Tag: التضامن الاجتماعي

  • إقبال – شاعر فرض نفسه على الدنيا والزمان | Iqbal: A Poet Who Imposed Himself on the World and Time

    إقبال – شاعر فرض نفسه على الدنيا والزمان
    طه حسين
    ؟؟؟
    ؟؟؟؟
    شاعران إسلاميان رفعا مجد الآداب الإسلامية إلى الذروة، وفرضا هذا المجد الأدبي الإسلامي على الزمان؛ أحدهما: إقبال شاعر الهند والباكستان، وثانيهما: أبو العلاء شاعر العرب.

    شاعران يتقاربان كأشد ما يكون التقارب، ثم يتباعدان كأعظم ما يكون التباعد. كلاهما شاعر أولًا وكلاهما فيلسوف وكلاهما أخضع الفلسفة للشعر، وأخضع الشعر للفلسفة. وما أصعب التوفيق بين هذيْن الفنَّيْنِ الخطيريْن! وكلاهما تصوَّفَ حتى بلغ الغاية من التصوُّفِ، وكلاهما — بعد ذلك — خرج على التصوف التقليدي المعروف، واتخذ لنفسه سبيلًا خاصًّا في التصوف لا يكاد يشاركه فيه أحد غيره. وكلاهما أثبت شخصيته كأقوى ما يكون إثبات الشخصية، ودعا الإنسانَ إلى أن يعرف نفسه حقَّ معرفتها، وإلى أن يفرضَ نفسه على الدنيا، ويفرضها على الزمان، ولا يفنيها في أحد غيره مهما يكن. ولكنهما بعد ذلك يختلفان ويفترقان أشد الافتراق، أحدهما — وهو أبو العلاء — كان في أيامه ينظر إلى الهند ويطيل النظر إليها والأخذ عنها والتأثر بها، حتى التزم في حياته حياة المتنسكين من البراهمة.

    والآخر — وهو إقبال — كان ينظر إلى العرب ويشيد بهم، ويُثني عليهم، ويتخذَهم المثل الأعلى للإنسانية الجديرة بالوجود والحياة والبقاء.

    كلاهما آمن بشخصيته، ودعا الناس إلى أن يؤمنوا بأنفسهم. ولكن أحدهما — وهو أبو العلاء — آمن بشخصيته إيمانًا انتهى به إلى اليأس والسلب، وانتهى به إلى اعتزال الناس، وإن أحبهم كما لم يحبهم أحد قبله.

    والآخر آمن بنفسه والتمس مَثَلَهُ عند العرب ولم يلتمسه قريبًا منه في الهند. ثم لم يعتزل وإنما كره العُزلة. ولم يرفض الحياة وطيِّباتها، وإنما أخذ منها بحظٍّ معقولٍ. ولم يلغِ غرائزه كما فعل أبو العلاء، وإنما دبَّر وسيطر وحكَّمَ عقله فيها.

    وكذلك يتفق هذان الرجلان العظيمان أعظم الاتفاق وأقواه. ثم يختلفان أبعد الاختلاف وأنهاه.

    كان أبو العلاء لا يزدري الناس كما ازدراهم إلا لفكرةٍ واحدةٍ. كان يزدريهم أشد الازدراء؛ لأنهم يفنون أنفسهم في السادة، ويفنون أنفسهم في الرؤساء، ويستعبدون أنفسهم للملوك والأمراء. وكان حريصًا أشد الحرص على أن يشعر الناس بأنهم يجب أن يكونوا أكرم على أنفسهم من هذا، ويجب أن يتوحدوا كما توحد ربهم:

    توحَّدْ فإنَّ اللهَ ربَّكَ واحدٌولا ترغبْن في عِشْرَة الرُّؤساء
    كان أبو العلاء إذن يريد أن يشعر الناس بأنفسهم، ويعرفوا حقهم، ويفرضوا شخصيَّتهم على الدنيا، وأن يرفعوا أنفسهم عن الخضوع والفناء. وكان يعيب الأمراء ويعيب الملوك ويراهم ظَلمةً مجرمين:

    مُلَّ المُقامُ فكم أُعاشِرُ أُمَّةًأمرَتْ بغير صلاحها أُمراؤها!ظلموا الرعيَّة واستجازوا كيدهاوعدَوْا مصالحَها وهم أُجراؤها
    ولكن هذا كله لم يهون على أبي العلاء أن يحيا مع الناس كما كانوا يحيون. رأى أن الحياة الاجتماعية في عصره لا تستقيم له إلا إذا أنكر نفسه وأصبح خادمًا كغيره من هؤلاء الخدم الكثيرين الذين كانوا يسودون ويذلون في الوقت نفسه للملوك والرؤساء، فنفى نفسه من الأرض ولزم داره وأقام فيها لا يخرج منها خمسين عامًا أو نحو خمسين عامًا.

    أمَّا إقبال فإنه آمن بشخصيته أشد الإيمان كما آمن بها أبو العلاء، ولكنه لم يكتفِ بأن يؤمن بنفسه، ثم يكتفي بهذا الإيمان قانعًا بنفسه زاهدًا في إحياء هذه الشخصية في الناس جميعًا. وإنما كان إيجابيًّا؛ كان حريصًا أشد الحرص على أن يؤمن بنفسه، وأن يحمل الناس على أن يؤمنوا به. أن يؤمن بشخصيته ويحمل الناس، لا في الباكستان والهند وحدهما، ولا في العالم الإسلامي وحده؛ بل في العالم الإنساني كله. كان حريصًا على أن تكون حياة الإنسان قائمةً على إيمان الفرد بنفسه، وعلى أن يفرض الفرد نفسه على الحياة، لا أن يخضعَ لها، ويفنى في هذا المظهر أو ذاك من مظاهرها. وكان في الوقت نفسه منطقيًّا مع هذا الرأي الفلسفي الخطير. كان اجتماعيًّا كأشد ما يكون الإنسان إخلاصًا للجماعة، وإن أفنى حياته كلها مرشدًا مُعلمًا ناصحًا داعيًا للعالم الإسلامي وللإنسان إلى أن يكرم على نفسه ليكرم على الناس وليكرم على الحياة. ولكنه في الوقت نفسه كان يرى أن هذه الحياة التي يخلص الإنسان فيها للإنسان، وينصح الإنسان فيها للإنسان، ويعين الإنسان فيها الإنسان، لا تستقيم ولا تصلح ولا تُؤتي ثمرتها إلا إذا انفصل الإنسان عن الإنسان وآمن بأن له وجوده الفردي الخاص. وبأن هذا الخير الذي يذيعه في الناس والذي يريد أن يملأ به الأرض يجب أن يصدر عنه هو من حيث إنه فردٌ مستقلٌّ كائنٌ خاص ممتاز عن غيره، يريد الخير ويصدره عن نفسه مريدًا عامدًا لا كما يصدر الضوء عن السراج دون أن تكون للسراج فيه إرادة، بل كما يصدر الضوء والنور عن الله؛ لأن الله يريد أن يملأ الأرض وأن يملأ العالم ضوءًا ونورًا.

    والذي كان يريده إقبالٌ للفرد كان يريد مثله للجماعات، حين يتاح لها أن تأتلف وأن توحد بينها هذه المقومات التي تكون منها أمة مشتركة المنافع مشتركة الآمال والغايات والآلام والحاجات.

    وهو من أجلها لم يدعُ إلى شيء كما دعا إلى أن يكون المسلمون في هذه القارة التي نسميها قارة الهند، لم يكن يدعو إلى شيءٍ كما كان يدعو إلى أن يمتاز المسلمون ما دامت بينهم هذه الخصائص التي تجمع، ولهم هذه الآمال وهذه الآلام وهذه الغايات العليا التي يشتركون فيها جميعًا وتخالط قلوبهم وضمائرهم جميعًا. فيجب أن يمتازوا وأن يكون لهم وجودهم السياسي والاجتماعي الخاص وأن يصدروا فيما يكون بينهم وبين غيرهم من أهل الهند، وفيما يكون بينهم وبين غيرهم من الناس جميعًا، عن إرادة للخير وإرادة للنصح وإرادة للتعاون والتضامن في ترقية الحضارة ونفع الإنسان، والخروج به من هذه الحياة الشريرة المظلمة التي يحياها إلى حياةٍ أخرى خير منها.

    كان إذن حريصًا على أن يتوحد الفرد في وجوده، وعلى أن تتوحد الأمة في وجودها. وعلى أن يكون هذا التوحيد وسيلةً إلى التضامن الذي يصدر عن الإرادة ولا يصدر عن الغريزة، يصدر عن القلب وعن العقل وعن التفكير، بحيث يكون الإنسان — كما قال أرسطاطاليس — حيوانًا اجتماعيًّا، ولكن حيوانًا اجتماعيًّا في إرادته، وعن رأيه وعقله، لا بغريزته كما تكون النحل أو كما تكون النمل. فالإنسان هو خير ما في هذه الأرض من الكائنات التي أتيحت لها الحياة، فيجب أن يمتاز في الأرض ويجب أن يمتاز أفراده، وأن تمتاز أممه، وأن يتحقق بين الناس هذا الامتياز الذي يتيح لكل فرد منها استقلاله، وهذا التضامن الذي يتيح لهم جميعًا أن يتعاونوا على البر والتقوى وألا يتعاونوا على الإثم والعدوان.

    ومن أجل هذا، ومن أجل حرص إقبال على هذه الشخصية، وعلى أن يحرص الإنسان أشد الحرص على أن يتوحد كما توحد الله، وعلى أن يمتاز كما امتاز الله، وعلى أن يسود الأرض التي سخرها الله له، ويُخضع الطبيعة التي سخرها الله له؛ من أجل هذا كله ظن بعض الأوروبيين الذين قرءوا فلسفة إقبالٍ وشعره عندما ترجمه نيكلسون إلى الإنجليزية، ظنوا أنه متأثر بنتشه، ومتأثر بنتشه في مذهبه في الإنسان الممتاز أو «السوبر مان». ولكن إقبالًا نفسه رد على هؤلاء الناس فقال أنه عندما جهر بمذاهبه هذه لم يكن يعرف نتشه، ولم يكن يعرف أن في الأرض إنسانًا يُسمَّى بهذا الاسم، وأنه إنما عرف الغرب وفلاسفة الغرب بأخرة بعد أن أنشأ فلسفته وآدابه، وبعد أن تقدم بهذه الفلسفة وبهذا الأدب شوطًا بعيدًا.

    ومهما يكن من شيء، فهذان الشاعران العظيمان لم يعرف الإسلام مثلهما قبل أبي العلاء، ونرجو أن يعرف الإسلام مثلهما بعد إقبال. ولكن الشيء الذي ليس فيه شك هو أن الإسلام لم يعرف مثل هذين الشاعرين لا قبل أبي العلاء ولا بين أبي العلاء وبين إقبال.

    احتاج المسلمون إلى نحو عشرة قرونٍ ليوجد بينهم ثانٍ لأبي العلاء. ولكن إقبالًا كان أحسن حظًّا من صاحبه؛ فهو قد عاش في عصرٍ غير العصر الذي عاش فيه صاحبه. عاش أبو العلاء في عصرٍ كان المسلمون قد أخذوا يضعفون وينحطون فيه. وأخذ العنصر الأعجمي والعنصر التركي بنوعٍ خاص يتسلط فيه على المسلمين. وأخذت أوروبا تتحفز لغزو الشرق في غزواتها الصليبية المعروفة، فكان ساخطًا على الحياة مهيبًا بالمسلمين أن يغيروا من أمر أنفسهم ليُغيِّر اللهُ من أمرهم.

    وعاش إقبالٌ في عصرٍ آخر، عصرٍ كان المسلمون فيه، كما نراهم الآن، متفرقين ومن حقهم أن يأتلفوا، ضعافًا ومن حقهم أن يقووا، وفي الوقت نفسه فيهم استعداد وتحفز للنهضة والقوة والحياة والتضامن. ولكنَّ لهم أعداء خطيرين يدبرون لهم الكيد ويضمرون لهم المكروه، وهم هؤلاء المستعمرون في الغرب. فالعصران يتشابهان من جهة ويختلفان أشد الاختلاف من جهةٍ أخرى. فلم يعرف أبو العلاء هذا العلم الكثير الذي أتيح لإقبالٍ أن يعرفه. ولم يعرف هذه الفلسفة الكثيرة التي أتيح لإقبالٍ أن يعرفها. ولم يعرف هذه الحضارة المادية الهائلة التي استطاع إقبالٌ أن يعرفها، وأن يقبل منها أقلها ويرفض أكثرها.

    ودعوة الرجلين واحدة: كلاهما يدعو العالم الإسلامي أولًا والإنسان ثانيًا إلى أن يعرف نفسه وحقه ويفرضهما فرضًا. ولا يفنى في أحدٍ مهما يكن، ولا يفنى حتى في الله نفسه.

    وأشد ما ينكره إقبالٌ، وأشد ما ينكره أبو العلاء على المتصوفة فكرة الفناء هذه. فأبو العلاء ناقش المتصوفة أشد المناقشة، ولم يكره من مذهبهم شيئًا كما كره منهم هذا الفناء في الذات الإلهية الذي يقولون به. كما كره منهم العبث بعقول الناس. وإقبالٌ متصوفٌ متقشفٌ مدركٌ للفلسفةِ العليا وللمثل العليا في أروع صورها وأجملها. ولكنه لا يريد مطلقًا أن يفنى في هذا النور الإلهي الخطير العظيم؛ بل إنما يجب أن يحتفظ بشخصيته وأن ينظر إلى هذا النور ويطالعه ويخاطب ربه خطاب العالِم به المريد أن يخاطبه وأن يسمع منه، لا لأن يفنى فيه وينكر وجوده وينكر نفسه ويصبح ضائعًا في هذه القوة الإلهية العليا. لا يريد أن يضيع، ولا يريد لأحدٍ من الناس أن يضيع، ولا يريد للإنسان أن يفنى في الإنسان، ولا أن يفنى في الله. إنما يريد للإنسان أن يعين الإنسان، وأن يتضامن معه على الخير، وأن يعبد الله عالمًا به مكبرًا له، ولكن معترفًا بنفسه ومؤمنًا بها. ذلك لأن الله عندما أمر الناس بعبادته لم يأمرهم بأن يفنوا أنفسهم فيه، وإنما أمرهم بأن يعيشوا أحرارًا مؤمنين بشخصيتهم مستقلين. ولولا هذا لما كلفهم هذه التكاليف التي فرضها عليهم؛ فإن الله لم يكن ليكلف نفسًا أن يصلي ويصوم ويؤدي الزكاة ويحج … إلى آخر هذه التكاليف التي فرضها على الإنسان. فنفس هذه التكاليف التي فُرضت على الإنسان إنما فُرضت عليه ليكون فردًا مستقلًّا، مستقلًّا ثابتًا أمام ربه، يعبده عن إرادة لهذه العبادة، ويذعن له عن إرادة لهذا الإذعان.

    والغريب أن الرجلين اشتركا أيضًا في هذا التفكير المتصل بالملأ الأعلى. وكلاهما فكر في هذه المعجزة التي جاءت في القرآن، وهي معجزة الإسراء. فكر في هذا كلاهما، وحاول كلاهما أن يسري كما أسري بالنبي.

    فأبو العلاء فكر في الجنة وفكر في النار وحرص على أن يسيح في الجنة والنار، وأن يكون متفرجًا، وأن يتحدث إلى الناس عن الجنة والنار، وعما يكون في الجنة والنار؛ فألَّف «رسالة الغفران».

    وصاحبنا الذي نذكره اليوم مكبرين له مجلين له أبى هو أيضًا إلا أن يعرج في السماء كما عرج محمد ﷺ.

    ولكن كلا الرجلين عرجا إلى السماء في خيالهما. وإقبال يزور السموات ويتخذ له من هذه الزيارة دليلًا من المتصوفة هو جلال الدين الرومي، فيزور القمر ويزور المريخ ويزور كواكب كثيرة. صاحبه هذا يدله كما كان «دانتي» في القرون الوسطى يطوف بالجنة والنار والأعراف ومعه الشاعر اللاتيني القديم «فرجيل» يهديه في هذا التطواف. كذلك فعل إقبال، وأكبر الظن أنه لم يعرف دانتي إلا في العصر الأخير من حياته.

    مهما يكن من شيءٍ فقد طوف إقبال في السموات كما طوف فيها أبو العلاء. ولكن النتيجة لهاتين الزيارتيْن متناقضة عند الرجليْن أعظم التناقض. فأما أبو العلاء فعاد من زيارته للجنان والنار ساخرًا منكرًا يوشك أن يخرج على الدين. وأما إقبال فعاد من زيارته مؤمنًا متعظًا معتبرًا يريد أن يملأ الدنيا موعظةً وعبرةً بعد هذه الزيارة إلى هذه السموات.

    أفنى الأستاذ الصديق عبد الوهاب عزام وقتًا كبيرًا وبذل جهدًا عظيمًا وقدم إلينا حياة إقبال وطائفة من شعر إقبالٍ. وهو ماضٍ في ترجمة ما بقي من شعره. فنحن مدينون له بكل ما نعرفه عن إقبالٍ باللغة العربية، وسيزداد هذا الديْنُ شيئًا فشيئًا كلما أضاف إلى تراجمه التي بين أيدينا ترجمةً أخرى. وأحب أن نكون أوفياء وأن نكون كرامًا على أنفسنا. وأول حقوق الكرامة هو أن نعرف الحق لأهله، وأن نذكر إقبال أداءً لما له علينا جميعًا من ديْنٍ. فهو الذي دعانا إلى الخير وأشاع فينا هذا الأمر بأن نعرف أنفسنا وحقوقنا ونجاهد في سبيل الحق والخير والجمال.

    وإذا ذكرنا إقبالًا وأكبرناه وتمنينا أن تنفعَ كلماته هذه الخالدة، وأن يصبح المسلمون جميعًا متأثرين بهذه المذاهب العليا، إذا ذكرنا اليوم إقبالًا وأكبرناه، فأظن من أيسر الحق علينا أن نذكر ونشكر الأستاذ عبد الوهاب عزام؛ فهو الذي كان صلةً بيننا وبين إقبالٍ.

  • جنود الشيطان | The Devil’s Soldiers

    جنود الشيطان
    طه حسين
    مجلة المصور
    ١٢ يناير ١٩٤٩

    هذا حديث أسُوقُه إلى الوُزراء جميعًا، وإلى الشُّيوخ والنواب جميعًا، وإلى المِصريين الذين يُقدرون للإنسان كرامَتَه وللوطَنِ حقه؛ كي يُفكروا في أن يتخذوا من الوسائل ما يحمي الأيامى واليتامى من جنود الشيطان.

    كان في نضرة من عيشه المادي والمعنوي، يبسم للحياة والأمل، وتبسم له الحياة والأمل … يغدو مع الصبح إلى تلاميذه؛ فيُعلمهم مما علمه الله، وكان الله قد علَّمه من رائع الأدب وبارع الفن ما غذَّى قلبه وعقله، فجعله إنسانًا كريمًا وديعًا، كأكرم ما يكون الناس، وكأودع ما يكون الناس … كان ذا نفس راضية، وخُلق سمح، وقلب نقي، وضمير كأصفى ما يكون الضمير.

    كان لا يحب الأذى، ولا يتصور أن يؤذي بعض الناس بعضًا، وكان إذا سمع ما يمتلئ به الجو المصري من كيد الناس للناس، ومكر الناس بالناس، وقسوة الناس على الناس، تلقى هذا كله في شيء من السذاجة يُشبه البله … كان يرى الحياة قصيرة، والخير بين الناس قليلًا … وكان يحرصُ أشدَّ الحرص على ألا يُبدد الناس حياتهم القصيرة في الشرِّ والإثْمِ، وعَلى أن ينتهز الناسُ فرصة هذه الحَياة ليَسْتَكثروا من الخَيْرِ ما استطاعوا أنْ يستكثروا من الخير، وليشيعوا المعروف بينهم ما وجدوا إلى إشاعة المعروف بينهم سبيلًا.

    كان باسم القلب والثغر، وكان عذب النفس واللسان، وكان يأبى على الحياة أن تشيع من حوله المرارة أو العبوس، وكان لا يَلْقى أصحابه إلا سرَّهم وبَرَّهم، وحَبَّبَ إليهم البر والسرور، وكان يروح إلى داره إذا أقبل الليل فيرى فيها ابتسامًا حُلوًا يتلقاه، فيُضيف في قلبه رضًا إلى رضا، وغبطة إلى غبطة، ونعيمًا إلى نعيم: زوجة صالحة، وطفلين وديعين يملأ قلبيهما الفرح والمرح والابتهاج.

    أخلص قلبه للأدب، وأخلص نفسه للمُثل العليا، وصفَّى ذوقه للفن الرفيع، وأنفق ما أنفق من حياته ينفع ما استطاع أن ينفع، ويصلح ما استطاع أن يُصلح، ويكره أن يتعلق عليه أحد بما يحزن أو يسوء … جد في طلب العلم حتى أخذ منه حظًّا موفورًا، وراض نفسه على حب الخير حتى أصبحت خيرة بطبعها، ومضى في حياته لا ينتظر إلا أن يكون آخرها كما كان أولها سَمْحًا يسيرًا لا عوج فيه ولا التواء.

    وأقبل ذات ليلة باسم الثغر، مُنشرح الصدر، موفور الرضا، فنعم بأهله، ونعم أهله به، ولكنهم أصبحوا فلم يجدوه …! اختطف نفسَهُ الموتُ أثناء الليل، لم يشعر هو ولم يشعر أهله بالموتِ حين أقبل على الدار … ولم يشعر هو ولم يشعر أهله بالموت حين انصرف عن الدار … ولكن الزَّوج أصبحت أيِّمًا … ولكن الطفلين أصبحا يتيمين … ولكن الأصدقاء أصبَحُوا مَحْزُونين مَكروبين، قد تركت الكارثة في نفوسهم كُلومًا لا تؤسى، وآلامًا لا تزول.

    ***

    وانقضت الأيام الأولى بما فيها من مراسم الموتْ، وأقبلت أيام أخرى فرضت على الأم البائِسة اليَائسة أنْ تُفكر في حياتها، وفي حياة طفليها، وفرَضَتْ على الأصدقاء أن يُعينوها على هذا التفكير، وأن يُدبِّروا من أمرها ومن أمر ابنيها ما يعجز النساء عن تدبيره، فسعوا عند رئيسه في أن يلتمس من الدولة — التي أنفق شبابه في خدمتها وتعليم أبنائها — معونة لهذه الأيِّم وابنيها اليتيمين … وسمع الرئيس لهم، وفهم عنهم، وسعى معهم، فكتب يطلب إلى الحكومة أنْ تشمل بعطفها وبرها هؤلاء البائسين الذين فقدوا عائلهم قبل أن يَدَّخر لهم من المال ما يُقيم الأود … ومتى استطاع المُعلمون أن يدخروا لأزواجهم وأبنائهم ما يقيم الأود؟!

    وكان الفقيد قد مات قبل أن يُثبَّت، وقبل أن يَكفل لأبنائه ولأهله المَعاش، وليس في مصر نظام «التأمين الاجتماعي» الذي يَفْرِض على الدولة أن تكفل حياة الأيامى واليتامى حين يُختطف عائلوهم من بينهم، فلا بدَّ إذن من أن يُطلَب إلى الدولة عطفها وبرها بالأيامى واليتامى، الذين لا يجدون ما ينفقون … لا بُدَّ من أنْ يطلب إليها هذا العطف، على أنه «استثناء» لا على أنَّه «حق»؛ لأنَّ مصر لم تشعر بعد بأن من حق أبنائها عليها أن تعصمهم حين لا يستطيعون أن يعصموا أنفسهم من الفقر والجهل والمرض!

    سعى أصدقاء الفقيد، وسعى رئيس الفقيد معهم في التماس هذا العطف من الدولة، ولكنَّ هذا الرئيس لا يستطيع أن يكتب مُباشرة إلى مجلس الوزراء، بل لا يستطيع أن يكتب مُباشرة إلى وزارة المالية، بل لا يستطيع أن يكتب مُباشرة إلى وزير المعارف، وإنما ينبغي أن تمُرَّ كتبه برؤساء آخرين يتوسطون بينه وبين الرئيس الأعلى، الذي هو وزير المعارف … وقد وصل كتابه إلى المرتبة الأولى من مراتب الرؤساء، وهنا كانت العبرة التي تدفعني إلى إملاء هذا الحديث!

    وصل الكتاب إلى موظف كبير، له — من غير شك — زوجة وأبناء، وقد بَلَى من تجارب الحياة ما علَّمه — من غير شك — أنَّ الفقر مُرٌّ، وأنَّ الجُوع أليم، وأنَّ المرضَ مِحنة، وأنَّ هذه الآفات خليقة أنْ تُخرج الناس عن أطوارهم، وأنْ تدفعهم إلى الذلة والهوان، وأن تُغريهم بالإثم والنكر، وأن تورطهم فيما لا ينبغي أن يتورط فيه الإنسان.

    وقد علمته تجارب الحياة أيضًا أنَّ الموت قد يُقبل دون أن يستأذن ضحاياه، ودون أن يُنذرهم، ودونَ أن يعطيهم من المُهلة ما يُتيح لهم أن يُدبروا أمور أزواجهم وأبنائهم قبل أن يُفارقوا الحياة، وقد عَلَّمته التجارب أيضًا — من غير شكٍّ — أنَّ من الخير أن يعطف الأحياء القادرون على الأحياء العاجزين، وأن يكون بين الناس هذا التضامن الاجتماعي الذي يشيع بينهم الحب والبر والتراحم؛ لأنَّ الأيام دُول، ولأنَّ المال والسلطان والجاه والمقدرة … كل هذه أعراض تذهب وتجيء، وتغدو وتروح، وتلم بالإنسان اليوم لتنتقل عنه غدًا!

    علمته التجارب هذا كله، ولكنه لم يتعلم … وليس كل الناس ينتفع بالتجارب، وليس كل الناس يستطيعُ أن يضع نفسه مَوضِعَ البائسين وأصحابَ الحَاجات … وكانت بين هذا الموظف الكبير وبين هذا الفقيد هنة من الهنات في يومٍ من الأيام، مما يكون بين الناس حين يدفعهم العمل إلى ما يُرضي ويُسخِط، وإلى ما يَسُرُّ ويَسُوء، فلم يذكر للفقيد إلا هذه الهنة، ولم يسمع إلا لما تركت في قلبه من الموجدة، ولم يلتفت إلى الأيم ولا إلى اليتيمين، ولا إلى نفسه ولا إلى الناس من حوله، ولا إلى التضامن ولا إلى التعاون، ولا إلى أنَّ الموت يمحو ما قبله، ولا إلى أنَّ من يفعل الخير لا يعدم جوازيه، ولا إلى أنَّ العُرف لا يذهب بين الله والناس، ولا إلى أن العفو عند القدرة أجمل بالرجل الكريم … لم يلتفت إلى شيء من هذا، وإنَّما التفت إلى أن في قلبه موجدة على الفقيد لم يستطع الموت أن يمحوها، فلم يرسل كتاب الرئيس المُباشر للفقيد إلى السُّلطات العُليا، وإنما أرسل إلى هذه السلطات يطلب إليها تنفيذ القانون بإعطاء هذه الأيم وابنيها ما يُستحقُّ للفقيد من مُكافأة … مكافأة تقيم أودهم أشهرًا، ثم تُسلمهم بعد ذلك إلى الشيطان، وإلى جنود الشيطان — وهي المرض والفقر والجهل — تصنع بأجسامهم وعقولهم وأخلاقهم ما تشاء!

    ***

    هذا حديث أسوقه إلى الوزراء جميعًا، وإلى الشيوخ والنواب جميعًا، وإلى المِصْريينَ الذين يُقدرون للإنسان كَرَامته وللوطن حَقَّه، فقد يَجِبُ عليهم أن يفكروا في هذه المِحْنَة وأمثالها؛ قبل أنْ يُفكروا في كثير من هذا السخف الذي يشغلون به أنفسهم. وقد ينبغي أنْ يفكروا قبل كل شيء في أن أوجب ما يجب على مصر أن تتخذ من الوسائل ما يحمي الأيامى واليتامى من الشيطان وجنود الشيطان، ومِنْ هذه القُلوب القاسية التي تستجيب للبغض أكثر مما تستجيب للحب، وتسمع لداعي القسوة أكثر مما تسمع لداعي الرَّحمة والمعروف والإحسان.

  • تضامن | Solidarity

    تضامن
    طه حسين
    النداء
    ٤ نوفمبر ١٩٤٧

    لم يكن عمر بن الخطاب — رحمه الله — يقدِّر حين صَدَر بالمسلمين من الحج سنة ثماني عشرة للهجرة، أنه يستقبل بالمسلمين من أهل بلاد العرب — ومن أهل الحجاز ونجد وتهامة خاصة — عامًا أسودَ قاتمًا، يُمتحَن المسلمون به في أنفسهم وأموالهم وأخلاقهم، وفيما أُتِيحَ لهم من الصبر على الشدائد والثبات للمكروه والنفوذ من الخطوب، وفيما أُتِيحَ لهم كذلك من هذا الشعور الكريم الممتاز الذي يجعل الإنسان إنسانًا، ويرقى به إلى المنزلة العليا من منازل الكرامة؛ وهو شعور التعاطف والتآلف والتضامن الاجتماعي، الذي يلقي في روع كل فرد — مهما تكن منزلته — أنه عضو من جماعة يسعد بسعادتها، ويشقى بشقائها، ويأخذ بحظِّه مما يصيبها من النعماء والبأساء، وما ينوبها من السراء والضراء.

    لم يكن عمر — رحمه الله — يقدِّر أن الغيب قد أضمر له وللمسلمين من أهل بلاد العرب هذه المحنة القاسية، يُمحِّص بها قلوبهم، ويُصفِّي بها نفوسهم، ويُعلمهم بها أن الحياة ليست نعيمًا متصلًا، ولا رضاءً مقيمًا، ولا خصبًا يتجدد كلما تجددت الفصول، وإنما هي مزاج من النعيم والبؤس، ومن اللذة والألم، ومن السعادة والشقاء، وأن سبيل المؤمن — الذي مسَّ الإيمان قلبه حقًّا — هو ألَّا يطغى إذا استغنى، ولا يبطر إذا نُعِّم، ولا ييأس إذا امتُحِن بالبؤس والشقاء، وألَّا يُؤْثِرَ نفسه بالخير إنْ أُتِيحَ له الخير من دون الناس، وألَّا يترك نظراءه نهبًا للنوازل حين تنزل، وللخطوب حين تلم، وإنما يعطي الناس مما عنده حتى يشاركوه في نعمائه، ويأخذ من الناس بعض ما عندهم حتى يشاركهم في بأسائهم.

    فالله لم ينشر ضوء الشمس ليستمتع به فريق من الناس دون فريق، والله لم يرسل النسيم لتتنفسه طائفة من الناس دون طائفة، والله لم يُجْرِ الأنهار ولم يُفجِّر الينابيع لتشرب منها جماعات من الناس وتظمأ إليها جماعات أخرى، والله كذلك لم يخرج النبات من الأرض ليشبع منه قوم ويجوع قوم آخرون!

    وإنما أسبغ الله نعمته ليستمتع بها الناس جميعًا، تتفاوت حظوظهم من هذا الاستمتاع، ولكن لا ينبغي أن يُفرَض الحرمان على أحدٍ منهم مهما يَكُنْ شخصه، ومهما تَكُنْ طبقته، ومهما تَكُنْ منزلته بين مواطنيه.

    لم يكن عمر — رحمه الله — يقدِّر حين صدر من الموسم في ذلك العام أن الله سيرسل إلى المسلمين عامًا جديدًا يمتحنهم فيه بالجوع والظمأ والعري امتحانًا لم يعرفوا مثله منذ عهد بعيد أشد البعد. وكيف كان عمر يستطيع أن يقدِّر ذلك وأمور الدولة الناشئة تجري على خير ما كان المسلمون يحبون من العدل، والسعة، وبعد الصوت، وانتشار الفتح، وكثرة الفيء، وغزارة الرخاء؟!

    ولكن العام الجديد يُقْبِل وإذا السماء تبخل بمائها حتى تحترق الأرض ظمأً إلى هذا الماء، وحتى تسوَدَّ كأنها الرماد، وحتى يضطر المسلمون إلى أن يسمُّوا هذا العام عام الرمادة.

    بخلت السماء بالماء، وجادت الشمس بالحر، وعجزت الأرض عن أن تخرج للناس ما يأكلون وما يطعمون به ما كانوا يسومون من الثاغية والراغية.

    وينظر عمر بعد أن استقر في المدينة، فإذا الأزمة تسعى متمهلة مستأنية، ولكنها مستوثقة من نفسها، مُلِحَّة في سعيها، وإذا أهل البادية قد أجدبوا واشتد عليهم الجدب، فلم يفكروا إلَّا في أن يُهرَعوا إلى خليفتهم يلتمسون عنده ما يطعمهم من جوع، ويسقيهم من ظمأ، ويكسوهم من عري. وما له لا يفعل ذلك وهو قد أخذ أبناءهم وآباءهم وإخوانهم وكاسبيهم وعائليهم، فرمى بهم تلك الثغور، ودفع بهم إلى حروب يعرفون أولها ولا يعرفون آخرها؟! وما لهم لا يُهرَعون إليه وهم كانوا يشعرون بحبه، وعطفه عليهم، وبره يسعى إلى أقصاهم كما يسعى إلى أدناهم، لا يقصر عن السعي إليهم ساعة من ليل أو ساعة من نهار؟!

    ثم ينظر عمر فإذا جزيرة العرب كلها ترسل إليه من بقي فيها من الشيوخ والنساء والأطفال والعاجزين الذين لا يقدرون على شيء، والقادرين الذين لا يجدون شيئًا يقدرون عليه … هنالك ينهض عمر للقاء هذه الأزمة العنيفة الجائحة نهوض الرجل الذي يعرف الحق كما لم يعرفه أحد بعده، ويحمل العبء كما لم يحمله أحد بعده، ويواجه الخطب مصممًا على أن ينفذ منه أو يموت من دونه مهما تكن الظروف؛ حتى أصبح عام الرمادة ذلك كنزًا من كنوز المسلمين، لا ينفد ولا يدركه الفناء. يجد المسلمون فيه من العبرة والموعظة الحسنة والقدوة الصالحة ما لا يمتنع عليه قلب له حظٌّ من رفق ولين، إلَّا أن يكون من تلك القلوب التي وصفها الله — عز وجل — بأنها قست فهي كالحجارة أو أشد قسوة.

    وقد بدأ عمر — رحمه الله — بنفسه في مقاومة هذا الخطب، فأبى إلَّا أن يكون رجلًا من المسلمين؛ يشقى كما يشقون، ويجوع كما يجوعون، ويظمأ كما يظمأون، ويشتد على نفسه وعلى أهله بمقدار ما تشتد الأزمة على أشد الناس فقرًا وبؤسًا. يفعل ذلك لأنه مؤمن قبل كل شيء بأن من الحق عليه لنفسه ولله وللناس أن يفعل ذلك، ثم يفعله لأنه مؤمن بأن من الحق عليه أن يعلِّم الناس كيف يكون التضامن والتعاون والتعاطف حين تنزل المحن وتلم الخطوب، فيأبى إلَّا أن يعيش كما يعيش أفقر الناس!

    رأى المسلمين لا يجدون السمن إلَّا في مشقة وجهد؛ فحرم على نفسه السمن حتى تجده عامة الناس … وفرض على نفسه الزيت والخبز الجاف. فلمَّا ثقل عليه الزيت ظنَّ أنه إنْ طُبِخَ له فقد يكون أخف على معدته احتمالًا؛ فأمر أن يُطبَخ له الزيت، وأكله مطبوخًا فكان أوجع له وأعسر هضمًا، حتى تغيَّرَ لونه واسْوَدَّ وجهه وكان شديد البياض.

    ثم جعل يطعم الناس على الموائد العامة، ويجلس معهم إلى هذه الموائد يأكل مما يأكلون منه، ثم أمر المنادين أن ينادوا في الناس: من شاء أن يُقْبِلَ على هذه الموائد فيأكل منها فليفعل، ومن شاء أن يُقْبِلَ على هذا الطعام فيأخذ منه حاجته وحاجة أهله ليأكل معهم فليفعل.

    وكان يُشْرِفُ بنفسه على إعداد الطعام، وربما علَّم الطباخين كيف يطبخون. ولكن الأزمة تشتد وتشتد، وأهل البادية يُهرَعُون إلى المدينة، وكثيرٌ منهم لا يستطيعون أن ينتقلوا من أماكنهم، قد هلك الزرع وجف الضرع ونفقت الماشية، وأصبح من الحق على الخليفة أن يدرك هؤلاء الناس في مواطنهم، ويحمل إليهم أرزاقهم ما داموا عاجزين عن السعي إلى هذه الأرزاق.

    هنالك يكتب عمر إلى عمَّاله في الأقاليم يأمرهم بأن يرسلوا إليه الأمداد. واقرأ هذا الكتاب القصير الرائع الذي كتبه إلى عامله على مصر عمرو بن العاص رحمه الله، وانظر إلى ما في هذا الكتاب القصير الرائع من عنف عنيف، ملؤه الرحمة الرحيمة والرفق الذي ليس بعده رفق: «بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص، سلام عليك. أمَّا بَعْدُ، أفتراني هالكًا ومن قبلي، وتعيش أنت ومن قبلك؟! فيا غوثاه! يا غوثاه! … يا غوثاه!»

    فلم يكد عمرو بن العاص — رحمه الله — يقرأ هذا الكتاب الذي يزجره فيه أمير المؤمنين أشد الزجر، حتى كتب إليه:

    بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله عمر أمير المؤمنين من عمرو بن العاص. سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلَّا هو، أمَّا بعد، أتاك الغوث؛ فلبث لبث! لأبعثن إليك بعيرًا أولها عندك وآخرها عندي …

    ثم نهض عمرو في إرسال هذا الغوث برًّا وبحرًا، وكتب عمر إلى عمَّاله الآخرين في الشام والعراق، فكلهم صنع صنيع عامل مصر. ثم أرسل عمر رسله إلى حدود بلاد العرب مما يلي الشام والعراق ومصر، وأمرهم أن يتلقوا هذه المعونات، فيميلوا بها إلى أهل البادية في أماكنهم وأحيائهم ليطعموهم ويكسوهم ويسقوهم. وعزم على رسله هؤلاء ألَّا يضعفوا ولا يلينوا ولا يُفَرِّقوا ما في أيديهم من الطعام دون أن يتبينوا أنه صائر إلى بطون الجائعين، لا إلى خزائن المختزنين. وأشد من هذا روعة وأعظم من هذا إثارة للعبرة أن عمر — رحمه الله — كان يقول: «نطعم ما وجدنا أن نطعم، فإن أعوزنا جعلنا مع أهل كل بيت ممن يجد عدتهم من لا يجد إلى أن يأتي الله بالحَيَا.»

    ومعنى ذلك أنه — رحمه الله — قد فتح بيت المال على مصراعيه، وأزمع أن يرزق الناس منه، حتى إذا لم يجد فيه شيئًا كلَّف كل أسرة غنية أن تطعم مثل عددها من الفقراء، يأخذهم بذلك بسلطان القانون والدين، حتى يأتي الله بالفرج.

    وما قصصت عليك هذا كله لأرفه عليك بروائع التاريخ، أو لأطرفك بهذه النوادر البارعة من سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فلسنا في وقت ترفيه ولا أطراف ولا ترويح، وإنما نحن نحيا في أيام سُود، ليست أقل نكرًا — ولعلها أن تكون أشد نكرًا — من عام الرمادة ذاك!

    فقد كان المسلمون في أيام عمر — وفي ذلك العام — يجدون الجوع والظمأ والعري، فأمَّا المصريون في هذا العام فإنهم يجدون الموت ويجدون المرض، ويجدون بعد الموت والمرض ما كان يجد العرب في عام الرمادة من الجوع والظمأ والعري.

    ومن حقِّ المصريين الذين صُبَّ عليهم الوباء أن يُدفَع عنهم هذا الوباء وأن تُرَدَّ عنهم آثاره؛ فلا يكون منهم من يشكو الجوع والظمأ والعري، وهذا الحق واجبٌ على الدولة ما وجدت في خزائنها من المال ما يمكنها من ذلك. لا ينبغي أن تفكر في شيء حتى تفرغ من هذه المحنة، فإن لم تسعفها خزائنها؛ فمن الحق عليها أن تسلك الطريق التي أراد عمر أن يسلكها، وأن تفرض على القادرين رعاية العاجزين حتى يأتي الله بالفرج.

    يجب أن تعلم الدولة — ويجب أن يعلم الموسرون — أن التصدق بالمال خير في أوقات الرخاء والدعة واللين، فإن اشتدت الشدة وأزمت الأزمة وألمَّ الوباء؛ فالتصدق واجب يفرضه العدل. فإن لم ينهض به الأفراد من تلقاء أنفسهم وجب على الدولة أن تأخذهم به أخذًا.

    يجب على الدولة أن تعلم أن الله قد أمر أئمة المسلمين في أوقات الرخاء والدعة أن يأخذوا من الأغنياء ويردوا على الفقراء؛ حتى لا يبقى بين الناس جائع أو محروم. فإذا جد الجد، وألمَّت الكارثة؛ فحرام على الموسرين أن يطعموا وأن يشربوا وأن يكتسوا، حتى يطعم الجائعون ويشرب الظامئون ويكتسي العارون من المعسرين. وعلى الدولة أن تقوم على هذا كله بسلطان القانون، فإن لم تفعل فهي آثمة أشنع الإثم في ذات الله، وفي ذات الوطن، وفي ذات المواطنين.

    هذه دروس ألقاها عمر بن الخطاب على الحاكمين والمحكومين في التضامن الاجتماعي الذي لا يقوم على الاشتراكية ولا على الشيوعية، وإنما يقوم على قول الله عز وجل: ( إِنَّ الله يَأْمُرُ‌ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْ‌بَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ‌ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُ‌ونَ ).

    فهل نطمع في أن تسمع الدولة وفي أن يسمع الموسرون، وهل نطمع في أن تتذكر الدولة ويتذكر الموسرون، وهل نطمع في أن نُعفى وتُعفى الكرامة الإنسانية من طلبات الصدقات في الصحف إلى قوم يؤثرون الأموال على الوطن وعلى المواطنين؟!

    إن من الحق على الدولة أن تعلِّم البخلاء كيف يكون الكرم والجُود بسلطان القانون إذا لم يصدر عن يقظة الضمائر وحياة النفوس …

  • ضريبة | A Levy

    ضريبة
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ٣ نوفمبر ١٩٤٧

    هذا حديث سيرضى عنه فريق من الناس، وسيسخط عليه منهم فريق آخر، وسيمر به أكثرهم معرضين عنه، غير حافلين ولا ملتفتين إليه، لا لأن هذا الحديث في نفسه خليق أن يُعرض عنه المعرضون، ويَسخر منه الساخرون، بل لأن المصريين تعودوا أن يروا قادتهم وسادتهم والقائمين بالحكم فيهم يُعرضون عن الجدِّ إعراضًا، ولا يحفلون من الأمر إلَّا بما لا يكاد ينفع ولا يفيد.

    وأنا مع ذلك أملي هذا الحديث، لا يعنيني أن يرضى عنه هذا، أو يسخط عليه ذاك، أو يعرض عنه المعرضون، وإنما يعنيني أن تُقال كلمة الحق؛ لأنها يجب أن تُقال مهما تكن الظروف، وليس على قائلها بأس أو جناح إن ضاعت كلمة الحق هذه بعد أن تُقال؛ فقد رُوي أن الذي يعرف الحق ولا يقوله شيطان أخرس. ومع أني لا أطمع في أن أكون من الملائكة؛ فلست أحب أن أكون من الشياطين الخرس أو الناطقين، وإنما أريد أن أكون إنسانًا يعرف الحق فيعلنه ويدعو إليه، وأتمنى أن يكون المصريون من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه، لا تصرفهم عن ذلك الأثرة، ولا تصدهم عنه قسوة القلوب.

    والحق الذي لا ينكره أحد من المصريين أن وطنهم يُمتحن في هذه الأيام امتحانًا قاسيًا عسيرًا، يوشك إن لم يحسنوا الثبات له والنفوذ منه أن يعرضهم لخطر لا يشبهه خطر، وبلاء لا يعدله بلاء؛ فوطنهم موبوء، يفتك الوباء بالمئات من أبنائه في كل يوم، ثم لا يقف الأمر عند الموت الذي يتخطف أبناء الوطن في كل لحظة من لحظات النهار والليل، ولا عند المرض الذي يضطرهم إلى البطالة والعجز، ثم إلى الإمعان في البؤس والشقاء، ولكنه يتجاوز ذلك إلى ما هو أبعد أثرًا من الموت والمرض … إلى إفساد حياة الشعب كلها من ناحية الصحة والاقتصاد جميعًا.

    فالذين يلم بهم المرض ولا يختطفهم الموت سيحتاجون إلى وقت طويل، وجهد ثقيل، وعناية متصلة؛ ليستأنفوا نشاطهم فيما كانوا يضطربون فيه من أمور الحياة، والذين يتخطفهم الموت عشرات ومئات في كل يوم لن يُردُّوا إلى حياتهم الدنيا هذه ليعملوا ويكدُّوا، ولأولئك وهؤلاء أسر كانوا يعولونها، ولا بدَّ لهذه الأُسَر من أن تعيش، وأولئك وهؤلاء لم يكونوا يعولون أسرهم فحسب، ولكنهم كانوا يعولون الوطن كله؛ لأنهم كانوا يشاركون على قدر ما كانوا يملكون من جهد في إنتاج الثروة الوطنية التي تُتيح للفقير أن يعيش، وللغني أن يترف، وللحكومة أن تنهض بما تنهض به من الحكم وتدبير الأمور.

    فهؤلاء الموتى الذين لن يعودوا إلى العمل، وهؤلاء المرضى الذين لن يعملوا إلَّا بعد الجهد والمعونة والعناية، كانوا يعولون الفقراء والأغنياء والحكومة جميعًا، ولا بدَّ للفقراء والأغنياء والحكومة جميعًا من أن يُعوِّضوا ما فقدوا من جهد الموتى، ومن أن يستردوا ما فاتهم من جهد المرضى؛ ليحفظوا على الوطن ثروته، فيحفظوا عليه بذلك مرافقه كلها.

    ولهؤلاء الموتى والمرضى أُسر لم ترث عنهم إلَّا الحزن والبؤس والحرمان، والوطن في حاجة إلى أن تجد هذه الأسر ما يعزيها عن الحزن، ويحميها من البؤس، ويغنيها من الحرمان، لا لأن في ذلك برًّا وإحسانًا ورفقًا بالضعفاء والبائسين، بل لأن ذلك حماية للثروة الوطنية؛ فهذه الأسر عناصر من هذه الثروة تمثل أيديًا عاملة يجب أن تمضي في عملها بقوة مضاعفة ونشاط عظيم.

    وإذن فحاجة الوطن إلى مقاومة الوباء ومعونة الذين أعجزهم الوباء عن العمل، أو اضطرهم إلى انتظار المعونة ليس عملًا من أعمال البر، ولا لونًا من ألوان الإحسان، وإنما هو واجب من الواجبات الأساسية التي لا تستقيم أمور الوطن إلَّا بها.

    فليس التقصير في أداء هذه الواجبات إعراضًا عن النافلة أو تهاونًا فيما يمكن التهاون فيه، وإنما هذا التقصير إثمٌ في ذات الوطن، وجريمة من الجرائم الكبرى التي لا تُشبَّه إلَّا بما يرتكب أثناء الحرب مما يتعود الناس أن يسمُّوه جرائم الخيانة العظمى.

    وما أحب أن يرتاع الناس لهذه اللهجة العنيفة التي أتحدث إليهم بها، وإنما أحب لهم أن يصطنعوا الشجاعة، وأن يواجهوا الحقائق كما هي، ويسمُّوا الأشياء بأسمائها.

    فليس الوباء الذي يتخطف أبناء الوطن مئات في كل يوم بأهون شأنًا من العدوِّ المُغير الذي يصب الحرب فيصرع ما يصرع من الموتى والجرحى في كل يوم، ويصيب بذلك الوطن في صميم حياته، وإذا كان التقصير في وقت الحرب خيانة للوطن من غير شك؛ فالتقصير في وقت الوباء خيانة للوطن من غير شكٍّ أيضًا.

    والحرب لا تُدفع بالإحسان، ولا تُردُّ بالصدقة، ولا تُقاوم بالتبرع، وإنما تُدفع بالتجنيد المادي والمعنوي لقوى الوطن كلها، وقد تقصر خزانة الدولة أيام السلم عن حاجة الوطن في أيام الحرب؛ فتصبح ثروة الوطن كلها مادة لتموين الدفاع الوطني. وقد رأى المصريون من ذلك الأعاجيب في أثناء الحرب الأخيرة حين عبأت الدول المحاربة الثروة الوطنية كلها لجهود الحرب. لم تحفل في سبيل ذلك بغنى الأغنياء ولا بفقر الفقراء، ولا بحاجة المحتاجين، ولا بترف المترفين. وإذن فقد يخيَّل إليَّ أن من الحق على الدولة المصرية أن تواجه الوباء كما تواجه الحرب، لا كما تواجه آفة من الآفات التي تطرأ وتزول دون أن تمسَّ صميم الحياة الوطنية في الصحة والاقتصاد جميعًا.

    وأيسر ما يجب على الدولة أن تصنع من ذلك هو أن تدخر لمقاومة الوباء وإزالة آثاره وإعانة ضحاياه كل ما يحتاج إليه ذلك من المال، لا من طريق السؤال والاستعطاف والتماس الصدقة وطلب الإحسان، بل من طريق الضرائب التي تفرض حتى تأخذ المقاومة حاجتها من مال الذين يملكون المال. ولست أعرف شيئًا أبغض ولا أشنع ولا أمس بالكرامة الإنسانية من هذا التنافس بين الناس في البخل والجود، وفي المنح والمنع، وفي البذل والتقتير. هذا الغني وعد ولم يفِ، وهذا الغني أعطى أكثر من ذاك، وهذا الغني وضع أصابعه في آذانه فلم يستمع لدعاء الداعين، وهذا الغني أعطى أقل مما تحتمل ثروته، وهذا الفقير قتر على نفسه وأهله في الرزق ليساهم في معونة المحرومين.

    ونتيجة هذا كله تنافس بغيض ينتهي إلى التحاسد والتحاقد، ونتيجة هذا كله أن كثرة الشعب المصري تقف موقف الذليل المحروم من قلة تقف موقف المتفضل المتطول، وكل هذا لا يلائم كرامة الأغنياء ولا كرامة الفقراء؛ لأنه لا يلائم كرامة الوطن المصري الذي خُلِق ليكون كريمًا.

    وليس لذلك من دواء يلائم العدل والحق والكرامة إلَّا أن تعتمد الدولة على الله، وتفرض ضريبة الوباء التي يؤديها المصريون جميعًا على قدر ما يملكون، وعلى قدر ما يكسبون. فأمَّا مقدار هذه الضريبة وتنظيمها المفصل فليس لي أن أتحدث فيه، وإنما أترك أمره للفنيين. والذي أحب أن ألقيه في روع المصريين هو أن مقاومة الوباء وإزالة آثاره واجب وطني كواجب الدفاع الوطني حين تلم الحرب، وأن هذه المقاومة لا ينبغي أن تعتمد على قسمة أبناء الوطن إلى فريقين: فريق يستجدي ويمد الأيدي، وفريق يعطي ويمنع بمقدار ما فطر عليه من بخل وجود.

    هذه ذلة لا تلائم كرامة الإنسان، ولا تلائم كرامة مصر، فليرغب المصريون بأنفسهم عن الذلة؛ فرب ذلة خيرٌ منها الموت.

  • أسبوع البر | Charity Week

    أسبوع البر
    طه حسين
    جريدة المصري
    ٢٥ مايو ١٩٤٢

    أذاع صاحب العزة الدكتور طه حسين بك أمس حديثًا عن أسبوع البر قال فيه:

    ليست الديمقراطية نظامًا سياسيًّا أو اجتماعيًّا فحسب، ولكنَّها خُلُقٌ قبل هذا كله.

    وإذا كانت الديمقراطية تعتمد على المساواة، وعلى الإخاء، وعلى الحرية، فمعنى هذا أنَّ الخصال الثلاث يجب أن تكون جزءًا مكونًا لأخلاق النَّاس، بحيث تكون المساواة شيئًا قد استقر في أخلاق النَّاس، وامتزج بشعورهم، فأحسَّ كلُّ واحد منهم بأن لا فرق بينه وبين غيره، لا في الحقوق، ولا في الواجبات، ولا فيما يجب أن يكون عليه من المُعاملات مهما تختلف.

    والعدل كذلك ليس شيئًا يُقِرُّهُ القانون، أو يفرضه الدستور، أو تقتضيه الحياة الاجتماعية، وإنَّما هو خلق قبل هذا كله؛ فإذا كان العدل من الأشياء التي تزدان بها الحياة المُتحضرة، حياة الأمم الراقية، فيجب أن تزدان به نفوس أبناء هذه الأمم قبل أن تزدان به الحياة العامة، ويجب أن يكون العدل شُعورًا متغلغلًا في نفوس النَّاس مُستقرًّا في قُلوبهم، مُسيطرًا على ما بينهم من العلاقات.

    وإذن فالبر الذي تُدْعَوْنَ إليه هذا الأسبوع لا ينبغي أن يُفهم على أنَّه تَطَوُّلٌ من الأغنياء والقادرين على الفقراء والبائسين، ولا ينبغي أن يُفهم على أنَّه شيء ينبغي أن تزدان به الحياة، حياة الأمة الراقية المتحضرة، فيُقال: إنَّ هذه الأمة تمتاز من بين الأمم بأنَّ أغنياءها يجودون على فقرائها، وأنَّ أقوياءها يرحمون ضعفاءها، وإنَّما ينبغي أن يكون البر خُلقًا من أخلاق المصريين.

    لقد دُعيتم إلى البر أثناء هذا الأسبوع، أنتم تُدعون إلى البر منذ عرفت الإنسانية الدعوة إلى الخير، ويُستدعى النَّاس إلى البر دائمًا ما دامت هناك أخلاق، وما دامت هناك ديانات، وما دامت هناك نظم تحمل النَّاس على السمو إلى المُثل العليا.

    ولكنَّ المهم هو أنْ يُفهم معنى هذا البر الذي يُدعى النَّاس إليه، وبمقدار ما يكون فهم هذا البر صحيحًا تكون الدعوة مُنتجة.

    أما أنا — سيداتي، سادتي — فما فهمت البر قط، ولن أفهمه إلا على أنَّه حُسن الصلة والمودة بين النَّاس، وأنَّه الحق الذي ينبغي أن يكون مسيطرًا على علاقات النَّاس فيما بينهم.

    وليس هناك فضل لأحد على أحد، وإنَّما النَّاس جميعًا قد خُلقوا من ذكر وأنثى كما يقول القرآن الكريم، ولا فضل لأحدهم على آخر إلا بالتقوى كما يقول الله، وكما يقول الحديث الشريف.

    فالنَّاس سواء؛ لأنَّهم خُلقوا كذلك، وحقوقهم في الحياة واحدة.

    فهذا البر الذي تُدْعَوْنَ إليه في حقيقة الأمر، إنَّما هو هذا الخُلق الكريم الذي يُمكِّنكم من أن يلقى بعضكم بعضًا، وقلوبكم صَحْوٌ كلها، ونفوسكم طُهْرٌ كلها.

    ويُخَيَّل إليَّ — إذا كانت الديمقراطية كما قلت — أنَّ أول ما يجب على الحكومات الرشيدة، وعلى أولي الأمر الذين يصلحون بين النَّاس، ويُؤْثِرونهم بالمودة والبر، يُخيَّل إليَّ أنَّ أول ما يجب على أولي الأمر أن يكونوا أساتذة، ومربين للشعوب، يبثون فيهم هذا الخُلق الكريم، خُلق البر، يبثونه بالدعوة أولًا، ويبثونه بالسيرة ثانيًا، ويبثونه بهذه التجارب المتصلة المستمرة التي تتكرر بين حين وحين؛ ليصلحوا ما اعْوَجَّ من أخلاق الناس، وليُقَوِّمُوا ما اعوجَّ من سيرتهم وأخلاقهم، وليُعوِّدُوهم شيئًا فشيئًا على أن يُحبُّوا هذا الشعور، شعور التضامن، والإخاء بين الناس، حتى إذا مُكِّنوا من الفوز بما يدعون إليه، وأُتيح لهم أن يعمموا هذا الخُلق، وأن يُحببوه إلى الشعب، استطاعوا أن يُشَرِّعُوا له من القوانين ما ينظم هذا التضامن تنظيمًا دقيقًا يكفل ألَّا يتعرضَ للخطر، وألَّا تُفْسِدَهُ هذه الظروف الطارئة.

    وعلى هذا النحو وحده فهمت أسبوع البر، هذا الذي دعاكم إليه حضرة صاحب الرفعة مصطفى النحاس باشا رئيس الوزراء، وهذا الذي تدعو إليه كل يوم صاحبة العصمة السيدة الجليلة حرم الرئيس، وهذا الذي يدعوكم إليه في كل لحظة، ويجعل نفسه قدوة في الدعاء إليه حضرة صاحب الجلالة الملك فاروق الأول حفظه الله.

    وقال: إنَّه ليس من مقومات الحياة الصحيحة المتحضرة أن يكون بيننا قوم ينعمون بالحياة على حساب قوم يشقون بها، وإنَّما يجب أن يكون المصريون شركاء فيما أتاح الله لهم من نعيم، وفيما فرضه عليهم من آلام.

    وطالب الدكتور طه حسين بك بأن يَنْزِلَ الأغنياء القادرون عن كثير من هذا الفضل الذي يملكونه، ولا يحسنون التصرف فيه، للتخفيف عن الذين لا يجدون ما يعالجون به أمراضهم وعللهم، وعن الذين لا يجدون ما يستعينون به على احتمال الحياة وآلامها وشقائها.

    وقال: ويُخيَّل إليَّ أنَّه في هذا الأسبوع الذي دُعيتهم في أثنائه إلى البر تجربة ستُبيِّن إلى أي مدى سيجيب المصريون هذه الدعوة الخيرية، وإلى أي مدى انتفعوا بهذه الدروس القيمة التي يلقيها حضرة صاحب الجلالة الملك، وحضرة صاحب الرفعة رئيس الوزراء، وهؤلاء السيدات الكرام اللاتي يطفن علينا طالبات منَّا أن يبر المصري بالمصري.

    فإذا نجحت هذه التجربة، فأرجو أن تتكرر، وأن تتكرر، وأن يكثر تَكرارها، حتَّى يصبح البر خُلقًا من أخلاقنا، وعندئذٍ تنهض الحكومة المصرية، ولها من جلالة الملك حافز إلى الخير … تنهض بأول واجب عليها، وهو أن تجعل البر أصلًا من أصول الحياة المصرية، وأن تشرع له من النظم والقوانين ما يعصمه من كل خطر، وما يعصم المصريين من أن يحتاج بعضهم إلى أن يسأل بعضهم صدقة أو إحسانًا.

  • إن للشعب حقوقًا يجب أن تؤدى إليه | The People Have Rights That Must Be Rendered to Them

    إن للشعب حقوقًا يجب أن تؤدى إليه
    طه حسين
    مجلة المصور
    ٢٢ نوفمبر ١٩٤٠

    قال صاحبي: لقد أقبلتُ ألتمسُ الرَّاحة من عناء العمل، وأُسَرِّي عن النفس بعض هموم الحياة، وأغسل قلبي من أوضار الحضارة، هذه التي تعلق بأسلوب الناس حين يضطربون في إرضاء الحاجات وتحقيق الأغراض وقضاء الأوطار وكنتُ أظن أنَّ ساعات قليلة في هذه البيئة الجميلة ستبلغني من هذا كله ما كنت أريد.

    ولِمَ لا؟ وكل شيء هنا يدعو إلى راحة الجسم، وبراءة النفس وطهارة القلب، ونقاء الضمير، جو كله صفو وصحو، تنتثر فيه بين حين وحين سُحب ضئيلة مُتفرقة لا تَحْجِبُ الشمس، ولكنها تُصَفِّي ضوءها تصفية، وتُخفِّف من حرها ما هو خليق أن يؤذي الأجسام.

    ونسيم هادئ رقيق يضطرب خفيفًا شيئًا في هذا الجو؛ فيبعثُ في الجسم نشاطًا غير عنيف، ويبعثُ في النَّفس حياة هادئة مُطمئنة إنْ دعت إلى شيء فإنَّما تدعو إلى الحديث الهادئ المُطمئن، والتفكير المُستأنس البطيء، ونخل باسقات يحسن النظر إليها، وقد تخففت من إثمارها كما كان النظر يحسن إليها حين كانت مُثقلة بهذه الأثمار.

    وأطلال بالية قد تناثرت فيها الآثار المُختلفة ومَرَّت عليها العصور المُتطاولة، فأفنت منها ما أفنت، وأبقت منها ما أبقت، وقل عمل العلماء في استكشاف هذه الآثار، واستخراج ما استقرَّ منها في جوف الأرض؛ فهي تُثير في النفس عبرة وموعظة، وهي تثير في النفس إكبارًا وإعجابًا، وهي تثير في النفس رضًا واطمئنانًا، وهي تثير في النفس مع هذا كله قليلًا من حزن وكثيرًا من حنين.

    وقد أقبلت جماعات من الأجانب المدنيين والعسكريين؛ تزُور هذه الآثار، أو تتخذ من زيارة هذه الآثار نقلة لالتماس الرَّاحة التي ألتمسها أو لالتماس اللهو الذي لا يلمسه، وهي على كلِّ حالٍ مُنْتَشِرة حول هذه الآثار مُتفرقة في أثنائها تتنادى وتتجاوب وتتضاحك، ويلهي بعضها بعضًا باللحظ واللفظ، وبغير اللحظ واللفظ من ألوان الإشارة والحركات.

    ما أَجْمَل هذه البيئة وما أجدرها أنْ تُحَقِّق لنفسي ما ابتغت من راحة، وترد عليها ما فقدت من نشاط، وما أجدرها أنْ تَقرَّ هذا القلب المُضَّطرب، وتهدئ هذه النفس الثائرة، وتهيئتي العمل تهيئة حسنة وترُدُّني إليه جذع البصيرة قارع الأقدام، كما قال الشاعر القديم.

    ولكني أعود إلى المدينة كما تركتها مُثقل النفس بالهموم؛ مُفْعَم القلب بالأحزان، ضيقًا بالحياة والأحياء، زاهدًا في الحياة والإحياء، لم ينجلِ عن قلبي كدره، ولم تسر عن نفسي همومها، ولم يبلغ ضميري من الصفاء والنقاء ما كنت أحب، وإنما هو شاحب كئيب كأنما عكس الأصيل عليه ما يشيع فيه من الكآبة والشحوب، وكأنما أحاطت به هذه الظلمات التي تُرسل طلائعها لتَمْحُو منَ الأرض آية النَّهار المُبْصِر شيئًا فشيئًا، ولتنتشر على الأرض آية الليل المُظلم قليلًا قليلًا.

    قلتُ لصَاحِبي: لقدْ شعرت منذ اليوم وما عرفتك شاعرًا، فما ذاك! قال صاحبي: لا أدري، ولكني شُغلتُ بأهل هذه البيئة عن البيئة نفسها، ورأيتُ مِن أمر هؤلاء النَّاس الذين يعيشون في هذه البيئة ما لم يرَ هؤلاء السَّادة الذين أقبلوا يَلتَمِسون الرَّاحة، ويبتغون اللذة ويطلبون نعيم الحياة.

    قلتُ لصَاحِبي: فإنك ترى هؤلاء النَّاس في كل يوم، وإنك تراهم في كل مكان، ولستُ في حاجة إلى أنْ تترك القاهرة؛ لترى من أمر الناس ما يسرك أو ما يحزنك؛ ففي القاهرة من أمر الناس ما يسر، وإن كان قليلًا، وفي القاهرة من أمر الناس ما يُحزن، وإن كان كثيرًا، فلم يسؤك ما ترى من أمر الناس الآن، مع أنَّه لم يسؤك أمس، ومع أنَّه لن يسؤك غدًا في أكبر الظن؟

    قال صاحبي: لأني شُغلتُ عن الناس أمس وسأُشغل عنهم غدًا بما أنا معني به من أمور الحياة، وقد خرجت من القاهرة اليوم أريد أن أفرغ لنفسي؛ فقام هؤلاء الناس بيني وبين نفسي فشُغلت عنها بهم، وانصرفت عنها إليهم، وقضيتُ ساعات كنتُ أُقدِّر أنها ستحلو وتصفو وتروق؛ فإذا هي مُرة أشد المرارة كدرة أشد الكدر مُؤذية أشد الإيذاء.

    قلت لصاحبي: فإنك في حاجة شديدة إلى أن تخرج من القاهرة بين حين وحين؛ تلتمس الفراغ لنفسك فيحول أمر الناس بينك وبين نفسك فتضطر إلى أن تفكر فيهم، وتعنى بهم وتتحدث عنهم. لعل هذا كله أن يحمل بعض أصحابك على أن ينهجوا نهجك، ويسيروا سيرتك، ويُفكروا في أمر هؤلاء الناس، ويختصوهم بشيء من العناية.

    فما أشد حَاجتهم إلى فضل من العناية بهم، وقليل من التفكير فيهم، وما أشد بخلنا عليهم بحقهم من العناية والتفكير، وليس أمرك هذا الذي تحدثني به طريفًا ولا غريبًا، وإنَّما تُذكرني الآن شأنَ كثير من أهل القاهرة والإسكندرية، أُولئك الذين أزعجتهم نُذُر الحرب عن القاهرة والإسكندرية؛ فهاجروا إلى الريف وحاولوا الإقامة فيه، ثم هاجروا من الريف وآثروا القاهرة والإسكندرية على ما يشيع فيهما من نذر الحرب، وما قد يلم بهما من هول الحرب، آثروهما على الإقامة في هذا الريف؛ لأنَّهم رأوا ما لم يكونوا يظنون أنهم سيرون وأحسوا ما لم يكونوا يقدرون أنهم سيحسون، ولأنهم قبل كل شيء وبعد كل شيء حُرموا ما لم يكونوا ينتظرون أنهم سيُحرمون.

    ألم يتحدث أحدهم إلى المُقطم منذ شهور بأنه يؤثر العودة إلى القاهرة على الإقامة في الرِّيف؛ لأنه لم يجد بين أهل الريف ما تعوَّد أن يجد في العاصمة من طيبات الحياة. ونشرت المُقطم حديثه ذلك مُفصلًا تفصيلًا مُضحكًا مُؤلمًا حقًّا. وما رأيك فيمن يُؤثر نذر الحرب وأهوالها على طنين البعوض ولسعه في الرِّيف، وما رأيك فيمن لم يستطع أن يصبر عما تعود أن ينعَم به في القاهرة من لذات الطعام والشراب، ومن هذا الترف الذي يجده الأغنياء حين يستقرون في دورهم ويأوون إلى مضجاعهم، وحين يضطربون في هذه الشوارع النظيفة الجميلة التي يكثر فيها النشاط وينتشر فيها ما يملأ النفوس بهجة وسرورًا.

    ما رأيك فيمن يتحدث بهذا كله، ويقبل أن يُنقل عنه، ويذاع هذا كله ولا ينسى إلا شيئًا واحدًا خليقًا فيما يظهر بالنِّسيان، وهو أنَّ في هذا الرِّيف ملايين منَ المصريين يُقدمون أجسامهم الغليظة الخشنة مَرتعًا للبعوض، ويحرمون لا أقول طيبات الحياة الناعمة ولذات العيش الغض، وإنَّما أقول إنهم يحرمون ما تكون الحياة به حياة، يحرمون ما يُقيم الأود ويُبِلُّ الظمأ، ويُمكن الإنسان من أنْ يشعر بأنه إنسان يستطيع أن يفرغ لنفسه بين حين وحين، وأنْ يفكر في نفسه بين حين وحين.

    وهم مع ذلك لا يُهاجرون من الريف ولا يَضِيقُون بالحياة في الرِّيف، وإنما قاموا في الرِّيف راضين عنه أو ساخطين عليه، ولكنهم مُذعنون لقضاء الله على كل حال، إنَّما أنت يا صاحبي كهؤلاء الذين لم يعرفوا الريف وآلامه إلا حين أزعجتهم الحرب عن المدن؛ فلما ذاقوا ما في حياة الريف من ألم لم يستطيعوا فيه إقامة ولا استقرارًا.

    وأظرف ما في الأمر وأطرَفه أنَّ هؤلاء السادة الذين أقبلوا على الرِّيف ثم أعرضوا عنه لم يفكروا في أهل الريف وإنَّما فكروا في أنفسهم، لم يألموا لأهل الريف، وإنما أهمتهم أنفسهم؛ ففروا بها إلى الحواضر التي يجدون فيها ما لا يستطيعون الاستغناء عنه من نعيم الحياة.

    قال صاحبي: وأطرف من هذا كله وأظرف في أنَّ هؤلاء السادة لم يُفكروا في أنهم مدينون بسعادتهم لشقاء أهل الريف، ومدينون بترفهم لشظف أهل الريف، ومدينون بشبعهم ورِيهم لما يجد أهل الريف من الظمأ والجوع. لم يفكروا في هذا ولا في بعضه وإنَّما فكروا في أنفسهم، وشغلهم ما حُرِمُوا من لذات الحياة وطيبات العيش؛ فعادوا إلى الحواضر مُسرعين، ولم يكادوا يجدون ما فقدوا حتى نسوا الريف وأهل الريف، وأقبلوا على حياتهم الراضية النَّاعمة يستمتعون بها، ويَمضون فيها لا يذكرون أحدًا ولا يذكرون شيئًا، كأنهم لم يروا أحدًا ولم يروا شيئًا، وكأنهم لم يشهدوا في الرِّيف من البؤس ما تَسْتَحي نفس الرَّجل الكريم حين تراه أن تذوق طعم النَّعيم رحم الله أبا العلاء حين قال:

    ولو أني حبيت الخلد فردًالما أحبيت بالخلد انفرادافلا هطلت علي ولا بأرضيسحائب ليس تنتظم البلادا
    قلتُ لصاحبي: ولم تريدهم على أن يذكروا ذلك ويفكروا فيه وهم إنْ ذكروه تألموا له، وما ينبغي لهم أن يتألموا، وما قيمة الحياة إذا شاع فيها الألم، وهم إن تألموا لذلك فقد ينغص عليهم الألم لذاتهم، وهم لا يريدون أن تنغص عليهم لذاتهم. وما قيمة اللذات إنْ لم تكن صفوًا كلها.

    وهم إذا نغَصت عليهم لذاتهم قد يجدون شفاء لأنفسهم أن يؤدوا لأهل الريف بعض الحق، ويرفعوا عنهم بعض البؤس، وقد يكلفهم ذلك فضلًا من مال، وقد يكلفهم ذلك شيئًا من جهد، وهم لم يجمعوا المال لينفقوه على غير أنفسهم، وهم لم يملكوا الجهد ليبذلوه في غير حاجاتهم وأوطارهم، وما قيمة المال والجهد إذا أُنفقا في غير ما يحصِّل لصاحبهما لذة أو يقضي لصاحبهما أربًا.

    قال صاحبي: إنك لسيئ الظن بالناس، وإنك لتعلم أنَّ بينهم الكريم الذي يفعل الخير ويبذل المعروف. قلتُ: فاحص هؤلاء الكرماء ووازن بين عددهم وعدد البائسين، ووازن بين ما يبذلون وما يعملون، وبين حاجة مصر إلى البذل والعمل، ووازن بنوع خاص بين ما يبذلون وما يعملون وبين قدرتهم على البذل والعمل، فستنتج لك الموازنة أني لستُ سيئ الظن بالناس، ولكنِّي أُقرر حقائق لا تحتمل شكًّا ولا جدالًا.

    وأظهر هذه الحقائق هي أنَّ القادرين على الخير في مصر قد يكونون أغنياء بالثروة والقوة والجاه، ولكنَّهم فقراء حقًّا في الشعور بالتضامن الاجتماعي، وبما ينبغي أنْ يكون بين أبناء الأُمَّة الواحدة من التَّعاطف والتَّعاون والتَّواصي بالخير والتبادل المعروف.

    قال صاحبي: وقد استحال حُزْنُه الهادئ إلى غضب يَكَادُ يبلغ الغيظَ، قل ما شئت في الذين يبخلون ولا يبذلون، وفي الذين يقصرون وهم قادرون على النفع؛ فإنَّك لا تعدو أنْ تُلاحظ ضَعفًا في الأخلاق، وفتورًا في حُبِّ الخَيْر.

    ولكنَّ عندي أنا ما هو أشد من ذلك؛ وأقسى وأجدر أن يملأ القلوب غضبًا وغيظًا. قلتُ: وما ذاك؟ قال: نظامنا الديمقراطي الذي تمتلئ الأفواه بالحديث عنه، وتمتلئ الأندية بالخوض فيه، وتمتلئ الصحف بالذود عنه، وتضطرب الأرض له بين حين وحين؛ حين ينتخب هذا المجلس أو ذاك من مجلسي البرلمان، وحين يكون السؤال والاستجواب في هذا المجلس أو ذاك من مجلسي البرلمان؛ إنما يقوم هذا النظام الديمقراطي كما يقوم غيره من نُظم الحُكم على أنَّ على الشعب واجبات يجب أن ينهض بها، وعلى أنَّ للشعب حقوقًا يجبُ أن تؤدى إليه. وأول هذه الواجبات تموين الدولة بالمال بتأدية الضرائب إليها، وحمايةُ أرض الوطن ببذل الأنفس والدماء إذا تعرضت للخطر، وأول هذه الحقوق أن يرَد البؤس عن الشعب ما وجدت الدولة سبيلًا إلى رد البؤس عن الشعب.

    أفتشكُّ في أنَّ الشعب يقصر في أداء الضرائب وتموين الدولة بالمال؟ أفتشك في أنَّ الشعب يقصر إذا دعته الدولة إلى حماية الوطن من غارة العدو؟ ثم هل تظن أنَّ الدولة فعلتْ كلَّ ما يجبُ أن تفعل أو بعض ما يجبُ أن تفعله لحماية الشعب من البؤس والشقاء.

    وهممتُ أن أُجيب صاحبي مدافعًا عن الدَّولة، ولكنَّه مَضى في حديثه عنيفًا؛ فقال: لا تتكلف ما لا تُطيق فقد رأيت معي هؤلاء البائسين الذين كانوا يبحثون فيما ألقى خَدَمُنا من نفاية المائدة بعد الغداء؛ يلتمسون فيه ما يزدردون ليُقيموا به أودًا أو ليُحصلوا به لذة. لا تتكلف ما لا تُطيق فلن أصدق أنَّ بلدًا كمصر له ميزانيته الضخمة يعجز عن إغناء بعض أهل الريف عن أنْ يلتمسوا قوتهم ولذتهم فيما يُطرح من نفاية الموائد.

    لقد كنت منذ أسبوعين تتحدث عن حق الشعب في التَّعليم في ظلِّ النظام الديمقراطي الصحيح، فتحدث أيضًا عن حق الشعب في ألا يدفعه الجوع والبؤس إلى ما لا يُلائم الكرامة في ظل النظام الديمقراطي الصحيح.

    وكانت السيارة قد بلغت بنا من القاهرة المكان الذي لم يكن بُدٌّ من أن نفترق فيه، فأشار صاحبي إلى السائق أنْ قف، ووضع يده في يدي، وهو يقول: تحدث ببعض هذا إلى من تعرف من النواب، وإلى من تعرف من الشيوخ.

    قلت في شيء من الابتسام: نعم، سأفعل بعد أن يُنتخب رئيس مجلس النواب ومكتب مجلس النواب، ومكتب مجلس الشيوخ أيضًا. فهنالك يسمع الشيوخ والنواب لمثل هذا الحديث.

  • حياد … | Neutrality …

    حياد …

    طه حسين

    مجلة المصور

    ٦ سبتمبر ١٩٤٠

    ما أظن أن أحدًا من الذين يقودون الرأي في مصر — أو يرون لأنفسهم قيادة الرأي — يرضى أن يهيئ الشباب المصريين لحياة الحياد، هذه التي تقوم على الخوف والجبن، وعلى الأثرة وحب النفس، والتي تنتهي إلى إهدار عزة الوطن وكرامته في سبيل أمن الفرد ولذته.

    كلمة يحبها الناس أشد الحب؛ لأنها تُصوِّر أمالًا عِذابًا وأماني خلابةً، تصور الأمن والدعة، وتصور السلم والعافية، وتصور الاستمتاع بلذات الحياة المادية والمعنوية، والناس من حولك يشقون بالخوف والفزع وبالهلع والجزع وبالحرب وآثامها، وبضروب الحرمان التي لا تُحصَى، والإنسان مؤثر لنفسه بالخير دائمًا، تدفعه هذه الأثرة إلى الجبن والضعة في كثير من الأحيان، وهو أشد استعذابًا لسعادته حين يشقى الناس من حوله، وأشد استمتاعًا بأمنه حين يخاف الناس من حوله، يرى نفسه ممتازًا بالخير الذي لم يظفر به غيره؛ فيرى بذلك لنفسه فضلًا على الناس. وأي الناس لم يكلف بالتفوق؟! وأي الناس لم ينعم بالامتياز؟!

    وكلمة الحياد تصور هذا الامتياز تصويرًا خلابًا رائعًا، فهناك أمم تشقى بالحرب وتحترق بنارها المهلكة، تُزهَق نفوس أبنائها، وتُراق دماؤهم، وتذهب جهودهم الهائلة وأموالهم الطائلة في نفقات الحرب وما تحتاج إليه من أدوات التدمير ووسائل الموت.

    وإلى جانب هذه الأمم أمم أخرى ترى هذا الهول من حولها، فتنظر إليه مشفقة على الذين يلم بهم.

    وفي هذا الإشفاق نفسه لون من الكبرياء؛ لأن الناس من حولها يشقون وهي سعيدة، ويسرعون إلى الموت أو يسرع الموت إليهم وهي ناعمة بالحياة ومشفقة على نفسها أن يبلغها الشر أو يمسها لسان من ألسنة هذه النار المندلعة من حولها.

    وفي هذا الإشفاق ضرب من ضروب الجبن، وفن من فنون الذل؛ لأن الأثرة كانت دائمًا وستظل دائمًا مصدرًا من مصادر الجبن والذل.

    ومهما يكن من شيء، فكلمة الحياد محببة إلى نفوس الناس؛ لأنها تصور لهم ما يحبون بحق — أو بغير حق — من الأمن والعافية ومن السعادة والنعيم.

    الحياد السياسي ضرب من المحال ولكن هذه الكلمة قد فقدت معناها الصحيح في هذا العصر الذي نعيش فيه، فأصبحت سرابًا لا يُغْنِي شيئًا لسببين يسيرين؛ أولهما مادي يتصل برقي الحضارة وما انتهى إليه من إلغاء المسافات في الزمان والمكان بين الأمم والشعوب، ومن إلغاء العزلة التي كانت الأمم والشعوب تعتصم بها إذا جد الجد وصرح الشر، ومن توفيق الصلات بين الدول والأوطان مهما تتباعد أقطارها ومهما تتباين مذاهبها في الحياة؛ فالأمم التي كانت تستمتع بالحياد ولذاته في الحرب الماضية وتجني منه منافع مادية لا تكاد تُحصَى؛ قد شقيت بالحياد في هذه الحرب شقاءً ليس أهون من شقاء الأمم المحاربة إلَّا قليلًا. وقع ذلك لهولندة وبلجيكا في هذه الحرب. وكم حرصت هولندة وبلجيكا على الحياد! وكم بذلت هولندة وبلجيكا في سبيله من جهد! وكم أغمضت هولندة وبلجيكا في سبيله جفونهما على القذى! ثم لم يُغْنِ ذلك عنهما شيئًا. أصاب ذلك النرويج والدانمرك في هذه الحرب، وكم بذلت النرويج والدانمرك من جهد، وكم احتملت النرويج والدانمرك من عناء في سبيل الحياد، ثم لم يُغْنِ ذلك عنهما شيئًا. وهناك سبب معنوي ليس أقل من السبب المادي شرًّا، وهو أن المقياس الخلقي قد تغير تغيُّرًا شديدًا في نفوس أجيال من الأوروبيين، فقد كانت ألمانيا لا تقدر الحق قدره ولا تؤمن إلَّا بالقوة منذ القرن الماضي، ولكنها دُفِعَتْ من ذلك إلى أقصاه في هذا العصر؛ فصارحت الناس به جهرة وفي غير تردد ولا استحياء، وأعلن طاغيتها قبل الحرب بالقول والعمل أنه لا يعرف حقًّا ولا باطلًا ولا عدلًا ولا جورًا، أو أنه لا يقيس الحق والباطل والعدل والجور بمقاييسها المعروفة المألوفة، وإنما يقيسها بمصلحة ألمانيا، وبمصلحة ألمانيا كما يراها هو، لا كما يراها غيره من الناس؛ فهو معصوم من الخطأ، وما ينبغي لأحد أن يجادله في رأي إلَّا أن يكون قادرًا على أن يقهره ويضطره إلى الخضوع والإذعان! فالحق والعدل عنده هما ما يلائمان رأيه وهواه! وإذن؛ فالقانون الفقهي، والقانون الفلسفي، والقانون الاقتصادي، والقانون الخلقي؛ كل ذلك لغو وهراء لا قيمة له ولا غناء فيه! وليس هناك إلَّا قانون واحد، له وحده القيمة وعليه وحده المعول؛ وهو قانون الأثرة الألمانية، والأثرة الألمانية كما يشعر بها طاغية الألمان. وإذن؛ فكل ما كانت تراه الأخلاق وتقرره القوانين الوضعية والطبيعية من أمر الحياد كلام فارغ، يتشدق به الفقهاء ويتعلل به الضعفاء، وتَخْدَع به الأمم الصغيرة نفسها عما ينتظرها من الشقاء يوم يريد لها طاغية الألمان هذا الشقاء لمصلحته أو لمصلحة ألمانيا. وقد انتقلت هذه العدوى من ألمانيا إلى إيطاليا، فإذا طاغية إيطاليا يطلِّق الشرائع الرومانية والقواعد المسيحية تطليقًا، ويعتنق الدين الجديد؛ دين المنفعة التي لا يقوم أمامها شيء والتي يُضحَّى في سبيلها بكل شيء. رقي الحضارة من جهة وانهيار المقاييس الخلقية في ألمانيا وإيطاليا من جهة أخرى قد جردا كلمة الحياد من معناها ذلك الجميل الخلاب الذي صورته في أول هذا الحديث، وجعلا لها معنى آخر جديدًا هو الانتظار القلق المضطرب الذي يمحو من النفوس كل أمن ومن القلوب كل دعة، الذي يذود الهدوء عن الناس أثناء النهار، ويذود النوم عنهم أثناء الليل، ويملأ عقولهم وقلوبهم وضمائرهم بالخوف المتصل والهلع المستمر، والتوقع في كل لحظة أن يصيبهم ما أصاب الهولنديين والبلجيكيين وأهل الدانمرك والنرويج، فكلمة الحياد الآن إن دلَّت على شيء فإنما تدل على الانتظار الذي يشبه انتظار الفأر لبطش هذه الهرة التي تلاعبه وتداعبه، ولا تنتظر إلَّا أن تبطش به متى أحست أن أوان البطش به قد آن.

    الحياد الفكري جبن وضعة هذا هو الحياد السياسي الذي جَنَتْ ثمراته الأمم التي ذكرتها آنفًا، وأخذت تَجْنِي ثمراته أمم أخرى في البلقان طوعًا أو كرهًا، ولكن هناك حيادًا آخر ليس أقل ضعة من هذا الحياد السياسي، ولعله أن يكون أشد منه إيغالًا في الضعة وتعمقًا في الجبن وإمعانًا في الهوان، وهو الحياد الفكري. حياد الأفراد المثقفين والمفكرين أمام الأزمات التي تضطرب لها الأرض، وتصطدم فيها الأمم، وتتعرض فيها الحضارة الإنسانية للزوال. هؤلاء الأفراد المفكرون الذين امتازوا من غيرهم في الثقافة والعلم وفي الأدب والفن والذين اعترف لهم الناس بالامتياز، فأنزلوهم منازل القادة المرشدين، وقبلوا هم هذه المنازل، فجعلوا إذا تكلموا انتظروا أن يسمع الناس لهم، وإذا دعوا انتظروا أن يستجيب الناس لهم؛ لأنهم قد نزلوا من أممهم منزلة الأرستقراطية العقلية التي يجب أن تقول فيُسمَع لها، وأن تأمر فتُطاع. هؤلاء المفكرون المثقفون الذين ينظرون إلى هذه المشكلات الخطيرة والأزمات العنيفة، ثم يردون أبصارهم عليها غير حافلين بها ولا مكترثين لها؛ لأنهم قد آثروا الحياد والتزموا العزلة واختاروا لأنفسهم مكان الأمن والدعة ليسوا من التفكير ولا من الثقافة في شيء، وإنما هم قوم أثرون يحبون أنفسهم أكثر مما يحبون الحق والعدل والحضارة والرقي، فإذا حللت حبهم لأنفسهم رأيته حقيرًا دنيئًا؛ فهم لا يؤثرون أنفسهم بخيرات الحضارة وثمرات العقل ونتائج الفن؛ لأن هذا كله هو موضوع الحرب، ولأن هذا كله هو موضوع الصراع، ولأن هذا كله معرض للفناء. ولو آثروه لافتدوه بأنفسهم، ولو آثروه لدعوا الناس إلى حمايته والذود عنه، ولكنهم يؤثرون أنفسهم بهذه اللذات المادية القريبة الوضيعة التي تنجلي آخر الأمر إلى الطعام والشراب، وإلى هذه الحياة التي يحياها الحيوان. إنهم يخدعون أنفسهم ألوانًا من الخداع، فيخيِّلون إليها أنهم يفرغون للعلم والأدب والفن، فيقرءون ويبحثون ويتأملون. ولكن هذا خداع لا أكثر ولا أقل؛ فإن الاستمتاع بالعلم والأدب والفن إذا قرأت فيجب أن تقرأ ليستفيد غيرك من قراءتك، وإذا بحثت فيجب أن تبحث لينتفع غيرك ببحثك. فأمَّا أن تقرأ لنفسك ليس غير وأمَّا أن تبحث لنفسك وحدها؛ فأمرك فيه كأمر الذي يأكل ليشبع ويشرب ليدفع عن نفسه الظمأ ليس غير. هؤلاء المثقفون المفكرون الذين يخلون إلى أنفسهم ويفرغون لمتاعها المادي والمعنوي، ويعلنون أو يسِّرون أنهم يلتزمون الحياد فيما يضطرب له العالم من المشكلات ليسوا من الثقافة الصحيحة ولا من التفكير الصحيح في شيء، إنما هم قوم قد قصروا أنفسهم على أنفسهم، وقد خسرتهم أممهم وخسرتهم الإنسانية وخسرتهم الحضارة؛ لأنهم قطعوا ما بينهم وبين أممهم وما بينهم وبين الإنسانية والحضارة من أسباب. فإذا دعا هؤلاء المثقفون المفكرون إلى ما يحبون من الحياد الفكري، كانوا شرًّا يجب أن يُقاوَم وخطرًا يجب أن يُرَدَّ؛ لأنهم يدعون إلى الشر الذي ليس بعده شر، يدعون إلى إلغاء التضامن الاجتماعي، وإلى أن يفرغ الفرد لنفسه ليعيش لها ويضحي في سبيلها بما تقوم به الأمم والجماعات.

    الحياد يتنافى وروح الشباب ولهذا الحياد الفكري ولذلك الحياد السياسي خطر أحب أن يفكر فيه الناس؛ لأنه بعيد الأثر في حياة الأمم والشعوب حقًّا، بعيد الأثر في حياة الأمم الآن وفي حياتها بعد أن تنحل الأزمات وتعود الأمور إلى الاستقرار؛ ذلك أنه يفسد خلق الشباب ويفل عزمهم ويُغيِّر طبيعتهم ويمحو من نفوسهم هذه الحماسة التي تميزهم من الأجيال التي تقدَّمَتْ بها السن. فأخص ما يمتاز الشباب حماسته الخيرة التي يقبل بها على الحق لأنه الحق، ويدافع بها عن العدل لأنه العدل، والتي تدفعه إلى التضحية بجهده ونفسه في سبيل ما يؤمن به من الرأي، غير حافل بالنتائج ولا مكترث بالعواقب، وإنما يرى الواجب فيُدفَع إليه ويسمع داعي الحق فيستجيب له. بهذه الحماسة عاشت الأمم، أو بهذه الحماسة نهضت الأمم، أو بهذه الحماسة حفظت الأمم تراثها القديم وأضافت إليه تراثًا جديدًا، وبهذه الحماسة نقلت الأمم تليدها وطريفها لأجيالها المقبلة. فإذا انتشرت فكرة الحياد وأُلْقِيَتْ في نفس الشباب، وعلَّمهم القادة أن الفرد خليق أن يفرغ لنفسه ويعكف عليها ويلزم الحيدة المادية إذا استطار الشر من حوله، والحيدة الفكرية إذا اصطدمت من حوله المذاهب والآراء؛ هانت عليهم الحقوق العامة، وشُقَّتْ عليهم الواجبات العامة أيضًا، أُشْعِرُوا في قلوبهم حبَّ العافية وإيثار السلامة على المخاطرة في سبيل النهوض بالحق، والتضحية في سبيل أداء الواجب، واطمأنوا إلى أن الحياة لذة تُدْرَك من أقصر الطرق وأيسرها، لا يمنع من إدراكها أن يتعرض الوطن للخطر، ولا يمنع من إدراكها أن يخضع الوطن لسلطان الأجنبي، ولا يؤثر في إدراكها أن يكون الوطن عزيزًا أو ذليلًا وحرًّا كريمًا أو مستعبدًا رقيقًا. وما أظن أنَّ أحدًا من الذين يقودون الرأي في مصر — أو يرون لأنفسهم قيادة الرأي — يرضى أن يهيئ الشباب المصريين لحياة الحياد هذه التي تقوم على الخوف والجبن، وعلى الأثرة وحب النفس، والتي تنتهي إلى إهدار عزة الوطن وكرامته في سبيل أمن الفرد ولذته. وما أظن أحدًا من الشباب المصريين يقبل من قادته الضعفاء — إن وُجِدَ هؤلاء القادة — أن يعلموه حياة الحياد هذه، وأن يلقوا في روعه أن أمن الفرد يجب أن يكون أعظم خطرًا من عزة الأمة وكرامتها واستقلالها. أفهم إلى حدٍّ ما أن يُقال للشباب المصريين: لا تُغِيروا قبل أن يُغار عليكم، ولا تبدءوا بالشر قبل أن تُبدَءوا به. ولكن أحب أن أفهم متى يمكن أن يُقال لهؤلاء الشباب: ادفعوا عن وطنكم فقد اعْتُدِيَ عليه، وذودوا عن كرامتكم فقد امتُهِنَتْ؟! أيُقال لهم ذلك حين تُقتحَم الحدود المصرية عنوة، وحين لا يَبْقَى من الذود عنها بد، أم يُقال لهم ذلك حين يصبح من المرجح أن هذه الحدود قد تُقتحَم غدًا أو بعد غد؟! أيُقال لهم ذلك حين تقتحم المشاة من جيش الأجنبي حدود الوطن أم يُقال لهم ذلك حين تقتحمها طائرات الأجنبي، فتلقي القنابل على أرض الوطن، وتقتل الآمنين الوادعين من أبنائه؟! أرأيت لو قصرت الحكومة في الاحتياط لفيضان النيل، فلم تُقِم الجسور ولم تَدْعُ إلى إقامتها، حتى يفيض النيل، وتغمر مياهه الأرض، وتغرق القرى والدساكر، وتهلك الحرث والنسل. أترضى عن الحكومة أم تسخط عليها؟ أتراها خليقة بالحكم أم تراها خليقة بالتنحي عن الحكم؟ أرأيتك لو انتظرت الحكومة بالأوبئة المعدية أن تشيع في الأرض وتقتحم على الناس دورهم فتفتك بهم أشنع الفتك وأفظعه، ثم دعت بعد ذلك إلى مقاومة هذه الأوبئة؛ أترضى عنها أم تسخط عليها؟ لا أكاد أُفرِّق بين هذه الأخطار القريبة التي تحتاط لها الحكومة قبل أن تقع وبين هذا الخطر الداهم، خطر الحرب الذي يلم بالبلاد قبل أن يأتيها النذير لأنه علم. فإذا قيل للمصريين لا تغيروا قبل أن يُغار عليكم، فلا أقل من أن يتبين للمصريين حتى يُغار عليهم، ولا أقل من أن يُهيَّأ المصريون لدفع الغارة إذا صُبَّتْ عليهم. وما أدري إلى أي حدٍّ هُيِّئ المصريون للدفاع المادي عن أنفسهم إذا حُمِلَتْ إليهم الحرب، وإن كنت أراها قد حُمِلَتْ إليهم بالفعل منذ عهد بعيد، ولكن الشيء الذي أعرفه معرفة اليقين هو أن المصريين لم يُهيَّأوا كما ينبغي أن يُهيَّأوا لدفع الغارة المعنوية عن أنفسهم إذا صُبَّتْ عليهم هذه الغارة المعنوية، وما أرى إلَّا أنها قد صُبَّتْ عليهم منذ زمن بعيد منذ أُعْلِنَتِ الحرب، بل قبل أن تُعْلَن الحرب، وما أدري على من تقع التبعة في إهمال هذا الإعداد المعنوي للشعب المصري؟ ومن الذي يمكن أن يُسأَل عن هذا التقصير الشنيع في تهيئة الروح المصرية للمقاومة المعنوية التي تنبغي له والتي تليق بماضيه المجيد وحاضره الناهض ومستقبله العظيم؟ وما أحب أن أبحث عن المسئولين، ولا أن أدل عليهم، ولكن الشيء الذي أعلمه علم يقين أن هناك تقصيرًا، وأن من الواجب أن يزول هذا التقصير، وأن يزول في أسرع وقت ممكن، وأن يشعر المصريون شعورًا قويًّا عميقًا بأن الوطن قد يطلب إليهم النهوض بأعباء ثقال، وبأنهم قد يُبلَون في أنفسهم وأموالهم، وقد يصيبهم نقص فيما تعوَّدوا أن ينعموا به من الخير والثمرات، وبأن الحق عليهم لأنفسهم ووطنهم أن يستعدوا لهذا كله كرامًا أعزةً لا معرضين للضعف، ولا مهيئين للاستسلام. وما أظن أن حديث الحياد وحديث الخوف من الزج بالبلاد في غمار الحرب، وحديث الحرص على تجنيب مصر أخطار الحرب، وما أظن أن هذه الأحاديث من شأنها أن تشيع في الروح المصري ما ينبغي أن يشيع فيها من القوة والرجولة واليأس الذي ينبغي أن يمتاز به كرام الناس حين تلم الخطوب أو حين يكون إلمامها منتظرًا. فلْنَدَعْ إذن هذه الأحاديث التي لا تغني شيئًا، ولنتجنب خداع الشعب بالآمال والأماني، وليؤثر ضعاف الناس أنفسهم بهذه الآمال الكاذبة التي يتعلل بها أنصار الحياد، وليُقَلْ للمصريين: انظروا فليس بينكم وبين الخطر إلَّا لحظات قد تطول وقد تقصر، وأكبر الظن أنها لن تطول.