Tag: التعليم العالي

  • في الجامعة المصرية | On the Egyptian University

    في الجامعة المصرية

    طه حسين

    جريدة المصري

    ١٣ مارس ١٩٣٧

    الجامعة لم تُسلِّم ولن تُسلِّم للأزهر، ومسألة اختلاط الجنسين مسألة سخيفة. أين كانت هذه «الغيرة» في العهود الماضية؟!

    قُوبِلَت الأحاديث التي نشرناها في «المصري» من أيام عن مسألتي التعليم الديني واختلاط الجنسين في الجامعة المصرية لحضرات أصحاب السعادة والعزة: لطفي السيد باشا، والدكتور طه حسين بك، والدكتور عبد الحميد العبادي؛ باهتمام شديد في جميع الأوساط، ولا سيما الأزهرية منها.

    وقد نشرنا أمس الأول ردًّا موجزًا على هذه الأحاديث لصاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ عبد المجيد اللبان شيخ كلية أصول الدين.

    وننشر اليوم فيما يلي ردَّ حضرة صاحب العزة الدكتور طه حسين بك على رد فضيلة الشيخ اللبان، بل يُعتبَر رد الدكتور ردًّا على جميع الذين ينادون بضرورة التوسع في إدخال التعليم الديني، وفصل الطلبة عن الطالبات في الجامعة المصرية.

    قال الدكتور طه بك جوابًا عن سؤال منَّا إليه:

    أول ما ألاحظه — وما أتمنى أن يلاحظه غيري — من الذين لهم في قيادة الرأي حظٌّ صغير أو كبير؛ أننا في وقت دقيق أقل ما يجب فيه على كل مصري أن يصطنع الذوق من جهة، وأن يلائم بين أفعاله وأقواله وما تفرضه الوطنية الصادقة من جهة أخرى.

    فنحن في وقت نريد أن نثبت فيه استقلالنا السياسي وحياتنا الدستورية الداخلية، وكل عمل أو قول من شأنه أن ينشئ للحكومة مصاعب في سبيل هذين الغرضين، مهما تكن هذه المصاعب، يخالف الذوق ويخالف ما تقتضيه الوطنية في وقت واحد.

    وما أكثر ما رغبت مصر في الإصلاح، وتحرقت شوقًا إليه، وتألمت لطول انتظاره! فأي مشقة وأي جهد تشقى بهما مصر إن انتظرت شهرًا أو شهرين حتى تفرغ الحكومة من المسائل العاجلة التي ينبغي أن تقف عليها جهودها وتفكيرها وعنايتها، ثم نطالبها بعد ذلك بما نشاء أو بما نحب من أنواع الإصلاح؟!

    أليس مما يؤلم ويسوء أن تكون الحكومة منصرفة أو يجب عليها أن تنصرف انصرافًا تامًّا إلى مؤتمر الامتيازات، وإلى دخول مصر عصبة الأمم، ونأتي نحن فنخلق لها المشكلات ونثير في وجهها المصاعب، ونعرضها للاشتغال بأشياء تستطيع أن تشتغل بها بعد أن تفرغ من مسائل السياسة الخارجية.

    لذلك أعود فأؤكد لك أني آسف أشد الأسف؛ لأن كثيرين من الذين يثيرون المشكلات الاجتماعية وغير الاجتماعية الآن يخالفون الذوق مخالفة مؤلمة، ويخالفون الواجب الوطني مخالفة أشد إيلامًا. وما أريد إلَّا أن يبرأ المصريون من أهوائهم وشهواتهم — ولو إلى حين — حتى يثموا ما بينهم وبين الأجنبي من حساب، ثم لهم بعد ذلك أن يستأنفوا الاستسلام للأهواء والشهوات كما يحبون وكما تدفعهم أمزجتهم وتقديرهم لما يجب لهم وما يجب عليهم.

    والآن، أقول لك في صراحة لا تحتمل لبسًا ولا تثير شكًّا، ولا تحتاج إلى تأويل إن هذه المسألة التي أُثيرت أخيرًا، والتي تتصل باختلاط الجنسين في الجامعة مسألة سخيفة لا أكثر ولا أقل. ومن الإثم في حق الذوق وفي حق الوطن أن يُشاع الفساد في الجو المصري لمسألة سخيفة كهذه. فقد قلت — وما زلت أقول — إني لا أعرف في كتاب الله عز وجل ولا في سنة رسول الله ﷺ نصًّا يُحرِّم على الفتيات والفتيان أن يجتمعوا في حلقة من حلقات الدرس حول أستاذ يعلمهم العلم، والأدب، والفن.

    وإذن؛ فالجامعة لم تُحْدِث حدثًا ولم تخرج على نص من نصوص الدين، وما ينبغي لأحد أن يعرض لها في ذلك إلَّا أن يكون محبًّا لإثارة الخلاف، حريصًا على إفساد الجو، مبتغيًا ما يكره الله للصالحين من عباده أن يبتغوه.

    وقد كان الفتيات والفتيان يجتمعون في دروسهم الجامعية في عهد الحكومات الماضية، فلم تَثُر المشكلات ولم تضطرب البيئات التي تضطرب الآن، ولم يتقدَّم أحد إلى الحكومة في التفريق بين الفتيات والفتيان في دُور العلم العالية. فهل كان المطالبون بهذا نائمين في العهد الماضي ثم استيقظوا في هذه الأيام؟!

    والذي يؤلم أن صديقي وزميلي الدكتور منصور فهمي بك كان عميدًا لكلية الآداب ثلاثة أعوام في ظل وزارات مختلفة ووزراء مختلفين، منهم «وزير التقاليد»، فلم يفرق بين الفتيات والفتيان في دروس العلم، ولم يتقدم برأي في ذلك إلى السلطات الجامعية أو الحكومية، فما باله الآن يطالب بهذا بعد أن ترك الجامعة وألقى عن نفسه هذه التبعات الجامعية؟! وهل أستطيع أن أفهم معنى لقبول الشيء حين كان يستطيع أن يرفضه، ثم لرفض الشيء بعد أن نفض يديه منه وأُلْقِيَتْ عنه تبعاته؟!

    وكذلك أصدقاؤنا الأزهريون كانوا يستطيعون أن يطلبوا إلى صدقي باشا، وعبد الفتاح يحيى باشا، وتوفيق نسيم باشا، وعلي ماهر باشا التفريقَ بين الفتيات والفتيان في الجامعة؛ فما بالهم لم يفعلوا؟! وما بالهم انتظروا حتى يأتي هذا الظرف الدقيق، ثم أخذوا يطالبون بما لا سبيل إلى تحقيقه؟! وأقول: لا سبيل إلى تحقيقه، وأنا أريد ما أقول وأفهمه حق الفهم.

    فالدستور لا يبيح للحكومة أن تحرم التعليم العالي على الفتيات بحال من الأحوال، والظروف المالية لا تبيح للحكومة أن تنشئ جامعة خاصة للفتيات، ولو أرادت الحكومة ذلك لقُلْنا لها في صراحة وفي إخلاص ونصح للدين والدنيا معًا: إن هذا إضاعة للمال والجهد في غير وجههما، والجامعيون لن يقبلوا أن يدخل أحد في شئونهم على هذا النحو مهما يكن أمره.

    وإذن؛ ففيمَ الضجيج والعجيج؟! وفيمَ إثارة اللغط فيما لا حاجة إلى اللغط فيه؟!

    أحب أن يفهم أصدقاؤنا الأزهريون أن الجامعيين لم يسلموا ولن يسلموا لهم، ولا لأي هيئة أخرى باحتكار حماية الدين والقيام دونه؛ فليس في الإسلام ما يجعل حماية الدين إلى بعض المسلمين دون بعض.

    والجامعيون يرون أن كل مسلم مكلف أن يحمي الدين كما يستطيع، وهم يرون أنهم يفهمون الدين كما يفهمه الأزهريون، ويعلمون من أمره مثل ما يعلم الأزهريون، ويعرفون ما يجب عليهم للدين، وينهضون بواجبهم في ذلك، ولا يعترفون لأحد بسلطان عليهم في ذلك إلَّا الله الذي يملك وحده محاسبة الضمائر ومراقبة القلوب.

    فالجامعيون إذن لا يتلقون أمرًا من معهد آخر مهما يكن، ولا يريدون أن يتلقوا درسًا في الدين من هيئة أخرى مهما تكن، وهم لا يلقون على الأزهر درسًا في أي شأن من شئونه، وهم لا يتقدمون إلى الحكومة باعتراض ما يتصل بشئون الأزهر. فليتركهم الأزهر كما يتركونه، وليُعْنَ الأزهر بإصلاح أمره كما يُعنَى الجامعيون بإصلاح أمرهم، وليحترم الأزهر استقلال الجامعة كما تحترم الجامعة استقلال الأزهر، وليعلم أصدقاؤنا الأزهريون أن لا نفع بحال من الأحوال من إثارة هذه المشكلات الآن، وإتعاب الحكومة والأمة بما لا ينبغي أن يتعبهما به أحد.

    يريد الأزهر أن يُعلِّم الدينَ في كليات الجامعة، وقد قُلْتُ في الحديث الماضي: أَحْبِبْ إلينا بهذا! ولكن يجب أن يُفهَم تعليم الدين في الكليات على وجهه؛ فليست الكليات مدارس ابتدائية ولا ثانوية، وإنما طلاب الكليات راشدون يستطيعون أن يتعلموا الدين إن أرادوا، وقد عرفوا منه ما يجب على المسلم أن يعرفه في المدارس الابتدائية والثانوية.

    ولسنا نرى بأسًا من أن يزيدوا علمهم بالدين، بل نحن نُحِبُّ ذلك ونُرغِّب الطلبة فيه ونُعِينُهم عليه إن استعانونا؛ فَلْيُلْقِ الأزهر محاضرات عامة في الدين، فسنرسل إليه طلابنا ليستمعوا لهذه المحاضرات، وليرسل الأزهر إن أراد من علمائه ووعاظه مَنْ يَعِظ الطلاب في دينهم ويُبصِّرهم بما يجهلون من أموره، فسيصير لهم من ذلك ما يريدون. ولكن يجب ألَّا يخدع الأزهر نفسه، وألا يطلب تعيين أساتذة في الكليات ومنحهم مرتبات ليعلِّموا الشبان دينهم؛ فإن هؤلاء الشبَّان — كما قُلْتُ — قد بلغوا رشدهم وأصبحوا قادرين على أن يتعلموا بأنفسهم، وعلم الدين منهم قريب يُلقى في الأزهر ويُلقى في المساجد، ولن يصدهم أحد عن الأزهر ولا عن المساجد.

    وبَعْدُ، فإذا طلب الأزهرُ أن يُعلَّم الدين في الكليات، وطلبت البطريركيةُ الأرثوذكسيةُ أن يُعلَّم الدين في الكليات، وطلبت البطريركيةُ الكاثوليكيةُ أن يُعلَّم الدين في الكليات، وطلب البروتستانتيون أن يُعلَّم الدين في الكليات، ثم طلب الإسرائيليون أن يُعلَّم الدين في الكليات؛ ماذا تكون النتيجة؟!

    أويظن أصدقاؤنا الأزهريون أن الجامعة قد أُنْشِئَتْ لهذا، أم هم يعلمون أن الجامعة قد أُنْشِئَتْ لتخصص الطلاب في ألوان من العلم، وليس بين طلابها قاصر ولا عاجز عن تثقيف نفسه في الدين؟!

    الحق أقولُ لإخواننا الأزهريين إنهم يشطون ويطغون على إخوانهم ويكلفون الدولة من أمرها عسرًا، ومع ذلك فإن الأزهر نفسه في حاجة شديدة إلى الإصلاح، وفيه مسائل معقدة أشد التعقيد تحتاج إلى الحل. والشعب المصري ينتظر من رجال الدين أن يعظوه ويبصِّروه. ألا يظن الأزهر الشريف أن بين يديه من الأعمال، وأمامه من المشكلات ما يستنفد جهده؟! أليس من الخير أن يبدأ بنفسه، فينهض بواجباته الأولى، وأن يشتغل بما يعنيه قبل أن يشتغل بما لا يعنيه؟!

    إن بين الأزهر والجامعة علاقات قوامها المودة والتعاون على تحصيل العلم؛ فالخير في أن يستبقي الأزهر هذه العلاقات، وأن يعمل على تقويتها. فقد يُخيَّل إلينا أن الأزهر سيحتاج وقتًا طويلًا جدًّا إلى الجامعة لِتُعِينَهُ على تنفيذ نظامه الجديد، وعلى إدخال طائفة من العلوم الحديثة في كلياته.

    فليكن الأزهر عند حسن الظن به، وليفرغ لإصلاح نفسه، وليهيئ للجامعة ما تحب من فرصة معونته والنصح له؛ فذلك خيرٌ له وخيرٌ للجامعة وخيرٌ للمصريين والشرقيين جميعًا.

    وبَعْدُ، فأنا مؤمن بأن الأزهر حريصٌ أشد الحرص على أن يثير في هذه الأيام خصومة لا يكون وراءها إلَّا الشر، وإذا أُثِيرَتْ فلن يصلى نارَها الجامعيون وَحْدَهُمْ، بل سَيَصْلاها معهم قومٌ آخرون!

  • كلية الآداب | The Faculty of Arts

    كلية الآداب

    حديث الدكتور طه حسين بك، عميد كلية الآداب

    وجه مكتب تحرير المقتطف إلى الأستاذ الدكتور طه حسين بك، عميد كلية الآداب، السؤالين التاليين:

    أولًا: ما هو القسط الذي قدمته كلية الآداب لنهضة الفكر في مصر خلال السنوات العشر الماضية؟

    ثانيًا: ما هي الصورة المثالية التي تريدونها لكلية الآداب؟

    فتفضل بالجواب التالي:

    ١-

    أثرت كلية الآداب في تطور الفكر المصري تأثيرًا واضحًا جدًا، يبدو في ناحيتين هامتين: في طريقة تصور الأشياء والحكم عليها، وفي الحياة العلمية ذاتها، وفي الإنتاج.

    وعلى الرغم من غرابة هذه الكلمة، فإنها بالنسبة لنا حقيقة واقعة، فالطلبة والمتخرجون أنتجوا في ميدانهم كمترجمين، ومؤلفين، وصحفيين، وكذلك بالطبع أنتج أساتذتهم.

    وأريد أن أعرف مدرسة أخرى في الشرق كله وصلت في فترة قصيرة إلى ما وصلنا إليه. وقد نكون، في فترة السنين العشر الماضية، امتصصنا ـ كما تقول ـ خير ما في المعاهد السابقة لنا من مقومات… ولكن أليس «الامتصاص» في ذاته دليلًا على القوة والحياة؟

    فإن أردت بعض مثل على ما نحن بسبيله، فلتعلم أن اللغة العربية مدينة الآن لكلية الآداب بأحسن تاريخ عمل حتى الآن للحياة العقلية في القرنين الأول والثاني للهجرة. ولولا أن أحمد أمين عمل في كلية الآداب، لما أنتج هذا الإنتاج الذي عجزت عن تحقيقه القرون الماضية كلها.

    وأوجدت كلية الآداب شيئًا اسمه التنقيب عن آثار مصرية خالصة، وآثار إغريقية ورومانية، فهي وحدها التي أوجدت اشتراك المصريين العلمي في علوم الآثار، والجيولوجيا، وما قبل التاريخ.

    وكلية الآداب هي التي أوجدت أول المؤلفات العلمية العربية في الجغرافيا، فكتابا حوض النيل وسكان هذا الكوكب من أحسن الآثار التي تجمع بين اللذة العلمية والأدبية. وإني أتحدى أي مدرسة اشتغلت بالعلوم الجغرافية ووصلت إلى مثل ما وصل إليه قسم الجغرافيا عندنا.

    ويخيل إلي أيضًا أن كلية الآداب هي أول معهد أظهر في العربية ترجمة أدبية لـفاوست وهرمان ودوروتيه لجوته، عن الألمانية مباشرة، لا نقلًا عن لغة أخرى.

    ثم إن كليتنا هي التي أنشأت معهد الآثار الإسلامية، ولم يكن موجودًا قبل الآن، ولأول مرة في تاريخ مصر أدخلت كلية الآداب الدراسات القديمة اللاتينية واليونانية، لتساهم في الكشف والاستفادة من أعظم حضارتين فكريتين في العالم القديم.

    ولا يمكن أن ننسى أن كلية الآداب ساهمت مساهمة خطيرة في الحركات الأدبية العامة لم تكن لمعهد آخر، فقد احتفلنا بالعيد الألفي للمتنبي، في أسبوع أقمناه لدراسته دراسة وافية. وأكثر من هذا أنتجنا كتابين، أحدهما للدكتور عبد الوهاب عزام، والثاني لي، سيظهر قريبًا. ولولا كلية الآداب ما كنت أفكر في دراسة المتنبي والكتابة عنه.

    وهناك، في خارج الكلية، يشترك الأساتذة اشتراكًا جديًا في الحياة العلمية العامة. وأظنك تعلم أن الذي يقوم بتحقيق كتاب السلوك وطبعه هو الدكتور زيادة، أحد أساتذة التاريخ. كما أن لمعهدنا قسطًا وافرًا في توجيه السياسة التعليمية العامة، بما نقدمه في لجان وزارة المعارف من آراء، وما نشترك فيه من كتب ومقررات للدراسات الثانوية والخاصة.

    وكلية الآداب هي التي مثلت مصر في المؤتمرات العلمية المختلفة التي تمس الآداب، فقد مثلنا في مؤتمرات المستشرقين ثلاث مرات تمثيلًا رفع المكانة الأدبية للبلاد كلها. وكذلك اشترك الأستاذان مصطفى عبد الرازق والخولي في مؤتمرات تاريخ الأديان، واشترك الأستاذان مصطفى عامر وعوض في مؤتمرات الجغرافيا والسكان.

    وكلية الآداب هي أول معهد أدخل في روع الحكومة والشبان فائدة الرحلات إلى البلاد الشرقية، فقامت من أساتذتنا وطلابنا رحلات إلى الشام والعراق، وأرسلنا من ينوب عن معهدنا في حفلات الفردوسي بطهران.
    وهناك أمر خطير جدًا لا يعرفه الناس تمامًا حتى الآن، فبعثة الجامعة إلى بلاد اليمن مشروع من مشاريع أحد المتخرجين من قسم الجغرافيا، الدكتور حزين، وقد وصلت إلى نتائج هامة جدًا.

    أولها: الاكتشافات الجيولوجية ذات القيمة الخطيرة، وكذلك الاكتشافات المتعلقة بالحشرات وأنواع النباتات.

    ثانيًا: أحضرت البعثة معها نحو مائة وخمسين نقشًا أثريًا جديدًا، سيتخذها أحد أعضاء البعثة موضوعًا لرسالة دكتوراه.

    ثالثًا: ملأت البعثة أسطوانات للهجات جنوب اليمن، وهو العمل الأول من نوعه في هذه الناحية.

    وقبل هذا وذاك أظهر أعضاء البعثة أنهم على استعداد تام لاقتحام الأخطار، فقد أدركهم من المرض والآلام ما يدرك عادة المغامرين في سبيل الغايات الكريمة، وشعروا جميعًا بلذة هذا الألم لتحقيق أغراضهم العلمية.

    هذا ما يتصل بالأساتذة، ويمكن أن تراجع في مكتبة الجامعة قائمة الكتب التي أنفقت عليها كلية الآداب، وعاونت على ظهورها.

    وأما ما يتصل بالطلاب والمتخرجين، وبالنشاط الفكري، فأترك للمتحدث (وهو من خريجي الكلية) إحصاءه، فهو أعرف به (١)، ولا تنس رسالات الماجستير والدكتوراه.

    ولعل كليتنا هي التي عرفت المصريين والشرقيين بالشاهنامة، وقدمتها لهم مطبوعة منقحة.

    (١) يشير الدكتور طه إلى مجهودات الهيئات الجامعية التي تعمل على نشر الثقافة العامة، مثل لجنة ترجمة دائرة المعارف الإسلامية، ولجنة الجامعيين لنشر العلم، ولجنة البردي، ومجهودات موفقة لكثير من الطلاب والمتخرجين في التأليف والترجمة والصحافة.

    وفي سنة ١٩٣٢ اشتركت كلية الآداب في الحركة العقلية الصرفة، حين أخرج عميد كلية الآداب من كليته، فنهض الجامعيون نهضتهم الخطيرة للذود عن كرامة الجامعة واستقلالها، وقاوموا الحكومة شهرًا، وضربوا في ذلك أمثالًا لن تنسى. وكان لهذه الثورة تأثير خطير في التفكير الجامعي للشبان.

    وأما الرقي العام للأمة فقد شاركت فيه كليتنا مشاركة واضحة، فهي التي فتحت أبواب التعليم العام للفتيات، وفيها الآن ١٨٧ فتاة يشتغلن في جميع أقسام الكلية.

    كما أنها خطت خطوة أخرى، بأن أدخلت ضمن هيئة تدريسها ثلاث سيدات، هن الآنسة سهير القلماوي (للغة العربية)، والسيدة درية فهمي (للغة الفرنسية)، والآنسة فاطمة سالم (للدراسات القديمة)، وهن يدرسن للطلاب والطالبات.

    والنتيجة أن لطلبة كلية الآداب وأساتذتها أن يفاخروا بأثر كليتهم في هذه المدة القصيرة، وأن ينتظروا أن تعظم هذه الآثار كلما مضى الزمن، ولا يحفلوا بما يقول الكاشحون، فالقافلة تمضي موفقة على الرغم من المصاعب التي تلقاها، وهي تعتمد على هذه المصاعب، لأن قيامها شرط أساسي لنجاحها. فهي الامتحان الذي يروضها، ويعلمها، ويمحص رجالها تمحيصًا. وهي لا تريد النجاح السهل، إنما تريد النجاح العسير الذي يبعث الشجاعة، والثقة بالنفس، والأمل في المستقبل، وما يحقق الرجولة التي تحتاج إليها مصر في هذا العهد الجديد.

    ٢-

    الذي أرجوه، وأعمل لتحقيقه، هو أن تؤدي كلية الآداب إلى أغراض ثلاثة:

    الأول: إحياء قديمنا المصري والعربي.

    الثاني: تحقيق الصلة الواضحة القوية بيننا وبين الحضارة الغربية.

    الثالث: إظهار أوروبا على ما يجب أن تعرفه من استعدادنا الصحيح للحياة الخصبة، وللمساهمة في ترقية الحضارة الإنسانية.

    ومهما تبلغ كلية الآداب من تحقيق هذه الأغراض، فلن ترضى، ولن يرضى رجالها، طلابًا وأساتذة، لأن الرضا آية الخمول والخمود، وهما أبغض الأشياء إليها.

    المقتطف، يناير ١٩٣٧.

  • حياتنا العقلية في التعليم العالي | Our Intellectual Life in Higher Education

    حياتنا العقلية في التعليم العالي
    طه حسين
    جريدة الجديد
    ٢٨ أكتوبر ١٩٢٩

    لو أن الأمور تجري في مصر على نحو ما تجري عليه في البلاد الأخرى؛ لما شهدنا هذه الحركة العنيفة التي نشهدها في هذه الأيام حول الجامعة ومدرسة المعلمين العليا ومعهد التربية. ولكن الأمور تسلك في مصر طريقًا شاذةً بعض الشذوذ، ذلك بأن العصر الذي نحن فيه ليس عصر انتقال زمني فحسب، وإنما هو عصر انتقال زمني ومكاني إن صحَّ هذا التعبير.

    فمصر لا تنتقل من القرن التاسع عشر إلى القرن العشرين كما تنتقل البلاد والأمم الأخرى، ولكنها إلى ذلك تنتقل من الشرق إلى الغرب، أو من أفريقيا إلى أوروبا، أو بعبارة واضحة تستبدل حضارةً بحضارة وحياةً بحياة؛ تدع الحياة الشرقية الخالصة إلى حياة غربية توشك أن تكون خالصة، وتدع الحضارة الشرقية الصرفة إلى حضارة غربية توشك أن تكون صرفة. وإذا كان الانتقال الزمني وحده خليقًا أن يستتبع الحركات العنيفة والاضطراب الشديد في أصول الحياة وفروعها، فالانتقال المكاني أشدُّ استدعاءً لتلك الحركات واستتباعًا لهذه الاضطرابات.

    فنحن معذورون إذا لم نستقبل ضروب الإصلاح بما تستقبل به في البلاد الأخرى من الهدوء أو الاضطراب الصحيح المنتج. نحن معذورون لأن كثيرًا منَّا يفهمون الحياة الغربية والإصلاح الغربي بعقول شرقية لم تُهيأ بعد لفهمهما على وجههما.

    لم يَكَدْ يتغيَّر النظام السياسي في هذه الأيام بعضَ التغير حتى ثارت هذه الثائرة حول التعليم العالي، وحتى انتهز كثيرٌ من الناس فرصة التطور السياسي ليُفْسِدوا من أمر التعليم ما لم يصلح إلَّا بعد مشقة عظيمة وعناء شديد؛ ذلك أن مسألة الجامعة ومدرسة المعلمين ومعهد التربية ليست مسألة هذا الأسبوع أو هذا الشهر أو هذه السنة أو هذا النظام السياسي دون ذلك النظام، ولكنها مسألة قديمة كان حقها أن تُحَلَّ منذ أعوام لو أن الأمور تجري في مصر على نحو ما تجري عليه في البلاد الأخرى دون إضاعة للأوقات والأموال والجهود.

    كان حق هذه المسألة أن تُحَلَّ يوم إنشاء الجامعة الأميرية، فتَّتَخِذ الجامعة المصرية القديمة والقسم الأدبي من مدرسة المعلمين نواةً لكلية الآداب، ويَتَّخِذ القسم العلمي من مدرسة المعلمين نواةً لكلية العلوم، كما اتُّخِذَتْ مدرسة الحقوق ومدرسة الطب نواتين لكلية الحقوق وكلية الطب.

    وكان الحق يومئذ أن ينشأ معهد التربية بمجرد استعداد كلية الآداب والعلوم لتخريج الطلاب على النظام الجديد. ولكن ذلك لم يتم؛ لأن الذين كانوا يُشْرِفون على التعليم سنة ١٩٢٥ كانوا منقسمين إلى فريقين مختلفين أشدَّ الاختلاف؛ فريق ينكر مدرسة المعلمين ويراها قديمة سيئة النظام، ويُشفِق منها على الجامعة الجديدة، وفريق آخر يخاف الجامعة ويراها جديدة مسرفة في الجدة، ولا يطمئنُّ إليها في تخريج أساتذة الغد. فمضى أصحاب الجامعة في طريقهم وأنشئوا جامعتهم جديدة من كل وجه، ومضت وزارة المعارف في طريقها واحتفظت بمدرسة المعلمين كما كانت، وأخذت الدولة تنفق المال على المعهدين كريمة به غير مقتِّرة ولا مترددة.

    ولعلي أول من نبَّهَ إلى هذا النحو من التناقض في حياتنا العلمية، وإلى هذا النحو من الإسراف في أموال الدولة؛ فدعوت إلى تنظيم العلاقة بين الجامعة ومدرسة المعلمين، وألححت في الدعاء كاتبًا في الصحف، متحدثًا إلى رجال التعليم من المعهدين، ساعيًا عند وزير المعارف وأعوانه. وأخذت المسألة طريقها حتى أُلِّفت لجنة تمثِّل الجامعة ومدرسة المعلمين ووزارة المعارف، فدرست المسألة درسًا دقيقًا، وانتهت إلى وجوب الاقتصاد في الجهد والوقت والمال، وإلى أن يكون التعليم الأدبي والعلمي في الجامعة، وإلى أن تصبح مدرسة المعلمين معهدًا فنيًّا للتربية، ورفعت اللجنة تقريرها إلى معالي الأستاذ علي باشا الشمسي. ولكن وزارة المعارف كانت لا تزال محتفظة برأيها القديم في مدرسة المعلمين وإشفاقها من الجامعة، فنصح أعوان الوزير له في ألَّا يتعجَّل الأمر ولا يقضي فيه حتى يستشير الخبراء من الأوروبيين.

    وعجبت أنا من هذه المشورة التي لم تكن تقدِّم ولا تؤخر؛ فقد كانت لجنتنا درست الموضوع من كل وجوهه، واستقصت بين مدارس المعلمين والجامعات في البلاد الراقية التي تعودنا أن نتأثَّر بها في إنجلترا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، وكان تقديرنا أن هذه المشورة التي قدمت إلى وزير المعارف إنما كانت كعلة يُراد بها كسب الوقت وتأخير ما لا بدَّ من وقوعه. على أن وزير المعارف قَبِل المشورة ودعا خبيرين أحدهما من إنجلترا والآخر من سويسرا، وأنفقت الدولة على هذين الخبيرين آلافًا من الجنيهات لعلها كانت تستطيع أن تسدَّ حاجة من حاجات التعليم الكثيرة في هذه البلاد. وقضى الخبيران أشهرًا في مصر يتنقَّلان في أقطارها، يصعدان في الشتاء ويهبطان في الربيع، يقيس أحدهما ذكاء الأطفال والشبَّان، ويتحدث أحدهما الآخر إلى أولئك وهؤلاء من رجال التعليم، وكانت نتيجة هذا كله أن طلب إلى وزير المعارف الأستاذ أحمد لطفي السيد بك ما طلبته اللجنة إلى وزير المعارف الأستاذ علي الشمسي باشا.

    ولكن وزارة المعارف كانت ما تزال مترددة مشفقة، فلم تقبل ما قبلته منه في غير تحفظ، وإنما قبلت فصل الدراسة العلمية من الدراسة الفنية، وأن تكون هذه الدراسة العلمية في الجامعة بشرط أن تُعِيد الجامعة درس الموضوع، وتلائم بين نظامها الجامعي وحاجات التعليم الثانوي. وقد فعلت الجامعة هذا تيسيرًا للأمر وتعجيلًا لشيء لا بدَّ من تحققه؛ لأنه يلائم المصلحة العلمية والاقتصادية معًا.

    وأبت وزارة المعارف أن تترك معهد التربية إلى الجامعة كما كان يطلب الخبيران أحدهما أو كلاهما، ولم تتشدد الجامعة في هذا لأنها لم تكن تريد التوسع أو بسط السلطان.

    هذا تاريخ المسألة فصَّلناه تفصيلًا، وهو يدلُّ على أن هذه المسألة قديمة، وعلى أن إعادة التنظيم لمدرسة المعلمين كانت شيئًا طبيعيًّا تحقق هذه السنة، وقد كان يجب أن يتحقَّق منذ سنين، وهو متحقق من غير شك، حتى لو سمعت الحكومة القائمة لأنصار النظام القديم، فردَّت الأمر إلى ما كان عليه. وهذا التاريخ الذي فصَّلناه يدلُّ أيضًا على أن الناحية السياسية التي يلجأ إليها ويستغل مكانتها أنصار النظام القديم لم تفاجأ بهذا الإصلاح، بل سعت إليه وجدَّت فيه وكادت تحققه.

    فالأستاذ علي باشا الشمسي لم يؤلف اللجنة عبثًا، ولم يدع الخبيرين عبثًا، وإنما كان يريد أن يعتزَّ برأي اللجنة ورأي الخبيرين ليضع النظام الجديد ويعرضه على البرلمان. سيقولون ولكن هذا النظام لم يُعرض على البرلمان ولم يُعرف رأي نواب الشعب فيه، فنقول يجب إذن أن تعطل أكثر مدارس الحكومة، وأن توقف أكثر فروع التعليم لأن هذه المدارس وهذه الفروع من التعليم تسير على نُظُمٍ لم يقرها البرلمان؛ منها ما وضع في غيبته، ومنها ما وضع في حضوره، وكلها لم يتسع وقت البرلمان لدرسه.

    على أن وزارة المعارف قد أنشأت هذا المعهد الجديد على أنه تجربة قابلة للتغيير والإصلاح. أليس الخير أن يدرس نظام المعهد وينقد ويُشار على الحكومة والبرلمان بما قد يظهر من وجوه إصلاحه وتغييره. ولكن قلت لك إن الأمور لا تجري في مصر على نحو ما تجري عليه في البلاد الأخرى، وما أشدَّ حاجتنا إلى الاقتصاد في القول والوقت والجهد والمال.

  • سياسة التعليم لذلك الأستاذ الناقد٢ | Educational Policy, for That Critic (II)

    سياسة التعليم: لذلك الأستاذ الناقد (٢)

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ٢٤ أغسطس ١٩٢٤

    كنت أريد أن أخصص هذه الكلمة لطائفة من الخواطر عرضت لي أثناء سياحتي هذه. لكني أُنفِق جزءًا من الوقت في قراءة الصحف المصرية التي تصل إليَّ. ولذيذةٌ جدًّا قراءة هذه الصحف المصرية في هذا الجو الذي أعيش فيه الآن، حيث لا أسمع كلمة عربية إلا من صاحبي، وحيث لا أشعر بما يشعر به المصري في مصر من اشتراك الحس والعاطفة والرأي بينه وبين مواطنيه، وحيث أشعر بالعزلة المطلقة في كثير من الشئون، وحيث أسمع الفرنسيين من حولي يتناقشون في شئونهم المختلفة في رفق مرة وفي عنف مرة أخرى، في رفق إذا تناقشوا في أدب أو علم أو فن أو في شيء يقرب من ذلك، وفي عنف إذا تناقشوا في السياسة. والفرنسيون يتناقشون في السياسة كثيرًا هذه الأيام؛ لأن موقفهم السياسي يدعو إلى المناقشة، فهناك أحزاب كانت تحكم فنالتها الهزيمة الانتخابية، وهناك أحزاب كانت تعارض فنالها النصر الانتخابي، فهي الآن تصرِّف أمور الحكم، فحكَّام الأمس معارضو اليوم، ومعارضو أمس حكَّام اليوم. ولذيذٌ جدًّا أن تسمع هؤلاء الناس يتناقشون، ولكني سأحدثك عن هذا في غير هذا المقال.

    قلت إني أقرأ الصحف العربية التي تصل إليَّ من مصر، وقد قرأت فيما قرأت نبأً دعاني إلى التفكير ففكرت، واضطرني إلى الكتابة فأنا أكتب الآن.

    قرأت أن البرلمان المصري قد أقرَّ وزارة المعارف على إلغاء مجلسها الأعلى وإنشاء لجنة فنية تقوم مقامها. وقرأت المرسوم الذي صدر بإنشاء هذه اللجنة وتنظيمها، وقرأت فصولًا في «السياسة» تناول كاتبها هذا الموضوع بالبحث والنقد.

    وفي الحق إن هذا النبأ لم يدهشني في نفسه، فأنا أعلمه منذ وثبت الوزارة السعدية إلى مناصب الحكم! نعم، لم يكد رئيس الوزراء يؤلِّف وزارته ويذيع برنامجه ويتقبل تهنئة المهنئين حتى لقيت صديقًا من السعديين المخلصين الذين لا تمنعهم سعديتهم الخالصة أن يكون بينهم وبين غير السعديين ولاء، وكان صديقي هذا من أصحاب المكانة في وزارة المعارف، فتحدثنا عن وزارة المعارف.

    وعلمت من هذا الحديث أن الوزارة السعدية تكره نظام التعليم، أو بعبارة أصح تكره النظام الذي بدأ في إيجاده زكي باشا أبو السعود في وزارة التعليم، وأنها تريد أن تنقض هذا النظام كله فتلغي ما تم منه وتعدل عما لم يتم. وكان زكي باشا أبو السعود قد وجَّه سياسة التعليم إلى وجهتين قيمتين: الأولى أنه أنشأ المكتب الفني، الثانية أنه اعترف باستقلال التعليم العالي، أو اعترف بحق هذا التعليم العالي في الاستقلال، وأخذ يهيئ له الوسائل ويمهد إليه السبل. فلم يكن بدٌّ للوزارة السعدية من أن تنقُضَ هذا النظام وتستبدل منه نظامًا آخر.

    فبدأت بهذا المكتب الفني فشلَّته وحرمته من كل سلطان، حتى إن أعضاءه كانوا لا يجدون لأنفسهم في الوزارة عملًا، ثم تحوَّلت أعمال المكتب الفني كلها إلى وكيل الوزارة وسكرتيرها العام. ثم فكرت الوزارة السعدية في أن تخلص من استقلال التعليم، فسلكت إلى ذلك سُبُلًا مختلفة: الأولى أنها أسدلت على مشروع الجامعة ستارًا كثيفًا، وراوغت كلما سئلت عنه في البرلمان. وليس لهذا كله سبب إلا أن مشروع الجامعة كان يقضي بالاستقلال التام للتعليم العالي، وأن وزارة المعارف السعدية لم تكن تستطيع أن تتصوَّر استقلال التعليم، وإنما كانت تريد أن يخضع لها كل شيء خضوعًا تامًّا، لا فرق في ذلك بين التعليم وغير التعليم من مرافق الدولة، ولا فرق في ذلك بين التعليم العالي وغيره من أنواع التعليم.

    ولعل القارئ يذكر هذه الكلمة الغريبة التي قالها في مجلس النوَّاب صاحب الدولة رئيس الوزراء حين ذُكرت الجامعة. وهي أنه لا يفهم معنى الجامعة، ولا يفهم فائدة الجامعة للأمة … ولعل القارئ يذكر أنَّا كتبنا حول هذه الكلمة فصلًا فسَّرناها فيه تفسيرًا نعتقد أنه لا يحتمل الشك، ونعيده الآن تذكرةً وتبصرةً، وهو أن الوزارة السعدية تكره الجامعة وتتلكأ في إنشائها، لا لشيء إلا لأن الجامعة بطبيعتها مستقلة في أمر التعليم، كما أن المحكمة لطبيعتها مستقلة في أمر القضاء. وكل وزارة نشأت وقامت على هذا النحو الذي نشأت عليه الوزارة السعدية فهي منصرفة بطبعها عن هذه الهيئات المستقلة التي لا تخضع لسلطان الحكومة خضوعًا تامًّا. ولكن زكي باشا أبو السعود كان قد مضى في تحقيق الاستقلال للتعليم العالي إلى أمدٍ غير بعيد؛ فأنشأ المجالس الإدارية للمدارس العليا ومنحها استقلالًا داخليًّا يوشك أن يكون تامًّا، وأصدر بذلك قوانين لم يكن بدٌّ من إلغائها أو من إيجاد طريقة للتخلص منها، فلم يكن لوزارة المعارف السعدية بدٌّ من أن تخلص من هذا الاستقلال الداخلي الذي منحه زكي باشا أبو السعود للمدارس العليا. وكيف تخلص من هذا الاستقلال؟ الأمر يسير! فيكفي أن تقرأ المرسوم الذي صدر بإنشاء اللجنة الفنية التي تخلف المجلس الأعلى لتفهم كيف قضت الوزارة السعدية على استقلال التعليم.

    ذلك أن قرارات هذه المجالس الإدارية للمدارس العليا تعرض بحكم هذا المرسوم على هذه اللجنة الفنية فترى فيها رأيها. وهذه اللجنة الفنية نفسها ليست مستقلة وإنما آراؤها وقراراتها جميعًا خاضعة كل الخضوع لإرادة الوزير. وإذن فقرارات المجلس الأعلى خاضعة للجنة الفنية، وقرارات هذه اللجنة خاضعة للوزير. وإذن فالوزير هو كل شيء، لا في المسائل الإدارية ولا في المسائل المالية ولا في نحو هذه المسائل مما يمس نظام التعليم عن بعد، بل في نظام التعليم نفسه، بل في جوهر التعليم. وإذن فهذا الوزير البرلماني الذي هو بحكم الدستور وبحكم الحياة البرلمانية خاضع للظروف السياسية وصروفها، يرقى اليوم إلى منصب الوزير ليتركه غدًا. هذا الوزير الذي لا يستطيع أن يضمن البقاء في منصبه يسيطر على سياسة التعليم في جميع فروعه. فإذا كان الوزير من أولي الرأي في التعليم فوضع له سياسة ما وأخذ في تنفيذها ثم أصابته المحن البرلمانية فنزل عن منصبه فليس ما يضمن أن الوزير الذي سيخلفه سيمضي في تنفيذ سياسته. وأكبر الظن أن هذا الوزير سيلغي ما أقرَّ الوزير السابق كما ألغى صاحب الدولة سعيد باشا ما أقر صاحب المعالي زكي باشا أبو السعود.

    يجب أن نكون منصفين وأن نرد الأمور إلى نصابها، وأن نقول الحق، ولكن في رفق ولطف. فنحن مدينون بهذا الرفق واللطف للمرحوم عاطف باشا بركات. الناس جميعًا يعلمون أن عاطف باشا بركات كان رأس وزارة المعارف وقلبها، به تشعر وزارة المعارف، وبه تفكر وزارة المعارف، وإليه تنتهي أمور وزارة المعارف. وإن صاحب الدولة سعيد باشا كان يقوم من هذه الوزارة مقام غيره من الوزراء الدستوريين. كان يؤمن بكفاية عاطف باشا بركات ومقدرته الفنية، فيكل إليه الأمور الفنية كلها ويمثل هو وزارته في مجلس الوزراء وفي البرلمان تمثيلًا سياسيًّا لا أكثر ولا أقل.

    وإذن فالذي أحدث هذا التغير في وزارة المعارف هو في حقيقة الأمر عاطف باشا بركات، وإن كان المسئول عنه هو صاحب الدولة سعيد باشا بركات، كان رجلًا يمتاز بالقوة والحزم، أو شيء أكثر من الحزم، وكان تحت السلطان والسيطرة، كان يجب إذا أشرف على شيء أن ينتهي إليه كل شيء، وكان رجلًا خُلِقَ للإدارة، ولعلنا لا نظلمه إذا قلنا إنه لم يكن قد خُلِقَ للتعليم، فأراد أن يشرف حقًّا على وزارة المعارف، فهيأ لذلك من الأسباب ما هيأ، ثم استأثرت به رحمة الله قبل أن يبلغ من هذا الإشراف ما كان يريد. وترك لخلفائه في وزارة المعارف عبئًا ثقيلًا جدًّا نعتقد أنهم قد لا ينهضون به، وأنهم قد لا يحبون أن ينهضوا به. وأصبحت بذلك وزارة المعارف بين اثنتين: إمَّا أن تمضي في هذه السياسة التي وضعها عاطف باشا بركات رحمه الله؛ وإذن فلا بدَّ لها من عاطف باشا بركات، وهي إن ظفرت بعاطف باشا بركات، فلن توفق من هذه السياسة إلى خير؛ لأنها سياسة سيئة شديدة الخطر على التعليم؛ فقد نفهم المركزية في كل شيء، نفهمها في المسائل الإدارية، ونفهمها في غير هذه المسائل. ولكنَّا نزعم أن فهمها في التعليم مستحيل؛ لأن التعليم فن خالص أو هو فنون مختلفة لا يمكن أن تجتمع لرجل واحد، ولا لهيئة واحدة، وإنما يجب أن يشرف عليها الفنيون المختلفون وأن يكون لهؤلاء الفنيين حظٌّ موفورٌ من الاستقلال يضمن لهم التوفيق إلى ما يريدون، وإمَّا أن تعدل وزارة المعارف عن السياسة المركزية التي كانت مسيطرة على شئون التعليم أيام الإنجليز، والتي تريد أن تسيطر على شئون التعليم أيام الوزارة السعدية.

    وإذن فلا بدَّ لوزارة المعارف من أن تنقض ما أبرمه عاطف باشا بركات، وأن تطلب إلى البرلمان نقض ما أبرم في أمر اللجنة الفنية، وأن تضع سياسة جديدة للتعليم هي نفس السياسة التي كان زكي باشا أبو السعود قد وجَّه إليها وزارة المعارف، وإذا فعلت وزارة المعارف هذا فحدِّث عن هذا الوقت الضائع، وعن هذه القرارات المضطربة التي ينقض بعضهًا بعضًا، ولكننا نرجِّح أن وزارة المعارف لن تسلك هذه الطريق، فقد يكون الخير في أن تسلكها، ولكن الوزارة ستجد شيئًا من الغضاضة في الاعتراف بهذا الخطأ العظيم، وفي أن تنقض اليوم ما أبرمت أمس.

    هناك قاعدة هي المثل الأعلى في أمر التعليم، ولكنها بعيدة كلَّ البعد عن الحقيقة الواقعة. لم تقتنع بها الأمم الراقية في أوروبا بعد، فمن المعقول ألا تفهمها مصر. هذه القاعدة هي أن يكون التعليم كالقضاء مستقلًّا الاستقلال كله عن السياسة لا تناله صروفها ولا تعبث به خطوبها، وأؤكد لك أن التعليم أحقُّ بالاستقلال من القضاء: لِمَ يستقل القضاء؟ لتكون حقوق الأفراد بمأمن من الأهواء السياسية. حقوق الأفراد … أمَّا التعليم فهو لا يتناول حقوق الأفراد، وإنما يتناول حياة الأمم كلها، يتناول حياتها الحاضرة ويتناول حياتها المستقبلة، يتناول كلَّ موقفها، ويتناول كل آمالها. فإذا كان القاضي خليقًا بالاستقلال ليبيع الناس وليشتروا في أمنٍ ودعةٍ، أفلا يكون المعلم خليقًا بالاستقلال لتحيا الأمة وتنمو وترقى بمأمن من الشهوات السياسية التي لا تنتج في التعليم إلا شرًّا؟ … وبين يدي مثلٌ قائم أختم به هذا الفصل، وهو أمر التعليم الثانوي في فرنسا.

    في السنة الماضية أصدرت وزارة بوانكارية — وأقرتها كثرة البرلمان — نظامًا لهذا التعليم يقضي بتعليم اللاتينية واليونانية في المدارس الثانوية للبنين والبنات، وأخذت وزارة المعارف في تنفيذ هذا النظام منذ أكتوبر الماضي، ثم كانت الهزيمة الانتخابية التي أصابت بوانكاريه وأصحابه، وكان انتصار الاشتراكيين وأصحابهم، وهم يكرهون اللاتينية واليونانية، ويؤثِرون التعليم الذي يُسمَّى تعليمًا حديثًا. فلم يكد يجتمع مجلس النوَّاب الاشتراكي حتى قررت لجنة التعليم فيه إلغاء النظام الذي وضعته الوزارة السابقة وأقره المجلس السابق. ولن يدوم السلطان لهذا المجلس، بل لا بدَّ أن يعود السلطان لأصحاب بوانكاريه، ويومئذ يقرر مجلس النوَّاب إلغاء هذا النظام والعودة إلى اللاتينية واليونانية. وموضوع هذا العبث ليسوا ألفًا أو آلافًا من الموظفين كما هو الأمر في مصر، وإنما موضوع هذا العبث هو الجيل الناشئ كله عن هذه الأمة الفرنسية. فهل نستطيع أن نعتبر؟ وهل نستطيع أن نسبق إلى جعل التعليم فوق السياسة أو بمعزل عن السياسة على أقل تقدير؟

    بوليجين، في ١١ أغسطس سنة ١٩٢٤

  • وزارة المعارف إصلاح التعليم الثانوي | The Ministry of Education: Reforming Secondary Education

    وزارة المعارف: إصلاح التعليم الثانوي

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ١٢ ديسمبر ١٩٢٣

    كنَّا عند وزير المعارف منذ أسبوع، وكنَّا نتحدث في أمر التعليم العالي، ولست أدري كيف عرضنا للتعليم الثانوي والابتدائي. قلت: أمَّا هذا الموضوع فسيكون لي فيه مع معالي الوزير حديث طويل. قال الوزير: وسيسرني أن أسمع هذا الحديث وأقدِّره. ويظهر أن قد حان الوقت لأبدأ مع معالي الوزير طرفًا من هذا الحديث، فقد نشرت الصحف أن وزارة المعارف تشرع في إنشاء الجامعة الأميرية. وأي فرصة للتحدُّث إلى وزير المعارف في أمر التعليم الثانوي أحسن وأنفع من فرصة إنشاء الجامعة الأميرية؟ فالوزير يعلم أن الجامعة بناء ضخم قوي، يحتاج إلى أساس متين، وليس له من أساس إلا التعليم الثانوي. فإذا لم يكُن هذا التعليم الثانوي من القوة والمتانة بحيث يُعَدُّ عقل الشاب إعدادًا صحيحًا للدرس النظري العالي، فلا قيمةَ لهذا التعليم الثانوي في نفسه من جهة، ولا قيمة تُبنى عليه من الدرس النظري العالي من جهة أخرى. وأحسَب أني غير محتاج إلى أن أقيم الدليل على أن الصلة قوية بين المدرسة الثانوية وبين الجامعة؛ فإن هذه الصلة ملموسة، وحسبُك أن الغرض الأول من إنشاء المدرسة الثانوية إنما هو إعداد الطالب، يخرج من المدرسة الثانوية ليدخل الجامعة. بل حسبك أن بعض بلاد أوروبا جعلها أشد البلاد خبرة بالتعليم وتفوُّقًا فيه، وتجعل المدرسة الثانوية جزءًا متصلًا من بالجامعة لا معهدًا منفصلًا عنها، بحيث تكون الإدارة المشرفة على التعليم العالي الملمة بطبيعته وحاجاته هي نفسها المشرفة على التعليم الثانوي؛ لتلائم بين هذين النوعين من التعليم، ولتعدَّ العقل إعدادًا صالحًا منتجًا للاستفادة من دروس التعليم العالي. والتعليم الثانوي في فرنسا ليس مستقلًّا عن الجامعة، وإنما هو جزءٌ منها. وإذا أطلق لفظ الجامعة في فرنسا فُهم منه التعليم العالي والتعليم الثانوي. وليست جامعة باريس مقصورة على أقسام الآداب والعلوم والطب والحقوق، وإنما هي تتناول إلى هذه الأقسام وما يتصل بها من فروع التخصُّص في هذه العلوم العالية جميع المدارس الثانوية المنبثَّة في محافظة «السين»، وقُل مثل ذلك في جامعات «بوردو» و«ليون» و«ديجون» وغيرها من جامعات فرنسا.

    والتعليم الثانوي إذن أساس التعليم العالي، والمدرسة الثانوية أساس الجامعة. فإذا أَرَدْنَا أن يكون التعليم العالي منتجًا، وأن تكون لنا جامعة حقًّا تلائم حاجاتنا وآمالنا وكرامتنا؛ فأول ما يجِب علينا أن نفكر فيه إنما هو إصلاح التعليم الثانوي؛ بحيث يصبح أساسًا للتعليم العالي الصحيح. وليس معنى هذا أن نمانع في إنشاء الجامعة أو ننتظر بإنشاء الجامعة إصلاحَ التعليم الثانوي؛ فإن لدينا مدارسنا العالية، ونحن في حاجة إلى هذه المدارس، ولن نستطيع وقفها أعوامًا حتى يتم إصلاح التعليم الثانوي، بل نحن نعتقد أن الخير كل الخير إنما هو في إنشاء هذه الجامعة، ولو لم يكن لإنشائها نتيجة الآن إلا توحيد إدارة التعليم العالي وضمان الاستقلال لهذا التعليم، لكان ذلك شيئًا خليقًا بالرغبة فيه والحرص على الوصول إليه. لا نمانع إذن في إنشاء الجامعة، ولا نطالب بتأخيره، وإنما نسجِّل منذ الآن أن نتيجة التعليم في الجامعة ستظل كنتيجة التعليم في المدارس العالية غير مُرضِيَة ولا مقنعة ولا ملائمة لحاجات البلاد وكرامتها إذا لم يصلح التعليم الثانوي ليقوم التعليم العالي منه على أساس متين. وقد شعرت بذلك اللجنةُ التي أُلِّفت منذ أعوام لتضع مشروع الجامعة الأميرية، ففصَّلت وجوهًا من نقص التعليم الثانوي، واقترحت طريقة لتكميل هذا النقص، وهي إنشاء قسم للتعليم المتوسط بين التعليم الثانوي والتعليم العالي يكون الغرض منه إصلاح نقص التعليم الثانوي، واستدراك ما فات الطالب في المدرسة الثانوية، حتى إذا وصل إلى التعليم العالي كان قد وصل إليه مستعدًّا استعدادًا حسنًا. ويظهر أن وزارة المعارف قبِلت هذه الفكرة واقتنعت بها، بل يظهر أنها أخذت في تنفيذها عصرًا ما، وأنها تريد أن تنفِّذها إذا أُنشئت الجامعة الأميرية في هذه الأيام كما يُقال. وليست وزارة المعارف هي التي انفردت بهذه الفكرة؛ فقد شعرت الجامعة المصرية أيضًا بنقص التعليم الثانوي، وشكا أساتذتها ضَعفَ الطلاب الذين يتقدمون لاستماع الدروس العالية في الأدب والفلسفة والتاريخ، واقترحوا على مجلس إدارة الجامعة إنشاء قسم تحضيري لقسم الآداب. فالفكرة في نفسها مقبولة، ولكن على شرط أن تكون مؤقتة حتى يتم إصلاح التعليم الثانوي. فإذا اتُّخذت هذه الفكرة على أنها فكرة صالحة، وأُقيمت في التعليم المصري هذه القاعدة — قاعدة إنشاء التعليم المتوسط بين الجامعة والمدرسة الثانوية — فذلك شر من غير شك، شرٌّ لأن التعليم المتوسط لا قيمة له في نفسه؛ فهو ليس بالتعليم الثانوي ولا بالتعليم العالي، وشرٌّ لأنه سينتج نتائج رديئة، فسيقنع بعض طلاب المدارس الثانوية بشهادة الدراسة الثانوية وينصرفون إلى الأعمال، وإذن فسيكون هؤلاء الطلبة الذين يحملون الشهادة الثانوية ويقنعون بها بعيدين كل البُعد عن تحصيل ما لا بدَّ من تحصيله لمن يريد أن يتعلم تعليمًا ثانويًّا صحيحًا. ثم سيمضي آخرون إلى التعليم المتوسط حتى إذا نالوا إجازته انصرفوا عن التعليم العالي وقنَعوا بهذه الإجازة. وتنشأ حينئذٍ طبقة من الشباب لا عهد لنا بها، ليست طبقة الذين يحملون الشهادة الثانوية وليست طبقة الذين يحملون الشهادة العالية، وإنما هي طبقة بين بين. ونتيجة هذا كله إكثار عدد هؤلاء الذين نستطيع أن نسمِّيهم أنصاف المتعلمين. فسيُخرج لنا التعليم الابتدائي فريقًا والتعليم الثانوي فريقًا والتعليم المتوسط فريقًا، وكل هذه الطوائف تتفاوت في قوة العقل وحسن الإدراك بمقدار تفاوُتها فيما حصَّلت من العلم في مدارسها المختلفة. وخطر هذا على حياتنا الاجتماعية عظيم.

    إذن فمصلحة التعليم العالي في نفسه تقتضي إصلاح التعليم الثانوي، ومصلحتنا الاجتماعية تقتضي إصلاح هذا التعليم الثانوي أيضًا. وليس من شَكٍّ في أن وزارة المعارف تحسن الإحسان كله إذا اتَّخذت هذه القاعدة إمامًا، وهي أن تكون كل درجة من درجات التعليم صالحة من وجهين، تكفي وسيلة للدرجة التي تليها من جهة، ويستطيع صاحبها أن يكتفي بها من جهة أخرى. وظاهرٌ أن تعليمنا الثانوي يفقد هاتين الخَصلتين؛ فهو لا يكفي وسيلة للتعليم العالي والحكومة نفسها معترفة بذلك، وهو لا يغني من أراد أن يكتفي به. وحياة أصحاب الشهادة الثانوية في دواوين الحكومة تشهد بذلك، ومنزلتُهم في الحياة العامة تشهد بذلك أيضًا، والمقارنة بين ما يدرسون وما يدرس إخوانهم في أوروبا من جهة الكَمِّ ومن جهة الكيف — كما يقول المنطقيون — تشهد بذلك، ولا تترك سبيلًا للشك فيه. وإذن فلا بدَّ من إصلاح التعليم الثانوي، من الشروع في هذا الإصلاح الآن لا غدًا ولا بعد غدٍ، بحيث لا تمضي أعوام قليلة حتى يكون الإصلاح قد تم، وحتى تجِد الجامعة من حمَلة الشهادة الثانوية طلابًا أَكْفَاءً؛ فتنصرف عن التعليم المتوسط إلى التعليم العالي الخالص.

    ولكن ما طريقة هذا الإصلاح؟ هنا أعترف بأني لا أستطيع وحدي أن أدلَّ على هذه الطريقة، بل أرجو أن يشاركني وزير المعارف وأعوانه في الاعتراف بأننا لا نستطيع وحدنا أن نجِد هذه الطريقة أو ندلَّ عليها، ولا بدَّ لنا من الاستعانة بالفنيين من أهل أوروبا. والآن نرجع إلى ما طلبناه في الصيف الماضي إلى معالي وزير المعارف، وهو الاستعانة بالمستشارين الفنيين من أهل أوروبا في أمور التعليم على اختلاف درجاته. فليس بغض ما أن نعترف بما فينا من نقص إذا عملنا على إكماله، وليس معنى الاستقلال أو الرغبة في الاستقلال أن نزعم لأنفسنا العصمة ونكتفي بما عندنا حتى تقوم الأدلة الواضحة على أن ما عندنا لا يكفي. لا بدَّ إذن من استشارة الفنيين. ولو أن لي أن أقترح على وزير المعارف لطلبت إليه أن يفكر في نظم التعليم الثانوي في فرنسا وإنجلترا وألمانيا وأمريكا، وأن يقارن بينها وبين حاجاتنا، وأن يختار من هذه النظم أشدَّها ملاءمة لهذه الحاجات. فإذا تم له الاختيار ندب فنيًّا أو فنيين من الذين أتقنوا هذا النظام ليدرسوا مع الفنيين من وزارة المعارف نظام التعليم الثانوي في مصر، ويقترحوا ما يرون من وجوه الإصلاح لهذا التعليم.

    أرى أن هذا النحو وحده هو الذي يكفُل إصلاح التعليم الثانوي وإقامة بناء الجامعة على أساس متين. أرى هذا وأدعو إليه، وأعتقد أن الوزير يُحسِن الإحسان كله إذا بدأ في العمل من فوره بحيث لا تمضي أسابيع حتى يكون في مصر ذلك الفني أو أولئك الفنيون، وحتى يُتاح البَدء في تنفيذ النظام الجديد للتعليم الثانوي منذ السنة المقبلة. ولست أريد أن أختم هذا الفصل دون أن أقدِّمَ إلى وزير المعارف أصدق التهنئة بهذا الفوز الذي انتهى إليه؛ فقد وُفِّق إلى ما كان يريد من ضم المدارس العليا كلها إلى وزارته، وقد بيَّنَّا نفع هذا وضرورته في غير هذا الفصل.

  • في وزارة المعارف تنظيم التعليم العالي | At the Ministry of Education: Organizing Higher Education

    في وزارة المعارف: تنظيم التعليم العالي

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ٢١ نوفمبر ١٩٢٣

    يُقال إن وزير المعارف يلقي ممانعة شديدة فيما يحاول من ضم المدارس العليا كلها إلى وزارته؛ فقد أنكرت ذلك وزارة الزراعة، وسعت في أن تحتفظ بمدرسة الزراعة العليا وبمدرستين متوسطتين للزراعة، ويُقال إن رئيس الوزراء يرى في ذلك رأي وزير الزراعة ويعينه، أو يستعد ليعينه عليه، ثم يُقال إن أساتذة مدرسة الحقوق كلهم أو بعضهم يكرهون أن تضم مدرسة الحقوق إلى وزارة المعارف، ويرون في هذا خطرًا على هذه المدرسة.

    وقد تحدثت أنا إلى أستاذين من أساتذة المدرسة، فأظهرا شيئًا من الإشفاق غير قليل، وقال أحدهما: إنه إذا فكَّر رأى أن وزير المعارف محق، فإذا سأل إحساسه وشعوره وجد شيئًا من النفور شديدًا يُبغِّض إليه الانضمام إلى وزارة المعارف، فهو إذن يمانع استجابة لشعوره، ويؤيد إذعانًا لعقله. وربما لم أفهم أحدًا من الناس كما أفهم هذا الأستاذ، فأنا أقف نفس الموقف الذي يقفه؛ أسأل العقل فيجيبني بأن وزارة التعليم يجب أن تشرف على التعليم مهما تختلف فروعه ومعاهده ودرجاته، ثم أسأل الماضي فيجيبني بأن وزارة المعارف كانت بغيضة إلى العلم والمعلمين والمتعلمين؛ لأنها كانت ثقيلة الظل على هؤلاء جميعًا، ولأنها كانت تُحكِّم في أمور العلم والمعلمين والمتعلمين قومًا هم أقل الناس درايةً بهذه الأمور، ولأنها كانت تذهب بالتعليم مذاهب ليس من شأنها إحياؤه أو تقويته أو ترقيته، وإنما كان من شأنها إفساده حتى يصبح سبيلًا إلى إفساد العقول والملكات، وإلى إخراج طائفة من الشبَّان يجهلون كل شيء، ويعتقدون أنهم يعلمون كل شيء.

    ذلك إلى أن أمر وزارة المعارف كان في أيدي قوم من الإنكليز، وأولئك الإنكليز غلاظٌ شدادٌ مستكبرون، لا يقدِّرون للعلم حرمة، ولا يرعون للعلماء كرامة، فكانوا يعبثون ببرامج التعليم ومناهجه، وبأساتذة المدارس على اختلافهم كما يعبث أحدهم بالسبحة في يده، لا يفكر في عبثه، ولا يلتمس له علةً أو وجهًا.

    كانت هذه حال وزارة المعارف، فكرهها العلماء ومقتها المتعلمون، فمن المعقول أن يشفق صاحبي الأستاذ في مدرسة الحقوق من أن يعود إلى نظام كهذا النظام، أو إلى عِشْرة قوم كهؤلاء القوم. ولو أن وزير المعارف يريد أن يجمع إليه طائفة من المدارس ليردها إلى هذا العهد القديم؛ لكنت أشد الناس خصومةً له، وإنكارًا عليه، ولكن الرجل يفكر في إصلاح، ومن المعقول أن تفهم معه هذا الإصلاح الذي يكفر فيه، فإن يكن حسنًا أعنَّاه عليه، وإن يكن سيئًا دللناه على موضع السوء فيه.

    وهناك مسألة يجب أن تُحل قبل كل شيء؛ وهي أي الوزارات أحق بالإشراف على التعليم، وأقدر على هذا الإشراف وأنفع يوم تصل إلى هذا الإشراف: أهي وزارة التعليم، أم وزارة الداخلية، أم وزارة الأوقاف، أم غيرها من الوزارات؟ وبعبارة أخرى: أي الوزارات أحق بالإشراف على حماية الأمن والنظام؛ أهي وزارة الداخلية أم وزارة المعارف؟ وبعبارة أخرى: أي الوزارات أحق أحق بالإشراف على توزيع الصدقات وإعانة البائسين: أهي وزارة الأوقاف، أم وزارة الأشغال، أم وزارة المواصلات؟

    كل هذه المسائل تشتمل على أجوبتها، فلكل وزارة من وزارات الحكومة عمل موقوف عليها، يفسد أو يتعرض للفساد إذا تدخلت فيه وزارة أخرى. ومن المعقول أن يكون التعليم موقوفًا على وزارة التعليم، غير أن التعليم ينقسم أقسامًا مختلفة، ومن هذه الأقسام ما يتصل بوزارات غير وزارة المعارف؛ فمدرسة الحقوق مثلًا تخرِّج قومًا يعملون في وزارة الحقانية، أو تشرف على أعمالهم وزارة الحقانية، ومدرسة القضاء الشرعي كذلك، ومدرسة الزراعة تخرِّج قومًا يتصلون بوزارة الزراعة، ومدرسة الطب تخرج قومًا يتصلون بمصلحة الصحة؛ أي بوزارة الداخلية، ومدرسة الهندسة تخرج قومًا يتصلون بوزارة الأشغال.

    وإذن فهناك وزارات تُنازع وزارة المعارف اختصاصها في الإشراف على هذه المدارس، ويخيل إلينا أن هذه الوزارات تسأل نفسها أي الأمرين خير: أن أستورد عمَّالي من وزارة المعارف، أم أن أكوِّن هؤلاء العمال بنفسي؟ هذه هي المسألة التي تلقيها الوزارات المختلفة على نفسها بالقياس إلى وزارة المعارف.

    ويظهر أن بعض هذه الوزارات آثرت أن تكوِّن عمَّالها وتستغني عن معونة وزارة المعارف، فاستأثرت وزارة الحقانية بمدرسة الحقوق ومدرسة القضاء الشرعي، واستأثرت وزارة الزراعة بمدرسة الزراعة. ولسنا ندري لِمَ لم تستأثر وزارة الداخلية بمدرسة الطب، ووزارة الأشغال بمدرسة الهندسة؛ حتى لا يبقى لوزارة المعارف من المدارس العليا إلَّا المدرسة الوحيدة التي لا تشاركها فيها وزارة أخرى، وهي مدرسة المعلمين. لو تم لكان نتيجة طبيعية لهذه القاعدة التي تسير عليها الوزارات في فهم التعليم وتصوُّره والانتفاع به.

    فهذه الوزارات تنظر إلى المدارس كما ينظر الفرد إلى منجم يستغله أو أرض يستثمرها، فهو يفكر في نفسه ومنفعته لا في المنجم ومعدنه، ولا في الأرض وثمراتها، مع أن الأمر على غير ذلك من كل وجه فيما يتعلق بالتعليم؛ فليست مدرسة الحقوق معهدًا قُصِد به تغذية وزارة الحقانية، وليست مدرسة الزراعة معهدًا قُصِد به تغذية وزارة الزراعة، وليست مدرسة الطب معهدًا قُصِد به تغذية مصلحة الصحة، وإنما هي كلها مدارس أُنشئت للعلم قبل أن تنشأ للوزارات، أو قل إنه يجب أن تنشأ للعلم قبل أن تُنشأ للوزارات. أرأيت الفرق بين التصور الجديد الذي يدعو إليه زكي باشا أبو السعود حين يريد توحيد إدارة التعليم العام، والتصور القديم الذي تستمسك به وزارة الزراعة حين تريد أن تحتفظ بمدرسة الزراعة؟

    يريد وزير المعارف أن تكون المدارس العليا معاهد للعلم لا معامل لصنع الموظفين كما كان يريد الإنجليز أيام الاحتلال. هذه المسألة بسطتها من غير تكلف ولا تلكؤ. ولعلي كنت عنيفًا في هذا البسط، ولست أدري أيشاركني وزير المعارف إذا كان يقدر موقفه وواجبه حقًّا، ويشعر بالفرق بين عصر الاستقلال وعصر الخضوع للأجنبي؛ فإن الواجب الوطني يكلفه أن يجعل توحيد إدارة التعليم العالي من المسائل الأساسية لحياته الوزارية، ذلك أننا نرى أن ضم هذه المدارس العليا إلى غير وزارة المعارف إساءة شديدة إلى العلم؛ لأن هذه الوزارات الأخرى لن تحفل، ولا ينبغي أن تحفل، بغير ما أُنشئت له من الأعمال. وإذن فهذه المدارس لن تكون، ولا ينبغي أن تكون، تحت سلطانها إلَّا مدارس فنية عملية، لا مدارس علمية، أي إن الطالب في مدرسة الحقوق سيتعلم كيف يكون قاضيًا أو كاتبًا أو عضوًا في النيابة، لا كيف يكون فقيهًا بعلوم القانون من وجهتها النظرية الخالصة.

    هناك اعتراض يخيِّل إلى أصحابه أنه قوي، وهو أن هذه المدارس محتاجة إلى معونة الفنيين، وهؤلاء الفنيون إنما يوجدون في هذه الوزارات لا في وزارة المعارف. وكل هذا صحيح، ولكني لا أعلم أن يأجوج ومأجوج قد أقامت بين وزارة المعارف وغيرها من الوزارات سدودًا محكمة منيعة تقطع الصلة بينها، وتحظر على إحداها أن تستعين بالأخرى. فما الذي يمنع وزارة المعارف أن تستعين بالحقانية في أمر الحقوق، وبوزارة الزراعة في أمر مدرسة الزراعة، وبمصلحة الصحة في أمر مدرسة الطب، وبالأشغال في أمر الهندسة؟

    بل نحن نعلم أن وزير المعارف يريد — بعد أن يوفَّق إلى ما يحاول — أن يضم إلى مكتبه الفني رجالًا من هاتين الوزارتين، ونعلم أن المجلس الأعلى للمعارف لا بدَّ من أن يتغير نظامه اليوم أو غدًا ليصبح ملائمًا حقًّا لحاجات التعليم، ثم نعلم أن وزير المعارف يريد أن ينشئ إدارة للتعليم العالي، لن تتألف إلَّا من الفنيين، ثم نعلم أن الجامعة الأميرية ستنشأ فتستقل بأمورها التعليمية، بحيث تكون الصلة بينها وبين وزارة المعارف صلة إدارية خالصة، ثم نعلم — فوق هذا كله — أن مدارسنا العليا مستقلة منذ الآن استقلالًا داخليًّا يوشك أن يكون تامًّا. فماذا تخاف وزارة الزراعة؟ وممَّ يشفق أساتذة الحقوق؟

    وزير المعارف منصفٌ محقٌّ، والمنفعة العلمية والواجب الوطني يُحتِّمان على كل مصري أن يؤيده فيما يحاول حتى يبلغ التوفيق، وإذا كان لنا أن نرجو من رئيس الوزراء شيئًا في هذا الأمر؛ فإنَّا نتوسل إليه أن يؤيد وزير المعارف، أو أن يلزم الحياد.

  • في وزارة المعارف عند الوزير | At the Ministry of Education: With the Minister

    في وزارة المعارف: عند الوزير

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ٥ نوفمبر ١٩٢٣

    لم يكن من المعقول أن أبطئ عن السعي إلى وزير المعارف بعد أن استحدث في وزارته هذه الحركة النافعة التي طالما دعوت إليها وألححت فيها، والتي كنت أدعو إليها وأُلِحُّ فيها دون أن يكون لي في تحقيقها أملٌ عظيم؛ لأني كنت أعلم أن وزارة المعارف أشد الوزارات جمودًا وأقلها ميلًا إلى التطور؛ ولذلك قلت في أول كلمة كتبتُها عن هذه الوزارة إني لا أرجو من هذه الحملة خيرًا عاجلًا، وإنما أعتمد الاعتماد كله على البرلمان، وأكتب ما أكتب تمهيدًا للبرلمان وإعدادًا للرأي العام قبل أن يتناول البرلمان مَسَائِلَ التعليم. كنت أدعو إذن إلى الإصلاح في وزارة المعارف يائسًا من هذا الإصلاح، وجاءت أعمال الوزارة مؤيدة لهذا اليأس. فقد كان يكفي أن تُدعى الوزارة إلى الخير لتعدل إلى الشر أو لتضع أصابعها في آذانها فلا تسمع. وكان إعراض الوزارة عما تُدعَى إليه من الخير لا يزيدنا إلَّا قوة وإلحاحًا في الدعوة، إلى أن جاء وزير المعارف القائم الآن. فكأن في يده عصًا سحرية مسَّ بها هذه الوزارة، فإذا الأمر فيها قد تغير، وإذا الحال فيها قد استحالت، وإذا اليأس منها قد تحوَّل إلى أمل قوي مبتسم. لم يكَد هذا الوزير يصل إلى وزارته حتى انفكت عنها الأغلال، وفتحت أبوابها ونوافذها على مصاريعها؛ فإذا الهواء فيها طلق، وإذا الناس يستطيعون أن يتنفَّسوا دون أن يخشَوْا الاختناق إذا المكتب الفني قد أُنشئ، وإذا مدرسة اللغات القديمة قد أُجِّلت إلى أن يُستشار الفنيون، وإذا الكفايات المضمومة قد أُنصفت، وإذا لجنة التعليم الأولي قد أُضيفت إليها العناصر النافعة القيمة، وإذا المدارس العليا قد ظفرت باستقلالها العلمي، وإذا المدارس العليا التي لا تتبع وزارة المعارف يُراد أن تضم إلى وزارة المعارف، وإذا الأقسام الليلية في المدارس العليا قد أُنشئت وإذا مدرسة المعلمين الثانوية قد أُنشئت أيضًا. كثيرٌ جدًّا كل هذا الإصلاح يقع في أقل من ثلاثة أشهر، ويقع في غير ضوضاء ولا جلبة، وفي غير إعلان ولا خداع للجمهور. أحسن وزير المعارف إلى وزارته، فلم نبخل عليه بالمدح والثناء، كما أننا لم نبخل على غيره بالنقد واللوم. وكنت أشعر بأني مدين لهذا الرجل بعد أن يعود من الإسكندرية، بأن أسعى إليه فأهنئه وأشكر له إقدامه وحرصه على الخير. وقد سعيت إليه صباح اليوم، ولست أريد أن أصِف لطف مقابلته وحُسن حديثه كما يفعل الصحفيون حين يتحدثون إلى الوزراء وأصحاب المكانات، فلم أذهب إلى وزير المعارف صحفيًّا، وإنما ذهبت إليه كما يذهب إليه أستاذ لزيارة وزير التعليم، ولقيني كما يلقى وزير التعليم أحد الأساتذة.

    لم يدع لي من الوقت ما يمكنني من أن أهنئه أو أشكر له حسن سعيه، فهو يعتقد أنه لم يعمَل بعدُ إلَّا قليلًا، وأنه مهما يعمل فلن يتجاوز الواجب، وإذن فلا حاجة إلى تهنئة ولا حاجة إلى شكر.

    ولِمَ ننفق الوقت في التهنئة والشكر، ونحن نستطيع أن نتحدث في غيرهما ممَّا هو أنفع وأجدى؟ نعم لم أكَد أستقر عند وزير المعارف حتى قال: سأفتح لك الحديث، وسأفتتحه بالمسألة التي تعنيني الآن بنوع خاص، وأظنها تعنيك بنوع خاص أيضًا، وهي مسألة الجامعة. فأنت تعلم أن وزارتنا تسعى في أن تضم إليها المدارس العليا التي تتبع وزارة الحقَّانية ووزارة الزراعة، وقد صرَّح المجلس الأعلى في جلسته الأخيرة بأنه إنما يسعى في هذا الضم توطِئةً لإنشاء الجامعة الأميرية التي تحتاج إليها البلاد حاجة شديدة جدًّا، وكلفني أن أعمل لإنشاء هذه الجامعة. وأنا بحكم النظام مضطر إلى تنفيذ قرار المجلس الأعلى. فليست الجامعة الأميرية أملًا ولا خيالًا، وإنما هي فكرة نبدأ في تحقيقها، وأنا أريد أن أشارك رجال الفن في كل ما يمس الفن. وليس إنشاء الجامعة شيئًا قليل الخطر، فلا بدَّ من أن أستعين فيه بالفنيين. وأين أجِد الفنيين القادرين على فَهم هذا الموضوع والمشورة فيه إلَّا في الجامعة المصرية. ففيها أساتذة خبروا الجامعات وعرَفوا نظامها وتعلَّموا فيها وأقبلوا يعلِّمون على نحو ما يعلم أساتذة الجامعات. فليس لي بدٌّ من أن أستشيرهم، وليس لي بدٌّ من أن أستعين بهم.

    وقد تحدثت في هذا الموضوع إلى زميلك الأستاذ الدكتور ضيف، وأنا سعيد بأن أتحدث فيه إليك الآن. ثم لم يدع لي وزير المعارف من الوقت ما يُمكِّنني من أن أشكر له حسن ظنِّه بالجامعة وأساتذتها، بل أسرع فسألني: أتظن أن من العسير أن نتخذ الجامعة المصرية كما هي الآن نواة للجامعة الأميرية؟ فأنت تعلم أن هذه مشكلة تحتاج إلى حل، فنحن مضطرون إلى إنشاء الجامعة الأميرية، وإذا لم نتعاون مع الجامعة المصرية فسيكون تنافس طبقي بين الجامعتين.

    وأحسب أن جامعة الحكومة أقدر على المنافسة من الجامعة المصرية، وعزيز علينا أن يتعرض عمل وطني كالجامعة المصرية لخطر هذه المنافسة. فهل تظُنُّ أن هناك ما يمنع من التعاون بين الجامعة والوزارة حتى يصبح قسم الآداب القائم في الجامعة المصرية الآن نواةً للجامعة الأميرية التي نريد إنشاءها؟

    – لا أظن أن هناك ما يمنع من هذا. فأعضاء إدارة الجامعة وأساتذتها لا يريدون إلَّا نشر العلم وتأييده، وهم يطلبون المعونة من كل قادرٍ عليها، فإذا تقدمت إليهم وزارة المعارف بهذه المعونة فضمنت لتعليمهم العالي أن يُنشر وينتج، فلن يتقدموا إلى وزارة المعارف إلَّا بالشكر والثناء.

    – وعلى أي نحو تظن أن من الممكن هذا التعاون؟

    – على نحو سهل، وهو أن تحتفظ الجامعة باستقلالها العلمي كما تحتفظ به المدارس العليا في عهدكم، وأن يكون لها مجلس إدارة تشترك فيها وزارة المعارف، وأن تعترف الوزارة بشهادة الجامعة، أو على أن تصبح شهادة الجامعة شهادة من الوزارة.

    قال الوزير: إذا كان الأمر كذلك فأنا أعتقد أن تحقيقه ميسور، وسأمضي في الاستشارة حتى إذا فرغت منها عمدت إلى العمل.

    ثم سألت الوزير كيف يتصور الجامعة الأميرية؟ وإنما ألقيت عليه هذا السؤال لأني كنت أعلم أن وزارة المعارف كانت تتصور الجامعة الأميرية تصوُّرًا عقيمًا، فنرى أنها تستطيع أن تتكونها بجمع المدارس العالية من حيث مدارس عالية. فلما أجابني الوزير لم يزِدْني جوابه إلا اطمئنانًا وإعجابًا، فهو يتصور الجامعة كما يتصورها الناس في البلاد الحرة الراقية التي تفهم التعليم حقًّا. يتصوَّرها مؤلَّفة من أقسام أربعة: قسم الآداب، وقسم العلوم، وقسم الطب، وقسم الحقوق. وهو يعتزم أن ينشئ قسمي الآداب والعلوم، ولا يفكر في أن يضم مدرسة المعلمين إلى الجامعة؛ لأن مدرسة المعلمين بطبيعتها كمدرسة الهندسة ومدرسة الزراعة، مدارس خاصة يُقصد بها إلى الحياة العملية أكثر ممَّا يُقصد بها إلى العلم النظري الخالص. ثم انتقلت من موضوع الجامعة إلى موضوع آخر هو موضوع مجلس المعارف الأعلى. لم أكَد أذكر له مجلس المعارف الأعلى حتى قال: أنا أعرف رأيك فيه، وقد أخالفك بعض المخالفة، فأنت تريد أن يكون عدد الأعضاء في هذا المجلس أربعين، ولست أدري لِمَ تستمسك بهذا العدد!

    قلت: إني لا أستمسك بعدد معين، وإنما أستمسك بنظرية أعتقد أنها صحيحة، وهي أن يكون هذا المجلس ممثَّلًا تمثيلًا صحيحًا لطبقات التعليم على اختلافها من جهة، ولرجال الفن المشتغلين بالتعليم من جهة أخرى. فإذا تحققت هذه النظرية فسواء عليَّ أبلغ عدد المجلس خمسين أم ثلاثين.

    قال الوزير: إذن فنحن متفقون، فليس من شك في أن مجلس المعارف الأعلى على صورته الحاضرة قد أدَّى للتعليم خدمات عظيمة جدًّا منذ أُلِّف إلى الآن، ولكن الحياة المصرية قد تغيرت، ولم يبقَ بدٌّ من أن يكون هذا المجلس ملائمًا للحياة الجديدة والحاجات العلمية الجديدة، بحيث يمثل التعليم وفروعه أكثر مما يمثل فروع الحكومة ومصالحها. ولست أتردد في أن أعلن إليك أني سأجتهد في أن يكون مجلس المعارف الأعلى كما نحب جميعًا صورة صحيحة لفروع التعليم على اختلافها.

    ثم انتقلت من هذا الموضوع إلى موضوع آخر طالما ألححتُ فيه، وهو إنشاء إدارة في وزارة المعارف للفنون، تجمع إليها المتحف المصري ودار الآثار العربية ومدارس الفنون على اختلافها والأوبرا الملكية، وتشرف على الموسيقى والتمثيل وغيرهما من الفنون الجميلة. فإذا الوزير يرى هذا الرأي ويعمل له، ويرى أن هذا الرأي لا بدَّ من تحقيقه؛ لأن الشعور بالحاجة إليه قوي ظاهر، وهو قد أحس قوة هذا الشعور غير مرة، ولكنه لم يتجاوز التمهيد لهذا الأمر. فقد أوفدت وزارة المعارف أستاذًا يدرس حال الفنون الجميلة في أوروبا، وعاد هذا الأستاذ وسيرفع تقريره إلى الوزير، فإذا قرأ الوزير هذا التقرير واستشار أهل العلم في هذا الموضوع، فسيبدأ في تحقيقه دون بطء.

    قلت: وهل تسمح بأن أذيع عنك كل ما تحدثت به إليَّ؟ أجاب الوزير: وكيف لا أسمح به وقد تحدثت به إليك؟ وأنا أعتقد أن قد انقضى في وزارة المعارف عصر التكتُّم والتحفُّظ، فإن أعمالنا كلهم تهم الجمهور وتعنيه. وما دام البرلمان لم ينعقد بعدُ فنحن مكلَّفون أن نُظهِر الجمهورَ على ما نعمل وعلى ما نريد أن نعمل، لنشعر بإرشاده ومراقبته. والصحف هي الواسطة الوحيدة بيننا وبين الجمهور، فلك إذن أن تذيع هذا الحديث، وأن تتناوله بما شئت من نقد. وللناس جميعًا أن يتناولونا بما يشاءون من النقد، وأن يقدموا إلينا ما يشاءون من النصيحة والاقتراح، فسنقدِّر هذا كله حق قدره.

    أعترف بأني لم أحسن شكر الوزير على هذا التصريح الأخير؛ لأني اعتقدت — وما زلت أعتقد — أن نشر هذا التصريح هو أحسن شكر لقائله.

  • سياسة التعليم لذلك الأستاذ الناقد ١ | Educational Policy, for That Critic (I)

    سياسة التعليم: لذلك الأستاذ الناقد (١)

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ٢ سبتمبر ١٩٢٣

    وهل للتعليم عندنا سياسة؟ ذلك شيء كنَّا نرجوه وكنا نعتقد أننا غير مخطئين في هذا الرجاء، حين كانت وزارة المعارف في مثل هذه الأيام من السنة الماضية، تسلك سبيلًا معينة واضحة تدل على أن المشرفين على الأمر فيها يفهمون التعليم، ويقدِّرون حاجة البلد إلى إصلاحه، ويحاولون أن يحققوا من هذا الإصلاح ما يستطيعون. حين كان زكي باشا أبو السعود ينشئ المكتب الفني، ويعد لإنشاء مدرسة الآثار، ويمهِّد لإنشاء الجامعة الأميرية، ويفكر في طائفة أخرى من مشروعات الإصلاح في وزارة المعارف.

    في مثل هذه الأيام من السنة الماضية كنَّا نظن أن لمصر سياسة تعليمية أو أن مصر ستنتهي إلى أن تكون لها سياسة تعليمية. وكنا نعتقد ونكرر أن البرلمان المصري الذي لم يكن قد نشأ بعدُ سيُعين على تكوين هذه السياسة التعليمية، وسيطبعها بالطابع القومي متى انعقد، ونذكر أن موظفًا من الذين كان لهم سلطان عظيم على هذه الوزارة في وقت من الأوقات عاتبنا ذات يوم؛ لأننا قلنا وألححنا في القول إن البرلمان سيهدم هذا البناء العتيق الذي قام عليه التعليم في وزارة المعارف.

    نعم، كنَّا نرجو رجاءً قويًّا أن تظهر لنا شخصية في التعليم، وأن ننتهي إلى سياسة تعليمية تلائم حاجاتنا وآمالنا. ولكن الله أراد أن يكذِّب ظننا في هذا الأمر، كما أراد أن يكذِّب ظننا في أمور أخرى، فلم تظفر مصر بسياسة تعليمية، ولم يظهر للبرلمان المصري أثرٌ في التعليم، ولم يكن لهذه الحياة الدستورية ولهذه الوزارة الدستورية القائمة من التأثير في وزارة المعارف إلا ما شهدنا وما نشهد من محو آثار زكي باشا أبو السعود، والعودة بأمور التعليم إلى ما كانت عليه من الفساد والاضطراب أيام الإنجليز.

    نخطئ الخطأ كله إذا قلنا إن مصر لم تكن لها سياسة تعليمية في وقت من الأوقات، فالحق أن قد كانت لمصر في التعليم سياستان مختلفتان اختلافًا شديدًا: إحداهما سياسة قومية في أغراضها ووسائلها، وهي سياسة الأمراء المصريين الذين سبقوا الاحتلال، والأخرى سياسة أجنبية سيئة الأثر في حياتنا القومية، لا ترمي إلا إلى نشر الجهل من جهة وإلى إفساد العقول المتعلمة من جهة أخرى، وهي السياسة الإنجليزية التي أقامها «دنلوب» معتزًّا بسلطان اللورد كرومر. فلم يكن بدٌّ من أن تكون النتيجة الأولى للاستقلال محو هذه السياسة الإنجليزية في وزارة المعارف، والرجوع إلى السياسة القومية القديمة التي كانت تعتمد على محاربة الأمية من جهة، وعلى إيجاد طبقة من المتعلمين الذين أخذوا بحظٍّ موفور من التعليم العالي ليشرفوا على الأمور العامة من جهة أخرى، والتي كانت لولا الاحتلال منتهية من غير شك إلى إزالة الأمية وإلى إيجاد التعليم الصحيح في مصر، وإلى جعل أمور المصريين العامة بين أيدي المصريين. لم يكن بدٌّ من أن تكون النتيجة الأولى للاستقلال الرجوع إلى سياسة محمد علي وإسماعيل في أمر التعليم.

    ومهما يجادل أنصار الوزارة القائمة، ومهما يقل أنصار الكثرة البرلمانية الحاكمة، فلن يستطيعوا أن ينكروا أن هذه النتيجة التي كنَّا نتمناها قد بدأت تتحقق شيئًا فشيئًا بعد إعلان الاستقلال. فقد استأنفت وزارة ثروت باشا التفكير في الرجوع إلى تلك السياسة، بل رجعت إليها بالفعل وأخذت في تنفيذها، فكثرت البعثات العلمية إلى أوروبا وأمريكا في عهد هذه الوزارة. ثم تبعتها في هذا وزارة يحيى باشا إبراهيم، وأرسلت مصر إلى أوروبا من الطلاب الذين تعلِّمهم الحكومة عددًا غير قليل يتخصَّص في ضروب مختلفة من العلم والفن. وظهر من هذا الفرق بين السياسة التعليمية لبلد مستقل والسياسة التعليمية لبلد يحكمه الأجنبي.

    ثم نظن — ونعتقد أن أنصار الوزارة لا يستطيعون أن ينكروا هذا — نظن أن وزارة ثروت كانت قد استعدَّت استعدادًا جديًّا لإنشاء طائفة أو قل لإنشاء مئات من المدارس الأولية، الغرض منها محاربة الأمية، حتى إذا جاء البرلمان وأقرَّ تعميم التعليم الأولي كانت الوزارة قد مهَّدت لذلك تمهيدًا لا بأس به. ونظن أن وزارة ثروت باشا كانت قد دبرت المال اللازم لإنشاء هذه المئات من المدارس الأولية، ولكن وزارة ثروت استقالت وجاءت وزارة نسيم، فنامت هذه المدارس أو نسيتها وزارة المعارف ونسيتها الميزانية أيضًا. ولكن وزارة يحيى باشا لم تهمل سياسة البعثات العلمية، فمضت فيها على سُنَّة الوزارة الثروتية، بينما لم تلتفت إلى التعليم الأولي إلا التفاتًا ضعيفًا جدًّا، ولكنه التفات. فقد أنشأت لجنة لدرس مشروع التعليم الأولي، وأصلح زكي باشا أبو السعود تكوين هذه اللجنة، ولكن وزارة يحيى باشا سقطت، والله يعلم إلى أين انتهت هذه اللجنة.

    على أن هناك جهدًا قدمته وزارة يحيى باشا إبراهيم، أو قدمه زكي باشا أبو السعود على كرهٍ من وزارة يحيى باشا إبراهيم لتحقيق هذه السياسة التعليمية المستقلة. وهو هذا الجهد الذي بُذِل لإكثار عدد المتعلمين استعدادًا لما لم يكن بدٌّ من إنشائه من المدارس. فقد أنشئت مدرسة المعلمين الثانوية، وأنشئت الأقسام الليلية في مدرسة المعلمين العليا، وكل هذا يدل على أن هاتين الوزارتين اللتين توصفان بالإثم وتتهمان بالتقصير تستطيعان أن تتقدما إلى أي برلمان منصف وفي يدهما عمل قيم في ترقية التعليم. فماذا صنعت الوزارة الدستورية القائمة على سلطة الشعب وحب الشعب وتأييد البرلمان؟ لم تصنع شيئًا، أو قل إنها مَحَتْ ولم تثبت، وهدمت دون أن تفكر في البناء، أو قل إنها عدلت عن هذه السياسة القومية، لا نقول إلى السياسة الإنجليزية، فنحن أحرص على الإنصاف من هذا، بل نقول عدلت عن هذه السياسة القومية إلى سياسة فردية لا ترمي إلا إلى شيءٍ واحد، هو أن يستمتع بالسلطان المطلق في وزارة التعليم فردٌ بعينه، لم يكن بدٌّ من أن يقبض على الأمر في هذه الوزارة؛ لأن السياسة السعدية كانت في حاجة إلى هذا.

    ولو أن وزارة الدستور وقفت عند هذا الحد فنقضت ما أبرم أسلافها، وأرادت أن تستمتع بالسلطان المركزي المطلق لقلنا سياسة سيئة، ولكنها موقوتة تزول متى نزلت الوزارة عن الحكم غدًا أو بعد غدٍ. ولكن الوزارة تجاوزت هذا كله إلى ما هو شرٌّ منه، فمهدت لتكوين سياسة تعليمية سيئة حقًّا، ذلك حين عمدت إلى شيئين: الأول إلغاء مجلس المعارف الأعلى وإنشاء هذه اللجنة الفنية على هذا النحو الذي أُنشئت عليه. ولسنا نعرض للنتائج المباشرة التي تنتج عن هذا العمل، فقد عرضنا لهذا في غير هذا الفصل، وإنما نلاحظ أنها تعجَّلت هذا الأمر تعجلًا غريبًا، واستطاعت أن تحمِل البرلمان على أن يقرَّها منه على ما كانت تريد، فأثبتت لنا بذلك شيئًا كنَّا نتمنى ألا يكون حقًّا، وهو أن البرلمان المصري لا يمتاز — مع الأسف الشديد — بالكفاية في فهم التعليم، ولا بالحرص على أن يكون له سلطان ما على أمور التعليم. فلو أن للبرلمان المصري كفايةً في التعليم، ولو أن للبرلمان المصري سلطانًا على التعليم؛ لما قُضيَ على المجلس الأعلى، ولما أُنشئت هذه اللجنة، ولما وقع هذا العبث العظيم بوزارة التعليم مع هذه السرعة العجيبة، في وقت كان البرلمان فيه خليقًا أن يعنى بأمور أخرى تدعو إليها الحاجة.

    نقول إن هذا أثرٌ سيئٌ من آثار الوزارة في سياسة التعليم؛ لأنه يحملنا على أن نيأس من كفاية البرلمان لفهم التعليم، وإذن فمن الذي سيشرف على التعليم؟ وزارة المعارف وحدها. ونحن نعلم كفاية وزارة المعارف، ونحن نقدِّر آثار وزارة المعارف في التعليم إلى الآن. الثاني أن وزارة المعارف أظهرت — ووافقها على ذلك رئيس الوزراء، وأقرتها على ذلك الكثرة البرلمانية — نفورًا من التعليم العالي، وتلكُّؤًا في تنظيمه وترقيته. وليس أثر ذلك مقصورًا على أن هذا التعليم العالي سيظل في مصر منحطًّا كما هو الآن، بل لذلك أثرٌ آخر أقبح وأعظم شرًّا من هذا الأثر، وهو أن الإشراف على التعليم بجميع أنواعه سيظل إلى أجلٍ بعيدٍ مقصورًا على رجال التعليم في وزارة المعارف، وعلى من تخرِّجهم المدارس القائمة الآن؛ أي إن أمور التعليم ستظل بأيدي قوم تنقصهم الكفاية الصحيحة لفهم التعليم.

    هناك نظرية يظهر أن الذين يعنون بالأمور العامة في مصر لم يلتفتوا إليها في يوم من الأيام، بل يظهر أنهم يسيرون على عكسها ويزعمون أنهم بذلك يحققون الديمقراطية ويخدمون مبادئها، وأنا أعني في هذه المسألة رئيس الوزراء خاصة. فرئيس الوزراء وأنصاره طبعًا يؤثرون التعليم الأولي على التعليم العالي، ويُؤثِرون نشر هذا التعليم الأولي وتعميمه على تنظيم الجامعة وإنشاء أقسام التعليم العالي فيها. وحجتهم في ذلك ظاهرة كحجة الاشتراكيين والمتطرفين من أحزاب الشمال في أوروبا، وهي أن التعليم الأولي يخدم الشعب مباشرةً، بينما التعليم العالي والثانوي لا ينتفع بهما إلا طبقات معينة، هي التي تستطيع أن تؤدي أجور التعليم.

    وإذن فلا بدَّ من إيثار الدهماء على الخاصة، ولا بدَّ من تقديم التعليم الأولي على التعليم العالي، ولا بدَّ من إنشاء المدرسة الأولية قبل إنشاء الجامعة. كذلك يفكِّر سادة اليوم في مصر، ولئن حاججتهم في ذلك ليذكرون لك فرنسا وغير فرنسا، وما نشأ من المذاهب الحديثة التي تؤثِر التعليم الأولي والفني على التعليم العالي. وليس هنا موضع البحث عن قيمة هذه المذاهب الحديثة، ولكننا نريد أن يلتفت سادة اليوم في مصر إلى شيءٍ لا يلتفتون إليه، نريد أن يلتفتوا إلى أننا نستطيع أن نقلِّد الفرنسيين والأمريكيين يوم نستطيع أن نقول إننا نشبه الفرنسيين والأمريكيين؛ أي يوم نظفر من التعليم العالي والثانوي بمثل ما تستمتع به فرنسا وأمريكا.

    في ذلك اليوم نستطيع أن نقول إن لدينا من التعليم العالي والثانوي ما يكفينا، وإن الخير هو أن نُعنَى بهذه الطبقات الفقيرة العاملة التي لا تستطيع أن تنفق شبابها في الدرس والتخصيص العلمي. أمَّا ونحن أبعد الناس عن أن يكون لنا عُشر معشار ما تستمتع به فرنسا من التعليم العالي والثانوي، فخيرٌ لنا ألا نشبِّه نفسنا بفرنسا الآن، ليس لدينا شيءٌ يقاس إلى ما لدى فرنسا من أنواع التعليم، فالجامعات في فرنسا تكاد تبلغ العشرين، ولا يوجد إقليم فرنسي يخلو من مدرسة ثانوية تشرف عليها الدولة.

    ولسنا نذكر المدارس الخصوصية، ولسنا نذكر المدارس الحرة عاليةً كانت أو ثانويةً. أمَّا نحن فليست لدينا الآن جامعة واحدة، وكثيرٌ من أقاليمنا يخلو من المدارس الثانوية، وإذن فنظرية المشرفين على الأمر في مصر خاطئة، وستظل خاطئة أعوامًا طوالًا. وأمرٌ آخر نحب أن تلتفت إليه كثرتنا البرلمانية، وهو أن التعليم العالي وحده هو الكفيل حقًّا بنشر التعليم الأولي وإيجاد سياسة صحيحة لهذا التعليم؛ ذلك أن نشر التعليم الأولي ليس معناه تعميم القراءة والكتابة والحساب، وإنما هو أشد من ذلك تعقيدًا وعسرًا. هو يحتاج إلى عقول تستطيع أن تقدِّر البيئة المصرية ونفسيتها وحاجاتها وآمالها، وأن تلائم بين هذا كله وبين التعليم الأولي الذي تريد أن تنشره في البلاد.

    وليس من اليسير على كل إنسان أن يقدِّر مثل هذه الأمور، وإنما الذين أخذوا بحظٍّ موفور من التعليم العالي، واستطاعوا بفضل هذا التعليم أن يفهموا الجماعات ويقدِّروا حاجاتها المختلفة وآمالها المتنوعة؛ هم وحدهم الذين يستطيعون تصور التعليم الأولي ونشره حقًّا. إذن، فليس أساس التعليم في مصر هو التعليم الأولي، وإنما أساس النهضة المصرية كلها التعليم العالي. والسياسة التعليمية الحكيمة حقًّا هي التي تقوم على إنشاء الجامعة قبل كل شيء، وعلى الاستعانة بالفنيين من الأجانب للأخذ في نشر التعليم الأولي، حتى إذا تم تأسيس الجامعة، وأخذ التعليم العالي يُؤتِي ثمره النافع، استطاع المصريون أن يشرفوا حقًّا على أمور التعليم.

    إن الذين يريدون أن يخدموا الديمقراطية في مصر لا يحسنون إلى الديمقراطية بإيثار التعليم الأولي على التعليم العالي؛ فإن الديمقراطية التي تقوم على التعليم الأولي وحده تقوم على أساس واهٍ، وهي لا تستطيع أن تقاوم الخطوب ولا أن تثبت للأهوال التي تتعرض لها النظم السياسية. ولئن قامت ديمقراطيتنا على التعليم الأولي واعتمدت على إنصاف المتعلمين؛ لتستحيلنَّ في أسرع وقت إلى إحدى اثنتين: إمَّا إلى الفوضى، وإمَّا إلى حكومة الفرد المستبدِّ. نؤكد لكثرتنا البرلمانية أنها تحسن الإحسان كله إلى بلدها، وإلى الحياة الدستورية، وإلى الحرية نفسها، إذا بدأت عملها البرلماني في العام المقبل، لا بتنظيم التعليم الأولي، بل بتنظيم التعليم العالي. ونحن نضرع إليها إن فعلت ألا تعتمد في ذلك على نفسها ولا على وزارة المعارف، بل على الفنيين من علماء أوروبا.

  • في وزارة المعارف مدرسة اللغات القديمة أيضًا | At the Ministry of Education: A School for Ancient Languages, Again

    في وزارة المعارف
    مدرسة اللغات القديمة أيضًا
    طه حسين
    جريدة السياسة
    ١٢ يوليو ١٩٢٣

    بين يديَّ الآن «التقرير النهائي للجنة الجامعة الحكومية». أقرأ فيه ما كتب عن درس الآثار في هذه الجامعة. وكانت وزارة المعارف قد ألَّفت لدرس هذا الموضوع لجنة لا بأس بها، وكان أعضاء هذه اللجنة الأستاذ المسيو «لاكو» مدير مصلحة الآثار المصرية، والأستاذ المسيو «فوكار» مدير المعهد الأثري الفرنسي في مصر، وصاحب السعادة عبد الحميد باشا مصطفى، وصاحب السعادة أحمد كمال باشا، وانفصل عن اللجنة صاحب العزة علي بك بهجت مدير دار الآثار العربية.

    أقرأ تقرير هذه اللجنة الخاصة عن درس الآثار في جامعة الحكومة؛ فأرى أن هذه اللجنة قد نصَّت صراحة على أن الفصل بين درس اللغات ودرس الآثار غير معقول ولا مفيد. وقضت في صراحة على هذه الفكرة التي كانت تريد أن تنشئ مدرسة تشبه مدرسة اللغات أو مدرسة الألسن، وتدرس فيها اللغات دون الآثار.

    الحق أني لم أكن قد قرأت هذا التقرير عندما كتبت المقالة الأولى في هذا الموضوع، فلما قرأته اليوم لم تزدني قراءته إلَّا إيمانًا وتثبيتًا واغتباطًا بما كان من اتفاقي في الرأي مع لاكو وفوكار وكمال، وكلهم فني وكلهم متقن للآثار المصرية واللغة المصرية. ازددت إذن إيمانًا وتثبيتًا وإصرارًا على أن وزارة المعارف تخطئ الطريق وتتجاوز القصد حين تنشئ مدرسة للغات القديمة أو قسمًا للغات القديمة تلحقه بمدرسة المعلمين العليا. تخطئ الطريق وتتجاوز القصد لأن اللغة الهيروغليفية كما قلت ليست لغة تدرَس لنفسها، وإنما هي لغة تدرس لقراءة الآثار. وقراءة الآثار وحدها لا تفيد؛ لأن هناك آثارًا كثيرة غير مكتوبة، ولا بد من اصطناعها وتفهمها إذا أردنا أن نفهم تاريخ مصر القديم. فلا بدَّ إذن من أن ندرس فنون الآثار على اختلافها بحيث يكون طلابنا قادرين على أن يستخدموا الآثار جميعها لدرس التاريخ المصري، سواء من هذا الآثار ما كتب وما لم يكتب.

    والغريب في هذا الأمر أن صاحب السعادة كمال باشا أمضى هذا التقرير، ووافق على النص الذي يحظر الفصل بين درس اللغة ودرس الآثار. وهو مع هذا الإمضاء وهذه الموافقة واضع المشروع العقيم الذي نحاربه حربًا صريحةً لأننا نعتقد أنه غير نافع، وأن شره أكثر من خيره. وإن كانت وزارة المعارف لا تحفل بنصح ناصح ولا تعنى بمشورة من يشير، وإن كانت وزارة المعارف لا تحفل بأن تناقض نفسها وتتورط في شيء كانت أزمعت ألَّا تتورط فيه؛ لأن وزارة المعارف قد أصبحت منذ حين مشغوفة بالإعلان عن نفسها كلفة بتملق الجمهور والاستفادة من عواطفه؛ فهي تعلم أن الجمهور حريص على درس اللغة الهيروغليفية، وإذن فهي تزعم للجمهور أنها ستدرس له اللغة الهيروغليفية. وهي تعلم أن الجمهور حريص على أن يكون المصريون هم أصحاب المناصب على اختلافها، ونجد من الصحف ومن أصحاب الصحف من يحمد لها ذلك ويشجعها عليه، فتمضي إلى الأمام غير معنية بحق ولا منفعة، وإنما يعنيها التصفيق والتصفيق وحده.

    نعم، إن وزارة المعارف تخطئ الطريق، وهي تعلم أنها جربت درس الهيروغليفية حين أنشأت في مدرسة المعلمين درسًا لهذه اللغة، وكلفت كمال باشا القيام بهذا الدرس، ففشل الدرس ولم ينتهِ بوزارة المعارف إلى نتيجة. وهي الآن تعيد هذه التجربة التي فشلت، وتعيدها في طريقة أوسع وأشدَّ تعقيدًا. فشلت في درس الهيروغليفية، فتريد أن تفشل فيه مرة أخرى، وأن تفشل في اليونانية واللاتينية والقبطية؛ لأنها تريد أن تدرس هذه اللغات كما درست الهيروغليفية في تجربتها الأولى. وليس لهذا علة إلَّا ما ذكرته لك من كلف الوزارة في هذه الأيام الأخيرة بإعجاب المعجبين وتصفيق المصفقين وثناء الصحف والصحفيين.

    وفي الأمر شيء آخر غريب، وهو أن هذا التقرير الذي أشرت إليه آنفًا يرى الاكتفاء بأستاذين للآثار المصرية القديمة، ويشعر بأن هذا شاقٌّ ناقص، ولكنه مضطر إليه؛ لأن وجود الأساتذة ليس بالشيء اليسير، ذلك يرى التقرير وعلى ذلك ينص التقرير.

    أمَّا وزارة المعارف، أو كمال باشا الذي أمضى هذا التقرير، فيرى الاكتفاء بأستاذ واحد هو كمال باشا، ويمنح هذا الأستاذ الواحد الذي هو كمال باشا مرتب أستاذين؛ لأن أستاذ اللغة السامية أو اليونانية سيتقاضى مرتبًا لا يتجاوز مائتي جنيه. أمَّا أستاذ الهيروغليفية (كمال باشا) فسيتقاضى ٤٠٠ جنيه؛ لأنه سيكون أستاذًا ومشرفًا في وقت واحد، فهو يتقاضى مرتب الأستاذ ومرتب المشرف.

    وكنت أظن أنَّ وطنية كمال باشا تسمح له بأن يشرف مجانًا بحيث تستطيع وزارة المعارف أن تضم إليه أستاذًا آخر يعلِّم الآثار بينما هو يعلِّم اللغة. كنت أظن ذلك، وهو ليس بعسير على كمال باشا الذي لا يريد إلَّا الخير، ولا يتمنى إلَّا أن تُنشأ مدرسة الآثار قبل موته.

    وكنت أظن أن وزارة المعارف تستطيع أن تستغل وطنية الأستاذ لمصلحة مصر، وأن تستغل حب الأستاذ فنه لمصلحة مصر. ولكننا نريد شيئًا ويريد الله شيئًا آخر، وإذا أراد الله شيئًا فلا مردَّ له. غير أني أزعم شيئًا آخر، أزعم أن السياسة «الدنلوبية» لا تزال مشرفة على وزارة المعارف، وهذه السياسة الدنلوبية امتازت وستمتاز دائمًا بشيئين: أحدهما أنها ضيقة التصور، ليست بالعميقة ولا الحرة، تتصور الأشياء منقوصة، تتصورها من أحد وجوهها لا من وجوهها كلها، وهي في الوقت نفسه جامدة غير حرة، تُعْنَى بالألفاظ والعبث بالعقول أكثر مما تعنى بالحقائق والمنفعة الصحيحة. الثاني أنها تنافس كل حركة وطنية لا تصدر عن وزارة المعارف، تريد أن تحتكر كل شيء، تريد أن تستأثر وحدها بالأمر لتفسد ولا تصلح. هي ضيقة جامدة وهي محتكرة أثرة، وإليك البيان:

    لا ألتمس هذا البيان بعيدًا وإنما أجده في هذه المدرسة نفسها؛ فقد رأيت كيف تصورت الآثار المصرية واللغة المصرية القديمة، فأنشأت ثوبًا شديد القصر جدًّا، شديد الضيق جدًّا، يلبسه من يلبسه فإذا هو لا يسع طوله ولا عرضه.

    وقد رأيت في المقال السابق أن الجامعة المصرية تدرس ما ستدرسه وزارة المعارف؛ ففيها درس العبرية واللاتينية، وسيكون فيها منذ السنة المقبلة درس اليونانية والهيروغليفية. وإذن فوزارة المعارف تنافس الجامعة المصرية لا أكثر ولا أقل. تنافسها وتريد أن تخنقها؛ لأن الجامعة معهد وطني حر، وقد قامت سياسة «دنلوب» على أن المعاهد الوطنية الحرة إمَّا أن تذعن لوزارة المعارف وإمَّا أن تزول. تنافسها وهي منتصرة في هذه المنافسة؛ لأن لشهاداتها قيمة رسمية، وليس لشهادات الجامعة قيمة رسمية. وإذن فالطلبة يكلفون بالشهادات القيمة التي تقدر بالمال، وينصرفون عن هذه الشهادات التي ليست لها قيمة مالية. وإذن، فسيجد أستاذ الهيروغليفية في مدرسة المعلمين طلَّابًا، وسيبحث أستاذ الهيروغليفية في الجامعة عن هؤلاء الطلاب فلا يجدهم. وإذن، فيجب أن تغلق الجامعة أبوابها.

    لا أستطيع أن أفسِّر حركة المعارف غير هذا التفسير، ويخيَّل إليَّ أنه لا يستحق الإعجاب ولا تصفيق الجمهور، ويخيَّل إليَّ أن الجامعة خليقة بالتشجيع والمعونة لا بالخذلان والمنافسة، ويخيَّل إليَّ أن الجامعة أكرم وأحرص على المنفعة من وزارة المعارف. ففي الأمر شيء غريب! في الأمر أن وزارة المعارف التي تنفق مئات الألوف من الجنيهات على كبار الموظفين الذين لا يعرفون من الهيروغليفية إلَّا اسمها قد بحثت في كل وزارة المعارف في أركانها وزواياها، فيمن أرسلتهم إلى أوروبا ومن علمتهم في مصر، بحثت عن أستاذ للغة العبرية فلم تجد، فلجأت إلى الجامعة تستعير منها أستاذها، ولن ترفض الجامعة ولن يرفض أستاذ الجامعة لأنهما يريدان الخير.

    ووزارة المعارف تريد أن تنافس الجامعة وأن تنافسها بأستاذ الجامعة. أليس في ذلك شيءٌ من المهارة لسياسة «دنلوب»؟ أليس في ذلك شيءٌ من الخزي لسياسة دنلوب؟ أليس في ذلك شرف لهذه الجامعة التي حاربها دنلوب وتلاميذ دنلوب منذ أُنشئت، وهم الآن يلجئون إليها ويطلبون معونتها؛ لأنها انتصرت في ضيق وشدة على سياسة دنلوب وأنصار دنلوب؟

    الوزارة إذن تنافس الجامعة، وتنافسها منافسة ليست كريمة ولا صادقة ولا نافعة. ولو أن سياسة دنلوب غير مشرفة في وزارة المعارف لسلكت وزارة المعارف إحدى طريقين: فإما أن تنشئ مدرسة للآثار، مدرسة كاملة، مدرسة تنفق عليها آلاف الجنيهات لتخرِّج الأثريين النافعين حقًّا، وإمَّا أن تعدل عن هذا المشروع العقيم وتمنح الجامعة هذا المقدار الضئيل من المال لتوسع به الجامعة نطاق البحث فيها. ولكن وزارة المعارف لا تزال دنلوبية؛ فهي لا تبحث عن نفع ولا عن خير. وإنما تريد تصفيق الجمهور، وتحارب المعاهد الحرة التي ينشئها هذا الجمهور.

    قلت لك إننا نريد شيئًا ويريد الله شيئًا آخر: ( وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ).