Tag: التسامح

  • قوميتنا العربية بين الماضي والحاضر والمستقبل | Our Arab Nationalism Between Past, Present, and Future

    قوميتنا العربية بين الماضي والحاضر والمستقبل
    طه حسين
    مجلة الهلال
    يناير ١٩٥٩

    الأمة العربية من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، كانت في العصر الجاهلي مختلفة أشدَّ الاختلاف، قوام حياتها الخصام والعدوان والغارات والنهب والسلب. ولم يكن يجمعها في هذا العصر الجاهلي إلا لغتها على اختلاف شديد في لهجات هذه اللغة، وإنما الذي استطاع أن يؤلِّف شيئًا ما بين هذه القبائل المتفرقة هو الشعر الذي لم يكد ينشأ حتى فرض لهجة بعينها على الأمة العربية كلها في جميع أطرافها وأقطارها من الجزيرة العربية، فكان الشاعر العربي إذا أنشأ قصيدة وأنشدها في نادٍ من الأندية، فَهِمها عنه الناس مهما تكن قبائلهم، ومهما تكن لهجاتهم أو لغاتهم الخاصة، ثم لم يكتفوا بفهمها، وإنما كان الرواة يتناقلونها عن الشاعر. وكانت القصيدة لا تكاد تُنشَد حتى تَشِيع في الجزيرة العربية، ويحفظها كثير من الرواة في الأقطار المختلفة من أقطار الجزيرة. فأول توحيد للعقل العربي إنما جاء من هذه الناحية، من هذا اللسان الذي أتاح للغة العربية في العصر الجاهلي أن تكون لغة اجتماعية، وأن تكون لغة تستطيع القبائل — على تباعدها واختلافها وخصومها — أن يفهم بعضها البعض، وأن يشعر بعضها بما يشعر به بعضها الآخر. فالمكوِّن الأول في المحاولة لإيجاد وحدة لهذه القبائل العربية، إنما هو الأدب، والشعر من الأدب بنوع خاص؛ لأنه هو الذي سبق إلى الوجود، ولم يوجد أخوه النثر إلا بعد عصور تطاولت كثيرًا.

    مَتَى تكونت القومية العربية؟ والقومية العربية، إذا أردنا أن نَعْرِف متى تكونت بالمعنى الدقيق لكلمة القومية، فينبغي أن نرد هذا إلى ظهور الإسلام، فالمكوِّن الحقيقي للوحدة العربية بجميع أنواعها وفروعها: الوحدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية واللغوية أيضًا، إنما هو النبي صلى الله عليه وسلم، هو الذي جاء بالقرآن، ودعا إلى الحق، واجتمع حوله الأقلُّون من أصحابه، وجعل الأقلون يَكْثُرُون شيئًا فشيئًا؛ حتى كانت الهجرة، وحتى أُسِّسَتْ أول مدينة إسلامية، أو بعبارة أدق: أول مدينة عربية منظمة عرفها التاريخ. ولا أذكر اليمن القديمة؛ لأني لا أكاد أعرف من حضارتها ونظمها شيئًا، وإنما المدينة الأولى التي عرفها التاريخ والتي تكونت فيها النواة الأساسية للقومية العربية، هي مدينة «يثرب» بعد أن هاجر النبي إليها مع أصحابه من «قريش». ومن هذه الوحدة الضئيلة الصغيرة في هذه المدينة التي لم تكن خالصة لأهلها من العرب، وإنما كان اليهود يشاركونهم فيها — من هذه الوحدة الضئيلة اليسيرة التي كان من أيسر الأشياء أن يتخطَّفها العرب من حولها، لولا أن الله أيَّد رسوله وأيَّد المدينة برسوله من هذه الوحدة؛ جعل الاتحاد العربي ينمو قليلًا قليلًا، باللين حينًا، وبالعنف والشدة حينًا آخر، ولم ينتقل النبي إلى جوار ربه إلا وقد تمت وحدة الجزيرة العربية ووجدت قومية عربية منظمة لها قانونها وهو القرآن، ولها نظامها السياسي الذي يقوم على ما دعا إليه القرآن من العدل والإنصاف والمساواة بين الناس، ولها حكامها المنَظِّمون والمنَظَّمون أيضًا، الذين لا يستأثرون على أحد ولا يؤثرون أنفسهم بخير، وإنما هم خَدَم للأمة العربية، ينشرون بينها العدل، ويعلمونها شرائع الدين، ويهيئونها لأداء واجبها الإنساني العظيم. وبعد أن أتم النبيُّ توحيدَ الأمة العربية ونَهَضَ خلفاؤه من بعده، جعلت هذه القومية العربية تتجاوز الجزيرة العربية إلى الأقطار الأخرى، وأول هذه الأقطار التي انتشرت أو التي تجاوزت العروبة جزيرتها إليها ينبغي أن نلاحظ أنها كانت أقطارًا قد استعربت شيئًا ما في العصر الجاهلي. فأول ما خرج العرب من جزيرتهم غزاة فاتحين يريدون أن ينشروا الإسلام ويدعون إلى دين الله، ذهبوا إلى العراق وإلى الشام، وكان الشام قد استعرب قبل الإسلام، لا على الحدود بينه وبين الجزيرة العربية فحسب، حيث كان الغسانيون يُقيمون، بل إلى داخل البلاد الشامية، وكانت بعض القبائل العربية قد انتشرت في الشام قبل الإسلام، وتأثرت بالحياة التي كان الناس يحيونها في هذا القطر، وهي حياة الروم، وتديَّنت بالدين الذي كان الروم يدينون به؛ وهو النصرانية. والعراق كان أيضًا قد سبق إليه العرب في الجاهلية، وتأثروا إلى حد ما بالمسيحية التي جاءتهم من الجزيرة، وتأثَّروا إلى حد ما بسياسة الفرس، الذين ذهبوا إلى العراق وإلى الشام، وكان العرب حماةً لحدود الإمبراطورية الرومانية في الشام وحماةً لحدود الإمبراطورية الفارسية في العراق. ولم يكن الفتح الإسلامي في أول أمره إلا يسيرًا عندما التقى بالعناصر المستعربة في الشام وفي العراق، ولكن عندما اهتم الفرس من جهة، واهتم الروم من جهة أخرى بهذا السيل الذي جعل يتدفَّق على الشام والعراق، أصبحت القومية العربية أمام واجب خطير، وهو أن تقف موقف الخصومة والنزاع من هاتين الدولتين العظيمتين: الإمبراطورية البيزنطية في الشام، والإمبراطورية الفارسية في العراق.

    انتصار القومية العربية هنا انتصرت القومية العربية في هذين القطرين؛ في الشام وفي العراق، ولكنها لم تقف عند هذا الحد؛ وإنما تجاوزته إلى بلاد لم يكن لها بالعروبة عهد من قبل، تجاوزتها إلى مصر في المغرب، وتجاوزتها إلى الفرس والبلاد الفارسية في المشرق، وانتصرت على الروم في مصر، كما انتصرت على الفرس في بلادهم وأدالت دولتهم، ثم انتصرت على الروم بعد ذلك في شمالي أفريقية. واستقرَّت العروبة في شمالي أفريقية بعد خطوب شداد، ثم تجاوزت أفريقية إلى القارة الثالثة التي لم يكن العرب يعرفونها قبل الإسلام وهي القارة الأوروبية، ففتحت الأندلس، واستقر العرب في إسبانيا كما استقروا في أفريقية، وكما استقروا في شرق الدولة الإسلامية في بلاد الفرس، ووصلوا إلى أطراف الهند … منذ ذلك اليوم تعقَّدت القومية العربية، لم تصبح أمة تعيش في وطنها الذي نشأت فيه خالصًا لها هذا الوطن، وخالصة هي لهذا الوطن؛ وإنما أصبحت أمة تجاوزت وطنها وبيئتها ونزلت إلى أوطان وبيئات لم تكن تعرفها هي، ولم تكن هذه الأوطان والبيئات تعرف عنها إلا الشيء القليل. وأغرب ما تمتاز به هذه القومية العربية، هو أنها عندما استقرَّت في هذه البلاد التي افتتحتها، وحاولت أن تستقر فيها عندما أُتيح لها هذا النوع من الاستقرار لم تكتفِ به، ولم تكتف بأن تستقر في الشام حكومة متسلِّطة، أو في العراق حكومة متسلطة، أو في بلاد الفرس كذلك. لم تكتف بامتلاك الأرض، ولم تكتف بإخضاع الناس للسلطان؛ لأنها لم تكن تريد أن تملك الأرض، ولم تكن تريد أن تُخضِع الناس بسيطرة سياسية فحسب، وإنما كانت غايتها — قبل كل شيء — أن تملك القلوب، وأن تسيطر على الضمائر، وأن تدخل في أعماق الوجدان في البلاد التي تفتحها وتستقر فيها، وبشرط أن يكون هذا كله دون إكراه أو عنف، وإذن ينبغي أن يأتي هذا بطبعه من نفسه من غير محاولة عنيفة، بل من غير محاولة في أكثر الأحيان. فبعد أن غلب المسلمون، لم يفرضوا على بلد من هذه البلاد لغتهم، ولم يفرضوا عليها دينهم؛ لأنهم اكتفوا منهم بالأصول التي قررها الإسلام، وهي: الإسلام لمن أراد أن يسلم عن رضًا، أو أداء الجزية. وفي نصف القرن الأول — أي قبل أن يمضي نصف قرن على فتح الفرس مثلًا — كان بعض الفرس قد أتقنوا اللغة العربية وبرعوا فيها، وأخذوا ينافسون العرب في الشعر العربي نفسه، ووجد في أيام بني أمية شعراء يقولون الشعر كأفصح ما يكون الشعر في اللغة العربية، وأصولهم فارسية لم يعرفوا اللغة العربية إلا بعد أن أسلموا، وبعد أن قاموا مجاورين للعرب في بلادهم أو في جزيرة العرب نفسها. ولم يكد القرن الثاني ينتهي حتى ننظر إلى القومية العربية فنرى عجبًا من العجب، نرى مهد القومية العربية قد هُجر أو كاد يُهجر، ونرى الجزيرة العربية قد عادت إلى بداوتها القديمة، وظلت المدينة ومكة محتفظتين بما كان يدرس فيهما من الدين والعلم. ولكن البيئات القديمة البدوية في نجد عادت إلى بداوتها، وعادت إلى شيء كثير من عزلتها القديمة، وكادت الصلة تقطع بينها وبين البلاد الأخرى، وإذا القومية العربية ليست في الجزيرة العربية وحدها، وإنما هي — قبل كل شيء — في هذه البلاد التي فُتحت، والتي امتزج فيها العرب بغيرهم من سكان البلاد الأصليين. ومعنى هذا خطير كل الخطورة، فهؤلاء السكان كانوا يتكلمون لغات مختلفة جدًّا، وكان الفرس يتكلمون لغتهم الفهلوية، وكانت للشام لغات سامية، وكذلك في العراق وفي الجزيرة، وكان المصريون يتكلمون لغتهم القبطية. وكانت لغة الثقافة والسياسة في البلاد الشامية والمصرية هي اللغة اليونانية، ولغة السياسة والثقافة في العراق وبلاد فارس هي اللغة الفارسية، ولغة الثقافة والسياسة في شمالي أفريقية وفي إسبانيا كانت هي اللغة اللاتينية.

    قوة اللغة العربية وننظر في أواخر القرن الثاني، فإذا كل هذه اللغات قد تركت أماكنها من ألسنة الناس وعقولهم وقلوبهم لهذه اللغة العربية؛ فالفرس يتكلَّمون العربية ويكتبونها، ويُزاحِمون العرب أنفسهم فيزحمونهم، وإذا الفرس هم الذين يضعون كتب النحو العربي وأصوله، وإذا هم يعنون بجمع اللغة العربية وتدوينها، ويشاركون العرب في هذا كله ويغلبونهم عليه أحيانًا، واللغات السامية التي كان الناس يتكلمونها في سوريا ويتكلمونها في الجزيرة ويتكلمونها في العراق، عادت كلها إلى الأديرة، وأصبح الناس يتكلَّمون اللغة العربية، واللغة العربية بطبيعتها أصبحت لغة السياسة ما دام الحكام عربًا، ولكن اللغة السياسية هذه التي يتكلمها الناس لم تلبث أن أصبحت لغة للثقافة والعلم أيضًا. وإذن هناك قومية عربية جديدة أنشأها الإسلام، لم تكن تأتلف من عنصر عربي خالص، وإنما كانت تأتلف من جميع هذه العناصر، من العناصر التي كانت تسكن كل هذه البلاد، فأنشأ الإسلام إذن أمة جديدة، وجعل هذه الأمة عربية: عربية اللغة، عربية التفكير والشعور، عربية الحضارة، عربية العلم والثقافة والأدب. ومن غريب الظواهر الأدبية في حياة هذه القومية الجديدة التي أنشأها الإسلام — والتي ألغى فيها الفروق بين الأجناس، وألغى فيها أن يكون لعربي على أعجمي فضل إلا بالتقوى — من أغرب الظواهر أن الشعراء الذين استأثروا بالشعر وامتازوا فيه، وأصبحوا هم ألسنة الأمة العربية بمعناها الجديد، لم يكن منهم شاعر عربي خالص؛ كان بعضهم فارسيًّا، وبعضهم نبطيًّا، وبعضهم يونانيًّا. لم يكن منهم شاعر عربي خالص، وإنما كانوا جميعًا من هذه الأمم التي استعربت وأعربت عن شعورها القديم، وعن عقولها القديمة، وعن وجدانها القديم في الشعر العربي، والعقل العربي، والوجدان العربي. وكانت اللغة اليونانية قد سادت في الشرق الذي نسميه الآن بالشرق العربي، وبنوع خاص في مصر والشام والجزيرة. ولكنها لم تستطع أن تمحو هذه اللغات الوطنية، فظل المصريون يتكلَّمون لغتهم القبطية، وظل أهل الشام يتكلَّمون لغتهم السامية الآرامية، وظل أهل الجزيرة والعراق كذلك، وكانت اللغة اللاتينية سائدة في شمالي أفريقية وفي إسبانيا، ولكنها لم تستطع أن تقهر لغة البربر في شمالي أفريقية، ولا أن تقهر الإسبانيين على أن يتركوا لغتهم الوطنية الأولى. ولكن اللغة العربية جاءت فقهرت اليونانية، وقهرت معها اللغات الوطنية أيضًا، وقهرت اللاتينية في المغرب، وقهرت اللغة الفارسية أربعة قرون تقريبًا. كل هذا إن دل على شيء فإنما يدلُّ على قوة اللغة العربية، وقوة الطبيعة العربية، وقوة هذا الدين الذي كان هو العامل أو المؤثِّر الأول في انتشار العرب خارج جزيرتهم، ثم في تكوين هذه الأمة العربية الجديدة. ومن المحقَّق أن البلاد التي يتألف منها العالم العربي الحديث لا يمكن أن تكون حقًّا مؤلَّفة من عناصر عربية خالصة تُنسب إلى عدنان وقحطان؛ وإنما هي عربية بلغتها، عربية بشعورها وعقلها ووجدانها، عربية بدينها، سواء أكان هذا الدين إسلامًا أم كان نصرانية، هي عربية بهذا كله، أثرت العروبة على غيرها، وأصبحت أمة عربية جديدة كَوَّنَهَا الإسلام وكوَّنها دون إكراه أو إرغام أو عنف، فتكوَّنت بهذه الوسيلة وبهذا اليسر.

    سماحة القومية العربية وأخص مزايا هذه القومية العربية أنها حرة ومتسامحة، وأنها مفتوحة الأبواب لا مغلقتها، وأنها متعاونة مع الذين يحبون أن يتعاونوا معها؛ فهي قبلت الثقافات الأجنبية في عصورها الإسلامية الأولى؛ قبلت الفرس والهند واليونان، وقبلت كثيرًا جدًّا من الثقافات السامية القديمة، ومن ثقافة المصريين القدماء، قبلت هذا كله وأساغته وجعلته عربيًّا، ثم لم تكتف بهذا ولم تستأثر به دون الإنسانية المتحضرة، ولكنها جعلت تنشر ما تستطيع أن تنشره من هذا كله في الشرق والغرب جميعًا، فأثَّرت بثقافاتها الجديدة في الشرق: في الهند وفي بلاد الصين، وأثرت بثقافتها العربية الجديدة في أوروبا في الغرب، وفي أوروبا لم تؤثِّر بعلمها وفلسفتها فحسب، ولكنها أثَّرت بعلمها وفلسفتها، وأثَّرت بشعرها أيضًا، وهي التي علَّمت الشعراء الفرنسيين في القرون الوسطى أن يقولوا ذلك الشعر الذي كانوا ينتقلون به بين المدن في فرنسا. هذه هي القومية العربية، كوَّنها — أو حاول تكوينها — الشعر أول الأمر، ثم كوَّنها القرآن آخر الأمر، ثم جعلت تفرض نفسها في غير عنف ولا إكراه على العالم القديم، حتى احتلَّت مكانة الإمبراطورية الرومانية واحتلَّت مكان الدولة الفارسية. وهي الآن بعد أن عَدَتْ عليها الخطوب، وبعد أن ألحفت عليها الكوارث، وبعد أن ألح عليها التُّرْك بنوع خاص في عصور مختلفة من حياتهم، وبعد أن اضطُرَّت إلى الخمول وإلى الضعف؛ ظلَّت على الرغم من هذا كله محتفِظةً بقوميتها، محتفظة بلغتها وعقليتها وشعورها وكل ما يميزها. ظلت محتفظة بهذا كله، وقد عَرَضَتْ لها الخطوب المختلفة، فانقسمت وانفصل بعضها عن بعض ونشأت فيها دول، برغم هذا ظلت — وستظل — واحدة في الشعور، وواحدة في التفكير، وواحدة في الآلام، وواحدة في الآمال.

    فضل الأدباء وإن كانت الأمة العربية قد أخذت الآن تنهض، وأخذت تعرف نفسها، وأخذت تعرف حقوقها وتعرف واجباتها؛ فالفضل في هذا كله إنما يرجع إلى الأدب وإلى الأدب وحده. ما الذي أنشأ النهضة الحديثة في هذه البلاد العربية؟ هو أنها التقتْ بالغرب، وعرفت حياة غريبة لم تكن تعرفها … كان الترك العثمانيون قد قطعوا كل صلة بينها وبين العالم الخارجي، فلم تكن تعرف الغرب ولا تكاد تسمع به، وكاد الغرب هو نفسه أن ينساها. اضطرت بمقتضى الحوادث التي حدثت في أواخر القرن الثامن عشر وفي القرن التاسع عشر إلى أن تعرف أوروبا، فرأت ألوانًا من الحياة جديدة، وأرادت أن تعرف من هذه الحياة شيئًا؛ فجعلت تتعلَّم اللغات الأوروبية، وإذا هي تعرف المطبعة، ولم تكد تعرف المطبعة حتى ذكرت أن لها كتبًا قديمة مكدسة في المساجد وفي الكنائس وفي الأديرة، وإذا هي تأخذ في نشر هذه الكتب، وكان إحياء الأدب العربي القديم بفضل المطبعة، وكان الاتصال بالحياة الغربية الحديثة ضمن هذين التيارين، نشأت ثقافة جديدة في هذه البلاد العربية، ومَن الذي أنشأها؟ هؤلاء الأفراد الذين تعلموا، والذين كانوا يقرءون الكتب القديمة وينشرونها، ويتعلَّمون اللغات الحديثة ويترجمون منها، والذين كانوا يُذيعون العلم والأدب في بلادهم وفي البلاد المجاورة. ومَن هؤلاء القوم؟ ومَن هؤلاء الناس؟ إنهم هم طليعة الأدباء المعاصرين.

  • حق الخطأ (١) | The Right to Err (1)

    حق الخطأ (١)

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ٦ يونيو ١٩٥٥

    وكذلك تمر الأعوام في أثر الأعوام في أثر الأعوام، وتمضي الأجيال تتابعها الأجيال، وتتغير الحياة، وتتبدل الظروف، وتنتقل الأمة الإسلامية من طور إلى طور وأزهرنا الشريف — أصلحه الله — ثابت في موقفه ذلك القديم، لا يزول عنه ولا يحول. وقد كنت أظن أن قصة الأستاذ الشيخ علي عبد الرازق قد مضت وانقضت، وعفَّى آثارها كرُّ الغداة ومرُّ العشي، وأصبحت حديثًا للتاريخ يذكرها الأزهريون فيضيقون بها، ويأسون لها، ويحمدون الله على أن عهدها قد انقضى منذ زمان، وعلى أنهم قد تطوروا وأدركهم من الخير والرشد ما يعصمهم من العودة إلى أمثالها. وأعترف كذلك بأني أحسست منذ أيام غبطة لم أحس مثلها من قبلُ حين قرأت في الجمهورية أن جماعة من علمائنا الأزهريين قد اجتمعوا وأنكروا ما أذيع من أمر التحقيق مع ذلك الأستاذ الأزهري، الذي كتب في أمر الصوم ما لم يرضَ عنه الشيوخ.

    أحسست غبطة أي غبطة؛ لأني قدرت أن اجتماع هؤلاء النفر من علمائنا الأزهريين، وغضبهم للحق، وإنكارهم لمعاتبة الناس على الرأي، إن دل على شيء فإنما يدل على أن الأزهر قد استيقظ من نومه ذاك العميق، وخرج من تقليده ذاك العتيق، وأصبح يحب أن توضع الأمور في مواضعها، ويكره الإسراف على الناس فيما لا يجوز الإسراف عليهم فيه.

    فهذا الأستاذ الذي قال في صوم رمضان بما لا يرضاه الشيوخ بين اثنتين: إما أن يكون قد قال الحق، فليس لأحد عليه سبيل، وإما أن يكون قد أخطأ وحاد عن القصد، فليس لأحد عليه سبيل أيضًا، إلا أن يرد عليه خطأه، ويبين له وجه الصواب، وينصح للناس بألا يتبعوه، فأما ما فوق ذلك فلا ينبغي لأحد أن يطمع فيه؛ ذلك أن الله لم يعصم الناس من الخطأ، ولم يأخذهم به حين يتورطون فيه، وإنما قال في كتابه العزيز: ( وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ).

    والله وحده هو الذي يعلم ما تتعمد القلوب؛ لأنه عليم بذات الصدور، ولأنه رقيب على ضمائر الناس وما يضطرب في نفوسهم من الخواطر، وما يجول في رءوسهم من الآراء، وما يثور في قلوبهم من العواطف والميول والأهواء، وهو وحده الذي يملك مثوبة الناس وعقوبتهم على ذات نفوسهم؛ لأنه وحده الذي يحيط بها، ولا تخفى عليه منها خافية، فأما نحن فموكلون بما ظهر لنا من أمر الناس لا نتجاوزه إلى ما وراءه، فإن فعلنا فقد أسرفنا على أنفسنا وعلى الناس.

    والله قد علَّم المسلمين في القرآن الكريم أن يسألوه ألا يؤاخذهم إن نسوا أو أخطئوا، والنبي ﷺ يُنبئُنا في الحديث الصحيح بأن الله قد تجاوز للمسلمين عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، والله — عز وجل — يقول لعباده الذين أسرفوا على أنفسهم: ( لَا تَقْنَطُوا مِن رَّ‌حْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ‌ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ).

    بهذا كله يؤدبنا القرآن، ورجال الدين أجدر الناس بأن يتأدبوا بأدب القرآن: فيحلوا ما أحل الله، ويحرموا ما حرَّم الله، والله لا يحل لهم العقاب على الخطأ، ولا يبيح لهم أن يحاكموا الناس إذا رأوا غير رأيهم، أو ذهبوا غير مذهبهم في مسألة من مسائل الدين.

    وكان النبي ﷺ يقول: «من قال: لا إله إلا الله؛ فقد عصم مني نفسه ودمه إلا بحقهما.» ولم نعلم أن ذلك الأستاذ الذي قال مقالته تلك في صوم رمضان قد شك في دينه، أو عدل عن قول لا إله إلا الله، أو جهر بكفر تعمده قلبه، وإنما رأى رأيًا فنشره؛ لأنه رأى في نشره نصحًا للناس، ورفقًا بهم. وقد دعينا إلى أن ننصح للناس، ونرفق بهم، وأنبأنا رسول الله ﷺ، فيما روى البخاري، بأننا بعثنا ميسرين لا معسرين، وأنبأنا الله بأنه يريد بنا اليسر ولا يريد بنا العسر، وأنبأنا بأنه لم يجعل علينا في الدين من حرج.

    فما هذه المحنة التي يُمتحن بها هذا الأستاذ لا لشيء إلا لأنه أراد الخير فأخطأ سبيله؟! ولمن يكون النصح أو بمن يكون الرفق إذا لم يكن لمثل هذا الأستاذ؟!

    كنت أفهم أن يصدر عن شيوخ الأزهر رد رفيق على هذا الأستاذ يبين مواضع الخطأ فيما قال، ويبين له الصواب الذي يجب عليه أن يثوب إليه، وينصح للناس ألا يأخذوا بما جاء في مقاله من رأي.

    وكنت أفهم كذلك أن يدعو صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر هذا الأستاذ إليه، فيسمع منه ويناقشه، ويبين له مواضع الخطأ في رأيه، ويدله على الصواب، ويأمره بالمعروف، وينهاه عن المنكر، ويرغبه في الخير، ويحذره من الشر. هذا كله حق للأستاذ الأكبر، وحق عليه؛ لأن المسلمين وعلماءهم خاصة مكلفون أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر. فأما التحقيق والمحاكمة والعقاب، فأمور أخشى أشد الخشية أن تكون مُخالِفةً لما ينبغي للمسلمين من النصح والموعظة الحسنة، والإرشاد إلى الخير. والله قد أمر نبيه أن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجادل بالتي هي أحسن.

    وإذا كانت هذه هي السبيل التي أمر الله نبيه أن يسلكها حين يدعو إلى الإسلام، وحين يجادل عنه؛ فأجدر بشيوخ الأزهر أن يسلكوا نفس هذه السبيل حين يريدون أن يردوا واحدًا منهم عن خطأ يرون أنه تورط فيه، وكان يقال: إن من اجتهد فأصاب كان له أجران؛ فإن اجتهد فأخطأ كان له أجر واحد. بذلك تحدَّث المسلمون قرونًا طوالًا، وإلى ذلك اطمأنوا قرونًا طوالًا أيضًا؛ فما بال شيوخ الأزهر يخرجون عن هذه السنة، وينحرفون عن هذه الطريق، ويقيمون أنفسهم مقام القضاة لا مقام الواعظين المرشدين، ويريدون على أن يعاقبوا على شيء لم يأذن الله للناس أن يعاقبوا عليه. وأعظم من هذا خطرًا، وأشد منه نكرًا، ما عمد إليه فريق من الشيوخ، فيما نشرت الصحف، من رفع قضية على هذا الأستاذ؛ ليُثبتوا عليه الردة أمام القضاء، وليُنكِّلوا به تنكيلًا فيفرقوا بينه وبين أهله، ويرتبوا على حكم الردة هذا ما يترتب عليه من الآثار الغلاظ.

    أين نحن؟ وفي أي عصر نعيش؟ وإلى أي محنة، بل إلى أي فتنة يريد هؤلاء السادة أن يدفعونا؟ ولمصلحة مَن يكون هذا الشر العظيم؟ وبأي حق يستبيح مسلم لنفسه أن يُكفِّر مسلمًا يشهد ألا إله إلا الله، ومحمدًا رسول الله؟!

    أجدٌّ هذا الكلام أم هزلٌ؟ ومتى أبيح الهزل في دين الله؟! أحق هذا الكلام أم خيال؟ ومتى جاز للمسلمين أن يتعلقوا بالخيال في أمور الدين؟!

    وكيف يرى صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر بوادر هذا الشر العظيم، ثم لا يكف عنه الشيوخ؟

    وهل يرى فضيلته أن الوقت الذي يعيش فيه، والظروف التي تحيط بحياتنا الداخلية والخارجية تلائم هذا النحو من إثارة الفتنة، والإيغال في الشر، وإفساد رأي المسلمين في المسلمين، وإغراء بعض المسلمين ببعض! وكيد بعضهم لبعض لا لشيء إلا لأن أستاذًا من أساتذة الأزهر أعلن رأيًا في صوم رمضان فأخطأ في إعلانه طريق الصواب.

    ليصدقني حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر أن هذه القصة كلها شرٌّ لا ينبغي الإيغال فيه، وعبثٌ أُجِلُّ الأزهر أن يُقدِم عليه في أيام الجد هذه التي نمر بها.

    كان مثل هذا الشر ممكنًا، بل كان مُيسَّرًا في عصور مضتْ كان الأزهريون يُدفعون إلى الشر فيها دفعًا، ولم أنسَ بعدُ أن قصة الأستاذ علي عبد الرازق ما كانت لتحدث لو لم يقسم صاحب القصر برأس أبيه ليُحاكمنَّ صاحب كتاب «الإسلام وأصول الحكم»، وليُخرجنَّه من زمرة العلماء، وليَعزلنَّه من مناصب القضاء.

    تلك أيام قد مضت بما كان فيها من خير وشر، ومن عرف ونكر، وما ينبغي أن تتصل ولا أن تعود؛ فقد كف عن الأزهر سلطان القصر، بل كف سلطان القصر عن المصريين جميعًا، وانقضى بذلك عصر الفتنة التي كانت تصيب الناس في أنفسهم، وفي دينهم، وفي رزقهم، وفي سمعتهم. كل ذلك قد انقضى، ويجب ألا يعود. وهذه الثورة لم تكن لاهية؛ حيث قامت لتقضي على الفساد والشر، وتَعصِم الناس من التورط فيهما، وتقيم الصلة بين المصريين على الحب والمودة، وعلى البر والمعروف، لا على الكيد، ولا على المكر، ولا على الدسيسة، ولا على الإغراء.

    من حق الإنسان أن يخطئ، وويل لأمة يعاقب الناس فيها على الخطأ. تلك أمة لا تعرف الحرية ولا تُقدِّرها، ولا تقيم أمرها على القصد والاعتدال، وإنما تقيمه على الفتنة والغرور. وأي فتنة أشد من معاقبة الناس على أنهم رأوا رأيًا لا يعجب الرؤساء؟ وأي غرور أعظم من ادعاء الوصول إلى أسرار الضمائر ودخائل القلوب؟ وأي شر أشد نكرًا من أخذ الناس بالشبهات وقد أُمِر المسلمون أن يدرءوا الحدود بالشبهات؟

    ما أجدر الأستاذ الأكبر أن يعدل عن هذه القضية التي لا خير فيها للأزهر ولا لمصر ولا للإسلام، وأن يدعو إليه هذا الأستاذ فيعظه وينصح له، ويرفق به، ويدعوه إلى التثبت والاحتياط قبل أن ينشر على الناس آراءه في أمور الدين.

    نعم، ما أجدر الأستاذ الأكبر أن يفعل هذا كله، وما أجدر الحكومة أن تتقدم إليه في ذلك؛ فليست مصر في حاجة إلى أن تفسد الصلات بين الناس في أمر دينهم. وحسب مصر ما تشغل به نفسها الآن من إصلاح الحياة الداخلية، ومقاومة العدوان الخارجي الذي يتكرر في كل يوم على الحدود، والاحتياط من كيد الاستعمار الذي يدبر لها هنا وهناك.

    كل ذلك جدير أن يشغل مصر عن هذه الفتن الصغيرة الخطيرة التي لا تنفع أحدًا، وتضر المصريين جميعًا، وربما تجاوز شرُّها مصرَ إلى المسلمين في أقطار أخرى من الأرض.

  • تسامح … | Forbearance …

    تسامح …
    طه حسين
    جريدة صوت الأمة
    ٢٠ أكتوبر ١٩٤٦
    من أجمل المناظر التي يشهدها العالم في هذه الأيام منظر المفاوضات أو المحادثات أو المناقشات أو تبادل الرأي بين وزير الخارجية البريطانية ورئيس الوزارة المصرية؛ فهو إِنْ دلَّ على شيء فإنما يدل على أن العالم الذي ألح عليه الحزن والخوف والإشفاق — منذ أُثِيرَتِ الحرب العالمية الثانية — في حاجة إلى أن يشهد ما يُسَلِّيه وما يُرَفِّه عنه، وإنَّ ساسة الديمقراطية المنتصرة لا يبخلون عليه بالتسلية ولا يَضِنُّون عليه بالترفيه.
    ولعلَّك تُوَافِقُني على أنَّ المستر بيفن وزير الخارجية البريطانية رجل اشتراكي، بل هو من زعماء الاشتراكية، وله في الحكم وتصريف السياسة الداخلية والخارجية مذهب يلائم سياسة حزبه الاشتراكي فيما يُقال وفيما يُكتَب على الأقل، وعلى أن صدقي باشا رئيس الوزارة المصرية أبعد الناس عن الاشتراكية وأشدهم بغضًا لها وسخطًا عليها، وله في الحكم وفي تصريف السياسة الداخلية والخارجية مذهب ينبغي أن يكون معاكسًا أشد المعاكسة لمذهب زميله في المفاوضات، أو المحادثات، أو المناقشات، أو ما شئت من هذه الأسماء التي لا يستطيع الناس أن يتفقوا عليها. وهما على ذلك يلتقيان ويتفاوضان أو يتحادثان أو يتناقشان، وهما على ذلك يرجوان أن يَصِلا إلى الاتفاق على ما يقوم فيه الخلاف بين المصريين والبريطانيين.
    فهذا دليل واضح على أن العالم يتقدَّم ولا يتأخَّر، وعلى أن فكرة التسامح التي كان فولتيير يدعو إليها ويبشر بها في القرن الثامن عشر ما زالت بخير، لم يفسدها ولم يضعفها ظهور الشيوعية الروسية والنازية الألمانية والفاشية الإيطالية.
    وأنت توافقني على أن المستر بيفن وزير الخارجية البريطانية عضو في حزب العمال، وهو بحكم عضويته هذه قد انتُخِبَ في مجلس النواب، وهو يعتمد على الكثرة الضخمة في مجلس العموم البريطاني، وهذه الكثرة تعتمد على ثقة الشعب البريطاني، على ثقته الخالصة من كل زيف، المتبرئة من كل زيغ، التي لا تحوم حولها الشبهات من قريب أو بعيد.
    والمستر بيفن يعتمد على هذه الكثرة وحدها، لا يستعير سلطانه من تأييد خصومه السياسيين ولا من تأييد أصدقائه الذين يحالفونه اليوم ليخاصموه غدًا. وهو صادق إن قال إنه يتحدث بلسان البرلمان البريطاني، وصادق إن قال إنه يتحدث بلسان الحكومة البريطانية، وصادق إن قال إنه يتحدث بلسان الشعب البريطاني كله، بل هو صادق إن قال إنه يتحدث بلسان الممتلكات المستقلة التي تتكون منها القوة العاملة في الإمبراطورية البريطانية. وهو يستطيع أن يغضب فتغضب له الإمبراطورية كلها، وأن يرضى فترضى معه الإمبراطورية كلها.
    أمَّا صدقي باشا فهو عضو في مجلس النواب الذي يعرف المصريون كيف انتُخِب، والذي يشهد عليه أعضاؤه وزعماؤه بأن انتخابه لم يكن خالصًا من كل زيف ولا مبرأً من كل زيغ ولا معصومًا من كل اعوجاج. بل قد قال فيه مكرم باشا إن انتخابه قام على التزوير، وقال فيه النقراشي باشا إن انتخاب بعض أعضائه قام على التزوير.
    فمجلس النواب المصري مشكوك إذن في صحة انتخابه وصدقي باشا عضو فيه، وهو ليس عضوًا في كثرته السعدية ولا في قلته الدستورية، وإنما هو رجل ليس من هؤلاء ولا من هؤلاء، وإنما هو مستقل.
    ومعنى ذلك أنه لا يعتمد على تأييد المستقلين إلَّا أن يكون هذا التأييد مؤقتًا مشروطًا، ولا يعتمد على تأييد السعديين والدستوريين إلَّا أن يكون هذا التأييد مؤقتًا مشروطًا أيضًا، ومعنى ذلك أنه إذا تكلم فليس من المحقق أنه يتكلم بلسان مجلس النواب، لا بلسان الكثرة ولا بلسان القلة. وهَبْ أن مجلس النواب قد منحه ثقة إجماعية، فقيمة هذه الثقة مشكوك فيها؛ لأن تمثيل مجلس النواب لإرادة الشعب مشكوك فيها أعظم الشك وأقصاه. وإذن؛ فلن يُصَدَّق رئيس وزرائنا إن قال إنه يتكلم بلسان الشعب.
    وأبشع من هذا أن رئيس وزرائنا يرأس هيئة المفاوضات التي لا تثق به ولا تطمئن إليه؛ فلن يُصَدَّق إن قال إنه يتكلم بلسان هذه الهيئة.
    وأشد مِنْ هذا كلِّه بشاعةً أن مجلس الوزراء مُؤلَّف من سعديين يستطيع حزبهم أن يصدر إليهم الأمر فينفون ثقتهم بصدقي باشا، بل هم لم ينتظروا أن يصدر إليهم هذا الأمر، فقد صرح أحدهم غير مرة بأن وزارة صدقي باشا ليست دستورية، وبأنها ضرورة لا تلبث أن تزول! ومن دستوريين يستطيع حزبهم أن يأمرهم بالتخلي عن صدقي باشا في أي وقت شاء، فإن أطاعوا فَقَد صدقي باشا ثقة زملائه، وإن عصوه أصبحوا مستقلين لا يمثلون هذا الحزب.
    ومجلس الوزراء مؤلف مع هؤلاء من مستقلين يستطيع كل واحد منهم أن يتخلى عن رئيس الوزراء في أي لحظة كما تخلى عنه نائب رئيس الوزراء لطفي السيد باشا ووزير التجارة سابقًا حبشي باشا.
    وإذن؛ فلن يستطيع صدقي باشا أن يضمن لنفسه الصدق إن قال إنه يتكلم بلسان مجلس الوزراء.
    فالمتفاوضان أو المتحدثان أو المتناقشان يختلفان كما ترى أشد الاختلاف؛ أحدهما قوي بتأييد الشعب إلى أبعد غايات القوة، والآخر ضعيف بخذلان الشعب إلى أقصى آماد الضعف. وهما مع ذلك يلتقيان ويتفاوضان أو يتحادثان أو يتناقشان.
    وأظرف من هذا كله أن وزير الخارجية البريطانية لا يستطيع — ومعه الوزارة البريطانية كلها والبرلمان البريطاني كله — أن ينذر صحيفة أو يعطلها أو يصادرها إلَّا في حدود رسمها القانون، وليس لأحد من الإنجليز مهما يكن أن يتجاوزها في أي ظرف من الظروف، حتى حين تكون الحرب قائمة، وحين تكون الأحكام العرفية معلنة، وأن رئيس الوزارة المصرية قد أنذر الصحف وعطلها وصادرها، غير ملتزم حدود القانون، ولا متقيد بنصوص الدستور. وقد همَّ البرلمان أن يحتج فلم يُغْنِ عنه الاحتجاج، وهمَّ رئيس الشيوخ أن يحتج فلم يبلغ بالاحتجاج غايته، وإنما التقى مع رئيس الوزراء عند نصف الطريق أو عند ثلث الطريق.
    وأشد من هذا كله ظرفًا وطرافةً أن وزير الخارجية البريطانية لا يستطيع أن يمنع اجتماعًا مهما يكن أعضاؤه ومهما يكن موضوعه ومهما يكن مكانه، حتى ولو أيدته الوزارة الإنجليزية كلها والبرلمان الإنجليزي كله إلَّا في حدود القانون التي ليس إلى تجاوزها سبيل. ولو قال قائل للإنجليز إن وزير الخارجية أو رئيس الوزارة في بريطانيا العظمى يريد أن يمنع مستر تشرشل أو مستر إيدن من شهود اجتماع أو إلقاء خطبة؛ لرفعوا أكتافهم وهزُّوا رؤوسهم وأغرقوا في ضحك عريض!
    فأمَّا رئيس وزرائنا فإنه يمنع — لا أقول الوفد — فاضطهاد الوفد شيءٌ طبيعي، ولكنه يمنع مكرم باشا من أن يجتمع إلى زملائه أو يتحدث إليهم أو يلقى الناس في ناديه!
    ورئيس وزرائنا يستطيع أن يمنع النقراشي باشا من هذا كله إن خرج النقراشي باشا من هذا الحلف البديع. وليس أمر هيكل باشا بخير من أمر صاحبيه، فالاجتماع مباح لرئيس الحكومة والذين يناصرونه، والاجتماع حرام على خصوم الحكومة حتى حين يكونون أعضاء في البرلمان. وعلى رغم هذا الخلاف بين الرجلين؛ فهما يلتقيان، ويتفاوضان، أو يتحادثان، أو يتناقشان!
    وليس لهذا كله مصدر إلَّا أن فكرة التسامح التي كان فولتير يدعو إليها ويُبشِّر بها في القرن الثامن عشر ما زالت بخير لم تمسسها أحداث الدكتاتورية بسوء! فصدقي باشا رجل متسامح يفاوض هذا الوزير الديمقراطي الاشتراكي الذي يؤمن بحرية الشعب البريطاني، ولا يعمل إلَّا معتمدًا على ثقته وتأييده. والمستر بيفن رجل متسامح يفاوض صدقي باشا الذي لا يحفل بالشعب إلَّا حين يتكلم، ولا يحفل بالبرلمان إلا حين يتكلم أيضًا، ولا يثق إلَّا بنفسه ولا يثق به أحد غير نفسه، ولا يطمئن إلَّا إلى نفسه ولا يطمئن إليه أحد غير نفسه. لا مصدر لهذا إلَّا فكرة التسامح التي ظفرت بها الإنسانية في العصر الحديث!
    وكان الديمقراطيون المنتصرون قد أعطوا على أنفسهم عهدًا ألَّا يتركوا على الأرض شعبًا يُحكَم بالقهر والبأس، ويُساس بالقوة والبطش. ولكنهم — بعد أن أعطوا على أنفسهم هذا العهد — فكَّروا وقدَّروا وتبيَّن لهم أن الرجوع إلى الحق خيرٌ من التمادي في الباطل، وأن من حق الاستبداد أن يعيش في الأرض كما تعيش الحرية، وأن من حق الظلم أن يَسُوس بعض الشعوب كما أن من حق العدل أن يَسُوس بعضها الآخر، وأن الديمقراطية الكاذبة ليست أقل استحقاقًا للرعاية من الديمقراطية الصادقة. وهم من أجل ذلك أبقوا على نظام الجنرال فرانكو، وهم من أجل ذلك أدَّبوا اليونان الذين صدَّقوا ذلك العهد واعتمدوا عليه، وهم من أجل ذلك يكتفون من الأشياء بأسمائها ومظاهرها، بل هم قد لا يحفلون بالحقائق ولا بالأسماء.
    فلم يزعم الجنرال فرانكو في يوم من الأيام أن نظامه ديمقراطي، ونظامه مع ذلك قائم يُدافع عنه الديمقراطيون المنتصرون؛ لأن التسامح ينبغي أن يكون الأصل الذي تقوم عليه الحياة وتقوم عليه الصلات بين الشعوب.
    والنتيجة الطبيعية لهذا أن الشعب المصري مثلًا شعب متطفل فضولي — يدخُل فيما لا يعنيه، ويتعرض لما ليس له به شأن — حين ينكر على صدقي باشا حقَّه في أن يتكلم بلسانه أو يتفاوض باسمه مع الإنجليز، فهذا الشعب المصري من الشعوب التي لم تُخلَق للسياسة ولم تُخلَق السياسة لها، وإنما خُلِقت لتذعن وتخضع وتستكين. فإن همَّت أن تخالف ما يصدر إليها من أمر عُوقِبَتْ على ذلك أشد العقاب، فمُنِعَتْ صحفها من الظهور، ومُنِعَتِ اجتماعاتها من الانعقاد، ومُنِعَ خطباؤها من القول، ومُنِعَ الشباب والصبية من طلابها وتلاميذها من الاختلاف إلى معاهد التعليم.
    فأمَّا الشعب الإنجليزي فله شأن آخر، فهو مقصِّر مسيء إلى نفسه وإلى العالم وإلى المُثُل العليا كلها إن ترك سياسته للوزراء وأشباه الوزراء، ولم يراقب قادته وسياسته بالبرلمان الحر والصحافة الحرة والخطابة الحرة والاجتماعات التي تنعقد حيث تشاء، ومتى تشاء، وكيف تشاء.
    ومعنى هذا أن شعوب الأرض تنقسم إلى قسمين: شعوب خُلِقَتْ لتؤدبها حكوماتها، وتَسُوسها على رغمها، وتمتعها بالسعادة والشقاء سواء رضيت أو كرهت. وشعوب أخرى خُلِقَتْ لتؤدب هي حكوماتها، وتوجهها في تدبير مصالحها كما تشاء هي لا كما تشاء الحكومات. وقُلْ إن شئت إن من شعوب الأرض شعوبًا خُلِقَتْ خادمة لحكوماتها وشعوبًا أخرى خُلِقَتْ ليكون حكَّامها خُدَّامًا لها.
    ونحن — بحمد الله — من القسم الأول، تتيح لنا الأيام من حينٍ إلى حينٍ سيدًا يرأس وزارتنا ويدبر أمرنا كما يحب، فإن جمجمنا أو حاولنا أن نجمجم؛ علمنا كيف يكون الصمت وكيف نؤدب الشعوب.
    وليس في هذا كله شيء من الغرابة؛ فقد جاء في الأثر: «كما تكونوا يُوَلَّى عليكم.» وكان أستاذنا الجليل لطفي السيد باشا يعلِّمنا أن الحكومة صورة الأمة، فإذا كان الشعب ضعيفًا فحكومته قوية عليه مستبدة به، وإذا كان الشعب قويًّا فحكومته خادم له مذعنة لأمره.
    ليس في هذا كله شيءٌ من الغرابة، وإنما الغريبُ حقًّا أن تقصر ذاكرة الديمقراطية المنتصرة إلى هذا الحد الذي نراه. فما أكثر الذين صدقوا في أعقاب الحرب أن الأرض ستُملَأ عدلًا بعد أن مُلِئَتْ جورًا، وأن الشعوب ستأمن إلى آخر الدهر من الخوف والعوز والظلم والعدوان! وما أكثر الذين اعتقدوا في أعقاب الحرب أن زعماء الديمقراطية المنتصرة لن يسمحوا لأيديهم بأن تصافح أيدي المستبدين!
    ولكن يجب أن لا ننسى ما كان يُقال في قصص ألف ليلة وليلة مِنْ أنَّ حديث الليل مدهون بالزبد لا تكاد تطلع عليه الشمس حتى يذوب.

  • حرج | Distress

    حرج
    لست أدري أبلغ المصريون في يوم من الأيام ما بلغوه الآن من دقة الحس، ووحدة المزاج وضيق الصدور، ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أنهم قد انتهوا من هذا كله الآن إلى حيث أصبحوا يتأذون بكل شيء، ويتألمون لكل شيء، ويخرجهم عن أطوارهم أيسر الأمور شأنًا، وأقلها خطرًا. وتوشك الصلات بينهم أن تتعرض لفساد شديد، لأنهم ضعفوا حتى عن احتمال الدعابة والابتسام للفكاهة والمزاح! ومصدر هذا فيما يظهر ما يلقونه من هذا الحرج السياسي والاقتصادي الذي طال عليهم أمره، وثقل عليهم عبئه، والذي يحرصون أشد الحرص على أن يثبتوا له، ويصبروا عليه، ويقاوموه مقاومة الرجال الذين يعرفون كيف يلقون الخطوب، ويثبتون لحادثات الأيام، فهم يستنفدون أو يكادون يستنفدون جهودهم كلها في احتمال الآلام السياسية والاقتصادية دون أن يظهر عليهم ضعف في الرأي، أو خور في الطبيعة، أو انحلال في العزيمة، ودون أن يطمع فيهم الأجنبي أو تطمع فيهم الوزارة القائمة.
    وهم يريدون أن يظهروا كرماء أعزاء أمام الإنجليز وأمام هذه الوزارة، ويريدون كذلك أن يظهروا أعزاء فيما بينهم، يحتملون ما يحتملون من أثقل ضروب الحرمان الاقتصادي دون أن يظهر بعضهم على خفايا بعض، ودون أن يحس بعضهم وفاء أصدقائه له، أو عطفهم عليه، أو شعورهم بما هو فيه من ضنك وضيق. وإذا بذل الإنسان هذا الجهد العنيف ليأخذ نفسه باحتمال ما لا يحتمل، والصبر على ما لم يألف الصبر عليه، وإذا طال به هذا الأمر فأنفق فيه الأشهر والأعوام دون أن يجد منه مخرجًا، أو يتخفف ولو قليلًا من بعض أثقاله؛ كان خليقًا أن تضعف مقاومته لما دون ذلك من الأمور، مثله في ذلك مثل الصائم الذي يشق عليه الصوم ويضنيه ويكلفه ألوان العناء فينفق الجهد كل الجهد في احتمال هذه المشقة والثبات لهذا العناء حتى يتم صومه، ولكنه يضعف عن مقاومة أشياء أخرى غير الصوم، فهو سريع الغضب، دقيق الحس، حاد المزاج، سيئ الخلق بوجه عام.
    هذه حال يظهر أنها عامة الآن في مصر، تلحظها عند كثير من أنصار الوزارة، وتلحظها عند كثير من خصوم الوزارة، وتلحظها عند قوم لا ينبغي أن يكونوا من أولئك وهؤلاء. ولعلك تجد هذه الظاهرة أقوى في البيئات الوزارية منها في أي بيئة أخرى. فقد رأيت ما حدث في البرلمان، ومن المرجح أنك سترى أمثاله كثيرًا. ستراها عند النواب، وعند الشيوخ، وعند الوزراء أنفسهم. نائب يهم بإعلان رأي فيضيق به المجلس حتى يوشك أن يبطش به! ثم لا يقبل منه صمتًا ولا دفاعًا في الصحف، ولا يرضى منه إلا بالاعتذار! ونائب آخر يهم بالدفاع عن رأي فيضيق صدره، وينطلق لسانه، وينال المجلس والوزارة بما لا يحبان، ويضيق به المجلس، ويضيق هو بالمجلس فينصرف ثائرًا مغضبًا. ويمضي المجلس في ثورته وإنكاره حتى يضطر الرئيس إلى رفع الجلسة. فإذا سكت الغضب عن النائب المعتدي والمجلس المعتدى عليه؛ أعيدت الجلسة فكان الاعتذار وكان الغفران! ونائب آخر يهم بنقد الوزارة فلا يتحرج من أن يصفها بالسفه! ويضيق به صدر الوزارة فلا تذود عن نفسها، ولا تدفع شدة بشدة، ولا نقدًا بنقد، ولكن أحد أعضائها يصيح بالنائب: اسكت! فإذا لم يفعل انصرف الوزراء وتركوا الميدان مغاضبين! وقد ثار المجلس واضطرب فكثر الصياح وخفقت الأيدي، وامتدت الأيدي، ثم ترفع الجلسة، ويهم بعض النواب بجمع آراء أصحابه على طرد هذا النائب، ثم يسكت الغضب عن القوم جميعًا، فيكون اعتذار واستغفار، ويكون عفو ومغفرة. ويعود الصفو إلى جو البرلمان!
    ويحدث مثل ذلك في مجلس الشيوخ دون أن يعصم الشيوخ منه ما ينبغي أن يكون لهم من الوقار والرزانة ورجاحة الأحلام، فإذا هم أيضًا يثورون ويفورون، ويهيجون ويموجون، ويسيء بعضهم إلى بعض ويعتذر بعضهم إلى بعض، ويغفر بعضهم لبعض!!
    فإذا تركت الوزراء والشيوخ والنواب فسترى دقة الحس ووحدة المزاج وسرعة الغضب في بيئات أخرى. فمصالح الحكومة تضيق بما يكتب عنها في الصحف ضيقًا شديدًا، وتمتلئ صدورها حرجًا لأي نقد. وإذا بلاغات فيها شدة ووحدة، وفيها عنف وفيها تجاوز للقصد، حتى النيابة أظهرت في هذه الأيام شيئًا من دقة الحس ووحدة المزاج وسرعة الغضب هذه، فأكثرت من دعاء الصحفيين إليها، ومن سؤالهم والتحقيق معهم. وكانت معتدلة في ذلك بعض الشيء. ولاحظت الصحف هذا النشاط فتحدثت فيه وفكرت في أن تحتاط له، وكلفت مجلس نقابتها في أن يجد في ذلك أسبوعًا، ثم يعرض عليها نتيجة هذا الجد إذا اجتمعت بعد أيام.
    والصحف نفسها فيما بينها دقيقة الحس، حادة المزاج، يكاد يخرجها كل شيء عن طورها، ويتجاوز بها الحلم الذي كانت قد ألفته واطمأنت إليه فأصبحت في هذه الأيام لا يصبر بعضها لبعض، ولا يثبت بعضها لبعض، وإنما تضيق صحيفة بصحيفة فتسرع إلى النيابة أو إلى القضاء.
    ورجال السياسة أنفسهم، أولئك الذين لا يشتغلون بالصحافة اليومية ولا الأسبوعية، وإنما يشتغلون بالسياسة العليا إن صح هذا التعبير قد أخذت صدورهم تضيق ويصل إليها الحرج مما يوجه إليهم من نقد كانوا يصبرون عليه من قبل. ولعلهم كانوا لا يلتفتون إليه ولا يحفلون به، ولعلهم كانوا يلهون ببعضه حين يتفكهون ويتندرون، ولكنهم الآن يضيقون به، ويكرهونه أشد الكره، ويسرعون إلى النيابة فيستعدونها على أولئك الكتاب الذين تجاوزوا معهم حدود ما يحبون!
    حتى الأدباء يضيق بعضهم ببعض، ويتنكر بعضهم لبعض، ويأخذ بعضهم بعضًا بأيسر الأشياء، ويتمتعون بحس أدبي دقيق، مسرف في الدقة، حاد مغرق في الحدة. ومن ذا الذي لم يلاحظ هذه الغضبة أو إن شئت فقل هذا العتاب الحاد بين أديبين معروفين، لأن أحدهما هم بنقد الآخر فلم يذهب في هذا النقد المذهب الذي كان ينتظره صاحب الكتاب.
    كل هذا يدل على أننا نتعرض في هذه الأيام لأزمة خلقية حادة توشك أن تأتي على ما بيننا من صلات. ومهما يكن عذرنا واضحًا، ومهما تكن المحنة السياسية ثقيلة طويلة، ومهما تكن الأزمة الاقتصادية عنيفة حادة، مرهقة محرقة، ومهما يكلفنا هذا من الجهد في احتماله والثبات له، فإن من كمال الرجولة أن يكون حظنا من سعة الصدر ورجاحة الحلم، والإعراض عن صغائر الأمور أعظم من هذا الحظ الذي بقي لنا الآن. فالصائم يعذر إذا ساء خلقه، ولكن سوء الخلق لا يحمد له، وهو لا يثاب عليه، ولعله أن يفسد عليه جمال صومه، وكذلك الذي يخضع للمحنة السياسية القاسية، والأزمة الاقتصادية العنيفة يعذر إذا ضاق صدره، وعجز عن أن يملك نفسه أحيانًا، ولكن ذلك لا يحمد له، ولا يستحسن منه، ولعله أن يفسد عليه احتماله للمحنة، وثباته للأزمة، ولعله أن يجعل مقاومته أضعف وأوهن، ولعله أن يطمع فيه خصمه ويغريه به، ولعله أن يحول بينه وبين ما يحب من العاقبة الجميلة التي ينبغي أن يظفر بها الأقوياء الصابرون.
    وإذا كان الإغضاء عن المؤذيات والترفع عن صغائر الأمور خليقًا بالرجل في جميع أوقاته وأطواره، فهو أجدر به وأوجب عليه وأكرم له في أوقات الشدة والمحنة، وفي أوقات الفتن والخطوب لأنه يصور قدرة الرجل على نفسه، وضبطه لعواطفه وسيطرته على أهوائه وميوله، واستعداده الصحيح لأن يكون رجل كفاح حقًا، يعرف كيف يداور الأيام، وينتصر على الخطوب.
    فما أجدر النواب والشيوخ والوزراء أن يصبر بعضهم على بعض، وأن يغضي بعضهم عن بعض، وأن يسع بعضهم بعضًا. وما أجدر النواب والشيوخ والوزراء والموظفين أن يحتملوا النقد في شجاعة ورضى وابتسام. وما أجدر الصحف بنوع خاص أن تصبر للصحف وأن تقبل منها الآن ما كانت تقبله أمس قبل الأزمة وما ستقبله غدًا بعد الأزمة. وما أجدر الساسة أن يؤثروا سعة الصدر، ويرفعوا أنفسهم عن هذا الغضب الذي لا يليق بحلم الحليم. ثم ما أجدر الأدباء أن يبسم بعضهم لبعض، بل أن يعبث بعضهم ببعض دون أن يفسد ذلك ما بينهم من صلات. أما الكتاب فما أجدرهم أن يؤثروا الأناة والحكمة وضبط النفس، وقهر الهوى وتحري الحق فيما يكتبون.
    ما أجدر المصريين جميعًا ألا تخرجهم المحنة عن أطوارهم وألا تكدر الأزمة ما كانوا يتعزون به من مودة وحب وصفاء.
    كوكب الشرق ٢٩ – ٥ – ١٩٣٣