توسع
بين يدي مجلس النواب في هذه الأيام مشروع قانون تتعجل الحكومة إصداره كما تعجلت إصدار قوانين الجامعة منذ حين. ومن الحق على المصريين الذين يفكرون في المستقبل السياسي لهذا البلد تفكيرًا نزيهًا صادقًا، خالصًا من كل شائبة أن يقفوا عند هذا القانون وقفة فيها شيء من الروية والتنبه لما اشتمل عليه من نذير. فهو ينذر بخطر شديد لا يفطن له الناس عند النظرة الأولى، ولكنهم لا يكادون يطيلون النظر فيه حتى يشعروا بأن حربًا عنيفة تهيأ لمستقبل الديمقراطية في مصر…!
ومهما أقل في ذلك فلن أصل إلى المبالغة، ولن أتورط في الغلو، فإن بعد النظر وقصره لا يمسّان تنظيم الصلات بيننا وبين الإنجليز فحسب،
ولا يمسّان حل المشكلة السياسية الظاهرة من إنزال الوزارة القائمة عن مناصب الحكم، وإقامة وزارة حزبية أو قومية مكانها فحسب، بل يجب أن يمسّ شيئًا آخر، هو قيام حياتنا السياسية الداخلية والخارجية، وهو إقامة الديمقراطية في مصر على أساس ثابت متين. وأنا واثق بأنك ستدهش حين أفسّر لك هذا القانون، لأنك لم تتعود أن تحفل بمثله. ولكني أرجو ألا يصرفك الدهش عن التفكير، وأن تنتهي معي إلى الإيمان بأن هذا القانون كيدٌ يدبّر للديمقراطية المصرية؛ والناس عنه غافلون.
هذا القانون هو قانون التخصص في الأزهر. أسمعت هذا اللفظ! إنه يسير، تراه كل يوم في الصحف فلا تقف عنده. وقد يتحدث الناس به من حولك فلا تلقِ إليه سمعًا ولا بالًا. ولكنه مع ذلك خليق أن تقف عنده، وخليق أن تُلقي إليه سمعك وبالك. وخليق أن تتهيأ لاتقاء ما فيه من شر. ولست أريد اليوم أن أتحدث عنه إلا من ناحية واحدة، هي التي تعنيني، وهي التي تعنيك حين تفكر في المستقبل السياسي لهذا البلد الحزين.
يشتمل هذا القانون على حكم يبسط سلطان الأزهر بسطًا منكرًا على التعليم في مصر. وإذا سيطر الأزهر على التعليم فقد سيطر على كل شيء. ولم لا؟ وهو يسيطر على تنشئة الأطفال وتثقيف الشباب.
هذا الحكم هو الذي يُنشئ، في الأزهر قسمًا للتخصص في المهنة، وأنت تنكر لفظ المهنة هذا كما أنكره أنا، وتراه مبتذلًا سقيمًا، ولكن معناه ليس مبتذلًا ولا سقيمًا، فهو يدل على فن التعليم.
يُنشئ هذا القانون إذن في الأزهر قسمًا يتخصص فيه الأزهريون في فن التعليم، حتى إذا أتموا تخصصهم هذا خرجوا منه فانتشروا في أقطار مصر، يعلمون في المدارس المصرية على اختلافها، وليس هذا بأس إذا حَسُنَ الدرس في الأزهر، وضمن لنا قسم التخصص تخريج المعلمين
الأكفاء. ليس بهذا بأس على عقول الأطفال والشبان وأخلاقهم، فالأزهر إذا صلح كان كغيره من المدارس مصدرًا للخير، لا خوف منه ولا بأس به. ولكنك تعلم أن للأزهر نظامًا أقل ما يوصف به أنه بدعة في الإسلام، وهو هذا النظام الذي يجعل لهيئة كبار العلماء سلطانًا واسعًا يشل سلطان الحكومة أيضًا، فكل من تخرج من الأزهر خاضع لسلطان هذه الهيئة، تحاكمه إذا شذ في سيرته شذوذًا ما، وتحاكمه بنوع خاص حين يشذ في التفكير، وحين يخرج فيما يكتب أو يُنشئ عن مألوف العلماء الأزهريين. وهي إذا حاكمته جاز لها أن تخرجه من زمرة العلماء الأزهريين، وهي إذا أخرجته من هذه الزمرة حرمته طائفةً من حقوقه المدنية، وأوجبت على الحكومة أن تفصله من أي عمل فيها، وحرمت على الحكومة أن تكل إليه أي عمل من أعمال الدولة. وقد ظهرت آثار هذا النظام منذ سنين حين حوكِمَ الأستاذ علي عبد الرازق أمام هذه الهيئة فأخرجته من زمرة العلماء، وأذعنت الحكومة المصرية يومئذ لحكم هذه الهيئة فعزلته من منصب القضاء.
الحكومة على اختلاف درجاتها، وأنواع التعليم فيها سيخضعون لهذه السلطة القضائية الغريبة، فيفكرون بمقدار، وينتجون بحساب. ويسيرون على الشوكِ. فإذا شذ أحدهم عما يجب للأزهر – استغفر الله – بل عما يراد لهيئة كبار العلماء أن تحبّ، أقول إذا شذ أحد من هؤلاء الأساتذة حوكم أمام هذه الهيئة! فإذا قضت بإخراجه من زمرة العلماء الأزهريين وجب على وزارة المعارف أن تخرجه من زمرة المعلمين، وأن تحول بينه وبين التعليم. ووجب على الحكومة كلها بعد ذلك ألا تكلفه عملًا رسميًا ما.
سيخضع هؤلاء الأساتذة لهذه الهيئة، وستخضع معهم وزارة المعارف لهذه الهيئة، وستتنازل الحكومة عن شيء من سيادتها لهذه الهيئة، وسيصبح الوزراء منفردين في مكاتبهم ومجتمعين في مجلسهم أداة لهذه الهيئة تصرفهم كما تريد، أو كما يراد لها. هم كذلك الآن بالقياس إلى القضاة الشرعيين وإلى الموظفين القليلين من رجال الأزهر في مصالح الدولة.
فسينبسط هذا السلطان بعد أعوام فيتناول التعليم كله. أرأيت إلى هذا الخطر الذي يضع وزارة المعارف تحت سلطان شيخ الأزهر؟ أفكرت فيما قد يكون لهذا من تأثير؟ لا أقول في مستقبل التعليم، بل أقول في مستقبل السيادة التي يجب أن تكون لحكومة الدولة، بل أقول في مستقبل الديمقراطية المصرية كلها…
أنا واثق كل الثقة بأن الديمقراطية منتصرة آخر الأمر، بل إنها ستشتمل الأزهر نفسه. فمهما تبلغ قوة المحافظين والمسرفين في المحافظة، فلن تغير طبيعة الأشياء. وطبيعة الأشياء تقضي أن يأتي النظام الديمقراطي على كل شيء، ولكنك توافقني فيما أظن على أن الذين يشرعون هذا القانون يهملون طبيعة الأشياء، ويخلقون لمصر مصاعب ومشاكل لا فائدة في خلقها. وقد أثبت كل شيء أنها كانت دائمًا مصدر الشر والفساد.
لقد كان الأزهر حريصًا على إنشاء قسم التخصص في التعليم منذ زمن بعيد، وكان ظاهر هذا الحرص أن تفتح أبواب العمل للأزهريين، وباطن هذا الحرص أن يبسط سلطان الأزهر على المرافق المصرية. وقد قاومت الحكومة هذه الفكرة في عهد الوزارات التي سبقت هذه الوزارة القائمة، وأبت على الأزهر العناية بتخريج المعلمين، لأن هذه العناية حق خالص لوزارة المعارف في كل دولة لها حظ من حضارة، ولكن الذين يحرصون على بسط هذا السلطان الأزهري قد انتهزوا قيام هذه الوزارة التي لا تأبى شيئًا إلا على الشعب؛ فوضعوا قانونهم، ووضعوا فيه هذا الحكم وقدموه إلى مجلس النواب. والغريب (وهل بقي شيء يُستغرب في مصر) أن اللجنة البرلمانية في مجلس النواب قد نظرت هذا القانون وأقرته ورفعته إلى مجلس النواب، ولم تفطن لهذا الحكم، ولا لما فيه من اعتداء على وزارة المعارف ولا لما فيه من تجاوز لأصول الديمقراطية، ولا لما فيه من بسط هذا السلطان الخطر إلى جانب سلطان الحكومة. لم تفطن لشيء من هذا، أو فطنت له ولكنها طوته طيًّا واكتفت بأن تلاحظ أن تعليم اللغات الأجنبية في أقسام التخصص ضيق يجب أن يوسع، وناقص يجب أن يزاد.
ومع ذلك فالبرلمان بطبيعته خليق أن يدافع عن النظم الديمقراطية، وأن يحوطها من كل ما يمكن أن ينتقص أطرافها أو يحد من سلطانها. ولكنك تعلم أن الديمقراطية شيء بغيض إلى بعض الناس في هذه الأيام، ماذا؟ أأُحِدَّ استقلال الجامعة حتى يُمحى؟ أَيُبسط سلطان الحكومة على الجامعيين إلى أقصى حد ممكن؟ أَيُقسم السلطان الجامعي بين الحكومة والأجانب وتُحرم الجامعة حتى أن تقضي في أبنائها ورجالها، ثم يُبسط سلطان الأزهر حتى يتجاوز الأزهر إلى مدارس الدولة ومصالح الدولة؟!
ماذا؟ أبلغ الأمر بسادتنا الذين يحكموننا الآن أن يضعوا معهد العلم الحديث تحت هذه الوصاية الحائفة المشفقة، المسرفة في الخوف والإشفاق وأن يُمكِّنوا لمعهد قديم من أن يبسط سلطانه إلى هذا الحد البعيد!
ماذا؟ أيراد بمصر أن تمشي إلى الأمام فيسيطر العلم الحديث على مرافقها وتسعى بها إلى تحقيق آمالها، ويرفعها إلى مثلها العليا؟ أم يراد بمصر أن تمشي إلى الوراء فيصبح أمر التعليم والتربية فيها إلى مَن لا حظ لهم من تربية وتعليم!!
كل هذا مخالف لطبيعة الأشياء. وكل هذا جهد ضائع وتبديد للقوة والوقت؛ ولكنه على كل حال تأخير للرقي، واستخزاء بحق الشعب في أن يرقى ويأخذ مكانه بين الشعوب الحرة.
ألست توافقني بعد ذلك على أن الوزارة القائمة لا تفسد من شؤوننا الحاضرة وحدها في السياسة والاقتصاد والتعليم؛ ولكن لها برنامجًا آخر خفيًا تنفذه شيئًا فشيئًا، وهو أن ترد مصر إلى حيث كانت في القرون الوسطى، بلدًا خاضعًا لسلطان (١) مطلق يؤيده رجال الدين…!!
يجب أن يتنبه المعارضون وأن يسجلوا هذه الحركات الخفية التي تهيئ لحرب الديمقراطية فسيصلون إلى الحكم غدًا أو بعد غدٍ؛ وسيجدون أمامهم أبنية قائمة تمنعهم من التقدم إن لم يزيلوها.
كوكب الشرق ٥ — ٤ — ١٩٣٣
Tag: الحكومة
-
توسع
-
استجواب
استجواب
أظنه الاستجواب الثاني في تاريخ مجلس النواب القائم. فأما الأول فكان حول الجامعة، وكان المجلس حريصًا كل الحرص على أن يتعجّل اليوم الذي يُعرض فيه، لأن حياة الدولة يومئذ كانت تتعرض لخطر شديد. وقد عُرض هذا الاستجواب وخرجت منه الحكومة ظافرة، وخرج منه المجلس منتصرًا، وخرجت منه الدولة آمنة على حياتها، مطمئنة على مستقبلها، وخرجت منه الأمة سعيدة راضية، واثقة بأنها لن تتعرض لظمأ ولا جوع.
ونظر الإنجليز إلى ظفر الحكومة، وانتصار المجلس، وأمن الدولة، وابتهاج الأمة، نظرةً فيها ابتسامة ساخرة راضية معًا؛ تسخر من عناية الحكومة والبرلمان بأيسر الأمور، وترضى لأن الجامعة برئت من بعض العناصر الخطرة على سياسة الاستعمار.
أما الاستجواب الثاني فهو هذا الذي تحدث فيه المجلس أمس في تحديد موعده، وهو استجواب أقل ما يوصف به أنه ضئيل الخطر، يدل على فراغ البال، والعناية بصغائر الأمور؛ فهو يدور حول جبل الأولياء. وأيّ شيء يكون جبل الأولياء؟ وأيّ قيمة أو خطر لهذا الخزان الذي إن أُنشئ لم ينفع ولم يضر، وإن لم يُنشأ لم تربح مصر شيئًا ولم تخسر شيئًا؟ لهذا كان المجلس ضيق الصدر بهذا الاستجواب، وبالذين قدموه، وكيف لا يضيق صدر المجلس بهؤلاء الذين يضيّعون وقتهم، ويريدون أن يضيّعوا وقته فيما لا يغني ولا يفيد؟
والظاهر أن أصحاب الاستجواب قد أحسّوا ضيق صدر المجلس، فضاقت صدورهم هم أيضًا بهذا الاستجواب. لهذا كان المجلس متبرّمًا أمس، حريصًا على ألّا يحدّد موعدًا يخطب فيه الخطباء، ويردّ فيه الوزراء. وكان صاحب الاستجواب فاترًا في الإلحاح، يدور حوله ولا يتورّط فيه.
وكان زعيم المعارضة — كما تسميه «الأهرام» — فاترًا أيضًا، يضرب الأمثال بفرنسا مرة، وبلجيكا مرة أخرى. ولم يكن الوزراء أقل فتورًا من الأعضاء؛ فأما وزير الأشغال أصالة والمالية نيابة فقد تخفّف من الحمل وبرئ من التبعة، وأعلن أن رئيس الوزراء يريد أن يردّ بنفسه على هذا الاستجواب.
ورئيس الوزراء — كما تعلم — مريض، وقد يأذن له الأطباء في إمضاء الأوراق، وفي الذهاب إلى أحد مكتبيه أو إليهما في المالية والرئاسة إن ألحّ في ذلك أو أصرّ عليه، ولكن الوقت الذي يسمح فيه مرضه بأن يسمع فيطيل الاستماع، ويتكلم فيطيل الكلام، بعيد فيما يظهر، قدّره وزير الحقانية بشهر، ووافقه المجلس على هذا التقدير.
والشهر أمد قصير جدًا في حياة مجالس النواب، ولا سيما حين تكون دورتاه قصيرة، وحين تكون مشرفة على نهايتها. والشهر على ذلك أمد قصير تقع فيه حوادث قد تجعل الاستجواب غير مفيد، لأنه تأخر عن إبانه، وقد تثير ما يضطر أصحابه إلى استرداده، وقد تثير ما يدعو الحكومة إلى أن تطلب تأجيله إلى أجل غير مسمى. وقد يتمّ في هذا النظر في العطاءات، والاتفاق مع الذين يقيمون الخزان، فيصبح الاستجواب درسًا من دروس التاريخ، ومناقشة حول مسألة تاريخية خالصة.
أكانت الحكومة مصيبة أم كانت مخطئة حين مضت في إقامة الخزان برغم المصريين، وبرغم الإنجليز معًا في ظاهر الأمر؟ والمناقشات التاريخية قيّمة جدًا، ولكن مكانها — كما تعلم — في غرفات المدارس وحجراتها، لا في قاعات مجلس النواب.
وإذن فقد أُجّل الاستجواب شهرًا، ومن الآن إلى أن ينقضي هذا الشهر ستشرق الشمس ثلاثين مرة، وستغرب الشمس ثلاثين مرة، وستتألق النجوم، وتكثر الهموم. ومن يدري؟ لعل همًّا حادثًا يصرف عن همّ قديم. ثم يقال بعد ذلك إن سادة مصر ينظرون إليها نظرًا فيه شيء من الجد، ويصرفون أمورها تصريفًا فيه شيء من العناية الصحيحة.
كلا، إنما ينظر المسيطرون على مصر إلى مصر نظرة كلها سخرية واستهزاء. ولو قد عني المسيطرون على مصر بشؤونها عناية صحيحة فيها شيء من الجد ولو قليلًا، لما أقام رئيس الوزراء في الحكم وهو مريض، يعجزه مرضه عن العمل، فتتعطل المصالح، وتضيع المرافق، ويمرض معه البرلمان، ويصبح نشاط مجلس النواب رهينًا بنشاطه، وحياة مجلس النواب موقوفة على حياته.
استطاع رئيس الوزراء أن يتابع نشاط البرلمان شهرًا ونصف شهر، ثم مرض منذ شهرين، فمضى البرلمان في طريقه — كما استطاع — مضطربًا متعثرًا، إلا حين يذهب أعضاؤه إلى الزمالك أو إلى منزله ليظهروا أسفهم لمرض الرئيس، واغتباطهم بشفاء الرئيس، وأملهم في نشاط الرئيس. فأما فيما عدا ذلك فمرض يشبه الشلل — كما قالت «الأهرام» منذ أيام.
وتثار في المجلس مسألة لها خطرها، لأنها تمسّ حياة مصر من جميع فروعها، فيجاب النواب بأن رئيس الوزراء مريض، وهو يريد أن يقول في هذه المسألة قوله، فانتظروا حتى يطلق اللّٰه لسانه، ويأذن له بالكلام.
ويقبل النواب مثل هذا راضين عنه، مبتهجين له، كأنهم إنما أقبلوا إلى البرلمان ليكونوا رهنًا بأمر الرئيس ورغبة الرئيس. وكأن مصالح مصر ومرافقها وحياتها أهون عليهم من صحة رئيس الوزراء.
فإذا انقضى الشهر، ولم تسمح صحة رئيس الوزراء له بأن يشهد جلسات المجلس ويشترك في أعماله، فماذا يصنع الوزراء؟ وماذا يصنع النواب؟ وماذا يصنع المستجوبون؟ سيطلب الوزراء التأجيل شهرًا آخر حتى ينشط الرئيس، وستلحّ الأغلبية في هذا التأجيل، وتبتهج له لعلها ترى الرئيس، وستتورط الأقلية فتبتهج كغيرها لهذا التأجيل، لعلها تبدأ معارضتها بالترحيب بالرئيس وتهنئته بما ساق اللّٰه إليه من شفاء.
وفي أثناء ذلك تمضي الحكومة في إقامة الخزان، لا تلوي على شيء. أجدّ هذا أم هزل؟ أعناية هذا أم إهمال؟
وأغرب من هذا كله أن جواب رئيس الوزراء معروف؛ فهو لن يزيد على هذا الجواب الذي أُرسل إلى زعيم المعارضة في المجلس — كما تسميه «الأهرام» — حين قدم سؤالًا في هذا الموضوع، فأُجيب بأن الأمر من حق السلطة التنفيذية، لا من حق البرلمان. لن يزيد رئيس الوزراء إن تكلّم عن هذا المعنى، وسيغضب المعارضون، وستكرههم الأغلبية على الصمت، وسيصوغ بعض الأعضاء اقتراحًا فيه الثقة بالوزارة والانتقال إلى جدول الأعمال، وستقبل الحكومة هذا الاقتراح، وتقبله الأغلبية، وتخرج الحكومة ظافرة، ويخرج المجلس ظافرًا، ويبتسم ممثل الحكومة الإنجليزية ابتسامة فيها سخرية ورضا. ولن يكون شيء غير هذا إن أذن اللّٰه لرئيس الوزراء بالنشاط.
وإذن فلم لا يُمثَّل هذا الفصل بعد عشرة أيام؟ ولم يؤجَّل هذا التمثيل شهرًا كاملًا؟ ولم يحرص رئيس الوزراء على أن يشترك في هذا التمثيل؟ أهو شيء عظيم جدًا لا يريد رئيس الوزراء أن يفوته الاشتراك فيه؟ أهو شيء خطر جدًا لا يأمن رئيس الوزراء أن يكله إلى وزير الأشغال أصالة والمالية نيابة؟
فإن تكن الأولى، فما موضع العظمة في هذا الفصل التمثيلي؟ وإن تكن الثانية، فما موضع الخطر؟
إن الناس جميعًا يعلمون حق العلم أن الحكومة قد أخذت نفسها بإقامة الخزان، وأنها ستمضي في إقامته دون تردد ولا إبطاء مهما تكن الظروف، ومهما يقل النواب، لا يصرفها عن ذلك إلا سقوط الوزارة.
ولعلك قرأت «الأهرام» أمس، ولعلك فهمت أن الأمور مرهونة بأوقاتها، وأن سقوط الوزارة قد يكون، ولكن في الوقت الموقوت. وهذا الوقت الموقوت قد يكون في يونيو، وقد يكون في يوليو، وقد يكون قبل ذلك وقد يكون بعد ذلك، ولكنه لن يحين إلا بعد أن يتم التدبير والتقدير لإقامة الخزان.
فليؤجَّل الاستجواب شهرًا، وليؤجَّل الاستجواب شهرين، ولينظر الاستجواب قبل الشهر أو قبل الشهرين؛ فلن تفيد مصر من تأجيله أو تعجيله شيئًا.
كوكب الشرق ٣٠/٣/١٩٣٣ -
زيارتان
زيارتان
من المحقق أن حظَّ الأزهر من الرعاية لم يجد حظَّ الجامعة المصرية في هذه الأيام، لا بالقياس إلى حضرة صاحب الجلالة الملك، فهو يرعى مرافق مصر كلها بما ينبغي لمقامه السامي من العدل والعطف والبر بشعبه الكريم عليه، المخلص له، بل بالقياس إلى الحكومة التي لا تتنزّه عن الأثرة، كما أنها لا تتنزّه عن الإيثار. وقد تعلم أنت كما أعلم أنا أن رئيس وزرائنا هو حامي الدين، والذائد عن الإسلام، والأثير عند الشيخ الأكبر مهما تختلف الظروف وتتبدل الخطوب، والذي لا يأتي عملًا إلا التمس له الشيخ الأكبر تأييدًا أو تخريجًا في كتاب من كتب الفقه، أو سفر من أسفار الأصول.
وحكومتنا – كما تعلم أنت وأعلم أنا – حكومة تقليد لا تجديد، قامت لتحقيق غرض واحد، هو أن تردّ مصر والعالم الإسلامي إن استطاعت إلى سماحة الإسلام وطهارته، وأن تمحق البدع محقًا، وتمحو الإلحاد محوًا. فلا غرابة في أن تؤثر الأزهر بالعناية والرعاية، وتنكب الجامعة ما استطاعت إلى التنكيل بها سبيلًا، فإن أعياها ذلك وضعت الجامعة موضع المغضوب عليه، المزهد فيه.
ولست أريد الآن أن أذكر ما ربح الأزهر، أو بعبارة أدق ما ربح الأزهريون من عطف الحكومة على الأزهر، وما خسرت الجامعة والجامعيون من غضب الحكومة على الجامعة، فقد يكون لهذا يوم قريب. وإنما أقف عند شيء واحد لا أعدوه، ذكرته حين قرأت ما نشرته الصحف من وصف الزيارة الملكية لكلية أصول الدين أمس.
في أواخر فبراير من السنة الماضية، تفضّل جلالة الملك فشرّف الجامعة بزيارته الكريمة. فزار كلية الحقوق والآداب والمكتبة، ثم تفضّل فذهب إلى سرادق الجامعة حيث سمع النثر والشعر، وحيث تفضّل فوزّع بيده الكريمة بعض شهادات الدرجات الجامعية العلمية والتشريفية على أصحابها.
ولاحظ الناس يومئذ أن الجامعة لم يُسمَع لها في هذا الحفل صوت.
وإنما سمعوا وزير المعارف يخطب بصوته العميق العريض فيطيل، وسمعوا مفتشًا من وزارة المعارف ينشد قصيدة لشوقي رحمه الله، وتفضّل صاحب الجلالة فزار كلية من كليات الأزهر أمس، فلم يُسمع في هذه الزيارة لغير الأزهر صوت. لم يُسمع صوت المعارف في عمقه وعرضه، ولم يقل مفتش من وزارة المعارف شعرًا ولا نثرًا. ومن الناس من يظن أن مصدر هذا الاختلاف أن الأزهر كان أحرص من الجامعة على أن يتكلم بين يدي حامي الأزهر ومنشئ الجامعة، ولكن هنا يجب الإنصاف، وهنا يجب أن يكتب التاريخ.
فقد أُرغمت الجامعة إرغامًا على ألا تتكلم، لأسباب يعرفها وزير المعارف ووكيله، والذين كانوا يرقون إليه بالكيد، وينزلون عليه بالوحي. واستقال مدير الجامعة أو همَّ أن يستقيل. وتعب عمداء الجامعة في هذا تعبًا شديدًا، وسعى وكيل الجامعة في هذا سعيًا معقدًا ملتويًا طويلًا. وانتهى مدير الجامعة إلى أن نزل لوزير المعارف عن الكلام بين يدي صاحب الجلالة. فتكلم وزير المعارف وبرع في الكلام، وقال فأطال القول، وانتهت الزيارة، وانصرف الناس، وبعضهم يتحدث إلى بعض بأنهم أقبلوا ليستمعوا لمدير الجامعة فإذا هم يستمعون لوزير المعارف. وتنبأ بعضهم لبعض بأن منع الجامعة من الكلام بين يدي منشئ الجامعة لا يدل على خير، وكان بعضهم يسبق الحوادث فيرى في منع الجامعة من الكلام نذيرًا بأنها ستمنع من العمل قليلًا أو كثيرًا. وكان بعضهم يرى في إنشاد مفتش من وزارة المعارف للشعر في حفل جامعي نذيرًا بأن يد وزارة المعارف ستنبسط في الجامعة والجامعيين حتى تخضع الجامعة لوزير المعارف ووكيله والذين يرقون إليه بالكيد، والذين ينزلون عليه بالوحي.
ولم تمض أيام أربعة حتى كان من أمر الجامعة ما كان، ولم يتم العام دورته حتى غُيّر قانون الجامعة فقصّت أجنحتها، وحيل بينها وبين العمل الجامعي الصحيح. وفي أثناء هذا العام أُقصي من الجامعة من كرههم الوزير ووكيله، وضُيّق على الذين لم يُكرهوا ولم يُخافوا، ولكنهم وُضعوا موضع الشك والريبة، ووُسّع فيها على الذين عرفوا كيف يدورون حول الأقطاب في القمة والحضيض، وجرت أمور الجامعة – كما علمت – متعثرة، مشي المقيد في الوحل كما يقول مسلم بن الوليد.
أما الأزهر الشريف فلا أظن أن أحدًا نازع شيخه الأكبر في الكلام بين يدي زائره الكريم، وتعليل ذلك يسير، فكلام الشيخ الأكبر بين يدي صاحب الجلالة المتديّن أهون على الله والناس من أن يُخاف أو يُحسب له حساب.
وشخص الشيخ الأكبر ألين عودًا، وأشد مرونة من أن ينكره رئيس الوزراء أو يحاول التخلص منه. وقد بذل الشيخ الأكبر من الجهد والقوة في تأييد رئيس الوزراء وأعماله وأقواله وآماله ما لم يبذله مدير الجامعة السابق. وطمع رئيس الوزراء من شيخ الأزهر فيما لم يطمع في مثله من مدير الجامعة السابق. فما الذي يمنع حامي الإسلام أن يُخلي بين شيخ الإسلام وبين الكلام؟
ولا تقل إن شيخ الأزهر رجل دين فيجب أن يتكلم، لأن الوزراء لا يحسنون من علم الدين ما يُحسن. فأنا أؤكد لك أن مدير الجامعة السابق رجل علم، فكان يجب أن يتكلم، لأن الوزراء، وفيهم وزير التقاليد، لا يحسنون من العلم بعض ما يُحسن. وأنت تعلم أن كثيرًا من الوزراء إذا تكلموا لم ينشئوا الكلام، وإنما أُنشئ لهم. وقد أُنشئت لوزير التقاليد خطبته يوم الجامعة، فتلاها بصوته العميق العريض. فكان من الممكن أن تُنشأ خطبة أزهرية لوزير مختص بشؤون الأزهر فيتلوها، ولكن شيخ الأزهر أُثير، ومدير الجامعة لم يكن مرغوبًا فيه، ولكن رجال الأزهر تورطوا في تأييد رئيس الوزراء، ورجال الجامعة أبوا أن يكونوا أداة سياسية لرئيس الوزراء. وكان رجال الأزهر يريدون، أو يرضون، أن يكونوا دعاة إلى الرجوع، وكان رجال الجامعة يريدون أن يكونوا رسل الرقي، ولكن رجال الأزهر يجدون في بسط سلطان الحكومة القائمة على الشعب خيرًا، وكأن رجال الجامعة لا يفكرون في حكومة ما، وإنما يريدون تحرير العقل. وتحرير العقل خطر، لأنه وسيلة الحرية والديمقراطية. وإذن فيجب أن يُخفت صوت الجامعة، ويجب أن يرتفع صوت الأزهر.
وكان في الجامعة قوم لا يحبون أن تخفت أصواتهم فأُبعدوا عنها، وليس في الأزهر إلا من يحب أن يرتفع صوته إن شاءت الحكومة، ويخفت صوته إن شاءت الحكومة، فيجب أن يُقربوا جميعًا.
ولا تقل إن رجال الأزهر رجال دين فيجب أن تُعرف لهم مكانتهم الدينية، فإن رجال الجامعة رجال علم، وقد أدوا واجبهم العلمي أحسن أداءً، ورفعوا مكانة مصر العلمية وكرامتها في أقطار الأرض، ولم يؤدِّ رجال الدين واجبهم الديني، ولا نهضوا منه بشيء.
أتذكر أننا استفتينا شيخ الأزهر في التمثيل والرقص والغناء، وما يُنفق عليها من أموال المسلمين في الأوبرا، وأكدنا لك أن الشيخ سينكر إعانة الأوبرا في مجلس الشيوخ. فقد مرت ميزانية وزارة المعارف أمام مجلس الشيوخ يوم الاثنين، أي قبل الزيارة الملكية للأزهر بليلة واحدة، فلم تُذكر إعانة الأوبرا، ولم يُسمع صوت الشيخ. ومن يدري؟ لعله تخلّف عن هذه الجلسة عمدًا لتبرأ ذمته من إعانة التمثيل والرقص والغناء، فغيّر المنكر بالصمت، واكتفى بأضعف الإيمان. ومن يدري؟ لعله تخلّف عن هذه الجلسة مضطرًا ليتمرن على إلقاء خطبته بين يدي صاحب الجلالة، فآثر حسن الإلقاء على حسن البلاء في سبيل الإسلام والمسلمين.
لا تقل إن رجال الأزهر رجال دين، فيجب أن تُراعى مكانتهم الدينية، فإن رجال الدين لا يسكتون على موت السنوسي، لأن وزارة مصر الإسلامية أبت أن تأذن له بالاستشفاء في مصر الإسلامية. إنما رجل الدين هو الحاخام الأكبر، الذي لم يتردد في أن يشارك الإسرائيليين في الاحتجاج على ما يُقال إن اليهود يلقون من الشر في ألمانيا.
لا، ليست المسألة مسألة دين ولا مسألة علم، وإنما هي مسألة سياسية ليس غير. رأت الوزارة في الجامعة معهدًا خطرًا على سياسة القهر والتسلط فغضبت عليها، ورأت في الأزهر – أو في شيوخه – مؤيدًا لهذه السياسة فرضيت عنه وآثرته بالخير. أما الأمة فإنها تعلم حق العلم أين الذين يؤيدونها وينصرونها، ويهيئون لها وسائل الحرية والعزة والكرامة، فتنظر إليهم في حب، وترمقهم في أمل.
فليهنأ الأزهر برضى الحكومة، ولتهنأ الجامعة برضى الأمة وغضب الوزارة.
كوكب الشرق ٢٩-٣-١٩٣٣ -
غيوم
غيوم
يظهر أن في جوّ السياسة المصرية الخارجية غيومًا، لعلها خفيفة رقيقة ليس وراءها شيء، ولعلها ثقيلة صفيقة وراءها أشياء. ولعل الأيام المقبلة تكشف عما تحجب هذه الغيوم من خير أو شر. ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن من الواجب العناية بهذه الغيوم، وتتبعها في دقة وفطنة. ومن الواجب أيضًا أن يجدّ المصريون في أن يقفوا منها موقف الصراحة التي لا تحتمل شكًّا ولا تأويلًا. وما الذي يمنعهم من ذلك؟ وآمالهم ومثلهم العليا في حياتهم الداخلية، وفي علاقاتهم الخارجية، واضحة كل الوضوح، جليّة كل الجلاء. ووسائلهم إلى تحقيق هذه الآمال، والوصول إلى هذه المثل العليا، لا غموض فيها ولا إبهام.
فهم يريدون أن يكونوا أحرارًا في بلادهم بكل ما يدلّ عليه معنى هذه الكلمة، ويسلكون إلى تحقيق هذه الحرية سبلهم الواضحة التي يراها الناس حبًّا، والتي قوامها المطالبة بالحق في غير هوادة، وفي غير مراوغة ولا دوران.
فهم يريدون أن تكون صلاتهم الخارجية قائمة على الحرية، لا يُكرهون عليها إكراهًا، ولا يُدفعون إليها دفعًا، ولا يُستدرجون إليها استدراجًا، ولا يُقضى فيها وهم غائبون.
والظاهر أن الوزارة المصرية القائمة تقف الآن مواقف مريبة إلى حدّ ما في بعض المسائل ذات الخطر، فتثير مواقفها هذه شكوكًا وأوهامًا ليس من مصلحة أحد أن تثور. ونحن نذكر من هذه المواقف المريبة التي تقفها الوزارة الآن ثلاثة ليس غير.
فأما أولها فموقف الحكومة بإزاء المفاوضة مع الإنجليز؛ فقد كان رئيس الوزراء يستغل مسألة المفاوضة في الأعوام الماضية، ويتخذ سعيه إليها وآماله في الظفر بها وسيلة من وسائل البقاء في الحكم. وقد قال في ذلك فأكثر، وقال زميله القديم توفيق دوس باشا في ذلك فأطال. ثم انقضت هذه الآمال، وتبددت هذه الأماني، وظهر أن لا مفاوضة ولا شيء يشبه المفاوضة. ولكن الحديث عن المفاوضة عاد فتجدّد في أول هذا الشتاء، وأخذ الناس يقولون إن أحاديث تجري بين رئيس الوزراء والمندوب السامي، ويشيعون أنها تتقدم حينًا وتتأخر حينًا آخر.
ثم مرض رئيس الوزراء، وعجز عن المفاوضة والمحادثة أو ما يشبهها، ولكن الناس ظلوا يتحدثون عن المفاوضة، وغلا بعضهم فقال: إن ما عجز عنه صدقي باشا ينهض به قوم آخرون غير صدقي باشا.
ثم سافر المندوب السامي فجأة، ولعله لم ينخدع لها أحد، فكثرت الإشاعات، واستفاضت الأحاديث بأن في الأمر شيئًا، وبأن مشروع معاهدة قد تمّ. وسافر المندوب السامي ليعرضه على حكومته؛ فإن أقرّته أمضاه رئيس الوزراء، واستقال لأن مهمته انتهت. وإن رفضته استقال رئيس الوزراء لأنه عجز عن تحقيق الاستقلال، وقد أخذ على نفسه عهدًا ليحققن الاستقلال، أو لينزلن عن الحكم.
والناس يختلفون في مشروع المعاهدة هذا؛ فمنهم من يرقى به حتى يبلغ المشروع الذي وصل إليه الوفد الرسمي الأخير، ومنهم من ينزل به حتى يصل إلى مشروع ثروت-تشامبرلين، ومنهم من يضطرب بين هذين المشروعين هبوطًا وارتفاعًا. وأكبر الظن أن أكثر هذه الأحاديث غير صحيح، ولكن هناك شيئًا لا شك فيه، وهو أن هذه الأحاديث التي تتصل وتستفيض وتلحّ في الاستفاضة والاتصال قد أثارت ريبًا كثيرًا في نفوس الناس من المصريين والأجانب.
فأما المصريون فمن حقهم أن يرتابوا، لأن الأمر يتصل بحياتهم واستقلالهم، وهم لم يتعودوا إلحاحًا في التكتم والمداورة حول مسألة الاستقلال كهذا الإلحاح في التكتم والمداورة الآن. وهم لا يثقون بالوزارة القائمة، ولا يطمئنون إليها. ولعل أيسر ما يقال عن رأيهم في هذه الوزارة أنهم يرتابون أشدّ الارتياب بكل ما تأتي؛ لأنهم قد جرّبوا عليها الإسراف في الهوان، والإفراط في التقصير، والغلوّ في دفع الأثمان الباهظة لأيسر الأشياء وأقلّها خطرًا.
وهم يعلمون حقّ العلم أن البقاء في الحكم شيء له قيمته، ويجب أن يؤدّى ثمنه، فيخافون—ومن حقهم أن يخافوا—ألّا يكون إسراف الحكومة في تملّق الإنجليز، ومبالغتها في تحقيق أغراضهم ومآربهم في مصر والسودان، كافيًا للحياد النزيه، ووسيلة كافية للبقاء في الحكم. وأن تُعرض الوزارة، أو يُطلب إليها أصدقاؤها والمؤيدون لها من الإنجليز، مشروعَ معاهدةٍ معيّنًا على أن يكون ثمنًا للحكم وقتًا آخر، طويلًا أو قصيرًا.
وأما الأجانب فلم ينظروا في يوم من الأيام—وهم لا يستطيعون أن ينظروا—إلى المفاوضات بين المصريين والإنجليز نظرة المستخف الذي لا يحفل ولا يكترث؛ فلهم مصالحهم أيضًا في مصر، وهذه المصالح جزء من موضوع المفاوضات. ومن حقهم أن يعرفوا، أو أن يحاولوا أن يعرفوا، إلى أي حدّ تُراعى هذه المصالح، وعلى أي نحو تُراعى، وماذا يبقى لهم، وماذا يُؤخذ منهم. فإذا كانت المفاوضات سرًّا مكتومًا، وحديثًا من وراء ستار، فليس غريبًا أن تثور الريبة في نفوس الأجانب هؤلاء، وليس غريبًا أن تكثر بينهم الأحاديث، وتستفيض فيهم الإشاعات؛ فيفرح منهم فريق، ويجزع منهم فريق آخر، ويضطرب الجوّ السياسي على كل حال.
هذا كله ولم نذكر البرلمان الذي لا يعلم من أمر هذه الأحاديث أكثر مما علمه عامة الناس، ولكن البرلمان راضٍ عن موقفه هذا، فلندعه وما يرضى.
ونستطيع أن نؤكد أن هذا الغموض والإبهام، وهذا التستّر والتكتم، ليس من شأنه أن يوجد في مصر جوًّا صالحًا لحياة صالحة. وما رأيك في جوّ سياسي قوامه الإشاعات المضطربة المختلطة، التي تدعو إلى الريبة وسوء الظن، وتُلقي في روع المصريين والأجانب معًا أن شيئًا يجري خلف ستار، هو بالمؤامرة أشبه منه بالمفاوضة؟
أما الموقف الثاني من المواقف المريبة التي تقفها الحكومة فبإزاء الدين. فقد زعمت الحكومة أن رئيسها وُفِّق إلى إقناع الدول الأوروبية بوجهة النظر المصرية، كما يقولون، وعاد رئيس الوزراء من أوروبا فتمدّح بهذا الفوز في شيء من الدلال والتيه، وفي لون من التلميح والتعريض، وفي تجنّب للصراحة والوضوح، كما يفعل أصحاب الكفايات السياسية العليا. ثم ظهر أنه لم يوفّق إلى شيء. فأوفد صاحب السعادة عبد الحميد بدوي باشا إلى إيطاليا وفرنسا وإنجلترا ليجدد الحديث في هذا الموضوع، وقيل إنه وُفِّق إلى شيء كثير، ثم قيل إنه لم يوفّق إلى شيء.
ثم صدر حكم المحكمة المختلطة فغضب الناس جميعًا، وأعلن رئيس الوزراء أنه لن يدفع إلا ورقًا، ولكنه لم يتخذ إلى الآن وسيلة من الوسائل ليثبت للناس أنه يريد أن يفعل كما قال.
ومن هنا ابتدأت الريَب والشكوك في نفوس المصريين والأجانب معًا: أيريد رئيس الوزراء أن يلائم بين قوله وفعله فلا يدفع إلا ورقًا؟ أم هو يريد أن يطاول ويماطل لتهدأ ثائرة الشعب، ثم ينزل بعد ذلك عند ما يريد الدائنون؟
فإن تكن الثانية، فإن المصريين معذورون حين يسيئون الظن ويتوقعون الشر، وينكرون الحكومة التي تخدعهم، والأجانب الذين يستغلونهم. والأجانب معذورون حين يضطربون بين اليأس والأمل، وبين الخوف والرجاء، وحين يترددون بين الذهب النضار، وبين ما قد يضطر إليه المصريون من بغضهم والتبرّم بهم.
وإن تكن الأولى، فما أبطأ الحكومة في اتخاذ قرار حاسم مريح! وما سببها إلى اتخاذ هذا القرار؟ أتريد أن تتخذه وحدها في غير مفاوضة ولا مناقشة؟ أم تريد أن تفاوض وتناقش؟ ومن تفاوض؟ أتفاوض الإنجليز وحدهم ليكونوا وسيلتها وشفعاءها عند الأمم الأخرى؟ أم تفاوض الدول الأخرى في غير وساطة من الإنجليز؟
كل هذه مسائل يخوض فيها الناس من المصريين والأجانب، فتثير في نفوسهم شكوكًا وريَبًا، وتخلق جوًّا رديئًا قوامه سوء الظن، وفساد الرأي، وضعف التعاون الذي يجب أن يكون بين الذين يعيشون على ضفاف النيل من المصريين والأجانب جميعًا. كلٌّ يرتاب بصاحبه، وكلٌّ يخاف من صاحبه، وكلٌّ يصدق فيه قول الشاعر القديم:
فإمّا أن تكون أخي بحق فأعرف منك غثّي من سميني
وإلّا فاطرحني واتخذني عدوًّا أجتويك وتجتويني
الموقف الثالث من هذه المواقف المريبة موقف الحكومة في شأن الامتيازات؛ فالمصريون جميعًا يكرهون الامتيازات، ويريدون أن يتخلصوا منها كما تخلّص غيرهم من الأمم الشرقية. وكانت الحكومة المصرية تصل مسألة الامتيازات بمسألة المفاوضة مع الإنجليز. فلما صدر حكم المحكمة المختلطة في مسألة الدين ظهرت مطالبات منظّمة بإلغاء الامتيازات فورًا، لم يخفَ عنها أحد من المصريين ولا من الأجانب المقيمين في مصر، بل عرف أولئك وهؤلاء من أين هبّت الريح. وقد بلغت الريح البرلمان، لكنها لم تلبث أن هدأت، فهدأت حاسة النواب والشيوخ، واستقرّت فاستقرّت حاسة تلك الجماعات التي كانت ترسل العرائض في كل يوم إلى الصحف. ولعل المصريين والأجانب جميعًا قد فهموا—أو كادوا يفهمون—كيف هبّت الريح وكيف استقرّت، ولكن استقرار هذه الريح لم يستتبع استقرار النفوس في البيوتات المصرية والأجنبية؛ فالمصريون ينتهزون الفرصة ليلحّوا في إلغاء الامتيازات، والأجانب يقفون موقف الدفاع حينًا، وموقف الهجوم المنكر حينًا، وموقف الريبة والخوف على كل حال.
وليس من مصلحة أيّ إنسان أن يكون الخوف والريبة والبغض قوام الصلات بين المصريين والأجانب. ولا يقف الأمر عند هذا الحد؛ فهذه جريدة «الديلي» تشير إلى هذه المواقف الثلاثة التي تقفها الحكومة المصرية في الدين، والمعاهدة، والامتيازات، فيظهر في إشارتها الشك والارتياب أيضًا. فليس الشك مقصورًا إذن على المقيمين في مصر، وإنما يتجاوزهم إلى أوروبا وصحفها الكبرى.
ومع ذلك فليس هناك موقف أصرح ولا أوضح من موقف الأمة المصرية الطبيعي بإزاء هذه المسائل الثلاث؛ فهي فيما بينها وبين الإنجليز تريد استقلالًا شريفًا لا لبس فيه ولا غموض، وهي فيما بينها وبين الدائنين تريد أن تدفع بنقدها كما تفعل الأمم التي لا تزال معتزمة أداء ما عليها من دين، وهي فيما بينها وبين الدول صاحبات الامتيازات تريد أن تلغي هذا النظام العتيق، وأن تلغيه في غير مواربة ولا عداء.
فما الذي يمنع الحكومة أن تقف من هذه المسائل موقفًا صريحًا واضحًا كموقف الأمة، فتزيل الشكوك وتمحو الريَب؟ الذي يمنعها شيء يسير لا تحفل به، ولكنه قوام الحياة الصالحة في كل دولة تقدّر كرامتها: وهو أن الصلة قد انقطعت بينها وبين الأمة؛ فهي تسيء الظنّ بالشعب وتخاف منه على كل شيء، والشعب يسيء الظنّ بها ويخاف منها على كل شيء. والغريب مع ذلك أن يعتقد بعض الأجانب من الإنجليز وغير الإنجليز أنهم يستطيعون أن يتفقوا مع هذه الوزارة على شيء ضئيل أو عظيم.
كوكب الشرق ٢٨ – ٣ – ١٩٣٣ -
محاولة
محاولة
أما أن رئيس الوزراء قد أخفق في تنفيذ الخطة السياسية التي رسمها لنفسه ، أو التي رُسمت له يوم ألّف الوزارة منذ ثلاثة أعوام ، فذلك شيء لا شك فيه ، لا بالقياس إلى الذين يعارضونه ويخاصمونه ، بل بالقياس إلى الذين يؤيدونه وينصرونه ، وبالقياس إليه هو .
الذين يعارضون رئيس الوزراء لم يشكّوا لحظة في أن إخفاقه محتوم ، وفشله أمر لا بدّ منه ، لأنه أقام سياسته على إكبار كفايته الخاصة أكثر مما ينبغي ، وإصغار شأن الأمة إلى حدّ لا تقبله الكفاية الصحيحة حقًّا . ومن أقام سياسته على إكبار نفسه وإن كان فردًا ، وإصغار خصمه وإن كان أمة كاملة ، فهو مخفق من غير شك .
وقد أخذ المعارضون لرئيس الوزراء يلاحظون سياسته ، ويتابعون خطواته في تنفيذ هذه السياسة ، ويبتسمون لهذه الخطوات التي كان يراها هو انتصارًا ، ويراها معارضوه إمعانًا في طريق الإخفاق والخذلان . فلا هم اغترّوا بهذه الخطب الطوال التي كانت تُحشد ، ولا بالوفود التي كانت تُرسل ، ولا بتأليف ما سمّاه حزب الشعب ، ولا بإنشاء ما سمّاه جريدة الشعب ، ولا بما رآه فوزًا في الانتخاب ، ولا بأسفاره وإقاماته ، ولا برحلاته إلى أوروبا وعودته منها ، وزياراته للعواصم ومقابلته للوزراء ورؤساء الحكومات ، بل للبابا .
لم يغترّوا بشيء من هذا ، لأنهم قدّروا — ومن الحق على كل إنسان له حظّ من الفطنة أن يقدّر — أن الفوز الصحيح الباقي المنتج في هذه الأيام لا سبيل إليه إلا أن يعتمد رجال السياسة على الأمم والشعوب ، لأنها وحدها القوام الثابت لكل سياسة عملية .
ولم يكد يعود صدقي باشا من أوروبا حتى كان فوزه الموقوت قد انتهى إلى غايته ، ولم يبقَ بدّ من أن يتحوّل هذا الفوز شيئًا فشيئًا إلى الفشل والإخفاق . وقد داور صدقي باشا ما استطاع أن يداور ، وأخفى ضعفه ما وجد إلى إخفائه سبيلًا ، ولكنه لم يخدع أحدًا ولم يخفِ شيئًا .
وما هي إلا أن اعترف هو بهذا الإخفاق في كتاب الاستقالة الذي رفعه إلى حضرة صاحب الجلالة الملك ليتخلّص من زملائه الذين خالفوه في سياسة الحكم . فقد كانت هذه الاستقالة نفسها اعترافًا واضحًا بالفشل ، وأي فشل أشدّ ، وأي إخفاق أعظم من أن يعجز رئيس الوزراء عن أن يقنع زملاءه وأقطاب وزارته بسياسته ، ويضطرّ إلى أن يستقيل ليتخلّص منهم ، وإلى أن يعترف بهذا كله في كتاب الاستقالة ؟
وقد رقّع صدقي باشا وزارته كما استطاع ، ولكن لم يستفد من هذا الترقيع شيئًا . فنزع الرقعة التي ألصقها بوزارته في يناير ، ووضع مكانها رقعة أخرى منذ أيام ، وكان هذا الترقيع الأخير تسجيلًا آخر لهذا الإخفاق .
وأنصار رئيس الوزراء يدورون مع رئيس الوزراء ، فهم يردّدون ما يقول ، ويكتبون ما ينطق به ، فيعلنون الفوز إن أعلنه ، ويلطّفون اعترافه بالإخفاق حين يعترف به . وربما كان تسجيل هذا الإخفاق هو الشيء الوحيد الذي اتفق عليه رئيس الوزراء وأنصاره وخصومه جميعًا في وقت واحد ، ولكنهم لا يكادون يتفقون على هذا الإخفاق حتى يختلفوا في المسلك المحرِج منه والتخلّص من أثقاله وآثاره .
فأمّا رئيس الوزراء وأنصاره فيخيّل إليهم أن الترقيع وسيلة من وسائل التخلّص من هذا الفشل ، فهم يرقّعون ويرقّعون ، وهم يكسبون الوقت وينتظرون ما تدور به الأيام .
وأمّا معارضوه وخصومه فيرون أن كل شيء قد دلّ دلالة قاطعة على أن وزارة صدقي باشا لم تكن صالحة للبقاء ، ولم تصبح الآن قادرة على محاولة البقاء ، وأن من العبث أن تتحدّى طبيعة الأشياء وتقاومها . وأنت تعلم حق العلم أنك مهما تؤيّدك القوى الظاهرة والخفية ، فلن تستطيع أن تثبت لطبيعة الأشياء ولا أن تتغلّب عليها .
وإذن فلا مخرج من هذا المأزق الذي اضطرّ إليه صدقي باشا ، وورّط فيه سياسة بلده ، إلا أن يستقيل ، ويدع هذه السياسة لمن هم أقدر منه على تصريفها والنهوض بأعبائها . وحسبه أنه قد أخّر رقيّ وطنه ثلاثة أعوام ، وحسبه أنه قد أضاع على بلاده كثيرًا من الفرص كانت تستطيع أن تنتهزها لتتقدّم خطوات واسعة في سبيل الإصلاح ، وحسبه أنه قد امتحن بلاده ، وأسرف في امتحانها ، وقد فتن أمته وغلا في فتنها ، فأظهر مواضع للضعف ما كان ينبغي أن تظهر مشوّهة قبيحة على هذه الحال .
ولكن رئيس الوزراء يحبّ الحياة لوزارته ، كما يحبّ كل إنسان لنفسه الحياة ، فهو يماطل ويداور ، ولا يريد أن يتعجّل فيقصي نفسه عن الحكم ، وإنما يريد أن تقهره الظروف القاسية فيدع الحكم كارهًا لا طائعًا . وهو يعلّل نفسه بالأماني ، ويذهب المذاهب المختلفة في إطالة مدّته في الحكم ، ولعله لا يعدم من الإنجليز الذين غلوا في تأييده وإعانته من يشاركه في الرأي ، ويقاوم معه طبيعة الأشياء ، ويدفعه إلى التعلّق بالحكم حتى يضطرّ إلى تركه اضطرارًا .
وكذلك وضع رئيس الوزراء نفسه في هذا الموضع المؤلم الذي يثير الإشفاق والرحمة حتى في نفوس خصومه ومعارضيه ؛ فهو ضعيف قد فقد كل حيلة في التماس القوة على النهوض بأعباء الحكم ، وهو مريض في حاجة شديدة إلى الراحة ، وهو رغم ضعفه السياسي ، ورغم مرضه ، متعلّق بالمنصب ، حريص على البقاء فيه .
والناس يقولون (ومن الكتاب السياسيين من يوافقهم على ما يقولون ولا يتحرّج في إظهار شيء من الرضى والأمل بما يقولون) إن في الحركة الإدارية التي أحدثت أمس تمهيدًا لتغيير السياسة الصدقية التي قام على فسادها ألف برهان وبرهان . فقد يظهر أن نقل المديرين من إقليم إلى إقليم إنما هو توسعة على هؤلاء المديرين في أن ينهجوا في السياسة نهجًا رفيقًا ، غير النهج العنيف الذي دفعهم إليه عنف صدقي باشا ، وإيثاره لإظهار القوة والبأس . فقد يكون من العسير على مدير أسيوط السابق أن يلين بعد شدة ، ويخف بعد عنف ، دون أن يعرض كرامته وهيبته لدى الناس . وقد يكون الابتسام على ثغور الناس لا يصور دائمًا الاحترام ، وقد يصور ما هو نقيض الاحترام ، لذلك نقل إلى الغربية ليكون رفيقًا شفيقًا بعد أن كان عنيفًا مسرفًا في العنف . وأرسل إلى أسيوط مدير البحيرة السابق ليظهر فيها من اللين والمصانعة ما لم يكن يستطيع أن يظهره مديرها السابق . وقل مثل هذا في سائر المديرين الذين شملهم التغيير والتبديل .
وقد يكون هذا حقًّا ، وقد يكون صدقي باشا قد رأى أو رُؤِيَ له أن من الخير أن تتغيّر السياسة في الأقاليم ، وأن يؤخذ الناس بالحسنى ، وتنجلي عنهم غمرة العذاب الذي أخذهم من كل مكان ، لتهدأ ثورة النفوس ، وليخفّ ما أشعرته القلوب من بغض للحكام . ولكن الشيء الذي ينبغي الوقوف عنده إن كان هذا الكلام صحيحًا هو أن الحكومة كانت أشد رعاية لنفسها ولمديريها منها لأهل الأقاليم . فهي تضنّ بمدير أسيوط على أن يكون رفيقًا بعد عنف ، ويلين بعد شدة ، وهي تؤثره بحبها وتحرص على كرامته وهيبته من الناس ، ولكنها لم تؤثر هؤلاء الناس بعطفها ورحمتها ، ولم تحرص على كرامة هؤلاء الناس أن يمتهنها مدير أسيوط بما كان يصب عليهم من عذاب فيه الإيلام والإذلال معًا . هي تخاف على المدير من ابتسامة الناس ، ولا تخاف على الناس من عبوس المدير .
كرامة موظفيها أعز عليها ، وآثرها عندها من كرامة الأمة التي إنما أقامت الحكومة لتخدمها وترعى مصالحها ؛ لا لتسخّرها لأنواع الذل ، ولا لتؤثر عليها أفرادًا من الموظفين . ومعنى هذا أيضًا إن صح ما يقوله الناس ، وينتظر الخير منه بعض الكتاب السياسيين ، أن الحكومة تعبث بعقول الناس ، وتلاعب الأمة كما يلاعب الرجل الطفل الصغير .
كان أهل أسيوط يضيقون بمديرهم فينقل هذا المدير ، ويرسل إليهم مدير آخر ، ويخيّل إلى الحكومة أنها قد أرضت أهل أسيوط ، ولكن أهل أسيوط جزء من الأمة المصرية ، لأن أسيوط جزء من أرض مصر . وإساءة مدير أسيوط إلى أهل إقليمه كانت إساءة إلى الأمة المصرية كلها . فانقلوه من أسيوط ، وضعوه حيث شئتم من الأرض ، فلن يغيّر ذلك من الأمر الواقع شيئًا ، والأمر الواقع أن هذا المدير وأصحابه لم يسيئوا إلى أهل أقاليمهم وحدهم ، وإنما أساءوا إلى الأمة كلها ، لأنهم أساءوا إلى القانون الذي كُلِّفوا تنفيذه ، وإلى النظام الذي كُلِّفوا حياطته ، وإلى العدل الذي كُلِّفوا القيام على حمايته . وقد ذهب العصر الذي كانت الحكومات تفرّق فيه بين الأقاليم ، وترى أن الإساءة إلى أحدها لا تمس غيره .
ذهب هذا العصر ، وأصبح كل فرد من أبناء مصر يصوّر الأمة المصرية كلها في حقه على الحكومة من الحماية والرعاية . ولم تبقَ الأقاليم إلا وحدات إدارية ليس غير . وأكثر من هذا أن نقل المديرين أو عزلهم أو محاكمتهم ، كل ذلك لا يغيّر من الأمر شيئًا ما دام الذي بسط أيدي المديرين على الناس مستأثرًا بالحكم ، قادرًا على أن يبسط أيديهم مرة أخرى . فليس الذي يهدئ ثورة النفوس ويلطّف حدة القلوب هو أن ينقل مدير أو يعزل ، وإنما هو أن تستقيل الوزارة أو تُقال .
إن الذين يظنون أن هذه الحركة الإدارية قد تكون تمهيدًا لسياسة جديدة تسلكها الوزارة القائمة يخطئون خطأ قبيحًا جدًّا ، ويقيمون أوضح الأدلة على أنهم لم يفهموا الشعب المصري بعد . فالشعب لا يُخدع من الآن بالصور والأشكال ، والشعب لا يرضى بأن يُنقل مدير مكان مدير ، وإنما يريد الشعب أن تجتثّ هذه السياسة من أصلها ، وأن تتخلّى الوزارة القائمة ليأتي مكانها قوم آخرون ، لا يبسطون أيدي المديرين على الناس إلا بالخير . وأغرب من هذا أن من الكتاب السياسيين من عظم حظهم من خصب الخيال وبعده ، فهم يقدّرون أن هذه الحركة الإدارية تمهيد لتغيير السياسة الإنجليزية المصرية كلها ، ولإقامة وزارة مكان وزارة . وإذن فما أقوى رئيس الوزراء على نفسه ، وما أحراه بالإعجاب والإكبار ، وما أقسى هؤلاء الذين يوحون إليه ويملون عليه ، ويدفعونه إلى أن يمهد لخصومه الذين سيخلفونه ويعفون آثاره في سياسة الدولة .
هذا كثير على رئيس الوزارة ، فما علمنا أنه قد بلغ من الإيثار هذا الحد إلا أن يكون لهذا التغيير المنتظر قوام آخر ، هو الذي أشارت إليه النيو إيست أخيرًا ، وهو توسيع الائتلاف وإضافة رؤوس أخرى إلى رأس الوزارة القائمة . وإذن فما أجدر هذا التغيير بأن يلقى نفس الإخفاق الذي لقيته وزارة صدقي باشا .
قد تخطر في عقول الساسة حلول مختلفة للموقف السياسي في مصر الآن ، ولكن الشيء الوحيد الذي لا بدّ منه لأي حل يراد أن ينظر فيه نظر جد وتفكير هو أن يتنحّى رئيس الوزراء عن سياسة الدولة الآن ، وما أشد حاجته إلى أن يعتزل السياسة في هذه الأيام ويستريح .
كوكب الشرق ٢٤ – ٣ – ١٩٣٣ -
إقدام
إقدام
ولكنه إقدام خطر ، قد يجرّ إلى الشر ، وينتهي إلى ما لا يحبه المُقدِمون أنفسهم ، وقد لا تحتمله أيضًا صحة هذه الوزارة التي أخذتها العلل من أطرافها المختلفة فأعجزتها عن النهوض بجلائل الأعمال ، سواء أكانت هذه الأعمال نافعة أم ضارة .
نعم ، إقدام خطر مريب معيب ، هذا الذي أخذت تظهر آثاره وبوادره على أعمال الإدارة في الصعيد؛ فقد كانت الإدارة هادئة في أسوان ، وكانت مستقرة ، تسمع وترى ، وتتألم وتغضب ، ولكنها لا تضطرب ولا تسرف في الاضطراب ، بل تُخلي بين الناس وبين أنفسهم ، يحسون ويشعرون ، ثم يعبّرون عما يجدون من حسٍّ وشعور ، فيحتفلون ويصفقون ويهتفون ، وكل شيء هادئ ، والنظام مستقر ، إلا أن يكون إظهار الشعور والاستمتاع بالحرية الطبيعية التي يكفلها الدستور خروجًا على النظام ، وتكديرًا للصفو والهدوء .
كانت الإدارة هادئة مطمئنة في أسوان حين زارها الرئيس الجليل ، فلم يحدث أو لم يكد يحدث شيء ذو بال ، ولكن أشد الأحلام رزانة قد يخف ، وأعظم الأحلام ثقلًا قد يطيش . ويظهر أن صبر الإدارة محدود مهما يطل ، وأن حلمها ضيق مهما يتسع ، وأنها قد ترى ما تكره هي ، وإن لم يكرهه الدستور ولا القانون ولا النظام ، فتحتمله ساعة أو ساعات ، وتصبر عليه يومًا أو أيامًا ، ثم لا تلبث أن تتنكر له وتثور به ، وتعرض للناس تأخذهم بكظم الحس ، وكتمان الشعور ، والتنزّل عن حقهم الطبيعي في أن يغدوا ويروحوا ، ويأتوا من الأمر ما يحبون لتكريم من يحبون .
يظهر أن الإدارة لا تستطيع أن تمضي في الصبر والاحتمال إلى مدى بعيد ، وهي بذلك تقيم أوضح الأدلة وأقواها على أن كفايتها للنهوض بما تنهض به من الأعمال عُرضة للشك وموضع للريب .
فليس الحكم بطشًا ولا عسفًا ، وليس الحكم تحدّيًا ولا تصدّيًا ، وليس الحكم إظهار القوة والبأس ، وإنما الحكم صبر واحتمال ، والحكم احتياط للطوارئ ، واستعداد للحوادث ، لا تعجّل لها ولا إثارة للناس إلى أحداثها .
نعم ، ليس الحكم بطشًا ولا عسفًا ، وإنما الحكم هو هذه القدرة التي تمكّنك من أن تلاحظ وتراقب ، وأنت هادئ مطمئن ، وأنت قوي مستعد لدفع الشر إن وقع أو خفت وقوعه .
وكل شيء يدل على أن الإدارة لو أخذت بأصول الحكم هذه ، فهدأت واستقرت ، واكتفت بالاستعداد للطوارئ ، ولم تتورط في إثارتها ، لم يحدث شيء ، ولم يتعرض فرد أو جماعة لمكروه . ولكن هذا — كما قلت — شيء ليس باليسير فيما يظهر ، وهو لا يكون يسيرًا ولا ممكنًا إلا يوم تحيا الأمة والحكومة حياة واحدة ، وتشعران شعورًا واحدًا ، وتشتركان اشتراكًا صحيحًا في المنافع والآمال والمثل العليا .
هنالك تستطيع الأمة أن تعيش حرة ، وتستطيع الحكومة أن تحمي هذه العيشة الحرة ، مؤيدة لها ، مقوية لما فيها من أسباب الحياة وعناصر الحرية .
ولكن الأمر في مصر على غير هذا من كل الوجوه؛ فللأمة حياتها وآمالها ، وللحكومة حياتها وآمالها ، وبين هذين النوعين من الحياة والآمال آماد بعيدة لا سبيل إلى تقصيرها أو تقريبها .
تريد الأمة أن تحيا حرة ، وتأبى الوزارة إلا أن تقصّ من جناح هذه الحرية . تحب الأمة من تحب من الزعماء ، فتلقاهم فرحة بهم ، مستبشرة بلقائهم ، مؤمِّلة فيهم ، وتكره الوزارة هؤلاء الزعماء الذين تحبهم الأمة وتعقد بهم الآمال . تكرههم الوزارة فتحول بينهم وبين الحركة والانتقال إن وجدت من نفسها القوة على ذلك ، وتدعهم وما يريدون إن عجزت عن أن تحبسهم في بيوتهم ، ولكنها تتنكر وتتنمّر وتتحدى وتتصدى ، وتظهر من ألوان الشدة ومظاهر القوة والبأس ما يثير ويغري بالشر ، حتى إذا وقع الشر أو كاد ، اتخذت من هذا سبيلًا إلى مصادرة حرية الزعماء والناس ، وحجة على أن استقرار النظام في حاجة إلى أن تستقر الأمة فلا تحس ولا تشعر ولا تعيش !
ما هكذا يكون الحكم ، وما هكذا يكون إقرار النظام . ما هذه الأنباء التي أخذت ترد من الصعيد بالاصطدام بين الناس والشرطة في الأقصر ، وبتحطيم سيارات وإصابة أفراد من الناس والشرطة بجراحات ، ومن محاصرة بيوت واقتحام أخرى ، ومن استصدار أوامر من النيابة بالقبض على بعض الناس ؟ ما هذا كله ؟ وفيم هذا كله ؟ ولأي خطر تتعرض البلاد لتقف الإدارة من الناس هذا الموقف ، وتثير شعورهم على هذا النحو ؟
ما وضع المحطات تحت الحصار ؟ وما مرافقة الرئيس الجليل وصاحبه في القطار ؟ أتريد الحكومة أن يشعر الناس أنها قوية ، وأن لديها شرطة مسلحة بالبنادق والعصي ، وأن هذه الشرطة قادرة على تفريق المجتمعين وتبديد المحتفلين وإسكات الهاتفين ؟ فإن أحدًا لم يشك في أن للحكومة شرطة وجيشًا ، وفي أن عندها بنادق وعصيًّا ، وفي أن من وراء هذه الشرطة وهذا الجيش جيشًا آخر قويًّا أجنبيًّا مستعدًّا للنصر والتأييد ، ولكن عمل الشرطة والجيش إنما هو أن يجيبا إذا دُعيا؛ فمن الذي دعاهما ؟ ومن الذي طلب إليهما أن يعرضا للناس وهم آمنون ؟
لم يشك أحد في أن الحكومة قادرة إن أرادت على أن تبطش بالناس ، وقد أرادت ذلك غير مرة فبطشت بالناس وأذاقتهم ألوانًا من المكروه ، ولكن الشيء الذي نشك فيه جميعًا — بل لا نشك فيه وإنما نوقن به — هو أن هذا البطش لا خير فيه ، وإنما هو الشر كل الشر ، والخطر كل الخطر .
لقد بطشت الحكومة بالناس غير مرة ، فكان القتلى وكان الجرحى ، وكانت الخطوب والأهوال ، ولم تظفر الحكومة بعد هذا كله ورغم هذا كله بشيء مما كانت تريد؛ فلا هي جذبت إليها قلوب الناس ، ولا هي هدأت عن نفسها سخط الناس ، ولا هي صرفت الناس عمن يحبون ، ولا هي زهّدت الناس فيما يحبون ، وإنما انتهت بها سياسة التحدي والتحرّش إلى عكس ما كانت تريد .
فما أحبّ الناس حريتهم كما يحبونها اليوم ، ولا حرص الناس على استقلالهم كما هم حريصون عليه اليوم ، ولا تعلقت قلوب الناس بدستورهم القديم كما تتعلق به اليوم ، ولا وثق الناس بزعمائهم وقادتهم كما يثقون بهم اليوم ، ولا يئس الإنجليز من سياسة اللعب والدوران والعسف والبطش كما ييأسون منها اليوم ، ولا فشل حكم الإرهاب والإرهاق كما يفشل اليوم .
تستطيع الحكومة أن تنظر وأن تسمع حيث شاءت ومتى شاءت ، فلن ترى ولن تسمع إلا جبالًا من الحرية لا يشبهها حب ، ولا كلفًا بالديمقراطية الصحيحة لا يشبهه كلف ، وازدراءً للخطوب ، واستخفافًا بالصروف ، واستعدادًا للصبر واحتمال المكروه .
لم يصل اليأس بعد ، ولن يصل إلى قلوب الناس . فما تعلق الحكومة بما لا سبيل إليه ؟ وما تهالك الحكومة على ما لا خير فيه ؟ هذه الأمة تحيا حياتها هادئة مطمئنة ، تنظر إلى الحوادث صابرة عليها ، معتصمة بإيمانها ، واثقة بالمستقبل ، معرضة عن الحكومة ، تاركة لها تسلك طريقها المعوج . فما للحكومة لا تحيا هي الأخرى حياتها ، ولا تدع الأمة وما تريد ؟
نعم ، في مصر حياتان مختلفتان: إحداهما حياة أمة كلها أمل ، فهي تصبر وتبتسم؛ والأخرى حياة وزارة كلها يأس ، فهي تغضب وتتنكّر ، وهي تهيج وتثير الناس . وأي غرابة في أن يضيق من يملأ قلبه اليأس بمن يملأ قلبه الرجاء ؟
إقدام خطر هذا الذي تظهر آثاره في الصعيد ، خير منه الإحجام . ما أشد حاجة الوزارة إلى أن تفكر في نفسها ، وتعنى بصحتها ، وتعالج هذا الشلل الذي أصاب أطرافها ، وتفرغ لهذا المرض الذي دبّ في أجزائها؛ فإن في هذا كله ما يشغلها عن زيارة الرئيس الجليل وصاحبه للصعيد .
لتتفرغ الحكومة لشؤونها الصغيرة والكبيرة ، ولتطمئن ، فلن يتعرض النظام ولا الأمن للخطر ، ولا لما يشبه الخطر ، إذا أخذت هي رجال الإدارة بالهدوء ، وكفّت هي يد الإدارة عن الناس .
إن استقرار النظام رهين باستقرار الإدارة ، فإذا لم يكن بدّ من أن تعمل الحكومة شيئًا ، فلتجذب إليها بشدة لجم الإدارة ، فقد يظهر أن في خيل الإدارة ميلًا إلى الجموح . -
خلاف
خلاف
نعم، خلاف في ظل الائتلاف، وشقاق تحت جناح الوفاق، وخصام في أحضان السلام. ولم لا؟ وأين وُجد الإخوة الذين لا يختلفون؟ ومتى رأيت الأشقاء الذين لا يختصمون؟ وإنما الحياة سبيل إلى اتفاق الرأي حينًا واختلافه أحيانًا، ولا سيما حين تكثر المغريات، وحين تتيح الحظوظ للأصدقاء الأصفياء أن يقوى بعضهم ويضعف بعضهم الآخر، وأن يعز منهم فريق ويذل منهم فريق، وأن تمتلئ أيدي جماعة منهم بالخير، وتصفر أيدي جماعة أخرى من كل شيء.
والأحزاب المؤتلفة في الحكم إنما تتألف من أفراد، فيهم فضائل الناس ونقائصهم، فهم يتفقون على المصالح العامة التي لا تعني أشخاصهم، وهم يختلفون عند المصالح الخاصة التي يمكن أن يفيدوا منها مالًا أو جاهًا، قليلًا أو كثيرًا.
وآية ذلك أن المؤتلفين في الحكم لم يختلفوا لحظة في إقامة الخزان، لأن إقامة هذا الخزان واضحة النفع لمصر، جلية الفائدة للمصريين؛ ستحمل إلى أرض مصر الخصب، وستكفل لأهل مصر الثراء. وخزانة مصر قادرة على إقامة هذا الخزان، لديها من المال أكداس مكدسة، تستطيع أن تنفق منها بغير حساب دون أن تخشى فقرًا أو تتعرض لإفلاس. ولا تصدق المستشار المالي، فهو إنجليزي يكره لمصر الخير، ويضمر لها الشر، ويأبى إلا أن يرى أرضها مقفرة مجدبة، وأهلها معوزين معدمين! وهو حين نصح الحكومة بألا تتعجل في إقامة هذا الخزان، وأظهر الإشفاق على خزانة الدولة، لم يفكر إلا في مصلحة الإنجليز الذين يكرهون هذا الخزان، ويخافون من إقامته في السودان!
فلتحذر الحكومة وليحذر البرلمان، وقد حذرت الحكومة فلم تحفل بالمستشار، ولم تلتفت إلى رأيه. ومتى حفلت وزارتنا القائمة برأي الإنجليز؟ ومتى قبلت وزارتنا القائمة نصيحة الإنجليز؟ وهي تشك فيهم كل الشك، وترتاب بهم كل الارتياب، وتأخذ نفسها منذ نهضت بأعباء الحكم بأن تكرههم على ما لا يريدون، وتجرعهم ما لا يستسيغون.
أعرضت حكومتنا عن نصيحة المستشار، وأعرض عنها البرلمان أيضًا، واتفق الحزبان المؤتلفان في هذا الإعراض كذلك، فلم يسألا عن رأي المستشار، ولم يحفلا به. ولم يسألا ويحفلا؟ والمستشار إنجليزي يجب أن يسوء به ظن الحزبين المؤتلفين اللذين لا يأمنان للإنجليز، ولا يحبان إلا إرغام الإنجليز على الاعتراف بما لمصر من كرامة وسيادة وحق.
وتحقق الائتلاف حول جبل الأولياء في أجمل صورة، وأروع شكل، وانتصر الائتلاف في هذه المسألة على خصمين عنيدين: أحدهما الأمة المصرية التي لا تريد هذا الخصب ولا ترغب فيه، والتي يجب أن تُكره على أن تكون أرضها خصبة رغم أنوفها، وعلى أن يكون أبناؤها أغنياء وإن كرهوا الغنى، لأن سادة الساعة وحكام اليوم أعرف بمصالح الأمة من الأمة، وأقدر على تحقيق منافع الشعب من الشعب! وما قيمة الوزارة وما غناؤها إذا لم تسقنا إلى الخير ونحن كارهون؟
والثاني هذا المستشار الإنجليزي الذي ائتمر بمصر مع حاكم السودان العام؛ فبينما كان الحاكم العام يجد في إقناع وزارتنا بالإعراض عن إقامة الخزان رحمة بالسودانيين، ورفقًا بهم، ورعاية لمصالح الإنجليز في السودان، كان المستشار ينصح الوزارة أن تعرض عن إقامة الخزان حماية لخزانة الدولة من الضعف، وميزانية الدولة من الاضطراب.
وقد عرف الحزبان المؤتلفان كيف يثبتان لهذين الخصمين، فيلقيان الأمة بالعنف والقهر، ويلقيان الإنجليز بالمهارة والمداورة، وبالإعراض والإغضاء.
وانتصر الائتلاف مرة أخرى حين أُثيرت سياسة التعليم، وحين عرف الحزبان المؤتلفان أن هذه الأمة الجاهلة الغافلة تريد أن يشيع التعليم على اختلاف فروعه بين أبنائها على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم، وأن انتشار التعليم على هذا النحو قد يمحو الجهل ويزيل الغفلة، ويشعر الأمة بحقها وكرامتها شعورًا قويًا خطرًا على طموح الطامحين، وعبث العابثين، واستئثار المستأثرين، واحتكار المعصومين للحول والطول والقوة والسلطان.
هنالك أحس المؤتلفون أن الائتلاف يتعرض للخطر، وهنالك اجتمعت كلمة المؤتلفين على أن ضيق التعليم خير من سعته، وعلى أن انبساط الجهل خير من انقباضه، وعلى أن حكم الشعب رهن بأن يظل الشعب جاهلًا غافلًا، وعلى أن العلم والفهم والكفاية والطموح إلى المثل الأعلى خصال يجب أن تكون مقصورة على الأغنياء وأشباه الأغنياء. وحسب أبناء الشعب أن يعملوا في المزارع والمصانع، وأن يظلوا رعية صالحة للتذليل والتسخير.
هنالك قوى الائتلاف وأُحكمت عقدته، وأيد الحزبان المؤتلفان وزير التقاليد، وانتصر الائتلاف أيضًا حين تعرض لهو الأجانب وعبثهم للخطر، وحين همّ بعض النواب بإلغاء معونة الأوبرا، وحين ظهر أن هذه الفكرة خبيثة: ظاهرها الرفق بخزانة الدولة، والعطف على الذين يؤدون الضرائب، ويلقون في أدائها صروف الجهد وألوان العناء، وباطنها حرمان الأجانب لذة مشاهدة التمثيل، والاستماع للغناء، والاستمتاع بالرقص. وكيف يستقيم الأمر إذا حُرم الأجانب ما يطمحون إليه، ويطمعون فيه من هذه اللذة المترفة، تضاف إلى ما يستمتعون به من تفوق على المصريين في كل شيء، وامتياز من المصريين في كل شيء؟ يجب أن يذعن المصريون، ويجب أن يلهو الأجانب! وعلى ذلك تمت كلمة الائتلاف، وحول ذلك أُحكمت عقدته.
وتستطيع أن تطمئن وأن ترضى، فلن يتعرض الائتلاف لخطر ما دامت المصلحة العامة الجلية الواضحة تدعو إلى قوته واستحكام أمره.
أما حين تعرض المسائل التافهة التي لا خطر لها ولا غناء فيها، فجائز، بل واجب، أن يختلف المؤتلفون، ويفترق المتفقون، ويتصدع الائتلاف اليوم ليرأب صدعه غدًا.
انظر إلى الحزبين المؤتلفين يشتد بهما الخلاف حتى ينذر بالخطر العظيم، وحتى يجد الوزراء في التوفيق، وحتى يخرج الأعضاء على قرارات الأحزاب، وحتى يستقيل بعضهم أو ينذر بالاستقالة، لأن مجلس النواب في حاجة إلى وكيلين، والحزبان المؤتلفان يطمع كل منهما في أن يكون منه الوكيلان دون صاحبه.
هذه مسألة يسيرة لا خطر لها في حقيقة الأمر؛ فسواء على مصر أن يكون الوكيلان من حزب الاتحاد أو من حزب الشعب، وسواء على الإنجليز خاصة والأجانب عامة أن يكون الوكيلان من حزب الاتحاد أو من حزب الشعب؛ فسيقام الخزان، وسيُضيَّق التعليم، وسيكون التمثيل والرقص والغناء.
ولكن حزب الشعب شديد الطمع، لا يعرف حدًا لهذا الشره إلى التسلط والسيطرة، فلم يكفه أن يستأثر بالحكم ومناصب الوزارة، حتى يريد أن يحرم صديقه وشقيقه كل شيء.
وقد احتمل حزب الاتحاد من حزب الشعب أهوالًا ثقالًا؛ فرئيس حزب الشعب يقصي وكيل الاتحاد لهذا، ورئيس حزب الشعب يرقي الشعبيين إلى الوزارة، ويترك وزارة الداخلية فلا يضع فيها شعبيًا، ولكنه لا يضع فيها اتحاديًا أيضًا، وإنما يختار لها رجلًا يقال إنه بعيد عن الأحزاب. ثم يحتاج مجلس النواب إلى وكيلين، فإذا حزب الشعب لا يدع هذين المنصبين لحزب الاتحاد المظلوم، بل لا يدع له منصبًا من المنصبين، وإنما يريد أن يستأثر بهما جميعًا.
أوَإِذا تَكونُ كَريهَةٌ أُدعى لَها وَإِذا يُحاسُ الحَيسُ يُدعى جُندَبُ
نعم، كذلك أراد اللّٰه لحزب الاتحاد في هذه الأيام. واللّٰه يداول الأيام بين الناس، واللّٰه يذل أحزابًا ويعز أحزابًا، واللّٰه يجعل بعض الأحزاب رؤوسًا وبعضها أذنابًا. واللّٰه يثير في نفوس الاتحاديين وقلوبهم نارًا تتأجج، ولهيبًا يضطرم، لأنهم فرطوا في وكيلهم وخذلوه، ولو قد عرفوا كيف يؤيدونه وينتصرون له، لعرف هو كيف ينتصف لهم ويرد عنهم طغيان الحزب الصديق الشقيق.
كذلك يتحدث حزب الاتحاد إلى نفسه، وببعض ذلك يتحدث حزب الاتحاد إلى الناس. أما حزب الشعب فله الحكم، وعليه تبعات الحكم، فيجب أن يكون له الحظ الأوفر من منافع الحكم ومزاياه.
وما كان لحزب الاتحاد أن يسمو إلى مناظرته أو مخاطرته، وليس رئيسه بالذي يستطيع أن يثبت لرئيس حزب الشعب، وقد خذل وكيله فأصبح جسدًا بلا روح. فليقنع إذن بما أعطاه اللّٰه، وبما نزل له عنه حزب الشعب، وإلا فإن حزب الشعب قادر على أن يستبدل قومًا مكان قوم، وحزبًا مكان حزب. أليس يقال إن في مجلس النواب حزبًا ثالثًا؟ وإذن فليذكر حزب الاتحاد قول الشاعر القديم:
قدِّر لرجلك قبل الخطو موضعها فمن علا زلقا عن غِرَّةٍ زلِجا
وعلى هذا النحو يختلف المؤتلفون، ويفترق المتفقون. والأمة تنظر إلى هذا الائتلاف فتبتسم، وإلى هذا الاختلاف فتضحك، كما يبتسم ويضحك من ينظر إلى لعب اللاعبين. والأمة تعلم حق العلم أن اختلاف الحزبين لن ينفع، وأن ائتلافهما لن يفيد، لأنهما لا يملكان طاعة ولا إذعانًا لمن بيده الخيط، هذا الذي يستريح الآن في مينا هاوس١، والذي يترك الحزبين يلعبان لأنه متعب، أو لأنه سئم، أو لأنه يريد أن يلهو، حتى إذا فرغ من اللهو بلعب حزبيه، جذب الخيط فإذا الائتلاف قوي متين، وإذا الصلات بينهما على أحسن حال من المودة والصفاء.
كوكب الشرق ٢١ – ٣ – ١٩٣٣ -
ائتلاف
ائتلاف
لم أصدق في يوم من الأيام أن لرئيس الوزراء حزبًا سياسيًا يمكن أن يُسمَّى بهذا الاسم ، ولم أحسب في يوم من الأيام حسابًا لما يسمونه حزب الاتحاد ، ولم أعتقد في يوم من الأيام أن هذه الجماعات التي تُظهر الوزارة القائمة أنها تعتمد عليها وتعتز بها ، جماعات منظمة حقًا ، تقوم نظمها على أصل من أصول السياسة التي تسير الأمم والشعوب في طريق من طرق الرقي المعتدل أو المتطرف . إنما هي جماعات تتألف من أفراد لهم مآرب ومنافع ، يتحقق بعضها من تولي مناصب الحكم ، ويتحقق بعضها الآخر من الاتصال بالذين يتولون مناصب الحكم . فكل امرئ سمحت له الظروف أن يشرف على تدبير الأمور في مصر ، ووجد من الإنجليز رضا وتأييدًا ، أو إهمالًا وإغضاء ، فهو قادر على أن يؤلف هذه الجماعات ، وهو قادر على أن يفرقها ، وهو قادر على أن يعزها ويوليها النعمة والعطف ، ثم يظهر بعد ذلك أنه يعتز بها ويعتمد عليها . وهو حين يظهر ذلك يعلم حق العلم أنه لا يخدع أحدًا ، ولا يخيل إلى أحد صحة ما يظهر أو صدق ما يقول .
ولو أن رئيس الوزراء بدا له فرأى أن يتخذ أنصارًا وأعوانًا آخرين مكان من يسميهم اليوم أنصاره وأعوانه ، لما استطاع حزب الشعب أن يتنكر له ، ولما استطاع حزب الاتحاد أن يبدي له صفحًا أو يظهر عليه سخطًا . وآية ذلك أنه غضب على ثلاثة من أعوانه وزملائه السابقين؛ أحدهم كان وكيلًا لحزب الاتحاد ، وكان روحه وقلبه وعقله ، والآخران كانا — فيما يقول الناس — زعيمين عظيمين من زعماء حزب الشعب . غضب عليهم رئيس الوزراء فأخرجهم من وزارته ، ولم تنتطح في إخراجهم من هذه الوزارة عنزان ، كما يقول المثل القديم .
فأما حزب الاتحاد فأذعن ورضي ، ولم يكتف بالإذعان والرضا ، بل خذل وكيله ، ولفظ روحه ، وجاد بنفسه ، وقبل استقالة ماهر باشا من وكالة الحزب . وأما حزب الشعب فلم يتردد في الإذعان والرضا ، وإنما قدم الطاعة صاغرًا ، وخذل دوس باشا ، وقبل استقالة عبد الفتاح يحيى باشا .
وأستطيع أن أؤكد لك أن رئيس الوزراء قادر على أن يُلحق معالي حلمي عيسى باشا بزميله علي ماهر باشا ، وهو إن فعل لم يلق من حزب الاتحاد امتناعًا ولا إباء ، لأن حزب الاتحاد في نفسه لا يقدر على امتناع ولا إباء . وأستطيع أن أؤكد لك أيضًا أن رئيس الوزراء قادر على أن يُلحق سعادة علام باشا وصاحب العزة علي المنزلاوي بك بزميليهما السابقين توفيق دوس باشا وعبد الفتاح يحيى باشا ، دون أن يلقى من حزب الشعب إلا طاعة وإذعانًا ، وإلا شكرًا له وثناء عليه ، وابتهالًا إلى اللّٰه عز وجل أن يمد في عمره ، ويسبغ عليه ثوب الصحة والعافية ضافيًا فضفاضًا ، لأن حزب الشعب إنما وُجد برئيس الوزراء ، ولم يوجد رئيس الوزراء بحزب الشعب .
فلا تقل إذن إن في مصر الآن وزارة ائتلافية ، لأن مثل هذه الوزارة لا تقوم إلا إذا وجد حزبان أو أحزاب تستطيع أن تأتلف وتستطيع أن تختلف ، وتستطيع أن تسير سياسة الدولة ، وتستطيع أن تُنزل رئيس الوزراء على حكمها ، لا أن تنزل هي على حكم رئيس الوزراء . إنما في مصر وزارة صدقي باشا ، فهو الذي يجمع أصحابه ويفرقهم ، وهو الذي يرفع أصحابه إلى مناصب الحكم ، ثم يهبط بهم إلى منازل غيرهم من الناس ، وهو الذي يُحدث بين أصحابه الائتلاف ، ويصطنع متى أراد أن يُحدث بينهم الاختلاف .
فإذا كان صدقي باشا يستطيع أن يأتلف مع نفسه ويختلف ، فأنت تستطيع أن تقول إن وزارته ائتلافية ! إنما رئيس الوزراء صاحب شطرنج ، يقدم إلى رقعته ويؤخر كما يريد له فنه ومهارته في هذا الفن . ومتى رأيت قطعة أو قطعًا من أحجار الشطرنج تشير على اللاعب أو تتحدث إليه ، أو تخالفه وتنازعه فيما يخضعها له من تقديم وتأخير ؟
ولا تقل إن رئيس الوزراء مسؤول عن سياسة الدولة ، فله إذن أن يختار أعوانه ، وأن يتخفف منهم إذا ثقلوا عليه ، لأن احتمال التبعات يقتضي مثل هذا الحظ من الحرية في التغيير والتبديل ، وفي التقطيع والتوصيل . فإن رؤساء الوزارات لا ينهضون بالحكم ويحتملون التبعات نيابة عن أحزابهم ، فسياستهم رهينة برضا الأحزاب ، بحيث تستطيع هذه الأحزاب أن تأمرهم ، فإذا هم يتخلون عن مناصب الحكم في غير تردد ولا امتناع .
أفتستطيع أنت أن تتصور أن حزب الشعب يجتمع يومًا من الأيام فيعلن خطه على سياسة رئيسه ، أو يفعل ما هو دون هذا فيطلب إلى أحد وزرائه أن يدع منصبه ؟ أفتستطيع أن تتصور أن حزب الاتحاد يستطيع أن يجتمع يومًا فيطلب إلى من يمثله في الوزارة أن يدع الوزارة ؟ إذن لحُلَّ حزب الشعب وحزب الاتحاد ، أو لرفض الوزراء الذين تأمرهم أحزابهم بالاستقالة أن يستقيلوا ، ولغدوا إلى دواوينهم كل صباح ، وراحوا إلى بيوتهم كل مساء ، ولأضطر أعضاء الأحزاب أن يغدوا عليهم في الدواوين ، ويروحوا إليهم في البيوت معتذرين مستعطفين ، واعدين بأنهم لن يعودوا إلى مثل هذه الثورة الجريئة !
وعلى غير هذا النحو لا يستطيع إنسان له حظ من فهم أو تفكير أن يفسر هذا النشاط الخصب الغريب الذي يصطنعه رئيس وزرائنا في العزل والنقل ، وفي الإقالة وطلب الاستقالة ، حتى أصبحت وزارته الآن أبعد ما تكون عن وزارته يوم ألَّفها منذ أكثر من عامين .
ليس من الحق إذن أن الوزارة القائمة تمثل أحزابًا أو هيئات منظمة ، إنما الحق أن هذه الوزارة تمثل فردًا بعينه ، قد اجتمعت فيه هذه الهيئات التي يقال إن الوزارة تتألف منها ، وهو رئيس الوزراء .
ومع أن الذين يحكموننا في هذه الأيام إنما يصدرون في أكثر أعمالهم وأقوالهم عن فكرة واحدة ، هي أن الشعب قاصر ضعيف فيجب أن يكون أمره إلى الأوصياء لا إليه ، فقد فهم هذا الشعب القاصر منذ اليوم الأول حقيقة الصلة بين رئيس الوزراء وزملائه ، وبين رئيس الوزراء وهذه الهيئات التي زعم أنه يعتمد عليها ويعتز بها . فلم يصدق أنه يعتمد على حزب أو يعتز بجماعة مصرية منظمة ، وإنما استيقنوا أنه يعتز بهذه القوة أو بهذه القوى الخفية المسيطرة التي تحدثت عنها الأهرام منذ يومين . ولم ينتظر أن يكون ما قد يصيب الوزارة من خير أو شر أثرًا لرضا هذه الأحزاب أو سخطها ، وإنما انتظر أن تتأثر الوزارة بهذه القوة أو القوى التي أنشأتها وأيدتها ، وما زالت تؤيدها وتسيرها أيضًا .
وهذا وحده هو السبب في أن الذين يحبون الوزارة والذين يكرهونها لا ينتظرون لها البقاء ولا الانجلاء من رضا البرلمان عنها أو سخطه عليها ، وإن كان الدستور يجعل إلى البرلمان إبقاء الوزارة وإسقاطها ، إنما ينتظرون هذا أو ذاك من هذه القوة الخفية المسيطرة المدبرة التي تظهر في القاهرة حينًا ، وفي لندن أحيانًا .
والناس معذورون إذا فكروا في الإنجليز وانتظروا الخير أو الشر للوزارة من الإنجليز ، لأنهم لم يروا قط من البرلمان خلافًا على الوزارة ، أو مخاصمة لها ، أو ترددًا في تأييدها . ونادر جدًا أن تجري الأمور بين الوزارة والبرلمان على هذا الوفاق الغريب ، رغم العواصف العنيفة التي تعصف البلاد في هذه الأيام . وهذا أيضًا هو الذي أتعب الناس في فهم ما يسمونه الجو السياسي ، وفي التماس الرياح التي يمكن أن تهب فيه فتعصف بالوزارة أو تدفعها ذات اليمين أو ذات الشمال .
فلو كان الأمر عندنا كما هو في البلاد الدستورية الأخرى ، لما حفل أحد بسفر المندوب السامي أو إقامته ، ولا باجتماع اللجنة المصرية الإنجليزية أو افتراقها ، ولا بصمت الصحف الإنجليزية أو إكثارها في القول ، ولتجه الناس إلى البرلمان يلتمسون منه وحده فهم السياسة المصرية ، ويتعرفون فيه وحده جو السياسة المصرية .
على رئيس الوزراء وحده تقع هذه النتيجة المنكرة ، تبعة اتجاه المصريين إلى الإنجليز ينتظرون منهم الخير والشر . فلو قد سار في وزارته هذه السيرة الطبيعية التي تلائم الحياة الدستورية الصحيحة ، لنظر المصريون إلى أنفسهم أكثر مما ينظرون إلى الإنجليز ، ولأنتظر المصريون من أنفسهم أكثر مما ينتظرون من الإنجليز .
ماذا أقول ؟ لو سار رئيس الوزراء هذه السيرة المألوفة في البلاد الدستورية لما أقام في الحكم شهرًا .
كوكب الشرق ١٩\٠٣\١٩٣٣ -
خطأ
يظهر أن بُعد الدار يؤثر في تصور الناس الأشياء وحكمهم عليها ، وإن كانوا من أعلم الناس بها ، وأفهمهم لدخائلها ، كما أن بُعد أدوات الحس عن المحسوسات يضعف أثر الحواس بالأشياء .
فصديقنا محمود عزمي من أعلم الناس بمصر ، وبما يحدث فيها من الحوادث ، ومن يضطرب فيها من الناس . وهو كذلك عالم حق العلم بطبيعة الحياة والأحياء في هذا البلد ، ولكن عهده بوطنه بعيد ، وداره عن وطنه نازحة ، فهو يتصور الأشياء من بعد ، وينتظر من الناس أكثر مما كان ينتظر منهم لو أنه حديث العهد بهم ، مقيم فيهم ، يراهم كل يوم ويتحدث إليهم كل يوم ، ويرى وقع الحوادث في نفوسهم ، ويسمع تعبير ألسنتهم عن وقع هذه الحوادث ، واضطراب أصواتهم بما تجد نفوسهم من لذة وألم ، ومن نعيم وبؤس ، ومن سرور وحزن . ويحس في أثناء هذا كله ما تخفيه الضمائر الخفية من غيظ وسخط ، ومن رجاء ويأس . إذن لانتظر من الناس غير ما ينتظر منهم الآن ، ولطلب إلى طبيعة الأشياء غير ما يطلب إليها الآن .
فقد ابتسمت — كما تبتسم اليوم ابتسامة كلها مرارة وحزن عميق — حين رأيته ينتظر أن تكون الصحف الموالية للوزارة أشد من صحف المعارضة إلحاحًا على الحكومة في تغيير نظام السجون بالقياس إلى جرائم الرأي ، والإسراع إلى تحسين حال صديقنا توفيق دياب في سجنه .
ابتسمت ابتسامة كلها مرارة وحزن عميق؛ لأني عرفت أن عزمي بعيد عن مصر: لا يرى الناس فيها ، ولا يرى تأثر الناس بما حدث من الحوادث ، ولا فهمهم لهذه الحوادث ، ولا حكمهم عليها . وهو مع ذلك شديد التأثر ، كما كان دائمًا محبًّا للمثل الأعلى في التعاون والتضامن ، والطموح إلى الخير ، واحتمال التبعات في سبيله . فهو إذن ينتظر من الصحف الموالية للوزارة ما ينتظر الناس من الصحف الموالية للوزارات في أوربا: أن تذكر قبل كل شيء أنها صحف ، وأن الصحف إنما أنشئت لتدعو إلى الخير وتلح فيه ، فتسارع إلى الإلحاح على الحكومة في أن تقدر كرامة الرأي ، وتعامل توفيق دياب كما يعامل أمثاله في البلاد التي تقدر الحرية وكرامة العقل .
وهو إذن ينتظر من الصحف الموالية للوزارة ألا تتردد في الاستفادة من موالاتها للوزارة لتستغل قربها من الحكومة ، فتوجهه في سبيل الخير ، وتتخذه وسيلة لتحقيق العدل والبر والإنصاف الذي لا يختلف الناس فيه ، سواء كانوا من أنصار الحكومة أو من خصومها ومعارضيها .
هو ينتظر هذا كله ، ومن حقه أن ينتظر هذا كله ، لأن طبيعة الأشياء إذا استقامت وجرت على منهج معتدل من حب الحق والخير ، تقضي على الصحف الموالية للحكومة أن تقف من توفيق دياب ومن نظام السجون هذا الموقف الذي ينتظره منها صديقنا عزمي . ولكن طبيعة الأشياء قد التوت في مصر ، والمنهج الذي تجري عليه قد فسد واعوج . وصحف الوزارة لا تستطيع أن تكون أسرع من صحف المعارضة إلى المطالبة بتغيير نظام السجون ، والإصلاح من أمر توفيق دياب؛ لأنها قبل أن تفكر في الخير لنفسه مضطرة إلى أن تفكر فيما يمكن وما لا يمكن ، فيما يراد وما لا يراد ، ثم فيما يقال وما لا يقال .
هي مضطرة إلى هذا ، فليس من اليسير عليها أن تصارح الحكومة بالحق ، أو تلح على الحكومة فيما لا تحب . ولو قد فعلت لما لقيت من الحكومة خيرًا ، ولأعرضت عنها وجوه تحب أن تقبل عليها ، ولنزرت عنها أشخاص تحب أن يلقوها بالبشاشة والإيناس .
هي إذن مضطرة أن ترضي الحكومة قبل أن ترضي نفسها ، وقبل أن ترضي فكرة الصحافة . أتُلام في ذلك أم تُعذر عليه ؟ أما أصحاب الأخلاق الذين لا يريدون إلا الفضيلة والفضيلة وحدها فيلومون ، لأن الحق والخير يجب أن يتقدما على كل شيء ، حتى على رضى الحكومة عن صحف المعارضة . وأما العمليون ، والذين يريدون أن يلائموا بين المنفعة والخلق بهذه الأوضاع الاجتماعية التي نسميها مجاملة ، فهم يعذرون ، ويكتفون من صحف الحكومة بأن تختار لنفسها مكانًا وسطًا ، فتجامل صحف المعارضة ، وترفق بالحكومة فلا تسرف عليها بالإلحاح والإلحاف .
ولعلك لم تنس أن وزيرًا قائمًا اليوم كان صحفيًا أمس ، فكره أن يشارك الصحفيين فيما كانوا يطالبون به ، ولم يتحرج من إعلان ذلك والجهر به ، لأنه يؤثر أهواء الأحزاب على الخير من حيث هو خير ، والحق من حيث هو حق ، وعلى هذا العدل الذي يرتفع فوق خصومة الأحزاب كما يرتفع فوق المنافع كلها .
لو كان عزمي حاضرًا أمر القوم وهم يجتمعون ويتجادلون ، لعرف أنه يسرف حين يطلب إلى الناس أكثر مما يستطيعون . نعم ، إن المنفعة المحققة لصحف الحكومة تقضي عليها بأن تبذل ما تملك من قوة وجهد لإصلاح نظام السجن ، والترفيه عن توفيق دياب ، لأنها موالية اليوم للحكومة ، ظافرة بعطفها ، آمنة بطشها . ولكن من قصر النظر أن تؤمن لهذه الوزارة بالخلود ، فستزول هذه الوزارة من غير شك ، وستؤول أمور الحكم إلى المعارضة ، وستصبح صحف الوزارة القائمة صحفًا معارضة ، ومن يدري لعلها تحيد عن القانون ، ولعلها تضطر إلى السجن .
أفليس من الكياسة أن تهيئ لنفسها منذ الآن سجنًا رفيقًا لا تشقى به إذا اضطرت إليه ؟ ولكنك تستطيع أن تقنع صحف الحكومة بكل شيء إلا بأن وزارتها ستزول ، وأنها قد تتعرض لما تتعرض له الآن الصحف المحاصِمة للحكومة .
وليس يقف خطأ عزمي في تصور الأشياء والحكم عليها عند هذا الحد ، فهو يذكر أن إدارة السجون في إنجلترا تهتم لمرأى صحيفة للمجرمين ، وكأنه يتمنى أن تقرب حياة المجرمين السياسيين في سجون مصر من حياتهم في سجون البلاد الأخرى . ولو كان عزمي في مصر ، ورأى الوزراء وسيرتهم ، واستمع لأحاديثهم ولما يتحدث الناس به عنهم ، ورأى شجاعة النواب واستأسادهم على الصحف المعارضة حين تقع بعض الجرائم ، ثم فتورهم وتخاذلهم حين يطلب إليهم إصلاح نظام السجون ، لعرف أن الشاعر القديم لم يخطئ حين قال:
ومكلفُ الأيامِ ضدَّ طباعِها
متطلبٌ في الماءِ جذوةَ نارِ
كلا أيها الصديق ، لم تسرع صحف الوزارة ، ولن تسرع إلى ما أردت أن تسرع إليه من الخير ، ولم تظهر الحكومة والبرلمان ما تمنيت أن يظهرا من رغبة في نظام إصلاح السجون ، والترفيه عن المسجونين في سبيل الرأي . وأكبر الظن أن الأمر سيبقى كما هو الآن حتى يبدل اللّٰه من أحزاب أحزابًا ، وحتى يولّي القوم أمور هذه الأمة قومًا لا يتخذون الحكم وسيلة إلى التسلط والبطش ، ولا يرون السجن أسلوبًا من أساليب الانتقام ، ولا يفرقون في المعاملة بين الأولياء والخصوم ، ولا يعلنون في غير تورع ولا احتياط أن مصر قد بلغت من الرقي والحضارة ما بلغته غيرها من الدول الراقية المتحضرة ، ثم يرون في الوقت نفسه في معاملة المصريين ، والمصريين وحدهم ، أساليب هي أبعد ما تكون عن أساليب الحكم من الرقي والحضارة .
نعم ، وأكبر الظن أن توفيق دياب سيلقى ما يلقى في سجنه صابرًا كما عرفته ، جلدًا كما عرفته ، باسمًا للخطوب كما عرفته ، حتى يغير اللّٰه حالًا بحال ، ويجعل اللّٰه قومًا مكان قوم . فإذا لم يكن لك بد من أن تأمل وترجو وتنتظر الخير ، فاجعل أملك ورجاءك في اللّٰه وفي الأمة ، فإليهما وحدهما يكون الأمل والرجاء ، ومنهما وحدهما ينتظر الخير .
كوكب الشرق ١٨ – ٣ – ١٩٣٣ -
استقلال
استقلال
ولست أريد الاستقلال السياسي، فحديث الاستقلال السياسي لا ينقضي، ونحن فيه كل يوم حتى يتحقق هذا الاستقلال بالفعل، وحتى تصبح أمور مصر إليها حقا…
إنما أريد استقلال الجامعة، فقد يظهر أنه غير مفهوم على وجهه، إما لأن كثيرا من الناس حديثو عهد بالجامعات، وهم لا يكادون يعرفون من أمرها شيئا، وإما لأن فريقا من الناس يسرفون في خداع الجمهور وتضليله، ويصورون له الأمر على غير صورته الواقعة التي ترى في كل بلد له حظ من النظام الجامعي الصحيح. وإن شئت فقل إن هذين الأمرين جميعا هما العلة في أن الناس لا يفهمون استقلال الجامعة كما ينبغي أن يُفهم.
وهؤلاء الناس أكثر جدا مما تظن، فهم لا يقفون عند قراء الصحف وجماعة المثقفين الذين يستطيعون أن يتحدثوا في الأمور العامة، بل يتجاوزونهم إلى هؤلاء الذين جعلت إليهم الظروف أمور السلطة التشريعية في هذا البلد. فقد ظهر من الجدل اليسير الذي أثير حول الجامعة في مجلس النواب أن علم المشرعين بأمور الجامعة والنظم الجامعية ليس أصح ولا أوسع ولا أعمق من علم عامة الناس.
وظهر أن نوابنا أنفسهم ينقسمون إلى قسمين: فريق لا يعرف من أمر الجامعة شيئا، ولا يستطيع أن يعرف من أمرها شيئا، لأن حياته وتربيته وحظه من الثقافة لا تسمح له بأن يعرف من أمرها شيئا ذا بال. وفريق آخر قد يعلم أو يستطيع أن يعلم من أمر الجامعة شيئا، ولكن السياسة قد اضطرته إلى أن يُخفيَ علمه ويصوره تصويرا خاصا لزملائه النواب.
فمسألة الجامعة في مصر الآن كغيرها من المسائل سياسية قبل أن تكون علمية، وهي لا تقوم على النظر إلى العلم من حيث هو، وإنما تقوم على النظر إلى المنفعة السياسية للذين يشرفون على الأمور عندنا في هذه الأيام. وما دامت المسألة سياسية فالأمر فيها واضح جلِيّ، لا لبس فيه ولا غموض.
فأنت تعلم أن هناك مذهبين في السياسة يتنازعان السلطان في مصر: أحدهما مذهب الذين يحكمون الشعب للشعب، وآخر مذهب الذين يحكمون الشعب لأنفسهم قبل كل شيء، وبعد كل شيء، وفوق كل شيء. وأنت تعلم أن الذين يريدون أن يحكم الشعب لشعب بعيدون الآن عن السلطان، وأن الذين يحكمون الشعب لأنفسهم هم الذين قد جُعلت إليهم أمور الحكم. فمن الطبيعي إذن أن ينظروا إلى كل أمر من الأمور من حيث إنه يلائم مذهبهم في السياسة أو لا يلائمه.
وهم إذا نظروا إلى استقلال الجامعة من هذه الناحية لم يترددوا في أن كل استقلال يُترك للجامعة خطر عليهم، يقص من أجنحتهم، ويقلم من أظفارهم، ويقبض سلطانهم قليلا أو كثيرا. فلا بد إذن من أن يُضَيَّقَ حظ الجامعة من الاستقلال ما كان إلى التضييق سبيل. وكذلك فعلت الحكومة حين عدلت قانون الجامعة الذي أصدره البرلمان القديم، وكذلك فعل مجلس النواب حين أقر هذا التعديل منذ يومين أو ثلاثة كما كان يريد الوزير.
وأغرب ما في أمر هذا التعديل أن اللجنة البرلمانية في مجلس النواب درست هذا التعديل، ووضعت عنه تقريرا رفعته إلى المجلس، فخدعت نفسها، أو خدعها ممثل الوزارة أمامها عن نظام الجامعات في أوروبا. ونشأ عن هذا أنها خدعت مجلس النواب نفسه. وأكبر الظن أن كثيرا من أعضاء المجلس لم يقرأوا التقرير. ولم يقرأوه؟ وهم يثقون باللجنة، ويعلمون أنها لن تخدعهم ولن تخدع نفسها، ويثقون بالوزير ويعلمون أنه لن يطلب إليهم إلا ما ينبغي أن يُطلب، ولن يقول لهم إلا ما ينبغي أن يُقال، ولن يأتي من الأمر إلا ما يوصل إلى تحقيق السياسة التي ينبغي أن نخضع لها في هذه الأيام، وهي سياسة استئثار القلة الممتازة المعصومة بحقوق الكثرة الجاهلة الغافلة التي خُلقت للطاعة لا للحكم.
زعمت اللجنة في تقريرها، أو زُعم لها من ممثل وزارة المعارف، أن الجامعات الأوروبية إذا استمتعت بحظ عظيم من الاستقلال لا تستمتع به جامعاتنا، فذلك لأن هذه الجامعات غنية، لا تنفق عليها الحكومات، ولا تستمد أموالها من ميزانية الدول، فليس ينبغي أن يكون للحكومات عليها سبيل. وهذا (مع الأسف) غير صحيح إلا في بلاد الإنجليز.
فما لا شك فيه أن الجامعات الفرنسية مثلا تقوم على أموال الدولة، وقد توهب لها الأموال، ولكن هذه الهبات ليست شيئا بإزاء ما تنفق عليها الدولة في كل عام. وهي إذا ظفرت باستقلالها العظيم فإنما تستمده من السنن والتقاليد، وتستمده من فهم الحكومات بحاجة العلم الصحيح إلى الاستقلال، ولسمو الجامعات فوق الأهواء والشهوات الحزبية.
ومهما يكن من شيء فقد خيلت اللجنة إلى مجلس النواب أن الحكومة تنفق على الجامعة فيجب أن تسيطر عليها. ولم تفكر اللجنة ولم يفكر معها المجلس أن الحكومة تنفق على القضاء أيضا، وأنها لا تستطيع مع ذلك أن تشرع قانونا يمكنها من السيطرة عليه. فالحكومة لا تنفق على الجامعة ولا على القضاء من أموالها الخاصة، لأن الحكومة لا تملك مالا خاصا، وإنما تنفق على الجامعة والقضاء من أموال الأمة التي تملك وحدها أن تسيطر على كل شيء.
ونشأ عن هذا التصور الغريب أن الحكومة صاغت للجامعة قيدا مكرًا عبقًا ثقيلا، لم يلتفت إليه مجلس النواب، أو التفت إليه ولم يحفل به، ولن نجد له شبيها في بلد من بلاد الأرض. ولن تستحق الجامعة معه أن تسمى جامعة، ولا أن تكون جامعة مصرية وطنية، ولا أن تؤدي أمانة العلم الخالص الصحيح كما ينبغي أن تؤدي. وهذا القيد هو مجلس الجامعة كما يؤلفه القانون الجديد، وكما يوزع عليه الاختصاص والسلطان.
كانت الكثرة العظيمة في مجلس الجامعة، حسب القانون الذي أصدره البرلمان، تتألف من الجامعيين. فقد كان لكل كلية فيه ثلاثة: العميد وعضوان ينتخبهما مجلس الكلية انتخابا حرا لا يتقيد بشرط. فكان عدد الجامعيين في المجلس اثني عشر عضوا، يضاف إليهم المدير، وهو جامعي أو ينبغي أن يكون جامعيًّا على كل حال. فكان للجامعة ثلثا أعضاء المجلس، وكان هذا المجلس يقضي في أمور الجامعة كلها، لا راد لقضائه في كثير من الأشياء، وللوزير حق الاعتراض في بعضها، ولم يكن للوزير على كل حال أن ينفرد بالقضاء في أمر من أمور الجامعة.
أما الآن فلم يتغير عدد الجامعيين في المجلس ظاهرا، ولكنه في حقيقة الأمر قد أصابه تغيير خطر. فقد أصبح وكيل العميد عضوا في المجلس بحكم منصبه، وقد أخذ الوزير لنفسه حق تعيين الوكيل، فأصبح خاضعا للوزير خضوعا مباشرا، وأصبح عضوا في المجلس بالتعيين لا بالانتخاب. وأصبح العضو الآخر الذي يمثل الكلية مع العميد والوكيل في المجلس يشترط فيه أن يكون أستاذا ذا كرسيٍّ، وأن يؤخذ في المجلس حسب الأقدمية، فهو أيضا عضو معين.
ومعنى هذا أن أساتذة الجامعة قد حُرموا حق الانتخاب لمجلس الجامعة، أو ضُيِّقَ عليهم فيه، كما ضُيِّقَ على كثرة الشعب في انتخاب النواب. فالفكرة السياسية التي أشرفت على تعديل قانون الجامعة هي أن الانتخاب سلاح خطر، يجب أَلّا يُوضع في أيدي المصريين إلا بحساب، وفي ظل مراقبة شديدة، لأن المصريين، سواء منهم العلماء وعامة الشعب، أطفال لم يبلغوا سن الرشد بعد، فيجب أن تقوم الحكومة منهم مقام الوصي.
ولم يقف الأمر عند تأليف المجلس بالقياس إلى الجامعيين، بل تجاوزه إلى اختصاص هذا المجلس وتصرفه في أمور الجامعة، وهنا موضع الخطر السياسي المنكر الذي يفقد الجامعة كل قيمة علمية إذا صدر هذا القانون.
ذلك أن هذا المجلس يؤلف مجلسين: أحدهما جامعي مقيَّد، والآخر حكومي مطلق. فأما الأول فهو المجلس الذي أشرت إليه آنفا، وهو يقضي في الأمور التعليمية الخاصة كبرامج الدرس ونظم الامتحان، وقضاؤه خاضع لسلطان الوزير. فإذا جد الجد، وكانت المسائل التي تحتاج فيها الجامعة إلى الحرية والاستقلال، جاء المجلس الثاني، وهو يتألف من موظفين، وموظفين ليس غير: سبعة تختارهم الحكومة، يضاف إليهم مدير الجامعة الذي تعينه الحكومة، ويضاف إليهم عمداء الكليات الذين يعينهم الوزير، والذين يُؤجَرون على قيامهم بعمل العميد.
فأما وكلاء الكليات الذين يعينهم الوزير ولكنهم لا يُؤجَرون على وكالتهم، وأما الأعضاء الآخرون الذين يصلون إلى المجلس بحكم كراسيهم، فأولئك يُقصون عن المجلس حين تُعرَض المسائل ذات الخطر. وعلى هذا النحو تضمن الحكومة أن تسير الأمور في هذا المجلس على ما تشْتَهِي.
وأي أمور هي التي لا وجود للجامعة بدونها؟ هي ميزانية الجامعة، وهي التصرف في أموال الجامعة، وهي تعيين الأساتذة والمدرسين ونقلهم وترقيتهم وتأديبهم. أرأيت أن السلطة الحقيقية في الجامعة قد جعلت إلى هذا المجلس الحكومي؟
فالحكومة هي التي تقضي وحدها في ميزانية الجامعة، والحكومة هي التي تختار الأستاذ أو تُرقّيه أو تُؤدّبه. فالأستاذ خاضع في حياته الجامعية كلها لسلطان الحكومة، لا شيء يضمن له الحرية العلمية، ولا شيء يعصمه من بأس الحكومة وبطشها. فإذا استطاع مع هذا أن يكون حرا في الرأي أو في البحث العلمي، فويل له من سلطة الحكومة وتأديب الحكومة.
على هذا النحو عُدل تأليف مجلس الجامعة، وعُدلت اختصاصات مجلس الجامعة. ولعلك توافقني على أن أظهر شيء في هذا التعديل إنما هو استئثار الحكومة بالسلطان. وهذا شيء لا غرابة فيه ما دامت قاعدة السياسة المصرية الآن هي أن الحكومة إنما تحكم الشعب لنفسها لا للشعب، فليس سلطانها أداة شعبية توجه إلى خدمة المصالح العامة، وإنما هو أداة حكومية توجه إلى تمكين الحكومة من السيطرة على كل شيء.
أَفَهِمْتَ الآن سر هذا الكيد الذي يدبر للجامعة منذ تغير في مصر نظام الحكم؟ كانت الجامعة واسعة على مصر كما كان الدستور واسعا على مصر، وقد ضُيِّقَ الدستور، فَلْيُضَيَّقْ نظام الجامعة.
إن الذين يبتسمون حين يذكرون وزير التقاليد، لأنهم يعرفون أنه رجل طيب القلب، يسير التفكير، قد لا ينفذ عقله إلى هذه السياسة العميقة، خليقون أن يفكروا في أن أطيب الناس قلبا، وأيسرهم تفكيرا، وأقلهم نفاذ بصيرة، قد يستطيع أن يكون أداة للسياسة الخطرة على النظم الديمقراطية وعلى حرية الشعوب، إذا وجد الرجل الذكي الذي يسيره فيحسن تسييره، ويوجهه فيحسن توجيهه إلى ما يريد.
وقد وُجد هذا الرجل الذكي الذي استكثر الدستور فضَيَّقَه، واستكثر الجامعة فضَيَّقَ نظامها، وأحسن تسيير وزير التقاليد لما أراد، وأصبحت الجامعة كما ترى شيئا يُنتفع باسمه في الإعلان ونشر الدعوة، ولكنه عاجز كل العجز عن أن يؤدي أمانته العلمية كما تؤديها الجامعات.
نعم، وُجد الرجل الذكي الذي أحسن توجيه وزير التقاليد، ومن الذي يستطيع أن يشك في ذكاء رئيس الوزراء؟ ومن يعين رئيس الوزراء؟
كوكب الشرق – ١٧ – ٣ – ١٩٣٣