Tag: التأمل الذاتي

  • رسالة لم يكتبها الجاحظ | A Letter al-Jahiz Never Wrote

    رسالة لم يكتبها الجاحظ

    طه حسين

    مجلة المصور

    ١٢ مارس ١٩٤٨

    إلى …

    يسَّرَك الله للخير، ويسَّر الخير لك، وصرفك الله عن الشر، وصرف الشر عنك، ودلَّك الله على الحق، ودل الحق عليك، وساقك الله إلى الصواب، وساق الصواب إليك، وأشاع الله في قلبك الغبطة، وأسبغ على نفسك البهجة، وأنزل على ضميرك السكينة، ونقَّى دخيلتك من الموجدة والضغينة، وجعل ما ظهر من أمرك بشرًا ويمنًا، وما خفي من سرِّك دعة وأمنًا، ووطأ كنفك للصديق المقارب، ومهَّد عفوك للعدو المجانب، ورفع مكانك عن كيد الكائدين، وحسد الحاسدين، وخفض جناحك للَّائذين بك واللاجئين إليك، وثبَّتك على ما ركب في طبعك من إعطاء المحروم، وإغاثة الملهوف، وإعانة المحتاج، وتعزية الملتاع، والأخذ بيد الضعيف، والتجاوز عن إساءة المسيء، والإعراض عن جهل الجاهلين.

    ***

    بهذا كله أدعو لك حين ألقاك، وحين أنأى عنك، وبهذا كله أدعو لنفسي حين أخلص لها خاليًا إليها، وحين أشغل عنها نافرًا منها. فالله يشهد ما أحببت لنفسي شيئًا إلا أحببت لك مثله، أو خيرًا منه، وما كرهت لنفسي أو من نفسي شيئًا إلا تمنيت أن يعصمك الله منه، وينزهك عنه، ويجنبك التورط فيه. فأنت رفيق الصبا وصديق الشباب، وأنت شقيق نفسي وأليف قلبي، والشريك في النعمة حين تظل، والحليف على النائبة حين تنوب، والمعين على الخطب حين يَدْلَهِمُّ، والظهير على الأيام حين تحدث فيها الأحداث وتتعقد فيها المشكلات. فما نصحت لك قط ولا أشرت عليك ولا رفقت بك، إلا رأيتني لها ناصحًا وعليها مشيرًا وبها رفيقًا.

    وما أعلم أنَّك احتجت قَطُّ إلى نصح الصديق ومشورة الخليل كما تحتاج إليهما الآن حين ارتفعت منزلتك عند أصحاب الشأن، وأُلْقِيَ إليك الخطير من أَزِمَّةِ الحكم، فطمِع فيك الطامعون، وأشفق منك المُشفِقون، وانعقدت بك الآمال، ولاذت بك الأماني، وأصبحت من وفور النعمة وبسطة الجاه بحيث لا تستقبل النهار ولا تستقبل الليل، ولا تعبر ساعة من ساعاتهما أو لحظة من لحظاتهما إلا فكَّر فيك مفكِّر يريد أن يستظل بجناح من نعمتك أو يتقي طائفة من نقمتك؛ فأنت المرجو المَخوف، وأنت المحبب المبغض، وأنت المرموق المرموق، وأنت المغبوط المحسود. وإذا بلغ الإنسان مثل ما بلغت من ارتفاع المنزلة وعلو المكانة وانبساط السلطان وامتداد القوة؛ كان خليقًا أن ينأى بنفسه عن الغرور والتِّيهِ، ويبرئها من الصَّلَفِ والكبرياء، ويحميها من الاندفاع في الثقة، والاعتداد بالحول والطول، والاستغناء بالثراء والبأس، ويذكر أنَّه قد قوي بعد ضعف، وأثرى بعد فقر، واستغنى بعد احتياج، وأنَّ ضمائر الأيام تحفظ للناس من أسرار الغيب ما يُحبُّون وما يكرهون، وتدَّخر لهم من الأحداث ما يعرفون وما ينكرون. فمن أتيحت له القوة قد يُقدر له الضعف، ومن مُكِّنَ له في الأرض قد تنبو به الدار، ومن ابتسمت له الأيام قد يعبس له الدهر، النعمة وديعة في أيدي أصحابها قد يطلبها من استودعهم إياها، والقوة عارية في أيدي الأقوياء، قد تُؤخذ منهم لتُردَّ على الضعفاء، والله عز وجل يقول: ( وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ) وقد قال الشاعر القديم:

    فيومٌ علينا ويومٌ لنا ويوم نُسَاءُ، ويوم نُسَرُّ

    فأحذرك أول ما أحذرك أيها الأخ الصديق والخليل الشفيق: الاعتداد بالنفس، والاغترار بالحول والطول، والانخداع بابتسامات الدهر؛ فإنَّها قد تصدقك اليوم لتكذبك غدًا. فاحذر نفسك أول ما تحذر، وأشفق عليها منها قبل أن تشفق عليها من الناس، واذكر قول الله عزل وجل في قصة يوسف عليه السلام: ( وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ )؛ فلا تنفذ لنفسك أمرًا تتلقاه منها حتى تتدبره وتفكر فيه؛ فتطيل التفكير، ومهما يواتيك الحظ فاذكر حالك قبل أن يواتيك، وقدِّر أنَّك قد تعود إلى مثل ما كنت فيه، واذكر رأيك في أصحاب الرأي قبل أن تكون منهم، ونقدك لهم وحكمك عليهم قبل أن ترقى إلى مكانك بينهم. واعلم أنَّ النَّاس يقولون فيك مثل ما كنت تقول فيهم، ويحكمون عليك بمثل ما كنت تحكم عليهم، واذكر في أول ما تذكر أنَّ لك ضميرًا يرضى ويسخط، ويعرف وينكر، ويحمد ويذم، وأنَّ أعباء الحكم قد تشغلك عنه أو تشغله عنك، ما امتدت لك أسباب القوة. ولكن ستفرغ له كما أنَّه سيفرغ لك ذات يوم أو ذات ليل؛ فاحرص على ألَّا تسمع منه إلا خيرًا.

    ***

    وأنت بعد ذلك محتاج إلى نصح الصديق ومعونة الخليل فيما أحدث الحكم بينك وبين الناس من صلات، فأنت تدبر أمورهم وترعى مرافقهم، تسوسهم باللِّين حينًا، وتسوسهم بالشدة أحيانًا. فأنت تُطمِع وتُخيف، وأنت تُشيع الرغب وتُشيع الرهب، وأنت تمد أسباب الرجاء وتُرسل إلى القلوب صواعق اليأس. فالنَّاس بين مبتغٍ إليك الوسيلة، ومتربص بك الدائرة، ومنتهز فيك الفرصة. كلهم يظهر لك المودة، وأكثرهم يُضمر الموجدة عليك، ويطوي قلبه لك على شر ما تُطوى عليه القلوب.

    وأخوف ما أخاف عليك من الناس: سعيهم عندك بالنميمة، ومشيهم إليك بالوقيعة، وابتغاؤهم رضاك بالوشاية؛ فالنَّاس يبتغون إلى الحاكم كل وسيلة، ويتقربون إليه من كل سبيل، يتنافسون فيما عنده، ويغريهم ذلك بأن يكيد بعضهم لبعض، ويمكر بعضهم ببعض، ويتكذب بعضهم على بعض، كلهم يريد أنْ ينالَ منَ الحكومة أكثر ممَّا ينال غيره من النظراء، وهم من أجل ذلك في هَمٍّ مقيم وتحاسُد متصل وتباغُض ملح، يسعون إلى آمالهم بما يستقيم من الطرق وما يعوج، وبما يباح من السيرة وما يحظر، وبما يَحسُن من القول والعمل وما يقبح، يتبادلون المساءة فيما بينهم، ولكنَّهم يختصونك بشرِّ ما يتبادلون من النكر والسوء، ويفسدون قلبك على الناس، فيفسدون قلوب الناس عليك، ويسيئون رأيك فيهم فيسيئون رأيهم فيك. ثم ينتهون آخر الأمر إلى أن يُفسدوا عليك أمرك، ويسيئوا رأيك في نفسك، ويباعدوا بينك وبين ضميرك، وينغصوا عليك راحة الليل، ونشاط النهار.

    ***

    وإذا وجب عليك أن تحذر نفسك، وأن تحذر الناس، فقد يستبين لك أنَّ الحكم نقمة لا نعمة، ومحنة تُبتلى بها النفوس، وتُفتن بها القلوب، وتُمحص بها الضمائر، فهو عناء لا راحة، وهو شقاء لا سعادة، وهو قلق لا هدوء، وهو خوف لا أمن. واذكر — أصلحك الله — أيام كنا نلتقي فنذكر فلانًا وفلانًا من الحكام الذين سبقوك، نعيبهم كثيرًا ونثني عليهم قليلًا، ونرثي لهم دائمًا، ونتمنى للصديق منهم أن يجلي الله عنه الغمرة ويُفرج عنه الكربة، ويحط عنه أعباء الحكم وأوزاره، ويرده إلى الحياة الحرة السمحة التي لا يحمل الإنسان فيها إلا أوزار نفسه، والتي لا يثقل الإنسان نفسه فيها بأوزار الناس، وما أكثر أوزار النَّاس!

    ولقد تبتسم راضيًا أو ساخطًا حين تعلم أني أكتب إليك هذه الرسالة، وفي نفسي من الحب لك والرفق بك والإشفاق عليك، ما يحملني على أنْ أسأل الله لك العافية، وأتمنى عليه أن يضع عنك إصر الحكم وأغلاله، وأن يردك إليَّ من هذه المحنة سالمًا موفورًا، وقانعًا من الغنيمة بالإياب؛ فخير غنيمة للحاكمين أن يخرجوا من الحكم أنقياء كما كانوا قبل أن يدخلوا فيه، لم يغنموا منه إلا سلامة الإياب!

  • الضمير الهارب | The Fleeing Conscience

    الضمير الهارب
    لم يكن صاحبي ساذجاً ولا غليظ القلب ظاهره كهذا الضابط الفرنسي الذي أظنك رأيته في دار من دور السينما، يأتمر مع أصحابه ليغير النظام في فرنسا ويرد إلى العرش ابن نابليون. فبينما هو ذات يوم يمشي على رصيف من أرصفة باريس لقي رفيقاً من رفاقه في جيش الإمبراطور. وكان العهد قد بعد بينهما فوقع اللقاء من نفس الرجلين موقعاً حسناً، وتحدثا عن الجيش وعن الإمبراطور، وتحدثا عن أمس وعن غد، ولم يكرها أن يذما يومهما ويسرفا في ذمه. ثم ذهب الصديقان إلى حيث كان الضابط يحدث صاحبه عن أصدقائهما وما يأتمرون به، ثم ما زال الحديث ينتقل بهما من موضوع إلى موضوع حتى عرف الضابط أن صديقه لم يقم على عهد الإمبراطور، وإنما آثر لين الحياة فعمل في جيش الملك. هنالك لم يستطع الضابط أن يلوم صاحبه ولا أن يعاتبه، ولا أن يناقشه في شيء، ولم يزد أن أطفأ المصباح حتى لا يرى وجه هذا الصديق الخائن، وفهم الرجل عن صديقه فانصرف عنه خزيان أسفاً.
    لم يكن صاحبي ساذجاً غليظ القلب ظاهره كهذا الضابط الفرنسي، وإنما كان رجلاً مترفاً لا في حياته المادية، بل في حياته المعنوية خاصة. كان مترف العقل جداً لا يكتفي بظواهر الأشياء ولا يقنع بحقائقها، وإنما يبغي شيئاً أرقى من الظواهر وأعمق من الحقائق كأنه اللب والخلاصة لكل شيء. وهو إذا وصل إلى هذه الخلاصة وذلك اللب ولم يقنع بهما، وإنما تخير منهما أنقاهما وأرقاهما وأشدهما ملاءمة للعقل الممتاز، والذوق الرفيع، والشعور الراقي، والنفس الأبية العالية. وكان صاحبي قويّ الحس جداً، ولكنه كان شديد الازدراء للحس، يضعه في موضعه الطبيعي فلا يكبره ولا يغلو في العناية به، ولا ينتظر منه إلا ما يُنتظر من الأداة التي لا يُراد منها إلا أن تؤدي العمل الذي هُيئت له. فهو لا يريد من حسه إلا أن ينقل إليه صورة الحياة الخارجية، فإذا نقلها إليه شغل بها فحقق ودقق، ومحص وصفى، وآثر نفسه بخلاصة ما ينتهي إليه التحقيق والتدقيق والتمحيص والتصفية، فغذّى به عقله وقلبه وشعوره؛ وفكر فيه فأطال التفكير، واستخرج منه أقصى ما يستطيع استخراجه من اللذة والألم، ومن العبرة والعظمة، ومن الغبطة والحزن.
    وكان صاحبي هذا بحكم هذا المزاج الخاص معقداً شديد التعقيد، متعباً لنفسه ولأصحابه وأصدقائه جميعاً، وكان كثيراً ما يسأل نفسه عما يريد فلا يجد لهذا السؤال جواباً. وكان أصدقاؤه يسألونه عما يريد فلا يجدون لهذا السؤال جواباً. فقبلوه على علاته، وقبلوه على ما في صحبته من مشقة وتعقيد. وكانت حياته وحياة أصحابه هينة لينة مستقيمة تمضي في طريق لا عوج فيها ولا التواء، كما كانت حياة الناس كلهم في بعض أوقات الأمن والدعة والهدوء، فكان راضياً عن أصحابه، وكان أصحابه راضين عنه. وكان ما يعرض له ولهم من مصاعب الحياة ومشكلاتها لا يزيد على أن يكشفها لهم فيحببه إليهم، ويكشفهم له فيحببهم إليه.
    ولكن هدوء الحياة ودعتها واطراد الأمن فيها واستقامة الطرق لسالكيها ليست أموراً محتومة مقضية للناس أو مقضية عليهم، قد أخذوا بها عهداً على الظروف والأيام. وإنما هي أمور ممكنة تتاح حيناً وتمتنع أحياناً؛ تتاح فيسعد الناس، وتمتنع فيشقى الناس. تتاح فيجهل بعض الناس بعضاً، ويحب بعض الناس بعضاً، ويطمئن الناس إلى بعض؛ لأن ظروف الحياة لا تكرههم على أن يدقق بعضهم في امتحان بعض، ويحقق بعضهم في ابتلاء بعض. ثم تمتنع فإذا الناس يتعارفون، ولا يلبثون أن يتعارفوا حتى يتناكروا ويتدابروا. ويقوم الشك منهم مقام اليقين، ويقوم الحذر منهم مقام الاطمئنان، وتقوم التفرقة منهم مقام الصراحة، ويقوم البغض منهم مقام الحب، وإذا هم يندمون على جهلهم القديم، وإذا هم يحزنون على اطمئنانهم الماضي، وإذا هم يتمنون لو ردّ الله عليهم تلك الأيام الحلوة التي كانوا يستمتعون فيها بلذة الجهل وحلاوة الغفلة ونعيم الثقة، وأعفاهم من هذه الأيام التي يشقون فيها بألم المعرفة ومرارة الفطنة وبؤس الشك.
    وكان صاحبي قد فتح لنفسه الأبواب كلها على مصاريعها كلها ليتلقى كل شيء من كل شيء ومن كل إنسان. ثم ليسعد بهذه التصفية والتنقية، وبهذا التمحيص والتحقيق، وبتخير الثمرات من كل ما كان يجتمع له من الجيد والرديء. فلما نكرت الأيام لم يغلق من أبواب نفسه باباً، وإنما نظر فإذا النفوس تغلق من دونه نفساً فنفساً، وإذا أبوابها تغلق من دونه باباً فباباً. وإذا ما كان يجتمع له من الملاحظات يقلّ شيئاً فشيئاً، ويندر حتى كاد لا يصبح شيئاً. وإذا ما بقي من هذه النفوس القليلة التي ثبتت للمحن، وامتنعت على الخطوب، وأبت أن تلين قناتها للأحداث، قد أخذ يغشاها من حين إلى حين لون رقيق جداً من الحياء، ثم من الغلو في الحياء، ثم من الإشفاق، ثم من الإسراف في الإشفاق. ثم يتكاثف اللون ويتكاثف، وتُضاف طبقات منه إلى طبقات حتى يصبح احتياطاً وحذراً، وحتى يستحيل إلى حجاب كثيف صفيق لا تنفذ من دونه نفس إلى نفس، ولا ينتهي من دونه قلب إلى قلب، ولا يتحدث من دونه ضمير إلى ضمير.
    وإذا صاحبي يلقى أصحابه فلا يلقى منهم إلا وجوهاً، ويصافح أصحابه فلا يصافح منهم إلا أيدياً، ويحدث أصحابه فلا يكون بينه وبينهم إلا حركات الألسنة في الأفواه، وخروج الألفاظ من الشفاه، وانتهاء الأصوات إلى الآذان، ثم وقوفها دون هذه الأبواب التي قد غُلقت تغليقاً، وهذه الأستار التي قد أُسدلت إسدالاً. على أنه أيضاً لم يكن أقل من أصحابه وأحبائه تغليقاً لأبواب نفسه، وإلقاء للحجب والأستار بينه وبينهم؛ فقد آذاه ما رأى منهم كما آذاهم ما رأوا منه. فكان هذا الحياء الذي كان منهم، ثم أخذ هذا الحياء يتعقد في نفسه كما كان يتعقد في نفوسهم حتى أصبح إشفاقاً ثم شكّاً ثم احتياطاً وحذراً.
    ولكن حياء صاحبي لم يكن كحياء أصدقائه؛ كانوا يستحيون منه وكان يستحيي لهم، كانوا يشفقون منه وكان يشفق عليهم، كانوا يحذرون منه وكان يحذر عليهم، ولكنه الحياء والإشفاق والحذر على كل حال. ولكنه تغليق الأبواب وإلقاء الأستار والحجب على كل حال. ولكنه انقطاع الأسباب وفساد الصلات على كل حال. ولكنه العزلة بين قوم لم يكونوا يستطيعون أن يعتزل بعضهم بعضاً، والفرقة بين قوم لم يكونوا يستطيعون أن ينعموا بالفراق، ولكنه الرياء بين قوم لم يكونوا يحتملون الرياء. ولكنه هذا الألم الممض الذي ينشأ عن الفراق والناس مجتمعون، وعن البعد والناس متقاربون، وعن القطيعة والناس متواصلون. ولكنه العذاب الذي يجده الناس حين يتحدثون بألسنتهم لا بقلوبهم، وحين يسمعون بآذانهم لا بنفوسهم، وحين تتصافح أيديهم وتتباعد بين ضمائرهم ونياتهم الآماد، إلا من ألف منهم هذه الحياة واطمأن إليها ووجد فيها مثل ما كان في تلك الحياة من اللذة والراحة والنعيم؛ لأنه فارق أصدقاء فوجد مكانهم أصدقاء آخرين، ونأى عن أحباء فاستقر في أحباء آخرين.
    هنالك نظر صاحبي إلى نفسه، فإذا هو قد أصبح أداة من الأدوات تسعى مع النهار وتعود مع الليل، تلقى الناس فتتحدث إليهم وتسمع منهم دون أن تعقل ما يصدر عنها أو تذوق ما يصدر إليها من حديث. أداة تذهب وتجيء تتلقى آثاراً من أدوات مثلها، وتحدث آثاراً في أدوات مثلها، ولكنها آثار ظاهرة آلية لا قوام لها ولا لذة فيها، ولا أثر للحياة القوية العاقلة المفكرة في مظاهرها، وإنما هي أداة ممثلة لا أكثر ولا أقل، تعمل مع أدوات ممثلة لا أكثر ولا أقل.
    وكانت لصاحبي بقية من قوة في النفس، وفضل من حياة في الضمير، وأثر من حزم في الإرادة، وقليل من ذلك الترف العقلي الذي كان يستمتع به أيام كان الناس ناساً وحين كانت الحياة حياة؛ فأكبر ما انتهت إليه أموره وأمور أصحابه من هذه الصفة التي يجحد فيها الرجل نفسه ولا يؤمن فيها إلا بغيره. أكبر ذلك وضاق به وأزمع أن يعتزل هذه البيئة التي لا يستطيع أن يكون فيها إلا أداة مسخرة. ولكنه اعتزلها ولم يعتزلها؛ قرّ في داره وعاش بين أهله، لم يسعَ إلى أحد ولم يفكر في لقاء أحد، وكان يظن أن هذه العزلة ستغنيه وتحميه وتردّ إليه نفسه بريئة من النفاق معصومة من الفساد. ولكنه لم يلبث أن استيقن أنه لم يصنع شيئاً؛ فهو يعتزل الناس ولكن الناس لا يعتزلونه، يعرض عنهم فيقبلون عليه، يقعد عنهم فيسعون إليه، يكفّ عنهم حياءه لهم وإشفاقه عليهم فيحملون إليه حياءهم منه وإشفاقهم منه، ويغلون في ذلك يحسبون أنهم يخدعونه عن أنفسهم، أو يحسبون أنهم يخدعون أنفسهم عن أنفسهم.
    فلما استيأس صاحبي من نفع هذه العزلة، واستيقن أنه لا أمل له في أن يظفر بنفسه صافية وقلبه طاهراً وضميره حياً إلا أن يترك البيئة كلها وهاجر من أرض إلى أرض، وارتحل عن وطن إلى وطن، أسرّ ذلك في نفسه وأظهر لنا معشر أصدقائه المخادعين له ولأنفسنا مثل ما كان يظهر من حسن اللقاء ولطف المؤانسة حين كنا نزوره ونجلس إليه.
    ثم سعيت إليه ذات يوم لأقضي معه ساعة من ساعات الفراغ – وما أكثر ساعات الفراغ في حياتنا نحن المصريين – فلم أجده، وسألت أين يمكن أن يكون فلم أُدلل عليه. وسألت متى يمكن أن يعود فلم أُنبأ بشيء. فعدت محزوناً لا لأنني لم ألقه، بل لأني لم أُلقِ عليه ثقل ما كنت أحتمل من الضجر والضيق والفراغ، ولأني لم أُلقِ في نفسه أني أوثره بالحب وأعتقد أنه يؤثرني به. لأني لم أُهدِ إليه شيئاً من هذا الرياء الذي يهديه بعضنا إلى بعض في كل يوم، ولم أتلقَ منه شيئاً من هذا الرياء الذي يتلقاه بعضنا من بعض في كل يوم؛ رجعت محزوناً لأن الأداة لم تؤدِّ بعض ما كان يجب أن تؤديه من التمثيل.
    وعدت إلى صاحبي ألتمسه فلم أجده، وأخذ أصحابنا يلتمسونه فلا يجدونه، وكلهم شعر بمثل ما شعرت به، وكلهم يتحدث إلى نفسه بمثل ما تحدثت به إلى نفسي من الحزن وخيبة الأمل، وقليل منهم يتحدث إلى الناس بمثل ما أتحدث به إليك الآن أيها القارئ العزيز.
    ثم انقضت الأسابيع والأشهر، وإذا أنا أتلقى صباح اليوم منه هذه الأسطر التي دفعتني إلى كتابة هذا الفصل. وأحسب أني لن أجيبه إلا بإرسال هذا العدد من الرسالة إليه، فقد عرفت عنوانه الآن. كتب إليّ يقول:
    "كتابي إليك أيها الصديق من بلد ناءٍ فررتُ إليه بنفسي وضميري من بلد تفسد فيه الضمائر والنفوس، وآثرت أن أحيا فيه فرداً مع نفسي على أن أحيا عندكم حياة الأدوات لا حياة الناس. ولقد كنت أظن أني فارقتكم إلى غير رجعة، ورحلت عنكم إلى غير عودة، وسئمت حياتكم سأماً لا حد له، وكرهتها كرهاً لا أعرف له قراراً، وعجزت عن احتمال أيسر أثقالها. وأعترف بأني سعدت بهذه الهجرة سعادة خصبة حقاً، واستكشفت فيها نفسي فنعمت بهذا الاستكشاف، وأنست فيها إلى ضميري واستمتعت بهذا الأنس. ولكني لم ألبث في هذا البلد شهراً أو شهرين حتى أحسست أن نفسي لا تكفيني، وحتى ضقت بإطالة النظر في المرآة، حتى ذكرت الأصدقاء فنفرت من ذكر الأصدقاء، وفزعت منهم إلى الكتب حيناً، وإلى مناظر هذه الطبيعة الرائعة حيناً آخر. وما زلت أيها الصديق مطمئناً إلى هذا المعقل الذي آويت إليه واعتصمت به. ولكن انظر! ها أنا ذا أكتب إليك، وما كتبت إليك إلا لأني فكرت فيك، وما فكرت فيك إلا لأن نفسي نازعتني إلى حديثك. وإذن فقد أبت حياتي تلك إلا أن تتبعني في هجرتي وتقتحم عليّ هذا المعقل الذي لجأت إليه، وكل ما أتمناه ألا تغلبني على نفسي، ولا تخرجني من معقلي، وأن تكتفي بزيارتي والإلمام بي من حين إلى حين. فاكتب إليّ وأطل، فقد يظهر أن الحياة التي ترتفع ارتفاعاً خالصاً عن كل ما نكره من النقائص شيء لا سبيل إليه. وأما أنا فقد جربت الضيق بالحياة في مصر والفرار منها، وأنا زعيم لكم أيها الأصدقاء بأن صاحبكم سيعود إليكم متى انقضى الصيف. ومن يدري، لعل الحياة أن تكون قد عادت إلى شيء من الأمن والدعة والهدوء، فتتفتح الأبواب، وتُرفع الحجب والأستار، لا نحتاج فيما بيننا إلى اصطناع الرياء، أو إلى اصطناع المجاملة، ثم لا يستحيي بعضنا من بعض، ولا يستحيي بعضنا لبعض."
    الرسالة ٠٧\٠٥\١٩٣٤

  • من أيِّهم أنا؟ | Which of Them Am I?

    من أيِّهم أنا؟
    طه حسين
    جريدة مصر الفتاة
    ٨ أكتوبر ١٩٠٩

    في البلد أفراد من الكُتَّاب إذا أعلن أحدهم إلى الناس أن مقالًا له سينشر في إحدى الصحف يوم كذا صادف منهم نفوسًا كلفة بما يكتب وقلوبًا مشغوفة بقراءته، ثم ألسِنةً بعد ذلك منطلقة بالثناء وأقلامًا جارية بالإطراء منها ما يثني على الكاتب لأنه الكاتب، ومنها ما لا يصدر في إطرائه إلا عن اعتقاد صحيح بأنه في مقاله محسن مجيد، وبعد هذا وذاك تكثر الألسنة والأقلام التي تتناول بالنقد مقال الكاتب فتذهب منه مذهب النصح، وتقصد فيه إلى الحق أو تميل به مع الهوى وتنحو فيه مناحيَ التغرير والتضليل، ولئن كان تألم الكاتب من النقد وتبرمه بالناقد قد يعدوان طوريهما أحيانًا؛ فإن ارتياحه إلى الثناء والإطراء اللذين يسدَيَان إليه كثيرًا ما يخفف من غيظه ويذهب بموجدته فهو حسن الحظ صاعد الجد على كل تقرير.

    أما سيئ الحظ من الكُتَّاب فأحد اثنين؛ رجل لم يلقَ من الناس إلا انتقادًا مُرًّا وتشهيرًا مخجلًا؛ لأنه لم يقصد إلى الجادة ولم يوفَّق إلى الصواب. ومثل هذا الرجل خليق بعثور الجد؛ لأنه زعيم بأن يوقفه من الغرور وحب الذكر عند حد محدود، ورجل لم يلقَ من الناس خيرًا ولا شرًّا، ولم يبلُ منهم حلوًا ولا مُرًّا؛ لأنه لم يكتب ما يستحقُّ المدح والقدح أو لأن مقاله صادف من القُرَّاء أوقات الخمول والسآمة، أستغفر الله. بل هناك رجل آخر يبلو المر ويسمع الهجر في نصرة الحق والذود عنه، وما أحسبني أنسيته إلا لأنه بين ظهرانينا نادر قليل.

    فمن أي هؤلاء يمكن أن أكون أنا؟ خطر لنفسي هذا الخاطر فألقت عليَّ هذا السؤال بعد أن قرأت مقال يوم الجمعة في مصر الفتاة؛ فإذا هو سابع ما نشر بهذا العنوان، وقد يكون الرابع عشر لما نشر بهذا الإمضاء، وإذا أنا كأول يوم كتبت لا أقول لأني لم أسمع كلمة ثناء فقد علم الله ما ابتغيتها اليوم ولا تمنيتها. ولئن كنت مشغوفًا بها كل شغف فهي الآن أزهد عندي من عفطة عنز، يقول علي بن أبي طالب لأني أعلم أن آنَها لم يؤن بعدُ وأدخرها لذلك اليوم الذي تطلبني فيه ولا أطلبها، ولكن لأني لم أسمع كلمة ناقد ولم أَرَ مقالًا لعائب بعد أن دعوت القراء إلى أن ينازعوني أطراف القول فيما أكتب وأقول. ولقد كنت أحسب أن بؤسي مطبق في كل شيء حتى في الكتابة، وأن موقفي زلق في كل مكان حتى بين الكُتَّاب … نظرت فإذا أنا لست من كُتَّاب المنزلة الأولى فلم يرعني ذلك لأن هذه المنزلة غاية يبلغها كل كاتب مثلي لم يقف من حب الإجادة والإحسان عند حد، ثم نظرت فإذا أنا أحد الرجلين في المنزلة الثالثة؛ فحمدت الله على أن مررت بمنزل أبي فصادة ولم أعرج، وجعلت أتردد بين أن أضع نفسي موضع أول الرجلين فأريح وأرتاح، أو أضعها موضع ثانيهما فأرضيها بالأعاليل ثم أعمد إلى القُرَّاء فأدافع عنهم الخمول، حتى يستفيقوا منه، وإذ ذاك أجد من النقد نصيبًا موفورًا. ولقد خشيت أن يستحيل غلوي في حب النقد إلى تمادٍ في بغضه لولا أن جمعتني ليالي الصوم بفريق من الناس كلهم ينقمون مني ألفاظًا كثرت فيما أكتب يقولون إنها غريبة نابية، وبعضهم يأخذ عليَّ تنويهي بالمنطق وميلي إليه في مقال يوم الجمعة، يقولون كيف يحسن من أديب يكتب في العشق إلى أحد العاشقين أن يعرض بالمنطق أو يميل إليه؟ إن هذا لهو الجور المبين، لم تصادف هذه الكلمات مني إلا نفسًا ظمئة وقلبًا مشغوفًا بهن، فكنَّ أشبه شيء بقطرات الماء يترشفها الصدى فيبللن صداه ويخففن من ظمئه، كذلك الإنسان إذا صادف الأمنية بعد الأمل وطول الرجاء، ولو أن الناقدين على حق لوقفت عنده وسكنت إليه، ولكنهم مع الأسف مخطئون. أما في الأول فلأن اللغة العربية التي نمتدح بغناها ونتحدث بكثرة مادتها لم يقف مألوفها عند هذه الألفاظ التي نفعم بها الصحف كل يوم، وليس الغريب كل لفظ ثقل على ألسنة الظرفاء من أبناء القاهرة أو نَبَا عن طباعهم؛ فإن هؤلاء قد لا يروقهم اللسان العربي إذا لم تُصَغْ ألفاظه من خطرات النسيم ولحظات العيون وغمزات الحواجب، يأبون إلا أن يستعار لهم الكلم من تنفس الأزهار وتناغي الأطيار، يريدون أن يُهملوا آذانهم وألسنة الناس فلا هم يسمعون ولا الناس ينطقون، وإنما تتخاطب النفوس وتتناجى الأفئدة يحسبون أن تشبيه الكلام بالدر يجعله درًّا، وأن قياسه بالخمر يجعله خمرًا، يغلون في الخيال حتى يسمج في أعينهم منظر الحقيقة ويخلق أمامهم معرضها هؤلاء مهما حمدنا منهم الظرف؛ فلن نرضى لهم أن يبلغ بهم الرقة حد الاستماتة وتُخرِجهم عن طور الرجال في النطق، إنما الظرف كرم الأخلاق وسلامة الذوق، وإنما الغريب ما استعصى على العربي فهمه ونبا عن سمعه لفظه، ونحن الآن بإزاء لغة نريد أن نرجع لها مجدها، ولن يكون ذلك إلا باستخراج دررها واستنباط أساليبها الرائعة من بطون المعاجم وأثناء الكتب، وأنا بهذا مشغوف كلف، وأرجو أن أوفَّق إليه إن شاء الله. وأما في الثاني فلا أعرف علمًا يهتدى به في طريق البحث عن مزايا النفوس وصفاتها الخاصة إلا المنطق، ولا أعلم أن اتِّباع سبيل المنطق في الكلام عيب على الكاتب، إنما العيب أن يخرج من موضع بحثه إلى فصل من فصول المنطق فيخوض لجته كما يقول أبو هلال. وإنما المنطق في المعاني كالنحو في الألفاظ، وكل ذنب جنيته هو أني قومت بالمنطق فكرة كما أقوِّم بالنحو ألفاظي. وبعد فكأن هؤلاء الناقدين نسوا أني أكتب إلى صاحبي صارفًا له عن العشق ومبغضًا له فيه، وسواء عليَّ بعد ذلك حمدوا مني حب المنطق واستعماله أم ذموه، ولكني على نقدهم لي من الشاكرين.