شهرية السياسة الدولية
١طه حسين
الكاتب المصري
ديسمبر ١٩٤٦
كان للسياسة العالمية في شهر نوفمبر مظهران متمايزان: أحدهما مألوف قد شهده الناس منذ انتهت الحرب العالمية الأخيرة، وهو هذا الصراع المتصل بين المنتصرين حول بسط السلطان والنفوذ. فالذي يشهده الناس من هذا الصراع هو بعينه الذي كانوا يشهدونه في الأشهر الماضية، بل في العام الماضي أيضًا سواء اختلفت موضوعاته وأشكاله أم لم تختلف. فروسيا مثلًا مصرَّة على أن تصل إلى البحر الأبيض المتوسط، وسبيلها إلى ذلك هو الاشتراك في حماية المضايق. والبريطانيون والأمريكيون يشفقون من هذا الاتصال ويؤيدون تركيا التي تريد أن تحافظ على استقلالها وتأبى أن يشترك الروس معها في حماية هذه المضايق.
وليست هذه المسألة جديدة، فعهدنا بها بعيد، ولكن الحديث فيها لا ينقضي. وروسيا تسلك إلى حلها طرقًا مختلفة، تلين حينًا وتشتد حينًا، ترسل المذكرات إلى تركيا مرة وإلى مؤيديها مرة أخرى، بحيث صح ما يقال من أن روسيا تثير بهذه المشكلة حرب أعصاب مرهقة. والمهم هو أن هذه المشكلة لم تتقدم ولم تتأخر، فما زالت روسيا تصر، وما زال الآخرون يرفضون، وما زالت الصحف ورسائل البرق تُفيض في هذا الرفض وذلك الإصرار.
وروسيا من ناحية أخرى تهاجم بوسائلها المعروفة في الراديو والصحف وفي الاجتماعات الدولية العامة — كمؤتمر الصلح وهيئة الأمم المتحدة — سياسة البريطانيين والأمريكيين التي ترمي إلى التوسع في بسط النفوذ في الشرق الأوسط، والتي ترمي إلى التكتل حول الرأسمالية في غرب أوروبا. والبريطانيون والأمريكيون يهاجمون السياسة الروسية بوسائلهم المعروفة؛ لأنها فيما يرون تلقي الستار الحديدي على جزء من أوروبا في الشرق والجنوب والوسط، وتُجري من وراء هذا الستار ألوانًا من الأحداث، يصفها البريطانيون والأمريكيون بأنها اعتداء على استقلال الأمم وازدراء لحرية الشعوب. ويرى الروسيون أنها تحرير للأمم وتحقيق للحرية التي ينبغي أن يستمتع بها الإنسان في هذا العصر الحديث الذي يجب أن يكون عصر الحق والعدل والمساواة.
والعالم يشهد هذا الصراع الكلامي ضيقًا به غير مستوثق من نتائجه، مقدِّرًا أن هذه الدول الكبرى تختصم فيما بينهم بالكلام وألوان الإعلان؛ لأنها لا تستطيع أكثر من ذلك الآن. وهي في أثناء ذلك تصلح من أمرها وتتيح لشعوبها أن تضمد ما أصابها من الجراحات في الحرب الماضية، وتستعد استعدادًا منكرًا لمستقبل قريب أو بعيد.
ولكن العالم لا يقف موقف المتفرج الخائف الحذر الساخر فحسب، وإنما يقف موقف الذي تصيبه آثار هذا الصراع ونتائجه في حياته اليومية المباشرة. فالعالم منقسم بالفعل إلى مناطق نفوذ، تسيطر عليها الدول المنتصرة. وهذه المناطق نفسها هي موضوع النزاع وميدان الصراع؛ فمن الطبيعي أن تتأثر مصالحها المباشرة بما يكون بين المنتصرين من تنافس وخصام.
ويكفي أن تنظر إلى المشكلة اليونانية مثلًا، فكل فرد من أفراد الأمة اليونانية متأثر في حياته اليومية بهذا الصراع بين الفريقين المختصمين من المنتصرين. وقد كان بعض الناس يظن أن الاستفتاء اليوناني حول نظام الحكم سيضع حدًّا للمأساة التي يشقى بها الشعب اليوناني، فتبيَّن الآن في صراحة وجلاء أن الاستفتاء لم يضع حدًّا لشيء، ولعله أن يكون قد بدأ مأساة أشدَّ هولًا وترويعًا مما كان يجري قبل الاستفتاء. فالحرب الأهلية ما زالت دائرة الرحى في بلاد اليونان، وهي تزداد عنفًا من يوم إلى يوم. وكان الروس يطالبون في الدورة السابقة لهيئة الأمم المتحدة بجلاء البريطانيين عن بلاد اليونان، وما زال الجنود البريطانيون مقيمين فيها إلى أجل لا سبيل إلى تحديده بعد. ونحن نسمع الآن أن الحكومة اليونانية القائمة تريد أن تشكو إلى هيئة الأمم المتحدة من جيرانها الذين يؤلبون عليها ويمدُّون الثورة فيها بما تحتاج إليه من قوة، وهؤلاء الجيران هم اليوغسلافيون والبلغاريون والألبانيون، وهم كلهم خاضعون للنفوذ الروسي. ومعنى ذلك أن الشعب اليوناني العظيم الذي أبلى في الحرب بلاءه الرائع، وكان خليقًا أن يظفر من المنتصرين بالعناية والرعاية والعطف يشقى الآن بما يقوم بين المنتصرين من اختلاف شقاء يعرض أبناءه للفقر والجوع والموت في كثيرٍ من الأحيان.
والقصة الإيرانية ليست خيرًا من القصة اليونانية، فلم تكد إيران تفرغ من الخصومة بينها وبين روسيا وتستريح من مشكلة أذربيجان حتى ثارت الخصومة بينها وبين الإنجليز، ونشأت الاضطرابات والثورات في جنوبها بعد أن لم تكد تهدأ في شمالها. ووقفت إيران هذا الموقف المؤلم الذي لا تجد فيه راحةً ولا أمنًا؛ لأنها لا تستطيع أن ترضي الروس والإنجليز معًا.
وحديث الشرق العربي أوضح وأبشع من أن نحتاج إلى ذكره فضلًا عن الإطالة فيه. وهذا الصراع نفسه بين المنتصرين يعرض الشعب التركي لشر عظيم، فهو مضطر إلى أن يظل في حالة خوف وحذر واستعداد للطوارئ وإبقاء للجيش على أهبة الحرب، وذلك يكلفه من المال أكثر مما يطيق. ويقال: إن الميزانية التركية لم تبلغ قط من التضخم ما بلغته هذا العام، والفرد التركي هو الذي يمدُّ الدولة بما تحتاج إليه من مال، وهو يقتطع هذا من نفقات حياته اليومية.
فهذا المظهر المألوف من مظاهر السياسة العالمية ليس من شأنه أن يرضي الشعوب أو يردها إلى الثقة والأمن والاستقرار. ومهما يكن هذا المظهر مألوفًا فإن استمرار البلاء واتصال المحن لا يغيِّر من طبيعتها.
أمَّا المظهر الثاني لهذه السياسة العالمية فقد مرَّ به الناس مسرعين إلى حدٍّ ما، مع أنه قد يكون أشد خطرًا وأبعد أثرًا في السياسة الدولية مما يظنون. وهو على كل حال سيزيد المظهر الأول قوة، وسيضاعف ما في الصراع بين المنتصرين من عنف. فقد حدثت في شهر نوفمبر أحداث ثلاثة لها خطرها حقًّا.
الأول: نجاح الجمهوريين في انتخابات الولايات المتحدة الأمريكية. فقد كان الديمقراطيون يصارعون روسيا صراعًا شديدًا عنيفًا مع أنهم حزب التقدم والميل القليل إلى الناحية اليسارية، فكيف بالجمهوريين الذين هم أصحاب اليمين في الولايات المتحدة والمحافظون أشد المحافظة على تقاليد الاقتصاد الرأسمالي، وعلى تقاليد التشدد في السياسة الخارجية، وعلى تقاليد إقامة المنفعة المادية وحدها أساسًا للحكم وأساسًا للعلاقات السياسية الخارجية! ليس من شك في أن انتصار الجمهوريين سيزيد الولايات المتحدة عنادًا في موقفها من روسيا، وإصرارًا على ما أظهرت من التشدد إلى الآن. الثاني: انتصار الشيوعيين في الانتخابات الفرنسية. وما ينبغي أن نُسرف في تقدير الفوز الذي ظفر به الشيوعيون في هذه الانتخابات؛ فهم لم يظفروا بالكثرة التي تمكنهم من الحكم وحدهم، ولو قد ظفروا بها لتغيرت سياسة العالم تغيُّرًا أساسيًّا خطيرًا. بل هم لم يظفروا بالكثرة التي تمكِّنهم من أن يحكموا مؤتلفين مع الاشتراكيين، ولو قد ظفروا بها لكان من الممكن أن تتجه فرنسا وأوروبا الغربية معها اتجاهًا مقلقًا إن لم يكن مزعجًا.
ولكنهم مع ذلك قد ظفروا بكثرة تجعل حزبهم أكبر الأحزاب الفرنسية أعوامًا متصلة، ويتيح لهم أن يطالبوا برياسة الحكومة، وتمكِّنهم كذلك من أن يحولوا بين فرنسا وبين الاتجاه المسرف نحو اليمين، وتمكِّنهم من أن يفرضوا على الحكومة الفرنسية المضي في الإصلاح الاجتماعي إلى أبعد مما مضى الفرنسيون منذ تم تحرير فرنسا.
فما أحدثه انتصار الجمهوريين في أمريكا من اندفاع نحو اليمين، يلطفه ويخفف من حدته انتصار الشيوعيين في فرنسا. ويمكن أن يُقال: إن ما تخسره روسيا بانتصار اليمين في أمريكا البعيدة يعوضه عليها انتصار الشمال في فرنسا.
فأمَّا الدولة التي قد خسرت من هذين الانتخابين جميعًا فهي بريطانيا العظمى، وهي قد خسرت دون تعويض. ذلك أن الحكومة القائمة في بريطانيا العظمى ليست محافظة يمكن أن تعتز بانتصار المحافظين الشيوعيين في فرنسا، وإنما هي اشتراكية، تخاف المحافظين أشد الخوف، وتبغض الشيوعيين أشد البغض. فانتصار أولئك وهؤلاء يضعف من مركزها في العالم كله، وفي أوروبا الغربية بنوع خاص، بل هو يضعف من مركزها في بريطانيا العظمى نفسها، فسيعتز المحافظون البريطانيون بانتصار المحافظين الأمريكيين، وستقتضي ظروف الحياة نفسها أن يصبح التعاون بين المحافظين على ساحلي المحيط الأطلنطيقي ضرورة محتومة لحماية المصالح الاقتصادية والسياسية البريطانية نفسها.
وأكبر الظن أن وقتًا طويلًا لن يمضي قبل أن يشترك المحافظون البريطانيون في الحكم على نحوٍ ما. ذلك إذا لم تقتضِ الظروف حل مجلس العموم ليعيد الشعب البريطاني نظره في مركزه من السياسة العالمية ومن الاقتصاد العالمي.
على أن حزب العمَّال البريطاني قد مُنيَ بصدمة عنيفة حقًّا من الناحية النظرية، أو قل — إن شئت — من ناحية مبادئه وآرائه وقدرتها على الثبات فضلًا عن الانتشار. وهذه الهزيمة تأتيه من الانتخابين جميعًا. ففي فرنسا ينهزم الاشتراكيون انهزامًا خطيرًا، وتزول بهذا الانهزام فكرة الكتلة الغربية التي كان الاشتراكيون البريطانيون يحلمون بتأليفها بين الأحزاب الاشتراكية في غرب أوروبا. وانتصار المحافظين في أمريكا يحرج مركز الاشتراكيين البريطانيين في بريطانيا وفي الخارج، ويدفع هذا الحزب إلى إحدى اثنتين: فإمَّا أن يتطرف إلى الشمال فيُضحِّي ببغضه للشيوعيين، وإمَّا أن ينحاز إلى اليمين فيُضحِّي بأساسه الاشتراكي نفسه. ونتيجة هذا كله أن الاشتراكية البريطانية، بل الاشتراكية العالمية، قد أصبحت الآن متأخرة بالقياس إلى التطور العالمي، وستظل وقتًا طويلًا أو قصيرًا مظهرًا للقصد والاعتدال بعد أن كانت إلى وقت قريب جدًّا مظهر التطرف والغلو.
أمَّا الحدث الثالث الذي حدث في شهر نوفمبر وكان حدوثه صدمة ثالثة للاشتراكية البريطانية، فهو هذه الثورة، أو إن شئت فقل هذا التمرد الذي اندفع إليه عدد غير قليل من النوَّاب العمَّال في مجلس العموم. وقد لاحظ الناس أن الحكومة البريطانية اهتمت لهذا التمرد، فأرادت أن تطرح الثقة، وأن حزب العمال اهتم له فأراد أن يعاقب المتمردين، وأن المحافظين البريطانيين اهتموا له فأيدوا حكومة العمَّال عند الاقتراع. وقد مرَّت هذه العاصفة دون أن تسقط الوزارة البريطانية، فظنَّ الناس أنها مرت بسلام، والواقع أنها بعيدة عن هذا كل البعد؛ فهي قد أحدثت صدعًا خطيرًا في حزب العمال، وأثبتت أولًا أن فريقًا من هذا الحزب يضيقون بالسياسة الخارجية التي تناهض اليسارية الروسية، وأثبتت ثانيًا أن في هذا الحزب فريقًا يخافون على المبادئ الاشتراكية نفسها أن تفقد قيمتها وقوتها بالانحياز أو التحبب إلى المحافظين، وأثبتت آخر الأمر أن الحزب الاشتراكي البريطاني ليس من القوة بحيث يستطيع أن يتحدى المحافظين تحدِّيًا صريحًا متصلًا، وليس من القوة بحيث يستطيع أن يفرض النظام الدقيق على أعضائه فيضطرهم إلى أن يُذعنوا لما تقرره الحكومة والهيئة الإدارية. والحزب الاشتراكي البريطاني لا يملك ولا يريد أن يملك من وسائل النظام والمحافظة عليه ما يملكه الحزب الشيوعي من جهة والحزب المحافظ من جهة أخرى.
ولذلك نستطيع أن نثق بأن هذا التمرد ليس إلَّا أول الغيث، وبأن الحزب الاشتراكي قد يضطر في وقت قريب أو بعيد — بحكم الظروف الداخلية والخارجية جميعًا — إلى أن يشترك مع المحافظين في الحكم أو ينزل لهم عنه كارهًا.
أمَّا أثر هذا في الحياة العالمية الآن فضئيلٌ جدًّا لا يكاد يُحسب له حساب. ولكن الشاعر العربي لم يخطئ حين قال:
إن الأمور دقيقها مما يهيج له العظيمشهرية السياسة الدولية
Tag: الجغرافيا السياسية لما بعد الحرب
-
شهرية السياسة الدولية | Monthly International Politics
-
الشعوب الطامحة | Peoples with Hopes
الشعوب الطامحة
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
٢١ أكتوبر ١٩٤٥
ولكن طموح الشعب شيء، وبلوغها ما تطمح إليه شيء آخر، وبين هذين الشيئين عبث ولهو في بعض المواطن، ومكر وكيد في بعض المواطن الأخرى، وحزن وأسًى أحيانًا، وعرق ودماء ودموع — كما قال المستر تشرشل منذ سنين — أحيانًا أخرى …
الواقع أنك تنظر إلى الإنسانية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، فترى طموحًا في كل مكان، ولكنك ترى السعي إلى بلوغ الأهداف التي تطمح إليها الشعوب يختلف اختلافًا كثيرًا باختلاف الأمزجة والظروف التي تحيط بهذه الشعوب. ففي أوروبا طموح شعبي إلى العدل الاجتماعي، يختلف قوة وضعفًا باختلاف ما لهذه الشعوب من حظٍّ في الرقي، وباختلاف أمزجتها واستعدادها للهدوء والحدة، وللخمود والنشاط. هذه الشعوب تريد أن تحقق ديمقراطية اشتراكية، وتلك الشعوب تريد أن تحقق ديمقراطية شيوعية، وشعوب أخرى تضطرب بين أولئك وهؤلاء.
وفي أوروبا طموح سياسي أيضًا، فهناك شعوب تستمتع بالاستقلال والتسلط على أمم الأرض، وهناك شعوب تستمتع بالاستقلال البسيط الذي لا تسلط فيه، وهناك شعوب فقدت استقلالها بعد الهزيمة، وأخرى فقدت استقلالها بعد الانتصار، وكل هذه الشعوب طامحة إلى أكثر مما في أيديها. فالشعوب المتسلطة تريد أن توسِّع سلطانها، والشعوب المستقلة تريد أن تضيف التسلط إلى الاستقلال، والشعوب التي فقدت استقلالها تريد أن تسترده، والأمور تختلط بين هذا كله في أوروبا اختلاطًا شديدًا يملأ كثيرًا من النفوس رثاءً للإنسان الذي خَيَّل إليه الغرور أنه يقدر على كل شيء، ثم أظهرت له الحقائق الواقعة أنه لا يكاد يقدر على شيء! وإن فيما يحدث الآن في جنوب أوروبا عامةً — وفي بلاد اليونان خاصةً — لعبرة لمن يريد أن يعتبر، ولكنَّ الذين يحبون الاعتبار ويحرصون على الانتفاع بحوادث التاريخ قليلون. لقد اعتدى المحور على اليونان، وكانت بلاد اليونان في ذلك الوقت خاضعة لنوع من الدكتاتورية، يشرف عليه الجنرال متكساس، فلم تكد تعرض للعدوان حتى نسيت أحقادها وضغائنها، ووقفت موقفًا رائعًا أعجب به العالم الحديث، كما أعجب العالم القديم بمواقف أخرى رائعة للشعب اليوناني العظيم. وقد كاد هذا الشعب الصغير الكبير يقهر إيطاليا، لولا أن أسرع هتلر فأعان حليفه موسوليني. ثم امتحنت الأمة اليونانية في كل شيء، وفقدت كل شيء إلَّا الشرف والكرامة. ثم انتصر اليونان مع المنتصرين، ولكنهم لم يظفروا بعد باستقلالهم كاملًا، فما زال وطنهم محتلًّا، وما زال مستقبلهم موضوع الصراع بين شرق أوروبا وغربها. يريد فريق من اليونانيين ديمقراطية معتدلة، وتؤيدهم ديمقراطية الغرب، ويريد فريق آخر ديمقراطية متطرفة، وتؤيدهم شيوعية الشرق. ويختلط الأمر على الشعب اليوناني، فيعجز حتى عن أن ينشئ لنفسه حكومة مستقرة، تستفتي الشعب استفتاءً صحيحًا، وإذا الأمة اليونانية تعود إلى شيء يشبه الدكتاتورية. فهذا الوصي على العرش يجمع اليوم بين رياسة الدولة ورياسة الحكومة، فهو مسئول وهو غير مسئول، أمره في ذلك كأمر الجنرال ديجول في فرنسا، لولا أن شئون الحكم في فرنسا تسعى إلى طريقها الطبيعية سعيًا هادئًا مستقرًّا؛ لأن فرنسا تستمتع باستقلالها كاملًا، ولا تخضع لهذا الصراع بين ديمقراطية الشرق وديمقراطية الغرب، وإنما تخضع لتطورها الطبيعي.
ولا يدري أحد أتنجح هذه التجربة الجديدة في اليونان أم تخفق؟ ولكن الشيء الذي ليس فيه شك، هو أن الشعب اليوناني لو خُيِّر لاختار، ولكنه ليس حرًّا في هذا الاختيار، ولن يكون حرًّا إلَّا إذا جلا عنه المحتلون من الأجانب، وترك الشرق والغرب له تدبير أمره كما يريد. وليست الحال في بلغاريا ورومانيا بخير منها في بلاد اليونان، وإن كنا لا نعرف من أمر هذين القطرين شيئًا؛ لأن السلطان الروسي يفرض عليهما رقابة لا تطاق. فأمَّا بلاد المجر فقد أعلنت فيها حالة الطوارئ — بعد أن شملتها الفوضى — وكاد يشملها الخراب. وليست الأمور مستقرة في بولندا، وليس الأمن شائعًا في ألمانيا والنمسا وإيطاليا، وإنما هو الاضطراب الشامل، والصراع الذي يختلف قوةً وضعفًا بين ما تريده الشعوب وما تريده حكومات المنتصرين. والذين يظنون أن الأمور في أفريقيا خير من الأمور في أوروبا، يخادعون أنفسهم خداعًا شديدًا، فيكفي أن تنظر إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط الأفريقي، لتعلم أن العرب في شمال أفريقيا ساخطون مضطربون، وأن أهل ليبيا خائفون مرتقبون، وأن أهل مصر مشفقون وجلون. فأمَّا فلسطين، فأنت تعلم ما يجري في فلسطين، وأمَّا سوريا ولبنان فأنت تعلم ما يجري في سوريا ولبنان. فإذا بلغت تركيا فهناك الخوف كل الخوف، والقلق كل القلق، وإبقاء الجيوش معبأة في بلد غير محارب، ولكنه يخاف المكروه. فأمَّا إيران فقد أمر إمبراطورها ألَّا يحتفل بعيد ميلاده، ما دام الوطن الإيراني خاضعًا للاحتلال الأجنبي. وخطوب الهند أظهر من أن تحتاج إلى بيان. وكذلك يضطرب العالم كله بهذا الصراع بين طموح الشعوب إلى الحرية والاستقلال وحرص حكومات ثلاث أو أربع على التسلط والقهر. وكل هذه الشعوب الطامحة — في كل هذه الأقطار من الأرض — تشقى بهذا الطموح، وتأسى لهذه الآمال التي لا تجد إلى تحقيقها سبيلًا. وكثير من هذه الشعوب يضحي بدمائه ومنافعه أثناء السلم، كما ضحَّى بها أثناء الحرب في سبيل هذه الآمال. ولا يكاد الرأي العالمي العام يشغل نفسه بثورة من الثورات في قطر من الأقطار حتى تعن له ثورة أخرى في قطر آخر تشغله، وتستغرق ما يملك من جهد وتفكير بحيث:
تكاثرت الظباء على خراشفما يدري خراش ما يصيد
فقد شغل الرأي العالمي العام بمشكلة شرق أوروبا، ثم بمشكلة جنوب أوروبا، ثم بمشكلات العالم العربي، وأظهرها مشكلة فلسطين، ثم بالمشكلة التركية الروسية، ثم بمشكلة إيران. وبينما هو مشغول بهذه المشكلات كلها، جاءته مشكلات الشرق الأقصى، وهي مشكلات غريبة حقًّا، أو قل: إنها مشكلات طبيعية لا غرابة فيها؛ لأنها نشأت من هذا الينبوع الذي نشأت منه المشكلات كلها، وهو ينبوع الوعود التي تُبذل في كثير جدًّا من الكرم والسخاء، ثم لا يبر بها الذين بذلوها.
وموقف حلفائنا البريطانيين بنوعٍ خاص من هذه الوعود، يدعو إلى الضحك والرثاء حقًّا، فهم قد وعدوا — كما وعد غيرهم من الحلفاء — ولكنهم بذلوا وعودًا متناقضة أشدَّ التناقض، قالوا للشعوب المستضعفة إنهم يعدونها بالحرية والاستقلال، وبما اشتمل عليه ميثاق الأطلنطي من سخاءٍ ورخاء، وقالوا في الوقت نفسه لبعض الشعوب الأوروبية المنهزمة إنهم يعدون بمعونتها حتى تسترد استقلالها كاملًا شاملًا، وسلطانها واسعًا موفورًا. فلما وضعت الحرب أوزارها، قالت الشعوب الضعيفة لحلفائنا الإنجليز: هلم امنحونا الاستقلال الذي وعدتم به، والحرية التي زينتموها في قلوبنا، وخيَّلتم إلينا أنها قريبة المنال. وقالت الشعوب المحررة لحلفائنا الإنجليز: هلم امنحونا ما وعدتم به من المعونة، على أن نسترد سلطاننا واسعًا موفورًا. وقال الشعب الإنجليزي للشعب الإنجليزي: يجب أن نحقق ما وعدنا به من العدل، وإلَّا ساء الظن بنا، واشتد الشك فينا، وفقدنا ثقة العالم، ويجب في الوقت نفسه أن نحتفظ بإمبراطوريتنا كاملة غير منقوصة، فليس من المعقول أن نعين الفرنسيين على استرداد الهند الصينية، والهولنديين على استرداد إندونيسيا، ونفقد نحن الهند أو غيرها من أجزاء الإمبراطورية.
ونظر المستر إتلي، ونظر معه مجلس العموم، فإذا بريطانيا العظمى قد وعدت هولندا بمساعدتها على استرداد الإمبراطورية الهولندية، وضمنت لها سلامة هذه الإمبراطورية، ووعدت في الوقت نفسه بألا تعين على الاستعمار، وألَّا تؤيد الظلم والجور، وألَّا تمكن القوي من الاستبداد بالضعيف! وأهل إندونيسيا يطالبون بريطانيا العظمى بالوفاء، وحكومة هولندا تطالب بريطانيا العظمى بالوفاء. والمشكلة التي تواجه بريطانيا العظمى الآن، هي كيف تفي لأهل إندونيسيا والهند الصينية بما وعدت به العالم كله من حرية واستقلال، ولهولندا وفرنسا بما وعدت به من ردِّ أملاكهما إليهما سالمة؟ كيف تمنح الاستقلال لأهل هذه الأقطار في الشرق الأقصى، وترد هذه الأقطار إلى هولندا وفرنسا في وقت واحد؟!
وهي مشكلة خطيرة كما ترى، وقد همَّ المستر أنتوني إيدن أن يجد منها مخرجًا لبقًا، فتساءل أمس في مجلس العموم: أليس الهولنديون هم الذين أعلنوا الحرب على اليابان؟ ومعنى هذا واضح، هو أن الهولنديين يجب أن يجنوا — وحدهم — ثمرة هذه الحرب التي أعلنوها. ولكن المستر إتلي رجل شديد الحياء والوفاء أيضًا، فهو يرد على وزير الخارجية السابق بأن الهولنديين إنما أعلنوا الحرب تضامنًا مع الحلفاء.
ويزيد هذه المشكلة تعقيدًا أن البريطانيين قد اضطروا إلى أن يستعينوا باليابانيين المنهزمين على إقرار النظام في إندونيسيا، فهل رأيت منتصرًا يستعين بالمنهزم وغالبًا يعتزُّ بالمغلوب؟ ولكن الضرورات تبيح المحظورات، وقد صدق الشاعر القديم حين قال:
إذا لم يكن إلَّا الأسنة مركبًافلا أرى للمضطر إلا ركوبها
وإذن، فسيستعين البريطانيون بأعدائهم من اليابانيين على حفظ النظام في إندونيسيا؛ حتى تستطيع هولندا أن ترسل الجيوش الكافية لحفظ النظام في تلك الأقطار. ويومئذٍ يرد اليابانيون إلى بلادهم، ويعود البريطانيون إلى قواعدهم، ويخلى بين الهولنديين وما يملكون من قوة وبأس في البر والبحر والجو، وبين الإندونيسيين وما كتب عليهم من ضعف وبؤس وشقاء، وجهاد فيه ما وعد به المستر تشرشل من العرق والدماء والدموع!
وهذه المأساة التي تمثل الآن في إندونيسيا تمثل في بلاد أخرى كثيرة من أقطار الأرض؛ وعودٌ تُبذل في أوقات الشدة، وإخلافٌ لهذه الوعود في أوقات الرخاء، وتعاون بين القوى المنتصرة على إخضاع المظلومين الذين لا يجدون سبيلًا إلى الانتصار. على هذه السُّنة جرت الأمور بين أوروبا القوية والشرق الضعيف، والله عز وجل لن يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. فإذا أراد الشرق أن يكون كريمًا عزيزًا، مستمتعًا بحقِّه في الاستقلال، فليلتمس هذا كله عند نفسه لا عند أوروبا؛ فإن أوروبا لن تقدم إليه هذه الهدية، وإنما تؤثر بها نفسها. وما أكثر ما يطلب الشرقيون إلى الشرقيين المعونة والتأييد، وما أكثر ما يهدي الشرقيون إلى الشرقيين من معونة وتأييد، ولكنها معونة بالقلوب وتأييد بالألسنة، وهي أضعف المعونة وأضعف التأييد!
وإذن، فليس أمام الأمم المستضعفة إلَّا شيئان ليس لهما ثالث: فأمَّا أولهما فالعمل الذي لا يعرف توانيًا ولا تواكلًا، وأمَّا ثانيهما فالأمل الذي لا يقنط من روح الله، فإنه لا يقنط من روح الله إلَّا القوم الكافرون. -
العالم الجديد | The New World
العالم الجديد
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
١٢ أغسطس ١٩٤٥
كانت أيامًا خطيرة حقًّا في تاريخ العالم الجديد، هذه هي التي بدأت يوم الخميس الماضي ٢ أغسطس، وانتهت يوم الخميس ٩ أغسطس.
ففي اليوم الثاني من هذا الشهر أعلن رؤساء الدول الثلاث الكبرى بعض ما اتخذوا من قرارات في اجتماعهم ببوتسدام، وفي السابع من هذا الشهر عرف العالم هذا الحدث الخطير، حدث استعمال القنابل الذرية على أنها وسيلة من وسائل التعجيل بإنهاء الحرب. وفي اليوم التاسع من هذا الشهر عرف العالم أن روسيا قد أعلنت الحرب على اليابان، وكذلك يسعى العالم القديم سعيًا سريعًا نحو غايته، وهي الفناء في العالم الجديد الذي ينتظر أن يقوم مقامه بما يهيأ له من نظم، وبما يرسم له من خطط، وبما يؤمل فيه من إصلاح شامل وأمن كامل وسلام طويل.
ولست أدري إلى أي حدٍّ يحسن التفاؤل، ولا إلى أي حدٍّ يفرض التشاؤم على الذين يحسنون التفكير فيما كان والتقدير فيما هو كائن، والتنبؤ بما يمكن أن يكون؟ فقد رأى بعض فلاسفة التاريخ منذ زمن طويل أن حياة الناس يشبه بعضها بعضًا كما تشبه القطرة من الماء قطرة من الماء، وأن حياة الناس يباين بعضها بعضًا كما يكون التباين بين الليل والنهار، وأن تاريخ هذا النوع الإنساني يقوم على هذين القانونين الخطيرين؛ قانون التوافق من جهة، وقانون التخالف من جهة أخرى. فبحكم قانون التوافق يكون التفاهم بين الأفراد والجماعات، ويكون التعاون بين الأمم والشعوب، ويتم ما يتم من رقي الحضارة وتقدم المعرفة وتسلط الإنسان على ما يعترض سبيله من المصاعب والعقبات، وبحكم قانون التخالف يكون افتراق الكلمة وانشقاق العصا بين الأفراد والجماعات في الوطن الواحد، ثم يكون تباين المنافع وتغاير الأهواء وتدابر المصالح، وما ينشأ عن ذلك من التنافس والخصام والحرب.
وليس من سبيل فيما يظهر إلى أن يخلص النوع الإنساني خلوصًا تامًّا من سلطان هذين القانونين أحدهما أو كليهما، وإنما هو خاضع لهما في جميع الأوقات وفي جميع الظروف. وكل ما في الأمر أن هذين القانونين يختصمان، فيسود أحدهما حينًا ويسود أحدهما الآخر مرة أخرى.
وواضح جدَّا أننا نعيش الآن في عصر يسود فيه قانون التخالف. فلم تكن الحرب العالمية الأولى، ولم تكن الحرب العالمية الثانية، ولم يكن التنافس بين الحربين إلَّا مظاهر لهذه السيادة البغيضة. ولست من الذين يكلفون بفلسفة التاريخ أو يؤمنون بقوانينها هذه العامة التي ترسل إرسالًا وتخلب العقول بما يظهر عليها من مظاهر الدقة والشمول. ولكن من المحقق أن العصر الذي نعيش فيه ليس بعصر اتفاق ووئام، وإنما هو عصر اختلاف وخصام. وقد قيل لنا في أول القرن: إن الحرب العالمية الأولى ستقضي على أسباب الفرقة، وسترد العالم إلى الوفاق الكامل والأمن المطمئن والأمل العريض والنشاط الخصب. فلما لم تحقق تلك الحرب هذه الوعود الخلَّابة ولم يستقر السلم في الأرض؛ قال القائلون: إنها لم تنتهِ في سنة ١٩١٨، وإنما كانت هدنة بين الحربين، ثم استؤنف الخصام. وقيل لنا بعد ذلك: إن انهيار ألمانيا، وخضوعها الكامل لسلطان المنتصرين، واحتلال جيوشهم المظفرة أرضها في الشرق والغرب؛ هو الذي سيبلغ الحرب غايتها، وسيقر السلام على الأرض، وسيضع الأساس المتين للعالم الجديد.
وقد انهارت ألمانيا واحتلت الجيوش المنتصرة أرضها كلها، واجتمع رؤساء الدول المنتصرة في عاصمتها؛ ليضعوا أساس الصلح، وليحكِّموا نظام السلم. ولكن يقال لنا: إن الحرب لم تبلغ غايتها بعد، فما زالت اليابان تقاوم في أقصى الشرق، ولا بدَّ من أن تنهار كما انهارت ألمانيا؛ ليكون الحديث عن السلم صريحًا صحيحًا منتجًا. كل هذا قيل، وكل هذا ما زال يقال. وقد حرص الإنجليز والأمريكيون والصين على أن يفرغوا من حرب اليابان؛ ليعجِّلوا وصول العالم إلى هذا السلام الذي يتحرق شوقًا إليه، فأرسلوا إلى اليابان إنذارًا نهائيًّا خطيرًا يطلبون إليها فيه أن تسلم كما سلَّمت حليفتها الهتلرية بلا قيد ولا شرط. فلما أبت رموها بقنبلتين هائلتين في أقل من أسبوع، بل في أقل من ثلاثة أيام … رموها بالقنبلة الذرية يوم الإثنين الماضي، ثم رموها بإعلان الحرب الروسية عليها يوم الأربعاء. وهم الآن ينتظرون أن تتدبر اليابان عاقبة أمرها. فإما أن تستسلم بلا قيد ولا شرط فيعود السلام الشامل، وإمَّا أن تصرَّ على العناد فتصب عليها القنابل الذرية صبًّا، وتغزوها جيوش الحلفاء من كل وجه، والغاية محققة لا شك فيها وهي انهزام اليابان واستسلامها في أقرب وقت ممكن.
وكذلك نخرج — بإذن الله — من سلطان قانون التخالف لندخل — بإذن الله — في قانون التوافق في ظل ذلك السلطان، يسيطر على العالم سلام قوامه النظام والانسجام والوئام الذي لا يعرف اختلافًا ولا افتراقًا. وكذلك تجري الأمور ميسرة سهلة في أحاديث الناس حين يتحدثون، وعلى أقلام الكتَّاب حين يكتبون، ونستطيع أن نتمثل باسمين مطمئنين قول الشاعر القديم:
منى إن تكن حقًّا تكُن أحسن المنىوإلَّا فقد عشنا بها زمنًا رغدًا
وأكبر الظن أن هذه المنى ليست حقًّا، وأن قانون التخالف جزءٌ مقوم للطبيعة الإنسانية، وأن منافع الأفراد والجماعات ومنافع الأمم والشعوب ستصطدم دائمًا في ظل السلم ما دامت الدولة متعبة مكدودة. فإذا استراحت واستجمعت واستردت قوتها الحربية والاقتصادية ظهر التنافس العنيف والتخاصم المخيف، وصرح قانون التخالف عن نفسه واستؤنف الاصطدام المسلح. وقال لنا القائلون: إن الحرب الثانية لم تنهِ الحرب، وإنما وصلت بالعالم إلى هدنة طويلة أو قصيرة، كتلك الهدنة التي كانت بين سنة ١٩١٩ وسنة ١٩٣٩. ذلك أن كل ما أعلن من القرارات التي اتخذت في بوتسدام لا يدل على أن الإنسانية قد رُدَّت إلى العقل، وثابت إلى الرشد، وآثرت العافية، ووضعت الأسس لسلام متصل صحيح. وما أحب أن أعرض لهذه القرارات التي اتخذها الرؤساء الثلاثة بشأن الشعب الألماني، فهم منتصرون قد لقوا من ألمانيا المحاربة هولًا عظيمًا، وهم مضطرون إلى أن يقسوا على هذا الشعب الظالم كما قسا على شعوبهم وعلى غيرها من الشعوب، وهم مضطرون إلى أن يجرِّدوه من السلاح تجريدًا تامًّا، ويمرنوه على الحضارة تمرينًا دقيقًا، ويغيِّروا عقليته التي أفسدها الطغيان. ولست أدري أينجحون في ذلك أم يخفقون؟ ولكني أفهم هذه المحاولة وأكاد أجد ما يسوغها. أمَّا الذي أريد أن أعرض له هو هذه المواقف التي اتخذها الرؤساء الثلاثة من أنفسهم أولًا ومن حلفائهم ثانيًا، ومن الأمم الأخرى المحايدة آخر الأمر. فهم قد وقفوا من أنفسهم موقفًا فيه كثيرٌ جدًّا من الأثرة وقليلٌ جدًّا من القصد، فأعطوا أنفسهم ما استطاعوا أن يعطوها، ولم يكادوا يعطون غيرهم شيئًا. ومن الحق أن بريطانيا العظمى وأمريكا لم تأخذا شيئًا من الأرض الألمانية، بل تكتفيان بالاحتلال الذي يقصر أو يطول، ولكن روسيا قد أخذت لنفسها جزءًا من ألمانيا، وفيه مدينة كونجسبرج مدينة الفيلسوف الألماني العظيم كانت، وأعطت جزءًا آخر لبولندا لتعوضها عما أخذت منها في الشرق حين غيرت الحدود. فأمَّا مصانع الألمان فقد قسمت بين الدول الثلاث تقسيمًا تفوقت فيه روسيا؛ لأنها احتملت من الشر أكثر مما احتمل حليفاتها، وواضح جدًّا أن هذا التقسيم الأثِر لن يُحفظ ألمانيا وحدها، ولكنه يترك في نفس الحلفاء الآخرين الذين مستهم الحرب بمثل ما مسَّت به غيرهم من الأذى آثارًا خطرة على السلام المستقبل. ومهما يكن من شيء فلن يستطيع أحد أن يقول إن فرنسا وبلجيكا وهولندا واليونان راضية كل الرضا عن هذا المذهب الذي ذهبه الرؤساء الثلاثة في بوتسدام. أمَّا الأمم الأخرى المنبثة في أقطار الأرض، فقد كان موقف الرؤساء الثلاثة منها غريبًا أيضًا لا يخلو من هذه الأثرة الظاهرة. فرومانيا وبلغاريا والمجر ويوغوسلافيا خاضعة للنفوذ الروسي ما في ذلك شك، والنمسا موضع خلاف بسيط. أمَّا الشرق الأدنى فلم يجهر الرؤساء برأيهم فيه؛ لأن فيه مشكلات لم تستطع حكومة العمال الجديدة فيما يظهر أن تقطع فيها برأي قبل أن تدرس وتقلب وجوه التفكير. فلروسيا مطالب عند الترك ونظرة خاصة إلى المضايق … وفي البلاد العربية مشكلات خطيرة ليست مشكلة فلسطين أقلها خطرًا. وإذن، فالتمهل فيها خير وحلَّها شيئًا فشيئًا أدنى إلى اليسر وأقرب إلى النجح. وأمَّا مسألة إيران، فلم يقل المؤتمرون فيها شيئًا، ولكن ظهر اليوم أنهم قد اتفقوا بشأنها على المقدمات الأولى التي تعلل الأطفال، ولكنها لا تقيد المستقبل تقييدًا خطيرًا، فسيجلو الحلفاء عن طهران فورًا، فأمَّا الجلاء عن إيران فمسألة فيها نظر يمكن البحث عنها بعد أن تستسلم اليابان. وكذلك وُضعت للعالم الجديد أسس لا تختلف عن أسس العالم القديم؛ لأنها تقوم قبل كل شيء على الأثرة التي يشتد لها التنافس من جهة، وعلى التوازن الدولي الذي يخيف بعض المنتصرين من بعض من جهة أخرى، ثم على المساومة والمداورة التي تؤجل حل المشكلات المعقدة من جهة ثالثة. وواضح جدًّا أن ما ظفرت به روسيا من التفوق قد كان ثمنًا معجلًا لما قرأنا من إعلان روسيا الحرب على اليابان اليوم. فأمَّا الثمن المؤجل فستنكشف عنه الأيام في تركيا أو في إيران أو فيهما معًا، وفي الشرق الأقصى على كل حال. والنتيجة الواضحة لكل هذا هو أن من الممكن أن يظفر العالم بسلام طويل، ولكنه سيكون كالسلام الذي فرضته الإمبراطورية الرومانية على العالم القديم، قوامه القوة والتفوق والبأس، وقد استأثرت الدول الثلاث بالقوة والتفوق والبأس، فستفرض سلمها على الإنسانية، وأقول: سلمها، وأنا أريد ما أقول. لن تفرض على الإنسانية سلامًا إنسانيًّا يستمتع به الناس جميعًا في حدود العدل والمساواة، ولكنها ستفرض عليها سلامًا سكسونيًّا روسيًّا يظل شاملًا ما استقامت الأمور بين الروس والسكسون، فأمَّا سائر أمم الأرض فليس عليها إلَّا أن تسمع وتطيع، فإن أبت فالقنبلة الذرية موجودة تستطيع أن ترد العقل إلى المجانين، وأن تحبب الأمن والنظام إلى الذين يخطر لهم أن يكدروا صفو الأمن والنظام. ولكن المسألة الخطيرة التي ينبغي أن نلقيها على أنفسنا هي هذه، أيهما سيكون أقوى سلطانًا على الناس وأمضى أثرًا في توجيه الإنسانية: قوة القنبلة الذرية أم قوة الحق والعدل والمساواة؟