يظهر أن بُعد الدار يؤثر في تصور الناس الأشياء وحكمهم عليها ، وإن كانوا من أعلم الناس بها ، وأفهمهم لدخائلها ، كما أن بُعد أدوات الحس عن المحسوسات يضعف أثر الحواس بالأشياء .
فصديقنا محمود عزمي من أعلم الناس بمصر ، وبما يحدث فيها من الحوادث ، ومن يضطرب فيها من الناس . وهو كذلك عالم حق العلم بطبيعة الحياة والأحياء في هذا البلد ، ولكن عهده بوطنه بعيد ، وداره عن وطنه نازحة ، فهو يتصور الأشياء من بعد ، وينتظر من الناس أكثر مما كان ينتظر منهم لو أنه حديث العهد بهم ، مقيم فيهم ، يراهم كل يوم ويتحدث إليهم كل يوم ، ويرى وقع الحوادث في نفوسهم ، ويسمع تعبير ألسنتهم عن وقع هذه الحوادث ، واضطراب أصواتهم بما تجد نفوسهم من لذة وألم ، ومن نعيم وبؤس ، ومن سرور وحزن . ويحس في أثناء هذا كله ما تخفيه الضمائر الخفية من غيظ وسخط ، ومن رجاء ويأس . إذن لانتظر من الناس غير ما ينتظر منهم الآن ، ولطلب إلى طبيعة الأشياء غير ما يطلب إليها الآن .
فقد ابتسمت — كما تبتسم اليوم ابتسامة كلها مرارة وحزن عميق — حين رأيته ينتظر أن تكون الصحف الموالية للوزارة أشد من صحف المعارضة إلحاحًا على الحكومة في تغيير نظام السجون بالقياس إلى جرائم الرأي ، والإسراع إلى تحسين حال صديقنا توفيق دياب في سجنه .
ابتسمت ابتسامة كلها مرارة وحزن عميق؛ لأني عرفت أن عزمي بعيد عن مصر: لا يرى الناس فيها ، ولا يرى تأثر الناس بما حدث من الحوادث ، ولا فهمهم لهذه الحوادث ، ولا حكمهم عليها . وهو مع ذلك شديد التأثر ، كما كان دائمًا محبًّا للمثل الأعلى في التعاون والتضامن ، والطموح إلى الخير ، واحتمال التبعات في سبيله . فهو إذن ينتظر من الصحف الموالية للوزارة ما ينتظر الناس من الصحف الموالية للوزارات في أوربا: أن تذكر قبل كل شيء أنها صحف ، وأن الصحف إنما أنشئت لتدعو إلى الخير وتلح فيه ، فتسارع إلى الإلحاح على الحكومة في أن تقدر كرامة الرأي ، وتعامل توفيق دياب كما يعامل أمثاله في البلاد التي تقدر الحرية وكرامة العقل .
وهو إذن ينتظر من الصحف الموالية للوزارة ألا تتردد في الاستفادة من موالاتها للوزارة لتستغل قربها من الحكومة ، فتوجهه في سبيل الخير ، وتتخذه وسيلة لتحقيق العدل والبر والإنصاف الذي لا يختلف الناس فيه ، سواء كانوا من أنصار الحكومة أو من خصومها ومعارضيها .
هو ينتظر هذا كله ، ومن حقه أن ينتظر هذا كله ، لأن طبيعة الأشياء إذا استقامت وجرت على منهج معتدل من حب الحق والخير ، تقضي على الصحف الموالية للحكومة أن تقف من توفيق دياب ومن نظام السجون هذا الموقف الذي ينتظره منها صديقنا عزمي . ولكن طبيعة الأشياء قد التوت في مصر ، والمنهج الذي تجري عليه قد فسد واعوج . وصحف الوزارة لا تستطيع أن تكون أسرع من صحف المعارضة إلى المطالبة بتغيير نظام السجون ، والإصلاح من أمر توفيق دياب؛ لأنها قبل أن تفكر في الخير لنفسه مضطرة إلى أن تفكر فيما يمكن وما لا يمكن ، فيما يراد وما لا يراد ، ثم فيما يقال وما لا يقال .
هي مضطرة إلى هذا ، فليس من اليسير عليها أن تصارح الحكومة بالحق ، أو تلح على الحكومة فيما لا تحب . ولو قد فعلت لما لقيت من الحكومة خيرًا ، ولأعرضت عنها وجوه تحب أن تقبل عليها ، ولنزرت عنها أشخاص تحب أن يلقوها بالبشاشة والإيناس .
هي إذن مضطرة أن ترضي الحكومة قبل أن ترضي نفسها ، وقبل أن ترضي فكرة الصحافة . أتُلام في ذلك أم تُعذر عليه ؟ أما أصحاب الأخلاق الذين لا يريدون إلا الفضيلة والفضيلة وحدها فيلومون ، لأن الحق والخير يجب أن يتقدما على كل شيء ، حتى على رضى الحكومة عن صحف المعارضة . وأما العمليون ، والذين يريدون أن يلائموا بين المنفعة والخلق بهذه الأوضاع الاجتماعية التي نسميها مجاملة ، فهم يعذرون ، ويكتفون من صحف الحكومة بأن تختار لنفسها مكانًا وسطًا ، فتجامل صحف المعارضة ، وترفق بالحكومة فلا تسرف عليها بالإلحاح والإلحاف .
ولعلك لم تنس أن وزيرًا قائمًا اليوم كان صحفيًا أمس ، فكره أن يشارك الصحفيين فيما كانوا يطالبون به ، ولم يتحرج من إعلان ذلك والجهر به ، لأنه يؤثر أهواء الأحزاب على الخير من حيث هو خير ، والحق من حيث هو حق ، وعلى هذا العدل الذي يرتفع فوق خصومة الأحزاب كما يرتفع فوق المنافع كلها .
لو كان عزمي حاضرًا أمر القوم وهم يجتمعون ويتجادلون ، لعرف أنه يسرف حين يطلب إلى الناس أكثر مما يستطيعون . نعم ، إن المنفعة المحققة لصحف الحكومة تقضي عليها بأن تبذل ما تملك من قوة وجهد لإصلاح نظام السجن ، والترفيه عن توفيق دياب ، لأنها موالية اليوم للحكومة ، ظافرة بعطفها ، آمنة بطشها . ولكن من قصر النظر أن تؤمن لهذه الوزارة بالخلود ، فستزول هذه الوزارة من غير شك ، وستؤول أمور الحكم إلى المعارضة ، وستصبح صحف الوزارة القائمة صحفًا معارضة ، ومن يدري لعلها تحيد عن القانون ، ولعلها تضطر إلى السجن .
أفليس من الكياسة أن تهيئ لنفسها منذ الآن سجنًا رفيقًا لا تشقى به إذا اضطرت إليه ؟ ولكنك تستطيع أن تقنع صحف الحكومة بكل شيء إلا بأن وزارتها ستزول ، وأنها قد تتعرض لما تتعرض له الآن الصحف المحاصِمة للحكومة .
وليس يقف خطأ عزمي في تصور الأشياء والحكم عليها عند هذا الحد ، فهو يذكر أن إدارة السجون في إنجلترا تهتم لمرأى صحيفة للمجرمين ، وكأنه يتمنى أن تقرب حياة المجرمين السياسيين في سجون مصر من حياتهم في سجون البلاد الأخرى . ولو كان عزمي في مصر ، ورأى الوزراء وسيرتهم ، واستمع لأحاديثهم ولما يتحدث الناس به عنهم ، ورأى شجاعة النواب واستأسادهم على الصحف المعارضة حين تقع بعض الجرائم ، ثم فتورهم وتخاذلهم حين يطلب إليهم إصلاح نظام السجون ، لعرف أن الشاعر القديم لم يخطئ حين قال:
ومكلفُ الأيامِ ضدَّ طباعِها
متطلبٌ في الماءِ جذوةَ نارِ
كلا أيها الصديق ، لم تسرع صحف الوزارة ، ولن تسرع إلى ما أردت أن تسرع إليه من الخير ، ولم تظهر الحكومة والبرلمان ما تمنيت أن يظهرا من رغبة في نظام إصلاح السجون ، والترفيه عن المسجونين في سبيل الرأي . وأكبر الظن أن الأمر سيبقى كما هو الآن حتى يبدل اللّٰه من أحزاب أحزابًا ، وحتى يولّي القوم أمور هذه الأمة قومًا لا يتخذون الحكم وسيلة إلى التسلط والبطش ، ولا يرون السجن أسلوبًا من أساليب الانتقام ، ولا يفرقون في المعاملة بين الأولياء والخصوم ، ولا يعلنون في غير تورع ولا احتياط أن مصر قد بلغت من الرقي والحضارة ما بلغته غيرها من الدول الراقية المتحضرة ، ثم يرون في الوقت نفسه في معاملة المصريين ، والمصريين وحدهم ، أساليب هي أبعد ما تكون عن أساليب الحكم من الرقي والحضارة .
نعم ، وأكبر الظن أن توفيق دياب سيلقى ما يلقى في سجنه صابرًا كما عرفته ، جلدًا كما عرفته ، باسمًا للخطوب كما عرفته ، حتى يغير اللّٰه حالًا بحال ، ويجعل اللّٰه قومًا مكان قوم . فإذا لم يكن لك بد من أن تأمل وترجو وتنتظر الخير ، فاجعل أملك ورجاءك في اللّٰه وفي الأمة ، فإليهما وحدهما يكون الأمل والرجاء ، ومنهما وحدهما ينتظر الخير .
كوكب الشرق ١٨ – ٣ – ١٩٣٣
خطأ
Share:
Leave a Reply