Tag: التوازي التاريخي

  • وداع | Farewell

    وداع…
    بقلم الدكتور طه حسين بك
    لعل صدقي باشا يسمح لنا بأن نودع الحق والحرية إلى حين بعد أن تفضل فأعلن إليهما أن مصر لم تعد لهما دار مقام، وأن عليهما أن يرتحلا عنها إلى حيث يحبان حتى إذا تمت المفاوضات بيننا وبين الإنجليز وانتهت إلى ما نحب أو إلى ما نكره وأذن الله لصدقي باشا أن يستريح كان من الممكن أن يحاولا العودة إلى مصر فقد يؤذن لهما بهذه العودة وقد يردان عنها حسب ما تقضي به الظروف حينئذٍ، فأما الآن فالدار بهما نابية والنفوس عنهما منصرفة والمصلحة العامة والخاصة تفضيان بأن يرتحلا وبأن يلتمسا لهما مقامًا في مكان قريب أو بعيد في فلسطين أو في سوريا أو في لبنان. فكل هذه البلاد ترحب بهما ترحيبًا حارًا وتستقبلهما في كثير من الرضى والاستبشار وإن كانت فلسطين مسرحًا لهذا الصراع الهائل بين باطل الصهيونية وحق العرب وبين تسلط الاستعمار والطموح إلى الاستقلال وإن كانت هناك مفاوضات ختامية لا تمهيدية تدور في باريس لاستكمال الاستقلال لسوريا ولبنان وإتمام الجلاء الكامل عن أرض سوريا ولبنان.

    كل ذلك لا يمنع الحق والحرية من أن يعيشا في أي قطر من هذه الأقطار لأن حكومات هذه البلاد لا تضيق بهما ولا تشفق منهما ولا ترى فيهما خطرًا على الأمن ولا عقبة في سبيل المستقبل ولا مانعًا من تحقيق الاستقلال.

    فأما مصر فأمرها عسير أشد العسر معقد أعظم التعقيد، لأن لها في المفاوضات مذهبًا غير مذهب الحكومة ورأيًا يناقض رأي الحكومة وما دامت مصر ليست هي التي ستفاوض الإنجليز وإنما ستفاوضها حكومة صدقي باشا فلا أقل من أن تذعن مصر للحقائق الواقعة وتصبر على ما تكره وأن تذعن لما لا تحب حتى يمضي الله أمرًا كان مفعولًا وليس من سبيل إلى هذا الصبر ولا من أمل في هذا الإذعان إلا إذا ارتحل الحق والحرية عن أرض النيل وأقاما حيث يحبان في الشرق أو في الغرب حتى تنتهي المفاوضات. في أثناء هذا الوقت تستطيع الحكومة أن تقول ما تشاء وأن تعمل ما تشاء وأن تظهر المصريين على ما تحب وأن تخفي عليهم ما تحب وأن تأمرهم بما تريد وأن تنهاهم عما تريد دون أن تخشى منهم إنكارًا لقليل أو كثير مما تقول أو تعمل ودون أن تخاف منهم مخالفة عن قليل أو كثير مما تأمر به أو تنهى عنه. هذا شرط أساسي لتستقيم الأمور ولتستطيع الوزارة أن تتم ما هي مقدمة عليه من هذه المفاوضات الحرة الطليقة التي لا تتأثر بشرط ولا تتقيد بقيد وإنما هي حرة كالنسيم الذي يجري في الجو لا يعترضه معترض ولا يردده راد وواضح جدًا أن حرية المفاوضات تقتضي تقييد الشعب. فليس من الممكن أن يجمع السيفان في غمد وأن تكون الحكومة حرة في مفاوضة الإنجليز ويكون الشعب حرًا في مراقبة الحكومة وما دامت مفاوضة الإنجليز مفروضة لأن الشعب أرادها وطالب بها فطبيعة الأشياء تقضي بأن ينزل الشعب عن حريته لأن الذين يطلبون النتائج يجب أن يوافقوا على المقترحات والنتائج ها هي المفاوضات والمقدمات ها هي تقييد حرية الشعب.

    هذا كلام يضحك منه الناس في أي بلد من بلاد الأرض في الشرق والغرب في فلسطين وسوريا ولبنان مثلًا، ولكن المصريين لا يضحكون منه ولا يهزؤون به وإنما يرونه الجد كل الجد والصواب كل الصواب لأن المصريين أعقل من أهل الأرض جميعًا وأعلم بحقائق الأشياء وفلسفة أرسطاطاليس من أهل الأرض جميعًا وقد أنبأتهم فلسفة أرسطاطاليس منذ عهد بعيد بأن من طلب الغاية أقر الوسيلة وما داموا يطلبون المفاوضات فيجب أن يقروا وسائلها وأيسر هذه الوسائل أن يمنح الحق والحرية إجازة يقضيانها خارج القطر ليستريح الشعب المصري من البحث والتحقيق أولًا ومن الاحتجاج والإنكار ثانيًا ومن المراقبة والمحاسبة ثالثًا ولتستريح الحكومة من هذا كله وتفرغ للمفاوضات وليستريح الإنجليز من هذا كله أيضًا ويفرغوا للمفاوضات ولو أن الإنجليز عقلوا كما يعقل المصريون وفهموا الأمور كما يفهمها المصريون لتجنبوا كثيرًا من هذا الخطأ الذي يدفعون إليه كل يوم ولتنكبوا كثيرًا من هذا الشر الذي يتورطون فيه كل يوم أيضًا. فالإنجليز يفاوضون مفاوضة مستمرة يفاوضون الروس ويفاوضون الأمريكيين ويفاوضون الفرنسيين، ويفاوضون أممًا أخرى صغيرة وكبيرة ولكنهم لا يبلغون من مفاوضاتهم شيئًا وإنما ينتهون بها أو تنتهي بهم إلى الإخفاق وليس لهذا سبب إلا أن الإنجليز لا يفهمون الأشياء كما ينبغي أن تفهم فهم يفاوضون ويتركون الشعب حرًا أثناء المفاوضة ثم يدهشون بعد ذلك حين يصيبهم الإخفاق ولو أنهم عرفوا ما عرفته مصر من أن المفاوضة والحرية لا تجتمعان ومن أن إحداهما تطرد الأخرى ولو أنهم ساروا كما نسير نحن فتركوا الحرية حين يرغبون في المفاوضات وتركوا المفاوضات حين يرغبون في الحرية لكتب لهم النجاح في كل ما يحاولون. ولكن الإنجليز قوم فطروا على غرابة الأطوار، فهم يؤثرون الحرية على كل شيء، يؤثرونها حتى على نجاح المفاوضات مهما يكن موضوعها ومهما يكن خطرها. يؤثرونها حتى أنهم ليحاربون في سبيلها، ويتعرضون لأعظم الهول: يؤثرونها ولكن لأنفسهم لا لغيرهم من الناس، نستغفر الله، بل هم يؤثرونها لأنفسهم ولكل ما يقيم في أرض الوطن البريطاني ويبخلون بها بعد ذلك على غيرهم من أهل الأوطان الأخرى. ألم أقرأ في إحدى الصحف الفرنسية أن نائبًا بريطانيًا قدم إلى مجلس العموم عريضة وقعها أكثر من خمسين ألفًا يطلبون فيها الرفق بالخيل التي تعمل في المناجم وتحديد ساعات العمل لهذه الخيل بحيث لا تزيد على ثماني ساعات في كل يوم.

    قالت الصحيفة الفرنسية التي نشرت هذا الخبر ما أجدر الهنود بأن يقارنوا ويبتهجوا بنتيجة المقارنة.

    الإنجليز إذن يؤثرون الحرية على نجاح المفاوضات وهم من أجل ذلك لم يمنحوا الحق والحرية إجازة يقضيانها في فرنسا مثلًا أثناء مفاوضتهم المتصلة وهم من أجل ذلك لا يصادرون التايمز ولا الديلي تلغراف ولا الديلي هيرالد ولا غيرها من الصحف.

    وهم من أجل ذلك لا يحاصرون دور الصحف ولا يكلفون النيابة بأن تقوم بأعمال الرقباء وهم من أجل ذلك لا يحرقون الصحف تحريقًا ولا يطمسون حروفها طمسًا، وهم من أجل ذلك لا يصدرون إليها التعليمات بما ينبغي أن تنشر وبما لا ينبغي أن تنشر ولا يكلفون الشرطة والنيابة مراقبة التنفيذ والخضوع لهذه التعليمات. هم لا يصنعون شيئًا من ذلك وهم من أجل ذلك يخفقون في مفاوضاتهم إخفاقًا متصلًا ولكنهم يحبون مصر أكثر مما يحبون أنفسهم ويحرصون على مصلحة مصر أكثر مما يحرصون على مصلحة أنفسهم يريدون أن تنجح مفاوضاتهم مع مصر وإن أخفقت مفاوضاتهم مع الدول الأخرى ولذلك يلحون في أن يكون جو المفاوضات صفوًا صحوًا لا تكدره المعارضة ولا تفضه الحرية ولا يفسده الحق. وقد هموا بأن يقيدوا حرية الشعب البريطاني ويصادروا صحفه ولكنهم لم يجدوا إلى ذلك سبيلًا لأن الفساد متأصل في النفس البريطانية فهي لا تعدل بالحرية البريطانية شيئًا فاكتفوا مضطرين بأن يقيد صدقي باشا حرية الشعب المصري ويصادر الوفد والمصري والبلاغ حين عجزوا هم عن مصادرة التايمز والديلي تلغراف والديلي هيرالد فشيء خير من لا شيء وإذا لم يمكن إذلال الشعبين المتفاوضين فلا أقل من أن يذل أحدهما وأعقل الشعبين هو الذي يتبين الذل ويذعن للبطش ويستسلم للتحكم ويقبل أن تصادر صحفه وأن يطرد الحق والحرية من أرضه رغبة في نجاح المفاوضات، وأعقل الشعبين بالطبع هو الشعب المصري الذي يفهم حقائق الأشياء ويتعمق منطق أرسطاطاليس ويعلم أن الذين يطلبون الغاية يجب أن يقبلوا الوسيلة ويقروها.

    لهذا كله يرغب الإنجليز إلينا صادقين في أن ننقي جو المفاوضات مما يكدره فنمنح الحق والحرية إجازة يقضيانها في ربوع لبنان. ولهذا كله نرغب نحن إلى أنفسنا في أن نريح مصر من الحق والحرية حينًا ونريح الحق والحرية من مصر حينًا ونقضي أسابيع أو أشهرًا مطمئنين إلى الذلة مستنيمين إلى الهوان قانعين بما قسم الله لنا من هذه الحياة الفاترة الحلوة التي يحياها أصحاب السذاجة والغفلة من الناس، يقال لهم إن الشمس تطلع من الغرب وتغرب في الشرق فلا ينكرون مما يقال لهم شيئًا. يؤمرون فيطيعون وينهون فيذعنون يساقون إلى ما يراد بهم فينساقون لا لشيء إلا لأنهم يفهمون حقائق الأشياء ويتعمقون منطق أرسطاطاليس ويؤمنون بأن الذين يطلبون الغاية يجب أن يقروا الوسيلة.

    كل هذا حق وكل هذا واقع، وإذا كان هناك شيء غريب يستحق البحث والاستقصاء فهو هذا الاستجواب الذي قدمه زعيم المعارضة في مجلس الشيوخ يسأل فيه رئيس الوزراء عن مصادرة الصحف كيف كان وكيف خولف به عن أمر الدستور.

    كان زعيم المعارضة لا يعلم أن الدستور وسيلة لا غاية وأن المفاوضات أعظم خطرًا من الدستور وأن الحرية شر لا بد منه. يحتمل حين لا يكون في احتماله ضرر ويرفض كل الرفض حين تخشى منه الضرر. ولو كنت عضوًا في مجلس الشيوخ كزعيم المعارضة لعرفت كيف أرد عليه وكيف أشكر لصدقي باشا حبه لمصر وعنايته بها وحرصه على مصالحها وأخذه إياها بأحسن الأدب وأرقاه وحمايته إياها من الحق والحرية وما يجران إليه من الآثام.

    أنا إذن مؤيد لصدقي باشا كل التأييد يجب أن نصادر الصحف وأن يراقب الناس فيما يقولون ويعملون وأن يرد المصريون إلى ذلك العهد السعيد البعيد الذي كادوا ينسونه منذ ستة عشر عامًا لينعموا بالحياة الهادئة الآمنة الراضية المطمئنة وليظفروا من الإنجليز بالجلاء الصحيح غير المزيف وبوحدة وادي النيل من منبع النيل إلى مصبه. فهذا أهم ألف مرة ومرة من الحق وأهم ألف مرة ومرة من الحرية وأهم ألف مرة ومرة من هذه الصحف التي تصادر، ومن هذه الخسائر اليومية التي يحتملها أصحاب الصحف. ومن هذا الضغط اليومي الذي يجده المصريون حين يلتمسون الصحف فيقال لهم إنها قد صودرت. وما الذي يخسره المصريون إذا لم يجدوا الوفد والمصري والبلاغ وأنهم سيجدون صحفًا أخرى تنشر لهم الأخبار كما تحبها الحكومة، وكما ينبغي أن تنشر الأخبار ليصفو جو المفاوضات ستغتني صحف لأن الناس سيشترونها راضين أو كارهين. وستفتقر صحف أخرى لأن الناس سيصدون عنها صدًا وليس بهذا بأس وليس في هذا غرابة فقد قال أبو العلاء منذ عشرة قرون:

    غنى زيد يكون لفقر عمرو.

    إنا إذن أؤيد صدقي باشا كل التأييد وأوافقه على أن تصادر الصحف التي تخالف عن أمره وتحابي الصحف التي تذعن لأمره، وعلى أن يسير الشعب المصري على هوى صدقي باشا لا على هوى نفسه.

    ولو كنت وزيرًا مع صدقي باشا أو لو أتيح لي أن أشير على صدقي باشا لأشرت عليه بأن يريح نفسه ويريح وطنه ويريح حلفاءنا الإنجليز من هذا الدستور الذي يشهره الخصوم في وجهه كل يوم لا تصادر صحيفة إلا قيل له خالفت الدستور ولا يتخذ إجراء لحماية الأمن إلا قيل له خالفت الدستور ولا يتحرك الرجل حركة إلا حوسب عليها باسم الدستور أليس من الطبيعي أن يريح نفسه وخصومه وهذا الدستور.

    هو مقبل على المفاوضات وخصومه يشغلونه ويضيعون عليه الوقت بهذه الاستجوابات التي يقدمونها باسم الدستور أيهما أهم أن يشتغل صدقي باشا بالاستعداد للمفاوضات أو أن يضيع وقته في الاستعداد للرد على الاستجوابات.

    والدستور بعد ذلك قائم نائم قائم لأن البرلمان يجتمع، ونائم لأنه يعطل في كل يوم بهذه المخالفات التي تقتضيها المصلحة ويفرضه الحرص على نجاح المفاوضات. الدستور قائم نائم كهذا المريض الذي ينهض أثناء الليل ويسعى لا يحس أنه يسعى ويقدم ويحجم لا يحس أنه يقدم أو يحجم.

    فأي بأس على صدقي باشا وأي بأس على المصريين من أن ينام الدستور نومًا عميقًا متصلًا حتى تنتهي المفاوضات إما إلى جنة وإما إلى نار. وإذا فرضت المصلحة على صدقي باشا أن يمنح الحق والحرية إجازة يقضيانها خارج مصر فلم لا تفرض المصلحة عليه أن يمنح النواب والشيوخ إجازة يقضونها في الأقاليم، وأن يمنح الدستور نفسه إجازة يقضيها في درج من الأدراج.

    ليصدقني رئيس الوزراء أن وقته أنفس من أن يضيع في هذا الكلام الذي لا يقدم ولا يؤخر، ومن أن المصلحة الوطنية أنفس من أن تضيع في سبيل الحق والحرية والدستور. فليرح نفسه وليرح وطنه من كل هذه الألفاظ التي فقدت معانيها وأصبحت لا تدل على شيء. ولست أطلب إليه إلا شيئًا واحدًا، ما أظن أنه يبخل به علينا فهو أكرم من أن يبخل به وأسمح نفسًا من أن يردنا خائبين.

    شيء واحد هو الذي أطلبه لا أطلب معه شيئًا آخر وهو أن يبتسم صدقي باشا ابتسامته الحلوة الراضية ويأذن لنا في أن نودع الحق والحرية والدستور ولو إلى حين.

    طه حسين
    البلاغ، ١٠ مارس سنة ١٩٤٦.

  • سخرية … | Irony…

    حديث المساء: سخرية …

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٦ نوفمبر ١٩٣٣

    كان هشام بن عبد الملك قد أسرف في ظلم ابن أخيه الوليد بن يزيد، وكان ولي عهده، حتى أزعجه عن
    دار الخلافة، واضطره إلى أن يعيش في البادية عيشة أقرب إلى حياة الطريد الشريد، لا يصحبه إلا
    نفر قليل من خدمه ومواليه الذين أذن لهم هشام في مصاحبته بعد مشقة وعسر.

    وكان هشام قد قتَّر على ولي العهد في الرزق تقتيرًا شديدًا، وضرب أنصاره وأولياءه وألقاهم في
    غيابات السجن، حتى كانت محنة الوليد في نفسه وفي أصفيائه منكرة قاسية.

    فلما مرض هشام مرضه الذي مات فيه، وثقلت عليه العلة، طلب شيئًا من خزائن الدولة؛ فلم يجبه
    الخازن إلى ما طلب إليه، فقال هشام: كأنما كنا خزَّانًا للوليد.

    ثم مات هشام، وأُسلمت أمور الدولة وأموالها للوليد، فلم تبق في يده إلا زمنًا قصيرًا؛ لأن
    الأمر نقل عنه في تلك المأساة التي يعرفها الناس.

    وكذلك أنفق هشام أعوامًا وأعوامًا يضطهد الوليد، ويسرف عليه، ويهيئ لنقل ولاية العهد إلى
    ابنه، فلم يبلغ من ذلك شيئًا، ولم يدركه الموت حتى أحس لذع الخيبة وألم الإخفاق، وعلم أنه لم
    يزد على أن كان خازنًا للوليد.

    وكان صدقي باشا شديدًا قاسيًا على زميله عبد الفتاح يحيى باشا: يُعرض عن نصحه، ولا يسمع
    لرأيه، ولا يأبه لمعونته، ولا يُقدِّر مكانته منه في الوزارة، حتى إذا ضاق بما كان يجد من خلاف
    عبد الفتاح باشا واعتداده بنفسه أخرجه من الوزارة إخراجًا، ولم يحفل باستقالته من حزب الشعب حين
    استقال منه، ثم دارت الأيام دورة قصيرة لم تبلغ العام وإذا صدقي باشا قد أُبعِد عن الوزارة،
    وإذا عبد الفتاح يحيى باشا قد ارتقى إلى الوزارة.

    وما هي إلا أيام أخرى حتى يلتمس صدقي باشا من أعضاء الحزب بعض ما يريد فيأبون عليه، وينصرفون
    عنه، وإذا هو يشعر بلذعة الخيبة، وحسرة الإخفاق، وإذا هو يقول في نفسه ولأصفيائه: كأنما كنا
    نبني لعبد الفتاح باشا يحيى.

    ثم يطول الذل، ويثقل الحمل، وتفسد الأمور في السر والجهر، ويقسم بعض أعضاء الحزب ليخرجن الأعز
    منها الأذل، وينتهي الأمر بصدقي باشا إلى أن يسعى إلى عبد الفتاح يحيى باشا ليبلغه أنه سيستقيل
    من رياسة حزب الشعب، ثم ينصرف عنه، فيدعو مجلس إدارة الحزب وينبئهم بما كان بينه وبين نائبه،
    ويعلن إليهم أنه مستقيل، وتبر يمين أولئك الذين أقسموا ليخرجن الأعز منها الأذل، ويعود الرجل
    إلى داره، فيُلقي العصا، وتستقر به النوى، بعد رحلة طويلة جدًّا، شاقة جدًّا، في طريق عسيرة
    جدًّا، ملتوية جدًّا، كان يقدر أنها ستنتهي به إلى الفوز والعز والمجد، فانتهت به إلى الخيبة
    والذل والهوان، حتى على أقرب الناس إليه، وأعطف الناس عليه.

    وأصبح ذلك الجبار العنيد الذي وثب ذات يوم يتحدى شعبًا بأسره، رجلًا هينًا يسيرًا لا يحفل به
    أحد، ولا يفكر فيه أحد، ولا يحسب له أحد حسابًا! وما أعرف أن حياة سياسية ختمت بشرٍّ مما ختمت
    به حياة هذا الرجل: ألغى دستورًا وأقام دستورًا، فرق برلمانًا وجمع برلمانًا، وفرض نفسه — وهو
    رجل واحد — على شعب يتألف من الملايين أكثر من ثلاثة أعوام.

    ثم انتهى به الأمر إلى حيث أصبح يدعو فلا يستجيب له أحد، ويأمر فلا يطيعه أحد، وينهى فلا يلقى
    إلا هز الرءوس ورفع الأكتاف، ويسعى فلا يدري أيضع رجليه على أرض ثابتة مطمئنة، أم يضع رجليه على
    أرض مزلزلة مضطربة توشك أن تزول، ويستيقظ فلا يسمع إلا بالخذلان والعصيان والمكر والكيد، وينام
    فلا يحلم إلا بالخذلان والعصيان والمكر والكيد؛ أشباح مخيفة مروعة توقظه إذا نام، وتداعبه إذا
    استيقظ، حتى يأخذه هذا النوم الثقيل الممض الذي لا راحة فيه ولا هدوء.

    وكذلك ينتهي الغرور بالمغرورين، وكذلك ينتهي الطغيان بالطغاة، وكذلك يختم العدوان سيرة
    المعتدين، وكذلك تلقي الأيام على هذا الرجل وعلى أمثاله من الضعفاء والأقوياء أبلغ الدروس
    وأقساها، فتنبئهم بأن الفرد ضعيف مهما يُسرف في القوة، ويُغرق في البطش، ويغل في العدوان؛ لأنه
    فرد لا أكثر ولا أقل، وأن الشعب قوي مهما يتسلط عليه المتسلطون، عزيز مهما يحاول إذلاله
    المذلون؛ لأنه شعب وكفى، لأن حياته أطول من حياة الفرد، لأن حياته أوسع من حياة الفرد، لأن قوته
    أبقى على الزمن من قوة الفرد، لأنه متصل بالتاريخ الذي مضى، متصل بالتاريخ الذي سيأتي، جامع بين
    ما في الماضي والحاضر والمستقبل من أسباب الحياة والقوة والبقاء.

    وكذلك تلقي الأيام على هذا الرجل وأمثاله من الطغاة والقساة أبلغ الدروس، وأقوم العظات،
    فتنبئهم بأن الذين يظلمون الشعوب يجنون على أنفسهم أكثر مما يجنون على أممهم؛ لأن بقاء الشعوب
    وقوتها، وأملها في المستقبل، واعتزازها بالماضي، كل ذلك يمنحها من القوة ما يُمكِّنها من
    الاحتمال، وما يُمكِّنها من المقاومة، وما يكفل لها الانتصار والفوز، على حين لا يجد الظالمون
    من ماضيهم عزاءً، ولا في مستقبلهم رجاءً، ولا في حاضرهم واقيًا من هذا السخط الشعبي العنيف
    العام الشامل، الذي هو مظهر من مظاهر سخط الله.

    ما أجدر الناس أن يرسلوا نفوسهم إلى حيث يقيم صدقي باشا في داره، بعد أن تخلى عنه كل شيء،
    وتخلى هو عن كل شيء، وبعد أن أقام ما أقام، وشيد ما شيد، ثم تخلَّى عما أقام وشيد، أو تخلَّى
    عنه ما أقام وما شيد؛ ليروا فيم يفكر هذا الرجل، وبم تضطرب الخواطر في نفسه الكئيبة الحزينة: أن
    للنفوس نظرات قوية حادة تخترق الحجب والأستار، وتبلغ ما في أعماق الضمائر وقرارات القلوب، وأن
    الناس أرسلوا نفوسهم إلى حيث يقيم صدقي باشا ليروا في نفسه معاني مظلمة قاتمة كأنها أشخاص الحزن
    واليأس والندم!

    إنه ليفكر في خيبة الآمل فتُحدِّثه نفسه بأنه وحده المسئول عما لقي من خيبة، بأنه طمع فيما لا
    مطمع فيه، وسعى إلى ما لا يُمكن أن يُنال. إنه سيفكر في قوم أحسن إليهم فأساءوا إليه، ورفق بهم
    فقسوا عليه، وقدم إليهم الصنيعة فجزوه بالجحود، فتحدثه نفسه بأنه وحده المسئول عما لقي من
    الجحود؛ لأنه حمل أصحابه هؤلاء على أن يسيئوا إلى قوم أحسنوا إليهم، ويجحدوا قومًا قدَّموا
    إليهم المعروف، فهو الذي أغراهم بما يلقى منهم اليوم.

    إنه ليفكر في قومٍ تولوا الحكم كرامًا، وخرجوا من الحكم كرامًا، وثبتوا لألوان الظلم والقهر
    وضروب العنف والعسف، فلم تزدهم المحن على إلحاحها واشتدادها إلا عزة وكرامة وارتفاع شأن، لم
    تتخل عنهم أحزابهم، ولم يتخلوا هم عن أحزابهم، لم ينصرف عنهم الناس ولم ينصرفوا هم عن الناس،
    إنما أحسوا من أحزابهم حبًّا وتأييدًا، وأحسوا من الناس إكبارًا وإعظامًا؛ فمضوا في طريقهم
    أُباة للضيم، وحماةً للمجد، حراصًا على خدمة الشعب، سعداء بثقة الشعب بهم، وتأييد الشعب لهم،
    واستعداد الشعب لفدائهم بالأنفس والأموال.

    فتحدثه نفسه بأنه وحده المسئول عما يحس من لذع الآلام، وحسرة الخذلان، ومضاضة العزلة، وعما
    يشعر به من أن أحدًا لا يفكر فيه، ومن أنه لا يستطيع أن يفكر في أحد؛ لأنه سلك طريقًا لا تحبها
    الشعوب ولا ترضاها، وسار سيرة لا تطمئن إليها الأمم، ولا تثق بأصحابها، ولم يدع رجلًا خليقًا
    بالوفاء وشكر الجميل إلا اصطنع عنده ما لا يدعو إلى وفاء، ولا إلى شكر جميل، ولم يدع رجلًا
    خليقًا بالجحود والعقوق إلا اصطنع عنده المعروف، وأهدى إليه الإحسان، ولأنه آمن بنفسه أكثر مما
    ينبغي أن يؤمن الناس بأنفسهم، واطمأن إلى غيره أكثر مما ينبغي أن يطمئن الناس إلى غيرهم، ووثق
    بالأجنبي أكثر مما ينبغي أن يثق الناس بالأجنبي، وأسلم نفسه للحظ أكثر مما ينبغي أن يسلم الناس
    أنفسهم للحظ.

    فهو خليقٌ أن يجني ما جنى، وهو خليق أن ينتهي إلى ما انتهى إليه، لا يلم إلا نفسه إن كان قد
    ألف حزبًا عماده الحكم، فتخلى عنه هذا الحزب حين تخلى عنه الحكم، لا يلم إلا نفسه إن كان قد
    أقبل على الحكم مناهضًا للشعب، فلم يحفل به الشعب حين أدبر عنه الحكم، لا يلم إلا نفسه إن كان
    قد أقام حياته السياسية على المداورات والمناورات، وعلى الأثرة وحب النفس، فانتهى من المداورات
    والمناورات إلى العجز والانقطاع، وانتهى من الأثرة وحب النفس إلى أن فقد حب الناس له وعطفهم
    عليه.

    ما أجدر الناس أن يرسلوا نفوسهم إلى حيث يقيم هذا الرجل ليروا فيم يفكر هذا الرجل، وكيف يشقى
    هذا الرجل، وكيف يجني هذا الرجل ثمرة ما قدم إلى نفسه وإلى مواطنيه!

    إن في هذا كله لعظة لو أن الناس يتعظون، وعبرة لو أن الناس يعتبرون، ولكن أمثال صدقي باشا في
    الناس كثيرون يغرهم الغرور، وتدعوهم المغامرة فيمضون فيها لا يفكرون ولا يُقدِّرون، حتى تنتهي
    بهم إلى هذه العاقبة القاسية.

    والغريب أن أمثال صدقي باشا لا يتعظون ولا يعتبرون، وإنما يقدم كل واحد منهم وكأن الأيام لم
    تُلقِ الدروس، ولم تُقدِّم العظات، وكأن الطغاة لم يلقوا عاقبة الطغيان، وكأن المغرورين لم
    يبوءوا بعاقبة الغرور. إنما الشعوب وحدها هي التي تستفيد من هذه العظات، وهي التي تنتفع بهذه
    العبر؛ لأنها تنظر فترى أنها أعظم قوة، وأقدر على المقاومة والبقاء والفوز من الفرد مهما يكن،
    ومهما يعظم سلطانه، ومهما تواته الظروف.

    ترى ذلك فتعتز به وتتعزى، وتستزيد به من إيمانها بنفسها، وحرصها على حقها، ومقاومتها للطغاة
    والظالمين، فإذا كان أمثال صدقي باشا من المصريين لا يتعظون بموعظة صدقي باشا؛ فإن الأمة
    المصرية كلها متعظة بهذه الموعظة، متحدية الذين سيسيرون سيرة صدقي باشا، كما تحدت صدقي من قبل،
    واثقةً بأنها ستفوز عليهم كما فازت على صدقي باشا الآن.

  • وداع١ | Farewell (1)

    حديث المساء: وداع (١)

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١ أبريل ١٩٣٣

    زعموا أن زيادًا لما ضبط العراق لمعاوية، وأقَرَّ فيه النظام الجديد بالقهر والعنف، كتب إلى الخليفة يسأله أن يضمَّ إليه ولاية الحجاز، وهمَّ الخليفة أن يفعل، وجزع أهل الحجاز حين انتهى إليهم هذا النبأ، فلجئوا إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب، رضي الله عنهما، يسألونه أن يدعو على زياد، فلم يَدْعُ عبد الله على أحد، ولكنه استقبل القبلة فيما يقال، وسأل الله العافية والسلامة والمغفرة للمسلمين، وكفى الله أهل الحجاز زيادًا، وأراح الله أهل العراق من زياد؛ لأنه نقَلَ زيادًا إلى دار أخرى، لا ولاية فيها إلا لله، ولا سلطان فيها إلا لله، وليس فيها خوف من والٍ، ولا إشفاق من أمير …

    وكان أهل الحجاز معذورين حين أشفقوا من ولاية زياد؛ لأنه كان قد جشم أهل العراق أهوالًا، وجرعهم من العذاب ألوانًا، وكان أهل العراق معذورين حين تنفَّسوا الصعداء لانتقال زياد عنهم؛ لأنه كان قد أذاقهم ألوانًا من الذل، وأخضعهم لضروب من الخسف لم يعرفوها من قبلُ، وإن كان انتقال زياد عنهم لم يُرضِهم حقًّا؛ فقد ولي أمورهم بعدُ مَن لم يكن خيرًا من زياد، بل مَن كان شرًّا من زياد.

    وأنا بعيد كل البعد عن أن أفكِّر في أن بين ولاتنا في الأقاليم هؤلاء الذين نسميهم المديرين، وبين زياد شبهًا ما! فقد كانت في زياد خصال من الخير ليست فيهم مع الأسف، وكانت في زياد خصال من الشر لم يبلغوها مع السرور!

    ولكن الشيء بالشيء يُذكَر، وتوزيع المديرين على الأقاليم في هذه الأيام القاتمة يذكِّر بقصة زياد مع أهل الحجاز وأهل العراق، يذكِّر بها لأن رضى أهل الأقاليم عن المديرين الراحلين عنهم وأمل أهل الأقاليم في المديرين المقبلين عليهم لا يخلو من شوائب لا تصوِّر الرضى، ولعلها تصوِّر السخط، ولا تصوِّر الأمل، ولعلها تصوِّر الخوف واليأس. فمهما يَقُلِ القائلون فلن يستطيعوا أن ينكروا أن أهل أسيوط ساخطون على مديرهم القديم سخطًا سجَّله القضاء غير مرة، وتحدَّثَ به الناس في مصر وغير مصر فأكثروا الحديث، وما أظن أن أهل الغربية يستقبلون مديرهم الجديد في أمل مشرق ورجاء مبتسم، وهو يُقبِل عليهم ومن ورائه البداري والمطيعة وبني حسين …! وأكبر الظن بل الحق الذي لاشك فيه، هو أن هذه الأحداث المنكرة التي استُحْدِثَتْ في أسيوط، قد سبقت مديرها إلى أهل الغربية، فملأت قلوبهم، لا أقول رعبًا وفزعًا، فالمصريون بحمد الله لا يعرفون الآن رعبًا ولا فزعًا؟! ولكن ملأت قلوبهم حزنًا وأسًى؛ لأنهم يتوقَّعون أن يسير فيهم مديرهم الجديد سيرته في أهل أسيوط.

    ومهما يَقُلِ القائلون فلن يستطيعوا أن يزعموا أن أهل الدقهلية يحفظون لمديرهم الراحل عنهم ذكريات ملؤها الحب الخالص والثناء الجميل، وأن أهل المنوفية يستقبلونه بهذا الأمل الواسع الطلق، وهذا الرجاء الباسم العريض، وما يستقبل به خيار المديرين، من حسن الاستعداد للتعاون الصادق، ولم تجفَّ بعدُ هذه الدماء التي سُفِكت في أرض الدقهلية، ولم تستقرَّ بعدُ هذه النفوس التي أُزهِقت في جو الدقهلية، ولم يَنْسَ الناس بعدُ أن سوء الإدارة كان السبب القريب أو البعيد الذي سُفِكت له هذه الدماء، وأُزهِقت له هذه النفوس، والذي لم تستطع قوانين الناس أن تعاقِب عليه لأمرٍ من الأمور، فإن قوانين الله لا تهمله، ولا تمحو إثمه، ولا تدعه يمضي بغير حساب!

    وقُلْ شيئًا كهذا، أو قريبًا من هذا، في سائر الأقاليم التي رحل عنها مدير، وانتقل إليها مدير، فكلها يودع في سخط ويستقبل في حزن ويذكِّر بقصة زياد!

    ومع ذلك فهل قرأت المقطم أمس، وهل رأيت أن جميع الأقاليم التي انتقل عنها المديرون قد وجدت من أهلها مَن رضي عن المديرين، وأسف لفراقهم، وحرص على أن يودِّعهم وداعًا فيه الحب والود، وفيه الإعجاب والإكبار! وهل لاحظت أن أخبار هذا الوداع قد وصلت إلى المقطم كلها في لحظة واحدة، ونشرها المقطم كلها في يوم واحد، وفي مكان واحد، كأنما كانت من المقطم على ميعاد! وكأنها التقَتْ في هذا الميعاد فحيَّا بعضها بعضًا، وصافَحَ بعضها بعضًا، وانتقلت جميعًا إلى المقطم، لتنزل في هذه المنزلة التي أُعِدَّتْ لها من قبلُ إعدادًا، ومُهِّدَتْ لها من قبلُ تمهيدًا!

    ألم تنكر شيئًا من هذا التوافق الغريب بين مكاتب البريد في قنا وجرجا وأسيوط والزقازيق ودمنهور، وبين سعاة البريد في القاهرة على اختلاف المسافات بُعْدًا وقُرْبًا من القاهرة؟ ألم تحس أن هذا أيضًا أمرٌ قد دُبِّرَ بليل وأُرِيدَ به شيء غير هذا الظاهر الذي تراه أنت وأراه أنا؟ أما أنا فلستُ أدري لِمَ لا أكتفي بظواهر الأشياء؟ ولِمَ أبحث دائمًا عن دخائلها وأسرارها؟ والحق أني لم أُطِل البحثَ، ولم أتكلَّف فيه شيئًا من العناء، فقد أنكرت الصحف حفلات الوداع هذه، وتقدَّمَ بعض النوَّاب بأسئلة فيها إلى وزير الداخلية، وكان حوار في الصحف حول هذه الأسئلة. وإذا وحيٌ يصدر فيسمع، وأمرٌ يبلغ فيطاع، وإذا توافُقٌ غريب بين المديرين على اختلاف أمزجتهم وطبائعهم، كلهم زاهد في الحفلات كاره لها، وكلهم راغب عنها معتذر منها، وكلهم حريص على أن تنشر الصحف زهده واعتذاره. ألستَ تنكر من توافُقِ المديرين على هذا الزهد الطارئ مثل ما أنكرتَ من توافُقِ الرسائل على الظهور في المقطم في يوم واحد، وفي مكان واحد، كأنما جاءت على ميعاد؟!

    عَفَا الله عن وزارتنا القائمة، ماذا صنعت بإرادة الأفراد والجماعات وطبيعة الأشياء، أَكُلُّ شيء في مصر يجب أن يكون مرتَّبًا مصنوعًا؟ أَكُلُّ شيء في مصر يجب أن يخضع لهذا العبث الغريب الذي يؤلِّف بين المختلفات ويوفِّق بين المفترقات؟

    ثم ماذا أراد العابثون بهذا النوع من العبث؟ تستطيع أن تصدِّقني لم يريدوا به المصلحة، لم يريدوا به التخفيف على هؤلاء المأزومين الذين يكفلون دفع الأموال وهم لا يملكون منها شيئًا، لم يريدوا به إلا اللعب بعقول الناس، وإلا هذه الحرب السخيفة التي لا تقدِّم ولا تؤخِّر. هؤلاء أهل البحيرة قد جمعت منهم الأموال فأدَّوها كارهين، ثم أوحي إلى المدير ألَّا يشهد حفلًا ولا يقبل تكريمًا، فهل ترى أن الأموال قد رُدَّتْ على أصحابها؟ كلا، لم تردَّ، أو قيل لأصحابها لا تقبلوها إن رُدَّتْ عليكم، فسيشترون بها إذًا سندات يُنفَق ريعها في بعض الجوائز المدرسية تخليدًا لاسم المدير. وأي تخليد؟ لم يصدر إلا عن الحب الخالص الذي يدفع إلى الجود لا بالأموال في وقت الشدة بل بالأنفس أيضًا.

    وهؤلاء أهل قنا، نعم أهل قنا! أهل قنا بعد أن كان فيها ما كان، بعد أن خطف منها الرئيس وصاحبه، بعد أن ظهر حب أهلها للمدير والإدارة والوزير والوزارة، بعد أن قام ألف دليل ودليل على أن أهلها يؤيدون النظام الجديد، ويذرون عنه بالأنفس والأموال، بعد هذا كله جمعت الأموال من أهل قنا لتكريم المدير، ثم أوحي إليه أن لا يشهد حفلًا ولا يقبل تكريمًا، وإذا هو يعتذر ويلح في الاعتذار، وأهل قنا يأبَون ويصرون على الإباء، ثم ينتهي الأمر إلى أن يستأجر أهل قنا … نعم، يستأجرون قطارًا خاصًّا يشيعون فيه — وقد كدتُ أملي: يزفون فيه — المدير إلى إقليمه الجديد. ماذا؟ أجدٌّ هذا أم هزلٌ؟ بعقول مَن يعبث العابثون؟ إن حكومتنا لقاسية، قاسية مسرفة في القسوة، ما لها تقف موقف العزول بين المحبين فتفرِّق بين المديرين وعشَّاقهم من أهل الأقاليم؟ ما لها لا تَدَع هؤلاء المديرين حيث كانوا هم راضون عن أقاليمهم وأقاليمهم راضية عنهم! فلِمَ تنغص العيش عليها وعليهم؟ الغريب أن أهل الأقاليم سيعشقون المديرين الذين سيُنقَلون إليهم، وسيهيمون بهم هيامًا لا حدَّ له. سيجد أهل قنا في مديرهم الجديد رجلًا يعشقونه كما عشقوا مديرهم القديم، وسيجد مدير قنا القديم من أهل المنيا قومًا يحبهم ويكلف بهم كما أحبَّ القنائيين وكلف بهم من قبلُ، فما تفسير هذه الظواهر التي تعجز عن فهمها العقول؟ تفسيرها يسير، فأهل الأقاليم لا يحسون عشقًا ولا غرامًا، والمديرون لا يجدون حبًّا ولا هيامًا، وإنما كل ذلك شيء مصنوع موضوع يجب أن يقبله أولئك وهؤلاء لتقوم الأدلة الواضحة على أن الأمور تجري في مصر على خير حال.

    ولكن مع الأسف الشديد ليس من المصريين ولا من الإنجليز مَن يصدِّق شيئًا من هذا، أو ينخدع لحيلة من هذه الحيل، وإذًا ففيما هذا العبث وفيما الإلحاح في هذا العبث؟ جواب هذا يسير أيضًا، فإن مَن لم يستطع الجد مضطرٌّ إلى الهزل، وإلا فوجوده مستحيل.

    صدِّقني إن أمر المديرين الراحلين وأقاليمهم لا يعدو قصة زياد، كل إقليم يودِّع مديره مستريحًا لهذا الوداع، ويستقبل مديره الجديد خائفًا من هذا الاستقبال.