ثورة حية وحياة ثائرة
بقلم الدكتور طه حسين
أحب أن تكون ثورتنا حية ، وأن تكون حياتنا ثائرة ، وأن يصبح المصريون في جديد من أمرهم كلما أشرقت عليهم الشمس وأن يمس المصريون في جديد من أمرهم كلما أقبل عليهم الليل.
أحب أن تكون ثورتنا حية وأن تكون حياتنا ثائرة وأن يدفع المصريون إلى نشاط قوي عنيف ، لا يستريحون منه إلا حين يضطرون إلى النوم ساعات في كل يوم . وأريد أن يكون هذا النشاط متنوعا مختلفة ألوانه يمس فروع الحياة كلها ، ويمس أفراد الشعب كلهم على اختلاف منازلهم في الحياة . يمس الموظف في ديوانه ، والعامل في مكتبه أو معمله والزارع في حقله ، والعامل في مصنعه .
أريد أن يشعر المصريون جميعا شعورا قويا عميقا جامحا أو كالجامح بأنهم قد دفعوا إلى جد لا راحة منه وإلى كد لا أناة فيه ، وإلى شوط لابد لهم من أن يبلغوا غايته في أسرع وقت وأقصره ليستأنفوا الاندفاع في شوط آخر ليس أقل من سابقه حاجة إلى الجد والكد والنشاط.
أريد ألا يفرغ المصريون لأنفسهم وألا تفرغ لهم أنفسهم ، وأن يشغلوا عن الفراغ بالعمل، وعن تفكير الفارغين المطمئنين بجد العاملين المعجلين عن أنفسهم وعن كل شيء.
كذلك أريد أن أرى المصريين في هذه الأيام لأنهم فرغوا فيما مضى حتى سئموا الفراغ وحتى سئمهم الفراغ ولأنهم يعيشون في أيام ثورة . لا تحب الفراغ ولا ترضاه ولا تطمئن إليه .
بل هم يعيشون في أيام ثورة لا تبغض شيئا كما تبغض الفراغ لأنه عدوها الذي يفسد أمرها كله بما يصرف الناس عنها إلى ألوان من التفكير الكسل المتخاذل المريب .
ولست أعرف شيئا أخطر على الثورة ولا أضر بها ولا أشد عليها نكرا من فراغ الناس لأنفسهم وتساؤلهم حين يلقى بعضهم بعضا وحين يخلو كل منهم إلى نفسه عما كان – أن يكون غدا، وعما فعل فلان، وما لم يفعل وعما والناس حين يلقي بعضهم بعضا فارغين للحديث طالبين للراحة مفتنين فيها متنقلين بين ما تبتكر لهم من ألوان الهزل واللهو والعبث ، ليسوا أصحاب عمل ولا إنتاج وإنما هم أصحاب لغو في القول ، يجدون اللذة كل اللذة والمتعة كل المتعة والحياة كل الحياة في النكتة يرسلها أحدهم فتمتلئ لها الأفواه والحلوق بالضحك ، ينامون أيقاظا وينامون حين تمسيهم أجنحة النعاس ينفقون أكثر أيامهم نياما والدنيا من حولهم يقظة عاملة منتجة ، وهم في غمرة ساهون لاهون لا خير فيهم لأنفسهم ، ولا خير فيهم لأحد ، هم القادرون منهم أن يملأوا بطونهم ، بما يلقون فيها من الطعام والشراب ، وأن يملأوا أفواههم وآذانهم ، وعقولهم بما يمضون فيه من السخف الذي لا طائل فيه ، وهم العاجزون منهم أن يشكوا وأن يبكوا وأن يعيبوا الزمان وأهله ويحملوا غيرهم تبعة ما هم فيه من عجز وبؤس وشقاء .
قوم يضيعون حياتهم في البطر والأشر وغرور الأقوال والأحاديث وقوم يضيعون حياتهم في السخط والشكوى وفي البغض والحسد والتطلع اليائس البائس إلى ما ليس في أيديهم وليس هذا كله من الحياة العاملة المنتجة في شيء بل ليس هذا كله من الثورة الحية ولا من الحياة الثائرة في شيء .
أريد أن تحيا ثورتنا وأن تثور حياتنا وألا نحقق شيئا حتى ندفع إلى تحقيق أكثر وألا نبلغ غاية حتى ندفع إلى غاية أبعد منها ، وألا نريح ولا نستريح حتى نعوض ما فاتنا فيما مضى من الدهر الطويل.
أريد هذا كله وأعرف السبيل إلى هذا كله ، لأنها ليست غامضة ولا ملتوية ولا بعيدة المنال ، وإنما هي واضحة مستقيمة قريبة يكفي أن نقصد إليها محبين لها مؤمنين بها لنندفع فيها إلى تحقيق ما نريد ، وهذه السبيل هي تحقيق التجاوب بين الثورة والشعب . التجاوب بالعمل لا بالقول وحده ، التجاوب الذي يقتضي أن تستقر الثورة في كل ضمير وأن تضطرم جذوتها في كل قلب، وأن تعمل لتحقيق أغراضها كل يد ويفكر في تدبير أمرها كل عقل ويدعو إلى بلوغ أهدافها كل لسان.
هذه السبيل هي ألا تكون الثورة مقصورة على الذين أضرموا جذوتها من رجال الجيش ولا على الذين يعملون معهم من رجال الحكم ولا على الذين استجابوا لهم من المثقفين والمفكرين ، وإنما تتجاوز هؤلاء جميعا إلى أبناء الشعب جميعا تجاوزا فعليا لا تنطق به الألسنة وحدها ، وإنما تؤمن به القلوب والعقول وهذا كله لا يتحقق بالدعاء إلى الثورة وحده وإنما يتحقق بالأخذ السريع في أسباب الإصلاح وتيسير الشعب كله للعمل فيما يقتضيه الإصلاح من ألوان النشاط .
وأنا أعلم أن هذا يحتاج أول ما يحتاج إلى المال الذي يمكن من الأخذ في تنفيذ المشروعات الكثيرة التي تهيئ للإصلاح الصناعي والزراعي وأنواع الإنتاج المختلفة ، ولكني أعلم كذلك أن الثورة لا تعتمد في تنفيذ ما يقتضيه الإصلاح من الأعمال على الميزانية العادية لأن هذه الميزانية بطبيعتها تضيق عن مثل هذه الأعمال الجسام . وهي معرضة بين عام وآخر لليسر والعسر وللسعة ، والضيق وإنما الإصلاح الجديد يحتاج إلى مصادر جديدة للإنفاق .
وهذه المصادر فيما أظن ليست بعيدة ولا متعذرة وإنما هي قريبة ميسورة إذا اصطنعت الثورة شيئا من الجراءة وما ينبغي أن تحتاج الثورة إلى أن ندعوها إلى اصطناع الجرأة ، فقد ينبغي أن تكون جريئة بطبعها .
ما بال الثورة لا تدعو الشعب إلى أن يقرض الدولة بعض ما عنده لتبدأ في مشروعات الإصلاح ، إن الأمر يحتاج إلى شيء من الثقة والثقة لا تأتي وحدها إنما تأتي حين تدعى وحين ترغب وحين تمد للناس أسباب الأمل.
إني أقرأ أننا في حاجة إلى تشجيع الأجانب على أن يستثمروا رؤوس أموالهم في مصر ، وهذا خير ما في ذلك شك ، ولكن أموال المصريين لم لا تستثمر في مصر! وأين تستثمر إذن! أليس غريبا أن الثورة تدعو إلى الإصلاح منذ ستة أشهر وأنها لم تدع الشعب إلى أن يساهم في قرض واحد لتحقيق مشروع واحد من مشروعات الإصلاح .
إحدى اثنتين أما أن يكون في مصر مال ففيم ينفق هذا المال إذا لم ينفق في إصلاح مصر! وإما ألا يكون في مصر مال، وإذن فمن أين يأتي هذا المال الذي ينفق في ألوان من الترف السخيف الذي لا يغني؟ .
ليصدقني رجال الثورة أنهم في حاجة إلي أن يثق الشعب بأن الثورة تريد الإصلاح وسبيلهم إلى ذلك أن يطلبوا البذل إلى القادرين على البذل وهم لن يطلبوا منهم تبرعا ولا إحسانا وإنما يطلبون منهم إقراضا يغل عليهم ربحا ويغل على مواطنيهم عملا ويغل على وطنهم ثراء وخصبا وإنتاجا.
لتقدم الثورة إذن على كسب ثقة الشعب وأريد ثقته المالية بتمكين الموسرين من أن يستثمروا ثراءهم في إصلاح مصر . لتدعو الثورة إلى بعض القروض ولتمتحن إخلاص الموسرين لها ولأغراضها .
وما أشك في أن هذا الامتحان سينتهي بأصحابه إلى النجح .
وإذا رأى الأجانب أموال مصر تستثمر في إصلاح مصر وأبناء مصر يثقون بثورة مصر أعطوا ثقتهم واستثمروا أموالهم في مصر ، هنالك يندفع الشعب إلى العمل ، وهنالك يشغل الشعب بالعمل من الفراغ ، وهنالك يتحقق التجاوب بين الثورة والشعب ، وتصبح ثورتنا حية ، وحياتنا ثائرة .
طه حسين
الأهرام ١٩٥٣/٢/٧
Tag: التنمية
-
ثورة حية وحياة ثائرة | A Living Revolution, a Revolutionary Life
-
ثقافة | Culture
ثقافة
لا أزال أذكر محاضرة قرأتها منذ أعوام للأديب الفرنسي العظيم بول فاليري، ألقاها في لوزان، وحاول فيها أن يرد العقل الأوروبي إلى العناصر الأولى التي عملت في تكوينه، والتي تميزه من العقول الأخرى، وتقدمه عليها، وتبيح للأوروبيين ما يستمتعون به من التفوق في الحياة العقلية والعملية معًا.
لا أزال أذكر هذه المحاضرة؛ لأنها كانت من دقة التفكير، وقوته، ووضوحه، بحيث فرضت علي الإعجاب بها، واضطرتني إلى أن أقرأها غير مرة، وحببت إلي قراءة ما يكتبه صاحبها، على ما في أسلوبه وتفكيره، في أكثر الأحيان، من التواء وغموض، مهما يعجب بهما الفرنسيون في هذه الأيام، فهما مصدر مشقة لقرائه من الفرنسيين المثقفين، فضلًا عن الأجانب.
كان بول فاليري يرد العقل الأوروبي إلى مكونات ثلاثة عظيمة الخطر، هي: العقل اليوناني وما أنتج من أدب وفن وفلسفة، والعقل الروماني وما أنتج من تشريع ونظام، والدين المسيحي وما نتج من حب للخير وميل إلى الإحسان.
وكان يرى أن لكل واحد من هذه العقول أثرًا عظيمًا في تكوين الحياة الأوروبية المعنوية، ثم في تكوين الحياة العملية، التي هي في حقيقة الأمر أثر من آثار التفكير الأوروبي، ومرآة ينعكس فيها هذا التفكير.
فهم يونان حين يفكرون وينتجون في الأدب والفن والفلسفة، وإن بعد العهد بينهم وبين اليونان، وإن اشتد التطور حتى خيل إليك أن ليس بين آثارهم وآثار اليونان من صلة. وهم رومان حين يشرعون، أو يحاربون، أو يستعمرون، مهما يكن الفرق عظيمًا بينهم وبين الرومان في التشريع والحرب والاستعمار. وهم مسيحيون حين يحسنون أو يطمحون إلى الخير، مهما يأخذ إحسانهم وطموحهم من أشكال تباعد بينهم وبين الإحسان الذي صورته المسيحية الأولى.
وهم لهذا كله قد جمعوا خير ما يتفوق به الرجل على الرجل، وأعظم ما يمتاز به الإنسان من الإنسان.
أعجبت بهذا البحث، وأعجب به كثير من القراء الأوروبيين حين ألقي، وحين نشر في كتاب، وإن كنت لم أعن بتحقيقه، ولم أحفل بأن يكون الكاتب قد وفق إلى الصواب أو تورط في الخطأ، ولكني على كل حال حمدت لهذا الكاتب أنه استطاع أن يتصور عقلًا أوروبيًا، على اختلاف الأوروبيين في اللغة والنظم، وفي الآثار المختلفة التي يستتبعها اختلاف اللغات والنظم.
كما أني حمدت للأوروبيين أنفسهم ألا يكون تفاوتهم في الجنس، واللغة، والنظام، وما إلى ذلك كله، مانعًا من أن يكون لهم عقل واحد متشابه، يستطيع كاتب أن يدرسه ويحلله ويرده إلى أصوله المشتركة.
وكثيرًا ما حاولت، منذ قرأت هذا الفصل، أن أتصور عقلنا المصري وأدرسه، وأرده إلى عناصره الأولى التي كونته كما هو. فلم يكن هذا التصور ولا هذا الدرس شيئًا يسيرًا، ونحن مع ذلك أمة واحدة لها مقومات واحدة نشترك فيها جميعًا، فنحن مشتركون في الجنس، والإقليم، واللغة، والمنافع الاقتصادية، والنظام السياسي والاجتماعي. ولكننا، على هذا كله، مختلفون في العقل اختلافًا ظاهرًا جدًا، وربما كان خطيرًا، وربما كان مصدر كثير من المشقة التي نلقاها في حياتنا الحاضرة.
ذلك أني ما أظنك تنازعني في أننا لا نقوم الأشياء تقويمًا واحدًا، ولا نحكم عليها أحكامًا متقاربة، لأننا لا نتصورها تصورًا متقاربًا.
وليس من شك في أننا الآن أقل تشابهًا واتحادًا من هذه الناحية العقلية مما كنا في أي وقت مضى. فقد كان المصريون في أول القرن الماضي، وإلى أن تقدم القرن الماضي حتى تجاوز نصفه، متشابهين في التفكير والتعبير، ثم في حياتهم العملية، كأن لهم عقلًا واحدًا يعبرون عنه بلغة واحدة، وأسلوب واحد، ويصدرون في كل ما يأتونه من الحركات والأعمال.
أما الآن، وقد أخذنا نتصل بالأوروبيين، وأخذ اتصالنا بالأوروبيين يشتد شيئًا فشيئًا، ويمتد قليلًا قليلًا، فقد تغيرت هذه الحال، وانشق المصريون خاصة، والشرقيون عامة، إلى فريقين: فريق ما زال يفكر ويعبر ويحيا على شيء من الأسلوب القديم، قد يكون قويًا، وقد يكون ضعيفًا، ولكنه على كل حال ظاهر يمكن تصوره وتشخيصه. وفريق آخر يفكر ويعبر ويحيا على أسلوب جديد أوروبي، لا تكاد تظهر الصلة بينه وبين حياتنا القديمة.
وهذا في نفسه شيء طبيعي لا غرابة فيه، فهو التطور والانتقال من حال إلى حال، وهو الصراع بين القديم والجديد، والنزاع بين حضارة وحضارة، وانتصار إحدى هاتين الحضارتين المتنازعتين على الأخرى، في سرعة أو بطء، باختلاف الظروف التي تحيط بهذا التطور.
ولكن تطورنا لا يخلو من غرابة، فقد خضعنا له، فيما يظهر، غير شاعرين به، ولا آبهين له، ولم نستطع أن نقدره قدره، ولا أن نحسب حسابًا للآثار التي قد ينتجها. فمضى فريق منا مع الحركة الجديدة، ومضى فريق آخر في الحياة القديمة، واضطرب فريق بين أولئك وهؤلاء.
وأنا أعلم أن محمد علي الكبير كان يعرف ما يريد، وكان ما يريد من الأمر حين كان ينقل إلى مصر ما كان ينقل إليها من أساليب الحياة الأوروبية والتفكير الأوروبي. وربما كان قليل جدًا بين أعوانه يشاركونه في الشعور بقيمة هذا العمل، ولكني أشك أشد الشك في أن الناس كانوا يقدرون هذا العمل أو يحسبون له حسابًا. إنما كانوا يخضعون له كما كانوا يخضعون لغيره من أمر السلطان، على كره شديد أو رغبة فاترة.
وتستطيع أن تقول مثل هذا في إسماعيل وأعوانه، وإن كان الفرق بين إسماعيل ومحمد علي وأعوانهما ظاهرًا من بعض الوجوه. فقد كان محمد علي يقدر لنقل الحضارة الأوروبية إلى مصر منفعة عاجلة، هي النهضة الصناعية التي تنهض بحاجات بلد يريد أن يجاهد ويسود، ولكنه لم يكن يفكر كثيرًا فيما كان يفكر فيه إسماعيل من الرغبة في الرقي لأنه رقي، وفي الحضارة لأنها حضارة، والعلم لأنه علم.
وكذلك كان أعوان محمد علي يعينونه على الوصول إلى هذه المنفعة العاجلة المؤقتة، بينما كان أعوان إسماعيل يعينونه على الطموح إلى مثل أعلى يسمو فوق المنافع العاجلة، ويبعد كلما دنا منه طلابه، فيضطرهم إلى السعي، ويبعث فيهم النشاط.
ولكن أولئك وهؤلاء كانوا قلة لا تكاد تظهر، وكانت كثرة الناس تخضع للتطور عن كره شديد ورغبة فاترة، كما قلنا.
كان من أثر هذا أن الذين أشرفوا على هذا التطور في مصر لم يأخذوا له عدته، ولم يضعوا له من النظم والأصول ما يمكنه من أن يسير سيرًا مضطردًا منتجًا، وإنما كانوا يترددون ويضطربون ويشفقون، ويحسبون حسابًا لظروف لا تكاد تحصى. فهم إذا تقدموا من ناحية وقفوا أو تأخروا من ناحية أخرى، ونشأ عن هذا أنا وصلنا إلى حيث نحن الآن.
ورقينا، مهما يكن عظيمًا، ليس مستويًا ولا متشابهًا، ففيما بيننا بيئات راقية جدًا، وبيئات منحطة جدًا، وفي بعض نواحي حياتنا العامة رقي يشبه أن يكون طفرة، وفي بعض نواحيها الأخرى انحطاط يشبه أن يكون جمودًا. فنحن من الناحية التشريعية والقضائية قد خطونا خطوات بعيدة، بحيث تستطيع أن تقول إن الفرق بيننا وبين كثير من الأمم الأوروبية لا يكاد يذكر. ونحن كذلك، من بعض النواحي العلمية القليلة، لا بأس بالشوط الذي قطعناه، ولكننا من نواحٍ أخرى كثيرة لا نزال أطفالًا وعيالًا على الأوروبيين.
هذا الاضطراب الذي نلاحظه واضحًا جليًا في حياتنا العامة، يظهر أشد وضوحًا وأكثر جلاء في ناحية بعينها من نواحي هذه الحياة، وهي ناحية الحياة العقلية. فقد عني محمد علي، وعني بعده إسماعيل، بإرسال البعوث إلى أوروبا، وتنظيم المدارس المدنية في مصر. وعنيا أيضًا بتشجيع الترجمة والتأليف، وكان لهذا كله أثر ظاهر، فوجدت في مصر طائفة مثقفة على الأسلوب الأوروبي، وسيطرت هذه الطائفة على حياة مصر، فتولت الحكم والقضاء وتدبير الأمور.
واتصلت منذ ذلك الوقت سنة الأميرين العظيمين في العناية بالبعوث، وتنظيم التعليم المدني، وتشجيع الترجمة والتأليف، تقوى حينًا وتضعف حينًا آخر، ولكنها اتصلت على كل حال، وأنتجت آثارها الطبيعية، فكثرت هذه الطائفة المتأثرة بالثقافة الأوروبية، واشتدت سيطرتها على الحكم، واستئثارها بتسيير الأمور.
ولكن تعليمًا آخر مصريًا خالصًا كان موجودًا في أيام محمد علي وفي أيام إسماعيل، لم يستطع هذا الأمير أو لم يرد هذا الأمير أو ذاك أن يمسه بشيء من التغيير أو التبديل، أو أن يخضعه لشيء من هذا التطور، تحرجًا وإشفاقًا، أو لما شئت من الأسباب. فظل هذا التعليم المصري الخالص في الأزهر الشريف متصلًا، محافظًا على تقاليده وأساليبه القديمة، منتجًا آثاره الطبيعية، من إخراج جماعات من الناس يتصورون، ويفكرون، ويعبرون، ويحيون على الأسلوب القديم.
وأخذ سلطان هذه الجماعة يضعف ويتضاءل، وأخذت هذه الجماعات تشعر شيئًا فشيئًا بضعف سلطانها، وتضاؤله، وإفلات الأمور من أيديها، فما هي إلا أن كان الألم، ثم الشكوى، ثم الإنكار يوشك أن يكون ثورة.
وأحس أولو الأمر شيئًا من هذا، فحاولوا التجديد في هذه الناحية، ولكن على استحياء وتحرج، فكانت نتيجة هذا التجديد المستحي تعقيدًا لحياتنا العقلية، وإسرافًا في التفريق بين عقولنا، وأساليبنا في الحس والشعور.
أنشأوا دار العلوم، التي لا تحافظ كل المحافظة، ولا تجدد كل التجديد، وأنشأوا كذلك مدرسة القضاء الشرعي على نحو من هذا التجديد المستحي، وأنشأوا مدارس المعلمين للتعليم الأولي على نحو من هذا التجديد المستحي.
فأنتج التجديد الخالص من ناحية في المدارس المدنية، وأنتجت المحافظة الخالصة من ناحية أخرى في الأزهر وملحقاته، من ناحية ثانية، وأنتج التجديد المضطرب في هذه المدارس الغريبة من ناحية ثالثة.
وكانت النتيجة أن عقلياتنا لا تكاد تحصى الآن، فأنت تستطيع أن تلقي على الناس مسألة بعينها، ثم تحاول أن تعرف فهمهم لها ورأيهم فيها، فترى في هذا اختلافًا شديدًا. فللذين أنشأتهم المدارس المدنية فهم ورأي، وللذين أنشأهم الأزهر فهم ورأي، وللذين أنشأتهم تلك المدارس العرجاء فهم ورأي.
ومن غريب الأمر أن التجديد الخالص نفسه لم يخل من اضطراب وتذبذب. فقد سننا منذ أواخر القرن الماضي لأنفسنا التردد في إرسال الطلبة إلى أوروبا، نرسل بعضهم إلى إنجلترا، وبعضهم إلى فرنسا، وبعضهم إلى ألمانيا، ولا نحسن الإشراف على أولئك ولا هؤلاء، فيتعلم أولئك وهؤلاء كما يستطيعون، وحيث يستطيعون، ثم يعودون إلينا ولهم عقولهم المختلفة، يفهمون من الأشياء فهمًا متباينًا، ويحكمون عليها أحكامًا متباعدة.
وحاول التجديد آخر الأمر أن يدخل الأزهر، فأفسد كثيرًا ولم يصلح شيئًا. ذلك أنه لم يكن تجديدًا صريحًا ولا صحيحًا، وإنما كان ظاهرًا من التجديد، وقشورًا من العلم، تخيل إلى أصحابه أنهم قد حفظوا العلم كله، على حين لم يعرفوا منه إلا صورًا مشوهة.
وظهرت مسرعة نتائج هذا التجديد المفسد، فثقفت طبقات من الأزهريين بشيء من العلم الغريب، كان ينقل إليها في الصحف والمجلات عن كتب لا قيمة لها، تمس ما وراء المادة وما بعد الطبيعة، على أسلوب الروحيين، لا على أسلوب الفلاسفة.
وكم ضحكت وأسفت حين رأيت رجلًا من كبار العلماء ذات يوم يرد على بعض من يسميهم الملحدين، فينقل لهم جملًا من بعض هذه القصص الأمريكية التي تذاع بين الناس على أنها آراء علماء أوروبا في صحة الديانات وقوتها.
هذه حالنا الآن: اضطراب لا تكاد تعرف له حدًا في الفهم والحكم.
أفتظن أنا نستطيع أن نتصور عقلًا مصريًا كما تصور بول فاليري عقلًا أوروبيًا، وأنا نستطيع أن نرد هذا العقل إلى أصوله، ونحلله إلى العناصر التي عملت في تكوينه؟ كلا.
لنا عقل أوروبي خالص، ضعيف لم يقو بعد، فهو يحاول أن يتصور الأشياء ويقضي فيها على المذهب الأوروبي.
وكان لنا عقل مصري خالص في الأزهر، كان يتصور الأشياء ويقضي فيها على النحو القديم، ولكن التجديد السيئ يفسده شيئًا فشيئًا، فلست أدري كيف يفهم الآن، ولا كيف يقضي، ولكني أعلم أنه يعبث بالأشياء أكثر مما يفهمها ويقضي فيها.
ولنا عقل ثالث، لا أدري كيف أشخصه؛ فيه أيسر ما كان في الأزهر، وفيه أيسر ما في الجديد الخالص، كل ذلك ممسوخ مشوه.
فقدر أنت تصور هذا العقل للأشياء، وقضاءه فيها، وقدر أنت بعد هذا كله مقدار حظنا من الاتحاد والاشتراك في التصور والحكم، ثم في الشعور والطموح إلى المثل الأعلى.
يرى الجغرافيون أن الجنس، واللغة، والدين، والنظام السياسي، والإقليم، مقومات تكفي لتكوين الأمة. وقد يكون هذا صحيحًا، ولكن هذه المقومات نفسها تستتبع مقومًا آخر لا بد منه لتحيا هذه الأمة حياة صالحة، وترقى رقيًا مضطردًا، وهو الثقافة.
فلا بد للأمة التي تستحق هذا الاسم من ثقافة قومية تمثل ميولها، ومثلها العليا، وجهودها في سبيل الرقي، وفي سبيل الوصول إلى الحق وإلى الخير. ويجب أن تكون هذه الثقافة متشابهة، يختلف مقدارها باختلاف الأفراد والبيئات، ولا أريد أن أقول الطبقات، ولكن نوعها لا يختلف كما يختلف عندنا الآن.
ويجب أن يكون حظ معين من الثقافة مشتركًا بين أفراد الأمة جميعًا في طور من أطوار حياتهم، وأن تكون لهؤلاء الأفراد بعد ذلك أنواع من الثقافة تختلف في الأغراض أكثر مما تختلف في الطبيعة والمنهج.
ومن غريب الأمر أننا لا نحاول أن نستفيد بتجارب الأمم من قبلنا. فقد خضع الناس من قبلنا لهذا التطور الذي نخضع له، فنشأ التعليم المدني، فزاحم التعليم الديني، حتى زحمه واستأثر من دونه بالسيطرة والسلطان. ولكن رجال الدين في أوروبا كانوا من المهارة والمرونة بحيث احتفظوا بتعليمهم الديني، فرقوه وأصلحوه، ثم شقوا في الوقت نفسه لأنفسهم طرقًا في التعليم المدني، فشاركوا فيه غيرهم من الناس، وظفروا بإجازاته، وأخذوا نصيبهم من الإنتاج فيه. فلم لا نسير نحن سيرة غيرنا من الناس؟
تعنى الحكومة منذ أعوام بإصلاح مناهج التعليم وبرامجه، وهذا خير، ولكن الغريب أنها تصلح في الألفاظ والنظريات، ولا تحاول أن تصلح جوهر التعليم، ولا تفكر في هذه الفروق العقلية العنيفة التي تقسم الأمة الواحدة إلى فرق متمايزة، والتي يجب أن تزال، وأن تقوم مقامها وحدة عقلية تمكن الناس من أن يشعروا معًا، ويفهموا معًا، ويحكموا أحكامًا متقاربة.
في وزارة المعارف حركة إصلاح، وفي الأزهر حركة إصلاح أيضًا، وكلتا الحركتين تأخذ طريقًا غير الذي تأخذه الأخرى. فما أجدر المشرفين هنا وهناك أن يفكروا قليلًا، وأن يدنو بعضهم من بعض، حتى يصلوا إلى طريق يسلكونه معًا، فيحتفظ الأزهر بتعليمه الديني الخالص، ويشق لمن شاء من أبنائه، مع ذلك، طريق التعليم المدني العام.
طه حسين
المجلة الجديدة، إبريل ١٩٣٠. -
تعليم | Education
تعليم
كنت في الفصل الماضي أضع الثقافة موضع البحث، وألاحظ أن التطور الحديث الذي خضعنا له منذ أول القرن الماضي قد أثّر في ثقافتنا هذه آثارًا مختلفة، وذهب بها في طرق متباعدة، فتناقضت، وباين بعضها بعضًا.
وكانت لنا عقول متفاوتة، يذهب كل منها في التصور والتفكير والحكم مذهبًا لا يذهبه الآخر. فالعقل الأزهري، والعقل الذي تنتجه المدارس المدنية الخالصة، والعقل الذي تنتجه المدارس المشتركة بين النظامين الديني والمدني، كل هذه العقول تتصور وتحكم وتفكر على أسلوب خاص بها، مقصور عليها.
وينتج من هذا أن وحدتنا القومية شبه ضعيفة واهية، معرضة للخطر إذا عصفت بها الحوادث، وأصابتها فتنة أو محنة من هذه الفتن التي لا تكاد ترى منها أمة من الأمم في عصر من العصور.
وكنت أرى أن الخير إنما هو في أن يجتهد المشرفون على التعليم في وزارة المعارف والأزهر في أن يقربوا مسافات الخلف بين هذه العقول المتباعدة، حتى تصبح لنا ثقافة واحدة، وحتى نصبح بفضل هذه الثقافة أمة واحدة بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة.
وأنا أحب أن أعود إلى هذا الموضوع اليوم، لا لأوجز، بل لأستقصي القول فيه. فكل شيء يدعو المفكرين في مصر الآن إلى أن يتناولوا هذا الموضوع بالدرس والاستقصاء.
فنحن ننفق من حياتنا القومية عصرًا سيكون له أعظم الأثر، لا في مستقبلنا وحده، بل في مستقبل الشرق العربي الذي نؤثر فيه، ويتخذنا له إمامًا.
نحاول أن نظفر بالاستقلال السياسي الآن، وما أرى أن عصرًا طويلًا سينقضي دون أن نكون قد ظفرنا به.
والاستقلال السياسي تبعة قبل أن يكون مزيّة، فهو يفرض علينا من الواجبات أكثر مما يعطينا من الحقوق.
وحسبك أنه يفرض علينا النهوض بأعبائنا الخاصة، ندبرها وحدنا، لا نعتمد في تدبيرها على أحد، ولا نستطيع أن نحمل غيرنا تبعة الخطأ في هذا التدبير.
وحسبك أنه يفرض علينا النهوض بواجباتنا الدولية على أحسن وجه ممكن، لا نعتمد في ذلك على المصلحين فنًا، ولا نستطيع أن نعتذر من التقصير فيه لأن غيرنا قد حال بيننا وبين ما كنا نريد.
فالاستقلال السياسي إذن يضطرنا إلى أن نواجه كثيرًا من الحقائق الواقعة، كأنْ لم يكن غيرنا ينوب عنا في مواجهتها، ونعالج كثيرًا من المسائل المعقدة، كأنْ لم يكن غيرنا يكفينا مشقة البحث عما تحتاج إليه من حل أو علاج.
وكل ما نأتيه من أمر في مواجهة تلك الحقائق، أو التماس العلاج لهذه المسائل، يترك آثاره الباقية في حياتنا الخاصة، وفي حياة الأمم الشرقية العربية التي نسير على آثارها، ونحرص على تقليدنا قليلًا وكثيرًا.
فمن أوضح الأمر إذن أن نستعد للنهوض بهذه الأعباء، واحتمال هذه التبعات التي يفرضها علينا الاستقلال السياسي الذي نجد في طلبه، ونوشك أن نظفر به.
وأول عدة يجب أن نتخذها لهذا، أن نكوّن وحدتنا القومية إذا لم تكن موجودة، ونقويها إن كان فيها شيء من الضعف أو الفتور.
وأوضح سبيل إلى تكوين هذه الوحدة أو تقويتها إنما هو وضع نظام تعليمي عام يلائم حاجاتنا ومثلنا العليا من جهة، ويحقق لنا وحدة الثقافة من جهة أخرى.
ونحن نعنى بأمر التعليم وإصلاحه منذ ظهرت حركتنا الاستقلالية الأخيرة، وأتيح لنا من الحرية حظ يمكننا من أن نقضي في هذا الأمر من غير رقيب.
ولكن الغريب أننا نحس الحاجة إلى الإصلاح، ونحاول السعي إليه في غير روية، ولا أناة، ولا تفكير. ونحن نفكر فيه تفكيرًا مضطربًا لا نظام له ولا قوام.
نشعر أن الأجنبي قد أشرف على أمور التعليم عندنا، يوجهها وجهة تلائم منفعته هو أكثر مما تلائم حاجتنا نحن، فنجد في هدم ما بناه الأجنبي، لا نكاد نفرق بين الجيد منه والرديء.
وربما حاولنا أن نلتمس لهذا الهدم عللًا أخرى غير هذه العلة، فزعمنا أن المنفعة الصحيحة تقتضي أن نعدل عن منهج قديم إلى منهج جديد، وأن طاقة التلاميذ والطلاب تقتضي أن تنصرف عن نظام إلى نظام، وأن طبيعة الحياة الجديدة التي نحياها تقتضي أن نجدد التعليم كما نجدد غيره من ضروب النشاط العقلي والاجتماعي، إلى غير ذلك من هذه العلل المسرفة في الغموض أو المسرفة في الوضوح، والتي تقرؤها كل يوم فيما ينشئ الكتاب من فصول، وما يصدر الوزراء من قرارات، وما يلقي النواب من خطب، وما يضع الفنيون من تقارير.
والحق الذي لا يحتمل الشك هو أن وزارة المعارف إلى الآن لم تستطع أن ترسم لنفسها طريقًا واضحًا تسلكه إلى إصلاح التعليم، لأنها لم تستطع إلى الآن أن تتبين في وضوح وجلاء الغرض الصحيح الذي من أجله توجد وزارة المعارف، والذي من أجله يتعلم الناس.
وأكبر الظن أن وزارة المعارف تشعر أنها موجودة لأن طبيعة الأشياء اقتضت وجودها، وأن الناس يتعلمون لأن العادة جرت بأن يتعلموا، ليس غير.
ولكن الواقع أن طبيعة الحياة الجديدة في هذا العصر الحديث قد اقتضت وجود وزارة المعارف في البلاد المتحضرة، لأنها اقتضت أن يصبح التعليم قوميًّا بعد أن كان فرديًّا، وأن تشرف الدولة قليلًا أو كثيرًا على هذا التعليم القومي، بعد أن كانت تتركه حرًّا يذهب فيه الأفراد مذاهبهم المختلفة المتباينة.
فالتعليم إذن أمر قومي، تشرف الدولة عليه إشرافًا يختلف قوةً وضعفًا باختلاف المذاهب السياسية في بسط سلطان الدولة على الأمور العامة أو قبضه عنها، ولكنها تشرف عليه في كل حال، كما تشرف على سلامة الوطن، وأمنه، واستقرار العدل فيه.
وإذا كان التعليم قوميًّا، فيجب أن يكون له غرض قومي يسعى إلى تحقيقه، ويكون ملائمًا له في الطبيعة والجوهر والنظام.
فما الغرض القومي الذي نسعى إليه حين ننشئ المدارس، ونقيم المعاهد، ونفرض لذلك الضرائب، وننفق في ذلك الأموال؟
ونلاحظ، قبل أن نجيب عن هذا السؤال، أنه من الواجب أن نجتنب هذه الألفاظ العامة المبهمة التي لا تدل على شيء؛ لأنها تدل على كل شيء، كالمنفعة، والرقي، والتقدم، والجهاد في سبيل الحياة، وما إلى ذلك من هذه الألفاظ التي يألفها الناس ويكتفون بها؛ لأنها سهلة على الألسنة، يسيرة على العقول، لا يحتاج من يسمعها أو نطق بها إلى أن يحقق لها معنًى دقيقًا محدودًا.
يجب أن نجتنب هذه الألفاظ، أو نجتنب على أقل تقدير استعمال هذه الألفاظ في غير ضبط أو تحديد، فلم يؤخر فوزنا بما نبتغي من إصلاح التعليم إلا الركون إلى مثل هذه الألفاظ العامة الغامضة.
يخيل إلي أن للتعليم القومي أغراضًا ثلاثة نحرص عليها، حين ننشئ المدارس، ونقيم المعاهد، ونفتح دور العلم للناس.
فالأمة تعلم أبناءها لتنقل إلى هؤلاء الأبناء تراث الأمة من جهة، والتراث العقلي والفني والأدبي للإنسانية من جهة أخرى. وهي حين تنقل هذين النوعين من التراث إلى الأجيال الناشئة، تحتفظ للأمة بشخصيتها ومقوماتها من حيث هي وحدة مستقلة، وتقوي الصلة بينها وبين الأمم الأخرى، فتمكنها من أن تأخذ بحظها من التضامن الإنساني العام، الذي دفع الإنسانية إلى أن تنحيا، وترتقي، وتصلح من أمرها إصلاحًا مضطردًا.
فالغرض الأول إذن من التعليم القومي يجب أن يكون الاحتفاظ بشخصية الأمة، لتعيش مستقلة من ناحية، ومتضامنة مع غيرها من ناحية أخرى.
والأمة تعلم أبناءها ليظهروا على أسرار الطبيعة وظواهر الكون، فيتمكنوا من أن يسيطروا على هذه الطبيعة، ويسخروها لإرضاء حاجاتهم المختلفة، ليعيشوا، وليعيشوا عيشة مرفهة، أو على أقل تقدير عيشة تكفل لهم حظًّا معتدلًا من الراحة والنعيم.
فهم يدرسون من العلم والأدب والفن ما يتيح لهم أن يزاولوا ضروب الصناعة، والزراعة، والتجارة، وغيرها من الأعمال التي تقتضيها الحضارة، والتي يعتمد عليها الناس ليكسبوا ما يحتاجون إليه من رزق.
فالغرض الثاني من أغراض التعليم القومي تمكين الأجيال الناشئة من أن يصلوا حاضرهم بحياة آبائهم، ويرقوها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا.
والأمة تعلم أبناءها أيضًا؛ لأن الله قد وهبهم عقولًا تحب الحق من حيث هو حق، وتلتمسه، ونفوسًا تحب الجمال من حيث هو جمال، وتطمح إليه. وقد أودع الله هذا العالم حقًّا وجمالًا، فنحن مفطورون على أن نحبهما، ونسمو إليهما، وعقولنا تستكمل بطبيعتها وتنمو بذلك الحب وهذا السمو. ونفوسنا كذلك لا تعتدل ولا تستريح من آلام الحياة ولا تنتج إلا بذلك الحب وهذا السمو.
فالغرض الثالث من أغراض التعليم القومي هو تمكين الأجيال الناشئة من أن تستكمل حياتها العقلية والشعورية الصحيحة بحب الحق والخير، وتحصيل أعظم حظ ممكن منهما.
ولكل غرض من هذه الأغراض الثلاثة نوع من أنواع التعليم القومي؛ لأنه يعين على تحقيقه. وهذه الأنواع كلها متضامنة في تكوين الرجل النافع الذي يصلح عضوًا منتجًا، قيمًا في الحياة، نافعًا للأمة وللإنسانية.
فالتعليم الأولي يكون أقل مقدار ممكن من الثقافة التي يجب أن نشترك فيها الأمة كلها لتحقيق وحدتها، والإنسانية كلها ليتحقق التضامن بين أجزائها.
والتعليم الثانوي والفني جميعًا يحققان هذا الغرض الأول، ويحققان الغرض الثاني؛ لأنهما يمكنان الشباب من العمل، ويفتحان لهم أبواب الجد والنشاط فيما يحتاجون إليه ليعيشوا عيشة خفض ونعيم.
والتعليم العالي يحقق هذين الغرضين، ويحقق الغرض الثالث؛ لأنه يمكن الشباب من أن يبروا الحق والخير، ويأخذوا منهما ما يلائم أمزجتهم وطاقتهم من الحظوظ.
على هذا النحو نفهم التعليم القومي، وعلى هذا النحو وحده تفهم عناية الحكومة بالتعليم القومي، وما تضطرها إليه هذه العناية من فرض الضرائب، وشرع القوانين، وتقييد حرية الأفراد والجماعات.
وإذا كان هذا النحو من فهم التعليم القومي صحيحًا، فمن الواضح أن الحكومة، حين تعنى به وتشرف عليه، يجب أن تضع من النظم والمناهج ما يلائم هذه الأغراض ويعين على تحقيقها.
فليس تعليمًا قوميًّا صحيحًا هذا التعليم الأولي الذي لا يعرف التلميذ تاريخ أمته ومنزلتها الصحيحة من الحياة العالمية.
وليس تعليمًا قوميًّا هذا التعليم الثانوي أو الفني الذي لا يمكن التلميذ من العمل المنتج، ولا يفتح له أبواب الحياة.
وليس تعليمًا قوميًّا هذا التعليم العالي الذي لا يثير في نفس الطالب حب البحث والاستكشاف، والرغبة الصادقة في تنمية التراث العلمي والفني للإنسانية.
وإذن فليس وضع مناهج التعليم وبرامجه أمرًا يسيرًا يمكن أن يعهد به إلى كل إنسان مثقف، وإنما هو أمر دقيق يجب أن يعهد به إلى الذين يعرفون تاريخ الأمة، ويقدرون حاجاتها، ويستطيعون أن يلائموا بين هذا التاريخ وهذه الحاجات، وبين ما ينبغي أن يكون للأمة من مثل أعلى في الحياة.
وما أبعد المسافة بين هذا النحو من تصور التعليم القومي، وبين هذه الخطط المضطربة التي اتخذها أولو الأمر عندنا وسيلة إلى تنظيم التعليم.
وأنا أرجو أن أعود إلى هذا الموضوع، فأبسط فيه القول مرة أخرى.
طه حسين
المجلة الجديدة، إبريل ١٩٣٠.