تهالك
طه حسين
جريدة البلاغ
٢١ مارس ١٩٤٦
أشارت بعض الصحف منذ أيام إلى أن حليفتنا العزيزة ليست متعجلة في اختيار المندوبين الذين يمثلونها في مفاوضات صدقي باشا. وكان رئيس وزرائنا العظيم في الإسكندرية يستريح من عناء الأعمال، أو يستزيد من عناء الأعمال، أو يجمع بين العمل والراحة كما تعود أن يجمع بين المتناقضات؛ لأنه جمُّ النشاط على رغم الأحداث والخطوب.
كان في الإسكندرية يعمل أو يستريح، أو كان في الإسكندرية يعمل ويستريح، حين قرأ هذه الإشارة العابرة في بعض الصحف، فلم تكن هذه الإشارة عابرة بالقياس إليه، وإنما كانت إشارة مستقرة ملحة في الاستقرار قامت أمامه لا تزول، لا تنحرف إلى يمين ولا إلى شمال، وإنما تثبت في مكانها كأنما شدَّت إليه بأمراس الكتان. ويريد رئيس الوزراء أن يحول بصره عنها فلا يستطيع، وإذا هي تثير في نفسه قلقًا، وإذا القلق يستحيل إلى خوف، وإذا الخوف يستحيل إلى فزع، وإذا رئيس الوزراء يتصل بلندرة فيما يقول. والأسباب للاتصال بلندرة كثيرة، منها التليفون ومنها البرق، ومنها الموجات النفسية التي تخترق حجب الغيب دون أن تخترق أجواء السماء، ومنها الخيال الذي يطوف بأقطار الأرض، بل يطوف بأجواء الكواكب الأخرى وصاحبه مقيم في مكانه لا يريم.
اتصل رئيس الوزراء بلندرة في الحال على أجنحة الحق أو على أجنحة الخيال، ثم عاد من لندرة. وكان ذهابه إليها وعودته منها أقصر من لمح البصر، والشاعر العربي يقول:
ما بين طرفة عين وانفتاحتها يغير الله من حال إلى حال
ذهبت نفس رئيس الوزراء إلى لندرة كئيبة ساخطة، وعادت منها مجبورة راضية، فلم تستقر في الإسكندرية إلَّا ريثما اتصلت بالقاهرة، واتصلت بالقاهرة من طريق التليفون فأملت على صحف كثيرة لا على صحيفة واحدة ما يزيل هذا القلق الذي ألم بالنفوس، وهذا الخوف الذي روع القلوب، وهذا الفزع الذي أزعج الضمائر عن مواضعها.
أملتْ على كثير من الصحف أنباء هذه الرحلة القصيرة السريعة الخصبة بين الإسكندرية ولندرة. هذه الرحلة التي عادت بالنبأ اليقين إلى صدقي باشا قبل أن يرتد إليه طرفه؛ فملأت قلبه أمنًا وثقةً واطمئنانًا، لأنها نفذت إلى أعماق وزارة الخارجية البريطانية، بل إلى أعماق نفوس المسئولين في وزارة الخارجية البريطانية، ثم عادت تقول كذب المنجمون ولو صدقوا، وكذبت شركات البرق وإن لم تقل إلا حقًّا، وكذبت تنبؤات الصحف وإن قرأت في أسرار الغيب. وعادت تقول: إن الحكومة البريطانية ليست متمهلة ولا مستأنية ولا محبة للإبطاء في اختيار المفوضين، ولكنها ستعينهم فورًا في التو والساعة قبل أن يرتد إلى صدقي باشا طرفه مرة ثانية، قبل أن ينقطع حديث التليفون، قبل أن تقف أقلام الكتاب عن الحركة، قبل أن تصدر الصحف، وقبل أن يقرأها القراء. فما ينبغي أن تعين مصر ممثليها في المفاوضات وتتأخر بريطانيا العظمى في تعيين هؤلاء الممثلين.
وليست رغبة بريطانيا العظمى في المفاوضات بأقل من رغبة مصر، وليست حاجتها إلى المفاوضات بأقل من حاجة مصر. وقد دل كل شيء وما زال كل شيء يدل على أن بريطانيا العظمى تحب التعجيل كل الحب، وتبغض التأجيل كل البغض. وآية ذلك أنها عذبت النقراشي باشا عذابًا شديدًا لكثرة ما ألحت عليه في طلب المفاوضات، فكان النقراشي باشا بين نارين، بل بين نيران؛ نار المستر بيفن الذي يدعوه إلى المفاوضات، ونار صدقي باشا الذي يدفعه إلى المفاوضات، ونار مكرم باشا الذي يحثه على المفاوضات، ونار الشعب المصري الذي يطالبه بالمفاوضات. فلما ترك النقراشي باشا منصب الحكم ووثب إليه صدقي باشا؛ اشتدت رغبة بريطانيا العظمى في المفاوضات اشتدادًا أشمت فيها العدو، وأخاف عليها الصديق، وملأ قلب صدقي باشا رحمة وحنانًا، فتعجل الإجراءات للدخول في المفاوضات، وما هي إلَّا أيام قليلة أو كثيرة حتى اختار المفوضين واستصدر المرسوم بتعيينهم.
وفي أثناء ذلك تنشر الصحف أن بريطانيا متمهلة لا متعجلة! كلام فارغ ما في ذلك شك؛ فبريطانيا متعجلة كل العجلة، مسرعة كل الإسراع، متهالكة أشد التهالك. بذلك جاءت الأنباء إلى صدقي باشا يوم الجمعة الماضي في الإسكندرية حين كان فيها يعمل أو يستريح أو حين كان فيها يعمل ويستريح. وبذلك حدثتنا الصحف صباح السبت؛ فاطمأنت مصر إلى أن حليفتها العزيزة لا بأس بها ولا خوف عليها من تأخر المفاوضات. وقضى الناس يوم السبت يعتقدون أن أمور الحليفتين الحبيبتين؛ حكومة صدقي باشا في القاهرة وحكومة المستر إتلي في لندن تجري على خير ما تحبان، والله عز وجل يؤلف بين القلوب وإن كانت متنافرة، ويلائم بين النفوس وإن كانت متباعدة، وينشئ الحب بين حكومة رأس المال في مصر وحكومة الاشتراكية في لندرة، ويعطف الضد على الضد والنقيض على النقيض. ولذلك لم يشتق حبيب قط إلى حبيب كما اشتاقت حكومة رأس المال في مصر إلى حكومة الاشتراكية في لندرة، ولم يكلف عاشق قط بعاشق كما كلفت حكومة الاشتراكية في لندرة بحكومة رأس المال في القاهرة.
ومن أجل هذا اطمأن الناس في مصر وفي بريطانيا العظمى يوم السبت الماضي إلى أن الحبيبين يتعجلان اللقاء بعد أن طال الفراق، وإلى أن العاشقين يتعجلان الوصال بعد أن اشتد الهجران. وتغرب الشمس ثم تشرق، وإذا العواذل قد أفسدوا كل شيء، وإذا الوشاة قد أجَّلوا ما كان حقه التعجيل، وإذا الرقباء قد نزغوا بين الحبيبين كما ينزغ الشيطان بين المرء ونفسه. فظلت بريطانيا العظمى متمهلة لا تختار المفوضين ولا تسميهم ولا تعينهم ولا ترسلهم، وإنما ترسل السفير. على حين تتعجل مصر وتسرف في التعجل وتسرع مصر وتغلو في الإسراع، فتحرق السفن من ورائها وتلغي الشعب المصري إلغاءً، وتختار المفوضين من القلة القليلة بعد أن عجزت عن اختيارهم من الكثرة الكثيرة. وما أسرع ما تغيرت الحال، وأصبح لسانها ينشد في كثير من الحزن والاكتئاب قول عمر بن أبي ربيعة:
وقربنا أسباب المنى لمتيم تقيس ذراعًا كلما قسنا أصبعا
وهذا المتيم بالطبع هو صدقي باشا الذي قربت بريطانيا العظمى له ولأصحابه أسباب المنى، فجعل يقيس ذراعًا كلَّما قاس المستر إتلي أو المستر بيفن أصبعًا. ويكفي أن تنظر فترى مصر قد خطت خطوات واسعة بعيدة كأنها خطوات المردة في سبيل المفاوضات. فكم قطع سفيرنا أجواء الفضاء بين لندرة والقاهرة وبين السفارة والوزارة في لندرة! ثم كم تحمل صدقي باشا من جهد وكم حمَّل الأمة نفسها من جهد ليهيئ للمفاوضات ويخلق لها الجو الملائم! ثم كم ذاد صدقي باشا النوم عن عينيه وعن أعين الناس ليؤلف وفد المفاوضات! فهو لم يقس ذراعًا وإنما قاس أذرعًا. على حين ظلت بريطانيا العظمى هادئة نائمة — أو كالنائمة — لم تختر المفوضين، وإنما اختارت السفير. ولم تكد تختار السفير حتى مرض، ولعله مرض قبل أن تختاره. وجعل الشفاء يبطئ في سعيه إلى السفير، وجعل الأطباء يتعللون على المريض؛ منهم من يأذن له بالإبلال، ومنهم من يلح عليه في الانتظار.
وفي أثناء ذلك كانت مصر تقيس ذراعًا وذراعًا وذراعًا حتى تعبت من القياس، ثم أذن الله لبريطانيا العظمى فقاست أصبعًا واحدة لم تزد عليه شيئًا وأرسلت إلينا السفير.
وكذلك أصبح الناس يوم الأحد الماضي وإذا الشركات البرقية تناقض صدقي باشا أشد المناقضة، وتلح في أن بريطانيا العظمى لم تختر المفاوضين، وليست متعجلة في اختيارهم، ولعلها لا تحتاج إلى اختيارهم، فالسفير فيه الكفاية. ومن الناس من يعد بالعشرات والمئات والألوف أحيانًا، فقد يكون السفير رجلًا من هؤلاء الناس الذين يعد الواحد منهم بالعشرات أو بالمئات. والمهم أن الصحف وشركات البرق قد ناقضت يوم الأحد ما أكده صدقي باشا يوم السبت.
وكانت الأهرام ماكرة ماهرة، فهي قد احتجبت يوم السبت كدأبها في كل أسبوع، فلما ظهرت يوم الأحد اختصرت الطريق لقرَّائها، وعرضت عليهم تصريح صدقي باشا وتصريح روتر، ولم تعلق بشيء لأنها حريصة دائمًا في الحياد.
وقد انقضى الأسبوع أو كاد ينقضي، وكل شيء يعلن أن بريطانيا العظمى لم تختر المفاوضين إلى الآن. والرجوع إلى الحق خيرٌ من التمادي في الباطل. وقد عرف صدقي باشا كيف يستفيد من حكمة الحكماء، وكيف ينتفع بشعر الشعراء، فقرر منذ يومين أو أيام أنه سيسلك مع الصحفيين مسلك عَبْدَةَ صاحبة بشار في البيت المشهور:
وإذا قلت لها جودي لنا خرجت بالصمت من لا ونعم
ولذلك أعلن للصحفيين أنه لن يتحدث إليهم من أمر المفاوضات بشيء، حتى تنتهي إمَّا إلى جنة وإمَّا إلى النار.
هذا كله والمفاوضات لم تبدأ بعد، وإنما هي سر من أسرار الغيب، وما زالت مصر — أستغفر الله — ما زالت حكومة مصر مقيمة هائمة تقيس ذراعًا كلما قاست بريطانيا العظمى أصبعًا، وهي قد قاست أمس أذرعًا كثيرة على حين لم تقس بريطانيا العظمى أصبعًا ولا بعض أصبع. فقد وصل السفير البريطاني أمس إلى بورسعيد ثم إلى القاهرة، والقرَّاء قد رأوا في الصحف بالطبع كيف استُقبل السفير في بورسعيد وفي القاهرة. فالقرَّاء يعلمون أن الوزراء المفوضين يأتون إلى مصر في كل يوم يمثلون دولًا مختلفة، فلا يستقبلون مثل هذا الاستقبال ولا قريبًا منه، ولا يلقون مثل هذا الاحتفاء. فما الذي يميز السفير البريطاني الذي لم يقدم أوراق اعتماده بعد من سائر الوزراء والسفراء بالقياس إلى بلد مستقل يريد أن يستكمل استقلاله، وألَّا يعترف بمركز ممتاز لدولة من الدول.
ألا يرى القارئ أن صدقي باشا ما زال يقيس ذراعًا كلما قاست بريطانيا العظمى أصبعًا؟ ألا يوافقني صدقي باشا على أن السفير البريطاني الجديد قد جاء كما يجيء غيره من ممثلي الدول، فكان يجب أن يُستقبل كما يُستقبل غيره من ممثلي الدول لا أكثر ولا أقل؟ ذلك أجدر أن يُشعر بريطانيا العظمى بأننا نؤمن بالاستقلال على أنه حقيقة لا مظهر، وذلك أجدر بأن يشعر السفير البريطاني بأننا نُقبل على المفاوضات أحرارًا لا نتقيد بشيء. نُقبل عليها كما يقبل الند لمفاوضة الند، لا كما يقبل الصغير على مفاوضة الكبير. ستذكر المجاملات! فليست بريطانيا العظمى أحق بأن تمتاز من غيرها من الدول بمجاملات خاصة، ولا سيما في هذه الأيام. ولكن صدقي باشا أو لسان الحال التي تتحدث عن صدقي باشا لا تستطيع أن تنسى قول ابن أبي ربيعة:
وقربنا أسباب المنى لمتيم تقيس ذراعًا كلما قسنا أصبعا
متى يتاح لمصر أن تقيس أصبعًا كلما قاست بريطانيا أصبعًا، وأن تعرف أن الاعتدال في المجاملة هو خيرُ ما يمتاز به الوطن الكريم؟
Tag: البروتوكول الدبلوماسي
-
تهالك | Decline
-
غداء | Lunch
غداء
طه حسين
جريدة البلاغ
١ نوفمبر ١٩٤٥
وأخيرًا فتح الله على حضرة صاحب الدولة محمود فهمي النقراشي باشا رئيس الوزراء، فقال كلامًا تمتلئ له القلوب غِبطةً وابتهاجًا، وتمتلئ له النفوس نورًا وإشراقًا، وتهتز له مصر طربًا حتى يوشك طربها أن يكون زلزالًا ترجو أن يعصم الله مصر من أخطاره وآثاره.
نعم، فتح الله على رئيس الوزراء، فقال كلامًا رائعًا بارعًا، روَّى عقول الصحفيين بعد ظمأٍ طويل ونقع غلة المصريين بعد أن كان الصدى يهلكهم وينتهي بهم إلى البوار. فقد اجتمع مجلس الوزراء أمس لأمر خطير، خطير جدًّا، ثم دعي الصحفيون إلى حضرة الرئيس بعد انفضاض مجلس الوزراء، فأقبلوا وقلوبهم تنزو في صدورهم وألسنتهم ترقص في أفواههم وريقهم يجف في حلوقهم. ثم تحدث إليهم الرئيس فكان كلامه يقع في نفوسهم الظامئة وقلوبهم الصادية موقع الغيث من الأرض المُجدِبة من بعد عهدها بالماء.
وكيف لا ينعم الصحفيون، وكيف لا يبتهج المصريون، وقد تفضَّل الجنرال جيت فدعا رئيس الوزراء إلى الغداء مع الفيلد مارشال النبروك رئيس هيئة أركان حرب قوات الإمبراطورية البريطانية. أرأيت إلى هذه الألقاب الطويلة التي دُعِي رئيس الوزراء إلى الغداء معها؟ أليس في هذه الدعوة الكريمة تشريف لرئيس الوزراء وتكريم للشعب المصري الذي ينطق باسمه رئيس الوزراء. أليس هذا الغداء خليقًا أن تُتلى أنباؤه على مجلس الوزراء، وأن تُذاع أنباؤه على المصريين جميعًا. ثم إن الأمر لم يقِف عند الغداء، فقد تحدث الرجلان العظيمان بعد الغداء — أثناء انتظار القهوة وأثناء شُربها وبعد شُربها — حديثًا طويلًا وديًّا في مسائل تهم البلدين، والبلدان هما مصر التي يرأس وزراءها النقراشي باشا، والإمبراطورية البريطانية التي يرأس هيئة أركان حربها الفيلد مارشال النبروك.
ثم يقف الأمر فجأة عند هذا الحد، وشيء خير من لا شيء، وما ينبغي لمصر أن تطمع في أكثر من هذا، فحَسبُها أن تعلم أن الرجلين العظيمين تناوَلا الغداء على مائدة واحدة، وتحدثا بعد ذلك في مسائل تهم البلدين حديثًا وديًّا طويلًا. ولكن فيمَ كان هذا الحديث؟ كان في الشئون السياسية؟ فإن الفيلد مارشال النبروك ليس صاحب سياسة، ليس من شأنه التحدث في السياسة، وما نعلم أن الإنجليز يُفوِّضون رجال الحرب في أحاديث السياسة! أم كان في الشئون العسكرية؟ فليس صاحب الدولة النقراشي باشا صاحب حرب ولا قتال، وليس له علم بالشئون العسكرية قليل أو كثير، وإذن ففيمَ كان الحديث؟! أو بعبارة أدق ما عسى أن تكون الغاية من هذا الحديث؟ أهي التمهيد للمفاوضات؟ أم هي إشاعة الطمأنينة في نفس الرئيس؟ أم هي تكدير الأعصاب؟
وفيمَ تريد أن يتحدث عظيم من عظماء الإنجليز إلى رئيس الوزارة المصرية حين يلقاه ويجتمع معه على مائدة الغداء؟ أليس طبيعيًّا أن يدور الحديث بينهما عن مسائلَ تهم البلدين، سواء أكان الوقت وقت مطالبة بالحقوق المصرية أم وقت إهمال لهذه الحقوق ونسيان لها وانصراف عنها. وهل من الممكن أن يزور رجل كالفيلد ماريشال النبروك مصر ثم لا يلقى رئيس الوزراء، ولا يجتمع معه إلى الغداء أو العشاء مهما يكُن الوقت الذي تحدُث فيه هذه الزيارة، ومهما تكُن الظروف التي تحيط بها.
لقد زار الفيلد ماريشال أتينا قبل أن يزور القاهرة، وما من شك في أنه اجتمع بالوصي على العرش هناك إلى غداء أو عشاء، وأدار معه حديثًا وديًّا طويلًا عن مسائل تهم البلدين، ولكن الوصي على العرش لم يحتَجْ إلى أن يذيع عن هذا الاجتماع وهذا الحديث بلاغًا أو شيئًا يشبه البلاغ؛ لأن الوصي على العرش في بلاد اليونان — وهو قائم برياسة الوزراء الآن — يرى من الطبيعي أن يكون هذا الاجتماع، وأن يدور فيه هذا الحديث الودي الطويل حول مسائل تهم البلدين. ولأن الوصي على العرش مشغول بأمور الشعب اليوناني عن إصدار البلاغات في أمر طبيعي مألوف. وهذا هو كل الفرق بين رئيس وزرائنا ورئيس الحكومة اليونانية، أحدهما — وهو الرئيس اليوناني — مُثقَل بأشياء كثيرة يجب أن يعملها، وبأشياء كثيرة يجب أن يقولها وبأحاديث كثيرة يجب أن يديرها، والآخر هو رئيس الحكومة المصرية فارغ اليد والبال، ليس له هم ينغص يومه أو يؤرِّق ليله، وليس لديه شيء يقوله للمصريين، والمصريون مع ذلك يريدونه على أن يقول لهم شيئًا. وقد جدَّ الرئيس وكدَّ وبحث واستقصى وفكَّر وقدَّر فلم يجِد شيئًا يقوله للمصريين؛ لأنه لم يجِد شيئًا يعمله للمصريين، ثم صنع الله له ورفق به وهيَّأ له ظرفًا مواتيًا؛ فاجتمع بالفيلد مارشال النبروك واستطاع أن يذيع في المصريين نبأ هذا الاجتماع.
والغريب أن رئيس الوزراء اكتفى بدعوة زملائه الوزراء، ولم يَدْعُ الهيئة السياسية ليقرأ عليها هذا النبأ العظيم، وليفاوضها في دخائله وأسراره وفي مقدماته ونتائجه، أفتراه يُؤثِر مجلس الوزراء بأسرار السياسة من دون الهيئة السياسية العليا؟ أم ترى الأمر أقلَّ خطرًا أو أهون شأنًا من أن يجتمع له أعضاء هذه الهيئة السياسية العليا؟ وما عسى أن يكون رأي صاحب الدولة صدقي باشا في هذا الحدث العظيم؟ أتراه يرضى عنه ويصبر عليه؟ أم تراه يضيق به فيستقيل من هيئة تُطوى دونها الأسرار وتُخفى عليها حقائق السياسة العليا؟ يستقيل وتُذاع أنباء استقالته في الصحف، ثم يدعوه رئيس الوزراء إلى غداءٍ أو عشاءٍ أو كأسٍ من القهوة يدور حوله حديثٌ وديٌّ طويلٌ كذلك الذي دار بين الرئيس والفيلد مارشال، ثم يعدل صدقي باشا عن الاستقالة؛ لأن أقنع النقراشي باشا بأنه كان مخطئًا، أو لأن النقراشي باشا أقنعه بأنه كان مصيبًا، ثم تجري الأمور كما جرت بعد استقالة الأسبوع الماضي.
والحق أن المصريين في حاجة إلى هذه الفكاهات يَتَسَلَّوْنَ بها عن هذه الحياة الراكدة الجامدة الخامدة، التي لا تُغني شيئًا ولا تدل على شيء، والتي فُرِضَتْ على المصريين في هذه الأيام الشداد.
يجب أن يستقيل صدقي باشا، وأن يترضاه النقراشي باشا حتى يعدل عن الاستقالة، وأن يجد الصحفيون من أصحاب الفكاهة ما يرفهون به على القراء. يا ويح هذا الشعب من ساسته العظام وقادته الكبار، إنهم ليكلفونه من أمره شططًا، إنهم ليعبثون والشعب في حاجة إلى أن يجِدُّوا، ولكن بهذا سبق القضاء وجرت الأقدار.
فيجب أن يشغل الشعب بهذا الأحاديث الفارغة عن حقوقه المُقَدَّسَة، ويجب أن يُلهى الشعب عن آماله وأمانيه بما يكون من استقالة صدقي باشا ظهر الخميس وعدوله عن هذه الاستقالة بعد أن يقدمها بساعات قصار أو طوال.
وبعد، فلو أن عند النقراشي باشا شيئًا يقوله أكثر من اجتماعه بالفيلد مارشال لقاله، ولو أن عند النقراشي باشا شيئًا يعمله أكثر من الغداء من الفيلد مارشال لعمله. ولكن الرجل قد بذل جهد المُقِل، وأعطى خير ما عنده أو كل ما عنده، وأجملُ بائعة للتبغ لا تستطيع أن تعطي إلَّا ما عندها كما يقول الفرنسيون. والله لا يكلف الناس فوق ما يستطيعون. وقد بذل رئيس وزرائنا طاقته كلها، فتغدى مع الفيلد مارشال وأدار معه حديثًا ودِّيًّا طويلًا في مسائل تهم البلدين، ثم أفضى بنبأ ذلك إلى مجلس الوزراء، ومن حيث إن الوزارة تُعاب بالصمت، وتؤخذ بالتقصير في نشر الدعوة لما تنهض به من أعمال جِسام. فقد أُشير على رئيس الوزراء في أكبر الظن بأن يدعو الصحفيين إلى حضرته، ويذيع فيهم هذا النبأ الخطير، وقد فعل، واللهُ لا يكلِّف نفسًا إلا وسعها، فيجب على الشعب المصري أن يرضى، بل يجب عليه أن يبتهج، بل يجب عليه أن يملأ الجو هتافًا وتصفيقًا وصفيرًا أيضًا. فقد تغدَّى رئيس الوزراء مع الفيلد مارشال النبروك، وأدار معه حديثًا وديًّا طويلًا في مسائلَ تهم البلدين.
ولا ينبغي أن يفوت الشعب المصري أن لهذا الغداء خطره العظيم؛ لأن غداءً آخر حدث في لندرة، وما من شك في أن سفيرنا قد تحدَّث هو أيضًا مع ضيفه المستر بيفن وزير الخارجية البريطانية حديثًا وديًّا طويلًا في مسائلَ تهمُّ البلدين، غداء في القاهرة وغداء في لندرة وغداء يطابق أصول السياسة كل المطابقة، يطابق أصول السياسة الظريفة كل الظرف، فرئيس وزرائنا ضيفٌ في القاهرة، وسفيرنا مضيف في لندرة، وليس بين الغدائين من فرق إلَّا أن غداء القاهرة دعا إليه قائد بريطاني، ولم يدع إليه السفير البريطاني أو من ينوب عن السفير.
وتفسير هذا الفرق يسيرٌ جدًّا، فوزير الخارجية البريطانية صاحب سياسة وليس صاحب حرب؛ فهو إذن يتغدَّى مع السفير المصري ويدير معه الحديث الودِّي الطويل. أمَّا رئيس وزرائنا فصاحب مهارة حربية وبراعة في الكرِّ والفرِّ والإقدام والإحجام، فهو إذن يتغدَّى مع الفيلد مارشال ويدير معه الحديث الودِّي الطويل.
أليس لهذا العبث من آخِر، ألم يأنِ لساستنا أن يثوبوا إلى ضمائرهم وأن ينظروا إلى الساسة من حولهم، وأن يقدروا أنهم يوشكون أن يضيِّعوا على مصر فرصًا لا سبيل إلى استدراكها إذا لم تنتهز الآن؟ ألم يأنِ لرئيس الوزراء أن يخلو إلى نفسه ذات صباح أو ذات مساء، وأن يسألها عن هذا الفوز العظيم المخيف الذي يظفر به في هذه الأيام؟ إنه يفوز على نفسه فيشغل بمظاهر الحكم عن حقائق الحياة المصرية، وقد كان العهد به غاليًا في الوطنية جامحًا في المطالبة بالحقوق. أيمكن أن يكون الحكم ملطِّفًا لحدة المزاج إلى هذا الحد! إنه يفوز على أمته فوزًا عظيمًا مخيفًا حين يشغلها بالتافه من الأمر عن الجهاد في سبيل الحق، وحين يلهيها بهذه الأحاديث التي لا تُغني شيئًا عن تحقيق آمالها في هذا الوقت الملائم لتحقيق الآمال.
ليت النقراشي باشا يخلو ساعة إلى نفسه ويوازن بين موقفه الآن وموقفه في أعقاب الحرب العالمية الأولى. إذن يفزع أي فزع ويهلع أي هلع، ويعلم أن الحكم قد يغيِّر بعض النفوس، وقد ينحرف ببعض الناس عن الجادة، ويدفعهم إلى كثيرٍ من الالتواء.
ولكن صاحب الدولة في شغل عن حساب نفسه والخلوة إليها، والموازنة بين قديمه وحديثه. فقد يحب أن يبقى في الحكم ليحفظ العهد الحاضر من الانهيار، وفي انهيار العهد الحاضر خطر أي خطر. فيه هذا الخطر العظيم الذي قد لا يحبه الإنجليز، ولا يحبه أنصار الوزارة من المصريين. إن انهيار العهد الحاضر يردُّ إلى الشعب حريته ونشاطه، واندفاعه إلى المطالبة بالحق وإصراره على هذه المطالبة حتى يبلغ ما يريد، وهذا شيءٌ قد لا يحبه الإنجليز الآن، وقد لا يحبه فريقٌ من المصريين أيضًا مع الأسف الشديد.
فليبق العهد الحاضر إذن، ولتُؤجَّل المطالبة بالحقوق، وليتغدَّ رئيس الوزراء مع الفيلد ماريشال النبروك، ولينعم الشعب المصري بهذا الشرف العظيم الذي هو أعظم وأضخم من نيل الحقوق. أليس رئيس وزرائه قد تغدَّى مع الفيلد مارشال، وأدار معه حديثًا وديًّا طويلًا. -
امتحان (٢) | A Test (2)
امتحان (٢)
طه حسين
كوكب الشرق
٢٣ مارس ١٩٣٤
أما أداؤه فقد تم في شيء من الطول، والمشقة، والعسر، وأما نتيجته فلم تظهر بعدُ، وقد كان من الخير للممتحَنين أن تظهر في هذه الأيام ليستطيعوا أن يستقبلوا العيد باسِمين له ولِما يحمل من الرجاء، أو ضيقين به وبما يحمل من اليأس والقنوط.
ولكن الأستاذ الذي نهض بهذا الامتحان فألقى الأسئلة، واستمع للأجوبة، رجلٌ مُترفٌ لا يحب العجلة، ولا يميل إلى السرعة، وإنما يحب التريُّث ويكلف بالأناة، ولعله كغيره من الأساتذة يستعذب هذه اللذة القاسية، لذة الإبطاء في إظهار النتيجة، والشعور بأن الذين أدَّوْا الامتحان ينتظرونها على قلق واضطراب.
والناس يحسنون الظن عادة بالأساتذة، ويرونهم مُثُلًا عليا للسذاجة واليسر والرفق، ولكن الناس يخطئون، فمن الأساتذة قساة، ومن الأساتذة من ذاقوا مرارة الامتحان وانتظار النتائج، وضاقوا بأساتذتهم حين كانوا طلابًا، فهم يجدون لذة، مترفة غريبة، قاسية في أن يذيقوا طلابهم ما ذاقوه هم حين كانوا طلابًا يؤدون الامتحانات.
ولسنا ندري أذاق المندوب السامي مرارة الامتحان وانتظار النتيجة في يوم من الأيام، ولسنا ندري أيجد المندوب السامي ما يجده الأساتذة القساة من هذه اللذة المترفة الغريبة القاسية؟ ولكن الذي لا شك فيه هو أن المندوب السامي قد امتَحن فأطال الامتحان، فلما فرغ من الامتحان، لم يتعجل بإظهار النتيجة، ولم يفكر في أن يهيئ للطلاب عيدًا سعيدًا، أو عيدًا هادئًا مطمئنًّا، مريحًا على أقل تقدير.
ولعلك قد فهمت أن الذين أدَّوْا الامتحان هم وزراء مصر والمشرفون على أمورها، والمسيطرون على حياتها العامة. ولا بد من أن نلاحظ مع شيء من التقدير غير قليل أن المندوب السامي على قسوته كان رفيقًا شفيقًا؛ فهو قد أقبل إلى مصر فأقام فيها أسابيع، ثم رحل عن مصر فغاب عنها أسابيع، تاركًا للذين سيؤدون الامتحان فرصة واسعة يهيئون فيها أنفسهم لليوم العظيم؛ يدرسون، ويتذاكرون، ويبحثون ويستظهرون، ويستعد كل واحد منهم أحسن استعداد ليؤدي أحسن امتحان على أجمل وجه وأكمله!
قل ما شئت أيها القارئ العزيز وليقُل الوزراء ما يشاءون، وليقل المندوب السامي ما يشاء أيضًا؛ فليس من شك في أن هذه المقابلات الفردية التي كانت بين المندوب السامي والوزراء، مبتدئة بالرئيس منتهية بوزير الزراعة أو بغيره، لا أدري تركت في نفوس الناس هذا الشعور الطريف المؤلم بأن سادتنا الوزراء كانوا يؤدون امتحانًا شفويًّا أمام المندوب السامي الجديد. والمحقَّق أن الممثلين السياسيين للدول الأجنبية يقبلون إلى مصر وينصرفون عنها، ويتعرفون إلى الوزراء ويتعرف الوزراء إليهم، فلا يجد المصريون في ذلك شعورًا غريبًا، أو شيئًا يشبه الشعور الغريب. ومن المحقق أيضًا أن المندوب السامي كان يستطيع لو أراد أن يلقى الوزراء ليتعرف إليهم وليتعرفوا إليه ليس غير، مجتمعين مرةً واحدةً في يومٍ واحدٍ وفي مكان واحد، حول كئوس من القهوة، أو كئوس من الشاي، أو حول مائدة فارغة من القهوة والشاي، فيتحدث إليهم ويسمع منهم، ثم يتفرق القوم، وتتصل المقابلات بعد ذلك، إن كان هناك ما يدعو إلى اتصال المقابلات. ولكن المندوب السامي لم يؤثِر هذا النحو من التعرف إلى الوزراء، وإنما أخذ يدعوهم إليه واحدًا واحدًا. يستقبل واحدًا منهم في يوم، ثم ينتظر أيامًا ليستقبل منهم واحدًا آخر، وقد يستقبل أحدهم اليوم، ويستقبل زميله غدًا. وقد ينشط، فيستقبل أحدهم في الصباح، ويستقبل زميله في المساء، قد يشتد النشاط للامتحان أو الضجر من الامتحان، فيستقبل وزيرين في صباح واحد.
وكانت هذه المقابلات تُذاع مواعيدها قبل أن تتم، وتذاع أنباؤها بعد أن تتم، وكان المصريون يقرءون ما كانت تذيع الصحف فيشفقون ويألمون؛ يشفقون على الوزراء، وكل من يتقدم للامتحان فهو خليق بالإشفاق، ويألمون لمصر ولأنفسهم، فقد كانوا يظنون أنهم مستقلون، وأن وزراءهم إذا لم يكُن لهم بُدٌّ من أن يؤدوا الامتحان فإنما يجب أن يؤدوه أمام البرلمان المصري. ووزراؤنا قد أَدَّوْا هذا الامتحان أمام البرلمان، ونالوا فيه أقصى الدرجات.
بهذا كله كان المصريون يُشفقون، ولهذا كله كان المصريون يألَمون، وقد انتهى الإشفاق بانتهاء الامتحان، ولكن الألم لم ينتهِ، ولا ينبغي أن ينتهي قبل أن يرى المصريون لبلادهم وزراء لا يؤدون الامتحان إلا أمام البرلمان.
نظن أن حديث الصحف يجب أن يمَس هذا الموضوع، بل نظن أن حديث الصحف يجب أن يطول في هذا الموضوع، فهو أحق بالعناية والدرس، وهو أحق بالتعليل والتأويل والتحليل، من حفلة الشاي التي دُعِيَ إليها الزعماء ورجال السياسة وكبار الموظفين في دار المندوب السامي مساء الثلاثاء، فلم يكُن في هذه الحفلة ما يدعو أن تكتب الأهرام فصلين أو أكثر من فصلين، إنما هي حفلة من هذه الحفلات، تنشأ للمجاملة، وتقوم على المجاملة، وتنتهي إلى ما تنتهي إليه حفلات المجاملة من التعارف وإنشاء الصلات بين رجل له مكانته وخطره في السياسة المصرية، وقوم لهم مكانتهم وأخطارهم في هذه السياسة؛ فلم يكُن المصريون في يوم من الأيام جفاة ولا مقصرين في آداب المجاملة وأوضاع الحياة الاجتماعية؟ ولم يكن المندوب السامي أقل منهم عناية بهذه الأوضاع وتلك الآداب، فكان من الطبيعي أن يزوروه، وكان من الطبيعي أن يدعوهم إلى الشاي فيستجيبوا لدعوته، ولم يأبَ المصريون في يوم من الأيام أن يستجيبوا لدعوة مخافة أن يلقى بعضهم بعضًا على ما بينهم من اختلاف الميول والنزعات؛ لأنهم يعرفون كيف يَحْيَوْنَ حياة القوم المتحضرين. فمن الإطالة التي لا تُجدي، أو من التماس الظهر في الساعة الرابعة عشرة كما يقول الفرنسيون أن يكثر الكلام حول هذا الشاي الذي لا غرابة فيه. إنما الموضوع الذي يستحق التفكير، والذي يستحق التفسير والذي يستحق التساؤل وانتظار الجواب، هو هذه المقابلات الانفرادية التي كانت بين وزرائنا جميعًا وبين المندوب السامي، على نحو لم يُعرف من قبلُ، ولم تجرِ به التقاليد، والتي ألقت في رُوع المصريين جميعًا أنهم كانوا يَسْعَوْنَ إلى هذه المقابلة، كأنما كانوا يسعون إلى أداء الامتحان، وأن الأحاديث إنما اتصلت بينهم وبين المندوب السامي أثناء هذه المقابلات، في أمور لا تشبه الجو والمطر، واعتدال الإقليم، وجمال النيل، وإنما تشبه ما يعنى به الوزراء من شئون الحكم وتصريف الأمور.
هذا هو الذي يستحق أن تكتب فيه «الفصول» وأن تعنى به «الأهرام» وغير «الأهرام» من الصحف التي عنيت بحفلة يوم الثلاثاء، ومهما يكُن من شيء فليس من سبيل إلى استدراك ما فات، ولن يستطيع أحد أن ينكر أو أن يمنع أن الوزراء قد سَعَوْا متفرقين إلى دار المندوب السامي كما يسعى الطلاب إلى غرفة الامتحان، ولن يستطيع أحد أن ينكر أو يمنع أن هذا السعي كان مؤلمًا مؤذيًا، ولن يستطيع أحد أن ينكر أو يمنع أن لهذا السعي المؤلم نتائجَ كنتائج الامتحان إن لم تظهر اليوم فستظهر بعد العيد بوقت قد يكون طويلًا، وقد يكون قصيرًا، ولكنه في أكبر الظن قريب على كل حال. -
تحدٍّ … | A Challenge…
حديث المساء: تحدٍّ …
طه حسين
كوكب الشرق
١ فبراير ١٩٣٤
قُلْ إِنَّه تَحَدٍّ للشعور القومي، وقُلْ إِنَّه تَحَدٍّ للكَرَامَةِ القومية، وقُلْ إنه تَحَدٍّ لمجلس النواب، وقُلْ إن شئتَ إِنَّه تَحَدٍّ للتقاليد، من وزارة التقاليد بمحضر وزير التقاليد، فلن تخطئ في بعض ذلك، ولن تخطئ في كل ذلك، ولن تَتَجَاوز الحقَّ والصَّواب؛ فوزير المواصلات أمس قد تحدَّى كل ذلك، ووقف منه موقف المُتَحَكِّم الذي يُرِيدُ ويعلم أن لا رادَّ لما يريد، فأمَّا الشعور القومي والكرامة القومية فقد صبرا على هذا التحدي كما صبرا على أمثاله منذ أعوام، وأما مجلس النواب فقد لقي هذا التحدي صامتًا وأَسِفَ له عضو من أعضائه، فلقي النواب أسف زميلهم صامتين، وكفى الله المؤمنين القتال.
وأَمَّا التَّقَالِيدُ فقد ضحكت لهذا التحدي؛ لأَنَّها تَعْرِفُه ويعرفها منذ زمن بعيد؛ فالاتفاق مُحقَّق، مسجل بين التقاليد وبين الوزارة القائمة والوزارة السابقة على أن تكون التقاليد هينة لينة، مرنة رضية الخلق موفورة الحلم، لا تغضب إلا حين يُطلَب إليها الغضب ولا تَثُور إلا حين يُرادُ مِنْهَا أَنْ تَثُور، وكذلك صبر وزير المواصلات شهرًا وبعض شهر على ذلك السؤال الذي وجهه إليه نائب من النواب عن خطبة ألقاها بالفرنسية في حفل رَسْمِي لمؤتمر رَسْمِي، فَلَمَّا انقضى شهر وبعض شهر، وقد نسي النواب السؤال والجواب ذكرهما الوزير؛ فألقى جوابه أمس.
وأَكبرُ الظَّن أنَّ الوزير إِنَّما ذكر هذا السؤال وذكر أَنَّه يَنْتَظِرُ جوابًا منذ شهر وبعض شهر لأمرين؛ أحدهما: أن الحديث كثير في هذه الأيام عن مجمع لغوي يجتمع، ويقبل أعضاؤه من أطراف الأرض في الشرق والغرب ليحيوا اللغة العربية ويصلحوها، ويجعلوها لغة عظيمة خليقة بالدولة العظيمة التي تُسَمَّى الدولة المصرية، والثاني: أنَّ حَفْلًا رسميًّا يُقَام اليوم لافتتاح مؤتمر رسمي، وتُلْقَى فيه خطب رسمية؛ فالمجمع اللُّغوي يذكر الوزير بأنَّ لمصر لغة رسمية هي اللغة العربية، ويذكر المصريين بهذه اللغة، وأنَّ من المعقول ومن الطبيعي ومن الخير، وقد يكون من الواجب، أنْ تُعْنَى الدَّولة بلغتها الرسمية في المحافل والمؤتمرات.
ومؤتمر البريد يذكر الوزير بأنَّ كثرة المؤتمرين من الأجانب، وبأن لغتنا العربية لغة غنية، خشنة الحروف، ضخمة الألفاظ، شديدة الوقع، تجرح الأسماع الرقيقة، وتُؤذِي قلوب المُترفين، وأن الذوق يقضي أن نُحْسِن استقبال الضيوف فلا نجرح سماعهم ولا نؤذي قلوبهم، ولا نلقي بين أيديهم ما لا يفهمون.
إذن؛ فقد وقف الوزير بين هذين الأمرين موقفًا لم يَخْلُ من حيرة في أول الأمر، ولا بُدَّ من بعض الحيرة لكل وزير في هذه الأيام؛ لأنَّ الحيرة — كما قُلْنَا أمس — قوام الحياة الوزارية وخاصة الوزارة القائمة.
وقف وزير المواصلات موقف الحيرة بين المصريين والأجانب المؤتمرين وبين اللغة الرَّسمية واللغة الدولية، وبين الواجب والذوق، وبين التقليد والتجديد، وبين إرضاء النواب وإغضاب المؤتمرين، ولكن حيرة الوزير لم تَطُل، وتردده لم يتصل؛ فالكلفة مرفوعة مع السرور بينه وبين مواطنيه، والكلفة مرفوعة بين وزراء الدولة ولغة الدولة. وإذن؛ فليتحمل المصريون، ولتحتمل لغة الدولة، وليقدم وزير المواصلات في حزم وعزم، وفي هم بعيد، ومضاء نافذ، ولْيُرْضِ الذوق على حِسَاب الواجب، ولْيُرْضِ التجديد على حساب التقليد، ولْيُرْضِ الأجانب على حساب المصريين، وليُعلن ذلك كله إلى مجلس النواب حتى لا يفكر ذلك النائب الذي سأله بعد مؤتمر الطيران في أن يسأله بعد مؤتمر البريد.
وسمع النائب وأَسِفَ، وسمع النواب وسكتوا. وَمَاذا كنت تريد أن يصنع النائب غير أن يأسف؟! وماذا كنت تُريد أن يصنع النواب غير السكوت؟!
لقد أراد الوزير، ومن الذي يستطيع أن يرد إرادة الوزير؟! لقد خَطَبَ الوزير باللغة الفرنسية في مؤتمر الطيران، وهو يخطب الآن باللغة الفرنسية في مُؤتمر البريد أعلن ذلك إلى النواب مُطمئنًّا وأنذر النواب بهذا مُصَمِّمًا، فاطمأن النواب كما اطمأن، وقبل النواب ما صمم عليه ونحن ملزمون أن نطمئن وأن نقبل، كما اطمأن الوزير والنواب وكما قبلوا.
وسيجتمع المجمع اللغوي وسيحاول إحياء اللغة وإصلاحها، وستنفق الدَّولة في ذلك عشرة آلاف من الجنيهات في كل عام، وسيقُول النَّاسُ في الشرق والغرب، إنَّ في مصر مجمعًا لغويًّا، وسيتحدث الناس في الشرق والغرب بأنَّ مِصْرَ زَعِيمَة البلاد الشرقية، وموئل اللغة العربية، ومَصْدَرُ الحياة والقوة والنَّشاط والمُحَافَظَة والتجديد في بلاد الشرق العربي كله، سيكون هذا كله ولا بأس بهذا كله؛ فاللغةُ العربيةُ لغة الشعب يتحدث بها المصريون إذا لقي بعضهم بعضًا وخلا بعضهم إلى بعض والوزارة كريمة سخية مُتفضلة؛ لأنَّها تصلح للشعب لغة الشعب، وحسب الشعب منها هذا والشعب مُسْرِفٌ بطرٌ أَشِر إن طلب إلى الوزارة أكثر من هذا!
وحسب الشعب المُسرف، البطر، الأشر أنْ يتفضل الوزراء فيتحدثوا بلغته في مجلسهم وفي مجلس النواب ومجلس الشيوخ. فأمَّا أنْ يَطْلُب الشعب إليهم أنْ يتحدثوا بهذه اللغة في المحافل والمؤتمرات؛ فهذا طغيان، والطغيان قبيح حين يصدر عن الشعوب، ولكنه حلو حين يصدر عن الأفراد، والوزارات إنما أُنْشِئَتْ لتؤدب الشعوب، وتمنعها من الطغيان، وتعصمها من الإسراف، وتردها إلى ما ينبغي لها من التواضع والقصد والاعتدال فيما تعمل وما تقول.
ولهذا كله؛ أعلن وزير المواصلات أمس في مجلس النُّواب أَنَّه خَطَبَ باللغة الفرنسية في مؤتمر الطيران لأنها اللغة الدولية، ولأنها اللغة التي يفهمها الأجانب المؤتمرون، وأنه سيخطب في مؤتمر البريد باللغة الفرنسية لأنَّها اللغة الدولية، ولأنها اللغة التي يفهمها الأجانب المؤتمرون، ولأنَّ أَعْمَال هذا المؤتمر كلها ستكون باللغة الفرنسية، وكان للوزير دليل قوي لا يستطيع شيء أن يثبت أمامه، ولا أن يقوم في وجهه دليل مُقْنِعٌ بِطَبْعِهِ، مُحْرِجٌ للخصم، قاطع لحجته، وهو أنَّ ولي العهد في إنجلترا قد ألقى في مؤتمر من المؤتمرات خطبة افتتاح باللغة الفرنسية، وإذا كان ولي العهد للدولة الإنجليزية كلها، وللإمبراطورية البريطانية كلها يخطب في بعض المؤتمرات باللغة الفرنسية ويُهمِل اللغة الإنجليزية إهمالًا، فما الذي يَمْنَعُ وزيرًا من وزراء الدولة المصرية من أن يذهب مذهبه، ويسلك طريقه؛ فيخطب بالفرنسية، ويهمل اللغة العربية إهمالًا؟! وهل يطمع المِصْرِيُّون في أن يكون وزراؤهم أحرص على لغتهم من ولي عهد الإنجليز على لغة الإنجليز؟! وهل يطلب المصريون من وزرائهم أكثر مما يطلب الإنجليز من ولي عهدهم؟! وإذا وجد الوزراء المصريون قُدوة كهذه القدوة، وأسوة كهذه الأُسوة، فهل ينبغي لهم أن يُخَالِفُوها أو يحيدوا عن طريقها؟!
وفي مجلس النواب شيء من الجحود والتقصير في الاعتراف بالجميل؛ فقد وعد الوزيرُ بِأَن تُطبَع تذاكر الدعوة باللغتين العربية والفرنسية، وأعلن أن تذاكر الدعوة إلى مؤتمر البريد قد طُبِعَتْ بهاتين اللغتين، فلم يصفق له النواب، ولم يشكروا له هذا العمل الخطير وهم وقوف، ومع ذلك، فقد رفع الوزير لغتهم العربية إلى حيث تُطبَع بها تذاكر الدعوة إلى مؤتمر البريد، وإلى حيث تجاور اللغة الفرنسية على بطاقة واحدة! ولكن المصريين قوم يَظْلِمون.
وأغرب من هذا كله أن رجال الدين، وعلى رأسهم صاحب الفضيلة مولانا الأكبر، سيغضبون فيما بينهم وبين أنفسهم من إهمال اللغة العربية بهذه الجرأة، ومن تحدي هذه اللغة مع هذه الشجاعة؛ لأَنَّها لغة الإسلام الحنيف والقرآن الكريم، ولكن أُحِبُّ لرجال الدين، وعلى رأسهم صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر، أن لا يغضبوا؛ فغَضَبُهم لن ينفع ولن يُفِيدَ من ناحية، ولهم عزاء من ناحية أُخرى، وهو أنَّ كَثْرَة المُؤتمرين من غير المسلمين؛ فالوزير يُنزِّه لغة الإسلام والقرآن عن أنْ يَتَحَدَّث بها إلى الأجانب من أصحاب المِلَلِ الأُخرى، وسيغضب أصحاب التقاليد والمحافظون على نصوص الدستور؛ لأنَّ اللغة العربية هي اللغة الرَّسمية للدولة بنص الدستور، ولكنْ أَنْصَحُ لهؤلاء ألا يغضبوا؛ فاللغة الفرنسية لغة رسمية للدولة أيضًا. أليست تصدر بها الجريدة الرَّسمية كما تصدر باللغة العربية؟! وقد زَعَمُوا أَنَّ الدستور الجديد نفسه قد وُضِع أول الأمر باللغة الفرنسية، ثم نُقِل إلى اللغة العربية نقلًا!
وحدثني بعض الوزراء السابقين أنَّ الدولة وجدت في نقل الدستور إلى اللغة العربية مَشَقَّة وعناء، وإذن فليست هناك كلفة بين لغة النيل ولغة السين، وليس هناك بأسٌ بأنْ تكون لغة السين هي اللغة الرَّسمية للمؤتمرات بإذن مجلس النواب!
أمَّا وزير التقاليد، فمن المُحَقَّق أنَّه غضب للتقاليد، ولكن من المحقق أيضًا أن غضبه كان كغضب التقاليد يَسِيرًا سَهْلًا، لا يكفي لإحداث الخلاف الخطير بينه وبين زميله وزير المواصلات.
وأمَّا الرجل الطيب، فمن يدري، أفكَّرَ في هذا الموضوع أم لم يخطر له على بال؟! -
دروس | Lessons
حديث المساء: دروس
طه حسين
كوكب الشرق
٢٣ يناير ١٩٣٤
قد ألقيت من غير شك، ولكن الذين ألقوها مشكوك فيهم، لا يُعْرَف أمرهم مع ما ينبغي من الوضوح والجلاء. وأظهر هذه الدروس مُتَّصِلٌ بالعلاقة بين رئيس الوزراء الرجل الطيب، والمندوب السامي الجديد. فقد وصل المندوب السامي الجديد إلى مصر، واستقبله الرجل الطيب في محطة القاهرة، ثم لم يره بعد ذلك حتى طار إلى لندرة. وتساءل الناس عن هذه العلاقة السلبية بين الرجل الطيب والمندوب الجديد، كيف كانت؟ ولمَ كانت؟ وكيف يمكن أن تدوم؟ وتحدث الناس بأن الرجل الطيب كان أول المتسائلين. ثم أذاعت الصحف أمس أن المندوب السامي بالنيابة زار الرجل الطيب بالأصالة، وكَلَّمَهُ في هذه العلاقة السلبية، وعرض عليه صورة من صور التقاليد فيما كان، وما يحب الإنجليز أن يكون بين المندوبين الساميين ورؤساء الوزارات. ونلاحظ بين قوسين أن المندوب السامي بالنيابة قد أسرف بعض الإسراف، وتجاوز الحدَّ على نحوٍ ما حين تحدث في التقاليد إلى الرجل الطيب، مع أن للتقاليد وزيرًا ينبغي أن تُسْتَقَى منه، وأن يتحدث إليه فيها المتحدثون؛ فنظن أن الذين يلقون على الناس دروسًا في التقاليد يجب أن يحافظوا هم قبل كل شيء على هذه التقاليد، ونظن أن المندوب السامي بالنيابة والمندوب السامي بالأصالة، لن يتحدثا في التقاليد منذ اليوم إلى الرجل الطيب أو إلى غير الرجل الطيب قبل أن يرجعا إلى وزير التقاليد ويستأذناه.
ولنقفل القوسين الآن ثم لنَعُدْ إلى مجرى الحديث، فالناس متفقون على أن درسًا قد أُلْقِيَ أمس حين لَقِيَ المندوب السامي بالنيابة رئيس وزارتنا الرجل الطيب، ولكنهم يختلفون فيمن أَلْقَى هذا الدرس: فقوم يزعمون أن الرجل الطيب هو الذي ألقى الدرس أمس على المندوب السامي، أو بعبارة أدق هو الذي ألقى الدرس على المندوب السامي بالأصالة، وعلى وزارة الخارجية البريطانية حين احتج على تقصير السير ميلز لمبسون في زيارته، وأن المندوب السامي بالنيابة إنما زاره أمس ليبلغه أن الإنجليز قد سمعوا هذا الدرس ووعوه، وأنهم معتذرون من تقصير مندوبهم السامي، وأنهم يطلبون إلى الرجل الطيب أن يعذره؛ لأنه حديث عهد بمصر قد هبط إليها بآداب الصين، وأنه قد كان يعلم أن للصلة بين رئيس الوزراء وبين المندوب السامي تقاليد، وكان يجهل أن الرجل الطيب فوق التقاليد؛ لأنه أقوى وأشد بأسًا وأحرص على كرامته من أن يذعن لهذه التقاليد.
وهؤلاء يزعمون أن الرجل الطيب قد رضي بعد تمنع، وصفح بعد إباء، وأخذ على المندوب السامي بالنيابة عهدًا ليبدأن المندوب السامي الأصيل بزيارته إذا عاد إلى مصر. وانتهى الأمر عند هذا الحد، وعُرِضَ الأمر على مجلس الوزراء فأقره، وقدر الرجل الطيب بلاءه الحسن وإباءه البديع.
وقوم آخرون يزعمون أن المندوب السامي بالنيابة هو الذي ألقى الدرس أمس؛ لأنه بَيَّنَ لرئيس وزارة التقاليد حقيقة التقاليد، ونبَّهَهُ إلى ما كان يجب أن يتنبه إليه من أن له صفتين مختلفتين، كوزير التقاليد بالضبط، فكما أن وزير التقاليد قد أعلن في مجلس الشيوخ أنه وزير المعارف من ناحية ورئيس الجامعة الأعلى من ناحية أخرى، وأنه بحكم هاتين الصفتين يأتي أعمالًا مختلفة متحدة، ويقدر أعماله تقديرًا متفقًا مفترقًا؛ فالرجل الطيب رئيس للوزراء ووزير للخارجية، فيجب عليه من حيث إنه وزير للخارجية أن يستقبل المندوب السامي في محطة القاهرة، ويجب عليه من حيث إنه رئيس للوزراء أن يزور المندوب السامي في داره، ثم يجوز له بعد ذلك أن ينتظر من المندوب السامي زيارته في مكتبه. وقد أدَّى الرجل الطيب أحد هذين الواجبين ثم اختلط عليه الأمر؛ فظن أنه أدى الواجبين جميعًا، وانتظر زيارة المندوب، فلم يظفر بها. وإذا كان الله قد مَنَّ على مصر بأن وزارتها القائمة وزارة تقاليد، فإن الوزارات الإنجليزية كلها وزارات تقاليد، وإذا كانت الوزارة المصرية لا تحب التفريط في تقاليدها، فإن الوزارات الإنجليزية أشد على تقاليدها حرصًا. وإذن، فهي لم ترضَ عن إهمال الرجل الطيب لما تقوم عليه صلات مصر مع المندوب السامي من التقاليد. ويقول أصحاب هذا الرأي: إن الرجل الطيب قد وعى هذا الدرس، ووعد بألا يعود إلى مثل ما أتى، وبأن يكون هو البادئ بالزيارة، حين يعود المندوب السامي إلى القاهرة، وأن ممثل الإنجليز رضي بعد تمنع وصَفَحَ بعد إباء، وأن الأمر قد عرض بعد ذلك على مجلس الوزراء؛ فأقره وأثنى على براعة الرجل الطيب وسعة حيلته، ومعرفته كيف يكون الخروج من المآزق، والتخلص من المشكلات. وقوم آخرون وأنا منهم يشكون في هذا كله، ولا ينكرون أن درسًا قد أُلْقِيَ، ولكنهم لا يعلمون مَنْ ألقى هذا الدرس، ومن تلقاه، ولا يقطعون بنتيجته، وإنما ينتظرون أن تتكشف عنها الأيام، ومَنْ يدري لعل الأيام أن تتكشف عمَّا لا يقدر الرجل الطيب وأنصاره من النتائج ذات البال. وقد يقال: إن معظم النار من مستصغر الشرر. وليس هذا الدرس الذي لا يُعْرَف من ألقاه ولا من تلقاه هو الأول من نوعه، فقد كان هناك درس آخر أُلْقِيَ بعد أن خطب قاضي القضاة، وزعمت الصحف أن وزير فرنسا المفوض هو الذي ألقاه على الرجل الطيب، ثم زعمت صحف أخرى أن وزير فرنسا المفوض هَمَّ بإلقائه، فأسكته الرجل الطيب إسكاتًا، وألقى عليه وعلى زملائه درسًا بليغًا، ثم جاء مكاتب «الديبا»، فكذَّب هذا تكذيبًا قاطعًا، وأكَّد أن وزير فرنسا المفوض قد ألقى على الوزارة المصرية درسًا في الذوق، وأن الرجل الطيب قد سمع الدرس ووعاه، ولم يرد عليه كما قيل.
وهناك دروس أخرى تَمَس سياستنا الداخلية، وهي تُلْقَى في كل يوم، وقد كثر إلقاؤها بنوع خاص منذ كان العيد، والناس يختلفون فيمَنْ يلقيها، ومَنْ يتلقاها. فقد أُلْقِيَ درس في المنصورة من غير شك، وقوم يقولون: إن رئيس الوفد هو الذي ألقاه؛ فعَلَّم به الوزارة أنها أضعف من أن تقاوم شعور الشعب، وأن الشعب أقوى من أن يستكين للرجل الطيب بعد أن أبى أن يستكين لصدقي باشا. وتقول الوزارة: إن وزير الداخلية هو الذي ألقى هذا الدرس على الوفد والوفديين؛ فعلمهم أن الشعب قد انصرف عنهم كل الانصراف، وأعرض عنهم كل الإعراض، وأن الخير في أن يلتمسوا لهم شعبًا آخر في بلد آخر يلتمسون منه الصبر والتأييد؛ فقد قطعت بينهم وبين مصر الأسباب. وأُلْقِيَتْ دروس خطيرة أمس في القليوبية، وفي شبرا، وعند جسر سرياقوس، وفي القناطر الخيرية، والناس يختلفون فيمن ألقاها وفيمن تلقاها: فالوفد يزعم، ويزعم معه نفر قليل جدًّا من المصريين قد يبلغون خمسة أو ستة، أنه هو الذي ألقى هذه الدروس، وعَلَّم الوزارة أنها مفلسة حقًّا، لا تستطيع أن تعيش ولا أن تبقى إلا إذا خالفت الدستور، وخرجت على القانون وأهدرت الحريات، واستخدمت قوتها المادية العنيفة؛ وهذا هو الإفلاس كل الإفلاس. ووزير الداخلية يزعم ومعه الشعب والاتحاد والليبرتيه — ومعنى ذلك أن معه مصر كلها وصحف مصر كلها — أنه هو الذي ألقى الدرس؛ فعَلَّمَ الوفد أن أمره قد انتهى، وأن عهده قد انقضى، وأنه ما دام في مصر جند؛ فلن يكون فيها وفد.
ودروس أخرى قد ألقاها وزير الداخلية من غير شك بإجماع الناس كافة، ولكنه لم يلقها على المصريين، وإنما ألقاها على الأجانب، وعلى الأجانب الذين يقع الخلاف السياسي في بلادهم بنوع خاص. فوزير الداخلية قد عَلَّم الفرنسيين مثلًا أن مهارتهم في قمع المظاهرات محدودة جدًّا، عندهم نهر السين يجري في باريس وتقوم عليه الجسور، وهم مع ذلك لم يفكروا في أن يرفعوا جسرًا من هذه الجسور، أو يقيموا عليه صفوفًا من السيارات؛ ليقطعوا الصلة بين أهل الشاطئين. وليس من شك في أن الفرنسيين المقيمين في مصر قد كتبوا تقاريرهم أمس، وأبرقوا بها إلى باريس؛ ليستفيد منها وزير الداخلية هناك في منع هذه المظاهرات التي لا تنقطع في مدينة النور.
ولا شك في أن برقيات الأهرام ستنبئنا غدًا أو بعد غدٍ، بأن الباريسيين قد رأوا جسورهم مرفوعة أو مسدودة لأول مرة منذ عهد بعيد. ولعل أبلغ هذه الدروس التي يلقيها المصريون على أنفسهم وعلى الناس في العالم كله منذ أيام، هذا الدرس الذي ألقاه وزير التقاليد في شأن مشروع القرش؛ فطلابنا ليسوا شيئًا إلى جانب الطلاب الأجانب في الاشتغال بالسياسة، والطلاب الملكيون في فرنسا يؤرقون ليل وزير المعارف هناك، ولا تذكر طلاب الجامعات في النمسا وألمانيا وإسبانيا؛ فهم قد تجاوزوا في الاشتغال بالسياسة كلَّ حدٍّ، ولم يفتح الله على وزراء المعارف في تلك البلاد بمثل ما فتح به على وزير التقاليد وصاحب كتاب البيع من فصل الطلاب من الجامعات والمدارس. وليس من شك في أن قرار وزير التقاليد قد طُيِّرَ إليهم أمس بالبرق، وليس من شك في أنهم سيقلدون صاحب التقاليد، وأكبر الظن أنه سيصبح عضوًا في المجامع العلمية الأوروبية كلها مكافأة له على هذا الاختراع البديع.
فأما إقفال نادي الجامعة فدرس لا يشبهه درس، وستعجز أوروبا عن مكافأته، ولكنها لن تعجز عن استغلاله؛ فستُقْفَل أندية الجامعات في أوروبا منذ اليوم، وسيعود الطلاب إلى الصواب وسيعلمون كيف يسيطر الوزراء على قلوب الشباب وعقولهم.
أرأيت أن مصر هي مركز الحياة الجِدية في الأرض ومبعث النور المضيء للعالم كله؟! ولكن المصريين قوم لا يعجبهم ولا الصوم في رجب، فهم ما زالوا يسيئون الظن بأنفسهم، ويطلبون المزيد من الرقي، ولا يصدقون أنهم أساتذة العالم في جميع فروع الحياة.