Tag: الجامعة

  • الروح الجامعي | The University Spirit

    الروح الجامعي
    إن تقدير الهلال لشخصية الدكتور طه حسين بك هو الذي حدا به لاقتراح هذا الموضوع عليه. وما ذلك إلا ليقين الهلال بأن الدكتور هو خير من يعالج هذا الموضوع الخطير الوثيق الصلة بحياتنا الفكرية ومستقبلها الثقافي والهلال في هذا لم يكن متجنيا على الدكتور. بل طامعا في الوقوف على رأي من يشرف على إحياء الروح الجامعي في مصر. لم أختر هذا الموضوع مادة لهذا الحديث، وإنما اقترحته «الهلال» متحكمة به وفرضت به عليّ، وما أكثر ما تتحكم «الهلال» في أصدقائها من الكتاب، وما أكثر ما تتجنى به عليهم وما أشد إذعان هؤلاء الأصدقاء لهذا التحكم والتجني، كأنهم طلاب يقترح عليهم أساتذتهم بين حين وحين هذا الموضوع أو ذاك، ليكتبوا فيه ما يفتح الله به عليهم من الجيد والرديء، من المحال والمستقيم. وما أظن أننا نستطيع بعد أن قدمنا الإذعان لـ«الهلال» أن نثور بها ونتمرد عليها، خلافا لما تصدر إلينا بين حين وحين من أمر يطاق أو لا يطاق، ويستحب أو لا يستحب . فلنكتب إذن في هذا الروح الجامعي الذي هبط الوحي على «الهلال» بأن تبتلينا به وتمتحننا فيه. وليكتب الله لنا التوفيق فيما ندير في نفسنا من رأي، وما نملي على كاتبنا من لفظ، وما نسوق إلى قارئنا من حديث.
    فلنكتب إذن في هذا الروح الجامعي الذي هبط الوحي على «الهلال» بأن تبتلينا به وتمتحننا فيه. وليكتب الله لنا التوفيق فيما ندير في نفسنا من رأي، وما نملي على كاتبنا من لفظ، وما نسوق إلى قارئنا من حديث وأول ما أقول في ذلك أني لا أكاد أتبين معنى واضحا دقيقا محدود الأطراف والنواحي لهذا الذي تسميه «الهلال» روحا جامعيا وتريد أن نشيعه في نفوس الطلاب. فهذا اللفظ في لغتنا جديد ما أعرف أن عهدنا قد بعد به، وما أرى أنه قد بلغ العشرين من عمره. وأكبر الظن أنه لم يكد يتجاوز الخامسة عشرة، وأكبر الظن أنه لم يشع في مصر إلا بعد أن أنشئت الجامعة المصرية الحكومية وأخذ صاحب المعالي الأستاذ أحمد لطفي السيد باشا مدير الجامعة يتحدث عن جامعته مبينا ما يفهمه من هذا اللفظ وما يجب أن يفهمه الطلاب والأساتذة، والنواب والشيوخ أيضا من لفظ الجامعة، وأخذ بعض الأساتذة المصريين الذين اختلفوا إلى الجامعات الأوروبية يتحدثون عن الجامعة ومثلها العليا، وعما يفهمون وما يحبون أن يفهم عنهم إذا تحدثوا عن الجامعة ومثلها العليا.
    وقد يكون من المفيد أن نبحث لو أتيح لنا الوقت وهيئت لنا الفرصة عن أول نص عربي حديث استعمل فيه لفظ الروح الجامعي هذا. ولكن الوقت لا يتاح لنا والفرصة لا تتاح. ولعل «الهلال» لا ترضى منا مثل هذا البحث اللغوي التاريخي الثقيل. فالشيء الذي لا شك فيه هو أن اللفظ العربي الفصيح في نفسه أجنبي المعنى، قد جلب معناه من أوروبا ومن أمريكا وأسبغ عليه لفظ عربي صريح لا غبار على عربيته ولا شبهة في صراحته. فهو في ذلك كالسيارة والدراجة والحاكي والمذياع، ألفاظ تستقيم من الناحية اللغوية استقامة حسنة، ولكنها تدل على أشياء طريفة لم تعرف من قبل. ولو سمع الجاحظ وأشباهه لفظ الروح الجامعي هذا لما فهم منه شيئا ولما انتهى منه إلى شيء، إلا أن نبين له ما نريد وما نقصد إليه حين نستعمل هذا اللفظ العربي القديم في هذا المعنى الأجنبي الحديث.
    ومع ذلك فلا بد من أن نلاحظ شيئين في ملاحظتهما إنصاف وتحقيق الأول: أن معنى الروح الجامعي إذا كان مستحدثا طريفا في لغتنا فلعله ألا يكون مستحدثا من جميع الوجوه ولعله أن يكون قد وجد عندنا قبل أن تنشأ الجامعة الحكومية أو الحرة، ولعله أن يكون قد وجد قبل هذا العصر الحديث في القرون الوسطى في مصر وفي غير مصر من أقطار الأرض الإسلامية التي نظم فيها التعليم على نحو ما والتي اطّردت فيه سنن وعادات الجماعة المشتغلين بالعلم والمنقطعين له والعاكفين عليه لعله أن يكون قد وجد بل قد وجد بالفعل، ولكننا لم نحاول أن نشخصه أو نسميه كما يفعل الأوروبيون والأمريكيون وكما نفعل نحن في هذا العصر الحديث. فليس من شك عندي في أن المعلمين والمتعلمين من أهل الأزهر الشريف منذ العصور البعيدة قد اتخذوا لأنفسهم عادات وسننا شملتهم جميعا ورأوا على مضي الزمان واختلاف الظروف أن الخضوع لها والرعاية لحرمتها أصل من أصول الآداب الأزهري الذي لا تليق المخالفة فيه أو الخروج عليه.
    وقل مثل هذا في الذين اشتغلوا بالتعليم المنظم من غير الأزهريين في معاهد العلم الإسلامي وفي غير القاهرة من مراكز الثقافة الإسلامية.
    وليس التاريخ الصحيح للأزهر وأشباهه من معاهد العلم إلا تحقيق هذا الروح الأزهري الذي يشمل المنقطعين له والعاكفين عليه مهما تختلف ظروفهم ومهما تتغير ألوان حياتهم. وهذا الروح الجامعي قد وجد كذلك في أوروبا أثناء القرون الوسطى في البيئات التي نشأت فيها الجامعات القديمة، فكان للجامعة الباريسية روحها الجامعي في القرن الرابع عشر، كما كانت لجامعة أوكسفورد وكمبردج روحها الجامعي الخاص الذي تطور مع الزمن. ولكننا نستطيع أن نتقصى تاريخه ونشخصه على اختلاف العصور والظروف ومعنى هذا كله أن الروح الجامعي ليس حديثا ولا هو من الأشياء التي ابتكرها هذا العصر الذي نعيش فيه. ليس حديثا في أوروبا وليس حديثا في الشرق. وإنما التكلم عنه والإشادة به والعناية بإشاعته في نفوس الشباب هو الجديد.
    ومعنى هذا أيضا أن الروح الجامعي شيء حي قائم يتطور ويتغير، ويساير في تطوره وتغيره ما يختلف عن الحضارة الإنسانية من ألوان التطور والتغير. وما أرتاب في أن الأكاديمية التي كان يشرف عليها أفلاطون، واللوقيون التي كان يشرف عليه أرسطاطليس، ومدرسة الإسكندرية قد كان لكل منها روحه الجامعي الخاص الذي يشترك فيه الأساتذة والطلاب جميعا والذي تتوارثه أجيالهم حريصة عليه محتفظة به مجتهدة في حمايته من أن يدخل عليه ما ليس له أو أن يصيبه الضعف من التقصير في حمايته والذود عنه. فهذا أول الأمرين اللذين أردت أن ألاحظهما قبل كل شيء.
    والأمر الثاني: أن الذين يذكرون الروح الجامعي الآن من المصريين لا يكادون يتفقون اتفاقا دقيقا على ما يريدون منه وما يدلون به عليه. فالروح الجامعي يختلف باختلاف الجامعات وهو من أجل ذلك يختلف عند الجامعيين المصريين باختلاف الهيئات الجامعية التي نشأوا فيها وتأثروا بما لها من العادات والتقاليد.
    ومن المحقق أن الروح الجامعي الفرنسي ليس هو بالضبط الروح الجامعي الإنجليزي، بل من المحقق أن الروح الجامعي الإنجليزي نفسه يختلف في إنجلترا اختلافا شديدا. فهناك الجامعات الإنجليزية القديمة ذات التراث العظيم الذي تحرص عليه أشد الحرص وتذود عنه أعظم الذود. وهناك الجامعات الحديثة التي أنشئت في القرن الماضي مناهضة للجامعات القديمة أو مكملة ما كان ينقصها. وما من ريب في أن الروح الجامعي في أوكسفورد ليس هو بالضبط الروح الجامعي في كمبردج. ثم ما من ريب في أن الروح الجامعي في لندن بعيد كل البعد عن أن يطابق الروح الجامعي في هاتين الجامعتين العظيمتين. ومثل هذا يقال في فرنسا بالقياس إلى السوربون وإلى الجامعات الفرنسية في الأقاليم وإلى بعض المعاهد العلمية الحديثة في باريس نفسها، ومثل هذا يقال في ألمانيا وفي إيطاليا. فإذا تجاوزت أوروبا إلى أمريكا فالاختلاف أعظم وأوسع مدى. والأوروبي يبتسم عادة إذا ذكر له كثير من الجامعات الأمريكية، والأمريكي يضحك كثيرا جدا من تقاليد الجامعات الأوروبية.
    فالروح الجامعي إذن شيء مختلف أشد الاختلاف متباين أشد التباين، يختلف باختلاف الظروف والبيئات ويختلف باختلاف الطبائع والأمزجة في الأمم التي تنشأ فيها الجامعات. فالرياضة البدنية مثلا عنصر مقوم للروح في إنجلترا، ولكنه ليس كل شيء، فإذا ذهبت إلى فرنسا فالروح الجامعي يستغنى استغناء تاما عن الرياضة البدنية في تكوينه، ويستطيع الشاب الفرنسي أن يكون جامعيا بأدق معاني الكلمة وأشملها دون أن يشارك في الألعاب الرياضية أو يكون له حظ من العلم بها قليل أو كثير.
    فإذا ذهبت إلى أمريكا فالألعاب الرياضية هي العنصر الأول الذي يقوم الروح الجامعي وتكون الحياة الجامعية. وعلى هذا فالمصريون الجامعيون إذا ذكروا الروح الجامعي لا يكادون يتفقون على ما ينبغي أن يفهم من هذا اللفظ يفهم منه السوربوني معنى، ويفهم منه خريج أوكسفورد معنى ويفهم منه خريج لندن وليفربول معنى، ويفهم منه خريج جامعة برلين أو لايبزج معنى ويفهم منه خريج الجامعات الأمريكية معنى يكاد يخالف كل هذه المعاني أشد الاختلاف. وقد تغيرت نظم الحياة الإنسانية في هذا العصر الحديث الذي نعيش فيه، وكان من أشد مظاهر هذا التغيير تقريب مسافات الخلاف ومحاولة إلغاء الفروق بين الجامعات الإنسانية في كثير من أنحاء الحياة. فنظمت علاقات بين الجامعات تمكنها من التبادل والتعاون، ونظمت علاقات بين الطلاب تمكنهم من أن يلتقوا ويتعارفوا ويتعاونوا ويفهم بعضهم بعضا ويؤثر بعضهم في بعض، هذا إلى أنواع من المواصلات القهرية التي لا يستطيع الإنسان أن يخلص منها بل هو مضطر إلى أن يخضع لها سواء أراد أو لم يرد كالكتب والصحف والمجلات والراديو والسينما وما يشبه ذلك. كل هذه الأسباب تقرب بين الناس على اختلافهم من جهة وتتيح لأصحاب الصناعات المتقاربة والمهن المتشابهة أن يزدادوا تقاربا وتشابها من جهة أخرى. وقد شهدت أثناء الصيف الماضي في باريس محاولة من هذه المحاولات كان لها في نفسي أبلغ الأثر وأغربه. فقد عقد في باريس مؤتمر للتعليم العالي مثلت فيه جامعات الشرق والغرب وسمعنا فيه ممثلي الجامعات الأوروبية والأمريكية والآسيوية والإفريقية يتحدثون عن الجامعة وعما يفهمونه من الروح الجامعي. وكانت أحاديث ممتعة حقا، لأنها كانت مختلفة أشد الاختلاف متناقضة أشد التناقض، ولأنها كانت مع ذلك يسيرة سائغة فهمناها جميعا واستطعنا أن نجادل فيها ونستخلص منها نتائج وقرارات.
    وهذا هو الذي أريد أن أنتهي إليه بعد هذه الإطالة وبعد هذا التفصيل فأجيب في إيجاز عن السؤال الذي ألقته علي الهلال: ما الروح الجامعي ؟ وكيف نشيعه في نفوس الطلاب؟ الروح الجامعي الذي يسمو على كل الفروق ويرتفع فوق كل لون من ألوان الخلاف، هو الذي ميز الإنسان وسيميزه من الكائنات الحية كلها، هو حب الحق والبحث عنه هو الرغبة في المعرفة والحرص عليها، هو الإقبال على العلم من حيث هو لا من حيث ما قد ينتج من الخير أو يحقق من النفع. هذا الروح هو الذي مكن ممثلي الجامعات المختلفة فيما بينها أشد الاختلاف من أن يفهم بعضهم بعضا ومن أن ينتهوا إلى نتائج وقرارات. هذا الروح من طبعه أن يرفع الإنسان عن الصغائر ويبرئه من الدنيات، لأنه يرفعه من المنافع العاجلة التي تثير الخصومات الرديئة بين الناس وتفسد صلات الود والحب الروح الجامعي هو الذي يجعل الناس إخوانا في العلم، ويقيم أخوتهم على المودة والحب، وعلى الحرية والمساواة في الحقوق والواجبات، هذا هو الروح الجامعي. فأما السبيل إلى إشاعته في نفوس الطلاب فيسيرة جدا لأنها لا تكلف صاحبها عناء ولا مشقة أن يكون الأستاذ مثلا صالحا لطلابه لا يفرض عليهم نفسه ولا رأيه ولا يأخذهم بشدة الحاكم ولا يسير فيهم سيرة المتحكم وإنما يصطنع منهم روح المودة التي تنشأ من حب للعلم والتعاون على تحصيله في غير مماراة ولا تهالك على الخصومة ولا اعتزاز بالنفس ولا اعتداد بالرأي.
    الروح الجامعي هو التعاون على طلب الحق، ولن تشيعه بين الطلاب إلا إذا ضربت لهم من نفسك أحسن الأمثال وأصدقها في حب الحق والسعي إليه. ثم يختلف الروح الجامعي بعد ذلك باختلاف البيئات والظروف، ولكن جوهره الذي لا يختلف ولا يتباين مهما تختلف البيئات والظروف هو حب الحق والإذعان لسلطان هذا الحب.
    الهلال ديسمبر ١٩٦٧
    بقلم الدكتور طه حسين

  • شكاة | A Complaint

    شكاة …
    بقلم الدكتور طه حسين
    أرفعها إلى وزير التربية والتعليم وإلى مجالس الجامعات مطمئنا إلى أنهم سيلقونها بما ينبغي لها من العناية والرفق والإنصاف لأنها جديرة منهم بهذا كله، فهي تتصل بهؤلاء الذين يمنحون أبناء الشعب خلاصة نفوسهم وقلوبهم وعقولهم منذ يصبحون إلى حين يمسون وعسى أن يمنحوهم هذه الخلاصة حين يجنهم الليل وحين يحب الناس أن يأووا إلى دورهم وأن يأخذوا بحظوظهم من راحة الجسم وفراغ البال وهم المعلمون الذين يفدون على مدارسهم ومعاهدهم مع الصبح كأقوى ما يكون الناس قوة وأوفر ما يكون الناس نشاطا وأمضى ما يكون الناس عزما وأصفى ما يكون الناس نفسا. ثم يروحون إلى أهلهم آخر النهار وقد استنفدوا كل ما غدوا به من قوة ونشاط ومن مضاء عزم وصفاء نفس ولم يردوا على أهلهم إلا أجساما قد بلغ منها الضعف ونفوسا قد فارقها الصفاء وعزائم قد أدركها الفتور لأنهم أنفقوا يومهم معلمين ومؤديين فأجهدوا في التعليم والتأديب كل ما ادخروا من قوة وأدركهم الإعياء المادي والمعنوي منحوا خير ما فيهم للمدرسة وردوا من أنفسهم بقايا كليلة مغلولة لا تكاد تصلح لشيء فهم أحق الناس بالرعاية وأجدرهم بالعناية وأحراهم أن ترفق بهم الدولة فتضع عنهم من أثقال الحياة وتزيل عنهم من همومها أعظم ما تستطيع.
    وما أعرف أحدا يحتاج إلى أن يوضع عنه الثقل ويجلى عنه الهم كالمعلم الذي يجب عليه أن يمنح قلبه كله وعقله كله وإخلاصه كله لهؤلاء الطفل والشباب الذين تكل إليهم تربية أجسامهم وتثقيف عقولهم وإعدادهم ليحتملوا في قوة وكرامة أعباء الحياة.
    والمعلم الذي يشغله الهم عن إعداد الدرس ويصده عن الفراغ للتلاميذ ويبغض إليه الحياة والعمل ويزهده في النشاط والجد ويعرضه للضيق لكل شيء وللضيق بكل إنسان رجل لا خير فيه لنفسه ولا خير فيه للناس. فكيف ونحن نكلفه أن يخلص نفسه كلها ونشاطه كله لصغار التلاميذ وكبارهم ونسأله آخر الأمر عما ينتهي إليه جده وجهده من تعليم هؤلاء التلاميذ ونلومه بحساب وبغير حساب عما يكون في حياة الصبية والشباب من عوج وعما يعرض لهم من التواء سواء أكان عن ذلك مسؤولا أم غير مسؤول.
    وبقدر ما يثقل التكليف الذي يفرض على الناس ينبغي أن توفر لهم القوى والوسائل التي تمكنهم من النهوض به على خير ما يكون النهوض بالتكاليف.
    ووزير التربية والتعليم ورجال الجامعات يعرفون حق المعرفة أن أعباء الحياة المادية في هذه الأيام ليست هينة ولا يسيرة وأن احتمالها يحتاج إلى الجهد والصبر وسعة الحيلة وأن أجور المعلمين لا تكاد تنهض بحاجاتهم وحاجات من يعولون وهم بها قانعون ينتظرون أن يأذن الله باليسر الذي يوسع عليهم وعلى غيرهم من المواطنين في الحياة ويقرب إليهم وإلى غيرهم من المواطنين ما لا تستطيع أيديهم أن تناله من حاجاتهم فما بال هذا الثقل الذي رفع عن المعلمين منذ أعوام يرد إليهم في هذا العام وأريد به المصروفات الجامعية كما يسميها الناس وإذا تحدثت إلى وزير التربية والتعليم وإلى رجال الجامعات في هذا الموضوع فإنما أتحدث فيه لأني أنا الذي وضع هذا الثقل عن المعلمين حين كنت ناهضا بشؤون التعليم وأؤكد للسيد الوزير أني لم أرفعه تقربا إليهم أو لأطفالهم أو إيثار لمرضاتي عني وثنائهم علي فما حفلت قط في أن يرضى الناس عني أو يسخطوا وما حفلت قط بأن يثني الناس علي أو يلهجوا بي. وإنما وضعت عنهم هذا الثقل لأصرفهم إلى التعليم وأخلصهم له وأريحهم من هم يثقل عليهم ويخف على الدولة أن تريحهم منه.
    وأنا بعد لم أخترع هذا التخفيف من نفسي وإنما وجدت أمما متحضرة ممعنة في الحضارة ترى من الحق عليها أن تعفي المعلمين من نفقات التعليم التي يحتاج إليها أبناؤهم لأنهم يعلمون الناس ويمنحونهم في سبيل ذلك قوة أجسامهم ونفوسهم؛ فلا أقل من أن يعفوا من دفع الأجور لأبنائهم حين يتعلمون وما ينبغي أن ينظر إلى هذا الإعفاء على أنه تمييز للمعلمين من سائر المواطنين وإنما ينبغي أن ينظر إليه على أنه تيسير على المعلمين وتمكين لهم من أن يؤدوا واجبهم كأحسن ما يؤدي الواجب. والمعلم حين يؤدي واجبه لا يؤديه إلى فريق بعينه من المواطنين وإنما يؤديه إلى الوطن كله وإلى المواطنين جميعا فتيسير الحياة على المعلم ليس إيثارا له بالخير وإنما هو خدمة عامة تقدم إلى تلاميذه على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم. شأنه في ذلك شأن الجندي الذي تكلفه الدولة أن يكون مستعدا في كل لحظة من لحظات حياته ليؤدي واجبه الوطني الخطير. فهي تيسر له الحياة وتذلل له سبلها لا تؤثره بالخير من دون الناس وإنما تتيح له أن يبذل جهده ونفسه في سبيل الناس مطمئنا إلى ما يبذل من الجهد والنفس. وليس المعلم آخر الأمر إلا جنديا يحارب الجهل ويذوده عن نفوس الصبية والشباب يحارب في أوقات السلم وفي أوقات الحرب ويجاهد في أوقات الشدة وفي أوقات اللين وإذا ملأ الهم قلب المعلم وصرف عن الفراغ لدرسه وشغل عن العناية الخالصة بتلاميذه لم يخسر هو وحده وإنما خسرنا نحن جميعا معه فالصبية والشباب الأبرياء هم الذين يجنون نتائج ما يتعرض له المعلم من شدة الحياة أو لينها ومن نعيم العيش أو بؤسه ومن فراغ البال أو اشتغاله بالهين والعسير من الأمر.
    ومن أيسر الأشياء أن تنظر إلى الأجور التي يتقاضاها المعلمون آخر الشهر والتي تتقاضاها الكثرة الكثيرة منهم بنوع خاص وإلى الأعباء التي يطلب إليهم أن ينهضوا بها لأنفسهم ولمن يعولون وأن نقدر حال المعلم الذي يكون له الولد الكثير من البنين والبنات الذين يختلفون إلى المدارس والمعاهد والجامعات وأن نسأل أنفسنا كيف يتاح له أن يدير الحياة المادية لأهله وولده وكيف يقتطع من أجره هذا ما يرده إلى الدولة أجرا لتعليم ابنه في الجامعة أليس مما يمض النفس ويثقل عليها أن يطلب إلى معلم قد لا يتجاوز مرتبه عشرة جنيهات أو عشرين جنيها أو أكثر من ذلك قليلا أن يقتطع من هذا المرتب في أول العام الجامعي نصفه أو ثلثه أو أن ينزل عنه كله ليدفعه أجرا لتعليم ابنه أو أن يقترض مثله أو مثليه إن كان له ابنان أو أكثر ليؤدي أجور التعليم. وما ينبغي أن يقال إن هذا شأن الموظفين جميعا فللمعلم شأن غير شأن الموظفين هو يهدي العلم إلى الصبية والشباب يبذل في ذلك أكثر كثيرا مما تعطيه الدولة من الأجر. فلا ينبغي أن يهدي العلم عامة كله وأن يشتري العلم لأبنائه ويتكلف في شراء العلم ما لا يطيق وما قد يعرضه لما لا يجمل برجل التعليم.
    وما ينبغي أن تكره الظروف المادية رجال التعليم على أن يصدوا أبناءهم عن طلب العلم ويمسكوهم على الجهل إمساكا. وأنا أفهم ألا يقدم ابن المعلم على غيره حين يراد القبول في كليات الجامعات. فهذا هو التمييز الذي لا ينبغي للمعلم أن يطمع فيه ما دامت الجامعات قليلة وما دامت الأماكن فيها معدودة محدودة وإنما يجب أن تقبل الجامعات خير من يتقدم إليها وأن يوضع ابن المعلم من ذلك في مكانه الذي ينبغي له لا يمتاز من أحد ولا يمتاز منه أحد.
    هذا شيء لا ينبغي الجدال وإنما الشيء الذي ألح فيه أشد الإلحاح على وزير التربية والتعليم وعلى رجال الجامعات هو ألا يرد ثقل المصروفات على المعلمين وأن يترك لهم ما منحوا من التخفيف عنهم والتيسير عليهم وما أشك في أن المواطنين على اختلاف طبقاتهم لا يضيقون بذلك ولا يجدون فيه ظلما أو إيثارا. فالمواطنون جميعا يقدرون مكان المعلم فيهم وبلاءه في تربية أبنائهم وتعليمهم وليس منهم إلا من يبر المعلم ويرفق به ويحب أن يناله البر والرفق وأن يمكن من أداء واجبه على خير وجه ويفرغ له كأحسن ما يكون الفراغ للواجب.
    فليفكر في ذلك وزير التربية والتعليم مشكورا مبرورا وليفكر فيه رجال الجامعات موفقين وليرفعوا هذا الثقل عن قوم تنوء بهم الأثقال التي يحبونها وما ينبغي أن نضيف إليها أثقالا يكرهونها فقد تصرفهم هذه الأثقال البغيضة عن أثقال أخرى حبيبة إلى نفوسهم أثيرة في قلوبهم فيها لهم متعة وفيها للوطن نفع أي نفع وغناء أي غناء.
    الجمهورية، ٢٥ نوفمبر ١٩٥٤.

  • الديموقراطية | Democracy

    الديمقراطية ليست إلا العلم والمعرفة
    كلمة صاحب العزة الدكتور طه حسين بك
    سيدي صاحب المقام الرفيع، أصحاب المعالي والسعادة، سيداتي سادتي:
    إذا ذكرت الديمقراطية فأنى أفهم منها أمرين أساسيين لا تستقيم حياة الشعوب والأفراد بدونهما. أما أولهما فهو طموح الشعب إلى أن يعرف نفسه ويتجه إلى ما فيه من قوة ليستزيد منها، ويستعين بها، وإلى ما فيه من ضعف ليتقيه ويتخفف منه، وأما الثاني فهو جلاء ضمير الشعب أمامه ليرى ما فيه من طموح ونسام وظمأ إلى الحق واحتياج إلى ما ينبغي أن يصل إليه من كمال.. بغير هذين الأمرين لا أستطيع أن أفهم الديمقراطية، ولا أظن الديمقراطية نفسها تفهم نفسها إلا على هذا الوضع. فالديمقراطية هي أن يفهم الشعب طموحه، وهي الوسيلة التي يفهم بها الشعب حاجته إلى الحق والعدل والمثل العليا. والديمقراطية في هذا ليست إلا العلم والمعرفة، فإذا كان هذا حقًا، وأظن أنه حق، فالصلة بين الجامعة والديمقراطية ليست إلا الصلة بين العقل والجسم أو ليست إلا الصلة بين العقل المدبر، والمادة التي تحتاج إلى من يدبرها.
    وعلى هذا الأساس فالديمقراطية تمكن الشعب من أن يتعرف حاجته من العدل ومن الحق ومن الطموح، وما أظن أن الشعب قادر على أن يستكشف شيئًا من هذا، إذا كان جاهلاً.
    وإذن فأنا لا أغلو إذا قلت أن الديمقراطية لا تبغض شيئًا كما تبغض الجهل، ولا تحب شيئًا كما تحب العلم، وكما تحب المعرفة.
    سيداتي سادتي:
    إن الله لم يختص مصر بخصب أرضها فحسب، ولكنه اختصها كذلك بخصب النفس المصرية، فالنفس المصرية كالأرض المصرية معتدلة مستقيمة خصبة قابلة لأن تستقبل ما ينقل إليها من علم ومعرفة، فيصبح نافعًا لها ولغيرها، وما أكثر النباتات والأشجار التي نقلت إلى مصر فنمت وترعرعت وأزهرت، وما أكثر المعاني والخواطر وألوان المعرفة التي نقلت إلى مصر فنفعتها واستقرت فيها وأفادت منها مصر، وأفادت بها غيرها من البلدان.
    فقد انتقلت إلى مصر في الأزمان القديمة حضارة اليونان فاستقرت فيها ونمت وكانت مصدر نفع للإنسانية كلها، وانتقلت إلى مصر في العصور الوسطى الحضارة الإسلامية فاستقرت فيها ونمت وكانت مصدر نفع للإنسانية كلها، وانتقلت إلى مصر في العصور الحديثة الحضارة الأوروبية الحديثة فتنمو وتزدهر وهي الآن مصدر نفع للإنسانية كلها. فالنفس المصرية كالأرض والجو والبيئة كلها خصب ونفع ونماء وازدهار، فإذا كان هذا حقًا فقد نقلت إلى مصر في هذا العهد الجديد الذي نعيش فيه شجرة لم تكد تنقل إليها حتى نمت وأثمرت وهي شجرة الديمقراطية.
    لم تكد تصل إلى مصر وتستقر فيها حتى أخذت تهدي ثمراتها وهي جلاء ضمير الشعب للشعب وإظهار الشعب على أنه في حاجة شديدة جدًا إلى أن يتعلم وعلى أن يتعلم بغير انقطاع.
    فرقي التعليم في مصر واتساعه وتعمقه إنما هو مقترن بوصول الديمقراطية إلى مصر، وكلما أحست مصر حياة ديمقراطية صحيحة نقية بعيدة عن النقص أحست رغبتها في أن تتعلم، وأن تتعلم إلى غير حد.
    وإني ألفت حضراتكم إلى هذين العامين الأخيرين، فلم تكد الديمقراطية المصرية تعود إلى حياتها الطبيعية، حتى انجلى للشعب ضمير الشعب، وإذا هو في حاجة إلى أن يتعلم، وإذا هو يدفع حكومته إلى التعليم والتوسع فيه لا إلى غير حساب بل إلى حد كبير جدًا… وكم أتمنى أن أقول بغير حساب، فهذه النتيجة هي ما ينبغي أن نصل إليه حتى نحيا حياة ديمقراطية صحيحة.
    وهنا أذكر لحضراتكم هذه الخصومات بين الديمقراطية والحكومات الديمقراطية، فالحكومات مضطرة إلى أن تفكر وتدبر وتعمل، وهي لا تريد أن تتوسع بغير حساب، ولكن الديمقراطية التي تختلط بدم الشعب، وهذه الديمقراطية تطلب بغير حساب. وإذا كان العقل مضطرًا إلى أن يقرر ويدبر ويحدد، فإن طبيعة الأشياء أقوى وأبعد مدى من العقل… فإذا وصل إليه العقل اليوم إلى شيء، فإن طبيعة الأشياء تدعو إلى أكثر مما وصل العقل، وإذا كانت هذه الطبيعة قد دفعتنا إلى التوسع في التعليم فستكرهنا غدًا على التوسع جدًا، وقد كان الناس يضيقون بهذا التوسع.
    وإذا كانوا ينظرون إليه نظرة امتعاض، فإني أوكد لكم غير متردد، أن هذا التوسع ليس الغاية ولا هو النهاية، ولكنها خطوة بدائية إن كانت قد دفعتنا اليوم إلى تعميم التعليم الابتدائي بالمجان، فإنها ستدفعنا حتمًا إلى تعميم التعليم الثانوي بالمجان، وإلى تعميم التعليم العالي بالمجان أيضًا….
    ذلك أن الديمقراطية بطبيعتها حريصة على أن يعرف الشعب نفسه، وعلى أن يعرف واجباته ليؤديها على الوجه الصحيح، وأن يعرف حقوقه ليحميها من كل اعتداء، وليحرص عليها غير متردد. ووسيلة الشعب إلى أن يعرف حقوقه وواجباته ويستطيع الحياة المطمئنة التي لا تركد وإنما تنمو وتسمو وتصل إلى الذروة، وسيلة الشعب إلى هذا هو العلم، ووسيلة الشعب إلى العلم شيء واحد هو الديمقراطية، وحاجة الديمقراطية إلى العلم لا تنقضي.
    ليس المهم أن ديمقراطيتنا طموحة إلى العلم، فهذا شيء مقرر، وإنما يهمنا أن نزيل بعض الأوهام التي تختلط بالمثقفين الممتازين أو غير الممتازين عن علاقة العلم بالديمقراطية أو علاقة الجامعة بهذه الديمقراطية.
    فينا مثقفون ممتازون جدًا، بل لقد بلغوا من الثقافة أبعد الحدود، وهم، يذهبون إلى أن التعليم الجامعي ينبغي أن يكون محدودًا أشد الحد لأنه نوع من الترف لا ينبغي أن يدفع إليه الشعب دفعًا عنيفًا، وإنما يجب أن نقدم عليه محتاطين، لأن الشعب إذا تعلم تعليمًا جامعيًا ممتازًا فقد يطمع فيما ينبغي ألا يطمع فيه، وقد يفكر فيما لا ينبغي أن يفكر فيه، وقد يأمل حياة لا ينبغي أن يكون له فيها أمل.
    وهم من أجل ذلك يحرصون أشد الحرص على أن يتحد التعليم الجامعي، ويدعون دائمًا إلى الاحتياط في نشر هذا النوع من التعليم. ولكن يخيل إليّ أن هذه الدعوة أقل ما يمكن أن توصف به أنها خطرة على الديمقراطية والنظام الديمقراطي، فضلًا عن أنها لا تستقيم مع طبيعة الأشياء. ذلك أن التعليم الجامعي إما أن يكون خيرًا وأما أن يكون شرًا، فإذا كان خيرًا فالديمقراطية تدعو إلى المساواة فيجب أن يتساوى الجميع في الخير. وإذا كان شرًا فلا ينبغي أن يستأثر بهذا الشر فريق دون سواه، إنما الواجب أن يتساوى في الشر الجميع.
    فهل التعليم خير أو هل التعليم شر؟ وأريد التعليم الجامعي؟
    أريد أن أجيب كما يجيب الماديون ولا أقصد الماديين في الخلق والدين، ولكني أعني الماديين في الاعتبار المعتاد، الذي يرمي إلى الكسب والخسارة.
    أريد أن أجيب كما يحب هؤلاء ولا أجيب كالذين يحبون العلم للعلم، ولكني أحببت أن أجيب عنه على أساس الكسب والخسارة.
    هل بلغت مصر من استثمار مواردها التجارية والصناعية والزراعية، أقصى ما يمكن أن تطمح إليه؟ كلا.
    هل بلغت مصر من استثمار مواردها هذه أوسط ما يمكن أن تطمح إليه؟ كلا.
    إنها لم تبلغ من استثمار مواردها الصناعية والتجارية شيئًا، وهي بعد تتحسس الوسائل التي يمكن أن تستثمر بها هذه الموارد.
    وإذن فحياتنا المادية نفسها، هذه الحياة التي تعني الإثراء وتوفر المال في حاجة إلى أن نفكر فيها ونعمل لها.. فكيف يكون التفكير إذا لم يكن هناك رأس مفكر وهو التعليم العالي، ولا شيء إلا التعليم العالي…
    قد يقال إن التعليم المتوسط، أو الأولي أو الثانوي كافٍ، ولكن صدقوني أن هذا كلام يقال، وأبسط ما يدل عليه أن الذين يقولونه لا يفكرون فيه، ذلك أن التعليم المتوسط والأولي والثانوي لا يمكن أن يوجد أو ينظم أو يؤتي ثمره القريب أو البعيد إلا إذا أشرف على إدارته وتنظيمه قوم قد بلغوا حظًا كبيرًا جدًا من التعليم العالي. فليس بكافٍ أن يريد الإنسان شيئًا، ولكن ينبغي أن يكون فاهِمًا ما يريد.
    فالذين يريدون أن يكتفى بالتعليم الأولي أو الثانوي أو المتوسط، إنما يريدون ببلادهم ألا يكون لها رأس أو عقل. وليس هذا هو كل ما يوجه إلى الجامعة في البلاد الديمقراطية من اعتراض، بل يوجه إلى الجامعة وإلى التعليم العالي أنه قد يعني بالنظريات والتفكير الخالص ولا يعني بالحياة العملية، وهذا ممكن، ولكن في غير البلاد الديمقراطية حيث يتجلى للشعب ضميره، ويقدر حاجاته ومطامحه.
    ذلك أن الجامعة ليست صومعة يعكف فيها المتعلمون على علم خالص، وإنما الجامعة بيئة للتعليم الذي يمكن طلابه من أن يفكروا تفكيرًا مستقيمًا جليًا مرنًا واسعًا يشمل كل ما يمكن أن يتجه إليه من المصاعب ومن المشقات التي تمس حياة الإنسان النظرية والعملية في وقت واحد، فإذا رأينا جامعة أفرادها كالرهبان، فلسنا في حاجة إلى هذه الجامعة، وإذا رأينا جامعة تعني بالعلم لأنه يرقي العقل والحياة نفسها، ويمكن طالب العلم من أن يكون نافعًا لنفسه ولأهله ولأمته كلها عمليًا وعلميًا فهذه هي الجامعة التي تريدها الديمقراطية ولا نعيش بغيرها.
    إذن فالذين يشفقون على مصر أو على الديمقراطية من الجامعة، إنما يخطئون فهم الجامعة، وبظنهم بالشعب نفسه وتقديره لحاجاته، وأؤكد لكم أنه لو وجدت مدرسة تعني بالعلم من حيث هو علم، لا من حيث هو وسيلة إلى حياة قوية راقية، لأعرض الشعب عنها إعراضًا تمامًا، ولباءت هذه المدرسة بالخذلان. فلنطمئن إلى أن الشعب يحس حاجاته ويقدرها وله كما قال ديكارت:
    ذوق سليم لحاجاته ومطالبه. والديمقراطية تقوم على العدل.
    وأخص ما يمكن أن يتصف به هذا العدل، هو هذه الفكرة التي أدخلها وزير المعارف في التعليم، وهي فكرة (تكافؤ الفرص).
    «تكافؤ الفرص» يعطي كل ما يمكن أن يعطيه للفرد، وهو لا ينبغي أن يكون مقصورًا على لون دون لون من أنواع التعليم. بل لا ينبغي أن يكون مقصورًا على لون دون لون من الحياة كلها. وقد وصل هذا إلى التعليم الابتدائي، وسيصل إلى التعليم الثانوي، ثم إلى التعليم العالي، وغدًا أو بعد غد أو منذ اليوم ستتجاوزه إلى فروع الحياة كلها.
    سيتيح للعامل الفرصة ليؤتي كل ما يستطيع ليخدم نفسه وأمته، ومعنى ذلك أن تكافؤ الفرص الذي أدخل سيعم ويتسع ويصبح مرادفًا لما اصطلح عليه الناس في هذه الأيام وهو «العدالة الاجتماعية».
    فحياتنا الديمقراطية ستقوم على تكافؤ الفرص من جهة وعلى العدالة الاجتماعية من جهة أخرى، وأؤكد لكم أن تحقيق التوازن بينهما، بين ما يطمح إليه الفرد من حياة هادئة مطمئنة قابلة للكمال، وإلى ما يطمح إليه نظراؤه من حياة هادئة مطمئنة قابلة للكمال، وإلى ما يتوقه الشعب من حياة هادئة مطمئنة قابلة للكمال. لا سبيل إلى تحقيق هذا التوازن إلا بالعقل المفكر والفكر المدير، وهو يتمثل في الصفوف الممتازة في الجامعات والتعليم العالي.
    إن هناك قومًا يرون قصر التعليم العالي على جماعة دون جماعة، فإن كل فرد لن يستطيع أن يتعلم تعليمًا عاليًا.. لابد إذن من الاحتياط ومن إبعاد الذين لا تتاح لهم الظروف عن التعليم العالي.. ولكن كيف ومن هم أولًا هؤلاء الذين لا تتاح لهم الظروف؟!
    أتصل ذلك بالثروة؟!.. لو أن الأمور عُقدت بالثروة لكان هذا هو الهدم الصحيح للديمقراطية. أيتصل ذلك بالقوة؟! لو أن الأمور عُقدت بالقوة لكان هذا هو الهدم الصحيح أيضًا للديمقراطية.. وإذن فهناك ظروف لا تتيح للمصريين جميعًا أن يتعلموا تعليمًا عاليًا، وهذه الظروف يحددها مبدأ تكافؤ الفرص.
    هذه الظروف تتصل بقدرة الشاب واستعداد الشاب، فلا ينبغي أن يرد عن التعليم العالي مصري مهما تكن ظروفه، وإنما ينبغي أن ترد الحياة نفسها، وترد الجامعة نفسها من لا يمكنه استعداده من المضي في هذا التعلم.
    ليس هناك إذن سبيل إلى أن يحول في النظام الديمقراطي الصحيح بين الشباب والتعليم العالي إلا أن يكون هذا الشباب غير مستعد لهذا التعليم.
    فإذا أتيحت المقدرة للشباب فينبغي أن تفتح في وجوههم أبواب التعليم ليستطيعوا النهوض ببلادهم على أن يبعد التعليم الجامعي والعالي عن اللون النظري الخالص، فهذا النوع تأباه حاجة البلاد.
    ومن الخير أن ألاحظ أن الديمقراطية المصرية قد أخذت تشعر بهذا، فهي لا تنشئ مدارس إلا على أساس حاجات البلاد، وقد أخذت تعرف للتعليم قدره، وللجامعيين قدرهم، فأخذت تمكنهم من أن يعملوا على أنهم أعضاء كرام في شعب كريم، وهذا المثل الأعلى الذي أقدمت عليه اليوم، وما أشك في أنها إن أقدمت عليه هادئة في هذه الأيام، فأنا جميعًا نتمنى أن تتاح لها القوة والنمو بحيث تتمكن من تمكين الشعب لا أن يتعلم فحسب، بل أن يتعلم تعليمًا جامعيًا ممتازًا.
    الوفد المصري، ٩ يونية ١٩٤٤.

  • في منزل الدكتور طه حسين | At the Home of Dr. Taha Hussein

    في منزل الدكتور طه حسين
    للدكتور زكي مبارك
    في مطلع الصيف كنت على موعد مع الأستاذ الكبير الدكتور طه بك حسين لأقدم إليه نسخة من كتاب (ليلى المريضة في العراق) ولأقرأ معه صفحات من ذلك الكتاب، ولكني حين وصلت في الموعد المحدد لم أجده في البيت، فسلمت الكتاب لجندي يرابط هناك وانصرفت. ولم يعزّني عن إخلاف الدكتور طه حسين إلا لحظات عذاب قضيتُها في منزل الآنسة أم كلثوم، وبينه وبين منزل الدكتور طه بضع خطوات.
    وفي اليوم التالي سألت عنه بالتليفون لأعرف كيف أخلف الموعد، فاعتذر بلطف وأكّد أنه نسي ذلك الموعد كل النسيان، ودعاني إلى تجديد الموعد، فقلت: إني أتأهب للسفر إلى بغداد للاشتراك في تأبين الملك غازي، وسأحرص على التشرف بمقابلتك حين أعود. وكنت أحب أن آنس بلقائه بعد أن رجعتُ من بغداد، ولكني خشيت أن يكون أخلف الموعد الأول عن عمد؛ لأن أولاد الحلال لا يزالون (يصلحون) ما بيني وبينه من صلات.
    ثم سافر الدكتور طه إلى باريس، وسارت الأخبار بأنه سيعتذر عن الحضور في العام المقبل ليستريح من عناء المشكلات الجامعية وليؤلف كتاباً عن تاريخ الشعر العربي. وكنت في تلك المدة شرعت في الهجوم على الأستاذ أحمد أمين، وندّ القلم فوقعت منه غمزات تمسّ الدكتور طه حسين بدون موجب؛ وكذلك استوحشت من المضيِّ للتسليم عليه حين عرفت أنه رجع من باريس. ثم عدت فقررت أن أؤدي الواجب في تحية الدكتور طه، راجياً أن يكون في تأدية هذه التحية تبديد للظلمات التي يخلقها من يأكلون العيش بحياكة الأقاويل والأراجيف.
    كان ذلك في مساء اليوم ١٣ من شعبان، والقمر يقدِّم إلى الوجود أفانين من الرفق والحنان، ويذكِّر القلوب الخوامد بماضيها الجميل في مقارعة الصبوة والفتون؛ فنزلت من السيارة عند جسر فؤاد لأمتع القلب والروح بمشاهدة النيل وهو يواجه القمر في أيام الطغيان، ولأستقبل الزمالك بأدب وخشوع؛ فما كان ثراها الغالي إلا نثائر أكباد وقلوب. وأخذت أجتاز الزمالك من حَرَم إلى حَرَم إلى أن بلغت منزل الدكتور طه حسين. وكنت أرجو أن أجده وحده لأني وصلت بعد الساعة ٩، وهو عنده وقت هدوء؛ ولكن يظهر أن قدومه من السفر رفع الحجاب فكان منزله في أنس بجماعة من أهل الفضل هم الأساتذة: شفيق غربال، وعبد الواحد خلاف، ومنصور فهمي، وعلي عبد الرزاق، وسعيد لطفي، وأمين الخولي، وتوفيق الحكيم، وعبد الوهاب عزام، وإبراهيم مصطفى، وعبد الحميد العبادي.
    سلّمتُ على الدكتور طه تسليم المحب المشتاق، وسألته عن باريس وعن السوربون، فأجاب إجابات موجزة دلتْ على أنه يريد أن يكتم عني أشياء. فهل آذت الحرب بعض أصدقائي هناك؟ لا قدر الله ولا سمح! وبعد لحظة حضر الأستاذ أحمد أمين فنهضت واقفاً لمصافحته، ولكنه زوى وجهه وتجاهل وجودي، ورأيت المقام لا يتسع لمحاسبته على ما صنع، فتكلفتُ الابتسام وأنا مَغِيظ. والخاطر في البال أن حضوري قد يعكر المجلس، وأن من الخير أن أنصرف؛ ثم تذكرت أنني أحق الناس بمودة الدكتور طه حسين وإن حالت بيننا الدسائس حيناً من الزمان، فقد كنت صديقه الحق قبل أن يعرف أصدقاء اليوم؛ كنت صديقه الحميم في ظروف لا يسأل فيها الشقيق عن الشقيق، فكيف أخرج من منزله ليخلو الجوّ لصديق مثل أحمد أمين؟ يجب أن أقضي السهرة كاملة، وعلى من يؤذيه حضوري أن يتفضل بالانصراف!
    وبعد أن دارت السجائر على الزائرين شرع الأستاذ أمين الخولي في الحديث:
    أمين الخولي: يا زكي، ما تترك أبداً أخلاق المنوفية؟
    طه حسين: وما أخلاق المنوفية؟
    أمين الخولي: هي المشاغبة واللجاجة والعناد.
    طه حسين: وزكي مبارك مشاغب؟ قل كلاماً غير هذا يا أمين، فما عرف الناس زكياً إلا مثال اللطف والأدب والذوق. الدكتور زكي حقيقة رجل لطيف؛ ومن آيات لطفه أنه ينظر فيرى الناس قد ضجروا من الهدوء والسكون فيسلط عليهم القذائف القلمية ليتذوقوا نعمة الحركة والجدَل والنضال.
    علي عبد الرزاق: يظهر أنك راض عن الدكتور زكي مبارك.
    طه حسين: وهل أملك غير ذلك؟
    زكي مبارك: تملك كلمة النصح يا سيدي الدكتور، إن رأيت ما يوجب كلمة النصح.
    طه حسين: لا يا عم، يفتح الله!
    زكي مبارك: يظهر يا سيدي الدكتور أنك غضبان.
    طه حسين: لست بغضبان، ولكن يحق لي أن أنزعج من بعض ما أقرأ لك.
    عبد الواحد خلاف: لعل الدكتور يشير إلى مقالاته في مهاجمة الأستاذ أحمد أمين.
    أحمد أمين: أنا أحتج على إثارة هذا الموضوع في هذا المجلس.
    خلاف: الخطب سهل، ونحن نحاول تصفية القلوب.
    أحمد أمين: أنا أحتمل كل شيء إلا التعرض لنبالتي.
    طه حسين: وهل تعرض زكي مبارك لنبالتك بشيء؟ إن هذا لو صحّ لكان خروجاً على شِرعة العقل!
    أحمد أمين: لقد تعرض لنبالتي بأشياء.
    إبراهيم مصطفى: إن الدكتور زكي لم يتعرض لنبالتك يا حضرة الأستاذ.
    زكي مبارك: أنتم تخوضون في شجون من الأحاديث لا عهد لي بها قبل اليوم، فما كنت أعرف أن الأستاذ أحمد أمين فوق النقد، ولا كنت أظن أن التعرض لتفنيد آرائه يعد هجوماً على قدسيته الذاتية! فهل تعتقد يا أستاذ أني تجنيت عليك؟
    أحمد أمين: ليس لي معك كلام، ولا أقبل الدخول معك في نقاش، وأنت حرٌّ فيما تنشر من زور وبهتان.
    زكي مبارك: زور وبهتان؟ وهل النبالة أن تنطق بهذه الكلمات في هذا المجلس؟
    منصور فهمي: لاحظ يا زكي أنك جرّحت الأستاذ أحمد أمين وأن من حقه أن يعلن غضبه عليك، والنفس الإنسانية معرضة للرضا والغضب، والفرح والترح، والرجاء والقنوط. فالأستاذ أحمد أمين يعبر تعبيراً طبيعياً عن السريرة الإنسانية.
    زكي مبارك: وكيف يكون الحال لو استبحتُ من التعبير ما استباح؟
    أحمد أمين: وهل تورعت عن شيء؟ إن مقالاتك عني هي الشاهد الحيُّ على مبلغ أدبك!
    زكي مبارك: وأنا راض عما قلت فيك، وما قلت إلا الحق والصدق، وأنا أنتظر أن يغضب الله عليك فيجازيك على سوء ما صنعت في تحقير ماضي الأدب العربي.
    طه حسين: إيه الحكاية؟
    أحمد أمين: الحكاية أن زكي مبارك يقول إن طه حسين جاهل، وإن أحمد أمين جهول!
    طه حسين: خبر أسود!
    سعيد لطفي: أنا كنت أظن أن المسألة مزاح في مزاح. وأين نشر الدكتور زكي هذا الكلام المزعج؟!
    أحمد أمين: نشره في مجلة الرسالة وعند الزيات. الرسالة التي خلقتها بقلمي.
    زكي مبارك: والزيات الذي سويته بيديك!
    طه حسين: لقد قرأت المقالة الأولى قبل السفر، وأوصيت الأستاذ عبده عزام بحفظ المجموعة لأقرأها يوم أعود، وسأقرأها في هذه الأيام، فإن رأيت فيها أني جاهل وأن أحمد أمين جهول فستكون وقعتك يا زكي زيْ الزفت!
    أحمد أمين: وما ذنب لطفي باشا حتى يتعرض له زكي مبارك بسوء؟
    إبراهيم مصطفى: لقد قرأت تلك المقالات مرات…
    طه حسين: قرأتها بالقراءات السَّبع؟
    إبراهيم مصطفى: أريد أن أقول إني قرأتها بعناية ولم أجد فيها أية إشارة لسعادة لطفي باشا.
    علي عبد الرزاق: لطفي باشا لا يُغضبه أن يكون في بال الناقدين والباحثين.
    زكي مبارك: ومن أجل هذا أهجم عليه من وقت إلى وقت.
    سعيد لطفي: هذا أسلوب طريف في البر والوفاء!
    طه حسين: طبعاً طبعاً، فصاحبنا زكي مبارك يتوهم أن الخلود لن يكون إلا من نصيب من يتعرض لهم في مقالاته ومؤلفاته بالقبيح أو الجميل. وأشهد أنه سَلَّ سخائم صدري يوم قال إنه لا يهجم علي إلا وهو يعتقد أن الهجوم معناه (بونجور).
    أحمد أمين: وأنا لا أريد منه بونجور ولا بونسوار!
    زكي مبارك: ولكني لن أتركك بعافية أو تكف شرك عن الأدب العربي.
    أحمد أمين: وما شأنك بالأدب العربي؟ وما هي خدماتك لهذا الأدب الذي تقول إنك تغار عليه كما تغار على عِرضك؟
    زكي مبارك: يكفي أني من تلامذة طه حسين.
    طه حسين: العفو! العفو! إني والله راض بأن تكون من أساتذة طه حسين!
    زكي مبارك: يا سيدي الدكتور…
    طه حسين: تقتلني حين تقول (سيدي الدكتور) وأنت ترى أني جاهل وأن أحمد أمين جهول.
    علي عبد الرزاق: لم أشهد في حياتي أروع من هذا الحوار، وهو يستحق التسجيل.
    إبراهيم مصطفى: بشرط ألا يذكر فيه اسمي.
    علي عبد الرزاق: وما المانع من أن يذكر اسمك في هذا الحوار؟
    إبراهيم مصطفى: لا تعرف ما المانع. إن هذا الحديث يوم يسجَّل لن يسجله غير زكي مبارك الذي ابتدع فن الأسمار والأحاديث.
    علي عبد الرزاق: وهل تخشى أن يتزيد عليك؟
    إبراهيم مصطفى: أنا لا أخاف التزيد ولا أهاب الافتراء لأني أملك تكذيب المفتريات وأستطيع دحض الأباطيل؛ ولو كان زكي مبارك يفتري على الناس لكان أمره أخفُّ وأسهل، ولكنه مع الأسف يبرع في تصوير الصدق.
    منصور فهمي: وما الخطر من تصوير الصدق؟
    إبراهيم مصطفى: الخطر عظيم جداً. وإليك توضيح هذه المعضلة: زكي مبارك يحرص على أن يصورك في أحسن أحوالك، وأحسن أحوال المؤمن حال الصلاة. فهل تعرف كيف يصورك وأنت في صلاتك؟ يصورك وأنت راكع أو ساجد! فهل يرضيك أن تصوّر في حال الركوع أو السجود؟
    توفيق الحكيم: هذه أخيلة باريسية، وهي تشهد بروعة ذكائك يا أستاذ إبراهيم.
    إبراهيم مصطفى: العفو يا أستاذ توفيق، فتلك وثبة من الخيال ساقها هذا الحوار الطريف.
    أحمد أمين: أرجو أن تعفوني من هذه المطايبات، فلولا مراعاة المقام لانصرفت.
    طه حسين: أؤكد لك أن الدكتور زكي لم يقصد إيذاءك فيما كتب عنك. ألم تر كيف احتملته سنين وهو يلحُّ في اتهامي بالجهل؟
    زكي مبارك: لم أتهم سيدي الدكتور بالجهل المطلق، معاذ الله، وإنما اتهمته بالجهل بالقياس إلى المسيو برونو والمسيو دي لاكروا، وقد توليا عمادة كلية الآداب في باريس.
    أمين الخولي: كلام طيب يا فتوة المنوفية، فلا مانع عند الدكتور طه من أن يكون في باريس من هو أعلم منه، فقد تخرَّج في مدينة النور وهو يثني على أساتذتها في كل حين، ولكنك اتهمت الأستاذ أحمد أمين بالعاميّة الفكرية، فما هو المخرج من هذا الاتهام الفظيع؟
    زكي مبارك: لم أتهم الأستاذ أحمد أمين بالعامية المطلقة، ولكن بالقياس إلى الشيخ خربوش.
    طه حسين: ومن الشيخ خربوش؟
    زكي مبارك: الشيخ خربوش عالم علامّة لا يقاس إليه الأستاذ أحمد أمين.
    علي عبد الرزاق: ألم أقل لكم إن هذا الحوار يستحق التدوين؟
    عبد الواحد خلاف: هذا الحوار ينفع في تهدئة أعصاب الأستاذ أحمد أمين، وقد بدأ يبتسم، ولكن المهم هو الاستفادة من هذا المجلس في تغيير المذهب الأدبي للدكتور زكي مبارك، فهو أقدر أدبائنا جميعاً على إحداث الضجات الأدبية، ولا أدري كيف رجع سليماً من العراق…
    توفيق الحكيم: كنت تنتظر أن يلقى حتفه هناك؟
    طه حسين: كان يستريح ويريح، كما قال أحد الكتّاب.
    زكي مبارك:
    لن تزالوا كذلكم ثم لا زلـ … ـت لكم خالداً خلود الجبال
    أحمد أمين: أي جبال وأي خلود؟ أليست لنا أقلام تفل قلمك بأيسر جهد؟
    عبد الواحد خلاف: أرجو أن تسمعوا بقية كلامي. إن زكي مبارك أقدر أدبائنا جميعاً على إحداث الضجات الأدبية، ولكنه لا يوجِّه نشاطه إلى ما يفيد.
    زكي مبارك: وبماذا تشير أيها السيد؟
    عبد الواحد خلاف: أشير بأن تعود سيرتك يوم كنت تؤلف في النثر الفني والتصوف الإسلامي، فتوجه مجادلاتك ومصاولاتك إلى القدماء.
    طه حسين: الأمل بعيد في توجيه الدكتور زكي مبارك إلى ما يفيد وينفع.
    زكي مبارك: يا سيدي الدكتور…
    طه حسين: فلقتني يا أخي بعبارة (سيدي الدكتور) وقد تحيرت في أمرك، فأنت في المجلس رجل لطيف، ولكنك حين تخلو إلى قلمك تنقلب إلى شيطان مَريد.
    أمين الخولي: دافع عن نفسك يا زكي فإني أخشى أن ينهزم فتوة المنوفية.
    زكي مبارك: لي كلمة يا سيدي الدكتور، ولا تؤاخذني بالحرص على هذه العبارة، فقد حضرت دروسك بضع سنين ولا أستبيح الهجوم عليك.
    طه حسين: ألم أقل لكم إن زكي مبارك رجل…
    زكي مبارك: أشكر لك هذا اللطف يا سيدي الدكتور، ثم أقول إني تلقيت عنك مبادئ الظلم والاعتساف.
    عبد الوهاب عزام: إيوه يا عم زكي، هات ما عندك هات.
    زكي مبارك: تذكرون المناوشة التي قامت بين الدكتور طه والدكتور منصور على صفحات الأهرام في سنة ١٩٢١؟
    منصور فهمي: أية مناوشة؟ ذَكِّرني فقد نسيت.
    زكي مبارك: كنت يا سيدي الدكتور أثنيت على أسلوب المنفلوطي، فهاج أستاذنا الدكتور طه وماج، ودعاك إلى أن تسمي الجمل جَملاً والأرنب أرنباً، أو كما قال، ومعنى ذلك أن المنفلوطي ليس بكاتب ولا أديب.
    طه حسين: ثم؟
    زكي مبارك: ثم جاء الأستاذ الكبير الدكتور طه حسين الذي أنكر أن يكون المنفلوطي كاتباً أو أديباً فاعترف بأن الأستاذ أحمد أمين كاتب وأديب وسمح بأن يدرس أسلوبه على طلبة السنة الأولى بكلية الآداب.
    طه حسين: ما هذا الحشيش؟
    زكي مبارك: أنا لم أذق الحشيش أبداً، ولكني أؤكد أن أسلوب أحمد أمين يدرس في كلية الآداب.
    طه حسين: هذا مستحيل.
    أحمد أمين: الكلية تدرس أساليب المعاصرين جميعاً.
    زكي مبارك: وأنت كاتب ولك أسلوب؟
    منصور فهمي: احترس يا زكي من الخروج على أدب الخطاب.
    أحمد أمين: ليتكم صدقتموني حين قلت إن زكي مبارك لا ينقد الباحث نقد العالم للعالم وإنما ينقده نقد المصارع للعالم.
    زكي مبارك: وأنت عالم يا أستاذ؟ وهل يكال العلم أيضاً بمكيال؟
    أحمد أمين: العلم كله عندك، ونحن تلاميذ مبتدئون!
    علي عبد الرزاق: هذا الحوار لا يستحق التسجيل!
    عبد الحميد العبادي: هو على كل حال صورة من صور التاريخ!
    توفيق الحكيم: أنا والله شديد الحسرة على ما وصلنا إليه؛ فقد كنت أحب أن تكون بين الأدباء صداقات عظيمة كالذي يعرفه الأدباء العظماء في باريس ولندن وبرلين.
    عبد الوهاب عزام: وكالذي شهدناه بين زكي مبارك وأحمد أمين!
    طه حسين: إن ذهني لا يسيغ القول بأن النقد يفسد ما بين الأصدقاء.
    شفيق غربال: أعتقد أن الدكتور زكي رجل طيب القلب. وقد قرأت مقالاته عن الأستاذ أحمد أمين بارتياح، وجنيت منها كثيراً من الفوائد الأدبية. ولو أنه نزه قلمه عن بعض العبارات التي جرت مجرى السخرية من الأستاذ أحمد أمين لما استطاع أحد أن يوجه إليه أي ملام.
    توفيق الحكيم: ولهذه المقالات مزية أخرى غير الفوائد الأدبية، فقد بغَّضتني في الجو الأدبي عندنا وحببّت إليّ قضاء الصيف في أوروبا، ولم أرجع إلا بعد أن ظننت أنها انتهت؛ ثم كانت حسرتي شديدة حين رأيت أن زكي مبارك لا يزال يبدي ويعيد في شرح جنايات أحمد أمين. ولولا الحرب لرجعت من حيث أتيت، فمن أين يجد زكي مبارك كل هذا الكلام الطويل العريض؟
    شفيق غربال: المسئول عن هذه المتاعب هو الأستاذ أحمد أمين.
    أحمد أمين: أنا المسئول؟
    شفيق غربال: بالتأكيد أنت المسئول؛ لأنك مضيت في بحثك طول الصيف، وهيأت المجال للدكتور زكي مبارك. والذي يقدِّم الوقود للنار لا ينكر عليها الاشتعال.
    طه حسين: هل أفهم من هذا أن الجوّ الأدبي عرف الحياة في هذا الصيف؟
    زكي مبارك: يكفي يا سيدي الدكتور أن تعرف أن الأستاذ أحمد أمين نقل مكتبته إلى الإسكندرية في هذا الصيف ليجد الشواهد تحت يديه وهو يردّ عليّ.
    أحمد أمين: أنا رددت عليك؟ وهل قلتَ كلاماً يُرَدّ عليه؟
    زكي مبارك: الله يعلم كيف شغلت قلبك وعقلك، وكيف قهرتك على مراجعة المؤلفات الأدبية والمصنفات الفقهية. وهل تستطيع يا أستاذ أن تقول إنك تجهل منزلتي الأدبية؟
    أحمد أمين: إن مقالاتك في الهجوم عليّ زهدت القراء في علمك وأدبك.
    شفيق غربال: سمعت غير هذا. سمعت أن مقالات الدكتور زكي مبارك في الهجوم على الأستاذ أحمد أمين دلتْ على اطلاع فائق وتفكير عميق، وسمعت من يقول إنه لم يعرف قيمة زكي مبارك إلا بفضل هذه المقالات.
    منصور فهمي: وهذا يشرح جانباً من عقلية المجتمع، فالجمهور يعرف زكي مبارك الناقد ولا يعرف زكي مبارك المؤلف؛ لأنه ينقد وهو ثائر ويؤلف وهو هادئ.
    طه حسين: زكي مبارك يصطنع الثورة في كل شيء حتى التأليف، ولكن ثورته في مؤلفاته لا تلفت نظر الجمهور لأنها في الأغلب متصلة بالقدماء، والهجوم على القدماء لا يثير تطلُّع الناس إلا حين يمس العقائد من قرب أو من بعد، كالذي وقع يوم ظهر كتاب الشعر الجاهلي.
    زكي مبارك: ومن أجل هذا حرص سيدي الدكتور على تغليظ بعض الألفاظ ليوجه الأنظار إلى كتابه النفيس!
    طه حسين: وبعدين لك يا دكتور زكي؟
    زكي مبارك: لا بَعْدين ولا قَبْلين، ولكني أحب أن أعرف كيف تكون الصراحة حلالاً في وقت وحراماً في وقت؟ وكيف يحلُّ لسيدي الدكتور ما يحرُم على سائر الناس؟
    طه حسين: يظهر أنك تحب أن تتمتع بالحرية الكاملة في حياتك العقلية، ويظهر مع الأسف أنك لم تعتبر بما عاناه أحرار الفكر في هذه البلاد، فما تحسدني عليه حلال لك حين تشاء. وإني أرجو أن يبعد اليوم الذي ترجع فيه عن شططك وجموحك، اليوم الذي تيئس فيه من إنصاف الناس كما يئستُ من إنصاف الناس.
    منصور فهمي: ولكن ما الموجب للتعرض لما يمس العقائد؟
    طه حسين: اسأل نفسك يا منصور فلك مع العقائد تاريخ.
    منصور فهمي: كان ذلك في عهد الشباب.
    طه حسين: وكان مني ما كان في عهد الشباب، وإن لم يمضِ عليه غير عشر سنين، والحسرة تلذع قلبي كلما تذكرت أني لا أملك مكايدة الجماهير من جديد. وهل نكايد الجماهير إلا بفضل ما يثور في دمائنا من ثورة وطغيان؟
    عبد الواحد خلاف: ومعنى ذلك أن الدكتور زكي مبارك يكايد جماهير الأدباء لأنه لا يزال في عنفوان الشباب؟
    طه حسين: الذي أعرفه أن زكي مبارك صار من طبقة الكهول، بحكم السن على الأقل، فقد شهدت مشاغبته بدروس الأستاذ علي عبد الرزاق في الأزهر سنة ١٩١٢.
    زكي مبارك: وأنا شهدت مشاغبتك يا سيدي الدكتور بدروس الشيخ محمد المهدي في الجامعة المصرية سنة ١٩١٣.
    أحمد أمين: ومع هذه السن العالية لا يزال زكي مبارك يمعن في الغزل والتشبيب كأنه في سن العشرين.
    شفيق غربال: هذه الدعابة تدل على أن الأستاذ أحمد أمين صفت نفسه وطابت.
    طه حسين: فهل نرجو أن يكف زكي مبارك عن العدوان بعد هذا الصفاء؟
    زكي مبارك: هل تصافينا حقيقة؟
    أحمد أمين: لن نتصافى أبداً بعد الذي كان.
    زكي مبارك: يظهر أنك تستروح بالهجوم عليك، وسأخيِّب ظنك فأسكت عنك بعد ثلاث أو أربع مقالات… مساء الخير يا سيدي الدكتور، والحمد لله الذي أرجعك إلينا بخير وعافية.
    (مصر الجديدة)
    زكي مبارك
    الرسالة ٩ – ١٠ – ١٩٣٩

  • عيسويات | Issa-isms

    حديث الوادي
    عيسويات…

    ليست جديدة، ولكن الوقوف عندها ليس به بأس؛ لأنه يبين شيئًا يظهر أن الناس لم يستبينوه بعد، ومن الحق عليهم لأنفسهم أن يعرفوه، وأن يفهموه، وأن يتذوقوا مرارته، ويصطلوا لهيبه المحرق الأليم. وهو أن أخص ما يمتاز به وزير التقاليد بين زملائه الوزراء أنه رجل قوي من الطراز الأول، مؤمن بقوته وسلطانه، يستمتع بحظه منهما، في غير تردد ولا حرج ولا جناح، ولعله يجد في ذلك لذة لا تعدلها لذة، وابتهاجًا لا يشبهه ابتهاج. فمن الناس من تعجبه القوة، ويلذ له البطش، ويسره أنه قادر على إذلال أمثاله، وإخضاعهم بألوان اليأس والاستبداد.

    وأنا مستعرض معك طائفة من هذه العيسويات التي تحدثت بها الصحف، وما زالت تتحدث بها في هذه الأيام، فإذا لم ترها كلها مصورة لهذه القوة، ممثلة لهذا الميل العنيف إلى الإذلال، يصعب على من ينبغي أن يكونوا فوق الإذلال، فأنا المخطئ وأنت المصيب.

    ولست أحدثك عن قصة الأستاذ مصطفى نظيف الذي أراد له مجلس مدرسة الهندسة الرقي والعزة، فأبى عليه وزير التقاليد إلا التأخر والذلة، وآثر عليه أستاذًا بريطانيًّا، ثم لم يكتف بذلك فنقله إلى أسيوط.
    لست أحدثك بقصة هذا الأستاذ، فقد بَعُد العهد بها، ونسيها رجال التعليم، وما أضعف حظ رجال التعليم من الذاكرة في ظل وزير التقاليد. إنما أحدثك بقصة أخرى طريفة لم ينسها الناس بعد، ونظن أن رجال التعليم سيتحدثون بها عصرًا طويلًا؛ لأن فيها إذلالًا لهم أي إذلال، وهي قصة تمثيل الحكومة المصرية في مؤتمر التربية الذي يعقد في جنيف.

    ففي وزارة المعارف معهد التربية، أول أغراضه تخريج المعلمين من جهة، ودرس التربية في نفسها من جهة أخرى، ولهذا المعهد ناظر ووكيل، وفي هذا المعهد أساتذة ومدرسون، والمفروض أن رجال هذا المعهد هم أعلم الناس في مصر بشؤون التربية من الوجهة النظرية، ومن الوجهة العملية، ومن الوجهة التطبيقية والإحصائية في جميع المعاهد والمدارس في مصر. والمعقول أن رجال هذا المعهد هم أحق الناس بتمثيل مصر في المؤتمرات التي تعقد للتربية والتعليم، وهم أقدر الناس على هذا التمثيل.

    ولكن وزير التقاليد جهل هذا المعهد ورجاله جهلًا، وأعرض عن هذا المعهد ورجاله إعراضًا، وأرسل مدير مكتبه ليمثل مصر في مؤتمر جنيف. ومدير مكتبه لا يحسن من أمور التربية قليلًا ولا كثيرًا، ولا يعرف من شؤونها إلا ما يعرفه موظف خرج من دار العلوم، ولم يشتغل بالتربية ولا بالتعليم. ومدير مكتبه لا يحسن لغة أجنبية من اللغات التي سيتحدث بها المؤتمرون، وإنما يلم بالفرنسية إلمامًا لا يمكنه من فهم ولا من تفهيم.

    وهو مع ذلك قد سافر ليمثل مصر في مؤتمر سيأتلف من كبار المربين والمعلمين في أقطار الأرض، سيسمع لهم فلا يفهم عنهم، وسيتحدث إليهم فلا يفهمون عنه، وسيعود إلى مصر وقد مثلها على أحسن وجه في مؤتمر التربية والتعليم.

    ورجال التربية والتعليم «يقشرون البصل» في معهد التربية؛ لأن وزير التقاليد أراد ذلك، وإذا أراد وزير التقاليد شيئًا، فلا مرد له؛ لأن وزير التقاليد قوي عزيز. ولا نذكر المراقبين، والمراقبين المساعدين، ولا نذكر المفتشين، ولا نذكر الجامعيين، فما يعبأ الله بهؤلاء ما دام الوزير لا يعبأ برجال معهد التربية.

    وكان يقال إن وزير التقاليد أحس أن مدير مكتبه ضعيف عن أن ينهض وحده بهذه المهمة؛ لأنه لا يحسن لغة من لغات المؤتمر، فهمَّ أن يرسل معه من يترجم له ويترجم عنه، ولكن وزير ماليتنا، الرجل الخطير، حال دون ذلك. وهل يفل الحديد إلا الحديد؟ وهل يذيب العيسويات إلا الصبريات؟ فسافر ممثلنا وحده، وسيعود وحده.

    ودع هذه العيسوية، وانتقل إلى عيسوية أخرى، ولتكن من عيسويات الجامعة؛ فلوزير التقاليد في الجامعة بلاء حسن، وله عليها أيادٍ بيض. خذ قصة هذا الأستاذ أو المدرس الذي رشحته الكلية، ورشحه مجلس الجامعة، لتعليم الفقه الإسلامي في كلية الحقوق، فأبى الوزير رأي المجلسين، ولكن نصف إباء لم يُقرّه، ولم يرفضه. وإنما قسم العمل بين مرشح المجلسين، وبين رجل آخر قسمة عادلة، لكل منهما النصف عن طريق الانتداب، في غير أوقات العمل في وزارة الحقانية، لا عن طريق التعيين. ولا تسل الجامعيين عن رأيهم في هذا، ولا تسل قانون الجامعة عن رأيه في هذا. فما يعبأ الله بالجامعيين ولا بقانون الجامعة، وإنما يعبأ بوزير التقاليد.

    ودع هذه العيسوية الثانية، وخذ عيسوية أخرى في كلية الحقوق، وهي هذه التي نشرها الوادي يوم الجمعة، ولم ينكرها الوزير إلى اليوم. صهر من أصهاره يعين مدرسًا مساعدًا في الكلية، ويرشح لبعثة طويلة في باريس، لا يؤهله لذلك إلا أنه صهر الوزير، وهذا في القرن العشرين وفي ظل الدستور وفي كلية الفقه والقانون. ولكن ما خطب هذا كله ما دام وزير التقاليد يريد ما يريد؟ ولا تسل الجامعيين عن رأيهم، ولا تسل أقران المعيد عن رأيهم، ولا تسل أساتذة قسم الدكتوراه عن رأيهم، فما يعبأ الله بهؤلاء، وإنما يعبأ بوزير التقاليد.

    وخذ عيسوية رابعة، في كلية الآداب: معيد يفرض على هذه الكلية فرضًا، بعد أن أُخرج منها إخراجًا، لأن وزير التقاليد يريد ذلك، ولا تقول الكلية شيئًا، إما لأنها لم تُسأل، وإما لأنها خافت أن تقول. ولكن المفتشين يسألون فيقولون، ثم يشاع أن تعيين هذا المعيد موقوف بعض الشيء، لا لأن الجامعيين لا يريدونه، بل لأن المفتشين لا يشيرون بتعيينه. الله أكبر! فقد خضعت الجامعة للتفتيش، وأصبح رأي المفتشين لا رأي الجامعيين يقضي في أمر الجامعة. ولا تسل الجامعيين عن رأيهم، فهم يصطافون، وما يعبأ الله بالجامعيين، وإنما يعبأ بوزير التقاليد.

    أشبعت من العيسويات أم لم تشبع بعد؟ إنها لأكثر مما تظن. إنها الخليقة أن تشبعك وأن تدفعك إلى الكلفة وعسر الهضم، ولكنها مع ذلك مفروضة عليك، ستبتلعها وأنت راغم، وليس المهم أن تسيغها ولا أن تهضمها، وإنما المهم أن تتلقاها، مذعنًا صابرًا؛ لأنها تصدر عن وزير التقاليد، ووزير التقاليد قوي عزيز، قد سلطه الله على المصريين ليذل خيار المصريين، فيجب على خيار المصريين أن يذلوا. فإن لم يعجبهم هذا، فماء النيل كثير، وماء البحر أكثر.

    طه حسين
    الوادي، ١٧ يولية ١٩٣٤.

  • ربع مية | A Quarter Century

    ربع مية
    للدكتور طه حسين
    يَا دَارَ مَيَّةَ بِالعَلْيَاءِ فَالسَّنَدِ … أَقْوَتْ وَطَالَ عَلَيْهَا سَالِفُ الأَمَدِ
    وَقَفْتُ فِيهَا أُصَيلاً لا أُسَائِلُهَا … عَيَّتْ جَوَاباً وَمَا بِالرَّبْعِ مِنْ أَحَدِ

    ولم يكن ربع مية بالعلياء فالسند، وإنما كان في صحن الأزهر، وعند القبلتين القديمة والجديدة؛ حيث كانت الحركة المتصلة في الليل والنهار، وحيث كان ذلك الدوي الغريب الذي لم يكن ينقطع إلا في أوقات الصلاة العامة. والذي كثيراً ما فكرت فيه وسألت نفسي عن هذه الأجزاء التي لا تُحصى، والذرات التي لا تُعد، والتي كانت تؤلف جوهره وتكون مزاجه، وتجعل منه وحدة لا يظهر فيها الاختلاف، ولا يُحس فيها التباين؛ فإذا حللتها رأيت اختلافاً لا حد له، وتبايناً ليس له آخر: رأيت أصوات قوم يتحدثون في متاع الدنيا ولهوها، وأصوات قوم آخرين يتحدثون في جد الحياة وآلامها، وقوماً يذكرون الله، وقوماً يدرسون العلم، وقوماً يتلون القرآن، وقوماً يقرأون ما يخطر لهم وما لا يخطر لك على بال، وقوماً يخوضون فيما تظن وما لا تظن من فنون الحديث. ومن هذه الأصوات كلها ينعقد صوت واحد قوي ضخم عميق عنيف متحدٍ يملأ فضاء الأزهر منذ تدخله إلى حين تخرج منه، ويملأ فضاء الأزهر من أي باب ولجته، إلى أي باب تجاوزته، ويملأ فضاء الأزهر في جميع أرجائه وأنحائه على كثرة ما فيها من الانحناء والالتواء والانعطاف.
    نعم، في هذا الربع الذي لم يكن يخلو في نهار ولا في ليل، ولم يكن يهدأ في شتاء ولا في صيف، ولم يكن يشعر بالحاجة إلى الحياة؛ لأنه كان حياة كله. وكان حياة كأشد ما تكون الحياة قوة وحركة وإنتاجاً. في هذا الربع وقفت كما وقف النابغة في ربع مية، ولكني لم أقف أصيلاً وإنما وقفت بعد صلاة العتمة، ففهمت هذا النحو من شعر القدماء، أو قل أحسست هذا النحو من شعر القدماء؛ فما أكثر ما نفهم الشعر القديم والحديث دون أن نحسه كما يحسه قائلوه، ودون أن نتأثر به كما يتأثر به الشعراء.
    وكان الأزهر كربع مية، خلا بعد عمران، وسكن بعد حركة، وأعيا عن جواب السؤال حين وُجه إليه السؤال؛ وكان الأزهر كربع مية قد طال عليه الأمد وبعد به العهد. طال عليه الأمد أكثر مما طال على ربع مية؛ فما أظن أن ذلك الأمد الذي ذكره النابغة والذي طال على ربع مية كان طويلاً مسرفاً في الطول يكاد يبلغ ألف سنة كهذا الأمد الذي أذكره حين أتحدث عن الأزهر، والذي ذكرته حين تحدثت إلى الأزهر منذ أسبوعين. وكان الأمد بين الأزهر وبيني قد طال؛ فما أذكر أني دخلته منذ بضع عشرة سنة، وما أذكر أني طوفت فيه منذ أكثر من عشرين عاماً، ولكني حملت في نفسي دائماً للأزهر صورة حية قوية شديدة الحركة عظيمة النشاط رائعة الدوي عسيرة التحليل.
    وكنت أسعى إلى الأزهر منذ أسبوعين وإن قلبي ليخفق سعادة واغتباطاً وحنيناً إلى هذه الصورة التي صحبتني ربع قرن وطوفت معي في أقطار الأرض واستقبلت معي ألوان الخطوب لم تضعف ولم تفتر ولم تتضاءل، والتي كنت أسعى بها إلى أصلها الأصيل في صحن الأزهر وعند القبلتين لتستمد قوة إلى قوتها وحياة إلى حياتها؛ فلما بلغت الربع – وليتني لم أبلغه – نظرت فإذا الصورة أقوى من الأصل، وإذا الأزهر الذي أحمله في قلبي أشد حركة وأعظم نشاطاً وأقوى حياة من الأزهر القائم هناك في حي القاهرة.
    قال أصحابي – وكلهم مثلي أبناء الأزهر الذين بعد عهدهم به وطال فراقهم له -:
    “وما يمنعنا أن نختم رمضان بزيارة قصيرة للأزهر نحيي بها العهد القديم ونذكر بها أيام الشباب؟”
    قلت:
    “وإني في ذلك لراغب، وإني إلى ذلك لمشوق”.
    ومضينا إلى الأزهر ونحن نقدر أن سنجد فيه تلك الصورة التي ألفناها، وأن سنسمع فيه ذلك الدوي الذي عرفناه، وأن سنختلط به اختلاطاً، ونمتزج به امتزاجاً، ونقف فيه كما كنا نفعل أيام الشباب وقفات فيها الجد الخصب، وفيها هزل يشوبه الحب والعطف. نتنقل بين هذه الحلقات المنبثة في أرجائه، نسمع لهذا الشيخ وهو يقرأ الحديث أو التفسير أو يقص قصص الوعاظ فيعجبنا صوته وإلقاؤه وفهمه وإفهامه فنعجب به ونبسم له، ونتجاوزه إلى ذلك الشيخ فيضحكنا صوته أو إلقاؤه أو لازمة من لوازمه أو بعض ما يدفع إليه من الخطأ في الفهم أو السخف في الإفهام، فننصرف عنه ضاحكين متفكهين، حتى إذا قضينا من هذا كله إرباً خرجنا وقد ذكرنا أنفسنا وسعدنا بلقاء تلك الأيام العذاب.
    كنا نقدر هذا كله، فلما دخلنا الأزهر لم نلقَ إلا وحشة ولم نحسّ إلا صمتاً، لم نعرف شيئاً ولا أحداً، ولم يعرفنا شيء ولا أحد. وإنما كنا أشبه شيء بالأشباح أو الأطياف تمضي في مكان خالٍ موحش لا حياة فيه ولا عمران؛ وأشهد لقد لقينا خدم الأزهر باسمين لنا محتفين بنا، يسعون بين أيدينا ومن حولنا، كأنما نحن جماعة من السائحين الذين لا علم لهم بالأزهر ولا معرفة لهم بخفاياه، فهم يهدوننا ويدلوننا ويرفقون بنا في الحديث.
    ويحكم! فأنا أعلم منكم بالأزهر وأعرف بمعالمه، وإنا لم نأتِ لنلقى منكم هذا الرفق، وإنا لنفضل أن تلقونا بما كان يلقانا به أسلافكم من ذلك العنف الذي كانت تحبه نفوسنا وإن أظهرنا منه النفور. أين الجبلاوي وأعوان الجبلاوي؟ أين تلك العصي التي كانوا يهزونها فتسمع لها أصوات خفيفة ولكنها مخيفة؟ أين الغراب وأيام الغراب؟ وأين رضوان وجنود رضوان؟ أين الجندي وأعوان الجندي؟ أين هؤلاء جميعاً وما كان يحيط بهؤلاء جميعاً من جلال كنا نزدريه وكنا نضيق به، وها نحن أولاء نذكره الآن فتذهب نفوسنا في أثره حسرات!
    ولست أدري مَن هذا الذي عرفنا فأسرع بأسمائنا إلى رجل كريم من أصحاب الفضيلة المفتشين. وإني لأطوف مع صاحبي في الأزهر يتحدث إليّ وأتحدث إليه بهذا الصوت الهادئ الخافت الذي نصطنعه إذا خلا أحدنا إلى صاحبه، كأنما نحن في دار من الدور أو في بيعة من البيع التي يحسن فيها الهمس، لا في الأزهر الذي لم يكن يحب إلا الجهر ورفع الصوت. وما راعنا إلا صاحب الفضيلة وقد أقبل علينا طلق الوجه باسم الثغر مبسوط الأسارير يحيينا تحية الرجل الكريم، ويدعونا إلى ضيافته ويلحّ علينا في أن نصعد معه إلى حيث يتلى القرآن ويشرب الشاي.
    وكنا نود لو استطعنا أن نخلو إلى هذه العمد القائمة لنجدد عهدنا بها، ولنبثها ذكرى تلك الأيام، ولنسألها عما ألمّ بها من الحوادث واختلف عليها من الخطوب منذ فارقناها، ونظفر منها بهذا الصمت الذي هو أفصح من الكلام وأبلغ منه أثراً في النفوس، ولكن الشيخ دعا فلم يكن بد من أن نستجيب؛ فمضينا مع الشيخ إلى حيث أراد، وصعدنا معه إلى غرفة من تلك الغرفات التي كنا نذكرها أيام الصبا فتمتلئ قلوبنا لذكرها مهابة وإجلالاً ورهبة وإكباراً. في تلك الغرف كان يستقر شيخ الأزهر ومفتي الديار، وفي تلك الغرف كانت تُدبّر أمور الأزهر وتُصرّف شؤون العلماء والطلاب، وحول تلك الغرف كانت تتطاير طائفة من الأحاديث والأساطير عن حياة الشيوخ وأقوالهم وأعمالهم. وكانت هذه الأحاديث تصل إلينا فنعجب بها ونبسم لها ونلتمس فيها العبرة والعظة والفكاهة، وكنا نتنقل بهذه الأحاديث إلى بلادنا في الريف فنقصها على آبائنا وإخواننا فيعجبون بها ويكبرون أصحابها ويتخذونها ذخراً لما يعقدون من مجالسهم إذا أشرق الصبح أو أقبل المساء.
    صعدنا مع الشيخ إلى تلك الغرفات ونحن نسأله عن الأزهر ما خطبه؟ وعن هذا الصمت ما مصدره؟ والشيخ صامت كالأزهر لا يستطيع رجع الجواب. ثم انتهينا مع الشيخ إلى طائفة من أصحابه كرام مثله لقونا لقاءً حسناً، وحيونا تحية حسنة، كما لقينا الشيخ وكما حيانا، ونسألهم عن الأزهر ما خطبه؟ وعن هذا الصمت ما مصدره؟ فإذا هم صامتون كالأزهر، وإذا هم صامتون كالشيخ، وإذا هم لا يستطيعون رجع الجواب.
    ثم تدور علينا أكواب الشاي، ثم تُتلى علينا آيات الله في صوت عذب ولهجة حلوة وقراءة صحيحة مستقيمة نقية تصل إلى أعماق القلوب. ولكن من القارئ؟ من أين جاء؟ ما شكله؟ وما زيه؟ إنه رجل مطربش قد اتخذ زياً غير زي الأزهر؛ لأنه ليس من أهل الأزهر وإنما هو من عمال العنابر. تبارك الله! رجل من غير الأزهريين يتلو القرآن بين الأزهريين! هذا خير، هذا خير كثير ولكنه غريب لم نكن نقدر أن نلقاه في أيامنا تلك.
    وكنا نحب أن نلقاه الآن والأزهر معمور يموج بالناس وترتفع فيه أصوات الشيوخ بقراءة القرآن، ولكن الأزهر ساكن صامت، وهذه الطائفة الكريمة من العلماء الواعظين قد استمعوا وأنصتوا لتلاوة القرآن الكريم تخرج من رأس عليه طربوش. هذا خير ما في ذلك شك، ولكن هذه الصورة ما زالت غريبة في أنفسنا، وما زال موقعها من قلوبنا شاذاً قلقاً، ومع ذلك فقد يقال إن الشيوخ محافظون، وإننا نحن من أصحاب التجديد.
    ثم انصرفنا محزونين مستيئسين، جئنا نزور الأزهر فلم نرَ الأزهر، وإنما رأينا أطلاله ولم نستطع أن نطيل عندها الوقوف.
    قلت لأصحابي:
    “ولكن ما هذا الصمت وكيف انتهى الأزهر إليه؟ وأيكم كان يظن أن ذلك الصوت العظيم يُقضى عليه في يوم من الأيام أو في ليلة من الليالي بهذا الخفوت المنكر المخيف؟”
    قال أصحابي:
    “فإنك تنسى أن الأزهر قد كان جامعاً فأصبح جامعة، وإنك تنسى أن الجامعة إن استيقظت في النهار فهي تنام في الليل، وإنك تنسى أن للجامعة نظاماً يحدد حظها من الحركة وحظها من النشاط؛ فاذكر هذا كله واذكر أنك تخطئ أشد الخطأ إن ظننت أن التجديد مقصور على الجامعة وأصحاب الجامعة، فالتجديد أقوى وأنشط وأوسع سلطاناً مما تظن. انظر إليه كيف وصل إلى الأزهر فعلمه كيف يكون الكلام في النهار والصمت في الليل، وقد كان الأزهر متصل الكلام في الليل والنهار”.
    قلت لأصحابي:
    “يا بؤسي للتجديد إذا انتهى بالأزهر إلى هذه الحال! كم كنت أوثر أن يظل الأزهر جامعاً وألا يُمسخ جامعة”.

    الرسالة ٢٩ – ١ – ١٩٣٤

  • موقعة | A Battle

    موقعة

    رئيس وزرائنا مريض، نرجو أن يسرع إليه الشفاء، ولكن مرضه ليس مقصورًا عليه، بل هو يتجاوزه إلى الوزارة كلها التي لم تستطع أن تنشط، ولا أن تظهر أن لها حظًا من حياة قوية رغم ما أصابها من الوصل والترقيع، ويتجاوزه في رأي الأهرام على الأقل إلى البرلمان الذي يظهر بمظهر المريض المقعد. وقد قيل إن لمرض البرلمان، وهذا الشلل الذي جعله – كما تقول الأهرام – مقعدًا، مظاهر لا تخلو من عبرة وعظة. فهو يمهل حتى تكلف المراقبة لعمل السلطة التنفيذية، وهو يعجز عن مقاومة هذا الفتور الذي يصيبه ويملك أعضاءه كلهم أن ينهض بعمله التشريعي الخاص.

    زعموا أن الحكومة دفعت إلى السودان ثلاثة أرباع المليون تعويضًا لمن سيصيبهم الضرر من إقامة الخزان قبل أن تصدر الميزانية، بل قبل أن يقرها البرلمان، ودون استئذان للبرلمان في دفع هذا المقدار الضخم من المال لحكومة السودان.

    فإن لم يكن هذا حقًا فلا تفسير له إلا إحدى اثنتين. فإما أن يكون البرلمان مستعدًا أحسن الاستعداد للنزول عن حقوقه الدستورية للحكومة اعترافًا بجميلها عنده وفضلها عليه.

    وأنا أنكر هذا، وأراه بعيدًا، لأن البرلمان حفيظ على الدستور، لا ينزل عنه كله أو بعضه لإنسان كائنًا من كان، ومهما يكن له عليه من فضل أو جميل.

    وإما لأن مرض رئيس الوزراء قد أعدى البرلمان بعض الشيء، فأصابه هذا الفتور الشامل الذي يصيب المرضى والمقعدين، فتقصر ذاكرتهم، ويقل حظهم من الملاحظة والمراقبة لما يجري حولهم من الحوادث، وما هو بين أيديهم من المشكلات.

    وأكبر الظن إن صح هذا الخبر أن البرلمان لم يتعمد الإعراض عن هذا العمل الغريب من أعمال الحكومة، وإنما اضطره النسيان والضعف إلى هذا الإعراض والتقصير، فلعله ذاكر ما نسي، ومقبل على ما أعرض عنه، ومعنٍ بما فرط منه.

    ومن المحقق الذي لا شك فيه أن مجلس النواب قد أقر أمس قانونًا ينظم تعيين الأساتذة والمدرسين في الجامعة وتأديبهم، وأقر هذا القانون في جلسة واحدة، بل في جزء يسير جدًا من جلسة واحدة، وأقره فيما يظهر فاترًا عنه، مزدريًا له، كما يقر أيسر الأمور وأقلها خطرًا، مع أن هذا القانون هو قوام حياة الجامعة، وقد عنيت به الجامعة منذ اليوم الأول من أيامها، وعنيت به الحكومات المختلفة التي تعاقبت منذ أنشئت الجامعة، وثارت فيه مشكلات بين الجامعة والحكومات، لأنه المقياس الصحيح الدقيق الذي يحدد موقف الجامعة المستقلة من الدولة التي تحب أن تسيطر على كل شيء من الشؤون العامة.

    أقر مجلس النواب هذا القانون كما أرادت الحكومة القائمة أن يكون، في غير مناقشة ذات بال.

    ومعنى هذا أن مجلس النواب لم يحفل بهذا القانون، إما لأنه لا يحفل بأمر الجامعة، ولا يقدره، ولا يراه خليقًا بالدرس والتفكير، وإنه مستيقن أن الدرس والتفكير لا خير فيهما ولا نتيجة لهما، لأن الحكومة تريد شيئًا فيجب أن يكون ما تريد، والبرلمان مكلف أن يجيز ما تريد الحكومة في غير مناقشة ولا حساب.

    وأكبر الظن أن مجلس النواب بريء من هاتين الخصلتين؛ فهو يحب الجامعة ويرعاها، ويتتبع أمورها بدقة لا تعدلها دقة، ويدرس شؤونها بعناية لا تشبهها عناية، ولكنه يثق كذلك بالحكومة ثقة ليس مثلها ثقة. وإذن ففيم المناقشة؟ وفيم المحاسبة؟ وفيم إضاعة الوقت في المناقشة والحساب؟

    والمجلس مطمئن إلى أن الحكومة معصومة من الخطأ، معصومة من أن تريد بالبلاد إلا الخير، تحب الجامعة كما يحبها، وترعى الجامعة كما يرعاها، وتفهم الجامعة كما يفهمها. وإذن فأي معنى للحساب العسير أو اليسير بين قوم يتفقون في كل شيء ولا يختلفون في شيء؟

    ويقول بعض الذين لا يستطيعون أن يعيشوا إلا إذا ظنوا فأساؤوا الظن، وأولوا فأساؤوا التأويل، إن مجلس النواب قد شغل بانتخاب الوكيلين فأنفق فيه نشاطه كله، ولم يحتفظ لجدول الأعمال إلا بنشاط فاتر جدًا، فمر هذا الجدول أمام المجلس كما مر شريط السينما أمام جماعة ليسوا بالمستيقظين ولا النائمين، ولكنهم في منزلة حلوة لذيذة بين هذا وذاك.

    ويقول هؤلاء الناس الذين يسرفون في سوء الظن وفساد الرأي وقبح التأويل إن مرض رئيس الوزراء قد أصاب البرلمان فجعل نشاطه محدودًا، ويقظته محدودة. فمن الحق على رئيسي المجلسين أن يلاحظا هذه الحال في وضع جدول الأعمال، فلا يسرفا في إطالة هذا الجدول، ولا يلحا في استنفاده كله إذا طال.

    ويقول هؤلاء الناس أيضًا إن الأهرام تحدثت بأن رغبة أملتها بعض الجهات إملاءً على الهيئة الشعبية البرلمانية في انتخاب الوكيلين. وكان كثير من أعضاء الهيئة الشعبية فيما يظهر يريد أن يرد هذه الرغبة على صاحبها، ولكن صاحب هذه الرغبة فيما يظهر أيضًا لا يحب أن ترد عليه رغباته، ولا يريد أن يتردد أحد، ولو كان من حزب الشعب، في إنفاذ هذه الرغبات كما تنفذ الأوامر التي لا سبيل إلى مخالفتها أو الخروج عليها.

    ويقال إن أعضاء الهيئة الشعبية قد أنفقوا نشاطهم كله في المناقشة والجدال حول هذه الرغبة التي أذعنوا لها آخر الأمر، وضحوا في سبيلها بزعيم من زعمائهم هو الأستاذ وهيب دوس بك، ثم وصل الشعبيون إلى مجلس النواب متعبين مكدودين، فلم يستطيعوا أن يفرغوا لأمور الجامعة كما ينبغي، ولا سيما وقد كانت هذه الرغبة لا تكتفي بانتخاب الوكيلين من الحزبين، بل تريد أن يكون هذا الانتخاب في يوم معين هو أمس، وفي جلسة معينة هي جلسة أمس، وإن لم يكن هذا الانتخاب في جدول الأعمال، فقدم اقتراح وقبل وأنفذ، وأخذ المستقلون والمعارضون على غرة، وأخذت الجامعة على غرة أيضًا، فمر قانونها بسلام.

    ويقال إن الشعبيين الذين شغلوا بإكراههم على ما لم يكونوا يحبون، لم يفكروا في قانون الجامعة، ولن يفكروا فيه الآن، لأنهم عنه في شغل. أما الاتحاديون فقد سرهم أن يفوزوا بمنصب من منصبين، وسرهم أيضًا – بل سرهم بنوع خاص – أن يمر هذا القانون الاتحادي دون أن يحتاج وزير التقاليد أن يطيل عنه الدفاع.

    فمن يدري، لعله لو احتاج إلى ذلك لأثار حول الجامعة خصومة تشبه تلك الخصومة التي ثارت حول إعانة الأوبرا. ولمَ لا؟ إن إعانة الأوبرا وإنفاقها ونظام الأوبرا حق من حقوق السلطة التنفيذية في رأي وزير التقاليد، فلا ينبغي لمجلس النواب أن يعرض لها أو يدخل فيها. وكذلك أمر الجامعة؛ فتعيين الأساتذة والمدرسين وأعضاء هيئة التدريس وتأديبهم حق كذلك من حقوق السلطة التنفيذية.

    فلو قد ناقش أمس الأستاذ وهيب بك دوس لقيل له كما قيل له في قصة الأوبرا: هذا حق السلطة التنفيذية، فلا تعرض له ولا تخض فيه.

    ومن يدري، لعل الأستاذ وهيب دوس بك لم يكن يرضى هذا الجواب من وزير التقاليد، ولا سيما أمس وهو مغيظ محنق، وقد استقال من حزب الشعب مغاضبًا فيما يظهر على حزب الاتحاد، إذن لأثار الأستاذ في المجلس ثورة لا يعلم إلا اللّٰه إلى أين كانت تنتهي.

    وإذن فقد انتصرت الحكومة أمس في مجلس النواب انتصارًا لا فخر فيه ولا مجد، لأنه لم يحتج إلى دفاع ولا نضال، بل كان يسيرًا كجميع ما تناله الحكومة من ألوان النصر في البرلمان. وانتصر حزب الاتحاد انتصارين، ففاز بوكيل اتحادي، وأمضى قانونًا اتحاديًا. وأظهر حزب الشعب – إلا الأستاذ وهيب دوس بك – شيئًا من الجلد وضبط النفس، وانتظر فرصة أخرى لعلها تكون قريبة يظفر فيها بمنصب، ويمضي فيها قانونًا.

    وانجلت هذه المعركة الطويلة العنيفة عن وفاق ووئام وصلح وسلام بين الحزبين المؤتلفين. وأحصيت الخسائر فكانت يسيرة: خسر حزب الاتحاد أحد المنصبين، وخسر حزب الشعب أحدهما أيضًا، وخسر حزب الشعب فوق ذلك خسارة أخرى مشكوكًا فيها، وهي الأستاذ وهيب دوس بك، فقد يتوسل إليه في أن يسترد استقالته فيفعل.

    أما مصر فلم تخسر شيئًا يذكر، وإنما فرض عليها نظام للجامعة أقل ما يوصف به أنه يجعل الجامعة مدرسة من المدارس العادية. ويجب على مصر أن تحمد اللّٰه على أن لم تتجاوز خسارتها هذا الحد.

    كوكب الشرق ٢٢ – ٣ – ١٩٣٣

  • عزة | Dignity

    عِزَّة
    اضحك إن شئت فالأمر يحتمل الضحك، واحزن إن شئت فالأمر يحتمل الحزن، ولكن ثق بأنك ستضحك وحدك، وستحزن وحدك على كل حال؛ لأن الأمر الذي سأحدثك عنه قد أصبح لا يعني أحدًا، أو لا يكاد يعني أحدًا من الناس، إنما نكتب لنسجل ونحصي، لا لنصلح ولا لنقوِّم. فقد أصبح الأمر لا يحتمل إصلاحًا ولا تقويمًا. أتعرف فيم أريد أن أحدثك؟ أتعرف مم أريد أن تضحك؟ أتعرف علام تريد أن تحزن؟
    أريد أن أحدثك عن الجامعة والجامعيين، وأريد أن تضحك مما صار إليه أمر الجامعة والجامعيين، وأن تحزن لما انتهت إليه حال الجامعة والجامعيين. فما زال لنا معهد يسمى جامعة، أُنشِئَ بقانون ونظم بقوانين وصدرت هذه القوانين، لا نقول منذ أعوام، ولا منذ أشهر، بل منذ أسابيع. وكنا نراها ضيقة وكنا نراها مرهقة، وكنا نراها هادمة لاستقلال الجامعة، فظهر الآن أنها واسعة مسرفة في السعة، وأنها حرة مسرفة في الحرية، وأنها مؤيدة لاستقلال الجامعة، مسرفة في تأييده، وأنها لهذا كله أوسع مما ينبغي وأكثر مما يحتمل المصريون. لم تكد تصدر هذه القوانين حتى عهد وزير التقاليد ورئيس الجامعة الأعلى إلى قانونها الأساسي فهدمه هدمًا، وأرغم كلية العلوم على عميد لم تنتخبه، ولكن وزير التقاليد استطاع أن يرغمها على أن تنتخبه فأذعنت وأطاعت وصدعت بالأمر، وشاركت الوزير في مخالفة القانون.
    ولم تمض على هذه القصة أسابيع حتى كانت النوبة على كلية الآداب، فهي تكره هي الأخرى على مخالفة القانون الذي لم يصدر إلا منذ أسابيع فتذعن وتطيع وتشارك الوزير في مخالفة القانون.
    زعموا أن في كلية الآداب كرسيًّا خاليًا منذ أكثر من سنة حين نقل أستاذ من أساتذة الجامعة إلى وزارة المعارف في قصة يذكرها الناس. وزعموا أن هذا الكرسي ليس هو الكرسي الوحيد الخالي في كلية الآداب، ولكن الحكومة حريصة كل الحرص على أن تشغله لأمر ما، فمن يدري؟ لعل الوزارة أن تستقيل ولعل وزارة أخرى أن تخلفها ولا يصح بحال من الأحوال أن يظل هذا الكرسي خاليًا حتى يشغل وزارة المعارف وزير غير وزير التقاليد.
    وزعموا أن جماعة من الأساتذة المساعدين في كلية الآداب رشحتهم الكلية لبعض هذه الكراسي الخالية، ومن بين هؤلاء الأساتذة أستاذ مساعد رشح لهذا الكرسي المعروف. وهذا الأستاذ المساعد فيما يقول الناس رجل كفء من غير شك، يُؤمَن له بالكفاية والامتياز أهل العلم بالأدب العربي، لا في مصر وحدها، ولا في الشرق العربي وحده، ولا في الشرق الإسلامي وحده، بل في بيئات المستشرقين الأوروبيين عامة. وتستطيع أن تسأل عن هذه البيئات في روما فسيجيبك نالينو، وليفي دلافيدا، وتستطيع أن تسأل هذه البيئات في باريس فسيجيبك ماسينيون ومارسيه وتستطيع أن تسأل عنه هذه البيئات في لندرة وكامبردج وأكسفورد فسيجيبك نيكلسن وجيب ومرجوليوث. وتستطيع أن تسألها في ألمانيا فسيجيبك ليتمن وبرجشتراسر، سيجيبك هؤلاء جميعًا بأن هذا الأستاذ كفء حقًّا، ممتاز، وبأن الكلية قد وفقت كل التوفيق حين رشحته منذ عام لهذا الكرسي.
    ولكن مجلس الجامعة لم يرد أن يقضي في هذا الترشيح وفي ترشيحات أخرى في العام الماضي لأسباب لعل الوقت لم يؤن بعد لتفصيلها. ثم عادت الكلية هذا العام فرشحت هذا الأستاذ وأصحابه مرة أخرى، وكانت القوانين الجديدة قد صدرت وقضى مجلس الجامعة هذه المرة في الترشيحات فكان حنبليًّا متشددًا في احترام القوانين، رفض الترشيحات كلها؛ لأن المرشحين لا يحملون درجة الدكتوراه، والقانون يحتم ذلك ويلح فيه وأصبح من الحق على هؤلاء الأساتذة المساعدين أن يكتفوا بمناصبهم أو يظفروا بدرجة الدكتوراه إن كانوا يريدون أن يكونوا أساتذة ذوي كراسي. ولكن شيئًا حدث منذ أيام، فقد استكشف أولو الأمر في وزارة المعارف والجامعة أن هذا الكرسي لا يزال خاليًا، وسألوا الكلية عن هذا فأجابت الكلية بما أجابت، ومضت أيام قليلة وإذا مجلس الكلية يُدعى إلى الاجتماع فيجتمع أمس ويطول اجتماعه ويكون فيه حوار طويل ثقيل وينتهي الاجتماع بأن يرشح أستاذًا في إحدى المدارس العليا، ليس من الذين يحملون درجة الدكتوراه، ولا لقب دكتور. وكانت الفكرة أن يرشح هذا الأستاذ لشغل هذا الكرسي فأبى أعضاء الكلية وألحوا في الإباء، ولكن الحوار الطويل وتدبر العواقب والتفكير في المستقبل انتهى بأعضاء المجلس إلى أن يقبلوا ترشيح الأستاذ لمنصب الأستاذ المساعد وإن كان القانون الذي لم يجف حبره بعد لا يبيح هذا الترشيح لأنه اشترط درجة الدكتوراه في الذين يرشحون لمنصب المدرس فضلًا عن منصب الأستاذ ذي الكرسي.
    وسيعرض هذا الترشيح – من غير شك – على مجلس الجامعة رغم الإجازة والصيف، كما دُعي مجلس الكلية رغم الإجازة والصيف وسيحضر اجتماع مجلس الجامعة عدد قليل جدًّا من الأعضاء كما حضر مجلس الكلية أمس خمسة أو ستة من الأعضاء؛ لأن الناس في هذه الأيام متفرقون. والله يعلم كيف يقضي مجلس الجامعة في هذا الترشيح الذي اضطرت إليه كلية الآداب إلى أن تخالف فيه القانون، كما خالفته الكلية أم يرده كما رد ترشيحات أخرى من قبل فيلقي على الكلية درسًا فيه قسوة ولكن فيه عدلًا، ويعلم الكلية أن القوانين لا تصدر اليوم لتخالف غدًا.
    علم هذا كله عند الله، ولكن الشيء الذي لا شك فيه والذي يضحك من أراد الضحك، ويحزن من أراد الحزن، ويجب تسجيله على كل حال هو أن كلية الآداب أُرغمت على مخالفة القانون فخالفته أيضًا. وإذا كانت هذه حال الجامعيين فماذا تريد من عامة الناس؟
    أما وزير التقاليد فإنا نهنئه بسلطانه العريض، ونتمنى له سفرًا سعيدًا، وظفرًا بطائفة من الأوسمة، فهو معز العلم والعلماء، وحامي الجامعة والجامعيين من غير شك.
    كوكب الشرق في ١٠ – ٧ – ١٩٣٣.

  • تكريم | A Tribute

    تكريم
    ليس من شك في أن وزير التقاليد بطل من أبطال الجيل المصري الحديث! وفذ من أفذاذ هذا العصر الذي نعيش فيه، ودعامة من دعائم هذا العهد الذي نستمتع بما يسوق إلينا من خير وما يمطر علينا من بر، وما يغمرنا به من إحسان!! وليس من شك في أن كل تاريخ يكتب لتصوير الحياة المصرية في هذه الأيام لن يستطيع أن يهمل اسم وزير التقاليد، ولا أن ينسى جهوده الرائعة البارعة في تصوير العقلية التي يراد أن تفرض فرضاً على المصريين، والقالب الذي يراد أن تصب فيه نفوس المصريين. ومن المحقق أن اثنين، واثنين ليس غير من وزراء هذا العهد السعيد سيبقى اسمهما في تاريخ مصر إلى زمن غير قصير هما رئيس الوزراء ووزير التقاليد.
    وليس معنى هذا أن زملاءهما لم يحدثوا ما هو خليق بالذكر، جدير بالتفكير والتسجيل؛ فلن ينسى التاريخ لوزير الداخلية براعته في المحافظة على النظام ومهارته في إقرار الأمن وتفوقه في حماية الدولة من رئيس الوفد وأصحابه حين يغيرون على أحياء القاهرة أو على المدن والقرى والأقاليم. فسيذكر الناس مع الإعجاب الذي لا حد له خطف رئيس الوفد وصاحبه من قنا، وسيذكر الناس مع الإعظام والإكبار تسليح الجنود لحصار سمنود وإلغاء إجازات الضباط وإمساك المديرين في أقاليمهم أيام العيد، وسيذكر الناس — مع الشاء الجزيل والشكر الجميل — حفر الخنادق وإقامة الأسوار، وصف السيارات والعربات حول زفتى يوم زارها رئيس الوفد وصاحبه. لكن هذه الأشياء كلها على جلال خطرها وارتفاع شأنها، وعلى أنها قد أقامت لمصر مجداً مؤثلاً، وكسبت للدولة نصراً مؤزراً، ليست طريفة ولا مبتكرة، وإنما هي تقليد أو شيء يشبه التقليد كان يأتيه رئيس الوزراء حين كان يتولى وزارة الداخلية في عهده القديم والجديد. ففضل هذه الأعمال الجليلة يرجع إليه أكثر مما يرجع إلى وزير داخليتنا القائم. وإذا أذن الله للوزارة بطول البقاء وامتداد أسباب الحياة فقد يأتي وزير الداخلية من الأعمال ما يقرنه إلى زميليه العظيمين.
    ووزير الزراعة خطب وله أحاديث وله صولات وجولات، ولكنه على ذلك كله حديث عهد بالوزارة، لا تظهر شخصيته بارزة تفرض الإعجاب على الناس إلا إذا دار عليه العام وحدث في حياتنا الزراعية حدث جديد يشبه الأحداث السياسية والتعليمية. وكان لنا وزير للحقانية كاد يفرض شخصيته فرضاً ويضطر حزب الاتحاد إلى أن يقيم له، لا نقول حفلات التكريم، بل النصب والتماثيل لولا أن هذه الشخصية أدركها الضعف في منتصف الطريق فضاقت بالبدارى، وضاقت بها البدارى، وطاحت قضية البدارى بهذا الوزير واثنين من أصحابه.
    ومر الآخرون من وزراء هذا العهد بمناصبهم مر الطيف، لم يتركوا آثاراً ولا أحداثاً كباراً حتى قال الإنجليز إن وزارة صدقى باشا وزارة رجل واحد في حقيقة الأمر، فالآن تصحح الحوادث رأى الإنجليز وتثبت أنها وزارة رجلين: رئيس وزرائنا الذي يستريح في «فرسايل»، ووزير التقاليد الذى يتعب فى القاهرة ويتعب غداً في الإسكندرية.
    فليس غريباً إذن أن تقام حفلات التكريم لوزيرينا العظيمين فهما من غير شك أهل للتكريم ولأكثر من التكريم، إنما الغريب ألا تقام هذه الحفلات إلا من حين إلى حين مرتين أو مرات في العام. ولو أن المصريين يعرفون الجميل لأهله ويقدرون حسن الصنيع لمن يتولاهم بالخير ويمسهم بالمعروف لاتصلت حفلات التكريم للوزيرين الجليلين ولأصبحا في تكريم وأمسيا في تكريم وباتا فى تكريم. ولكان هذا أقل ما يجب على مصر لهما من الشكر وأيسر ما تؤدى إليهما مصر من الثناء.
    لهذا لم نفهم هذه الحيرة التي ظهرت واضحة جلية في خطبة وزير الزراعة حين أراد أن يتكلم باسم الوزراء وباسم «حزب الشعب» فى تكريم القائد العظيم لحزب الاتحاد؛ فقد كان وزير الزراعة حائراً حقاً يلتمس العلل والأسباب لهذا التكريم الذي ظهر فجأة وطرأ على غير انتظار، ويحاول أن يرد الأمر إلى نصابه فيضيف شيئاً من فضل وزير التقاليد إلى رئيس الوزراء، ويرد شيئاً من فوز حزب الاتحاد إلى تأييد «حزب الشعب» له وعطفه عليه. لم نفهم هذه الحيرة التي ظهرت على وزير الزراعة وهو الذي إذا تكلم في مجلس زانه، وإذا نطق أطلق بالشهد لسانه، وإذا دعا البيان انقاد له البيان في استسلام وإذعان. ففضل وزير التقاليد أظهر من أن ينكر وخطر وزير التقاليد أجلى من أن يرتاب فيه. ولولا أن بعض الظن إثم لأشفقنا على وزير الزراعة أن يكون قد أوجس خيفة من هذا التكريم الفجائي، وظن أن له أسبابا يجهلها الناس وأسراراً لا يقف عليها إلا الراسخون في العلم. ولكن الأمر أيسر من ذلك فمآثر وزير التقاليد بادية لكل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. وأول مأثرة من مآثر وزير التقاليد أنه نهض وحده بتمثيل حزب الاتحاد فى الوزارة منذ زمن بعيد، منذ أبعد عنها ماهر باشا، ومنذ مرض وزير الخارجية، فكان واحداً بين زملائه لكنه احتمل الأمانة على ثقلها، وأدى الواجب على وجهه واحتفظ بعلم الحزب مرفوعاً، وبلوائه منشوراً خفاقاً. أليس ذلك وحده يكفي لأن يقيم له حزب الاتحاد حفلات التكريم إذا أشرق الصبح، وإذا دنا المساء، وإذا أظلم الليل.
    بلى، فكيف إذا كانت لوزير التقاليد مآثر جاوزت حزب الاتحاد، لا أقول إلى الأمة المصرية وحدها، ولا أقول إلى الشرق العربى وحده، بل أقول إلى العالم المتحضر كله؛ فوزير التقاليد هو الذي أنشأ «المجمع اللغوى». وليس يعنينا أن يكون المجمع قد وجد، أو لم يوجد وعمل أو لم يعمل فذلك شيء ينبغى أن يكون في الدرجة الثانية أو الثالثة من التقدير. إنما المهم أن المجمع قد صدر به المرسوم وذكر فى خطبة العرش، وكتبت فيه الصحف، وخوطبت فيه دول الشرق والغرب، وهيئت له بعثة وسيؤلف من غير شك في يوم من الأيام. وأنت تعرف أن هذا المجمع ليس مقصوراً على المصريين، ولا على الشرقيين، بل هو يتناول الشرق والغرب جميعاً، فلا غرابة في أن ينهض المصريون من حزب الاتحاد بتكريم وزير التقاليد، ولا غرابة في أن تنهال الأوسمة من الشرق والغرب على وزير التقاليد.
    فإذا أضيفت إلى هذه المأثرة مأثرة أخرى ينعم بها الأجانب طول فصل الشتاء من كل عام، وهى مأثرة الرقص والتمثيل والغناء في الأوبرا وما تكلف وزير التقاليد من إكراه البرلمان على أن يرصد لها الآلاف رغم الأزمة ورغم وزير التقاليد، لم نشك في أن الأجانب مقصرون حين لم يشتركوا مع المصريين في تكريم وزيرنا العظيم. ويزداد تقصير الأجانب نكراً إذا ذكرت هؤلاء المحاضرين الذين دعاهم وزير التقاليد من بلاد الإنجليز والفرنسيين وأنفق عليهم المئات من الجنيهات ليثقفوا الأجانب ويفقهوهم في آدابهم؛ ألست ترى أن من الحق على الأجانب لو أنهم يحسنون الشكر لمن يستحق الشكر أن يقيموا لوزير التقاليد حفلة تكريم واحدة على أقل تقدير. ولوزير التقاليد مآثر أخرى مهما نقل ومهما نكتب فلن نحسن تصويرها، فهو الذى قص جناح الجامعة وطرد استقلالها من مصر وهو الذى ضيق حدود التعليم العالى وأخضعه لقيود أقل ما يقال فيها إنها لا تلائم آمال مصر ولا حاجتها ولا كرامتها.
    واحذر كل الحذر أن تنظر إلى هذه الأعمال على أنها إساءة إلى مصر أو إفساد لأمورها فلم يخدم مصر كما خدمها وزير التقاليد بسياسته الشيطانية؛ لأنه فرض على المصريين أن يقدروا أمور التعليم وفرض على الأحزاب السياسية المعارضة أن تجعل مسألة التعليم فى أول برامجها السياسية لتصلح منها ما أفسده هذا العهد. ولو لم يمن الله على مصر بوزير التقاليد لظلت مسائل التعليم مهملة محرومة من الإصلاح في غير نظام ولا اطراد. أما الآن فقد أصبحت مصر واثقة بأن بناء التعليم فيها سيستأنف من جديد وسيقام على أساسه الصحيح يوم ترد إلى مصر حريتها الصحيحة؛ فلو لم يكن لوزير التقاليد إلا هذا الفضل لكان خليقاً أن يكرم مرات في كل يوم لا في كل عام.
    رجلان اثنان سيحفظ التاريخ الحديث اسميهما على أنهما من أكبر المحسنين إلى مصر: رئيس الوزراء لأنه نبه الشعب المصرى إلى واجبه فى الإصلاح السياسي أحسن تنبيه، ووزير التقاليد لأنه نبه الشعب إلى واجبه في الإصلاح التعليمي أحسن تنبيه. وستستقيل هذه الوزارة في يوم من الأيام، وسيرى رئيس الوزراء ووزير التقاليد أن المعارضين الذين يخاصمونهما اليوم سيقيمون لهما حفلات التكريم أجمل وأروع وأبدع من الحفلات التي تقام لهما الآن في «حزب الشعب» أو حزب الاتحاد.
    كوكب الشرق في ٣٠ – ٦ – ١٩٣٣.

  • جهد | An Effort

    جهد
    جهد ضائع هذا الذي تنفقه الوزارات والبرلمانات في وضع القوانين ودرسها وتمحيصها في مكاتب الوزراء، وفي اللجان الوزارية، ثم في هيئات الفقهاء، فمجلس الوزراء، فالمجالس النيابية، مادام احترام هذه القوانين والنزول عند ما تريد أمرا ليس مقطوعا به، بل ليس مرغوبا فيه. فالرجل العاقل لا يأتي ما يأتي من الأمر عبثا، وإنما يعمد إليه لأنه يريده وهو يريده لأنه يلتمس من ورائه تحقيق غرض والانتهاء إلى غاية. فأما أن توضع القوانين وتشرع لا لشيء إلا أنها توضع وتشرع، فهذا لون من ألوان العبث لا أفهم كيف يقصد إليه العقلاء، وكيف يتورطون فيه. والأمر في القوانين التي تشرع ثم لا تحترم ليس مقصورا على العبث السخيف وحده، بل هو يتجاوز ذلك إلى أشياء أخرى خطيرة قبيحة، ألا ترى في حياة الناس شديدة الخطر على ما بينهم وبين حكوماتهم من صلة؟ فليس أشد خطرا على العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وليس أقبح أثرا في الصلة بين الوزارات والشعوب من أن تؤمن الأمم بأن الحكومات تعبث بها، وتهزأ بمرافقها، وتشرع القوانين، ثم لا ترعى لها حرمة، ولا تنزل لها عند إرادة أو حكم.

    نحب أن نعلم فيمَ غُيِّر قانون الجامعة، وفيمَ تكلفت الوزارة والبرلمان ما تكلفا فيه من جهد، وفيمَ اتفقت الوزارة والبرلمان ما اتفقا فيه من وقت إذا لم يكن الغرض الأول من شرع هذا القانون إنما هو تنفيذه وتسيير أمور الجامعة على مقتضاه؟ لقد كنا ننكر تغيير القانون القديم، ونرى فيه هدما لاستقلال الجامعة، ومحوا لحقها في الحرية، وقضاء على شخصيتها العلمية. وكنا نلوم الوزارة على هذا التغيير، ونشتد في اللوم، وكنا نلوم البرلمان على إقرار هذا التغيير. وكنا نلوم الجامعيين في السكوت على هذا التغيير ونشتد في اللوم. فقد ظهر الآن أننا كنا مخطئين أشد الخطأ، لأن القانون الجديد بعيد كل البعد عن أن يرضي حاجة الوزير إلى العبث بالجامعة. فلابد من تغييره هو أيضا، وظهر أن هذا القانون يضيق من سلطان الوزير على الجامعة، ويضطره إلى مواقف يحسن ألا يضطره إليها. فلم يغير الوزير إذاً قانون الجامعة كما ينبغي، ولم يوفق البرلمان حين أقر هذا التغيير، بل كان ينبغي أن يطلب منه المزيد حرصا على حق الوزير وسلطانه. ولم يوفق الجامعيون حين سكتوا على هذا التغيير لأنه لا يبلغ من إذلالهم ومحو حريتهم مقدار ما يطيقون. فهم يطيقون أكثر مما أطاقوا إلى اليوم وهم يحتملون أكثر مما احتملوا إلى اليوم. وقد قام الدليل على هذا كله في هذه القصة الطريفة الظريفة، قصة اختيار العميد لكلية العلوم!!

    كان القانون القديم يجعل للوزير حق اختيار العميد بين الأساتذة ذوي الكراسي بعد أن يستشير مجالس الكليات، وكان رأي مجالس الكليات لا يقيد الوزير، فكان من حقه أن ترشح له الكلية زيدا فيختار هو عمرا. ولكن وزراء المعارف لم يستمتعوا قط بهذه الحرية، بل نزلوا دائما عند اختيار مجالس الكليات فعينوا من اختارتهم هذه المجالس. لم يشذ منهم أحد في ذلك.

    فلما كان وزير التقليد وأراد أن يغير نظام الجامعة، خيل إليه أن تغيير هذا القانون فيما يمس انتخاب العميد بسطا لسلطانه، فجعل لمجالس الكليات الحق في أن ترشح له ثلاثة من الأساتذة ذوي الكراسي، على أن يختار هو من بين هؤلاء الثلاثة واحدا ليس له أن يعدوهم في الاختيار. وأُنفِذ القانون في كليات الطب والحقوق والآداب، فرشحت كل واحدة منها ثلاثة واختار الوزير العمداء لهذه الكليات بين هؤلاء المرشحين.

    فلما كان انتخاب العميد لكلية العلوم، ظهرت مشكلة لم يصبر لها الوزير ولم يخلص منها إلا بمخالفة القانون، ولما يمض على صدوره شهر. اجتمع مجلس كلية العلوم ورشح ثلاثته، فكانت نتيجة الانتخاب السري أن أقصي العميد الإنجليزي السابق وقدمت الكلية ثلاثة من المصريين. ولم يشك الجامعيون حين ظهرت هذه النتيجة في أن الوزير سيضيق بها، ولكنهم لم يقدروا أنه سيضعف عن احتمالها، وسيتجاوز حدود القانون الذي وضعه هو ودافع عنه هو أمام البرلمان، وزعم أنه يحقق استقلال الجامعة، ويرعى حرمتها، ويحفظ لها الكرامة التي ينبغي أن تُحفَظَ للجامعات. ولكن عمل الوزير أثبت أن الجامعيين كانوا واهمين أشد الوهم، مخطئين كل الخطأ. فقد ضاق الوزير بنتيجة الترشيح كما قدروا، ولكن ثقل هذه النتيجة ناء به، وناء بالجامعة معه أيضا. زعموا أنه كلف مدير الجامعة بالنيابة أن يُقْنِعَ هؤلاء المرشحين المصريين بأن ينزلوا كلهم أو بعضهم عن هذا الترشيح ليعاد الانتخاب ويُنفَّذَ العميد السابق بين المرشحين. وقبل مدير الجامعة بالنيابة هذا التكليف لأنه يلائم القانون، ويلائم كرامة الجامعة وحرمة الجامعيين، ويحقق للجامعة استقلالا لا شك فيه. قبل مدير الجامعة بالنيابة هذا التكليف، وأنفذ مدير الجامعة بالنيابة هذا الأمر فيما يقال، ودعا إليه هؤلاء المرشحين فحاورهم، وجادلهم، ولكنه لم يبلغ منهم شيئا. هنالك دعاهم الوزير فيما يقال أيضا، فحاور وجادل واشتد في الحوار والجدال، وزعم الزاعمون أن الأمر انتهى به إلى الوعيد والتهديد، وذكر النقل والتشريد. ولست أدري كيف انتهى الحوار، ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن الانتخاب الأول أُلغي وأعيد مكانه انتخاب جديد نُفِّذَ فيه العميد الإنجليزي السابق. ولم تكد نتيجة الانتخاب الثاني تُرفَع إلى الوزير حتى اختار العميد الإنجليزي السابق فعينه عميدا جديدا لكلية العلوم وجعل إليه أمور هذه الكلية لثلاثة أعوام تبدأ منذ أمس.

    في هذه القصة عبر كثيرة فيها تجاوز هذا القانون الذي وضعه الوزير نفسه ودافع عنه. وليس لهذا التجاوز مصدرًا إلا إرضاء الإنجليز أو اتقاء غضب الإنجليز. وفي هذا دليل لا يقبل الشك ولا يحتمل الريب على أن وزارتنا مستقلة لا تحفل بالإنجليز ولا تؤبه لهم ولا تحسب لهم حسابا.
    أليس رئيسها هو الذي رد على ماكدونالد ذلك الرد التاريخي الخالد؟ وفيها أن مدير الجامعة بالنيابة قبل أن ينفذ أمر الوزير، فطلب إلى المصريين أن يتخلوا عن ترشيحهم لزميل إنجليزي، وألح عليهم في هذا إن صح ما قال الرواة. فكان هذا دليلا ساطعا ناصعا على أن الجامعة تحرص على حقها وتحتفظ بكرامتها وترعى حرمة قانونها، وهي بذلك تكره الوزراء على أن يكبروها ويحترموها ويحرصوا لها على الاستقلال!!
    وقام الدليل الساطع الناصع أيضا على أن الجامعة تشعر بالقومية المصرية شعورا قويا رهيبا يضطرها إلى أن تطلب إلى الأساتذة المصريين أن يتنحوا عن منصب العميد للأساتذة الإنجليز…. وفيها عبرة ثالثة هي أن الأساتذة المصريين ليسوا أقل احتراما لقوانين الجامعة واستقلالها، ولا أقل شعورا بالقومية المصرية وكرامتها، من مدير الجامعة بالنيابة، ومن وزير المعارف، فقد قبلوا أن يخالف القانون، وقبلوا أن يتنحوا للإنجليز وقبلوا أن يعاد الانتخاب، وقنع مرشحهم الأول لمنصب العميد بأن يكون وكيلا لهذا العميد الإنجليزي.

    ثم يُتَّهم المصريون بعد ذلك بأنهم متعصبون يضيقون بالأجانب ويؤثرون أنفسهم بالخير من دونهم. وفيها عبرة أخرى وهي أن المصريين لن يفوزوا بشيء، ولن يصلوا إلى شيء مادام وزراؤهم يقدرونهم على هذا النحو، وماداموا هم يقدرون أنفسهم على هذا النحو، ومادام خاصتهم وهم الجامعيون أشبه شيء بالعجينة المرنة يصورهم أصحاب السلطان كما يشاءون.
    طه حسين
    كوكب الشرق، ١ يونيو ١٩٣٣.