق الصحفيون، وابتهج الشعب فيما يقال. فليأذن لي رئيس الوزراء في ألا أفرح، وألا أصفق ولا أبتهج لأنه لم يهد إلينا شيئاً، ولم يطلق لنا حرية وإنما نظر إلينا نظرة إن رضي بها غيري فلست أرضاها، لأني لا أحب أن تنظر الحكومة إلى الشعب نظرتها إلى الطفل الذي يخدع بالأوهام ويعلل بالأماني والآمال.
    إنما يرد إلينا رئيس الوزراء حريتنا كاملة وينظر إلينا رئيس الوزراء نظرة الثقة والاحترام، نظرة الرجل الرشيد إلى الرجال الراشدين يوم يلغي هذه القيود التي تقيد الحرية إلغاءً صحيحاً، بحيث لا يستطيع أن يرجع فيه إلا إن أجاز له البرلمان أن يرجع فيه. فإما أن يتفضل على الشعب بهذا الفضل الشاحب فيقول له إني قد أجزت لك الحرية وقتًا ما، لأرى أتحسن الانتفاع بها والاستمتاع بفوائدها أم تسيء ذلك وأنا الحكم في إحسانك حين تحسن وفي إساءتك حين تسئ. فإن رضيت عنك متعتك بهذه الحرية وإن سخطت عليك حرمتك هذه الحرية أقول إما أن يتفضل رئيس الوزراء على الشعب بهذا الفضل الشاحب فشيء لا يلائم كرامة الشعب من جهة ولا يلائم موقف الحكومة الديمقراطية من الشعب الديمقراطي من جهة أخرى فالديمقراطية لا تنظر إلى الحكومة على أنها وصية رشيدة على شعب قاصر، تستطيع أن تمنحه وأن تمنعه وأن تعطيه وأن تحرمه متى شاءت لا متى شاء، وإنما تنظر إليها على أنها خادم للشعب، تأتي من الأمر ما يريد وتدع من الأمر ما لا يريد، ولسان الشعب الذي يستطيع أن يأمر الحكومة بأن تفعل وينهاها عن أن تفعل هو البرلمان.
    فهل هذا هو الوضع الذي انتهى إليه رئيس الوزراء؟ وهل هذا هو الوضع الذي انتهى إليه البرلمان! كلا، وإنما أطلق رئيس الوزراء الحرية بيده اليسرى وأمسكها بيده اليمنى وصفق البرلمان ورضيت الصحافة وانتهى الأمر وما ينبغي أن ينتهي!
    إن مثل هذه الحرية التي يطلقها رئيس الوزراء بيد ويمسكها بيد أخرى مثل الظبية الشرود التي تحب الحياة السمحة في الفضاء الرحب قد أخذها الصائد فشدها إلى وتد في فناء داره فلما طال عليها العناء وألحت في الشكوى، وظهر عليها الضعف والهزال والشحوب رق لها الصائد، ولكنه حرص عليها، فلم يرسلها حرة تهيم في الفضاء الرحب كما تريد وإنما مد لها الحبل وأرخاه فجعلت تذهب وتجيء تظن أنها حرة. ولكن الصائد ينظر إليها ضاحكاً لأنه يعلم أنها لن تستطيع أن تمضي إلى غير مدى، وإنما هي مضطرة إلى أن تقف حين ينتهي الحبل إلى غايته، وهو قادر على أن يجذب الحبل إليه متى شاء ليردها إلى مكانها من الوتد فلا تستطيع أن تذهب ولا أن تجيئ.
    هذا هو المثل الدقيق للحرية التي أطلقها رئيس الوزراء يوم الإثنين الماضي وأنا أعلم حق العلم أن الشعوب المتحضرة لا تستطيع أن تهيم في أجواء الحرية المطلقة كما تهيم الظباء الوحشية في الفضاء الرحب وإنما الشعوب مضطرة إلى حدود لا ينبغي أن تعدوها وآماد لا ينبغي أن تتجاوزها ولكن هذه الحدود والآماد لا تقام في مكتب الحاكم العسكري ولا في مكاتب الرقباء وإنما تقام في مكتب النائب العام وفي دور القضاء.
    وهل يريد رئيس الوزراء مثلاً آخر لرقبائه، هؤلاء الذين أطلقتهم بالأحكام العرفية فانبثوا في دور الصحف وسيطروا على الطبع والنشر، ثم جذبهم إليه رئيس الوزراء يوم الإثنين الماضي استقروا في مكاتبهم لينطلقوا منها إن أرادهم رئيس الوزراء على الانطلاق، فهم أشبه شيء بهذه الدمى التي يخوف بها الأطفال مرة ويلهون بها مرة أخرى، والتي يرجع أمرها إلى خيط قد أمسكهم ممسك من وراء الستار، فهو يبسطه حيناً فتصول الدمى وتجول ويقبضه حيناً آخر، فتسكن الدمى وتستقر. وهو يبسط الخيط متى شاء ويقبضه متى أحب ليس لأحد أن يسأله لماذا يبسط ولماذا يقبض وإنما الأمر موكول إلى إرادته وإلى رضاه.
    أفيظن رئيس الوزراء أن هذا اللون من السياسة هو الذي يلائم شعباً كريماً يريد أن يحيا حياة كريمة في ظل دستور حر كريم. وفيمَ هذا كله! ولحماية من يصنع هذا كله! ولحماية ماذا يصنع هذا كله! أما الشئون العسكرية فأمرها مفروغ منه. ونحن متفقون على أن الغلو في حمايتها احتياط لابد منه، وأما ما عدا هذه الشئون من أمور الحياة المصرية وضروراتها فما الذي يمنع الحكومة من أن تتقدم في شأنها بما تشاء من القوانين ليقرها على وجه الاستعجال كما يقولون والبرلمان في هذا العام هادئ مطمئن قليل العمل قليل الاجتماع. فلو قدمت إليه القوانين لما تردد في أن يجتمع ولما تردد في أن يعمل.
    وإذن فلحماية من تبقى الأحكام العرفية، ولحماية ماذا تبقى الأحكام العرفية، أخشى أن يلقي في روع الناس أن الأحكام العرفية إنما تبقى لحماية لون من الحكم لا يستطيع أن يعيش إلا إذا حمته هذه الأحكام. ولست أشك في أن رئيس الوزراء ينكر هذا كل الإنكار. وأنا أيضاً أريد أن أنكره كل الإنكار. وأنا من أجل هذا أطلب إلى رئيس الوزراء أن يلغي هذه القيود إلغاءً صحيحاً يجعل إعادتها كلها أو بعضها موقوفاً على رضي البرلمان. فإن لم يفعل رئيس الوزراء وما أرى أنه سيفعل فإني أطلب إلى البرلمان أن يخطو هذه الخطوة وأن يشرع القانون أو يتخذ الإجراء الذي يراه ليجعل إلغاء هذه القيود جدًّا لا فكاهة وحقيقة لا وهماً، وليكفل الحريات ويرد أمرها لا إلى مجلس الوزراء ولا إلى الحاكم الفعلي العسكري. فإن لم يفعل البرلمان وإن لم تفعل الحكومة فمن حقنا أن نعتقد أن الحرية وما يتصل بها في مصر ليست إلا كلاماً من الكلام ومزاحاً من المزاح.
    طه حسين
    البلاغ، ١٤ يونيه ١٩٤٥.

  • شجاعة

    شجاعة
    بارعة رائعة. شجاعة فائقة رائقة. شجاعة ساحقة ماحقة هذه التي يظهرها بعض النواب من حين إلى حين.
    شجاعة لا أدري كيف يحتملها أصحابها، وكيف يثبتون لأثقالها الثقيلة، وأهوالها الهائلة مع أنها مخيفة حقًا، مروعة حقًا، ومزعجة حقًا للآمنين والخائفين على السواء.
    شجاعة نادرة باهرة، هذه التي يتخذها بعض النواب إذا تحدثوا عن خصومهم أفرادًا وجماعات تحت قبة البرلمان، فهم يطلقون ألسنتهم في هؤلاء الخصوم بالحق والباطل، وبالخطأ والصواب، وبالجد والهزل لا يقدرون شيئًا، ولا يحسبون حسابًا، وإنما ينطلقون وكأنما خُلِّيَ بينهم وبين الحركة، فليس إلى تسكينهم ولا إلى تهدئتهم من سبيل.
    هذا أحدهم وقف أول أمس فأطلق لسانه في الصحف وكتاب الصحف، واستعدى على الصحف وكتاب الصحف وزير الداخلية، ووزير الحقانية، والنيابة العامة.. ولو أن طاقته البشرية ما لا تسع طاقة الناس لطلب أن تعطل الصحف كلها إلا صحف الوزارة، وأن يسجن الكتاب كلهم إلا كتاب الوزارة، وأن تشتد الوزارة في التعطيل والمصادرة، وأن تسرف الوزارة في إرهاق المسجونين من الكتاب والصحفيين، ومن النقد والناقدين، وتركت له الجو طلقًا يقول فلا يسأل عما قال، ويفعل فلا يسأل عما فعل، ويأتي ما شاء من الأمر فلا يرتفع صوت إنكار، ولا ينطلق لسان باحتجاج.
    ومصدر هذه الثورة الثائرة الذي أقحم فيها هذا النائب نفسه أن رجلًا فيما يقال حاول أن يعتدي على رئيس الوزراء، فيجب أن يسأل خصوم رئيس الوزراء جميعًا عن محاولة هذا الرجل!! ويجب أن تؤخذ صحف المعارضة كلها بمحاولة هذا الرجل!! ويجب أن تشتد الوزارة على هذه الصحف حتى تبلغ أقصى الشدة وتنتهي إلى غاية العقاب!!
    ولكن هذا النائب وأمثاله خليقون أن يعلموا أن الإسراف في النذير قد يتجاوز غايته، وينتهي إلى عكس ما يراد به، فيضحك بدل أن يحزن، ويسري عن النفوس بدل أن يبعث فيها الخوف والإشفاق. ذلك أن الإسراف مضحك بطبعه، فهو لا يصدر إلا عن تقصير في التفكير، وتفريط في ذات المنطق والعقل.
    وقد كنا نحب لهذا النائب وأمثاله أن يكونوا نماذج للقصد والاعتدال، لا نماذج للغلو وتجاوز الحدود. وقد كنا نحب أيضًا أن يسيطر هؤلاء النواب على أنفسهم ويأخذوها بشيء ولو قليل من العدل، فلا يستأسدوا على الأمة وحدها، ولا يضعفوا أمام الوزارة وحدها.
    قد كنا نحب لهم أن يظهروا هذه الشجاعة الرائعة البارعة بإزاء هذه الحوادث المخزية المزرية التي لا تؤذي النفوس فحسب، ولكنها تشين كل وزارة تقع في ظلها، وتمس شرف الدولة التي تحدث تحت أجنحتها.
    نعم كنا نحب أن يصول هذا النائب وأمثاله ويجولوا وأن يخطب هذا النائب وأمثاله ويقولوا، وأن يقذف هذا النائب وأمثاله صواعق النذير على هؤلاء الموظفين الذين يقترفون الآثام، ويجترحون الجرائم، ويأتون المنكر من الأمر جهرة تحت ضوء الشمس المشرقة المحرقة، لا يشفقون ولا يفرقون، بل لا يتعرضون لما يدعوهم إلى الفرق أو الإشفاق.
    نعم كنا نحب لهذا النائب وأمثاله أن يسألوا وزير الداخلية ويلحوا في السؤال، بل أن يستجوبوا وزير الداخلية ويلحوا في الاستجواب عن هذه الحوادث التي أثبتها حكم القضاء على ضابط طغى ومن أعانه من رجال الشرطة الذين أقيموا ليمنعوا الإجرام، فإذا هم يغرقون في الإجرام إلى آذانهم! الذين أقيموا ليحموا النظام فإذا هم أعداء النظام، الذين أقيموا ليعصموا أجسام الناس من العذاب، فإذا هم يصبون عليها العذاب، الذين أقيموا ليحفظوا للناس كرامتهم، فإذا هم يطأون كرامة الناس بأقدامهم. الذين أقيموا ليثبتوا للأجنبي أن في مصر حكومة منظمة محضرة يمكن أن يطمئن الناس إليها، ويستمتعوا بالأمن في ظلها دون حاجة إلى نظام الامتيازات، فإذا هم يثبتون للأجنبي أنهم لا يؤمنون على شيء! لا يؤمنون على نظام، ولا عرض ولا كرامة!!
    نعم كنا نحب أن تظهر هذه الشجاعة الرائعة البارعة، وأن يسأل وزير الداخلية بل يستجوب ليعلم مجلس النواب كيف استباحت وزارة الداخلية لنفسها أن تبقى ضابطًا في عمله بعد أن اقترف ما اقترف من الجرائم، وارتكب ما ارتكب من الآثام حتى ملأ قلوب الناس روعًا وهولًا، وحتى أيأسهم من الرحمة، وعقد ألسنتهم عن أن تجهر بالشكوى، وعقل أيديهم عن أن تكتب حتى الاستعطاف!!
    نعم كنا نحب أن تظهر هذه الشجاعة الرائعة البارعة، وأن يسأل وزير الداخلية بل يستجوب: ماذا صنع بالمدير الذي حمى هذا الضابط وأقره في عمله، وتركه يجرد الناس من ثيابهم، ويأمر الجند فيعبثوا بهم، ثم يأمر الجند فيلقوهم في مجتمع البول، ثم يأمرهم ليغسلوا بهذا البول وجوههم وأعناقهم، ثم يأمرهم ليتمضمضوا بهذا البول ويستنشقوه!!
    كنا نحب أن تظهر هذه الشجاعة الرائعة البارعة فيسأل هذا النائب وأمثاله وزير الداخلية، بل رئيس الوزراء عن هذه الحوادث التي سجلها القضاء، أين حدثت؟ أحدثت في مصر التي هي جزء من أوربا؟ أحدثت في مصر التي يقال إن فيها قوانين؟ أحدثت في مصر التي نص الدستور على أن دينها الرسمي هو الإسلام؟
    وإذا كانت هذه الحوادث قد وقعت بالفعل في مصر التي هي جزء من أوربا، ففي أي جزء من أجزاء أوربا يغمس الناس في البول ويؤمرون بأن يغسلوا منه الوجوه والأعناق، وأن يملأوا منه الأفواه والأنوف؟؟
    وإذا كانت هذه الحوادث قد وقعت بالفعل في مصر التي يقال إن لها قوانين، ففي أي مادة من مواد القانون يباح للضباط والجند أن يغمسوا الناس في البول، وأن يأمروهم بأن يغسلوا به الوجوه والأعناق، ويملأوا منه الأفواه والأنوف؟!
    وإذا كانت هذه الحوادث قد وقعت بالفعل في مصر التي دينها الرسمي هو الإسلام، ففي أي نص من نصوص القرآن الكريم، وفي أي نص من نصوص الحديث الشريف، وفي أي نص من نصوص الفقه يباح للضباط والجنود أن يغمسوا عباد الله في البول، وأن يأمروهم ليغسلوا منه الوجوه والأعناق، ويملأوا منه الأفواه والأنوف؟؟
    أي غسل هذا الذي أمر به المسلمون؟ أي وضوء هذا الذي أمر به المسلمون؟ أي منكر هذا الذي اقترف تحت ضوء الشمس المشرقة المحرقة، وللإسلام شيوخه وعلماؤه، وللإسلام وزارته ووزراؤه، وللإسلام جنوده وأولياؤه، وللإسلام حاميه وراعيه، هذا الذي يزور الأضرحة، ويتبرك بقبور الأولياء؟!
    كنا نحب أن تظهر هذه الشجاعة الرائعة البارعة في مجلس النواب، وأن يغضب النواب للحق، لا للباطل، وأن يدافع النواب عن كرامة الناس وأعراضهم ودينهم. فهذا كله خير من أن يتجنى النواب على الصحف ويحملوها إثم هذا الرجل الذي حاول أن يعتدي على رئيس الوزراء.
    إن مجالس النواب لم تنشأ لتتهم الأبرياء، ولم تنشأ لتأخذ الناس بالظن، ولم تنشأ لتقذف الناس بغير الحق، وإنما أنشئت لتدافع عن حقوق الأمم وترعى حرمات الناس، وتصون كرامات الأفراد والجماعات، وتأخذ الوزارة بحماية الحق والعدل والقانون.
    نعم لم تنشأ مجالس النواب لتستأسد على الخصوم، وتؤثر الأولياء والأنصار بالمودة والعطف واللين. كنا نحب أن يصطنع هذا النائب وأمثاله هذه الشجاعة الرائعة البارعة بإزاء أنفسهم فيسألوها: ما حكم الله، وما حكم القانون، وما حكم الدستور في النواب الذين يمنحون ثقتهم وزارة تقع في ظلها هذه الآثام، وتقترف في ظلها هذه الجرائم، فلا تغضب ولا تثور ولا تتحرك حتى تكره على ذلك إكراهًا فتتحرك متثاقلة وهي تود لو استطاعت السكون؟
    ما حكم الله، وما حكم القانون، وما حكم الدستور في نواب يقرون صدقي باشا في الحكم، وهم يعلمون أن حوادث البداري قد وقعت، وأنه أبى أن يمضي التحقيق فيها كما كان يريد شريكه في الحكم، فأخرج شريكه هذا من الحكم! وهم يعلمون أن جرائم أخرى قد وقعت في أسيوط فلم يعاقب صدقي باشا مدير أسيوط، بل حماه ورقاه!! وهم يعلمون أن جرائم أخرى قد اقترفت في الفيوم فلم يعاقب صدقي باشا مدير الفيوم.
    نعم ما حكم الله في هؤلاء النواب الذين يرون هذا كله فلا ينكرونه على الوزارة، ولا يجرؤون على إسقاط هذه الوزارة، فضلًا عن أخذ جماعة من أشخاصها بحكم القانون!
    إلى مثل هذه الأشياء يجب أن تتجه شجاعة النواب، لا إلى الصحف وكتاب الصحف فمهما يكن من أمر الصحف فلن تسئ إلى العدل في مصر بمقدار ما أساءت الوزارة، ولن تشين كرامة مصر بمقدار ما شانتها الوزارة، ولن تثير حفائظ الناس بقدر ما أثارتها تصرفات الوزارة.
    ولكن النواب سيستأسدون دائمًا على الصحف، وسيرفقون دائمًا بالوزارة، وسيستعدون وزير الداخلية ووزير الحقانية والنيابة العامة على الصحف، وسيكفون دائمًا عن أن يستعدوا أنفسهم على الوزارة، لأن قضاء الله قد جرى بأن تمتحن مصر، ويجرب صبرها واحتمالها، وسيثبت قضاء الله أن مصر صابرة على الأذى، محتملة للمكروه، محتفظة على ذلك بإبائها وحرصها على الحرية.
    نعم سيثبت قضاء الله أن الامتحان كان عسيرًا طويلًا، وأن مصر قد نجحت فيه.
    كوكب الشرق ١٨ – ٥ – ١٩٣٣

  • تسوية

    حديث الوادي
    تسوية…
    تمت أمس في غرفة من غرفات البرلمان، ولكنها تمت بين أحد الفريقين المختصمين بالأصالة، وبين أحدهما الآخر بالنيابة. فقد شهدها وقبلها واطمأن إليها النواب الغاضبون، وقد سكت عنهم الغضب، وشملهم الهدوء، ولم يسحبوا إعذارهم وإنذارهم، ولكنهم أهملوهما إهمالًا. وأعرضوا عنهما إعراضًا. أما وزير المالية فلم يشهد جلسة التسوية هذه، ولم يشترك فيها يقول ولا يفعل، وإنما ترك لرئيس الوزراء، ووزيرين آخرين، أن يهدئوا النواب ويعينوهم على ابتلاع هذه الحبة المرة. وقد أعانوهم بالفعل، فأهدوا إليهم جملًا عذبة، وألفاظًا حلوة رائقة، كهذه الأشربة الحلوة التي تقدم إلى المريض، ليمحو بها ما يبقى في فمه من مرارة الدواء. وانصرف النواب راضين أو مظهرين للرضى، وأرسل رئيس الوزراء نفسًا طويلًا حارًا، كمن زال عن كتفيه عبء ثقيل، وانجلت هذه السماء الصغيرة الضئيلة الضيقة. سماء السياسة الرسمية، من تلك السحب التي كانت تبدو كثيفة صفيقة، وإن كانت في حقيقة الأمر رقيقة شفافة، لا تحجب شيئًا، ولا تكدر صفوًا، ولا تخيف إلا الذين يخافون من الأوهام والخيالات. ولبث وزير المالية حيث كان مستقرًا هادئًا في حديثه المنشور الذي أذاعه في الأقاليم، وفي شماله الرد الذي كان قد هيأه ليلقي به خصومه إن عرضوا له في مجلس النواب، وأكبر الظن أن أنباء الصلح قد انتهت إليه، فرد المنشور إلى مكانه، وحفظ الرد في حرز أمين، لأنه قد يحتاج إليه. ثم استقر كل شيء، واطمأن كل إنسان، ولعب النسيم بسطح البحيرة مداعبًا ملاطفًا، ولكن هذا النسيم على رفقه، ولينه، ورقته، أطار بعض الأوراق من مكانها، وحملها مداعبًا، ملاعبًا، إلى مكان آخر. ثم أشرق الصباح، وأضاء بنوره ولاح، وسكتت شهرزاد عن الكلام المباح، ولكن الأهرام تكلمت مكان شهرزاد. فقصت على الناس أنباء التسوية، ثم روت للناس نص المنشور الذي أغضب النواب، وأملى الاستجواب، وأثار الوزير، إلى الكتابة والتحرير. فإذا هو منشور له ما بعده حقًا، منشور تتمثل فيه البطولة، ويقطر من أطرافه النبوغ، وتتجلى في جمله القصار معانٍ كثيرة، وأغراض سياسية خطيرة. منشور من شأنه أن يغضب النواب حقًا، وإن أعلنوا إلى رئيس الوزراء أنهم لم يغضبوا منه، وإنما غضبوا مما أشيع عن تعليمات أخرى سرية، يقال إنها سبقته، ولحقته، وأحاطت به. وقل ما شئت، فالمنشور نفسه مغضب للنواب،
    ولا سيما في هذه الظروف التي نعيش فيها. ولو كنت نائبًا وأذيع هذا المنشور لغضبت منه فإن كان صادقًا غضبت من نفسي وكرهت لها البقاء في مجلس النواب، لأن الذين يلتوون بالضرائب، ويستفيدون من الاستثناء الذي لا يسمح به ليؤخروا أموال الدولة، لا ينبغي أن ينوبوا عن الشعب، وإن لم يكن صادقًا غضبت لنفسي وأنكرت على الوزير أن يهين النواب بغير حق، ويبسط عليهم قلمه ولسانه في غير مقتضى لبسط القلم واللسان. فالوزير يزعم أن للدولة عند جماعة من كبار الممولين وأعضاء الهيئات النيابية خاصةً مقدارًا من المال، يبلغ أربعمائة ألف من الجنيهات. تأخر بها أصحابها عن وقت الأداء. والوزير يزعم أن صغار الملاك قد أدوا دينهم إلى الدولة، كأحسن ما تكون التأدية، وإن كبار الملاك وجماعة من أعضاء الهيئات النيابية، هم الذين أبطأوا وتلكأوا، والوزير يزعم أن تأخر هذه الأموال عند كبار الملاك وعند جماعة من أعضاء الهيئات النيابية لم ينشأ عن قصور في القانون ولا عن قصور في النظم والتعليمات. وإنما نشأ عن استثناء لا يبيحه القانون، ولا تسمح به النظم والتعليمات. فالوزير يسجل إذن تسجيلًا صريحًا قاطعًا أن كبار الممولين وجماعة من أعضاء الهيئات النيابية. قد ميزوا أنفسهم أو ميزتهم الإدارة بشيء من الاستثناء الذي لا يباح. فهذا مغضب للنواب من أنفسهم إن كان حقًا. ومغضب للنواب من الوزير إذا لم يكن حقًا. ولكن النواب يقولون أنهم لم يغضبوا، وهم بالطبع أحرار فيما يريدون لأنفسهم من الغضب والرضى. على أن الوزير لم يقف بمنشوره عند هذا الحد الإخباري، كما يقول أصحاب البيان، وإنما تجاوزه إلى الإنشاء، فأصدر أوامر لحكام الأقاليم، وهذه الأوامر نفسها حازمة ملائمة للعدل، ولكن من طبعها أن تغضب الذين تعودوا أن يؤذيهم خطرات النسيم، ويؤلمهم مس الحرير. فالوزير يأمر في نفس هذا المنشور الذي لم يغضب منه النواب بأن يؤخذ الناس جميعًا بأداء الضرائب في غير تفرقة بينهم وبأن يوقع الحجز عليهم جميعًا من غير تفرقةً أيضًا بين الصغار والكبار وبين النواب وغير النواب، إن هم قصروا في الأداء. وأن ترفع أمورهم كلهم إلى النيابة، من غير تفريق، كذلك بين الصغار والكبار، وبين النواب وغير النواب إن وقع منهم التبديد. ثم يأمر الوزير بأن تراعى النظم والتعليمات، بالعدل والقسط والمساواة في تحصيل الضرائب التي آن أوانها. أرأيت إلى هذه الأوامر الحازمة الصارمة التي أصدرها وزير المالية وهو هادئ مطمئن، والتي لم يغضب منها النواب، وما ينبغي لهم أن يغضبوا منها، وهم الذين ينبغي أن يلوموا الوزير ويسقطوه إن لم يصدرها ولم يقم على تنفيذها بالدقة والحزم والمضاء.
    لم يغضب النواب فيما قالوا لأنهم أكرم على أنفسهم من أن يلتووا بالضرائب، أو يفروا من التكاليف العامة، أو يغضبوا من كلمة الحق، حين تقال، فلم يبق لنا إلا أن نتمنى لهم حلمًا إلى حلم، ورضى إلى رضى، ونتمنى للوزير حزمًا إلى حزم، وشجاعة إلى شجاعة، ونبوغًا إلى نبوغ، ونتمنى لرئيس الوزراء، دهاء إلى دهاء، وكياسة إلى كياسة، ونتمنى للمنشورات أن يظل ورقها خفيفًا لطيفًا، يحب أن يحمله النسيم إلى دور الصحف، لتذاع هذه المنشورات بين الناس، فيرى المصريون كيف تؤدى الضرائب من الصغار، وتبقى عند الكبار، وكيف يجد الوزراء في الحزم، ويذعن النواب للحق، وتجرى الأمور بين النواب والوزراء على ما يقول البحتري:
    أغتدي راضيًا وقد بت غضبان وأمسى مولى وأصبح عبدًا
    طه حسين
    حديث الوادي، ١٣ يونية ١٩٣٤.

  • أخلاق

    حديث الوادي
    أخلاق . . .
    هي أخلاقنا السياسة، فقد يظهر أنها انتهت من الفساد إلى حد يستحيي منه المصري الذي يكبر نفسه وأمته بعض الإكبار، يستحيي منها حتى ليكره أن يتحدث في السياسة المصرية إلى الأجانب، أو أن يتحدث إليه الأجانب فيها.
    نعم، وانتهت إلى حد من الفساد يخشى منه الخطر المحقق على مستقبل البلاد، وثباتها أمام المصاعب التي تتكشف عنها الأيام من حين إلى حين، لكل بلد من بلاد الأرض، ولكل جيل من أجيال الناس. ولسنا في حاجة إلى أن نتتبع مواقف الأفراد، موظفين أو غير موظفين، من المسائل السياسية، والمنافع العامة، ولا أن نبعد في البحث حتى نتجاوز المسائل التي يتحدث الناس بها، وتشغل المصريين في هذه الأيام. وإنما نحن قادرون على أن ننظر في هذه المسائل التي تمسنا أحاديثها إذا أصبحنا أو أمسينا، فسترى أنها مظهر لفساد في أخلاقنا السياسية عظيم.
    لا تذكر مسألة الكورنيش، وما تكشفت عنه من المخزيات التي حوكم من أجلها من حوكم، ويحاكم من أجلها من يحاكم، ولا نذكر موقف صدقي باشا من هذه المخزيات التي تثار حوله، ثم لا يسأل عنها، ولا نذكر إلحاح صدقي باشا في طلب المحاكمة وحرصه على ألا تتم، ورغبة الوزارة في أن يفتضح من أمر صدقي باشا ما خفي، وحرصها مع ذلك على ألا تحاكمه، ولا تضيق عليه الخناق، ولا تقطع السبيل دون سفره إلى أوربا ليريح ويستريح. لا نذكر هذا كله، فهو يدل من غير شك، على فساد أخلاقنا السياسية، ولكنه على قرب العهد به، وعلى أن ذيوله ما زالت ممتدة لم تقطع بعد، قد أصبح من التاريخ القديم، وأصبح من التاريخ القديم كذلك أمر الاستبدالات، وإن كان التحقيق ما يزال متصلًا فيه. وأصبح من التاريخ القديم كذلك أمر المحاكم المختلطة، هذا الذي أقدمت فيه الوزارة وهي محجمة وأظهرت فيه الوزارة حزمًا وعزمًا، وهي تضمر فزعًا وترددًا وإشفاقًا، وانتهت فيه بعد هذا كله إلى التسليم والإذعان.
    كل هذا أصبح تاريخًا قديمًا، أو كالتاريخ القديم، فلا نذكره الآن، ولا نقف عنده، ولا نذكر كذلك تأييد النواب والشيوخ لصدقي باشا ما أقام في الحكم، واضطراب النواب والشيوخ بين صدقي باشا، بعد أن نزل عن الحكم، وانقلاب النواب والشيوخ على صدقي باشا، بعد أن استيأس من العودة إلى الحكم. فهذا أيضًا قد أصبح تاريخًا قديمًا أو كالتاريخ القديم. ولكن اذكر هذه القصة الصبرية المخزية المروعة التي يستحيي المصري منها، ويود لو تبتلعه الأرض حين يتحدث إليه الأجنبي فيها. أذكر قصة هذا الوزير، الذي أقام في الحكم ثمانية أشهر، لا يفكر فيما تأخر من الضرائب، ولا يسأل نفسه كيف تأخر، ولا يحاول أن يعرف لماذا تأخر، ولا يحاول أن يتبين عند من تأخر؟ ثم يبدو له فجأة أن يعنى بهذا كله ويستكشف الخفي من هذا كله، فإذا منشور يكتب سرًّا، ويذاع في المديرين والمأمورين والعمد من وراء ستار. ومع ذلك فقد كان أمر هذه الضرائب المتأخرة، واضحًا غير غامض ومعروفًا غير مجهول. وقد سبقت النذر إلى الوزير بأن قومًا يلتوون بالضرائب، ويتلكأون في أدائها، فلم يُبدِ لهم هذا الوزير صفحة، ولم يكشف لهم قناعًا، حتى كانت هذه الأيام، فإذا الصفحة تبدو، وإذا القناع يكشف، وإذا الوزير مقدام لا يتردد في أن يقف من هؤلاء الملتوين بالضرائب، موقف الغريم الملح من المدين المقصر.
    ثم لا تقف عند الوزير وحده، فأمر الوزير يسير، وتفسيره سهل، فالوزير صاحب سياسة والسياسة تتأثر بالظروف، تلين حين تريد لها الظروف أن تلين، وتشتد حين تريد لها الظروف أن تشتد. ولكن قف عند هؤلاء النواب، الذين نيفوا على الثلاثين، والذين يطالبون الوزير بأن يعتذر إليهم من هذا المنشور أو يستقيل. والذين لا يترددون في أن يكتبوا بذلك إلى رئيس مجلس النواب. ويتحدثوا عن ذلك في الصحف، كأنه أمر عادي طبيعي، مما يقع فيه الخلاف كل يوم بين النواب والوزراء. مع أنه أمر من أشد الأمور خطرًا على الحياة السياسية والخلقية جميعًا. هو خطر على الحياة السياسية، لأنه إكراه للوزراء على أن يهملوا القانون ويخالفوه، وعلى أن يطرحوا العدل ويزدروه، على أن يتخذوا المساواة لعبًا، والإنصاف هزءًا، ويكيلوا للمصريين بكيلين، على حين يجب أن يكيلوا لهم بكيل واحد. نعم، وهو خطر على الحياة السياسية، لأنه يلقي في روع المصريين، أن النواب، والوزراء، ليسوا لهم خدامًا، وإنما هم ساداتهم، ومواليهم، يجب أن يمتازوا منهم، ويعلوا عليهم، فمن حاول أن يحقق بينهم المساواة، ناله اللوم والعقاب. وهو بعد هذا كله خطر على الأخلاق وأي خطر على الأخلاق يعدل الاستهانة بالحق، ولوم الوزراء لأنهم أرادوا أن يعدلوا، وأن يردوا على الدولة أموالها، وإنذار الوزراء بالاستقالة، أو الإقالة، لا لشيء، إلا لأنهم أرادوا أن يكون النواب والأغنياء كغيرهم من أبناء الشعب، الذين يختلفون إلى البرلمان، ولا يستمتعون بالثروة والجاه.
    هذا كثير، وأكثر منه أن يقره الناس، وأن يحتمله البرلمان، وأن يصبر عليه الوزراء، وأن تستبيح الصحف نشره، والجدال فيه. فكل هذا يدل على أن الحق والعدل والمساواة، قد أصبحت أمورًا قابلة للبحث والجدال، واختلاف الرأي، وتباين النظر، وقد يكون هذا ممكنًا بين الفلاسفة، ولكنه شر كل الشر، حين ينتشر بين الجماهير، لأنه يهدم كل نظام من أساسه، ولأنه يعرض حياة الناس للفوضى التي لا تشبهها فوضى، والفساد الذي لا يدانيه فساد.
    لا بد من أن يسحب شيء هذا المساء فيما يقول الناس، وتتحدث الصحف. فإما أن يسحب وزير المالية منشوره ويعتذر منه ليبقى في منصبه، وإذن فسيعلن في مصر أن العدل إثم يعاقب عليه، وأن الحق ذنب يعتذر منه، وأن المحاباة من أساس الصلات بين الناس. وإما أن يسحب النواب كتابهم، الذي أعذروا فيه وأنذروا وهددوا فيه وخوفوا، وإذن فسيعلن في مصر، أن الحق والعدل والمساواة، مضطربة في مصر، تحتاج إلى دعائم تعتمد عليها لتستقر، وإلى جهاد تعتز به لتنبت في الأرض. وكلا الأمرين شر ليس مثله شر.
    وكل هذا الخلاف يدور حول مقدار ضخم من المال تأخر للدولة عند فريق من المصريين، فهم يكرهون أن يسألوا عنه، وهم يشفقون من أن يطالبوا به.
    أفلو كان هذا المال يلزم هؤلاء المصريين لمصرف من المصارف، أو لفرد من الأفراد، أكانوا يعاقبون، أو يهيئون العقاب لمن يسألهم عنه أو يطالبهم به؟ أكانوا يقاضون المصرف لأنه يطالبهم بأداء الدين؟ أكانوا يقاضون الفرد لأنه يطالبهم برد الحق؟ كلا، ولكن هذا المقدار حق من حقوق الدولة وحقوق الدولة، فيما يظهر، أيسر عند بعض الناس من حقوق الأفراد. وهذا هو الخطر، وهذا هو الشر، لأنه يدل على أن خلقنا السياسي الاجتماعي قد وصل إلى حد من الانحلال مخيف، فلتنظر الوزارة، ولينظر النواب، كيف يدفعون هذا الشر؟ ويحتاطون لهذا الخطر؟ وأكبر الظن، أن ليس إلى هذا من سبيل، إلا أن تتبدل الحال غير الحال، ويستريح قوم قد تعبوا من حمل أثقال الدولة، ويتقدم لحمل هذه الأثقال قوم آخرون، ليس فيهم من يؤثر نفسه بالخير، أو يقدم حقوق الأفراد على حقوق الأمة، أو ينذر الوزراء بالعزل، لأنهم فكروا في تحقيق العدل والمساواة.
    طه حسين
    حديث الوادي، ١٢ يونية ١٩٣٤.

  • صبريات٢

    حديث الوادي
    صبريات. . .
    نعم صبريات، وقد طال الصمت عن وزير المالية، لأنه هو آثر الصمت، وأغرق فيه، وأحب السكون، واطمأن إليه. ويظهر أنه ضاق بالصمت والسكون، فخرج عنهما إلى الحركة أولًا، وسيخرج إلى الكلام غدًا أو بعد غد. وإذا نشط وزير المالية نشط معه الناس. وإذا قال وزير المالية قال معه الناس. فما أعرف بين وزرائنا النابهين رجلًا أحب إلى الكتاب، وآثر عندهم، وأقدر على تنشيطهم إن فتروا، وعلى إنطاقهم إن سكتوا، وعلى إلهام الفصول الطوال من هذين الوزيرين الخطيرين، وزير المالية حين يعالج المال، ورجال المال، ووزير التقاليد حين يعالج التعليم، ورجال التعليم.
    ودع رئيس الوزراء الرجل الطيب، فإنه هادئ وديع، ومتواضع مطمئن، قلما يلهم أو يوحَى. أعماله وأقواله كلها منسقة تنسيقًا يزهد في النظر فيها، والتفسير لها، والتعليق عليها. ودع زملاءه الآخرين، فهم رجال طيبون يشبهونه في الدعة والهدوء، والعجز عن الوحي والإلهام. دع هؤلاء الوزراء الطيبين، وقف عند وزير المالية، ووزير التقاليد، وأطل الوقوف عندهما، فلن تزهد فيهما، ولن يزهدا فيك، ولن تشبع منهما، ولن يشبعا منك، لأنهما لا يقولان، ولا يعملان، ولا يفكران، ولا يحلمان، إلا أتيا بالأعاجيب، ودفعاك إلى التفكير والقول والكتابة دفعًا.
    هذا وزير التقاليد قد طاف به طائف مفاجئ من حب اللغة الإنجليزية، فآثرها بالعطف، واختصها بالمودة، وأزمع أن يأخذ الطلاب لدرسها في الصيف والشتاء، واصطناعها في الخريف والربيع، وأمر أن تذاع فيهم الكتب، يتدبرونها ويستظهرونها، أثناء الصيف، حتى إذا عادوا أثبتوا بالامتحان أن حظهم من العلم باللغة الإنجليزية قد اتسع وامتد، وقد ارتفع وعمق، حتى أصبحوا إنجليزًا أو كالإنجليز. وليس من شك في أن هذه الحركة سترضى المندوب السامي، وستبلغ من رضاه مدى لا يبلغه المستبقون. فليهنأ وزير التقاليد بهذا النشاط الخصب، وليهنأ الإنجليز بهذه العناية المنتجة، ولتترك اللغة العربية أمرها إلى الله، فقد يُعنى بها وزير آخر في الصيف المقبل.
    ولكن ما لنا ولوزير التقاليد، ونحن إنما نريد الحديث عن الصبريات، والثناء على وزير المالية، فهو خليق بالثناء حقًّا. لقد كان الناس يظنون به الظنون، ويحسبون أنه قد عدل عن كل حركة، وانقطع عن كل كلام، وأذعن لقضاء الظروف، وخضع لما لا بد من الخضوع له، فإذا هو بعيد عن هذا كله، أشد البعد، يحسبه الناس هادئًا وهو يضطرب، ويظنونه ساكنًا وهو يتحرك، ويقدرون أنه صامت، وصمته أبلغ من الكلام. وها نحن أولاء نفاجأ بهذا الخلاف العنيف بينه وبين جماعة من النواب، يبلغون ثلث المائة، يريد هو أن تُجبى الضرائب على وجهها، لا يفرق فيها بين الأغنياء والفقراء. ولا بين الشعب والنواب، ويطلب هو إلى المديرين أن يمضوا في ذلك جادين غير مقصرين، ويكره النواب منه ذلك، فيطالبونه بالاعتذار، وينذرونه بنزع الثقة منه إن لم يفعل. وكنا نظن أن قومًا يأتمرون بالوزير ليخرجوه، ويكيدون له ليخلصوا منه، ولكن ماذا نسمع اليوم من الناس، وماذا نقرأ اليوم في الأهرام؟ يقول الناس وتذيع الأهرام، إن الأمر لم يقصر بين الوزير وهؤلاء النواب على هذا المنشور الغريب، ولو وقف الأمر عنده لما ضاق النواب به، ولكنهم استكشفوا منشورًا آخر أو تعليمات أخرى أذاعها الوزير، بين المديرين، وأذاعها المديرون بين المأمورين، وأذاعها المأمورون بين العمد، وأذاعها العمد بين الناس في قرى الريف، وهذه التعليمات خطيرة حقًّا، تنذر بالشر المستطير. فالوزير فيما يقول الناس وتذيع الأهرام، لا يطلب إلا شيئًا يسيرًا هو إحصاء الضرائب التي تأخرت عند النواب. وأقرباء النواب والتبيين عن درجة هذه القرابة. بين الذين تأخرت عندهم الضرائب وبين النواب. ماذا؟ أتحقيق سريٌّ يُراد، ومن الذي أمر به ومن الذي دفع إليه؟ أهو الوزير، فما له لم يأمر به إلا في هذه الأيام؟ أهو رئيس الوزراء، فما له لم يفكر فيه منذ نهض بأعباء الحكم. ماذا؟ أليس يكفي تحقيق الكورنيش وتحقيق الاستبدالات، وتحقيق البلدية حتى يبدأ في تحقيق جديد واسع النطاق، تمتد أسبابه في أطراف الأرض كلها في المدن والقرى، وفي الحضر والريف. ماذا؟ أليس يكفي التحقيق حول الوزراء والموظفين حتى يمتد التحقيق إلى النواب، والشيوخ. من الذي أمر بهذا التحقيق؟ ومن الذي دفع إلى هذا التحقيق؟ وماذا يُراد من هذا التحقيق؟ ماذا؟ أجماعة من النواب يأتمرون بالوزير، ليخرجوه من الوزارة. أم هو الوزير يأتمر بالنواب ليقيم الدليل على أن هذا العهد الحاضر لم يخل من إيثار ومحاباة، واستغلال للنفوذ، وأيُّ الفريقين يفوز؟ أيخلص النواب من هذا الوزير الذي يتخذهم موضوعًا للتحقيق، ويشترك في تبعات الحكم، ثم يمضي في عمل من شأنه أن يفسد على الوزارة أمرها؟ أم يعجز النواب عن هذا الوزير، فيبقى في منصبه يصرف الأمر كما يريد، ويلتمس الضرائب عند من التوى بها، أو تأخر في أدائها، مهما يكن، ومهما يكن أولياؤه، وأصدقاؤه؟ أما الوزير فلم يتعدَّ حدوده، ولم يتجاوز حقه، ولم يخرج عن طوره الذي يجب له، فمنصبه يحمله أمانة العناية بالضرائب وجبايتها بالعدل من المصريين جميعًا. وتخليص هذه الجباية من المجاملة والمحاباة، فليس للنواب عليه سبيل، ولا ينبغي أن يكون للنواب عليه سبيل، وإذا لم يكن بد من أن يفوز أحد الخصمين، فالقانون والدستور، يريدان أن يفوز الوزير على النواب في هذه الخصومة. ولكن النواب، وهم عماد الحكومة وجُنَّتها، قد آزروها حين تنكر لها صدقي باشا رضحوا في سبيلها بصدقي باشا، ومما قُدم إليهم من يد واصطنع فيهم من جميل، وهم يؤازرونها في كل مشكلة. ويؤيدونها في كل ملمة لا يلقونها بالشك، ولا يضنون عليها بالثقة، وإذا التوى بعضهم بالضرائب، فليس منهم من يلتوي بالنصر والتأييد. وإذن فكيف يسمح لوزير المالية أن يثير حولهم الشك، ويسلط عليهم الظنة، ويملأ الجو من حولهم بالشبهات؟ مشكلة أثارها وزير ماليتنا النابغة. ومن للمشكلات يثير غبارها، ويُذكي نارها، إلا وزير ماليتنا النابغة؟ ولكن إثارة المشكلات شيء، وحلها شيء آخر. وزير المالية بارع في إثارة المشكلات، ولكن براعته في حلها شيء مشكوك فيه. وإذن فأيُّ المختصمين يفوز؟ أيفوز النواب فيسقط الوزير؟ أم يفوز الوزير فيخضع النواب لهذا التحقيق الخطير؟ ما أشد إشفاقنا على الرجل الطيب، فإن حل هذه المشكلة العنيفة سيحمله من الجهد، ويكلفه من العناء ما لا قبل للمترفين به، في هذا الصيف الثقيل.
    أما نحن فقد نحب أن نعين الرجل الطيب على التماس حل لهذه المشكلة، ولغيرها من المشكلات، على التماس حل شريف، يريحه ويريح غيره من الناس، وهذا الحل هو ألا يحاول صلحًا بين المختصمين، ولا تأجيلًا للمشكلة على حساب المصلحة العامة، وإنما يؤيد وزير المالية في موقفه تأييدًا حازمًا، واضحًا، صريحًا. فإما أن يذعن خصوم الوزير للحق، والقانون، وإما أن يأبوا فتخذلهم الكثرة، وإما أن تتضامن الكثرة معهم فتستقيل الوزارة، ويفتح الباب، للإصلاح الصحيح. . .
    طه حسين
    حديث الوادي، ١٠ يونية ١٩٣٤.

  • صبريات

    حديث الوادي
    صبريات . . .
    وزير ماليتنا النابغة، صبري بك بين اثنين، فأما أن يكون ساذجاً طيب القلب، مسرفاً في السذاجة وطيبة القلب، يصدق أن المصريين أمام القانون سواء، ويؤمن بأن المساواة في البلاد الديمقراطية حق شائع بين الناس جميعاً، لا فرق في الاستمتاع به، بين الكبير والصغير، وبين الغني والفقير، وبين الممتاز وغير الممتاز. وهو من أجل هذا، يذيع بين المديرين في الأقاليم منشوراً حازماً، يأخذهم فيه بأن يتقاضوا ضرائب الدولة من الذين أبطأوا في أدائها، أو التووا بها مهما يكونوا، وكانت الأنباء قد ارتفعت إلى وزيرنا النابغة، بأن مئات الألوف من ضرائب الدولة لا تزال نائمة مستريحة عند جماعة من كبار الملاك. وأعضاء الهيئات النيابية لا يقدمون على تأديتها من تلقاء أنفسهم، ولا يقدم عمال الدولة على أن يتقدموا إليهم في هذا الأداء. فلم يرد وزيرنا النابغة أن تكون إليه أمور الضرائب، وأن يرضى بجمعها من الفقراء، وصغار الناس، وتركها تنام وتستريح عند الأغنياء، وكبار الملاك، وهؤلاء الذين ميزتهم ظروف الحياة، فجعلتهم أعضاءً في الهيئات النيابية، فأذاع منشوره الحازم البديع.
    فإذا كان وزير ماليتنا النابغة من السذاجة وطيبة القلب بحيث يصدق هذا كله، ويقدم على ما أقدم عليه مخلصاً فيما أظهر من الحزم والعزم، فأني أسف أشد الأسف أن طلبت إليه اليوم قبل أن يطلب إليه ثلاثة وثلاثون من النواب، بعد يومين أو ثلاثة أيام أن يستقيل. فلسنا في زمن ينهض فيه بأعباء الحكم أصحاب السذاجة وطيبة القلب، الذين يصدقون ما يوضع في الكتب وتجرى به أقلام الناس، حين يتحدثون في الحرية والإخاء والمساواة. وإنما نحن في زمن قد التوت فيه ظروف الحياة التواءً شديداً، ولم يبق بد للوزراء من أن يكون لهم حظ موفور من المهارة واللباقة، وحسن الفهم لحقائق الأشياء، والقدرة الكاملة على أن يدوروا مع الأيام، وعلى أن يؤمنوا بالمساواة جهرة، ويكثروا الحديث عنها، كلما سنحت الفرصة، وكلما لم تسنح الفرصة. فإذا خلوا إلى أنفسهم وإلى أصدقائهم وإلى أنصارهم لم يترددوا في الإيمان بأن هذا كلام يقال للناس، ويذاع فيهم، فأما عند التنفيذ، فالأمر مختلف أشد الاختلاف. وعلى غير هذه القاعدة لا يستقيم الأمر للوزراء، ولا لكبار الموظفين. وأما أن يكون وزير ماليتنا ماهراً قد فاق
    الناس جميعاً في المهارة، وبارعاً قد بذ الناس جميعاً في البراعة، فهو يرى في العدل والإخاء والمساواة، مايراه الساسة والأساتذة المحنكون في هذه الأيام، ولكنه على ذلك قد اتخذ ما اتخذ من الإجراء، وأذاع منشوره الذي أذاعه، بخطة دبرها في نفسه، وأمر أضمره في سره. وهو فيما يظهر نظر أن المساواة في هذه الأيام، ليست متحققة بين المصريين، وأن الحياة السياسية المصرية في هذه الأيام خليقة أن لا ترضى أحداً. وأي دليل على ذلك أوضح وأنصع من أن يعيش الناس في ظل الدستور والقانون، ثم تجري الأمور بينهم معكوسة، فيؤخذ ضعاف الناس بالعنف والقسوة، على حين يمهل الأقوياء إهمالاً، وتمد للممتازين أسباب المماطلة والالتواء. فإذا كانت هذه حال الوزير، فأني أطلب إليه، قبل أن يطلب إليه ثلاثة وثلاثون نائباً بعد يومين أو ثلاثة أيام، أن يستقيل. فلا ينبغي أن ينهض بالحكم في هذه الأيام، رجل يأتمر بطبيعة الحياة، والظروف السياسية في هذه الأيام. ولا ينبغي أن ينهض بأعباء الوزارة رجل يتخذ من الإجراءات ما يفسد الأمر على الوزارة، ويصرف عنها كبار الملاك وأعضاء الهيئات النيابية.
    وزير المالية إذن خليق أن يستقيل في كلتا الحالتين، خليق أن يستقيل إن كان ساذجاً، لأن أصحاب السذاجة لا يصلحون للحكم، وخليق أن يستقيل إن كان ماكراً، لأن المكر لا يباح لرجال الحكم، إلا أن يصب على خصوم الوزارة صباً، ويرسل عليهم إرسالاً، ويخلق لهم من المشكلات وصنوف الكيد ما يضطرهم إلى الحرج الذي لا يشبهه حرج.
    ومع هذا فلن يستقيل وزير المالية، إلا أن تستقيل الوزارة كلها، ولن يدع وزير المالية منصبه الخطير، إلا أن يدع قوم آخرون مناصبهم الخطيرة. ذلك أن العهد الذي كان يضيق فيه رئيس الوزراء بالوزير، فيستقيل ليخرجه من وزارته، ثم يجدد تأليف الوزارة، أو الذي كان يضيق فيه رئيس الوزراء بالوزير فيقيله، ويختار له خليفة ووارثاً. هذا العهد قد مضى وانقضى بنزول صدقي باشا عما كان في يده من السلطان. وأصبحنا في عهد لا يسمح لرئيس الوزارة مجالاً بأن يحتمل أثقال الوزارة كما هي. أو أن يدع هذه الأثقال فيريح ويستريح. وما دام وزير المالية لن يقدم استقالته من تلقاء نفسه. فهو آمن من أن يكره على الاستقالة اكراهاً من قبل رئيس الوزراء، ولا سيما إذا لاحظنا أن رئيس الوزراء، قد لا يكون أقل من زميله وزير المالية إيثاراً لتحقيق هذا النوع من المساواة، سذاجةً منه أو سياسة. وليس على وزير المالية بأس من عرض الثقة يوم الاثنين. فقد أخذت بعض الصحف تذيع أن الكثرة من أعضاء مجلس النواب لا تميل إلى خذلان الوزير، ولا إلى تأييد هذه القلة التي تخاصمه، وتريد أن تخلص منه. ولعلك تذكر أن بعض الشعبيين خطبوا في اجتماع لحزب الشعب، فلاموا الوزارة وغلوا في لومها، لأنها لا تراعي أنصارها كما ينبغي، ولا تمدهم من المودة والعطف بمثل ما كانوا يظفرون به من قبل. فلم يزد رئيس الوزراء على أن أعلن أن الوزارة تحقق المصالح العامة، في غير تحيز ولا محاباة أو كما قال.
    ومعنى هذا كله، أن طوارئ قد طرأت، تجعل من العسير على الوزارة أن تمنح الأنصار والأولياء ما كانوا يمنحون من قبل، فليست هي قادرة منذ اليوم على أن ترضيهم، وهي بالطبع عاجزة كل العجز عن أن ترضى خصومها، ومعارضيها. أفظن أن ذلك ينتهي إلى ما يجب أن ينتهي إليه من استقالة الوزارة. لأنها عجزت عن إرضاء الأصدقاء والخصوم معاً؟ كلا. فغضب خصوم الوزارة على الوزارة لا يكفي لإسقاطها، وآية ذلك أنه قائم منذ وثب صدقي باشا إلى الحكم، وأنه لم يسقط صدقي باشا، ولا خليفة صدقي باشا، وغضب أنصار الوزارة أنصار الوزارة لن يسقطها لأن هؤلاء الأنصار سيغضبون في أنفسهم، وسيتحدث بغضبهم في الأندية والمجالس، ولكنهم لن يغضبوا رسمياً، ولن يبدوا صفحتهم للوزارة، ولن يعدلوا عن موقفهم الذي وقفوه منذ أول هذا العهد، وهو موقف الثقة والتأييد، ذلك لأن ماش خير من لاش، ولأن الحياة السياسية الحاضرة لا تستطيع أن تستمر إلا إذا بقيت كما هي، لا يمسها تغيير ولا تبديل ما. سقوط وزير المالية يستتبع سقوط الوزارة كلها، وسقوط الوزارة كلها يستتبع ارتباكاً قد يغير الأمور كلها تغييراً خطيراً. فلتبق الأمور إذن كما هي، ولتمض الأمور إذن كما تمضي حتى تستطيع الظروف أن تنكشف عما تريد لمصر وحتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً وهنا تظهر الصبريات البارعة حقاً.
    فمنشور وزير المالية تحد حازم لحياتنا السياسية الحاضرة. هو إنكار لهذه الحياة وخروج عليها، من رجل كان ينبغي أن يكون لها عماداً وقواماً. وستضطر الحياة الحاضرة إلى أن تحتمل هذا الوزير الذي ينكرها، وتؤيد هذا الرجل الذي يخاصمها، وتستبقى وزير المالية الذي يتحداها، وستطلب القلة من النواب إلى وزير المالية أن يعتذر، فيأبى وزير
    المالية أن يعتذر. وستطلب القلة نزع الثقة من هذا الوزير، فتأبى عليها الكثرة ما تريد. ويبقى وزير المالية، ويبقى منشوره الذي يطالب بالجد في جباية الضرائب من الذين تأخروا في أدائها، التووا به، من بين كبار الملاك، وأعضاء الهيئات النيابية. ثم سيزعم بعض الناس أن الوزارة قد أخذت تصلح ما أفسد، وتقوم ما أعوج، وأنها ستستمد من هذا الإصلاح، وهذا التقويم، قوة تمكنها من البقاء. أما نحن فلانشك في أنها لن تستمد من موقف وزير المالية إلا ضعفاً يفسد عليها الأمر إفساداً. ذلك أن مصر في حاجة إلى الإصلاح حقاً، وأن هذه الوزارة القائمة، وهؤلاء الذين ينصرونها ويؤيدونها، ليسوا رجال الإصلاح المنشود، ولا يقدرون عليه، لأنهم لم ينهضوا له، وإنما نهضوا لشيء آخر كانوا غارقين فيه إلى آذانهم. فمن العسير، بل من المستحيل، أن ينقلبوا فيصبحوا رجال الإصلاح الذي تريده البلاد.
    [طه حسين]
    حديث الوادي، ٨ يونية ١٩٣٤.

  • تفاؤل

    حديث الوادي تفاؤل . . .
    الحق مر، وإن نطق به أعذب الناس حديثاً، وأحلاهم لهجة، وأطيبهم نفساً، وأسمحهم خلقاً. والحق مر، وإن كان لفظه يؤذن بالخير كله، ويدعو إلى الخير كله، ويفتح أبواب الآمال، كأوسع ما تفتح الأبواب، وآية ذلك، هذه الكلمة التي قالها نائب من النواب أمس، فصور بها الحق أجمل تصوير، ولكنها لم تكد تقع في أسماع النواب، حتى ثار لها فريق منهم، فاضطرب الأمر، وعظم الخطب، وارتفعت الأصوات، واشتد الضجيج، واضطر رئيس المجلس إلى أن يقف الجلسة، ويخلي بين النواب وبين الراحة، ويهيئ لرئيس الوزراء وقتاً يلتمس فيه مخرجاً من المأزق الذي دفع إليه.
    وكانت هذه الكلمة التي صورت الحق أجمل تصوير فأغضبت النواب أشد الغضب: «إن التفاؤل خير من التشاؤم، وأن الخير أن تترك مسألة الدين العام لحكومتنا الرشيدة، تصرفها حسب المصلحة».
    ثار النواب لهذه الكلمة وفاروا، وهاج النواب لهذه الكلمة وماجوا، وصاح صائحهم: «وإذن فما فائدة مجلس النواب؟» والغريب أن هذه الثورة لم تغن شيئاً، وأن هذا الاحتجاج لم يغن شيئاً، وأن مجلس النواب آمن آخر الأمر بأن التفاؤل خير من التشاؤم، وبأن الخير أن تترك مسألة الدين العام لحكومتنا الرشيدة. فترك مسألة الدين العام لحكومتنا الرشيدة لأنه واثق بها، مطمئن إليها، مؤمن بأنها رشيدة حقاً، ولكنك تسأل: إذن ففيم ثار المجلس بهذا النائب الذي زعم له أن التفاؤل خير من التشاؤم، وأن الخير أن يترك مسألة الدين العام لحكومتنا الرشيدة؟ والجواب على هذا السؤال واضح، فقد ثار المجلس لأنه لم يكن له بد من أن يثور، فهو يريد أن يكون التفاؤل خيراً من التشاؤم، ولكنه لا يريد أن يعلن ذلك إعلاناً، ويسجله تسجيلاً، وهو يريد أن يدع الأمر لحكومتنا الرشيدة، ولكن بعد مناقشة يشتد فيها الحوار، وترتفع فيها الأصوات، يكثر لها الاضطراب.
    والإنسان مفطور على أن يؤمن لنفسه بالقوة، وإن كان ضعيفاً، وعلى أن يقنع نفسه بالحرية، وإن كان مجبوراً، فلابد من أن يؤمن الناس للنواب بأنهم يحاورون ويجادلون،
    ولابد من أن يؤمن النواب لأنفسهم بأنهم يحاورون ويجادلون أيضاً. وقد حاور النواب وجادلوا أمس، فأحسنوا البلاء في الحوار والجدال، ثم اقتنعوا بأن التفاؤل خير من التشاؤم، وبأن مسألة الدين العام يجب أن تترك لحكومتنا الرشيدة. وهم كذلك قد حاوروا وجادلوا يوم الاثنين، ثم اقتنعوا بأن التفاؤل خير من التشاؤم، وبأن مسألة المحاكم المختلطة يجب أن تترك لحكومتنا الرشيدة. وهم كذلك سيحاورون ويجادلون، ثم يقتنعون إن شاء الله بأن التفاؤل خير من التشاؤم، وبأن مسألة الدين العقاري يجب أن تترك لحكومتنا الرشيدة. ومادامت الحكومة رشيدة، فيجب أن يترك لها كل شيء. وليس المهم أن تعمل الحكومة شيئاً، وإنما المهم أن يقال في مجلس النواب إنها حكومة رشيدة، وأن يترك لها مجلس النواب كل شيء. فقد كانت حكومة صدقي باشا رشيدة، وكان النواب يؤمنون لها بالرشد، لم ينزعوا منها الثقة يوماً من الأيام، ولم يسقطوها كلها أو بعضها في يوم من الأيام، ولكن رشدها طار على غير انتظار، فسقطت والنواب غائبون، ثم اجتمع النواب بعد ذلك فتبين لهم أنها لم تكن رشيدة في يوم من الأيام، ولا ملهمة للتفاؤل، ولا خليقة بالثقة في وقت من الأوقات، ولا في عمل من الأعمال. أما الوزارة القائمة فرشدها والحمد لله ما زال مستقراً، وإذن فيجب أن نترك لها مسألة الدين العام ومسألة الدين العقاري، ومسألة المحاكم المختلطة. وهي تعمل في علاج هذه المسائل بالضبط ما كانت تعمله وزارة صدقي باشا، أي أنها لا تعمل شيئاً! ولكنها مع ذلك رشيدة يجب أن يثق بها النواب وأن يتفاءلوا ويطمئنوا، ويتركوا لها كل شيء. وقد فعلوا وما زالوا يفعلون، وقد اطمأنوا وما زالوا يطمئنون، إلى أن مسألة المحاكم المختلطة موضوع مفاوضة فلا يحسن فيها الكلام، وإلى أن مسألة الدين العام موضوع مفاوضة فلا يحسن فيها الكلام. فأما مسألة الدين العقاري فعسى أن يكون أمرها كأمر هاتين المسألتين إن شاء الله. والأمور مرهونة بأوقاتها. والظريف أن رئيس الوزارة أراد أن يؤكد للنواب ما لا شك فيه من أن وزارته رشيدة ترعى المصلحة، فسأله بعضهم عن تصريح وزير المالية الذي كان يزعم للناس أنه لن يدفع إلا ورقاً، وأنه لن يفاوض في ذلك، فلم يرد رئيس الوزراء أن يرد على هذا السؤال، وإنما تخلص منه، وأفلت من السائل إفلاتاً. وكيف يرد على هذا السؤال، وهو إن فعل دفع وزير المالية إلى الاستقالة دفعاً. وأعلن ذلك إلى النواب إعلاناً. فوزير المالية لا يريد أن يفاوض في مسألة الدين العام، ولكن
    مندوب الوزارة قد وصل إلى باريس أو كاد، وهو يتهيأ للمفاوضة في هذه المسألة التي لا يريد وزير المالية أن يفاوض فيها، ووزير المالية يقبل لنفسه هذا الوضع ولا يستقيل ولكن بشرط أن لا يعلن إعلاناً في مجلس النواب، وألا يصرح به رئيس الوزراء تصريحاً يسمعه الناس، وتذيعه الصحف. فالحق مر وإن صدر عن رئيس الوزراء.
    أما الشعب المصري، فلم يسأله أحد، ولن يسأله أحد، أمتفائل هو أم متشائم، أمطمئن هو إلى الحكومة الرشيدة أم غير مطمئن؟ لن يسأله أحد، لأن أحداً لا يحفل بسؤاله، ومادام النواب والشيوخ راضين، فالشعب راضٍ بإذن الله. ولا نصدق الشعب، إن أعلن وألح في الإعلان، أنه ساخط، فإنما هو كلام يقال، لا ينبغي أن يصغى إليه العقلاء، الذين قضى الله لهم بالرشد، والكفاية والمهارة، حتى يزول عنهم الحكم، فيصيروا إلى مثل ما صار إليه صدقي باشا من الإخفاق والخذلان.
    أما بعد فهل يحب النواب والوزراء أن يسمعوا كلمة مرة من هذه الكلمات المرة التي يسمعونها فيغضبون لها ثم يطمئنون إليها، فليعلموا إذن أن التفاؤل خير من التشاؤم، كما قال لهم صاحبهم أمس، وأن الخير كل الخير، في ألا يجادلوا ولا يحاوروا، ولا يكلفوا الحكومة مشقة الرد والجواب، فإن الرجل الحكيم خليق أن لا يضيع وقته وجهده في غير طائل. ومادامت الحكومة رشيدة، ومادام الأمر ينتهي بالإيمان لها دائماً بالرشد والثقة بها في كل شيء، فقد يكون الحزم في أن تفوض تفويضاً تاماً في تصريف الأمور دون أخذ ولا رد، في هذا الصيف المهلك الثقيل!!
    [طه حسين]
    حديث الوادي، ٧ يونية ١٩٣٤.

  • رضى

    حديث الوادي
    رضى . . .
    أما مجلس النواب، فقد أقر أمس خطة الوزارة في أزمة المحاكم المختلطة بعد ذلك الاستجواب الطويل العريض، ومعنى ذلك أن كانت لنا عقول تفهم، أنه لا يرى من حقه أن يعرض لهذه الأزمة، إلا حين تطلب الوزارة إليه ذلك. فأمرها إذن مقصور على السلطة التنفيذية، لا ينبغي للمجلس أن يقترح في حلها شيئاً. ولا تقل للنواب أن مسألة المحاكم المختلطة مسألة مصرية خالصة، ما دام قد قالوا أن من حق مصر أن تلغي هذه المحاكم بقانون تصدره، لا تفاوض في وضعه، ولا في إهداره. وما دام الأمر موقوفاً على إصدار حق كل مصري، فمن حق مجلس النواب أو من حق البرلمان، أن يقترح إصدار هذا القانون، بل أن يضع هذا القانون ويسلك ما ينبغي لإصداره من طريق. لا تقل هذا للنواب. فقد قيل لهم فأعرضوا عنه ولم يحفلوا به، وما ينبغي لك أن تكون نائباً أكثر من النواب، ولا حريصاً على حق البرلمان أكثر من أعضاء البرلمان، وإن كان البرلمان لا يملك حقوقه إلا لأنها حقوق الشعب، فقد أنابه عن نفسه في حمايتها وصيانتها، بل في توسيعها وزيادتها، ما وسعه ذلك في حدود الدستور.
    ولكن هذا كلام كان يقال أمس، فأما قوله اليوم، فلا ينبغي ولا سبيل إليه، لأنه يوصف بالغلو والإسراف، وبالميل إلى التحدي وتجاوز الحدود. وما دام النواب قد رضوا، واطمأنوا، فكل شيء حسن، وكل شيء يجري على أحسن ما تجري عليه الأمور، وأما مجلس الشيوخ فقد رضي حتى تعب من الرضى، واطمأن حتى سئم الاطمئنان، وزهد في الاجتماع وآية ذلك أن كثرته تخلفت عن جلسة أمس، ولم تقبل عليها إلا قلة ظلت تنتظر مع الرئيس والمكتب، أكثر من نصف ساعة، ثم طال عليها الانتظار، فتفرقت بعد أن أعلن الرئيس أن المجلس لم يجتمع لأن العدد القانوني لم يكتمل، وبعد أن أعلن الرئيس أن الاجتماع المقبل سيعقد يوم الاثنين.
    والله يعلم أيعقد الاجتماع يوم الاثنين أم تتخلف عنه الكثرة التي تخلفت أمس؟ فقد أكثر مجلس الشيوخ من الاجتماع حتى شبع منه، وانصرف عنه، وأقبل الصيف الذي يحب الراحة والنزهة والسفر والاستمتاع بالهواء الطلق والنسيم العليل. ولولا أن مجلس الشيوخ مطمئن إلى أن مصالح الأمة لا تتعرض لخطر، ولا يخشى عليها بأس، لما تخلفت من أعضائه كثرة ولا قلة، ولما تردد في الاجتماع كل يوم، آناء الليل وأطراف النهار، ليرعى الحقوق ويصون المصالح، ويحفظ المنافع من الضياع. فأما وأمور مصر إلى وزارة حزم وعزم، فلا بأس على المجلس من أن يجتمع أو يتفرق، ولا جناح على المجلس في أن يتعب أو يستريح.
    النواب إذن، راضون مطمئنون، والشيوخ كذلك مطمئنون راضون. وقد كان الأجانب ساخطين فرضوا، وكانوا غاضبين فسكت عنهم الغضب، وكانوا خائفين فأمنوا، وكانوا يائسين فابتسم لهم الأمل، وغمرهم الرجاء. هم راضون في مصر، وهم راضون في أوربا، بعد أن ألقى رئيس الوزراء رده على الاستجواب أول أمس، فبين للنواب أنه لا ينبغي لهم أن يعرضوا لأزمة المحاكم المختلطة، إلا حين تريدهم الحكومة على ذلك. وأهدى إلى الأجانب طاقة من الزهر الجميل، قد نسقت تنسيقاً جميلاً. وما لهم لا يرضون، وقد كان رئيس محكمة الاستئناف المختلطة ينكر على مجلس النواب تعرضه لهذه المحاكم. وكان وزير الحقانية، يمانع الرئيس في هذا الرأي، ويبيح للنواب أن يتعرضوا من شؤون مصر، لكل ما يشاءون، وكان الأجانب يشفقون أن يكون الوزراء جميعاً متضامنين مع وزير الحقانية، في هذا الرأي، فظهر أول أمس أن الوزراء يرون رأياً غير رأي وزير الحقانية، ويوافقون رئيس محكمة الاستئناف، على أن البرلمان لا ينبغي له أن يخوض في أمر المحاكم المختلطة، إلا حين تطلب الحكومة إليه ذلك، لأنه أمر دوليّ يمس السلطة التنفيذية وحدها.
    والإنسان يخطئ ويصيب، وأكبر الظن أن وزير الحقانية، رأى أنه كان مخطئاً. فعدل عن الخطأ، وثاب إلى الصواب. وتضامن مع الوزراء، بعد أن أبى الوزراء أن يتضامنوا معه. وقد قبل النواب رأي الوزراء، ورأي رئيس محكمة الاستئناف المختلطة، ورأي الأجانب. فمن حق الأجانب إذن أن يرضوا. وقد فعلوا. أعلنوا رضاهم في مصر، فنشرت صحفهم كلاماً كثيراً فيه تحية لرئيس الوزراء، وشكر له، وإعجاب به، وثناء عليه. وتستطيع أن تقرأ البورص التي صدرت مساء أمس. وأعلنوا ذلك في أوربا، فرضيت الأوطان واغتبطت، وأثنت الأوطان وحمدت، وتستطيع أن تقرأ ذلك في برقيات الأهرام التي صدرت صباح اليوم.
    كل شيء حسن إذن. النواب راضون، الشيوخ راضون، والأجانب راضون، والإنجليز راضون. أليس الوزراء سيتناولون الغذاء على مائدة المندوب السامي ظهر اليوم! أليس هذا آية على الرضى والوفاق؟ يجب إذن أن نحمد الله، ما دام كل شيء حسناً، وما دام سادتنا وموالينا من المصريين والأجانب راضين مبتهجين.
    ستقول: ولكن الشعب المصري ليس راضياً ولا مبتهجاً، وليس آمناً ولا مطمئناً، ولكنه ساخط كل السخط، مكتئب كل الاكتئاب، خائف كل الخوف، قلق أشد القلق. وقد يكون هذا حقاً، ولكن الشعب المصري حر، إن شاء أذعن واستكان فأراح واستراح، وإن شاء غضب وسخط، وحينئذ فلينظر الشعب المصري، فماء النيل غزير، والبحر أغزر ماء من النيل. فليشرب من هذا أو ذاك، فقد يجد في هذا أو ذاك ما يخفف سخطه وغضبه، ويرده إلى الأمن والاطمئنان.!
    لا بأس على مصر، ما دام الوزراء والشيوخ والنواب والأجانب والإنجليز راضين.
    طه حسين
    حديث الوادي، ٦ يونية ١٩٣٤.

  • إقناع

    حديث الوادي
    إقناع…
    ظن رئيس الوزراء أنه سيصلى في مجلس النواب نارًا حامية حين يلقى الاستجواب حول أزمة المحاكم المختلطة. فاتخذ الأهبة، وأعد العدة، واحتاط للحريق، واصطنع كل ما كان يمكن اصطناعه من ألوان الحذر، حتى لا تمسه النار، ولا تمس وزارته، أو لا تؤذيه ولا تؤذيها إن مسه منها لهب أو شواظ.
    وتحدث الناس أنه إنما ذهب إلى الإسكندرية قبل النظر في هذا الاستجواب، فأقام فيها من الأيام ما أقام، ولقي فيها من لقي، وتحدث فيها إلى من تحدث إليه، ليدخر من جوها الحلو، ونسيمها العليل، ومن قربه من البحر ذخرًا، يمكنه من لقاء هذه النار الحامية، ويجعلها عليه بردًا وسلامًا.
    ثم تحدث الناس بأنه زار دار المندوب السامي صباح الأحد، مهنئًا بعيد صاحب الجلالة البريطانية، متحدثًا في بعض شؤون السياسة، ومنها أزمة المحاكم المختلطة واستجوابها في أكبر الظن، فأضاف من هذا الحديث ذخرًا إلى ذخر، وحيطة إلى حيطة. وذهب أمس إلى مجلس النواب هادئ القلب، فارغ البال، مستريح الضمير، مطمئنًا إلى أنه سيقتحم النار اقتحامًا، وسيخرج منها كما دخل فيها سالمًا موفورًا، لم يلحقه أذى، ولم يمسسه سوء. لأنه قرأ من العزائم، واتخذ من الطلسمات ما يعصمه من النار، ويجعله غير قابل للاحتراق. ثم اقتحم النار وخرج منها، مبتسمًا مبسوط الأسارير. ثم نظر إلى هذه النار، نظرة الواثق المطمئن، وألقى عليها «دشًا» باردًا كما يقولون! فإذا هي تتضاءل وتتضاءل؟ وتنكمش قليلًا قليلًا، حتى تدخل جحرها الذي خرجت منه، ويتفرق النواب نحو منتصف الليل، وهم يتساءلون: أقاظًا كانوا أم نيامًا؟ أحلمًا ما كانوا فيه أم علم؟
    والحق أني مهما أقل، ومهما أطل، ومهما أجمل، ومهما أفصل، فلن أقدر رئيس الوزراء حق قدره، ولن أوفيه ما هو أهل له من الحمد والثناء. فقد بذ نفسه أمس، وبذ الساسة المصريين جميعًا. وأظهر أن في كنانة مصر سهامًا، أو سهمًا واحدًا على الأقل، وأن في أغماد مصر سيوفًا أو سيفًا واحدًا على الأقل، وأن مصر تستطيع أن تثبت للحوادث والخطوب، وأن تلقى الأجانب محاربةً، واثقة بالفوز، أو مسالمة واثقة بالتفوق. فقد
    جمع الله لها في رئيس الوزراء شهاب حرب وصاحب رأي، قل أن يثبت له المحاربون وقل أن يثبت له المجادلون والمناظرون!..
    وأهم ما نلاحظه في رد رئيس الوزراء على الاستجواب أمس أنه رجل يحب العدل، ويكره الجور، ولا يريد للنواب أن يدخلوا فيما لا يعنيهم، ويعرضوا لما لا شأن لهم به، فأمر المحاكم المختلطة أمر دولي لا ينبغي أن يخوض فيه النواب، ولا أن يخوض فيه الشيوخ، وإنما هو موكول إلى الوزارة، مقصور عليها بحكم الدستور، فمن تعرض له من النواب أو الشيوخ أو خاض فيه، فهو مخالف للدستور وخارج عليه، ويجب أن يشكر المستجوبون لرئيس الوزراء أنه كان رفيقًا بهم، عطوفًا عليهم، فردهم إلى الصواب في غير عنف، وقد كان يستطيع، لو أراد أن يطلب إلى المجلس محاكمتهم لأنهم خرجوا على الدستور وأرادوا أن يخرجوا المجلس معهم على الدستور.
    ومعنى هذا الموقف الذي وقفه رئيس الوزراء أمس، ووقفه مرات أخرى قبل أمس، أن هناك رقابة مضروبة على البرلمان تحد سلطانه وتقص جناحه، وتنزع من اختصاصه كما يقولون أمورًا كان الناس يظنون أن من حقه أن ينظر فيها، ويمضي فيها قضاءه. والذي يعرفه الناس أيضًا أن مجالس النواب في بلاد الأرض كلها، تناقش في السياسة الخارجية، وتناقش في سعة وبسط وتفصيل، ولا يستطيع وزير من وزراء الخارجية، ولا رئيس من رؤساء الوزارات، أن ينكر عليها حقها في هذه المناقشة الواسعة المفصلة. والذي يعرفه الناس أيضًا، أن في مجالس النواب كلها لجانًا، تسمى لجان الشؤون الخارجية، وأن هذه اللجان، تراقب السياسة الخارجية من كثب، وتسمع الوزراء، وتسألهم وتخاصمهم في مجلس النواب، وتضطرهم في أحيان كثيرة إلى السقوط. هذا في أوربا، فأما في مصر، فالفقه الدستوري الجديد، لا يبيح لمجلس النواب أن يعرض لمسألة المحاكم المختلطة بالمناقشة، أو يتخذ فيها قرارًا. لأنها مسألة دولية، فأمرها إلى الوزارة وحدها.
    ولكن هناك سؤالًا نود لو يجيب عليه رئيس الوزراء ما رأيه، في المسألة المصرية، أدولية هي أم غير دولية؟ أيمكن أن يعرض لها النواب بالمناقشة، أم لا يمكن؟ ومسألة الدين العام، أيمكن أن يعرض لها المجلس أم لا يمكن؟ وإذا حظر رئيس الوزراء على النواب أن يعرضوا للمسائل المصرية، التي تمس السياسة الدولية العامة أو الخاصة، فماذا بقي للمجلس من السيادة والسلطان، وحماية الاستقلال؟
    وأمر آخر، ليس أقل خطرًا من هذا الأمر، ولا أهون شأنًا، ولكنه يدعو إلى الابتسام، وقد يدفع إلى الضحك، وهو أن رئيس الوزراء قد بذل جهدًا عنيفًا، ليثبت أن أزمة المحاكم المختلطة، قد ثارت من تلقاء نفسها، لم يثرها أحد، ولم يتدخل فيها عنصر خارجي عن المحاكم المختلطة، فنحب أن نعلم من الذي اتهم الوزارة بأنها هي التي أثارت الأزمة، ودفعت القضاة إلى أن يفكروا ويحتجوا؟ وعلى من كان يرد رئيس الوزراء، هذا كلام أشير إليه في بعض الصحف والبيئات الأجنبية. فهل قام رئيس الوزراء أمس ليثبت للنواب، أن الحكومة جادة في تحقيق المصلحة المصرية، وحماية الحق المصري، أم قام ليثبت للأجانب، أن الوزارة بريئة مما اتهموها به من أنها أثارت الأزمة، وحرضت القضاة؟
    وأيهما كان أحب إلى رئيس الوزراء، وآثر عنده، أن يطمئن النواب، ويطمئن المصريون على حقوق مصر. أم أن يطمئن الأجانب، على أن أحدًا لا يُغرى بهم، ولا يحرض عليهم، ولا يثير لهم الأزمات؟ وأدعى من هذا وذاك، إلى الابتسام والضحك، هذه الطاقة الظريفة، التي أهداها رئيس الوزراء إلى الأجانب، من فوق منبر مجلس النواب. فرئيس الوزراء قد أثنى على الأجانب، وذكر فضلهم علينا، وإحسانهم إلينا، وشكرنا لهم، ورعايتنا لحقهم. يا للرجال! لقول غير مملول، ما أكثر ما قيل هذا الكلام، فلم يغن عن قائليه، ولا عن سامعيه شيئًا. فالأجانب يعلمون كما يعلم المصريون، أن الصلة بينهم وبيننا لن تقوم على الكلام، مهما عذب. ولا على الخطب، مهما كانت ساحرة. وإنما تقوم، ولن تستطيع أن تقوم منذ الآن، إلا على الصدق والإخلاص، وحسن النية، وتبادل الاحترام. فأما أن يبسم بعضنا لبعض، ويثني بعضنا على بعض، من أطراف الألسنة والشفاه، وفي القلوب ما فيها من الإشفاق والحذر وسوء الظن، وفي الأعمال ما فيها من المكر والخداع، وإيثار المنفعة على الحق، فهذا هو الشر الذي ليس بعده شر، والبلاء الذي ليس مثله بلاء.
    رئيس الوزراء يعلم هذا، حق العلم، ويعلم أن الصلة بيننا وبين الأجانب لن تحسن، إلا إذا عرفت الحكومة المصرية كيف تقيمها على الحزم، واحترام الحق، والتسليم بأن مصر بلد إن لم يكن حرًا بالفعل، فهو مصمم على أن يكون حرًا. ولكنه مع ذلك يبدي ويعيد، فيما أبدى فيه غيره وأعاد.
    هذا كل ما قال رئيس الوزراء أمس في بيانه القيم الظريف. أما أنه أرضى كثرة النواب، فشيء يظهر أنه سيبين مساء اليوم أنه لا شك فيه. وأما أنه أرضى المصريين من غير النواب، فنستطيع أن نؤكد لرئيس الوزراء صادقين، ويستطيع رئيس الوزراء أن يؤكد لنفسه صادقًا، أن هذا شيء لا سبيل إليه. ذلك أن المصريين لا يرضون بالكلام، ولا بالكلام الذي لا يدل على شيء، ولا بالكلام الذي يراد به فك المجالس، كما تقول العامة. وإنما ترضيهم الأعمال وحدها، فإذا لم يكن بد من الكلام فالكلام الحازم الصارم الذي يملؤه الشعور بالحق، والحرص على صيانته والإصرار على الوصول إليه مهما تكن الظروف. وهل يريد رئيس الوزراء أن نصارحه اليوم، كما صارحناه من قبل، هل يريد رئيس الوزراء أن ننبئه بأن المصريين لم يكونوا ينتظرون منه غير ما قال أمس، لأنهم يعلمون حق العلم أنه لا يستطيع أن يقول غير ما قال، ويعلمون حق العلم أنه لا يتحدث عنهم، ولا ينطق بلسانهم، ولا يصور ما يشعرون وما يريدون، وأين هو مما يشعر المصريون وما يريدون؟
    ليهنأ رئيس الوزراء برضا النواب، إن رضوا، وليهنأ رئيس الوزراء بما سيظهر له الأجانب من الرضا، وليجهل رئيس الوزراء ما يكتم الأجانب عنه من هذا الابتسام الذي يهديه بعضهم إلى بعض، إذا خلوا إلى أنفسهم، وغلقوا من دونهم الأبواب. فأما المصريون فليدعهم رئيس الوزراء وما هم فيه، فقد يكون من الرفق به والعطف عليه، أن لا تحدثه بما يظهرون، وما يضمرون.
    [طه حسين]
    حديث الوادي، ٥ يونية ١٩٣٤.