Tag: البيروقراطية

  • خطاب من طه حسين أمام مجلس الدولة | An Address by Taha Hussein Before the Council of State

    طاب من طه حسين أمام مجلس الدولة
    طه حسين
    جريدة أخبار اليوم
    ٩ مايو ١٩٥٣

    نُظرت أول أمس أمام محكمة القضاء الإداري الدعوى التي رفعها الدكتور سيد محمد باشا مدير المنطقة الشمالية للتعليم ضد وزارة المعارف، وطلب فيها إلغاء حركة ترقيات تخطته، وقال المدعي: إنه عندما تخطته حركة الترقيات أرسل كتابًا شخصيًّا إلى الدكتور طه حسين — وزير المعارف وقتذاك — عتب عليه فيه تصرُّفه معه.

    وقد رد الدكتور طه حسين عليه بالكتاب التالي:

    سيدي الأستاذ سيد محمد باشا … تلقيتُ كتابكم، ولو استمعت لما أثاره من الغضب في نفسي لعاقبتكم عليه، ولو استمعت كذلك لما قُدِّم إليَّ من شكوى أثناء عملكم بالمراقبة العامة للمستخدَمين أو المراقبة العامة للتعليم الحر؛ لأبعدتكم عن الوزارة … ولكن الله يقول: ( وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ). فعسى ألا تعود إلى كتابة مثل ما كتبت فتتعرض لما لا أحب أن تتعرض له. وقد كنَّا أزمعنا نقلك إلى الزقازيق تنفيذًا لما قدمنا إليك من وعد، وقد هممت أن أعدل هذا النقل وأدعك حيث أنت، ولكن الآية الكريمة التي تلوتُها آنفًا تحملني على ألَّا أغيِّر عملًا أردت به الخير لما قدمتَ من إساءة … فاستأنف عملك الجديد راضيًا مرضيًّا؛ وإلا فعليك وحدك تبعة ما تعمل وما تقول … ولك تحياتي خالصة. وزير المعارف (إمضاء)

  • جنود الشيطان | The Devil’s Soldiers

    جنود الشيطان
    طه حسين
    مجلة المصور
    ١٢ يناير ١٩٤٩

    هذا حديث أسُوقُه إلى الوُزراء جميعًا، وإلى الشُّيوخ والنواب جميعًا، وإلى المِصريين الذين يُقدرون للإنسان كرامَتَه وللوطَنِ حقه؛ كي يُفكروا في أن يتخذوا من الوسائل ما يحمي الأيامى واليتامى من جنود الشيطان.

    كان في نضرة من عيشه المادي والمعنوي، يبسم للحياة والأمل، وتبسم له الحياة والأمل … يغدو مع الصبح إلى تلاميذه؛ فيُعلمهم مما علمه الله، وكان الله قد علَّمه من رائع الأدب وبارع الفن ما غذَّى قلبه وعقله، فجعله إنسانًا كريمًا وديعًا، كأكرم ما يكون الناس، وكأودع ما يكون الناس … كان ذا نفس راضية، وخُلق سمح، وقلب نقي، وضمير كأصفى ما يكون الضمير.

    كان لا يحب الأذى، ولا يتصور أن يؤذي بعض الناس بعضًا، وكان إذا سمع ما يمتلئ به الجو المصري من كيد الناس للناس، ومكر الناس بالناس، وقسوة الناس على الناس، تلقى هذا كله في شيء من السذاجة يُشبه البله … كان يرى الحياة قصيرة، والخير بين الناس قليلًا … وكان يحرصُ أشدَّ الحرص على ألا يُبدد الناس حياتهم القصيرة في الشرِّ والإثْمِ، وعَلى أن ينتهز الناسُ فرصة هذه الحَياة ليَسْتَكثروا من الخَيْرِ ما استطاعوا أنْ يستكثروا من الخير، وليشيعوا المعروف بينهم ما وجدوا إلى إشاعة المعروف بينهم سبيلًا.

    كان باسم القلب والثغر، وكان عذب النفس واللسان، وكان يأبى على الحياة أن تشيع من حوله المرارة أو العبوس، وكان لا يَلْقى أصحابه إلا سرَّهم وبَرَّهم، وحَبَّبَ إليهم البر والسرور، وكان يروح إلى داره إذا أقبل الليل فيرى فيها ابتسامًا حُلوًا يتلقاه، فيُضيف في قلبه رضًا إلى رضا، وغبطة إلى غبطة، ونعيمًا إلى نعيم: زوجة صالحة، وطفلين وديعين يملأ قلبيهما الفرح والمرح والابتهاج.

    أخلص قلبه للأدب، وأخلص نفسه للمُثل العليا، وصفَّى ذوقه للفن الرفيع، وأنفق ما أنفق من حياته ينفع ما استطاع أن ينفع، ويصلح ما استطاع أن يُصلح، ويكره أن يتعلق عليه أحد بما يحزن أو يسوء … جد في طلب العلم حتى أخذ منه حظًّا موفورًا، وراض نفسه على حب الخير حتى أصبحت خيرة بطبعها، ومضى في حياته لا ينتظر إلا أن يكون آخرها كما كان أولها سَمْحًا يسيرًا لا عوج فيه ولا التواء.

    وأقبل ذات ليلة باسم الثغر، مُنشرح الصدر، موفور الرضا، فنعم بأهله، ونعم أهله به، ولكنهم أصبحوا فلم يجدوه …! اختطف نفسَهُ الموتُ أثناء الليل، لم يشعر هو ولم يشعر أهله بالموتِ حين أقبل على الدار … ولم يشعر هو ولم يشعر أهله بالموت حين انصرف عن الدار … ولكن الزَّوج أصبحت أيِّمًا … ولكن الطفلين أصبحا يتيمين … ولكن الأصدقاء أصبَحُوا مَحْزُونين مَكروبين، قد تركت الكارثة في نفوسهم كُلومًا لا تؤسى، وآلامًا لا تزول.

    ***

    وانقضت الأيام الأولى بما فيها من مراسم الموتْ، وأقبلت أيام أخرى فرضت على الأم البائِسة اليَائسة أنْ تُفكر في حياتها، وفي حياة طفليها، وفرَضَتْ على الأصدقاء أن يُعينوها على هذا التفكير، وأن يُدبِّروا من أمرها ومن أمر ابنيها ما يعجز النساء عن تدبيره، فسعوا عند رئيسه في أن يلتمس من الدولة — التي أنفق شبابه في خدمتها وتعليم أبنائها — معونة لهذه الأيِّم وابنيها اليتيمين … وسمع الرئيس لهم، وفهم عنهم، وسعى معهم، فكتب يطلب إلى الحكومة أنْ تشمل بعطفها وبرها هؤلاء البائسين الذين فقدوا عائلهم قبل أن يَدَّخر لهم من المال ما يُقيم الأود … ومتى استطاع المُعلمون أن يدخروا لأزواجهم وأبنائهم ما يقيم الأود؟!

    وكان الفقيد قد مات قبل أن يُثبَّت، وقبل أن يَكفل لأبنائه ولأهله المَعاش، وليس في مصر نظام «التأمين الاجتماعي» الذي يَفْرِض على الدولة أن تكفل حياة الأيامى واليتامى حين يُختطف عائلوهم من بينهم، فلا بدَّ إذن من أن يُطلَب إلى الدولة عطفها وبرها بالأيامى واليتامى، الذين لا يجدون ما ينفقون … لا بُدَّ من أنْ يطلب إليها هذا العطف، على أنه «استثناء» لا على أنَّه «حق»؛ لأنَّ مصر لم تشعر بعد بأن من حق أبنائها عليها أن تعصمهم حين لا يستطيعون أن يعصموا أنفسهم من الفقر والجهل والمرض!

    سعى أصدقاء الفقيد، وسعى رئيس الفقيد معهم في التماس هذا العطف من الدولة، ولكنَّ هذا الرئيس لا يستطيع أن يكتب مُباشرة إلى مجلس الوزراء، بل لا يستطيع أن يكتب مُباشرة إلى وزارة المالية، بل لا يستطيع أن يكتب مُباشرة إلى وزير المعارف، وإنما ينبغي أن تمُرَّ كتبه برؤساء آخرين يتوسطون بينه وبين الرئيس الأعلى، الذي هو وزير المعارف … وقد وصل كتابه إلى المرتبة الأولى من مراتب الرؤساء، وهنا كانت العبرة التي تدفعني إلى إملاء هذا الحديث!

    وصل الكتاب إلى موظف كبير، له — من غير شك — زوجة وأبناء، وقد بَلَى من تجارب الحياة ما علَّمه — من غير شك — أنَّ الفقر مُرٌّ، وأنَّ الجُوع أليم، وأنَّ المرضَ مِحنة، وأنَّ هذه الآفات خليقة أنْ تُخرج الناس عن أطوارهم، وأنْ تدفعهم إلى الذلة والهوان، وأن تُغريهم بالإثم والنكر، وأن تورطهم فيما لا ينبغي أن يتورط فيه الإنسان.

    وقد علمته تجارب الحياة أيضًا أنَّ الموت قد يُقبل دون أن يستأذن ضحاياه، ودون أن يُنذرهم، ودونَ أن يعطيهم من المُهلة ما يُتيح لهم أن يُدبروا أمور أزواجهم وأبنائهم قبل أن يُفارقوا الحياة، وقد عَلَّمته التجارب أيضًا — من غير شكٍّ — أنَّ من الخير أن يعطف الأحياء القادرون على الأحياء العاجزين، وأن يكون بين الناس هذا التضامن الاجتماعي الذي يشيع بينهم الحب والبر والتراحم؛ لأنَّ الأيام دُول، ولأنَّ المال والسلطان والجاه والمقدرة … كل هذه أعراض تذهب وتجيء، وتغدو وتروح، وتلم بالإنسان اليوم لتنتقل عنه غدًا!

    علمته التجارب هذا كله، ولكنه لم يتعلم … وليس كل الناس ينتفع بالتجارب، وليس كل الناس يستطيعُ أن يضع نفسه مَوضِعَ البائسين وأصحابَ الحَاجات … وكانت بين هذا الموظف الكبير وبين هذا الفقيد هنة من الهنات في يومٍ من الأيام، مما يكون بين الناس حين يدفعهم العمل إلى ما يُرضي ويُسخِط، وإلى ما يَسُرُّ ويَسُوء، فلم يذكر للفقيد إلا هذه الهنة، ولم يسمع إلا لما تركت في قلبه من الموجدة، ولم يلتفت إلى الأيم ولا إلى اليتيمين، ولا إلى نفسه ولا إلى الناس من حوله، ولا إلى التضامن ولا إلى التعاون، ولا إلى أنَّ الموت يمحو ما قبله، ولا إلى أنَّ من يفعل الخير لا يعدم جوازيه، ولا إلى أنَّ العُرف لا يذهب بين الله والناس، ولا إلى أن العفو عند القدرة أجمل بالرجل الكريم … لم يلتفت إلى شيء من هذا، وإنَّما التفت إلى أن في قلبه موجدة على الفقيد لم يستطع الموت أن يمحوها، فلم يرسل كتاب الرئيس المُباشر للفقيد إلى السُّلطات العُليا، وإنما أرسل إلى هذه السلطات يطلب إليها تنفيذ القانون بإعطاء هذه الأيم وابنيها ما يُستحقُّ للفقيد من مُكافأة … مكافأة تقيم أودهم أشهرًا، ثم تُسلمهم بعد ذلك إلى الشيطان، وإلى جنود الشيطان — وهي المرض والفقر والجهل — تصنع بأجسامهم وعقولهم وأخلاقهم ما تشاء!

    ***

    هذا حديث أسوقه إلى الوزراء جميعًا، وإلى الشيوخ والنواب جميعًا، وإلى المِصْريينَ الذين يُقدرون للإنسان كَرَامته وللوطن حَقَّه، فقد يَجِبُ عليهم أن يفكروا في هذه المِحْنَة وأمثالها؛ قبل أنْ يُفكروا في كثير من هذا السخف الذي يشغلون به أنفسهم. وقد ينبغي أنْ يفكروا قبل كل شيء في أن أوجب ما يجب على مصر أن تتخذ من الوسائل ما يحمي الأيامى واليتامى من الشيطان وجنود الشيطان، ومِنْ هذه القُلوب القاسية التي تستجيب للبغض أكثر مما تستجيب للحب، وتسمع لداعي القسوة أكثر مما تسمع لداعي الرَّحمة والمعروف والإحسان.

  • جنون! | Madness!

    جنون!
    طه حسين
    مجلة المصور
    ٢٣ مايو ١٩٤٧

    تحدثتُ في غير هذا المَوضع عن قصة لكاتبٍ عظيم من كُتَّاب تشكوسلوفاكيا هو «فرانز كفكا»، وهي قصة «القصر». وكنتُ أظنُّ كما يظنُّ غيري من النُقَّاد والبَاحثين أنَّ الكاتب قد اتَّخَذَ قِصَّتَهُ رَمْزًا لمُشكلة من المُشكلات العُلْيَا؛ هي مُشكلة الاتصال بين الإنسان وخَالِقِه. فالقصر قائم على ربوة مُرتفعة تنبسِط تحتها قرية مُنتشرة في أسفل الأرض، وليس من سبيل إلى أنْ يَصِلَ عامَّة الناسِ إلى هذا القصر، وإنَّما يَهبِط إلى القرية بعض الموظفين بين حينٍ وحين، ويصعب لقاء هؤلاء الموظفين على أهل القرية، ولا يرقى إلى القصر من أهل القرية إلا رُسُلٌ قليلون لا يزيد عملهم على نقل الأوامر بين القصر والقرية. وقد أقبل رجل من مكان بعيد على أنه قد عين مَسَّاحًا في هذه القَرية، ولكنه يُنفق خلاصة عمره دون أن يتسلَّم عمله، ويَبْذُل جهودًا لا تنقضي دونَ أنْ يَرْقى إلى القَصْر ليَتَسَلَّم عَمَله، أو دُون أن يَتَّصِلَ بأحد الموظفين الذين يهبطون بين حين وحين من القصر، لعله يجد عند هذا الموظف معونة على تسلُّم عمله!

    وكنت أظن كما يظنُّ غيري من النُقَّاد والباحثين أنَّ هؤلاء الموظفين الذين يستقرون في القَصر أو يهبطون إلى القرية بين حين وحين، إنَّما هُمْ رُموز للوسطاء الذين يُحاولون أنْ يَصِلُوا بين المَخْلُوق وخَالقه دون أن يبلغوا من ذلك شيئًا، ولكنَّ نظرة يسيرة إلى بعض الشئون في حياتنا المِصرية قد لفتني إلى أنه وإن يكن من الجائز أنَّ الكاتب قد أراد بقصته إلى الرَّمز، ولكن من المُحقق أنه قد صوَّر في قصته ألوانًا من حقائق الحياة في بعض البلاد التي تتعقَّد فيها البيروقراطية، وتختلط فيها شئون الإدارة، وتتسلَّط فيها جماعة قليلة من كبار الموظفين على جماعة ضخمة من صغار الموظفين، ويتسلَّط فيها أولئك وهؤلاء على شعب كامل، يُرُونَهُ النجوم في الظهر، ويذيقونه من العذاب فنونًا وألوانًا!

    ويَكْفِي أنْ تَذْهَب إلى دِيوان من دواوين الحُكومة في يومٍ منَ الأَيَّام العَادِيَّة؛ لترى ازدحام الديوان بطلاب الحاجات وأصحاب المصالح، وتجمعهم على أبواب الغُرُفات والحُجُرات، ولتَرَى من وراء أبواب هذه الغُرُفات والحجرات مُوظفين هادئين مُطْمَئنين، يُداعب بعضُهم بعضًا، ويتحدث بعضهم إلى بعض في أمورٍ ليس بينها وبين هذه الجماعات المُزدحمة صلة قريبة أو بعيدة.

    ولتراهم ينفقون اللحظات الطوال والقصار يقولون للتليفون ويسمعون منه، وهم في أثناء هذا كله يُقْبِلون على البارد والحار من شرابهم، ويستعينون على قطع أوقاتهم بتدخين السيجارة أو تدخين السيجار، والجماعات مُزدحمة مُصطخبة يشكو بعضها إلى بعض، والحُجَّاب يحولون بينها وبين الأبواب، بحيث تشهد في هذا الديوان عالمين يختلفان فيما بينهما أشد الاختلاف: عالم الموظفين الذي يأتلف من الآلهة وأنصاف الآلهة وأثلاثهم وأرباعهم، بل من أخماسهم وأسداسهم؛ وعالم الرعية الذي يأتلف من عباد الله البائسين؛ أولئك الذين يُؤدون الضرائب ويرزُقُون هؤلاء الموظفين جميعًا من جر أموالهم وثمرة أعمالهم، دون أن يستطيعوا أن يصلوا إليهم ليعرضوا عليهم ما يهمهم من المآرب والحَاجَات، فإذا ذهبت إلى هذا الدِّيوان في بعض المَواسم الخَاصَّة التي تظهر فيها حاجات الناس عنيفة مُلِحَّة كمواسِمِ دخول المَدارس مَثلًا لرَأيتَ الفَرْقَ بين هذين العالمين مروعًا خطيرًا حقًّا!

    وهذا وحده يكفي لتصوير لونٍ من ألوان الفساد في العلاقة بين الحاكمين والمحكومين؛ ولتصوير ما نستطيعُ أنْ نُسَمِّيه قلب الأوضاع، وتبديل قيم الأشياء؛ فالرَّعية هي التي تعمل وتجدُّ وتنتج وتملأ خزانة الدولة بما تؤدي إليها من الضرائب المُباشرة وغير المباشرة، وتتيح للدولة في أن ترزق الموظفين في آخر كل شهر. والرَّعية هي التي أنشأت الدولة إنشاءً، وجعلت لها حُكُومة ومُوظفين، وقَصَدَتْ بإنشاء الدَّولة وتكون الحكومة وترتيب الموظفين، إلى أنْ يكون الحُكَّام والموظفون عامة خدامًا لها، يُدَبِّرون أَمْرَها، ويَقْضُون مَصَالحها، ويُحققون منافعها، ويَسْمَعون لها إذا تكلَّمت، ويأتمرون بأمرها إذا أمرت، في حدود ما وضع من نظم وقوانين … ولكن الأوضاع تُقلب، والقيم تبدَّل، فيُصبح الموظفون سادة، وتُصبح الرَّعية عَبيدًا، ويتَحَكَّمُ المُوظفون في الشعب تَحَكُّمًا لا يصدر إلا عن السيد في تلك العصور القديمة التي كان النظام فيها يقوم على أنَّ الدولة لا تستَمِدُّ سُلطانها من الشعب، وإنَّما تستمده من الله.

    ولكن في الأمر ما هو أغرب من هذا كله، وأدنى إلى الطرافة التي لا أدري أتسر هي أم تسوء! فطبقة الموظفين لا تقسو على الشعب وحده، ولا تسخر من الشعب وحده، وإنما يقسو بعضها على بعض، ويسخر بعضها من بعض، ويهمل بعضها أمر بعض، وتنظر فإذا بعض الموظفين سادة وبعضهم الآخر عبيد، وإذا السادة من الموظفين يتحكَّمون في العبيد منهم كما يتحكَّم أولئك وهؤلاء في طبقة ثالثة مُستعبدة لأولئك وهؤلاء؛ وهي طبقة الشعب!

    هذه الطائفة من كبار الرؤساء لم يجعل القانون إليها أمور الشعب وحده، وإنما جعل إليها أمور المرءوسين الذين يُعاونونها على خدمة الشعب؛ فهِي التي تَخْتَارُهم وتضَعهم في مواضعهم، وتَكِلُ إليهم أعمالهم المُختلفة، وتكافئهم إن أحسنوا وتُعاقبهم إن أساءوا. وهي من أجل ذلك تَتَحكم فيهم كما تتحكم في الشعب، وتُغريهم بالتحكم فيمن دونهم من المُوظفين كما تتحكم هي فيمن دونها من الموظفين.

    ويَكفي أن تتحدث إلى هذا المُوظف أو ذاك، أو أنْ تَسْتَمع للموظفين وهم يتحدثون في مَكاتبهم وأنديتهم وقهواتهم؛ لتتبيَّن مقدار ما يكون من التحكم بين طبقات الموظفين، ولتتبين أنْ لا غرابة مُطلقًا في إهمال مصالح الشعب، وإنما الغرابة كل الغرابة في العناية بمصالح الشعب؛ لأنَّ كبار الموظفين وصغارهم مُشغولون بأنفسهم عن الشعب، ولأنَّ الوسائل أصبحت غايات، فلم يبقَ الموظف خادمًا للشعب، وإنما أصبحَ خَادمًا لرئيسه أولًا، ومعنيًّا بنفسه ثانيًا، ومُستخدِمًا لمن دونه ثالثًا!

    وكبار الموظفين يترضَّوْنَ الوزراء، وأوساط الموظفين يترضون كبارهم، وصغار الموظفين يترضون أوساطهم، والحُجَّاب والخدام يترضون الصغار والأوساط والكبار جميعًا.

    فإذا بقي لهؤلاء الموظفين شيء من وقت رَفَّهوا فيه عن أنفسهم، وتَحَدَّثوا فيه بما يهمهم من الأمر، وقد يتَفَضَّل بعضُهُم فيُعْنَى بمصلحة الشعب من حين إلى حين!

    وإذا كانت هذه الحال؛ فأي غرابة في أنْ تُوجد بين الموظفين طبقة المنسيين، وأي غرابة في أن تقرأ في الصحف منذ أيام أن مُوظفًا في وزارة الزراعة قد وقف عن عمله منذ ست سنين، وكُفَّ عنه مُرتبه منذ ست سنين أيضًا، ولم يُقْضَ في أمره إلى الآن، على ما كان من تَعاقُب الوزارات، وعلى أنَّ لهذا الموظف أُسرة يَجبُ أن تعيش، وأبناء يجب أن يتلعموا، وحياة يجب أن تحتمل؟!

    وأي غرابة في أن يعود موظف من مُهِمَّة كان يُؤديها خارج مصر، وينتظر منذ أكتوبر إلى الآن دون أنْ يُقال له أين أنت أو ماذا تصنع، ودون أن يكلَّف عملًا من الأعمال على كثرة إلحاحه في أن يكلَّف بعض العمل، وعلى كثرة تردده على مكاتب الكبار والأوساط والصغار من الموظفين؟!

    قوم لا يعملون، ولكنهم يترددون إلى المكاتب، ويقبضون المرتبات، ويُشغَلون بأنفسهم عن مصالح الشعب، وقوم لا يعملون، ولكنهم يقبضون مرتباتهم آخر الشهر … ومنهم من يرضى بذلك ويحمد الله على هذا الرزق الذي يُساق إليه في غير جهد، ومِنْهُم من يَذُوب قلبه حَسْرَةً لأنَّه يريد أن يعمل بمقدار ما يأخذ من أجْرٍ فلا يجد عَمَلًا! وقومٌ آخرون لا يَعْملون ولا يقبضون المُرتبات ولا يجدون ما ينفقون ولا يُخلى بينهم وبين التماس العمل؛ لأنهم موقوفون، قد علقوا بين الولاية والعزل تعليقًا!

    وهذا كله يقع، تراه الأعين وتسمعه الآذان، وتلمسه الأيدي، وتفكر فيه العقول، وتتحدث به الألسنة، وفي مصر مع ذلك برلمان يُهيمن على شئون الدولة، ويُراقب السلطة التنفيذية فيما تأتي وما تدع!

    فإذا كان هذا كله لا يدلُّ على أنَّ مصر قد جُنَّ جُنونها، وأصبحتْ في حاجة إلى البيمارستان، فلستُ أدري ماذا عسى أن يكون الجنون؟!

  • تفصيلات | Details

    تفصيلات

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ١٦ يونيو ١٩٤٥

    يُقال إنَّ حضرة صاحب الدولة رئيس الوزراء يحب التفصيلات، ويُعنَى بالدقائق الهيِّنة من الأمور، ويرى بعضُ أصدقائه وبعضُ خصومه أن هذه الخصلة من خصاله تستأهل النقد؛ لأنها تَصْرِفه عن عظائم الأمور. وأرى أنا أنها مزية من المزايا وخصلة من الخصال الحميدة؛ لأنها تدل على دقة في الملاحظة وعناية باليسير والخطير جميعًا. وقد قال العربي القديم:

    إن الأمور صغيرها مما يهيج له العظيم

    وقال القدماء: إن معظم النار من مستصغر الشرر.

    فعناية الإنسان بصغائر الأمور قد تمكنه من دفع عظائمها، واهتمام الإنسان بالأشياء اليسيرة قد تتيح له اتقاء ما يمكن أن ينشأ عنها من الأمور الجسام. وليس يُعاب الرجل حين يُعْنَى لهين من الأمور إذا كانت عنايته هذه لا تصرفه عن الاحتفال بالأمر الخطير.

    وقديمًا قال الشاعر العربي:

    والشيء تحقره وقد ينمي

    فليس على رئيس الوزراء بأس إن عُنِيَ بالتفصيلات، ما دام التفصيل لا يشغله عن الجملة، وما دام الصغير لا يصرفه عن الكبير، وإنما البأس كل البأس أن يُعْنَى رئيس الوزراء بجلائل الأعمال، فيشغله ذلك عن ملاحظة زملائه ومراقبة كبار الموظفين فيما يأتون من دقائق الأعمال وصغائرها، والبأس كل البأس أن يُعْنَى رئيس الوزراء بالدقائق والصغائر؛ فتصرفه هذه العناية عن الأمور ذات الخطر.

    والرجل الكفء حقًّا للنهوض بأعباء الحكم في هذه الأيام التي نعيش فيها وفي غيرها من الأيام أيضًا هو الذي يلائم بين واجباته كلها، فلا يهمل الصغائر التي قد تؤدي إلى الكبائر، ولا يهمل الأمور الخطيرة التي تقوم عليها شئون الحكم وسياسة الدولة.

    وقد كان ظننا — وما زال ظننا — أن رئيس الوزراء قادر على أن ينهض بأعباء الحكم على هذا النحو الممتاز، فلا تصرفه الأمور الهينة عن الأمور الجليلة، ولا تصرفه الأمور الكبرى عن المسائل اليسيرة. ولكن شئون الحكم معقدة أشد التعقيد، وظروف الحياة المصرية أثناء الحرب وفي أعقاب الحرب تزيد الأمور تعقيدًا، وتجعل تصريفها أمرًا شديد العسر حقًّا. وليس أدل على ذلك فيما يظهر من أن هناك أمورًا خطيرة وأخرى يسيرة لا يكاد رئيس الوزراء يلتفت إليها أو يقف عندها، أو قُلْ: لا يظهر أن رئيس الوزراء يلتفت إليها أو يقف عندها.

    وقد بيَّنَّا يوم الخميس الماضي أن رئيس الوزراء لا يكاد يلتفت إلى أن سفينته جانحة، وإلى أن حكومته واقفة حيث كانت يوم أُلِّفَتْ، لم تقدم مصر خطوة إلى الأمام ولم تقدم نفسها خطوة إلى الأمام، وإنما قامت حيث هي تنظر إلى الشمس حين تأتي من المشرق وتذهب إلى المغرب، وتعتمد على حركة الفلك في تصريف الأمور.

    فحياتنا الاجتماعية كما تركتها وزارة الوفد لم تتقدم حتى على الورق، نستغفر الله، بل هناك قوانين شرَّعتها وزارة الوفد وهمَّت الحكومة القائمة أن تنساها، فلما ذُكِّرَتْ بوجود هذه القوانين أرادت تنفيذها ولكن بعد أن أضاعت عامًا. وقانون محو الأمية صورة واضحة لهذا اللون من تكلف النسيان، ثم من التذكر بعد جهد، ثم من محاولة التنفيذ بعد أن مضى العام الدراسي.

    وهناك أمور أخرى أقرتها وزارة الوفد ونفذتها قبل أن تُقال، وهمَّت الوزارة القائمة أن تُغيِّرها فردَّها الرأي العام عن ذلك ردًّا عنيفًا مستعينًا على ذلك برئيس الوزراء نفسه. وقصة المجانية في وزارة المعارف، وقصة التغيير لسياسة التعليم دليل واضح على هذا اللون من الرجعية الذي اضطرت وزارة المعارف إلى العدول عنه اضطرارًا.

    فالوزارة القائمة إذن لم تقدم حياتنا الاجتماعية خطوة، وإنما همت أن تؤخرها خطوات، وحَالَ الرأيُ العام بينها وبين ذلك حتى أصبح من أشد الخصومة بينها وبين الرأي العام هذا الجدل، أو قُلْ هذا الصراع الذي يدور حول احتفاظ الشعب بالحقوق المكتسبة، ومنع الغلاة من كبار الموظفين وصغارهم أن يضيعوا هذه الحقوق أو ينقصوها.

    وقد كان يُظَنُّ أننا سنختلف ونختصم لا حول الدفاع عما كسبنا واستبقاء ما ظفرنا به، ولكن حول ما ستُقدِّم إلينا الوزارة القائمة من ألوان الإصلاح ومشروعات القوانين.

    كل هذا إن دلَّ على شيء، فإنما يدل على أن شئون الحكم في هذه الأيام معقدة تشغل رئيس الحكومة عن كثير من الأمور الخطيرة، وتشغله بنوع خاص عن أن حكومته راكدة جامدة لا تقوم ولا تتقدم، ولكن قد تكون الدقائق والتفصيلات هي التي ملأت على رئيس الوزراء وقته، وحالت بينه وبين التفكير في المسائل الكبرى وتوجيه الزملاء إلى النشاط الخصب والابتكار الذي يدفع مصر إلى حياة رائعة لم تستطع وزارة أخرى أن تدفع مصر إليها.

    قد تكون هذه التفصيلات هي التي شغلت رئيس الوزراء، فحملته على أن يُصْلِح أداة الحكم، ويُبرِّئها من كل عيب، ويُقوِّمها من كل اعوجاج؛ ليدفعها بعد ذلك دفعًا قويًّا إلى الابتكار والاختراع والإنتاج الذي لا يُقاوَم.

    فهل هذا صحيح؟! أم هل الواقع أن رئيس الوزراء مشغول حتى عن التفصيلات؟!

    فهناك أمور يسيرة في ظاهرها، خطيرة في حقائقها وفي نتائجها تحدث وتحدث، ويتخذها الناس موضوعًا لما يُجْرون بينهم من حوار، وتخوض فيها الصحف وتحقق في بعضها النيابة. ولو التفت إليها رئيس الوزراء لما وقعت ولا كثر فيها القول، ولا خاضت فيها الصحف ولا احتاجت النيابة إلى التحقيق.

    هذه القصة التي تُضاف إلى هذا الوزير أو ذاك يسيرة في نفسها لو التفت رئيس الوزراء إلى التفصيلات لما وقعت؛ فقد رأيت رئيس الوزراء وهو يعمل في وزارة المعارف فلا يفوته من أمرها شيء، ولا يفوته تأخر الموظف دقائق عن موعد العمل، ولا يفوته خروج الموظف قبل موعد الخروج بدقائق، ولا يفوته أيسر الإهمال في العمل فضلًا عن الإهمال في الخطر.

    فما الذي حدث حتى شُغِلَ رئيس الوزراء عن ملاحظة هذه التفصيلات التي يحدث بعضها في وزارة الداخلية نفسها، ويحدث بعضها الآخر في غيرها من الوزارات، ويكثر فيها القول ويشتد حولها الحوار، ويفسد لها الجو وتسوء لها سمعة الحكم في نفس الوقت الذي يُقال فيه إن هذه الوزارة إنما جاءت لتصلح الحكم وتعصم سمعته من السوء؟!

    وكيف استطاع رئيس الوزراء أن يُشغَل عن التفصيلات إلى حد أن الصحف تطالب في كل يوم زميلًا من زملائه أو غير زميل من زملائه بالاستقالة إبقاءً على سمعة الحكم، وتمكينًا للتحقيق من أن يجري في أمن ويسر وبراءة من كل نقد؟!

    وكيف استطاع رئيس الوزراء أن يهمل التفصيلات إلى حد أن تجري المناقشة العلنية في الصحف بين زملائه وبين الصحفيين الذين يضيفون إليهم ما يضيفون، ويضطرونهم إلى أن يكتبوا في الصحف مدافعين عن أنفسهم، حتى إذا لم يُغْنِ هذا الدفاع لجئوا إلى النيابة وما تجري من تحقيق؟!

    ورئيس الوزراء يقرأ في الصحف كما نقرأ نحن بالطبع هذه القصة الطريفة التي تُمثَّل بين زميله وزير العدل وبين وكيل من وكلاء النيابة في المحاكم المختلطة، وهي قصة أقل ما تُوصَف به أنها تصلح للتمثيل من جهة، وتدل على أن سمعة الحكم وهيبة السلطان قد أدركهما ضعف شديد.

    فوكيل النيابة يُعيَّن بمرسوم كغيره من زملائه، ثم يصدر القانون — أو المرسوم بقانون — الذي يلغي استثناءات الوزارة الوفدية، ويمضي على صدور هذا القانون وقت طويل لا يُعَدُّ بالأيام ولا بالأسابيع وإنما يُعَدُّ بالشهور، ثم تتنبَّه وزارة العدل فجاءة إلى وكيل النيابة هذا، فيُطلَب إليه أن يستقيل فيأبى، ويُعرَض عليه النقل فيأبى، ويُهمَل أمره وقتًا ما، ثم يُنقَل إلى ديوان الوزارة ويُخَفَّض مرتبه مرتين، ويأبى هو جهرة أن يذعن لقرار الوزير أو لقرارات الوزير، كما يأبى سرًّا أن يُنقَل أو يستقيل، ثم يصبح الأمر كله مُعْلَنًا في الصحف، وإذا وكيل النيابة يرى أن قانون الاستثناءات لا يجري عليه؛ لأنه لم يُعيَّن استثناءً، ولم يكن تعيينه لاحقًا لترقية استثنائية، وإذا وكيل النيابة يرى أنه عُيِّن في منصبه بمرسوم، فلا يجوز إبعاده عن منصبه بقرار من الوزير.

    وإذا هو يُفصِّل ذلك في الصحف تفصيلًا، ويرفض النهوض بعمله الجديد، ويطالب الوزارة بأن تُبيِّن له حكم الله وحكم القانون في كل ما اتخذ من إجراء حين كان وكيلًا للنيابة بين نوفمبر من السنة الماضية ويونيو من هذه السنة، أكانت تصرفاته باطلة في هذه المدة؛ لأن الوزارة ترى أن تعيينه كان باطلًا منذ صدور قانون للاستثناء؛ وإذن فما أكثر ما تحتمل الوزارة من تبعات! أم كانت تصرفاته صحيحة؛ وإذن ففِيمَ إبعاده عن منصبه؟!

    وبينما الناس يتحدثون في هذه القصة الطريفة، ويلتمسون لها التأويل والتعليل، وإذا الفصل الثاني من فصول هذه القصة يظهر للناس، فالوزير يغضب من عصيان وكيل النيابة هذا، ومن إعلان هذا العصيان في الصحف، ومن الألفاظ الشديدة التي وُجِّهَتْ إليه وإلى زميل من زملائه، وهو من أجل ذلك يحيل هذا الموظف على مجلس التأديب. ولكن الموظف لا يذعن للقرار الأخير، ولا يمثل أمام مجلس التأديب؛ لأنه يرى تصرف الوزير باطلًا في هذا أيضًا كما كان باطلًا في غيره من القرارات، وأن المجلس المختص بتأديبه هو الذي يؤدب أعضاء الهيئة القضائية؛ لأن صاحبنا ما زال يرى نفسه وكيلًا للنيابة على رغم ما اتخذ الوزير من القرارات. وصاحبنا يتهم الوزير بمخالفة الدستور، ومخالفة قانون استقلال القضاء، ومخالفة قانون إلغاء الاستثناءات، فضلًا عن تعطيل مراسيم أخرى لا تحضرني الآن.

    وصاحبنا يتهم الوزير بأنه اختصه بهذه المعاملة دون جماعة من زملائه كان يجب أن يُطبَّق عليهم قانون إلغاء الاستثناءات، ولكنه لم يُطبَّق عليهم.

    ورئيس الوزراء قد قرأ هذا كله بالطبع كما قرأناه، وهو يعلم كما نعلم أن هذا كله خطير وإن كان مضحكًا، أو أن هذا كله خطير لأنه مضحك؛ فمن أشد الأشياء خطرًا أن يُضطَر الناس إلى الضحك من تصرف الوزراء، أو مما يُقال حول تصرف الوزراء، فإذا كان هؤلاء الوزراء يقومون على إجراء العدل وحمايته كان الأمر أشد خطرًا وأبعد في الحياة أثرًا.

    فكيف شُغِل رئيس الوزراء عن هذه التفصيلات؟! وما عسى أن تكون المسائل الكبرى التي شغلته عنها وتركت زملاءه وموظفيه يذهبون في الحكم هذه المذاهب التي تفسد رأي الناس فيه؟! أيكون رئيس الوزراء مشغولًا بمفاوضة حلفائنا في تعديل المعاهدة وفي تحديد موعد للجلاء عن أرض الوطن وفي تحرير السودان، وهو من أجل ذلك لا يستطيع أن يفرغ لهذه الصغائر؟! وإذن فلا أقل من أن يجمع زملاءه ويتقدم إليهم حازمًا جازمًا صارمًا من أن يصطنعوا الدقة والعدل والقصد والإنصاف فيما يأتون وما يدعون من الأمر.

    ولكن رئيس الوزراء لا يفاوض في هذه المسائل الكبرى ولا فيما يشبهها، وإنما يفاوض في اتفاق الطيران. وإذن؛ فما الذي يشغله عن هذه التفصيلات؟!

    وهل قرأ رئيس الوزراء كما قرأنا ما تكتبه بعض صحف الحزب الذي يرأسه وما يكتبه بعض أعضاء هذا الحزب، مما يصور التبرم بشئون الحكم والسخط على السياسة القائمة؟! وكيف يرضى رئيس الوزراء عن نفسه وعن حكمه، وهو لا يعالج المسائل الكبرى، ولا يراقب المسائل الصغرى، ولا يرضي أصدقاءه فضلًا عن أن يرضي خصومه؟! وهل أصبح رئيس الوزراء كغيره من الرؤساء الذين كنا نعيبهم معًا لأنهم يقنعون من المنصب بالمنصب، ومن تصريف الأمور بالاختلاف إلى الديوان وتوقيع بعض الأوراق؟!

    وإذا لم يكن من حق مصر على رئيس الوزراء أن يستأنف النظر في أمر وزارته وسياسته، فنظن أن من حق رئيس الوزراء على نفسه أن يعيد النظر فيما يقدم من أمره، وأن يحسن التفكير فيما سيستقبل من أمره أيضًا؛ فإن مصر كغيرها من بلاد الأرض تعيش في أيام خطيرة حرجة لا يكفي فيها للنهوض بأعباء الحكم أن يتردد الوزراء والموظفون بين الدُّور والدواوين.

  • النصح الضائع | Advice Wasted

    النصح الضائع
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ٧ يونيو ١٩٤٥

    هو الذي ألحَّ في تقديمه إلى وزارة المعارف ألَّا تشق على نفسها ولا على الناس بالغلو في الاستماع للبيداجوجيا، والإغراق في الاستجابة إلى ما تدعو إليه من هذا التحذق الذي لا يغني، والتألق الذي لا يُجدي، والتلكؤ الذي لا يفيد. فليست البيداجوجيا في آخر الأمر إلَّا فنًّا ناشئًا لم يبلغ بعدُ أن يكون علمًا، ولا أن يستكشف القوانين التي يمكن أن تطمئن إليها أجيال الناس على اختلاف البيئات والظروف، وإن كثر الكلام في البيداجوجيا منذ قرون وقرون.

    فكرت في هذا حين قرأت حديثًا أذاعته الأهرام يوم الثلاثاء لوزير المعارف، وكنت قد فكرت في هذا منذ أسابيع حين قرأت حديثًا أذاعته الأهرام لموظف مسئول من موظفي وزارة المعارف، ثم عدلت عن ذلك التفكير لأن وزارة المعارف كذبت ذلك الحديث تكذيبًا قاطعًا عنيفًا. وكنت أقدِّر أن وزارة المعارف ستكذِّب الحديث الثاني كما كذبت الحديث الأول، ولكنها لم تفعل مع أن الحديثين يلتقيان التقاءً غريبًا لا يكادان يختلفان إلَّا في تعليم اللغة الأجنبية متى يبدأ وأين يكون.

    وأكبر الظن أن الموظف المسئول لو ترك الإشارة إلى اللغات الأجنبية لما تعرض حديثه للتكذيب؛ فتعلم اللغات الأجنبية أمرٌ شائك يحسن ألَّا تتعرض له الوزارة إلَّا بعد البيان المفصل والتمهيد الذي يحسن الاطمئنان إليه. والشيء المهم هو أن وزير المعارف تحدَّث إلى الأهرام عن أمور التعليم، وقسَّم هذه الأمور إلى أمورٍ عاجلة يحسن الفصل فيها في جزم وإسراع، وأمور آجلة يحسن النظر إليها في روية وأناةٍ.

    ووزير المعارف ساخطٌ أشد السخط على الأمور العاجلة، مرتاع أشد الارتياع لما تعرض له التعليم من فساد؛ لأن وزارة المعارف — فيما يظهر — قد عالجت أمور التعليم في تسرُّع وارتجال، فأجرت الأمور كما يقتضي التسرُّع لا كما تقتضي المصلحة.

    ويكفي أن تعلم أن بعض المدارس قد أنشئ لخمسمائة من التلاميذ، فحشر فيه أكثر من ألف، وأن الفصول التي لا ينبغي أن يزيد التلاميذ فيها على ثلاثين قد نيف التلاميذ فيها على الخمسين، وأن الأدوات المدرسية والكتب لم تقدم إلى التلاميذ في إبانها، وأن الأساتذة كانوا أقل مما ينبغي بالقياس إلى عدد التلاميذ، ويمكن أن نضيف إلى ذلك أن التلاميذ لم يكونوا يجلسون على الكراسي ما ينبغي أن يجلسوا عليه من المقاعد النظامية الثابتة، وإنما كانت تُجلب لهم الكراسي من هنا وهناك، وأنهم لم يكونوا يجدون من الشوَك والسكاكين ما يمكنهم من أن يأكلوا كما ينبغي أن يأكل المترفون.

    وأظنك توافقني على أن الموظف المسئول الذي كُذِّب حديثه تكذيبًا عنيفًا، والوزير الذي لم يُكذَّب حديثه، وأصحاب النشرات التي كانت تذاع هنا وهناك بين حين وحين، لم يقولوا شيئًا جديدًا؛ فالشكوى من ضيق المدارس، وازدحام الفصول، وقلة المعلمين، وعجز الدولة عن مواجهة الحاجة المتزايدة إلى التعليم؛ كل ذلك شيءٌ قديم، أقدم جدًّا من نهوض وزير المعارف وأعوانه بشئون التعليم. تراه مسطورًا في تقرير صاحب السعادة، حافظ عفيفي باشا، على هامش السياسة الذي نشره بعد ذلك التقرير بوقت قصير، وتراه مسطورًا في مئات من المقالات وعشرات من التقارير نشرت منذ نهضت مصر بشئون التعليم. فالكلام في هذا كله حديث معادٌ، كالكلام في أن قرى الريف لا تشرب الماء النقي، ولا تأكل الطعام الشهي، ولا تلبس الثياب التي تأمن البلى، وتقي الأجسام عادية الحر والبرد.

    ومصدر الإعادة والإبداء في هذه الأحاديث التي لا تريد أن تنقضي ولا تعلم الناس جديدًا، هو التناقض بين ما تريد البيداجوجيا وما تريده الحياة المصرية، فالبيداجوجيا تريد أن تكون شئون التعليم مفصلة تفصيلًا دقيقًا على قد هذا النظام الذي وضعه هذا المربي أو ذاك، معتمدًا في وضعه على خياله الخصب، أو على تفكيره الصحيح، أو على تجربته الناقصة، أو على كل أولئك جميعًا، والحياة المصرية تريد أن يتعلم الشعب، وأن يتعلم الشعب كله، وأن يتعلم في أسرع وقت، وأن يخرج من الجهل مهما تكن الوسيلة التي تخرجه من هذا الجهل. فالفرق بيننا وبين وزير المعارف وأعوانه، هو أننا نستجيب للشعب، ونرضي حاجته إلى التعليم ما وجدنا إلى ذلك سبيلًا، وأنهم يستجيبون للبيداجوجيا، ويرضون حاجتها إلى التأنق والتحذق ما وجدوا إلى ذلك سبيلًا.

    ولست أدري ماذا يقول الجائعون من المصريين لو أصدرت إليهم الدولة أمرًا ألَّا يأكلوا حتى يقدَّم إليهم الطعام الملائم، وماذا يقول الظامئون من المصريين إن أصدرت إليهم الدولة أمرًا ألَّا يشربوا حتى يقدم إليهم الماء النقي! أيذعنون لهذا الأمر أم يجدونه شططًا وعبثًا ولغوًا من القول، بل أنا أعلم أن الدولة لن تتقدم إلى الجائعين والظامئين في شيءٍ من ذلك؛ لأن الدولة أعقل من أن تتقدم إليهم في أن يموتوا، ولكن أصحاب البيداجوجيا يخيلون إلى وزير المعارف أن الدولة تستطيع أن تتقدم إلى الناس في ألَّا يُعلِّموا أبناءهم حتى تُهيَّأ لهم المدارس والفصول والمقاعد والشوَك والسكاكين كما تريد البيداجوجيا أن تكون كل هذه الأشياء.

    وتعليل ذلك يسير، فالجائعون والظامئون معرضون للموت إن طال عليهم الجوع والظمأ، ولذلك لا يستطيع أحدٌ أن يأمر الجائعين والظامئين بالانتظار، والجاهلون غير معرضين للموت إن طال عليهم الجهل، ولذلك يمكن أن يؤمروا بانتظار التعليم الذي يلائم تأنق البيداجوجيا وتحذقها، وفي هذا الانتظار مزية لا يستهان بها، فهو يؤجل انتشار التعليم، وانتشار التعليم خطرٌ كما تعلم؛ لأنه يعصم الشعب من الاستغلال والاستذلال. وإذا صبر الجائع على الجوع، وصبر الظامئ على الظمأ مات موتًا معنويًّا لا تراه البيداجوجيا ولا تنكره؛ لأن البيداجوجيا لا تُعنى بالإنسان إلَّا حين يذهب إلى المدرسة، وما دام الإنسان بعيدًا عن المدرسة، فالبيداجوجيا مستريحة مطمئنة تداعب الخيال، وتبني القصور في إسبانيا، وترسم المناهج والبرامج والخطط لتعليم ليس من الضروري أن يُنشر الآن، ولكن من الممكن أن يُنشر في يوم من الأيام.

    وأغرب ما في هذا الأمر أن الذين يفرغون لهذه البيداجوجيا، ويريدون أن يضطروا الشعب إلى الجهل والغفلة حتى ترضى، ينسون أن أجيالًا كثيرة جدًّا من الناس لم تتعلم على أصول هذه البيداجوجيا؛ لأن هذه الأصول تتغير وتتجدد في كل جيل، ولو انتظر الناس أن تُهيأ لهم البيداجوجيا المغرورة تعليمًا صحيحًا لطال الانتظار، ولسيطر الجهل والغباء على العقول، ولكن الناس لم ينتظروا ولن ينتظروا، وإنما تعلموا وتركوا البيداجوجيا تقول ما تشاء، واستمعوا لها حينًا، وأعرضوا عنها في أكثر الأحيان.

    فليصنع وزير المعارف كما صنع الناس، وليستمع للبيداجوجيا قليلًا، وليعرض عنها كثيرًا، فليس كل ما تقوله نافعًا ولا مفيدًا. وقد وعدنا وزير المعارف بأنه قد هيأ للتعليم كل شيء، وأنه واثقٌ بأن أمور التعليم ستجري على خير ما تحب البيداجوجيا منذ السنة المقبلة. ووزير المعارف متفائلٌ جدًّا، وما دام هذا التفاؤل يرضيه فلن نصده عنه. والشيء المحقق أن العام المقبل سيكون كالعام الماضي وكالأعوام الماضية، وسيزدحم التلاميذ على المدارس حتى تضيق، وعلى الفصول حتى تكتظ، وعلى الأساتذة حتى يكلوا. ولسنا نرى بذلك بأسًا، وإنما ننظر إليه كما ننظر إلى إقبال الجائعين على الطعام الذي لا يكفي، وكما ننظر إلى إقبال الظامئين على الماء الذي لم يَصْفُ، ولا نرى لهذه المشكلات كلها حلًّا إلَّا أن تأخذ الدولة أمرها بالحزم، فتفرض الضرائب التي تُمكِّن من محاربة الجهل والفقر والمرض حربًا مجدية.

    وأظرف ما في حديث وزير المعارف آراؤه في أمور التعليم الآجلة التي يمكن أن تدرس في روية وأناة؛ فوزير المعارف متفائلٌ جدًّا، يريد أن يرسم للتعليم سياسة تسير عليها مصر ربع قرن، ولم لا تسير عليها نصف قرن، ولم لا تسير عليها قرنًا أو قرنين؟ كل شيءٍ ممكن، ومن الممكن أن يرسم للتعليم سياسة لا تسير عليها مصر يومًا واحدًا، فوزير المعارف قد نسي أن وزيرًا سبقه، فرسم للتعليم سياسةً لم يحدد لها زمنًا طويلًا أو قصيرًا، وعرض هذه السياسة على مجلس البرلمان فناقشها وأقرَّها، وكان المنتظر أن تُجرِّبها مصر ما دامت قد صدرت عن اتفاق الحكومة والبرلمان، ولكن وزير المعارف القائم لم يرضَ عن هذه السياسة، ولم يحفل بإقرار الحكومة والبرلمان لهذه السياسة، فعدل عنها دون أن يجربها، وأخذ يرسم سياسته الجديدة التي ستسير عليها مصر ربع قرن، فهل يأمن وزير المعارف أن يكون مصير سياسته الجديدة كمصير السياسة التي أقرها البرلمان، وأن تأتي حكومة بعد وقت يقصر أو يطول فتعدل عن هذه السياسة التي يرسمها كما عدل هو عن السياسة التي رسمها غيره، وما دامت قرارات البرلمان لا تلزم الحكومات، فالحكومات في حلٍّ من أن تصنع ما تشاء. والشيء الذي أؤكده لوزير المعارف هو أنه حين يرسم سياسته إنما يكتب على الريح، وينقش على الماء، وستغير الحكومة المقبلة كل ما صنع إلَّا أن يأخذ على الأيام عهدًا بأنه سيظل في الحكم ربع قرن.

    وبعدُ، فإن السياسة التي يرسمها، والتي تحدث بجملتها إلى الأهرام لا ينبغي أن تعيش ربع قرن، ولا خمس سنين، ولا سنة واحدة، ولا ينبغي أن يبدأ فيها؛ فإصلاح التعليم الإلزامي شيءٌ قد اتفق الناس جميعًا عليه، فليس هو من السياسة الجديدة، ولكن وزير المعارف يريد أن يحوِّل هذا التعليم إلى تعليم ابتدائي، وأن يجعله شعبيًّا واحدًا للناس جميعًا. وما دامت وزارة الوفد قد قررت مجانية التعليم الابتدائي، فليس لذلك معنًى إلَّا أن التعليم الابتدائي قد أصبح تعليمًا شعبيًّا.

    والذين أشاروا على وزير المعارف بهذا كله قد جاروا به عن القصد، وانحرفوا به عن سواء السبيل. ولست أدري أنصحوا له في ذلك أم لم ينصحوا، فوزارة الوفد حين قررت المجانية في التعليم الابتدائي إنما أرادت قبل كل شيء إلى تقرير المجانية في التعليم الثانوي، ثم في التعليم العالي؛ لأنها أرادت أن يكون التعليم كله شعبيًّا مهما تختلف فروعه ودرجاته، وأن يكون التحاق الناس بفروع التعليم ودرجاته حرًّا طلقًا لا تقيده إلَّا الكفاية، ولا يحده إلَّا الاستعداد.

    فالذين خيلوا لوزير المعارف ما خيلوا إنما أرادوا أن يلغوا المجانية التي قررتها وزارة الوفد، فهم يدعون أنهم سيحوِّلون التعليم الإلزامي إلى تعليم ابتدائي، ومن حيث إن التعليم الإلزامي مجاني بحكم الدستور فما عملته وزارة الوفد لا حاجة إليه.

    ولكن هذا التعليم الابتدائي لن يُلغى في حقيقة الأمر، فسينشأ مكانه التعليم المتوسط، وسيكون هذا التعليم بالمصروفات. وسنعود إذن إلى وجود تعليم لا هو بالإلزامي ولا هو بالثانوي، ولكنه شيءٌ بين ذلك. وليس هذا هو المهم، وإنما المهم أنه سيكون بالمصروفات، وستُمحى هذه الخطوة التي خطتها وزارة الوفد.

    وأظرف من هذا أن الذين أشاروا على وزير المعارف كانوا يرون منذ زمن بعيد أن يُلغى تعليم اللغات الأجنبية في المدارس الابتدائية لأسباب تقتضيها البيداجوجيا، وكأنهم همُّوا بذلك فاعترضتهم بعض العقاب فوجدوا الحل، وأي شيءٍ أيسرُ من وجود الحلول؟ سيسمى التعليم الإلزامي تعليمًا ابتدائيًّا، وليس في التعليم الإلزامي لغة أجنبية، فليس في التعليم الابتدائي الجديد لغةٌ أجنبيةٌ. وكذلك ترضى البيداجوجيا بالألفاظ إن لم تستطع أن تظفر بالحقائق، وسينشأ التعليم المتوسط ليقوم مقام التعليم الابتدائي، وستدرس فيه اللغات الأجنبية كما تدرس الآن في التعليم الابتدائي، وسيرضى أنصار هذه اللغات الحقائق الواقعة وما يعنيهم أن تغير بالألفاظ والأسماء.

    ليصدقني وزير المعارف أن أمور التعليم في مصر أيسرُ جدًّا مما تخيل إليه البيداجوجيا المعقدة! شعبٌ يشكو الجهل ويريد أن يخلص منه في ظل الديمقراطية الصحيحة، فهو محتاج إلى تعليم إلزامي صالح منوع كما رسمه نجيب الهلالي باشا، وهذا التعليم مجاني بحكم الدستور، ثم هو محتاج إلى تعليم عام صالح يجب أن يمكن منه، وألَّا يُرد عنه لأسباب تتصل بالثروة أو بالطبقة، فليكن مجانيًّا كما أراد الوفد أن يكون، وكما يريد الشعب أن يكون. وهو محتاج إلى تعليم عالٍ يكون له الصفوة التي تدبر أمره، وتنهض بمصالحه، فليكن له هذا التعليم، وليكن مجانيًّا أيضًا؛ لأن هذا هو الاتجاه الديمقراطي الذي تتجه إليه الدنيا كلها.

    وهو محتاج إلى تعليم فني منوع كما رسمه نجيب الهلالي باشا، فلينشأ له هذا التعليم، وليكن مجانيًّا كما هو في أقطار الأرض كلها. وإذا لم يكن بدٌّ من أن تتعب وزارة المعارف، فلتتعب في رسم المناهج والبرامج الملائمة للحياة الجديدة، ولتأخذ الأمور من حيث تركها نجيب الهلالي باشا، فهي إن فعلت احترمت قرار البرلمان أولًا، وضمنت لسياسة التعليم الارتفاع عن الحزبية ثانيًا، وضمنت لها الاتصال ثالثًا، وعصمت مصر من ضياع الوقت والجهد، فأمور مصر صائرة دائمًا إلى الشعب، وكلمة الشعب آخر الأمر هي العليا.

    فالخير أن نواجه الأمور في صراحة واستقامة وإخلاص، فلا بدَّ مما ليس منه بد، والشيء الذي ليس منه بدٌّ سواء أردنا أو لم نرد هو أن الشعب يريد أن يتعلم، وأن يتعلم في أسرع وقت ممكن، وألَّا يجد في سبيل هذا التعليم صعابًا ولا عقابًا، فإن وجدها سيقتحمها، وسيظهر عليها كما يظهر السيل آخر الأمر على ما يعترضه من الصخور.

  • بين الأدب والسياسة فن من النقد السياسي | Between Literature and Politics: An Art of Political Criticism

    حديث الوادي: بين الأدب والسياسة فن من النقد السياسي

    طه حسين

    جريدة الوادي

    ٢٤ أكتوبر ١٩٣٤

    لا ينشر في الصحف ولا في المجلات، ولا تنطلق به ألسنة الخطباء في مجالس النواب والشيوخ أو في المجامع العامة، ولا تجري به الأحاديث في الأندية الخاصَّة وغُرفات الاستقبال، وإنَّما يكونُ حوارًا بين اثنين أو ثلاثة، أو أكثر من ذلك، في مَلَاعِب التَّمثيل.

    وقد فهمتَ عني من غير شك أني أريد أن أتحدث عن التمثيل الذي يعرض للشئون السياسية فينالها بالنقد الثقيل العنيف أو بالنقد الرشيق الخفيف، ولكني مع ذلك لا أُريد أنْ أَتَحَدَّث عن التمثيل السياسي من حيث هو؛ فالتَّمْثِيلُ السياسي كثيرٌ مُختلف شديدُ التنوع، وعهد الناس به قديم، ولعله كان أسبق جدًّا إلى التأثير في الحياة السياسية العامة من صاحبة الجلالة الصحافة، ولعله كان أسبق إلى التأثير في السياسة من الخطب البرلمانية، كما نعرفها في العصر الحديث.

    والذين يعرفون الشاعر الممثل اليوناني أرسطوفان ويذوقون قصصه السياسية، ويعرفون من أسرار هذه القصص ومن أخبارها ما نقله إلينا التاريخ، يعلمون حق العِلم أنَّ المَلْعَب سبق إلى التأثير في الحياة السياسية منذ خمسة وعشرين قرنًا، قبلَ أنْ يخطر للناس المُتحضرين أن صاحبة الجلالة الصحافة تستطيع أنْ توجِد أو أن تُحدِث في الحياة العامة أثرًا قويًّا أو ضعيفًا.

    وكثير جدًّا من الذين سيقرءون هذا الفصل يعلمون من غير شك أنَّ أرسطوفان كان أرستقراطي الهوى، وكان شديد الضيق بالديمقراطية في أثينا، وبالديمقراطية المُتطرفة بنوع خاص، وكان مُسرفًا في مُهَاجَمَة الزُّعماء الديمقراطيين في كثير من قصصه التي الآن يشهدها الأثينيون جميعًا، فكانَ يُضحِك الجمهور الأثيني من نفسه، ويَعْبَثُ بالنظام الديمقراطي ما وَسِعَه العَبَثُ، وكثيرًا ما كان ينتهي إلى إحفاظ الزُّعماء الدِّيمقراطيين، وخُطباء الشعب منهم بنوع خاصٍّ.

    ولعله قد أدى ثمن ذلك غاليًا، ولم يستمتع بحريته الفنية، ولم يضحك الجمهور اللاتيني من ديمقراطيته التي كان يُحِبُّها أشد الحب دون أن يحتمل في ذلك شيئًا من الأذى، ودون أن يرصد له خصومه من زعماء الديمقراطية من كان ينتظره في بعض الطريق ليشبعه ضربًا ولكمًا، ويُسمعه ما يكره، ويُعرِّضه من الأذى لما كان يخاف إذا خلا إلى نفسه، ولمن كان ينسى إذا تلقى الوحي عن شيطانه، أو إذا أراد أن يلهي الجمهور.

    وهم يعلمون من غير شك أنَّ هؤلاء اللاتينيين كانوا يَخْتَلِفُون إلى الملعب، ويضحكون منْ أنْفُسِهم مع الضَّاحكين، ويعجبون مع المُعجبين، ويعفون في أكثر الأحيان، ولكنهم كانوا يَضيقون من حين إلى حين؛ فيعبثون بجسم الشاعر العظيم كما كان يعبث بمكانتهم وزعامتهم وبيانهم، وحسن أثرهم في الجماعات.

    وليسَ من الإسراف أنْ تزعم، أو أنْ تُؤَكِّد أنَّ التَّمثيل لم يسبق صاحبة الجلالة الصحافة إلى النقد السياسي وحده، بل سبقها إلى النقد الأدبي أيضًا، وكان أرسطوفان هو بطل هذا السبق؛ فكما أنَّ الذين يقرءون قصة الشعب يرون فيها النقد السياسي اللاذع، فالذين يقرءون قصة الضفادع يرون فيها النقد الأدبي البديع الذي قد نَعْرِضُ له في يوم من الأيام.

    بل لسنا نُسْرِفُ أيضًا حين نُؤكد أنَّ التَّمْثِيل قد سَبَق صاحبة الجلالة الصحافة إلى النقد الفلسفي، سواء في ذلك النقد الفلسفي الذي يعتمد على الجد، والنقد الفلسفي الذي يعتمد على الهزل والمزاح، فأمَّا أوربيد، صاحب التراجيديا والمُنتهي بها إلى طور الكمال عند اليونان، فكان ناقدًا فلسفيًّا جادًّا، أو قُل: كان فيلسوف الملعب.

    وأما أرسطوفان فيكفي أنْ تقرأ له قصة السحاب لترى كيف عبث بالفلسفة والفلاسفة، وكيف أضحك الناس من زعيم الفلسفة سقراط. فالتمثيل إذن صديق النقد من زمن بعيد، والتمثيل المضحك خاصة هو الذي أسس النقد العام الذي يَشترِك فيه الجمهور، أو الذي يُوجَّه إلى الجمهور لا إلى الأخصائيين. وقد مَضَى التمثيل المُضحك في سنته هذه على اختلاف العصور لم يتحول عنها، ولم يغير مذهبه فيها، وإنما تأثر بما كان يحيط به من الظروف، فأنتَ واجدٌ عند موليير من النَّقد السِّياسي والفَلْسَفي والأدَبي مثل ما تجده عند أرسطوفان، مع مُلاحظة الفرق بين هذين الرجلين العظيمين اللذين كان يعيش أحدهما في ظل الديمقراطية اليونانية الحرة، وكان يعيش ثانيهما في ظل لويس الرابع عشر.

    لستُ إذن أريدُ أنْ أَتَحَدَّث عن هذا النَّحو من النَّقد التمثيلي العام الذي يعرفه الناس جميعًا، ويرون آثاره في كل تمثيل خليق بهذا الاسم، إنَّما أُريد أنْ أَتَحَدَّث عن فنٍّ خاصٍّ من فنون النَّقد التمثيلي يمس نواحي ضيقة أشدَّ الضيق من الحياة السياسية العَامَّة، هو هذا الذي تراه فيما ترك الكاتب الفرنسي العظيم كورتلين من هذه الآيات التمثيلية البديعة القصيرة، التي لا تكاد الواحدة منها تجاوز فصلًا واحدًا في أكثر الأحيان.

    فكورتلين كما يعرفه الناس صاحب فكاهة وهزل، أو هو الكاتب الفرنسي الحديث الذي تفوق في الفكاهة والهزل، وترك فيهما الآيات الخالدة، بعضها في صورة القصص، وبعضها في صورة التمثيل، ولكنه عُني في تمثيله بنقد النَّاحية القانونية والقضائية عناية خاصة، فلا نكادُ نقرأ له قصة من هذه القصص القصار إلا رأيتها قد اتخذت لنفسها مَوضُوعًا يمس القضاء، أو يمس الشرطة، ويمس القانون، وقد يمس الجيش أحيانًا، وقد يمس بعض النواحي التي تتصل بالحياة الاجتماعية والخلقية أحيانًا أخرى.

    ولكن عنايته بالشرطة والقضاء والقانون مُمتازة حقًّا، وهو قد أتى فيها بالآيات البينات، ولستُ أتَحَدَّثُ عن هذا النحو من التمثيل لأُبَيِّن عمَّا فيه من الجَمَال الفني، فذلك شَيءٌ قد أعرض له في غير هذا المكان، إنما أريد أن أبين ما فيه من هذه الحرية السياسية الممتازة التي يستمتع بها الأدب في البلاد التي تعرف للحرية حقها، والتي تراها ضرورة من ضرورات الحياة العامة، كما أنَّ الهواء ضرورة من ضرورات الحياة الطبيعية.

    ولقد أحبُّ أن يقرأ قضاتنا ورجالُ النيابة عندنا ورؤساء الشرطة بعض هذه القصص، وأن يقدروا أنها تُمثَّل في الملاعب، وفي أكبر الملاعب الفرنسية، في بيت موليير خاصة، ويشهدها الشعب الفرنسي مُتهالكًا عليها، مفتونًا بها، ويسبق رجال القضاء والنيابة والشرطة إلى شهودها والاستمتاع بما فيها من الفكاهة والهزل، دون أن يتعرض الكاتِبُ لشيء مما يتعرض له أشد كُتَّابنا احترامًا للقضاء والنيابة والشرطة، وأعظمهم حِرْصًا على أنْ لا ينال رجال هذه النظم المُقدسة بما يؤذيهم.

    إنهم إن فعلوا هونوا على أنفسهم، وعلى النَّاس، وابتسموا للحياة، وأبَاحُوا للنَّاس أنْ يَبْتَسِموا لها، وعرفوا أنَّ جلال النُّظم العُليا لا يأتيها من التشدد ودقة الحس والضيق بكل شيء، والغضب من كل شيء، والتحرج من أيسر الأشياء، وإنَّما يأتيها من السَّماحة والسهولة واللين، واستقبال الحياة كما هي، واستقبال الناس كما هي، والإيمان بأنَّ الحياةَ تفسد أشد الفَساد إنْ أصْبَحَت كلها جدًّا، وتقبح أشنع القبح إنْ حرصت أشد الحرص على مرارة الجد، والتزيد منه.

    والغريب أنَّ كورتلين لم يعبث برجال القضاء والنيابة والشرطة إلا من النواحي التي يتشدد رجال القضاء والنيابة والشرطة فيها، ويحرصون على أنْ تَكُون فوق النقد، فضلًا عن أن تكون فوق العبث والمزاح.

    ما نظنُّ أن شيئًا يؤذي صاحب الشرطة ويغيظه ويُحرجه، ويدفعه إلى استثارة القضاء والاستغاثة بحماية القانون من أنْ يعرض له الناقد المَازح فيما يمس مَنْصِبه، وفيما يمس واجبه الخَاص، ومذهبه في تأدية هذا الواجب، ومع ذلك فلم يعرض كورتلين للشرطة الفرنسية إلا من هذه الناحية.

    تستطيع أن تقرأ قصته التي سماها «المأمور رجل طيب»، فسترى أنه قد عبث بمأمور القسم عبثًا لو أنَّ شيئًا منه أقدم عليه كاتب مِصْري لما أمنت عليه أن تغتاله العوائل، وتجتاحه الجوائح، ولما ضمنت له أنْ تَطْمَئنَّ به الدارُ بين الأهل والأصدقاء، فمَأمُور القسم في قصة كورتلين رجلٌ قد تعوَّد الدقة في أداء واجبه، وحرص أشد الحرص على أنْ يُطبق القوانين تطبيقًا حَرْفيًّا، ومضى في ذلك حتى اكتسب منه عيوبًا هي التي سجلها كورتلين. يدخل عليه الشاكي فلا يكاد يتحدث إليه بشكاته حتى يسبقه المأمور إلى إتمامها كأنه كان معه، وكأنَّه شهد ما يشكو منه، ولكنه مع ذلك لا يحفل به ولا يغيثه؛ لأنه لا يُرِيدُ أنْ يشق على نفسه، ولا يريد أن يتكلف كتابة المذكرات، وإنشاء المحاضر، واتخاذ الإجراءات، فهو يلتمس الحيلة لصرف هذا الشاكي عن نفسه، يحوله إلى النيابة حينًا، ويُغريه بالدعوى المُباشرة حينًا آخر، ويرُدُّه ردًّا عنيفًا دون أن يحوله على شيء مرة أخرى؛ فإذا ألح الشاكي فويل له؛ لأنَّ المأمور يستطيع أن يأمر الشرطة بإخراجه، فإذا أغلى في الإلحاح فالمأمور يستطيع أن يأمر الشرطة بحبسه؛ لأنَّه أهان صاحب السلطان أثناء قيامه بالواجب.

    وانظر إلى هذا الرجل قد التقط ساعة في بعض الطريق، وكان أمينًا، فأقبل بالساعة يحملها إلى المأمور، فيسأله المأمور: أين وجدتها؟ فإذا قال: وجدتها في مكان كذا، فيسأله: في أي وقت وجدتها؟ فإذا أجابه: في وقت كذا من الليل، سأله: وماذا كنت تصنع في هذا المكان أثناء الليل؟ فإذا أجابه: كنت في الطريق إلى بيتي، سأله: مَنْ تكون؟ وأين يكون بيتك؟ فإذا أنبأه باسمه، سأله: ومن يثبت لي أنك صادقٌ؟ ومن يضمن لي أنك لم تَسرق هذه الساعة؟ وما يزال الحوار بين هذا الرَّجل الأمين يُحرجه تحكُّم المأمور، وبين المأمور يغيظه دفاع هذا الرجل عن أمانته؛ حتى ينتهي الأمر إلى إقصاء، وإذا المأمور يدعو الشرطة ويكلفها أن تقود هذا الرجل الأمين إلى السجن؛ لأن الشبهات تأخذه من كل مكان.

    ثم انظر إلى هذه المرأة قد أقبلت تُريد أن تتحدث إلى المأمور، فيسألها: لعلك إنما تريدين أن تشكي زوجك؟ فإذا أجابت: نعم، قال: فلا ينبغي أن تشكي إليَّ؛ لأني لستُ مُكلفًا أنْ أَسْمَع شكاة الزَّوجات إلا في أمور خاصة؛ هي إثبات الزِّنا، فإذا زعمتْ له أنَّ زوجها مجنون أبى عليها ذلك أشد الإباء، وزعم لها أنَّها تُسيء الظن به، وتتهم سيرته، وأنها قد تكون هي المجنونة، وأنَّ زوجها قد يكون رجلًا بريئًا كامل العقل، ولكنها تنغص عليه الحياة لتضطره إلى ما تكره، وما يزال بها حتى يردها عنه.

    ولكن انظر إلى الانتقام الذي يتم في أقرب وقت وأقصره: فهذان الشرطيان قد أقبلا يسوقان إليه رجلًا يزعمان أنَّه كان يصيح في الشارع بما يُخالف القانون ويغري بالثورة، فلا يكاد المأمور يتحدث إليه ويسمع منه حتى يأخذ هذا الرجل في أن يعرض عليه نظريات فلسفية في السياسة، وقد خلا بالمأمور، وانصرف عنه الشُّرطيان، وأخذ المأمور يسمع له ويحاوره، ولكن الرجل يَنسَلُّ شيئًا فشيئًا إلى الباب فيغلقه، ويخفي المُفتاح في جيبه، ويمضي في الحوار حتى يستيقن المأمور بأنَّ صاحبه مجنون، ولكنه يهم أن يدعو الشرطة فلا يستطيع؛ لأنَّ صاحبه قد صوَّب المسدس إليه.

    وما يزال المجنون بالمأمور يصدر إليه الأمر إثر الأمر: يكلفه أن يطفئ النار والبرد شديد؛ لأنَّ الله لم يخلق البرد عبثًا، وإنما خلقه ليجده الناس، فيجبُ أن يجد الناس البرد في الشتاء، والحرَّ في الصيف، وإلا فهم خارجون على الطبيعة، والمأمور مُضطر إلى الإذعان؛ لأنَّ المُسدس مصوبٌ إليه إنْ لم يفعل، ثم يأمره أن يخرج من أكثر ثيابه، وأن يخلع نعليه، ثم يأمره أن يفتح النافذة، ثم يرى بابًا صغيرًا؛ فإذا سأل عما وراءه وقال المأمور: إنه مُستودع الفحم، فتح المجنون هذا الباب وكلَّف المأمور أن يدخل المستودع، فإذا أبى صوَّب المسدس إليه، والمأمور مُضطر إلى أن يُذعن، وإذا هو يدخل وإذا الباب يُغلق من دونه، ثم يُحْكِم إغلاقه، وإذا المجنون يأخذ قلنسوته ويفتح الباب ويخرج كأحسن ما يخرج العقلاء، ثم يدخل الشرطيان فلا يجدان المأمور، وهما يبحثان عنه فلا يجدانه، وإنما يجدان آثاره، وهما في ذلك فإذا صوت المأمور يبلغهما من وراء الباب، فإذا فُتح له الباب خرج عليهما وقد جلله الفحم بالسواد.

    ما رأيك في قصة كهذه تراعى فيها صنوف الحياة المصرية، ثم تقدم إلى ملعب من الملاعب، ثم يمثلها الممثلون؟ فنلاحظ أولًا أنها لن تبلغ الملعب؛ لأنَّ الرِّقابة في وزارة الداخلية ستحول بينها وبين بلوغه، وهب الرقيب لم يقرأ القصة، أو قرأها ولم ير بها بأسًا فأذن بتمثيلها، فما رأيك إذا مُثلتْ وشهدها الناسُ، وشهدها رجل من رجال الشُّرطة المُثقفين: أيضحكُ كما يضحك رجال الشرطة في فرنسا، ثم ينصرف وكأنَّه لم ير شيئًا، أم يُسرع إلى الإنكار والاحتجاج والاستغاثة بالقضاء؟

    فإذا قرأت قصة أخرى لكورتلين سماها «هذا الشرطي لا شفقة له»، رأيت العبث بالشرطي قد انتهى إلى أقصاه، فبطل القصة شرطي حساس جدًّا، كل شيء يؤذيه، وكل شيء يغيظه، وهو يرى في كل شيء إهانة له أثناء القيام بواجبه، وهو يقدم إلى النيابة في كل يوم مُذكرات لا تُحصى؛ لأنَّ فلانًا أهانه بهذا اللفظ، أو لأنَّ فلانًا أهانه بهذه النَّظرة، أو لأنَّ فُلانًا لم يستجبْ له حين دعاه، ووكيل النيابة ضَيِّقٌ به وبمُذكراته، يُؤنبه حينًا، وينصح له حينًا آخر، حتى يقرأ مُذكرة من هذه المذكرات؛ فإذا هو يتهم رجلًا من خير أهل المدينة، وأعظمهم ثراء، وأكثرهم إحسانًا إلى الناس، بأنَّه أهانه أثناء تأدية الواجب، والإهانة صارخة لا يستطيع وكيل النيابة أن يغضي عنها، والرجل عظيم لا ينبغي أن يُؤخذ في شيء كهذا.

    فإذا دعاه وكيل النيابة وسأله واعترف بالذنب، ولكنه قص قصته، فأنبأ وكيل النيابة بأنه خرج ذات يوم يتنزه ومعه كلب يسعى وراءه، وإنه لفي بعض الطريق إذ لقي هذا الشرطي فتهيأ لتحيته، ولكن الشرطي استوقفه وعنَّفه؛ لأنَّه يترك الكلب يسعى وراءه مُطلقًا، وإذ هو يكتب له مُذكرة، ويذهب الرجل إلى العُمدة فيعتذر ويستغفر، ويقبل العمدة منه ذلك، ويعده أن يشفع له عند الشرطي ليلغي مُذكرته، وينصح له بأنْ لا يُرسل كلبه بغير حبل حتى يعفو عنه الشرطي. وقد أذعن للرجل، فجعل لا يخرج إلا وهو يجر كلبه وراءه بحبل، حتى إذا كان يوم أو يومان لقي الشرطي في بعض الطريق، فأقبل عليه الشرطي يُنبِئه بأنَّ العُمدة قد شفع له، وبأنَّه قبل شفاعته، والرجل يتهيأ ليشكر الشرطي، ولكنَّ الشرطي ينظر فإذا الرجل قد ربط كلبه إنفاذًا لأمره الأول؛ فيَغْتاظ الشرطي فيقول: ما بالك تربط هذا الكلب وأنت تعلم أني أذنت لك في إرساله؟ لأكتبن لك مُذكرة، فيخرج الرجل عن طوره ويشتمه.

    وإذا سمع وكيل النيابة هذه القصة دعا الشرطي وأخذ يترضاه ويستعطفه، والشرطي لا يزداد إلا شدة وإلحاحًا، والرجل نفسه يترضى ويستعطف ويغلو في ذلك حتى يعرض مُكافأة، وإذا الشرطي ينتهز الفرصة ويقدم إلى وكيل النيابة شكوى جديدة بأنَّ هذا الرجل حاول أن يشتري ذمته بالرشوة، ويغتاظ الرجل فيُنذر ببعض اللفظ، وإذا الشرطي يقدم شكوى أخرى بأنَّ هذا الرجل يعتدي عليه أثناء قيامه بالواجب في مكان لا ينبغي الاعتداء فيه.

    وقد غضب وكيل النيابة من تشدد الشرطي غُلوِّه، ولكنه مضطر إلى أن يقبل الشكوى، وإلى أنْ يُقدم صاحبه إلى القضاء، ثم يبدو له فيسأل الشرطي عن السَّاعة، فإذا أنبأه بأنها الساعة الثانية عشرة والرُّبع قال له: «وإذن، فما وقوفك هنا في هذا الزَّمن الذي يُخالف القانون؟» ثم يكتب كلمات يدفعها إليه ويأمره أن يرفعها إلى رئيس الشرطة. وينظر الشرطي في هذه الكلمات فلا يشك في أنها العقوبة إنْ وصل هذا الكتاب إلى رئيسه، فيستعطف ويتضرع ويذكر ماضيه الذي لم يُعاقب فيه، ولكنَّ وكيل النيابة لا يسمع له ولا يَحفَل به، والشرطي مُضطرب يُعاني صدامًا هائلًا بين حقه وبين خوفه، ثم ينتهي إلى تمزيق المُذكرات التي كتبها لهذا الرَّجل مُعلنًا أنَّ الشرطي قد يكون لا قلب له، ولكنه قد يكون كبير النَّفس يتَجَاوزُ أحْيانًا عن السيئات. هنا يعفو عنه وكيل النيابة، ويأمُرُ صاحبه أن ينصرف، ولكنَّ الرجل سعيد مسرور قد أفلت من المُحاكمة، وهو يريد أن يشكر للشرطي عفوه، وأن يُثني عليه؛ فإذا هَمَّ بذلك سبقه لسانه إلى شتم الشرطي.

    أرأيت إلى هذه الحرية التي يصطنعها كورتلين مع الذين جعلت إليهم الدولة حماية النظام؟ أرأيت كيف يمضي بها هذا الكاتب إلى أقصاها، وكيف لا يجدُ رجال الشرطة ولا رجال القضاء بأسًا لا نقُول بقراءتها ولا بشهودها، بل بالاستمتاع بها والرضا عنها، ومع ذلك فليس هذا كله شيئًا بالقياس إلى قصص أخرى يمزح فيها الكاتب مع رجال النيابة والقضاء، ولعلي أُحدثك عن بعض هذه القصص في الأسبوع المُقبل بعد أن أستشير رجال القانون، وأتثبت منهم أنَّ الحديث عن هذه القصص لا يدفعني إلى التحقيق، ولا إلى المحاكم، فإلى اللقاء.

  • حملة! | A Campaign!

    حديث المساء: حملة!

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٨ مارس ١٩٣٤

    ألن ترسل إلى حدود السودان؛ لأن الإنجليز يتولون حماية هذه الحدود لأنفسهم ولنا، ولن ترسل إلى أي ناحية من هذه النواحي التي يخاف منها على السلم أو يُخشى منها على الأمن. فمصر والحمد للَّه سالمة آمنة، والإنجليز يتولَّون حمايتها من كل غارة أجنبية، أعلنوا ذلك إلى الدول كلها في الوقت الذي أعلنَّا نحن فيه الاستقلال. بل لن تكون هذه الحملة التي أريد أن أحدثك عنها من هذه الحملات الخطرة المخيفة التي تسبقها وتلحقها المدافع وأدوات الموت؛ لأن مصر قد أخذت على نفسها عهدًا أن تكون بلد الحياة والسلام في ظل الدستور والنظام. إنما هذه الحملة شيء آخر من طراز خاص؛ هي حملة النور على الظلمة، وحملة الذكاء على الغباء، وحماسة الفطنة على الغفلة، وحملة العلم على الجهل. ولهذه الحملة قائد أظنك قد عرفته، فإن لم تكن قد عرفته، فأنت محتاج إلى أن توجَّه إليك وإلى الأقاليم الذي تعيش فيها، أو البلد الذي تضطرب بين أهله، حملةٌ كهذه التي نتخذها موضوعًا لهذا الحديث. لهذه الحملة قائد يجب أن تعرفه دون أن يُعرَّف إليك؛ لأنه ظاهر في سماء مصر وعلى أرضها، يتألق في سمائها كما يتألق النجم المضيء، ويشرق على أرضها كما تشرق الشمس الجميلة الناصعة، يعرفه الناس بخطبه الرنانة، وأحاديثه الطنانة، وأعماله التي لم تسبق بمثلها ولن تلحق بمثلها؛ لأن مصر لم ترزق ولن ترزق قائدًا من قواد الحملات يشبه هذا القائد العظيم. له بلاءٌ حسنٌ في الجامعة، وله بلاءٌ حسنٌ في التمثيل العربي وتعليمه، وله بلاءٌ حسنٌ في الأوبرا، وله بلاءٌ في هذه المشكلات المدلهمات التي تؤرق ليل الرجل الطيب بعد أن كانت تؤرق ليل الدكتاتور العظيم. وله كتاب قيم يعرفه الفقهاء جميعًا، لا يعرفون مثله ولن يعرفوا مثله؛ لأن اللَّه لم يقدِّر للبيع أن يدرسه أحد كما درس هذا الأستاذ العظيم. أظنك عرفت هذا القائد الآن، إن كنت من الذين لم يعرفوه، وما أحسب أن هؤلاء يوجدون، هو وزير التقاليد. فأمَّا حملته الرائعة البارعة، الناصعة الساطعة، التي ستدفع الظلمات دفعًا، وتردع الجهالات ردعًا، وتملأ الأرض علمًا بعد أن ملئت جهلًا، وضياءً بعد أن مُلئت ظلامًا، فهي هذه التي يجردها غدًا أو بعد غدٍ على أدنى الأرض من إقليم البحيرة ليزور المدارس ويشرف من قرب على حياة العلم والتعليم.

    وهذه الحملة نادرة باهرة حقًّا، إن صح ما تتحدث به الصحف، فقد تخير لها الوزير العظيم من الجند أقواه وأذكاه وأمهره وأقدره وأبرعه وأشجعه. وحسبك أنها تتألف من أركان الحرب كلهم في وزارة التقاليد. فالوزير العظيم سيسافر ومن حوله السكرتير العام لوزارة التقاليد، ومدير المكتب لوزير التقاليد، والسكرتير الخاص لوزير التقاليد، ومراقب التعليم الأولي، ومراقب التعليم الابتدائي، ومراقب التعليم الثانوي، ومراقب التعليم الصناعي، ومراقب تعليم البنات، ومراقب التربية البدنية للفتيان، ومراقبة التربية البدنية للفتيات. ولعل مراقب التعليم الزراعي أن يكون قد سبقه، ولعل قومًا آخرين غير هؤلاء أن يكونوا قد سبقوه، أو قد كلفوا أن يلحقوا به بعد وصوله بساعة أو ساعات. وهناك قوم آخرون من رجال التعليم مستقرون في البحيرة، فسينتظرون الجيش، وسينضمون إليه. ولعل قومًا آخرين من رجال التعليم قد استقروا في الإسكندرية وغيرها مما يلي هذا الإقليم السعير، أن يدفعهم الشوق فيتركوا مراكزهم، ويسرعوا إلى لقاء الوزير، والسير في ركابه، والانضمام إلى حملته الموفقة. وقد يلاحظ بعض الملاحظين الماكرين أن في هذه الحملة شيئًا من التجديد، وهو اشتراك مراقبة التربية البدنية للبنات في هذه الحملة، على رغم ما هو مقرر من أن اختلاط الجنسين — حتى في الرسميات — لا يلائم التقاليد، ولكن لا تسمع لهؤلاء الملاحظين الماكرين، فإنما هم قومٌ من الحساد، لا يرضون عن شيء، ولا يطمئنون إلى شيء، ولا يستريحون إلَّا إذا وجدوا ما يمكرون.

    وإذن فستستعد هذه الحملة — أو هي تستعد من أيام — للخروج من مركز القيادة العليا في القاهرة، وستفصل عن العاصمة مع الشمس إذا أشرقت غدًا أو بعد غدٍ، وستبلغ الميدان بعد ساعات. وهنالك لا تسل عن جيوش الجهل كيف تنهزم، وعن صروح الغفلة كيف تنهدم، وعن عقول الناس كيف تستضيء، وعن قلوب الناس كيف ترقى. ولا تسل عن ابتهاج الجمهور في ذلك الإقليم لمقدم هذه الحملة الموفقة، وطلعة ذلك القائد المظفر. لا تسل عن الصياح الذي سيبلغ عنان السماء، وسيمزق الحناجر تمزيقًا. ولا تسل عن التصفيق الذي سيصم الأسماع، وسيشق الأكف تشقيقًا. ثم لا تسل عن الخطَب الذي ستُلقى، وعن القصائد التي ستُنشد، وعن المقالات التي ستُدبج، ثم تُذاع في الصحف ليقرأها الناس، وليعلموا أن القائد المظفر قد كسب الموقعة، وظفر بالفوز والانتصار. كل هذا شيءٌ لا نشك فيه منذ الآن، ولن نشك فيه بعد أن يتم. وهناك أشياء أخرى لا تقبل الشك، وأهمها أن إقليم البحيرة سيمتاز من الأقاليم المصرية كلها، وسيملأ هذه الأقاليم حسدًا وغيرةً يخشى منهما على الأمن والسلم، ويُخشى منهما على راحة الوزير. فلن ترضى الأقاليم الأخرى أن ينفرد إقليم البحيرة بهذا المجد المؤثل، ولن تستريح إلَّا إذا ظفرت من الوزير وأركان حربه بغزوة كهذه الغزوة التي ينعم بها هذا الإقليم. والوزير أرقُّ قلبًا وأوسع رحمةً وأرأف بالمصريين من أن يؤثر بعضهم على بعض، أو يفضل إقليمًا على إقليم، أو يجود بغزوته على فريقٍ من الناس، ويبخل بها على فريق آخرين. وإذن فسيضطر الوزير إلى أن يطوف الأقاليم كلها، يومًا بجزوى ويومًا بالعقيق، يومًا في الغربية ويومًا في أسوان.

    ومن هذه الأشياء التي لا تقبل الشك، هو أن مقدم الوزير وأركان حربه على هذا الإقليم السعيد سيحدث فيه المعجزات، فتُمحى الأمية محوًا، وسيصبح الناس جميعًا؛ رجالًا ونساءً شبابًا وشيبًا متقنين للقراءة، ولكن بشرط أن لا يقرءوا صحف المعارضة ولا ينظروا فيها. وهذا هو وجه الإعجاز، سيصبح الناس جميعًا قادرين على أن يقرءوا في أي صحيفة، وفي أي كتاب، حتى إذا وقعت إليهم صحيفة من صحف المعارضة مُحيَ فن الكتابة والقراءة من نفوسهم محوًا، فإذا طويت عنهم هذه الصحيفة عاد إليهم هذا الفن كأحسن وأرقى ما يكون. ومن المحقق أن الوزير إذا زار الأقاليم الأخرى سيحدث فيها ما سيحدثه غدًا أو بعد غدٍ في إقليم البحيرة. ولعلك توافقني على أن هذه الزيارات سيكون لها خطرها في حياة المصريين، ستخرجهم جميعًا من الظلمات إلى النور، فمن حقهم أن يبتهجوا بها، وستريحهم جميعًا من قراءة المعارضة والمعارضين، فمن حق هؤلاء أن يحسبوا لها كل حساب، بل من حق هؤلاء أن يقدِّروا ويستيقنوا أن لا مطمع لهم في الحياة بعد اليوم، وأن مصر ستفلت كلها من أيديهم إفلاتًا. ولهذا نتائجه الخطيرة، ومن أهمها أن الوزارة القائمة لن تخشى معارضة ولا معارضين، فستثبت إذن وستثبت إلى ما شاء اللَّه برغم الخصوم والحاسدين، وليس في شيءٍ من ذلك غرابة أو شيء يشبه الغرابة؛ فمصر قديمة العهد بهذه المعجزات. ولعل المصريين يعلمون أن أوزيريس كان يغزو أقطار الأرض فلا يثير فيها حربًا ولا يريق فيها دمًا، وإنما ينشر فيها علمًا ويذيع فيها سلمًا، ويعلم الناس كيف ينعمون بالحياة. وإذا كانت مصر قد أخرجت أوزيريس في العصر القديم، فما يمنعها أن تخرج أوزيريس في العصر الحديث. كل شيء إذن على خير ما تكون الأشياء، ستستنير مصر وسترقى، وستسبق الأمم الراقية المستنيرة في أسابيع. ولكن المصريين قوم لا يرضون، ونفوسهم تحفل دائمًا بالصغار، وتعرض دائمًا عن عظائم الأمور وجلائل الأعمال. فقد رأيت جماعة منهم يقرءون هذا النبأ العظيم في الصحف، ثم تعلو وجوههم غبرة، وتقطب جباههم، وتنطلق ألسنتهم بكلام كثير سخيف، يسألون: وكم ستنفق الدولة على هذه الحملة؟ وما الذي يدعو إلى أن يتبع هذا الجيش الضخم وزير التقاليد في زيارته للمدارس في ذلك الإقليم؟ أرأيت كيف يكون قصر النظر؟ وضآلة الخطر؟ وضيق التفكير؟ قومٌ يقال لهم: إن الوزير سيمحو الأمية من إقليم بأسره في يوم واحد، فيسألون عما سيكلفهم ذلك من المال، ويستكثرون على هذا الرجل العظيم أن يصحبه عشرة من كبار الموظفين. أؤكد لك أن هؤلاء المصريين لم يخلقوا لعظائم الأمور، ولم يخلقوا للأمل، إنما خلقوا ليعنوا بالسفاسف، وليملئوا قلوبهم وقلوب الناس من حولهم يأسًا وقنوطًا. أين تكون النفقات التي سينفقها هؤلاء العشرة، والتي سيتكلفها الناس للقائهم وتضييفهم؟ وأين يكون الوقت الذي سيضيعه هؤلاء العشرة، والذي سيضيعه الناس في لقائهم والاحتفاء بهم؟ أين يكون هذا كله من هذا الحدث العظيم والأمر الجسيم؛ وهو زيارة وزير من الوزراء لإقليم من الأقاليم؟ أليس من حق الإنجليز أن يضحكوا من هذا الشعب الذي كتب اللَّه عليه أن لا يفقه شيئًا، ولا يفطن لشيءٍ، ولا يستطيع أن يتجاوز صغائر الأمور إلى عظائمها؟ أليس من حق الإنجليز أن يستكثروا على هذا الشعب وزير التقاليد، وزملاء وزير التقاليد الذين يجاهدون ما يجاهدون، ويضحُّون بما يضحُّون، ويحتملون من الألم والمشقة ما يحتملون، فلا يلقون من هذا البلد العاق الجاحد شكرًا ولا ثناءً؟ وإنما يسمعونه وهو يسألهم عن هذه الأشياء اليسيرة الحقيرة التي يسمونها المال، والتي يؤديها الفلاح في غير مشقة، أو في مشقة لا تكاد تذكر. ومن الذي يستطيع أن يحفل بفلاح يجوع؟ ومن ذا الذي يستطيع أن يحفل بفلاح يلتوي بالضريبة، أو يعجز عن أدائها، فتأخذ ظهره السياط؟ أليس من الغريب أن يستكثر المصريون على الوزير وأصحابه ما سينفق من المال على رحلتهم هذه الموفقة، وحملتهم هذه الظافرة؛ لأن الفلاح يحتمل جهدًا في تحصيله ويلقى عناءً في أدائه؟ فماذا يصنع المصريون؟ وماذا يقولون لو أن وزراءهم أخذوهم بما كانون يؤخذون به من قبل حين كانوا يقيمون الأهرام ويشيدون المعابد، ويحتملون أو يجرون تلك الأثقال؟ أليس من الحق عليهم أن يحمدوا اللَّه على ما هم فيه، وأن يشكروا للوزراء أنهم يأخذونهم باليسر لا بالعسر، ويفرضون عليهم أهون التكاليف؟ ولو شاءوا لعلموهم كيف تكون المشقة، ولو شاءوا لأروهم كيف يكون الضيق والضنك والعذاب! وقومٌ آخرون من هؤلاء المصريين يسألون عن ديوان الوزارة، ما عسى أن يكون خطبه يوم يتركه سادته وقادته، ويدعه رؤساؤه ومديروه، كأن ديوان الوزارة شيءٌ يستحق الذكر أو التفكير بالقياس إلى زيارة الوزير لإقليم من أقاليم مصر. أعترف أني ضقت بهؤلاء الناس حين كانوا يتحدثون بهذا السخف الذي يثير الغيظ، ويملأ القلوب حنقًا ووجدًا، وأعترف بأني وددت لو أن وزير التقاليد وسع حملته بعض التوسعة، وضخَّم عددها بعض التضخيم. فإذا كان هو محتاجًا إلى عشرة ليزور إقليمًا من الأقاليم، فكل واحد من هؤلاء العشرة يحتاج إلى اثنين على أقل تقدير يرافقانه في هذه الزيارة، كل واحد منهم محتاج إلى سكرتيره الخاص، وإلى خادمه الخاص، فيبلغ عدد القوم ثلاثين، وهو عدد يسير لا يبلغ عدد الذين يُحاكمون منذ أمس ويذوقون لذة السجن منذ يوم الخميس؛ لأنهم أرادوا أن يزوروا قبور الشهداء في مدينة الإسكندرية. وكان الوزير قادرًا على أن ينظر إلى هؤلاء التابعين بأركان الحرب، فهم أيضًا يحتاجون إلى الأعوان، وكان العدد يستطيع أن يُضاعف، وكانت الدولة مضطرة إلى أن تنفق أضعاف ما ستُنفق من المال، ولكن الوزير على عنايته بكبار الأمور وجلائلها لا يهمل صغارها ودقائقها، فهو يفكر في المال أيضًا، وهو يتفضل فيقتصد، وهو يتعطف فيقتر في الإنفاق، يكتفي بعشرة ولو شاء لاصطحب عشرين أو ثلاثين أو ستين. ومن ذا الذي كان يستطيع أن يمنعه من أن يصطحب رجال الديوان جميعًا ليزوروا معه هذا الإقليم؟ ولكنه لم يفعل؛ رفقًا بالفلاح، وعطفًا عليه، وإيثارًا للاقتصاد، وضنًّا بالمال، ومصانعة لوزير المالية. وعلى ذكر وزير المالية نلاحظ أنه هو أيضًا سيغزو ناحية من نواحي مصر، وسينبت فيها ألوانًا وأشكالًا من المعجزات. سيزور ساحل البحر الأحمر، ولم لا؟ فالمصريون لا يكادون يحفلون بهذا الجزء من أرض الوطن، فليعلمهم الوزير كيف تكون التسوية بين أجزاء الوطن وساحل البحر الأحمر، وهو غنيٌّ جدًّا فيما يُقال. تتحدث شهرزاد في بعض أقاصيص ألف ليلة وليلة بأن فيه منابع للبترول، ومقاطع للأحجار، ومناجم لفنون من المعدن، ومصادر لضروب أخرى من الثروة والغنى. والمصريون جميعًا يجهلون هذا، فمن حق الوزير، بل من الحق على الوزير أن يزور هذا الساحل؛ ليعرف المصريون من أمره ما يجهلون. وتزعم شهرزاد أن مصادر الثروة هذه قد كثر إهمالها، واشتد الإعراض عنها حتى نضبت أو كادت تنضب، فانتظر إذن زيارة الوزير، فسترى أن منابع البترول ستفيض وتفيض حتى تطغى على البحر الأحمر نفسه، وسترى أن مقاطع الأحجار ستغطي من الصخور ما لا قِبَل لأحد بحمله أو استغلاله أو استخدامه. أمَّا المعادن، فحدِّث عنها بعد زيارة الوزير ولا حرج عليك، ستصبح مصر أعظم البلاد حظًّا من الذهب والفضة والحديد، وما شئت من المعادن الموجودة وغير الموجودة! ولن تتكلف مصر في هذه الزيارة المباركة شيئًا، فسيقضي الوزير فيها عشرة أيام، وسيسافر الوزير في القطار حينًا، وفي السفينة حينًا آخر، وقد يصحب الوزيرَ عددٌ من الناس قليلٌ أو كثيرٌ، ولكن ما سيحتاج إليه من النفقات لن يكون شيئًا بالقياس إلى ما ستستفيده مصر من هذه الرحلة المباركة. وكذلك تجري أمور المصريين، وكيل الداخلية يبحث عن الأمن العام في الصعيد إذا كان الشتاء، ووزير التقاليد يغزو إقليم البحيرة مع هذا العدد الضخم من الموظفين، ووزير المالية يبحث عن المعجزات على ساحل البحر الأحمر عشرة أيام كاملة، يتخذ القطار حينًا ويتخذ السفينة حينًا آخر. ويقول الناس بعد ذلك: إن أمور مصر نائمة، وإن حكام مصر نائمون، وإن أموال مصر قد نضبت أو كادت تنضب. كلا، إن مصر لتباهي بلاد الأرض كلها بسادتها هؤلاء الذي يحكمون فيحسنون الحكم، ويدبِّرون فيتقنون التدبير، ويقتصدون فيتفوقون على الناس جميعًا في الاقتصاد. يجب أن تسعد مصر وأن تغتبط، وأن ترفع رأسها عزيزًا كريمًا، فوزير التقاليد يزور ساحل البحر الأحمر، ووكيل الداخلية قد فتَّش عن الأمن العام في الصعيد.

  • تنظيم | Regulation

    حديث المساء: تنظيم

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٢٨ يناير ١٩٣٤

    وليست وزارة حازمة، ولا مشبهة للحازمة إذا لم تنظم كل شيء تنظيمًا يمكنها أن تبسط سُلطانها
    عليه؛ تخضعه لما تُريد.

    ومن الذي يستطيع أن يزعم أنَّ وزارتنا ينقصها الحزم من قريبٍ أو مِنْ بَعِيدٍ، ومن ذا الذي
    يستطيع أن ينكر أنَّ وزارتنا حَازِمَةٌ من جميع أطرافها، ومن جميع جهاتها، يأتيها الحزم من كل
    مكان، وينبع منها الحزم كما ينبع الماء من العيون الغزار؟! حزم عنيف مخيف.

    قد ذاقه الوزراء المُفوضون وذاقه الإنجليز من الرجل الطيب فعرفوا أنه مُرٌّ ممض، ليس إلى
    احتماله من سبيل وذاقه أهل المنصورة، وأهل القليوبية من وزير الداخلية فعرفوا أنه ملتهب محرق.
    وذاقه الأساتذة والمعلمون، والطلاب والتلاميذ من وزير التقاليد فعرفوا أنه منغص يبعث الكآبة في
    النُّفوس، ويُدْمِي القلوب حزنًا وألمًا. وذاقه المستشارون الملكيون من وزير المالية، فعرفوا
    أنه يُثير الغيظَ أَوَّل الأمر ويُثير الابتسام آخر الأمر، وأَنَّه مُرٌّ عذب وحامض حلو. وذاقه
    السماسرة من وزير المالية فأحبوه وكرهوه وخافوه وطمعوا فيه؛ لذلك غضبوا ثم رضوا ثم غضبوا وهم
    يترجحون الآن بين الغضب والرضا. يريدون أن تطول اللذة وتتصل الغبطة ويبقى الابتهاج. وذاقه
    المحامون من وزير الحقانية فكانوا إليه نهمين، وبه كلفين، يتهالكون عليه كما تتهالك الطير على
    الماء بعد عبور الصحراء، لا يذيقهم وزير الحقانية منه لونًا إلا استزادوه وطمعوا منه في لون
    آخر. أنذرهم فاستعذبوا الإنذار، ولم يقنعوا به، ولم يروا فيه إلا مُقَدِّمةً كهذه المُقَدِّمات
    التي تسبق الطعام لتوقظ الميل إليه والرَّغبة فيه؛ فألحوا على الوزير في أنْ يَزِيدهم فتفضل
    عليهم بقانون.

    ويظهر أن طعام الوزير لذيذ، وأنَّ المحامين جياع، فلم يكادوا يذوقون القانون حتى كلفوا بقانون
    آخر، أو بقوانين أخرى. انظر إليهم يتلقَّون القانون فرحين به، يكاد الفرح أن يطير بهم في الجو،
    ويبلغ بهم السماء. يجتمعون فيدرسون ثم يعلنون إنكارهم للقانون، وخلافهم له، وامْتِنَاعَهُم عن
    تنفيذه، يَزْعُمون أنه مخالف للدستور، وأن لا طاعة لحاكم في مخالفة الدستور، ويصرون على أن يظل
    مكرم لهم نقيبًا، وقد أمرت الوزارة أن لا يكون مكرم لهم نقيبًا، ويكلفون نقيبهم أن يعلن موقفهم
    هذا إلى الوزارة، فيفعل النقيب لا مترددًا ولا مصطنعًا للأناة.

    وأنا مُعْتَذِرٌ إلى المُحامين إن أعلنت لهم أني لا أفهم موقفهم هذا، كما يعلنونه وكما يريدون
    أن يفهمه الناس، وإنما أَفْهَمُه على وجهه الصحيح. فهم لا يُنكرون القانون إلا طمعًا في قانون
    آخر، وهم لا يعصون الوزير إلا ليحرضوه على أن يُلح عليهم بالتشريع؛ لأَنَّهُم قد ذاقوا لذة هذا
    اللون من ألوان الاضطهاد.

    فالوزير مصري، والمصري كريم بطبعه [لا يُسأل] إلا أَعطى ولا يدعى إلا أجاب. وقد سأل المحامون
    فأعطاهم الوزير، والمحامون يجددون السؤال والوزير يستأنف لهم العطاء. فَهَذا مَجْلِسُ الوزراء
    قد اجتمع أَمس، وهذه الصحف تُنْبِئنا صباح اليوم بأن الأريحية قد هزت وزير الحقانية، ثم انتقلت
    هذه الهزة من الوزير إلى زُمَلَائِهِ، فإذا الأريحية تهز المجلس كله هزًّا، وإذا المجلس كله سخي
    كريم مُتَأَهِّبٌ للعطاء، مُتَعَجِّلٌ لإرضاء السائلين.

    طلب المحامون الأهليون قانونًا، فستجُودُ الوزارة بقانونين: أحدهما للمحامين الأهليين، والآخر
    للمحامين الشرعيين؛ لأنَّ الوزارة لا تُريد أن تعطي فريقًا وتحرم فريقًا، لا تريد أن تطعم
    المحامين الأهليين وتدع المحامين الشرعيين تحرق قلوبهم الغيرة، ويتلهب ريقهم قرمًا إلى ما يأكله
    إخوانهم الأهليون. طلب المحامون الأهليون قانونًا فسيظفرون به غدًا أو بعد غد، وسيظفر بمثله
    المحامون الشرعيون.

    ولن تعطل النقابة الأهلية وحدها، بل ستعطل معها النقابة الشرعية؛ رفقًا بها، وإشفاقًا عليها،
    فَمَاذَا تَصْنَعُ وحدها بالحياة بعد أنْ تسبقها أختها إلى الموت؟! ستعطل النقابتان إذن،
    وستعطلان بقانون — نستغفر الله — بل بقانونين. والمحامون جياع، فليعجل الوزراء في تهيئة الطعام،
    وإذن فليعد القانون — نستغفر الله — بل القانونان في سرعة لا تُشبهها سرعة، وليقرهما الوزراء
    اليوم أو غدًا، وليعرضا على البرلمان ولينظرهما عَجِلًا، وليُقرهما ولتصدرهما الدولة، وليقدم
    الطعام إلى هؤلاء المُحَامِين الجياع قبل آخر الأُسبوع. وقد زَعَمَ أَصْحَابُ السِّياسةِ أَنَّ
    الحكم إنما هو البصر بعواقب الأمور، والاستعداد للغد، والتهيؤ للطوارئ. ووزارتنا بارعة في
    الحكم، تحسن العلم بغدٍ كما تحسن العلم بأمس.

    وهي تقدر أن المحامين لن يشبعوا، وأن القانونين الجديدين لن يُهَدِّئا من هذا الجُوع الذي
    يحرِّقُ أَجْوَافهم تَحْريقًا؛ وهي لذلك تُهيئ لهم قانونًا جديدًا، يصدر بعد هذين القانونين فيه
    تنظيم لشئونهم، وإصلاحٌ لأُمورهم، وردٌ لهم إلى الصواب. ويظهر أنَّ هذا القانون الذي يهيأ منذ
    زمن طويل سيكون مُقنعًا مُغنيًا، لا يجوع المحامون بعده أبدًا، سيعلمهم كيف تكون الطاعة،
    وسيعلمهم كيف يكون الإذعان. سيخرج أمورهم من أيدي عامتهم إلى أيدي خاصتهم، وسيخرج اختيار هذه
    الخاصة من أيديهم إلى أيدٍ أُخْرَى أبصر منهم بالاختيار. سيردهم إلى ما رد إليه المِصْرِيِّون
    جميعًا حين غير الدستور، فإنَّ الدِّيمُقراطية الجامحة قد أفسدت الشعب فلم يكن بُدٌّ من رده إلى
    الاعتدال. وهذه الديمقراطية الجامحة قد أفسدت المُحامين فليس بد من ردهم الاعتدال. وهي قد أفسدت
    الطلاب، فلا بد من إغلاق أنديتهم وحل اتحاداتهم وأخذهم بأندية جديدة واتحاد جديد، لا يعبث بها
    جموح الديمقراطية.

    أرأيتَ أن وزارتنا حازمة حقًّا، ينبع منها الحزم كما ينبع الماء من العيون الغزار؟ في كلِّ
    يوم قانون، وفي كل يوم نِظَام، لكل شيء قانون ولكل شيء نظام: قوانين للمُحامين، قوانين
    للمُعلمين، قوانين للطلاب، قوانين لما شئت، وقوانين لما لم تشأ.

    وما قيمة الوزارة إذا لم تُهيئ القوانين؟ وماذا يصنع البرلمان إذا لم يشرع القوانين؟ وماذا
    تصنع الجريدة الرَّسمية إذا لم تنشر القوانين؟ وكيفَ يَعِيشُ المِصْرِيُّون إذا لم تنظم حياتهم
    بالقوانين؟ ولكن ما رأي الوزارة في أن المحامين سيظلون جياعًا لن تشبعهم القوانين التي ستصدرها،
    كما لم تشبعهم القوانين التي صدرت إلى الآن؛ لأنهم جياع إلى العدل والحق لا إلى النظم
    والقوانين. ستصدر القوانين إثر القوانين إنْ طَالَ عمر الوزارة وسيلتهمها المحامون التهامًا
    وسيكون سباق بين المحامين والوزارة، هذه تشرع وأولئك يلتهمون، وسنرى أيُّ الفَرِيقَينِ يعجز
    صاحبه، أهي الوزارة التي ستضطر المحامين إلى التخمة، أم هم المحامون الذين سيضطرون الوزارة إلى
    العجز والإفلاس؟

    أما أنا فناصح للوزارة، مُخلص في النصح لها وأود لو تسمع لما أقدم إليها من النصح؛ لِتَدَع
    التشريع فلن تقنع المحامين ولم تبلغ به منهم شيئًا. إنما السبيل أن تُحيل المحامين جميعًا إلى
    مجلس التأديب فهم جميعًا مُسْتَحِقُّون للإحالة إلى مجلس التأديب؛ صدر الأمر إليهم فعصوه، وهبط
    الوحي عليهم فخالفوه، وما جزاء من يعصي الأمر ويُخَالِفُ الوحي إلَّا أَنْ يُساق إلى مجلس
    التأديب. وسيكون طريفًا حقًّا أن يُحَال المُحَامون جميعًا إلى مجلس التأديب، وسيكون في ذلك
    اعتبار لمن لا يعتبرون، ووعظ لمن لا يتعظون، وتأديب لمن لا يتأدبون.

    وسيبحث المحامون عمَّن يدافع عنهم أمام مجلس التأديب فلا يجدون، فيلتمسون المدافعين عنهم في
    بلاد الشرق والغرب؛ وتنشط لذلك حركة التجارة. وسيعجز مجلس التأديب عن مُحاكمة هذه المئات
    فيُعيَّن قضاة ومستشارون، وتشهد مصر حركة لم يشهدها بلد من قبل، ونشاطًا لا عهد به للأمم
    والشعوب، وتقيم الوزارة للعالم كله دليلًا على أنَّ مِصْرَ النَّاهِضَةَ قد أصبحت في مُقدمة
    البلاد الحيَّة تشق لها سُبُل الرُّقي وتقودها إلى الكمال، وعلى أنَّ الإنجليز غُلَاة قُسَاة
    مُسرفون حين يضنون على مصر بالاستقلال، وعلى أنَّ الأجانب كلهم غلاة قساة مسرفون حين يترددون في
    إلغاء الامتيازات.

    اللهم إني مخلص فيما أقدم للوزارة من نصح، فاجعل وزارتنا من الذين يستمعون القول فيتبعون
    أحسنه!

  • استعجال | Haste

    استعجال
    رئيس وزرائنا عجلان لا يهدأ، ولا يريد أن يهدأ الناس من حوله، لا يستريح ولا يريد أن يستريح الناس من حوله منذ عاد إلى كرسي الحكم بعد مرضه الطويل.
    فقد أحس في آخر لحظة أن الاقتصاد المصري في خطر، وأن الثروة المصرية توشك أن تزول، وأن الشقاء الذي أخذ يرسل سحبه في بعض الأجواء المصرية يوشك أن يملأ الجو المصري كله بهذا السحاب المظلم الذي يبرق من خلاله الجوع، ويرعد من خلاله الموت، ويرسل الصواعق على البائسين والمحرومين. ورئيس وزرائنا رحيم شفيق، ورئيس وزرائنا شفيق رحيم، ورئيس وزرائنا رءوف رفيق، ورئيس وزرائنا قد آثر في هذه الأيام أن يضحي بصحته في سبيل بلاده؛ فعدل عن الاستقالة وأزمع البقاء في الحكم. ورئيس وزرائنا قد عاهد الله، وعاهد الناس، وعاهد نفسه منذ اعتزم البقاء في الحكم على أن يدفع عن الاقتصاد المصري كل خطر، وعلى أن يثبت الثروة المصرية في أيدي المصريين، وعلى أن يطرد سحب الجوع والحرمان، والشقاء والموت من جو مصر طرداً عنيفاً.
    ورئيس وزرائنا يتأهب لذلك في جد ما مثله جد، ويسعى لذلك في حزم ما مثله حزم، وهو لهذا كله قد خاصم الهدوء، وقطع الأسباب بين نفسه وبين الراحة، كما قطع الأسباب بين أعوانه وبين الراحة أيضاً. وآية ذلك بينة واضحة، ودليل ذلك ساطع جلي؛ فهو قد تحدث إلى وكيل المالية بالتليفون وتقدم إليه بأن يكلف المفتشين الماليين أن يدرسوا الشؤون المالية والاقتصادية في الأقاليم، وأن يرفعوا إليه تقارير يبينون فيها أحوال الناس: أقادرون هم أم عاجزون؟ أموسرون هم أم معسرون؟ ألهم طاقة بدفع الضرائب أم هم مكرهون على أن يلتووا بها ويعتذروا عن أدائها؟
    وتفرق المفتشون في الأقاليم ليبحثوا ويدرسوا وليفتشوا وينقبوا، ثم ليحرروا ويكتبوا. وقد يحتاج هذا كله إلى أيام تطول أو تقصر، حتى إذا انتهت التقارير إلى وزارة المالية، فقد يحتاج درسها إلى أيام تطول أو تقصر، حتى إذا انتهى هذا الدرس في مكاتب الوزراء ورُفعت خلاصته إلى وزير المالية، فقد يحتاج الوزير لدرس هذه الخلاصة إلى أيام تطول من غير شك؛ لأن الوزير مريض متعب، لا يستطيع أن يتكلف الجهد الثقيل. فإذا فرغ الوزير من الدرس فقد يقترح الدواء إن كان اقتصاد مصر مريضاً، وقد يتحدث إلى الصحفيين المصريين والأجانب بأن الحياة الاقتصادية في مصر لم تكن في يوم من الأيام خيراً مما هي الآن، كما أن الحياة السياسية في مصر لم تكن في يوم من الأيام خيراً مما هي الآن.
    وليس على الوزارة بأس من طول هذا الدرس والبحث، ومن تفرق المفتشين للتفتيش والتنقيب وكتابة التقارير ورفعها؛ فالأموال تُجبى على كل حال؛ إما أن يؤدي الناس هذه الضرائب من تلقاء أنفسهم فيريحوا ويستريحوا، وإما أن يعجز الناس عن تأدية هذه الضرائب فتؤخذ منهم بالقوة والعنف، سواء كان عندهم ما يعطون أم لم يكن. فالحاصلات الزراعية لا يجوز نقلها أو بيعها أو التصرف فيها على أي نحو من أنحاء التصرف إلا بإذن من العمدة والصراف. وهذا العمدة أو هذا الصراف لا يعطي هذا الإذن إلا إذا استيقن أن ليس على خزانة الدولة بأس؛ لأن المال قد دُفع، والضريبة قد أُديت. وقد يؤدى المال وتُدفع الضريبة، ولكن العمدة محنق على صاحب الزرع، أو الصراف مغيظ من صاحب الزرع، فلا بأس بأن يرفض الإذن أو يؤخره حتى يعلم صاحب الزرع أن السلطان المخوف ليس سلطان المأمور والمدير والوزير فحسب، بل سلطان العمدة والصراف أيضاً.
    وإذن فلا بد من أن يُسلَّط بعض الناس على بعض، ولا بد من أن يُذل بعض الناس لبعض، ولا بد أن يتحكم بعض الناس في حياة بعض؛ لأن الدولة تريد أن تعيش، ولا بد لها من المال لتعيش، ولأن الدولة تريد أن تعيش مترفة فلا بد لها من المال لتعيش مترفة. وكيف يجتمع مؤتمر الطيران آخر هذا العام؟ وكيف يجتمع مؤتمر البريد أول العام المقبل؟ وكيف تُدفع معونة الممثلين والممثلات إذا أقبل الخريف؟ وكيف تُمنح العلاوات الاستثنائية؟ وكيف تُنشأ قاعة المحاضرات في الجامعة؟ وكيف تظهر مصر نفسها للناس غنية مترفة إذا لم تدفع إلى الدولة أموالها، ولم تؤدِّ إلى الدولة ضرائبها؟ وكيف تُدفع الأموال وتؤدى الضرائب إذا لم يُبسط سلطان العمدة والصراف على الأغنياء والفقراء، وعلى الأقوياء والضعفاء، وعلى الموسرين والمعسرين؟ ولا ينبغي أن يضيق المصريون بذلك أو يشكوا منه، فعسى أن يكره المصريون شيئاً وهو خير لهم، وأي خير يطمع فيه المصريون أكثر من أن يأخذوا بالحكم الديمقراطي الصحيح، فتعنو وجوههم جميعاً للعمدة والصراف، لا فرق في ذلك بين الذين يرون لأنفسهم مكانة فوق مكانة العمدة والصراف، والذين لا يرون لأنفسهم حظاً من هذه المكانة؟
    المصريون جميعاً سواء أمام القانون، والمصريون جميعاً سواء أمام العمدة، والمصريون جميعاً سواء أمام الصراف؛ ولكن القانون يسوي بين المصريين بالحق والعدل، أما العمدة والصراف فيسويان بين الناس بالشهوة والهوى. ولا بأس على المصريين من هذا، ففيه تمرين لهم على احتمال الشدائد، والصبر على ما يكرهون. ولا ينبغي للمصريين أن يضيقوا بذلك أو يشكوا منه؛ فرئيس الوزراء عجلان، قد وقف عنايته على درس الأحوال وتعرف الشؤون، فهو يسأل عن سوق القطن، وهو يلقى مدير بنك التسليف، وهو يكلف المفتشين الماليين أن يتفرقوا في الأقاليم ليبحثوا أو يدرسوا ثم يرفعوا التقارير.
    فإذا سألت: أين كان وزير المالية ورئيس الوزراء قبل هذه الأيام ليعرفا شؤون الناس وأحوالهم وقدرتهم على الدفع أو عجزهم عن الأداء؟ فإن سؤالك يدعو إلى الابتسام وهز الرؤوس ورفع الأكتاف؛ فقد كان رئيس الوزراء ووزير المالية مريضين يستريحان في أوربا، ويترددان على لوسرن وباريس. وكان رئيس الوزراء مشغولاً بصحته الغالية عن أحوال الناس وشؤونهم، وعن قدرة الناس وعجزهم، وصحة رئيس الوزراء قوام الحياة المصرية، فمن الحق على رئيس الوزراء أن يشغل بها قبل أن يشغل بشؤون الاقتصاد. ولا تقل إن الذي تشغله صحته عن الشؤون العامة يجب أن يفرغ لصحته وأن يدع الشؤون العامة؛ فهذا كلام فارغ لا يقوله العقلاء؛ لأن رئيس الوزراء صحيحاً ومريضاً، قريباً وبعيداً، قوياً وضعيفاً، رجل قد فرضته الظروف على مصر فرضاً، وهو وحده دون غيره قادر على فهم الشؤون والأحوال، وتدبير السياسة والاقتصاد.
    رئيس الوزراء معذور إذن حين شُغل بصحته عن الأزمة. ورئيس الوزراء معذور أيضاً حين شُغل بأزمته الوزارية الخاصة عن الأزمة الاقتصادية العامة. وليس على رئيس الوزراء ولا على مصر بأس ما سيتدارك رئيس الوزراء كل ما فات، وسينجز من الأعمال في هذه الأيام القليلة المقبلة ما لم يستطع إنجازه في تلك الأشهر الطويلة الماضية. وأي دليل على ذلك أبعث للأمل وأدعى للرجاء من أنه أخذ يسأل عن سوق القطن، ويقابل مدير بنك التسليف، ويكلف المفتشين الماليين البحث والدرس ورفع التقارير؟ ولا تذكر أمر المصارف والديون العقارية، ولا تذكر أمر الدول وأداء الدين وفوائده ذهباً أو ورقاً، فكل هذا شيء يسير سيفرغ له رئيس الوزراء بعد أن يتعرف أمر سوق القطن ويقرأ تقارير المفتشين عن قدرة الناس على تأدية الضرائب.
    فرئيس الوزراء متعجل، ولكن على مذهبه هو، لا على مذهبك أنت. وكل وزير خطير مكلف قبل كل شيء أن يدبر من المال ما يمكن الحكومة من الحياة الناعمة المترفة، ثم يفرغ بعد ذلك لشؤون الناس فيهون عليهم ويرد عنهم ما يخافون. ليطمئن المصريون إذن، وليناموا ملء جفونهم، وليذعنوا لتحكم العمدة وعبث الصراف، ولينتظروا؛ فرئيس الوزراء عجلان، وهو زعيم لهم منذ اليوم بأن تؤدى الضرائب على وجهها فتسعد الحكومة وتنعم، وبأن تؤدى الديون إلى المصارف فتسعد المصارف وتنعم، وتهدأ الأمة وتستريح، وبأن تُحل مشكلة الدين العام فترتع الحكومة والأمة في روضة بهيجة من اليمن والعز والنعيم والرخاء الذي لا حد له.
    لقد أقبلت الخطوب على مصر مخيفة مروعة، ولكن مصر خليقة ألا تخاف ولا ترتاع؛ فرئيس الوزراء عجلان، يسأل عن سوق القطن، ويلقى مدير بنك التسليف، ويكلف المفتشين أن يبحثوا أو يدرسوا ويرفعوا التقارير.
    كوكب الشرق ١٢ – ٩ – ١٩٣٣

  • شكوى٢ | A Complaint (2)

    شكوى
    كأنما كنا ملهمين أمس حين كنا نصور حال الموظفين، وما يعبث بنفوس بعضهم من اليأس، وما يلعب بنفوس بعضهم الآخر من الأمل، وما يملأ قلوب بعضهم من الحزن، وما يغمر أفئدة بعضهم من الفرح، وما يخيم على بيوت بعضهم من البؤس، وما يرفرف على بيوت بعضهم الآخر من النعيم، وما يحدث هذا كله بينهم من تنافس يدعو إلى الفرقة، وتحاسد يدعو إلى البغض والكيد، وما يحدثه هذا كله من تأثير في أخلاق الموظفين وإفساد لميولهم وأمزجتهم، وما يستتبعه هذا كله من اضطرار للموظفين إلى الإهمال في تصريف الأعمال، أولئك ينصرفون إلى الكآبة والحزن، ثم إلى اليأس والقنوط، وهؤلاء ينصرفون إلى العبث واللهو، ثم إلى الفكاهة والدعابة، وتضيع مصالح الدولة بين اليأس والأمل، وبين البائس والناعم، وبين الشقي والسعيد.
    كأنما كنا ملهمين حين حاولنا أن نعرض على الناس هذه الصورة المحزنة المؤلمة التي لا ينبغي أن توجد في بلد متحضر، والتي لا تشرف مصر، ولا ترفع من قدرها، ولا تشهد لوزارتها بما كان ينبغي أن تمتاز به من العدل والقصد والنزاهة والإنصاف.
    نعم، كأنما كنا ملهمين حين حاولنا أن نعرض على الناس هذه الصورة المؤذية المخزية لحياة الموظفين في ظل الإيثار والمحاباة، وفي ظل التحيز للمنافع والتتبع للأهواء. فما كنا نقدر – ونحن نعرض هذه الصورة – أن نفوس هؤلاء شؤون الموظفين البائسين كانت متصلة بنفسنا تشكو إلينا، وتملي علينا، وتستعيننا على أن نرفع شكواها إلى الشعب، ونعرض ظلامتها على الأمة، ونثير في قلوب الناس شيئًا من الرثاء لهم، والعطف عليهم، لعل ذلك يسليهم عن ظلم الحكومة لهم، وإعراض الحكومة عنهم، وتحكيم الوزارة فيهم أصولًا وقواعد هي أبعد الأصول عن العدل، وأشد القواعد انحرافًا عن الإنصاف.
    نعم، بينما كنا نحن نعرض هذه الصورة أمس، كان هؤلاء البائسون من صغار الموظفين يطوف بعضهم ببعض، ويقف بعضهم على بعض، ويمضي بعضهم من بعض عرائض فيها شكوى، وفيها استعطاف، وفيها دعاء إلى العدل، وفيها مطالبة بالحق، وفيها تصوير لما يحتملون من بؤس، وما يلقون من جور، حتى إذا أتموا عرائضهم هذه وأمضوها، رفعوها إلى رؤسائهم وانتظروا، فالله وحده يعلم كم ينتظرون، والله وحده يعلم ماذا ينتظرون. أيطول انتظارهم أم يقصر؟ أيظفرون بالإنصاف أم يظفرون بالإجحاف وخيبة الأمل؟ أتسمع لهم الحكومة أم تضع أصابعها في آذانها كأنها لم تسمع شيئًا؟!
    إن صوت الضعيف البائس قوي يهز القلوب، ولكن إذا كان في القلوب استعداد للعدل والنزول عند الحق. فأما صوت الأقوياء والسعداء فليس في حاجة إلى أن يرتفع، بل ليس في حاجة إلى أن يتجاوز الحناجر والشفاه، لأن بين قلوب أصحابه وقلوب الوزراء والرؤساء أسلاكًا خفية حساسة سريعة النبض، تنقل ما في القلوب إلى القلوب، فإذا هؤلاء الأقوياء السعداء يرقون ولم يطلبوا رقيًا، ويزادون ولم يطلبوا زيادة، وإذا هم يسعدون لا لشيء إلا لأنهم سعداء، وينعمون لا لشيء إلا لأنهم ناعمون!!
    نعم، هؤلاء البائسون من صغار الموظفين يألمون ويغرقون في التألم، ويشكون ويلحون في الشكوى، ويستعطفون ويغلون في الاستعطاف، فلا يسمع لهم أحد، ولا يحفل بهم أحد، ولا يلتفت إليهم أحد إلا أن تظهر الحاجة إلى الاقتصاد، أو يراد التمويه بالاقتصاد، وحينئذ يفصل منهم من يفصل، وينقص منهم من ينقص، وتفصل مصلحة المباني من ملاحظيها مثلًا خمسين ومائة. فأما كبار الموظفين فليسوا في حاجة إلى أن يطلبوا، بل لعلهم ليسوا في حاجة إلى أن يفكروا في الطلب، ولكن الحكومة تستثنيهم من كل قاعدة، وتعفيهم من كل قيد، وترقيهم وتزيدهم بغير حساب لأنهم أكفاء، وهم أكفاء لأنهم من كبار الموظفين!!
    وهناك طائفة من الموظفين صغيرة أو كبيرة في وقت واحد، قد جمعت النقيضين، ولاءمت بين الضدين، أعضاؤها صغار في مناصبهم ودرجاتهم ومرتباتهم، ولكنهم مقربون من الوزراء والرؤساء، فلهم من عطف الوزراء والرؤساء أجنحة تحلق بهم في الجو، وتطير بهم في السماء، وترقى بهم في سرعة سريعة إلى حيث يصبحون كبارًا بين الكبار، وأكفاء بين الأكفاء!
    هذا سكرتير الوزير، وهذا سكرتير الوكيل، وهذا يعمل في مكتب فلان، وهذا ينمو في ظل فلان، فويل له إذا لم تمكنه هذه الفرصة من أن ينتهب الأرض، ويبلغ في أقصر مدة ممكنة أقصر شوط للسباق!
    هذا رئيس الوزراء يضطره المرض إلى السفر ليستشفى ويستريح، فيسافر ويستصحب معه نفرًا من صغار الموظفين، يعملون معه حين لا يعمل، ويتعبون معه حين يستريح، والدولة تنفق على سفرهم من أموالها ذاهبين وآيبين، وتمنح كل واحد منهم جنيهين في كل يوم، أي ستين جنيهًا في الشهر، لا لشيء إلا لأنهم يرافقون رئيس الوزراء أثناء راحته واستشفائه.
    وبينما يسعد هؤلاء الموظفون المرافقون لرئيس الوزراء بالراحة واللذة والنعيم والاستمتاع بتغيير الجو، يشقى صغار الموظفين بياض النهار، ثم يعودون إلى أهليهم وكثير منهم لا يدرون: أيجدون أم لا يجدون ما يأكلون!
    نعم، وبينما ينعم هؤلاء الموظفون المرافقون لرئيس الوزراء بالراحة واللذة وطيب الإقليم على حساب الدولة، تتفطر أكباد وتتحرق أفئدة، وتسفح دموع لأن هذه الدولة التي تنفق عن سعة على راحة رئيس الوزراء وأتباعه تضيق مدارسها بالمئات من الصبيان والشبان فيقصون عنها ويشردون في الشوارع، وأهلهم عاجزون، لا يجدون ما يمكنهم به من العودة إلى مدارسهم وإتمام عامهم الدراسي بأداء الامتحان، فإذا سئل وزير المعارف في مجلس النواب عن أمر هؤلاء الطلاب قال للمجلس غير الحق، وغر المجلس بالأماني، فإذا نبهته الصحف إلى موقفه هذا، وطلبت إليه أن يلائم بين قوله وعمله، وضع أصابعه في أذنيه، وسيجارته بين شفتيه، وأعرض وأصر واستكبر استكبارًا!!
    نعم، وبينما يستمتع رئيس الوزراء وأتباعه بالراحة، وبينما يستمتع كبار الموظفين بهذه المنح الجديدة التي أهديت إليهم يوم الخميس، وبعد يوم الخميس، يستمتع صغار الموظفين بالحرمان وبالأمل في أن حالهم قد يتحسن، فينتظرون، والله يعلم كم ينتظرون، وماذا ينتظرون.
    أما الفلاح فيجب أن يكون أحسن الناس حالًا، وأنعم الناس بالًا، وأوسع الناس آمالًا. يجب أن يقيم الزينات ويدق الطبول، يجب أن يرقص وإن كره وزير التقاليد الرقص، يجب أن يطرب وإن لم يكن في الحياة شيء يدعو إلى الطرب، يجب أن يبتهج لأن رئيس الوزراء لم يرد أن يسافر حتى يسوق إليه بشرى ستخرجه من الظلمة إلى النور، ومن البؤس إلى النعيم، ستنزل الدولة للفلاح عن مليون من الجنيهات، نصفه يخفف من عبء ضريبة الخفر، ونصفه يحسن حال الحاصلات.
    ولكن كيف ومتى وأين؟ ومن ينتفع بهذه الهبة؟ ومن يراها ولا ينتفع بها؟ هذه أسئلة لا بد لها من جواب، ولكن الجواب لن يأتي حتى تنتظر، والله أعلم كم تنتظر، والله يعلم ماذا تنتظر، والله يعلم أين يقع هذا المليون من حاجات الملايين من الفلاحين، والله يعلم أيذهب هذا المليون كما ذهبت غيره من الملايين؟ أم يكون له حظ من بركة الشيخ الإنبابي، والقديسة تريز، فيفرجوا شيئًا ولو قليلًا من بؤس البائسين وهمِّ المكروبين…
    يا لها من حياة تحياها مصر في هذه الأيام، تقسم فيها حظوظ الناس بينهم قسمة قوامها الجور.
    كوكب الشرق ١٦ – ٥ – ١٩٣٣