Tag: reform

  • تيسير

    تيسير
    من أوراق الدكتور طه حسين
    تيسير النحو العربي وإصلاح الكتابة العربية
    بقلم: د. أحمد حسن الزيات (الهلال، ١ يونيو ١٩٨٨)
    بين أوراق المرحوم العميد الدكتور طه حسين صورة خطاب غير مؤرخ وجهه إلى وزير التربية والتعليم أو وزير المعارف العمومية في ذلك الوقت عن تيسير النحو العربي وإصلاح الكتابة العربية يقول فيه: "إن هاتين المسألتين المشكلتين خطر عظيم هو أظهر من أن يحتاج إلى وصف أو بيان." وقد كان هذان الموضوعان يشغلان بال طه حسين وأهل جيله، واتجه بعضهم مثل المرحوم عبد العزيز باشا فهمي إلى التفكير استعمال الحروف اللاتينية فأنكر طه حسين ذلك عليه وخاصمه فيه أشد الإنكار وأعنف الخصام على أن هاتين المسألتين المشكلتين لا تزالان اليوم بغير حل، ولا تزالان تشغلان بال الكافة من خاصة وعامة في مصر وفي كل البلاد العربية فلعل نشر هذا الخطاب اليوم أن يساهم في الوصول إلى حل هاتين المسألتين المشكلتين يقول طه حسين في خطابه: "إن الحياة الصحيحة للغة العربية رهينة بحل هاتين المسألتين المشكلتين وإنا لنغالط أنفسنا أشد المغالطة ونخادعها أشنع الخداع حين نظن أننا نعلم تلاميذنا وطلابنا اللغة العربية ونفقههم فيها ونبصرهم بها ونمكنهم من أن يعبروا بها تعبيرًا صحيحًا بما يريدون أو يفهموها فهمًا صحيحًا إذا قرأوها في الكتب والصحف أو سمعوها من الخطباء والمحاضرين على نحو ما يعبر الناس بلغاتهم وعلى نحو ما يفهم الناس لغاتهم.

    فنحن في حقيقة الأمر لا نكاد نبلغ من هذا شيئًا وقد أثبتت التجارب التي لا تقبل شكًا ولا تتعرض لريب أن شبابنا بعيدون كل البعد عن أن يعرفوا لغتهم معرفة متوسطة فضلًا عن أن يحسنوها ويتصرفوا فيها تصرف المالك لها العالم بها المتقن لدقائقها وأسرارها وشبابنا مع ذلك ينفقون في درس اللغة العربية وينفق معهم أساتذتهم وقتًا طويلًا ويحتملون في ذلك ويحتمل معهم أساتذتهم جهدًا ثقيلًا فهم يدرسونها أربعة أعوام في التعليم الابتدائي وخمسة أعوام في التعليم الثانوي، ثم يصلون إلى الجامعة أو المدارس العالية وهم عاجزون أشد العجز عن أن يصوروا آراءهم وخواطرهم تصويرًا صحيحًا بالكتابة أو الخطابة أو الحديث فضلًا عن أن يصوروا هذه الآراء والخواطر في الشعر الرائع أو النثر الفني الجميل. وقد اعترفت وزارة المعارف نفسها هذه الحقيقة بعد أن أقنعتها التجربة بها ودلتها الحوادث عليها فساقَتْ إلى الذين يُعنَون بتعليم اللغة العربية حديثًا تسألهم فيه عن أسباب هذا العجز الظاهر وعن الوسائل التي يمكن أن تتخذ لإتقانه وتبرئة الشباب وقد تلقيت سؤال الوزارة هذا منذ أشهر فيمن تلقاه وقد رد عليه كثير من الناس في أحاديث خاصة وجهوها إلى الوزارة وفي مقالات وفصول نشرتها الصحف والمجلات ولكني آثرت الصمت واخترت أن أقرأ سؤال الوزارة ثم لا أجيب عليه لأني كنت مستيئسًا من فائدة هذه الإجابة واثقًا بأنها لن تغني شيئًا مستيقنًا أنها ستصل إلى الوزارة كما يصل إليها من الإجابات فتقرأ أو لا تقرأ ثم تحفظ بعد ذلك في مكان أمين أو تُسلم إلى الإهمال الذي ينتهي بها إلى الضياع.

    وكنت محقًا في نفسي أن الوزارة لن تأخذ من الوسائل التي يمكن أن أقترحها عليها بشيء لأن الأخذ بهذه الوسائل كلها أو بعضها يحتاج إلى جرأة قد لا تقدم عليها البيئات الرسمية إلا بعد تردد طويل ولعل هذا التردد أن ينتهي بها إلى الإحجام والصبر على المكروه.

    وكذلك رسمت لنفسي منذ عهد غير قصير خطة الإعراض عن السعي عند الوزارة في بعض وجوه الإصلاح التي تحتاج إلى الحزم والعزم وإلى الجرأة والإقدام وإلى مواجهة بعض المصاعب التي تنشأ عن المحافظة والغلو فيها.
    وآثرت أن أترك أمور هذا الإصلاح تجري مع طبيعة التطور وتفرض نفسها على الأجيال شيئًا فشيئًا وما كنت لأخرج عن هذه الخطة التي أخذت نفسي بها منذ حين لولا أني وجدت من حديث معاليكم ومن رغبتكم الملحة في إصلاح أمر اللغة العربية ما رد بعض الأمل وشجعني على أن أعود إلى التفكير في أشياء قد تركت التفكير فيها منذ زمن بعيد. وإني لسعيد كل السعادة مغتبط أشد الاغتباط حين ألحظ أن الآراء التي سمعتها من معاليكم في إصلاح النحو والكتابة مطابقة كل المطابقة ما كنت أطمع فيه وأطمح إليه منذ أعوام طويلة فليكن إقبال معاليكم على هذا الإصلاح فألًا حسنًا ومقدمة سعيدة خطوات موفقة إن شاء الله.

    ولقد لاحظت منذ أعوام في تقرير رفعته إلى أحد وزراء المعارف السابقين إن النحو الذي نعلمه لتلاميذنا وطلابنا في القرن الرابع عشر للهجرة هو بعينه النحو الذي كان يُعلَّم في البصرة والكوفة وغيرها من مراكز الثقافة الإسلامية في القرن الثاني والثالث للهجرة أي أننا نعلم النحو في هذه الأيام على الطريقة التي كان يُعلَّم عليها منذ أكثر من ألف سنة. ولاحظت أن العلوم كلها قد تطورت وتغيرت أصولها وقواعدها ومناهج تعليمها والبحث عنها إلا علوم اللغة العربية فإنها ظلت كما هي لم تتطور ولم تتغير إلا أن يكون ذلك من طريق الاختصار الذي لا يذلل صعبًا ولعله يصعب السهل ويدفع الواضع إلى الغموض وليست العلوم وحدها هي التي تطورت أو بعبارة أصح لم تتطور العلوم إلا لأن العقل نفسه قد تطور وتغير فأنتج علمًا مخالفًا ما كان نتيجة عن قبل وعجز عن استساغة العلم القديم الذي كان يسيغه العقل القديم. وما من شك في أننا لا نستطيع التفكير أن نعلم الطبيعة والطب على نحو ما كان يعلمهما الرازي وابن سينا أو أرسطاطليس وجالينوس ولكننا نطمئن إلى تعليم النحو والصرف بنفس الطريقة التي كان يعلمهما بها الكسائي وسيبويه.

    ومصدر هذا التناقض الغريب خطأ في التقدير تورط الناس فيه منذ زمن بعيد ثم استقر في نفوسهم وامتزج بعقائدهم وأصبح تحويلهم عنه شيئًا عسيرًا. فهم قد ظنوا أن النحو هو اللغة وأن تغيير قواعده وأصوله تغيير للغة وإفسادها ومن حيث إن اللغة العربية هي لغة القرآن الكريم والسنة المطهرة فينبغي أن ترتفع عن التغيير والتبديل وأن يبقى التصرف فيها على أي وجه من الوجوه يعرضها للتغير أو التطور وأغرب من هذا أن اللغة قد تغيرت وتطورت غير مرة في تاريخها الطويل دون أن يمس ذلك لغة القرآن والحديث أو يؤثر فيها تأثيرًا قليلًا وكثيرًا ولكن الناس لم يفطنوا هذا أو لم يحفلوا به وظلوا يؤمنون بأن النحو هو اللغة وبأن تغيير قواعده وأصوله شر عظيم. ومع ذلك فليس النحو إلا قواعد يقصد بها إلى ضبط استعمال اللغة على أقرب وجه وأيسره وقد ابتكر النحو ابتكارًا في أول الحضارة الإسلامية واستحدثت قواعده بعد أن لم تكن واختلفت في تصويرها وضبطها وعرضها آراء الأئمة والعلماء فلم ينشأ عن هذا الاختلاف إفساد اللغة ولم تتعرض من أجله لخطر جليل أو ضئيل وأي خطر تتعرض له اللغة حين يختلف الكوفيون والبصريون مثلًا في أن المبتدأ مرفوع بالابتداء أو مرفوع بالخبر. وفي أن الأسماء الستة ترفع بالواو وتنصب بالألف وتجر بالياء أو ترفع بضمة قبل الواو وتنصب بفتحة قبل الألف وتجر بكسرة قبل الياء أو تُعرب بالحركة والحرف جميعًا أو تُعرب بحركة مقدرة على هذا الحرف سيظل المبتدأ مرفوعًا مهما يكن رافعه وستظل الأسماء الستة معربة على هذا النحو المعروف مهما تكن علامة إعرابها وعلى هذا النحو كل اختلاف العلماء التي تشبه هذين المثالين لم تغير اللغة ولم تعرضها لسوء. فلو أننا أحدثنا مذهبًا جديدًا في ضبط قواعد النحو فقلنا أن المبتدأ مرفوع وسكتنا عن رافعه مثلًا ما كان هذا المذهب الجديد أثر في اللغة من حيث هي لأن المبتدأ سيظل مرفوعًا كما كان فتستقيم اللغة كما استقامت دائمًا. ولكن هذا المذهب الجديد قد يريح التلميذ والطالب من عناء لا حاجة إليه ولا فائدة فيه هو عناء البحث عن هذا العامل المعنوي الذي كان يرفع المبتدأ عند البصريين وهو الابتداء أو عناء فهم هذا العبث الطريف الذي كان يجعل المبتدأ رافعًا للخبر والخبر رافعًا للمبتدأ عند الكوفيين.

    وما أشد حاجة التلميذ والطالب في هذا العصر الذي كثر العلم فيه وتعقدت ألوان المعرفة إلى أن نريحه من العناء الذي لا يُغني ونقدم إليه من العلم ما يستطيع أن يسيغه ونحن إن لم نفعل ذلك بغضنا إليه العلم تبغيضًا وصرفناه عنه صرفًا وأظن أننا قد نجحنا إلى الآن في تبغيض اللغة العربية وعلومها إلى التلاميذ والطلاب وما أرى أن الفتى المصري يبغض من العلوم التي يحصلها في المدرسة شيئًا كما يبغض النحو والصرف والمعاني والبيان والبديع ذلك لأن هذه العلوم لا تتصل بنفسه ولا تتحدث إلى عقله ولا تلائم طبعه ومزاجه وإنما هي ألغاز لا تُفهم أو سخف لا يستطيع أن ينظر إليها نظرة الجد.

    وكيف نريد التلميذ على أن يفهم أننا إذا قلنا حمدُ أقبل فلابد من أن نقدر فاعلًا مستترًا للفعل ومن أن يكون هذا الفاعل المستتر ضميرًا يرجع على حمد. وكيف نريد الطالب على أن يفهم أن هذا الضمير المستتر قد يستتر جوازًا مرة ويستتر وجوبًا مرة أخرى وهو في كل حال مبني ومحله دائمًا محل الرفع كل هذا كلام لا يسيغه العقل الحديث ولا سيما في طور الطفولة والشباب فإذا فرضناه على الصبي أو الفتى فإنما نفرضه على الذاكرة ونكلف التلميذ أن يحفظ ما لا يفهم وأن يعيده في الامتحان كما يعيد الببغاء ما تحفظ من الصيغ والألفاظ وهذه الأمثلة التي ذكرت أهون ما يلقى التلميذ حين يأخذ في درس النحو ولا أريد أن أعرض للحركات التي تُقدر ويُمنع من ظهورها التعذر أو يُمنع من ظهورها الثقل أو تُمنع من ظهورها كسرة المناسبة ولا أريد أن أعرض للاشتغال ولا أريد أن أعرض للحروف التي تنوب عن الحركات ولا الحركات التي ينوب بعضها عن بعض كالفتحة التي تنوب عن الكسرة والكسرة التي تنوب عن الفتحة ولا أريد أن أعرض لنظرية العامل التي تكلف التلميذ والطالب عناءً ثقيلًا دون أن يفهمها أو يسيغها وما أكثر ما يسأل التلميذ نفسه عن هذه الأدوات التي تنصب الاسم وترفع الخبر كيف تعمل النصب والرفع مع أنها في حقيقة الأمر لا تعمل شيئًا. فلو أرحنا الطالب من هذا كله ويسرنا له أمور النحو تيسيرًا وحببنا إليه دروس اللغة العربية وأتحنا له فهمها وذوقها والانتفاع بها في الكلام والفهم نعرض اللغة خطرًا قليلًا أو كثيرًا، كلا إنما نحط عن التلميذ عبئًا ثقيلًا ليس هو في حاجة إلى احتماله وإنا واثق كل الثقة بأن إراحة التلميذ من هذا العناء الثقيل السخيف ستغير نظرته إلى دروس اللغة العربية وإقباله عليها وستظهر نتيجة ذلك في أسرع الوقت وأقصره.

    أما إصلاح الكتابة فليست الحاجة إليه أقل من الحاجة إلى إصلاح النحو ولعلها أن تكون أشد منها وأكثر شيوعًا فليس كل الناس مضطرًا إلى أن يتعلم النحو ولكن كل الناس مضطر إلى أن يقرأ ويكتب وهو في حاجة إلى أن يُعصم من الخطأ إذا قرأ وكتب وقد صور حاجة الناس إلى هذا الإصلاح تصويرًا صادقًا كل الصدق في حديثكم الذي أذعتموه منذ حين وأكبر الظن أن مصدر الشر في هذه المسألة هو بعينه مصدر الشر في المسألة السابقة فقد استقر في نفوس الناس أن الكتابة كما هي مقدسة لا ينبغي أن تُمس ولا أن ينالها التغيير كما أن النحو مقدس لا ينبغي أن يُمس ولا أن يناله التغيير وقد نسي الناس أن الكتابة تغيرت وتطورت ونالها العلماء بالإصلاح فلم يصب اللغة من ذلك شر ولم يلم بها مكروه وقد أرادت الظروف أن تكون الكتابة العربية كغيرها من الكتابات السامية ناقصة نقصًا شنيعًا تصور نصفها وتهمل نصفها الآخر، تصور حروفها الجامدة وتهمل حروفها اللينة ونشأ عن هذا أن أصبحت الكتابة لا تكاد تغني وهي على كل حال شديدة العسر ولا يحسن قراءتها إلا الذين يفهمون قبل أن يقرأوا وقد يمكن أن يُقبل هذا حين تكون الكتابة مقصورة على طبقة ضيقة من الناس تحتكرها وتتفرد بها كما كان الكهان يحتكرون العلم ويستأثرون به في بعض العصور فأما إذا فرض الدستور أن يقرأ الناس جميعًا وأن يكتبوا فأما إذا ألغت الديمقراطية هذا النوع من الاحتكار فلا ينبغي أن نطالب عامة الناس بأن يفهموا قبل أن يقرأوا وبأن يكون لهم ذكاء العلماء والمتفوقين وإنما ينبغي أن نجعل القراءة أداة تمكنهم من الفهم لا غاية يمكنهم الفهم منها وليس إلى ذلك من سبيل إلا أن تكون الكتابة كاملة كالنطق فتصور فيها الحروف الجامدة والحروف اللينة كما أن النطق كامل يصور فيه هذان النوعان من الحروف. فنحن إذا نطقنا بلفظ "كَتَبَ" لا ننطق بالكاف والتاء والباء وحدها وإنما ننطق معها بهذه الفتحات الثلاث التي هي النصف اللين هذه الكلمة فما بالنا نصورها النطق في الكتابة؟ وكيف السبيل للقارئ الساذج إذا رأى هذه الأحرف الثلاثة الجامدة أن ينطقها على الصورة التي أرادها الكاتب إلا إذا فهم قبل أن يقرأ وكيف يتاح ذلك لغير العلماء والأذكياء من الناس. وإذا كان الأئمة من علماء المسلمين قد فطنوا لخطر هذه المسألة بالقياس إلى القرآن الكريم نفسه فحاولوا تصور هذه الحروف اللينة في المصحف الشريف بالنقط مرة وبالشكل المعروف مرة أخرى فما الذي يمنعنا نحن من أن نمضي في هذه الطريق التي مهدها لنا المتقدمون أفلا يسعنا أن نصنع ما صنع أئمة القرن الأول والثاني وكيف ينكر علينا ما لم يُنكر عليهم وكيف نلام على ما لم يُلاموا عليه وأيهما خير أن نسلك هذه الطريق التي سلكوها فنتم ما بدأوا ونحقق ما أرادوا أم أن نبقى حيث نحن فنحول بين اللغة العربية وبين الحياة والخصب والنماء لو نضطر إلى أن نصطنع الكتابة اللاتينية كما اصطنعها الترك أما أنا فما أشك في أن الإقدام على هذا الإصلاح فرض لا سبيل إلى إهماله إلا إذا أبحنا لأنفسنا إهمال اللغة نفسها وتركها عرضة لتقلب الظروف ولكن تحقيق هذا الإصلاح ليس من الأشياء اليسيرة فهو قد يحتاج إلى جماعة من الفنيين الذين يتقنون العلم بأنواع الكتابة والخط ويحسنون التصرف فيها ليدرسوا هذه المسألة درسًا عميقًا ثم يعرضوا ما يتاح لهم من الحلول العملية التي تجمع بين الدقة واليسر والبساطة. وربما كانت المسابقة العامة من الوسائل المنتجة لهذا الأمر بعد أن يستقر رأي العلماء وينم اتفاقهم على ضرورة الأخذ بهذا الإصلاح.

    وخلاصة القول إني أقترح أولًا أن تؤلف لجنة صغيرة تكلف تبسيط النحو ورفع ما تنتهي إليه من هذا التبسيط إلى معاليكم لتروا رأيكم ولتعرضوه إن شئتم على هيئة أوسع وأشد تنوعًا من هذه اللجنة وثانيًا أن تستشيروا في مسألة إصلاح الكتابة طبقات مختلفة من المشتغلين باللغة العربية وعلومها فيستشار الأزهر وتستشار دار العلوم وتستشار الجامعة ويستشار المجمع اللغوي فإذا اتفقت هذه الهيئات كلها على الأصل الأساسي وهو من تصوير الحروف اللينة أو الحركات على أنها جزء من الكلمات ضرورة لا بد منها وخير لا شر فيه عرض موضوع هذا الإصلاح مسابقة عامة لا في مصر وحدها ولا في الشرق العربي وحده بل في الشرق والغرب جميعًا.
    وإنا أرجو أن تتفضلوا فتقبلوا مع أجمل الشكر وأحسن التقدير، أخلص التحية وأعظم الإجلال.
    طه حسين

  • حق الخطأ (١)

    حق الخطأ (١)

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ٦ يونيو ١٩٥٥

    وكذلك تمر الأعوام في أثر الأعوام في أثر الأعوام، وتمضي الأجيال تتابعها الأجيال، وتتغير الحياة، وتتبدل الظروف، وتنتقل الأمة الإسلامية من طور إلى طور وأزهرنا الشريف — أصلحه الله — ثابت في موقفه ذلك القديم، لا يزول عنه ولا يحول. وقد كنت أظن أن قصة الأستاذ الشيخ علي عبد الرازق قد مضت وانقضت، وعفَّى آثارها كرُّ الغداة ومرُّ العشي، وأصبحت حديثًا للتاريخ يذكرها الأزهريون فيضيقون بها، ويأسون لها، ويحمدون الله على أن عهدها قد انقضى منذ زمان، وعلى أنهم قد تطوروا وأدركهم من الخير والرشد ما يعصمهم من العودة إلى أمثالها. وأعترف كذلك بأني أحسست منذ أيام غبطة لم أحس مثلها من قبلُ حين قرأت في الجمهورية أن جماعة من علمائنا الأزهريين قد اجتمعوا وأنكروا ما أذيع من أمر التحقيق مع ذلك الأستاذ الأزهري، الذي كتب في أمر الصوم ما لم يرضَ عنه الشيوخ.

    أحسست غبطة أي غبطة؛ لأني قدرت أن اجتماع هؤلاء النفر من علمائنا الأزهريين، وغضبهم للحق، وإنكارهم لمعاتبة الناس على الرأي، إن دل على شيء فإنما يدل على أن الأزهر قد استيقظ من نومه ذاك العميق، وخرج من تقليده ذاك العتيق، وأصبح يحب أن توضع الأمور في مواضعها، ويكره الإسراف على الناس فيما لا يجوز الإسراف عليهم فيه.

    فهذا الأستاذ الذي قال في صوم رمضان بما لا يرضاه الشيوخ بين اثنتين: إما أن يكون قد قال الحق، فليس لأحد عليه سبيل، وإما أن يكون قد أخطأ وحاد عن القصد، فليس لأحد عليه سبيل أيضًا، إلا أن يرد عليه خطأه، ويبين له وجه الصواب، وينصح للناس بألا يتبعوه، فأما ما فوق ذلك فلا ينبغي لأحد أن يطمع فيه؛ ذلك أن الله لم يعصم الناس من الخطأ، ولم يأخذهم به حين يتورطون فيه، وإنما قال في كتابه العزيز: ( وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ).

    والله وحده هو الذي يعلم ما تتعمد القلوب؛ لأنه عليم بذات الصدور، ولأنه رقيب على ضمائر الناس وما يضطرب في نفوسهم من الخواطر، وما يجول في رءوسهم من الآراء، وما يثور في قلوبهم من العواطف والميول والأهواء، وهو وحده الذي يملك مثوبة الناس وعقوبتهم على ذات نفوسهم؛ لأنه وحده الذي يحيط بها، ولا تخفى عليه منها خافية، فأما نحن فموكلون بما ظهر لنا من أمر الناس لا نتجاوزه إلى ما وراءه، فإن فعلنا فقد أسرفنا على أنفسنا وعلى الناس.

    والله قد علَّم المسلمين في القرآن الكريم أن يسألوه ألا يؤاخذهم إن نسوا أو أخطئوا، والنبي ﷺ يُنبئُنا في الحديث الصحيح بأن الله قد تجاوز للمسلمين عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، والله — عز وجل — يقول لعباده الذين أسرفوا على أنفسهم: ( لَا تَقْنَطُوا مِن رَّ‌حْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ‌ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ).

    بهذا كله يؤدبنا القرآن، ورجال الدين أجدر الناس بأن يتأدبوا بأدب القرآن: فيحلوا ما أحل الله، ويحرموا ما حرَّم الله، والله لا يحل لهم العقاب على الخطأ، ولا يبيح لهم أن يحاكموا الناس إذا رأوا غير رأيهم، أو ذهبوا غير مذهبهم في مسألة من مسائل الدين.

    وكان النبي ﷺ يقول: «من قال: لا إله إلا الله؛ فقد عصم مني نفسه ودمه إلا بحقهما.» ولم نعلم أن ذلك الأستاذ الذي قال مقالته تلك في صوم رمضان قد شك في دينه، أو عدل عن قول لا إله إلا الله، أو جهر بكفر تعمده قلبه، وإنما رأى رأيًا فنشره؛ لأنه رأى في نشره نصحًا للناس، ورفقًا بهم. وقد دعينا إلى أن ننصح للناس، ونرفق بهم، وأنبأنا رسول الله ﷺ، فيما روى البخاري، بأننا بعثنا ميسرين لا معسرين، وأنبأنا الله بأنه يريد بنا اليسر ولا يريد بنا العسر، وأنبأنا بأنه لم يجعل علينا في الدين من حرج.

    فما هذه المحنة التي يُمتحن بها هذا الأستاذ لا لشيء إلا لأنه أراد الخير فأخطأ سبيله؟! ولمن يكون النصح أو بمن يكون الرفق إذا لم يكن لمثل هذا الأستاذ؟!

    كنت أفهم أن يصدر عن شيوخ الأزهر رد رفيق على هذا الأستاذ يبين مواضع الخطأ فيما قال، ويبين له الصواب الذي يجب عليه أن يثوب إليه، وينصح للناس ألا يأخذوا بما جاء في مقاله من رأي.

    وكنت أفهم كذلك أن يدعو صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر هذا الأستاذ إليه، فيسمع منه ويناقشه، ويبين له مواضع الخطأ في رأيه، ويدله على الصواب، ويأمره بالمعروف، وينهاه عن المنكر، ويرغبه في الخير، ويحذره من الشر. هذا كله حق للأستاذ الأكبر، وحق عليه؛ لأن المسلمين وعلماءهم خاصة مكلفون أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر. فأما التحقيق والمحاكمة والعقاب، فأمور أخشى أشد الخشية أن تكون مُخالِفةً لما ينبغي للمسلمين من النصح والموعظة الحسنة، والإرشاد إلى الخير. والله قد أمر نبيه أن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجادل بالتي هي أحسن.

    وإذا كانت هذه هي السبيل التي أمر الله نبيه أن يسلكها حين يدعو إلى الإسلام، وحين يجادل عنه؛ فأجدر بشيوخ الأزهر أن يسلكوا نفس هذه السبيل حين يريدون أن يردوا واحدًا منهم عن خطأ يرون أنه تورط فيه، وكان يقال: إن من اجتهد فأصاب كان له أجران؛ فإن اجتهد فأخطأ كان له أجر واحد. بذلك تحدَّث المسلمون قرونًا طوالًا، وإلى ذلك اطمأنوا قرونًا طوالًا أيضًا؛ فما بال شيوخ الأزهر يخرجون عن هذه السنة، وينحرفون عن هذه الطريق، ويقيمون أنفسهم مقام القضاة لا مقام الواعظين المرشدين، ويريدون على أن يعاقبوا على شيء لم يأذن الله للناس أن يعاقبوا عليه. وأعظم من هذا خطرًا، وأشد منه نكرًا، ما عمد إليه فريق من الشيوخ، فيما نشرت الصحف، من رفع قضية على هذا الأستاذ؛ ليُثبتوا عليه الردة أمام القضاء، وليُنكِّلوا به تنكيلًا فيفرقوا بينه وبين أهله، ويرتبوا على حكم الردة هذا ما يترتب عليه من الآثار الغلاظ.

    أين نحن؟ وفي أي عصر نعيش؟ وإلى أي محنة، بل إلى أي فتنة يريد هؤلاء السادة أن يدفعونا؟ ولمصلحة مَن يكون هذا الشر العظيم؟ وبأي حق يستبيح مسلم لنفسه أن يُكفِّر مسلمًا يشهد ألا إله إلا الله، ومحمدًا رسول الله؟!

    أجدٌّ هذا الكلام أم هزلٌ؟ ومتى أبيح الهزل في دين الله؟! أحق هذا الكلام أم خيال؟ ومتى جاز للمسلمين أن يتعلقوا بالخيال في أمور الدين؟!

    وكيف يرى صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر بوادر هذا الشر العظيم، ثم لا يكف عنه الشيوخ؟

    وهل يرى فضيلته أن الوقت الذي يعيش فيه، والظروف التي تحيط بحياتنا الداخلية والخارجية تلائم هذا النحو من إثارة الفتنة، والإيغال في الشر، وإفساد رأي المسلمين في المسلمين، وإغراء بعض المسلمين ببعض! وكيد بعضهم لبعض لا لشيء إلا لأن أستاذًا من أساتذة الأزهر أعلن رأيًا في صوم رمضان فأخطأ في إعلانه طريق الصواب.

    ليصدقني حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر أن هذه القصة كلها شرٌّ لا ينبغي الإيغال فيه، وعبثٌ أُجِلُّ الأزهر أن يُقدِم عليه في أيام الجد هذه التي نمر بها.

    كان مثل هذا الشر ممكنًا، بل كان مُيسَّرًا في عصور مضتْ كان الأزهريون يُدفعون إلى الشر فيها دفعًا، ولم أنسَ بعدُ أن قصة الأستاذ علي عبد الرازق ما كانت لتحدث لو لم يقسم صاحب القصر برأس أبيه ليُحاكمنَّ صاحب كتاب «الإسلام وأصول الحكم»، وليُخرجنَّه من زمرة العلماء، وليَعزلنَّه من مناصب القضاء.

    تلك أيام قد مضت بما كان فيها من خير وشر، ومن عرف ونكر، وما ينبغي أن تتصل ولا أن تعود؛ فقد كف عن الأزهر سلطان القصر، بل كف سلطان القصر عن المصريين جميعًا، وانقضى بذلك عصر الفتنة التي كانت تصيب الناس في أنفسهم، وفي دينهم، وفي رزقهم، وفي سمعتهم. كل ذلك قد انقضى، ويجب ألا يعود. وهذه الثورة لم تكن لاهية؛ حيث قامت لتقضي على الفساد والشر، وتَعصِم الناس من التورط فيهما، وتقيم الصلة بين المصريين على الحب والمودة، وعلى البر والمعروف، لا على الكيد، ولا على المكر، ولا على الدسيسة، ولا على الإغراء.

    من حق الإنسان أن يخطئ، وويل لأمة يعاقب الناس فيها على الخطأ. تلك أمة لا تعرف الحرية ولا تُقدِّرها، ولا تقيم أمرها على القصد والاعتدال، وإنما تقيمه على الفتنة والغرور. وأي فتنة أشد من معاقبة الناس على أنهم رأوا رأيًا لا يعجب الرؤساء؟ وأي غرور أعظم من ادعاء الوصول إلى أسرار الضمائر ودخائل القلوب؟ وأي شر أشد نكرًا من أخذ الناس بالشبهات وقد أُمِر المسلمون أن يدرءوا الحدود بالشبهات؟

    ما أجدر الأستاذ الأكبر أن يعدل عن هذه القضية التي لا خير فيها للأزهر ولا لمصر ولا للإسلام، وأن يدعو إليه هذا الأستاذ فيعظه وينصح له، ويرفق به، ويدعوه إلى التثبت والاحتياط قبل أن ينشر على الناس آراءه في أمور الدين.

    نعم، ما أجدر الأستاذ الأكبر أن يفعل هذا كله، وما أجدر الحكومة أن تتقدم إليه في ذلك؛ فليست مصر في حاجة إلى أن تفسد الصلات بين الناس في أمر دينهم. وحسب مصر ما تشغل به نفسها الآن من إصلاح الحياة الداخلية، ومقاومة العدوان الخارجي الذي يتكرر في كل يوم على الحدود، والاحتياط من كيد الاستعمار الذي يدبر لها هنا وهناك.

    كل ذلك جدير أن يشغل مصر عن هذه الفتن الصغيرة الخطيرة التي لا تنفع أحدًا، وتضر المصريين جميعًا، وربما تجاوز شرُّها مصرَ إلى المسلمين في أقطار أخرى من الأرض.

  • شكاة

    شكاة …
    بقلم الدكتور طه حسين
    أرفعها إلى وزير التربية والتعليم وإلى مجالس الجامعات مطمئنا إلى أنهم سيلقونها بما ينبغي لها من العناية والرفق والإنصاف لأنها جديرة منهم بهذا كله، فهي تتصل بهؤلاء الذين يمنحون أبناء الشعب خلاصة نفوسهم وقلوبهم وعقولهم منذ يصبحون إلى حين يمسون وعسى أن يمنحوهم هذه الخلاصة حين يجنهم الليل وحين يحب الناس أن يأووا إلى دورهم وأن يأخذوا بحظوظهم من راحة الجسم وفراغ البال وهم المعلمون الذين يفدون على مدارسهم ومعاهدهم مع الصبح كأقوى ما يكون الناس قوة وأوفر ما يكون الناس نشاطا وأمضى ما يكون الناس عزما وأصفى ما يكون الناس نفسا. ثم يروحون إلى أهلهم آخر النهار وقد استنفدوا كل ما غدوا به من قوة ونشاط ومن مضاء عزم وصفاء نفس ولم يردوا على أهلهم إلا أجساما قد بلغ منها الضعف ونفوسا قد فارقها الصفاء وعزائم قد أدركها الفتور لأنهم أنفقوا يومهم معلمين ومؤديين فأجهدوا في التعليم والتأديب كل ما ادخروا من قوة وأدركهم الإعياء المادي والمعنوي منحوا خير ما فيهم للمدرسة وردوا من أنفسهم بقايا كليلة مغلولة لا تكاد تصلح لشيء فهم أحق الناس بالرعاية وأجدرهم بالعناية وأحراهم أن ترفق بهم الدولة فتضع عنهم من أثقال الحياة وتزيل عنهم من همومها أعظم ما تستطيع.
    وما أعرف أحدا يحتاج إلى أن يوضع عنه الثقل ويجلى عنه الهم كالمعلم الذي يجب عليه أن يمنح قلبه كله وعقله كله وإخلاصه كله لهؤلاء الطفل والشباب الذين تكل إليهم تربية أجسامهم وتثقيف عقولهم وإعدادهم ليحتملوا في قوة وكرامة أعباء الحياة.
    والمعلم الذي يشغله الهم عن إعداد الدرس ويصده عن الفراغ للتلاميذ ويبغض إليه الحياة والعمل ويزهده في النشاط والجد ويعرضه للضيق لكل شيء وللضيق بكل إنسان رجل لا خير فيه لنفسه ولا خير فيه للناس. فكيف ونحن نكلفه أن يخلص نفسه كلها ونشاطه كله لصغار التلاميذ وكبارهم ونسأله آخر الأمر عما ينتهي إليه جده وجهده من تعليم هؤلاء التلاميذ ونلومه بحساب وبغير حساب عما يكون في حياة الصبية والشباب من عوج وعما يعرض لهم من التواء سواء أكان عن ذلك مسؤولا أم غير مسؤول.
    وبقدر ما يثقل التكليف الذي يفرض على الناس ينبغي أن توفر لهم القوى والوسائل التي تمكنهم من النهوض به على خير ما يكون النهوض بالتكاليف.
    ووزير التربية والتعليم ورجال الجامعات يعرفون حق المعرفة أن أعباء الحياة المادية في هذه الأيام ليست هينة ولا يسيرة وأن احتمالها يحتاج إلى الجهد والصبر وسعة الحيلة وأن أجور المعلمين لا تكاد تنهض بحاجاتهم وحاجات من يعولون وهم بها قانعون ينتظرون أن يأذن الله باليسر الذي يوسع عليهم وعلى غيرهم من المواطنين في الحياة ويقرب إليهم وإلى غيرهم من المواطنين ما لا تستطيع أيديهم أن تناله من حاجاتهم فما بال هذا الثقل الذي رفع عن المعلمين منذ أعوام يرد إليهم في هذا العام وأريد به المصروفات الجامعية كما يسميها الناس وإذا تحدثت إلى وزير التربية والتعليم وإلى رجال الجامعات في هذا الموضوع فإنما أتحدث فيه لأني أنا الذي وضع هذا الثقل عن المعلمين حين كنت ناهضا بشؤون التعليم وأؤكد للسيد الوزير أني لم أرفعه تقربا إليهم أو لأطفالهم أو إيثار لمرضاتي عني وثنائهم علي فما حفلت قط في أن يرضى الناس عني أو يسخطوا وما حفلت قط بأن يثني الناس علي أو يلهجوا بي. وإنما وضعت عنهم هذا الثقل لأصرفهم إلى التعليم وأخلصهم له وأريحهم من هم يثقل عليهم ويخف على الدولة أن تريحهم منه.
    وأنا بعد لم أخترع هذا التخفيف من نفسي وإنما وجدت أمما متحضرة ممعنة في الحضارة ترى من الحق عليها أن تعفي المعلمين من نفقات التعليم التي يحتاج إليها أبناؤهم لأنهم يعلمون الناس ويمنحونهم في سبيل ذلك قوة أجسامهم ونفوسهم؛ فلا أقل من أن يعفوا من دفع الأجور لأبنائهم حين يتعلمون وما ينبغي أن ينظر إلى هذا الإعفاء على أنه تمييز للمعلمين من سائر المواطنين وإنما ينبغي أن ينظر إليه على أنه تيسير على المعلمين وتمكين لهم من أن يؤدوا واجبهم كأحسن ما يؤدي الواجب. والمعلم حين يؤدي واجبه لا يؤديه إلى فريق بعينه من المواطنين وإنما يؤديه إلى الوطن كله وإلى المواطنين جميعا فتيسير الحياة على المعلم ليس إيثارا له بالخير وإنما هو خدمة عامة تقدم إلى تلاميذه على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم. شأنه في ذلك شأن الجندي الذي تكلفه الدولة أن يكون مستعدا في كل لحظة من لحظات حياته ليؤدي واجبه الوطني الخطير. فهي تيسر له الحياة وتذلل له سبلها لا تؤثره بالخير من دون الناس وإنما تتيح له أن يبذل جهده ونفسه في سبيل الناس مطمئنا إلى ما يبذل من الجهد والنفس. وليس المعلم آخر الأمر إلا جنديا يحارب الجهل ويذوده عن نفوس الصبية والشباب يحارب في أوقات السلم وفي أوقات الحرب ويجاهد في أوقات الشدة وفي أوقات اللين وإذا ملأ الهم قلب المعلم وصرف عن الفراغ لدرسه وشغل عن العناية الخالصة بتلاميذه لم يخسر هو وحده وإنما خسرنا نحن جميعا معه فالصبية والشباب الأبرياء هم الذين يجنون نتائج ما يتعرض له المعلم من شدة الحياة أو لينها ومن نعيم العيش أو بؤسه ومن فراغ البال أو اشتغاله بالهين والعسير من الأمر.
    ومن أيسر الأشياء أن تنظر إلى الأجور التي يتقاضاها المعلمون آخر الشهر والتي تتقاضاها الكثرة الكثيرة منهم بنوع خاص وإلى الأعباء التي يطلب إليهم أن ينهضوا بها لأنفسهم ولمن يعولون وأن نقدر حال المعلم الذي يكون له الولد الكثير من البنين والبنات الذين يختلفون إلى المدارس والمعاهد والجامعات وأن نسأل أنفسنا كيف يتاح له أن يدير الحياة المادية لأهله وولده وكيف يقتطع من أجره هذا ما يرده إلى الدولة أجرا لتعليم ابنه في الجامعة أليس مما يمض النفس ويثقل عليها أن يطلب إلى معلم قد لا يتجاوز مرتبه عشرة جنيهات أو عشرين جنيها أو أكثر من ذلك قليلا أن يقتطع من هذا المرتب في أول العام الجامعي نصفه أو ثلثه أو أن ينزل عنه كله ليدفعه أجرا لتعليم ابنه أو أن يقترض مثله أو مثليه إن كان له ابنان أو أكثر ليؤدي أجور التعليم. وما ينبغي أن يقال إن هذا شأن الموظفين جميعا فللمعلم شأن غير شأن الموظفين هو يهدي العلم إلى الصبية والشباب يبذل في ذلك أكثر كثيرا مما تعطيه الدولة من الأجر. فلا ينبغي أن يهدي العلم عامة كله وأن يشتري العلم لأبنائه ويتكلف في شراء العلم ما لا يطيق وما قد يعرضه لما لا يجمل برجل التعليم.
    وما ينبغي أن تكره الظروف المادية رجال التعليم على أن يصدوا أبناءهم عن طلب العلم ويمسكوهم على الجهل إمساكا. وأنا أفهم ألا يقدم ابن المعلم على غيره حين يراد القبول في كليات الجامعات. فهذا هو التمييز الذي لا ينبغي للمعلم أن يطمع فيه ما دامت الجامعات قليلة وما دامت الأماكن فيها معدودة محدودة وإنما يجب أن تقبل الجامعات خير من يتقدم إليها وأن يوضع ابن المعلم من ذلك في مكانه الذي ينبغي له لا يمتاز من أحد ولا يمتاز منه أحد.
    هذا شيء لا ينبغي الجدال وإنما الشيء الذي ألح فيه أشد الإلحاح على وزير التربية والتعليم وعلى رجال الجامعات هو ألا يرد ثقل المصروفات على المعلمين وأن يترك لهم ما منحوا من التخفيف عنهم والتيسير عليهم وما أشك في أن المواطنين على اختلاف طبقاتهم لا يضيقون بذلك ولا يجدون فيه ظلما أو إيثارا. فالمواطنون جميعا يقدرون مكان المعلم فيهم وبلاءه في تربية أبنائهم وتعليمهم وليس منهم إلا من يبر المعلم ويرفق به ويحب أن يناله البر والرفق وأن يمكن من أداء واجبه على خير وجه ويفرغ له كأحسن ما يكون الفراغ للواجب.
    فليفكر في ذلك وزير التربية والتعليم مشكورا مبرورا وليفكر فيه رجال الجامعات موفقين وليرفعوا هذا الثقل عن قوم تنوء بهم الأثقال التي يحبونها وما ينبغي أن نضيف إليها أثقالا يكرهونها فقد تصرفهم هذه الأثقال البغيضة عن أثقال أخرى حبيبة إلى نفوسهم أثيرة في قلوبهم فيها لهم متعة وفيها للوطن نفع أي نفع وغناء أي غناء.
    الجمهورية، ٢٥ نوفمبر ١٩٥٤.

  • ثورة حية وحياة ثائرة

    ثورة حية وحياة ثائرة
    بقلم الدكتور طه حسين
    أحب أن تكون ثورتنا حية ، وأن تكون حياتنا ثائرة ، وأن يصبح المصريون في جديد من أمرهم كلما أشرقت عليهم الشمس وأن يمس المصريون في جديد من أمرهم كلما أقبل عليهم الليل.
    أحب أن تكون ثورتنا حية وأن تكون حياتنا ثائرة وأن يدفع المصريون إلى نشاط قوي عنيف ، لا يستريحون منه إلا حين يضطرون إلى النوم ساعات في كل يوم . وأريد أن يكون هذا النشاط متنوعا مختلفة ألوانه يمس فروع الحياة كلها ، ويمس أفراد الشعب كلهم على اختلاف منازلهم في الحياة . يمس الموظف في ديوانه ، والعامل في مكتبه أو معمله والزارع في حقله ، والعامل في مصنعه .
    أريد أن يشعر المصريون جميعا شعورا قويا عميقا جامحا أو كالجامح بأنهم قد دفعوا إلى جد لا راحة منه وإلى كد لا أناة فيه ، وإلى شوط لابد لهم من أن يبلغوا غايته في أسرع وقت وأقصره ليستأنفوا الاندفاع في شوط آخر ليس أقل من سابقه حاجة إلى الجد والكد والنشاط.
    أريد ألا يفرغ المصريون لأنفسهم وألا تفرغ لهم أنفسهم ، وأن يشغلوا عن الفراغ بالعمل، وعن تفكير الفارغين المطمئنين بجد العاملين المعجلين عن أنفسهم وعن كل شيء.
    كذلك أريد أن أرى المصريين في هذه الأيام لأنهم فرغوا فيما مضى حتى سئموا الفراغ وحتى سئمهم الفراغ ولأنهم يعيشون في أيام ثورة . لا تحب الفراغ ولا ترضاه ولا تطمئن إليه .
    بل هم يعيشون في أيام ثورة لا تبغض شيئا كما تبغض الفراغ لأنه عدوها الذي يفسد أمرها كله بما يصرف الناس عنها إلى ألوان من التفكير الكسل المتخاذل المريب .
    ولست أعرف شيئا أخطر على الثورة ولا أضر بها ولا أشد عليها نكرا من فراغ الناس لأنفسهم وتساؤلهم حين يلقى بعضهم بعضا وحين يخلو كل منهم إلى نفسه عما كان – أن يكون غدا، وعما فعل فلان، وما لم يفعل وعما والناس حين يلقي بعضهم بعضا فارغين للحديث طالبين للراحة مفتنين فيها متنقلين بين ما تبتكر لهم من ألوان الهزل واللهو والعبث ، ليسوا أصحاب عمل ولا إنتاج وإنما هم أصحاب لغو في القول ، يجدون اللذة كل اللذة والمتعة كل المتعة والحياة كل الحياة في النكتة يرسلها أحدهم فتمتلئ لها الأفواه والحلوق بالضحك ، ينامون أيقاظا وينامون حين تمسيهم أجنحة النعاس ينفقون أكثر أيامهم نياما والدنيا من حولهم يقظة عاملة منتجة ، وهم في غمرة ساهون لاهون لا خير فيهم لأنفسهم ، ولا خير فيهم لأحد ، هم القادرون منهم أن يملأوا بطونهم ، بما يلقون فيها من الطعام والشراب ، وأن يملأوا أفواههم وآذانهم ، وعقولهم بما يمضون فيه من السخف الذي لا طائل فيه ، وهم العاجزون منهم أن يشكوا وأن يبكوا وأن يعيبوا الزمان وأهله ويحملوا غيرهم تبعة ما هم فيه من عجز وبؤس وشقاء .
    قوم يضيعون حياتهم في البطر والأشر وغرور الأقوال والأحاديث وقوم يضيعون حياتهم في السخط والشكوى وفي البغض والحسد والتطلع اليائس البائس إلى ما ليس في أيديهم وليس هذا كله من الحياة العاملة المنتجة في شيء بل ليس هذا كله من الثورة الحية ولا من الحياة الثائرة في شيء .
    أريد أن تحيا ثورتنا وأن تثور حياتنا وألا نحقق شيئا حتى ندفع إلى تحقيق أكثر وألا نبلغ غاية حتى ندفع إلى غاية أبعد منها ، وألا نريح ولا نستريح حتى نعوض ما فاتنا فيما مضى من الدهر الطويل.
    أريد هذا كله وأعرف السبيل إلى هذا كله ، لأنها ليست غامضة ولا ملتوية ولا بعيدة المنال ، وإنما هي واضحة مستقيمة قريبة يكفي أن نقصد إليها محبين لها مؤمنين بها لنندفع فيها إلى تحقيق ما نريد ، وهذه السبيل هي تحقيق التجاوب بين الثورة والشعب . التجاوب بالعمل لا بالقول وحده ، التجاوب الذي يقتضي أن تستقر الثورة في كل ضمير وأن تضطرم جذوتها في كل قلب، وأن تعمل لتحقيق أغراضها كل يد ويفكر في تدبير أمرها كل عقل ويدعو إلى بلوغ أهدافها كل لسان.
    هذه السبيل هي ألا تكون الثورة مقصورة على الذين أضرموا جذوتها من رجال الجيش ولا على الذين يعملون معهم من رجال الحكم ولا على الذين استجابوا لهم من المثقفين والمفكرين ، وإنما تتجاوز هؤلاء جميعا إلى أبناء الشعب جميعا تجاوزا فعليا لا تنطق به الألسنة وحدها ، وإنما تؤمن به القلوب والعقول وهذا كله لا يتحقق بالدعاء إلى الثورة وحده وإنما يتحقق بالأخذ السريع في أسباب الإصلاح وتيسير الشعب كله للعمل فيما يقتضيه الإصلاح من ألوان النشاط .
    وأنا أعلم أن هذا يحتاج أول ما يحتاج إلى المال الذي يمكن من الأخذ في تنفيذ المشروعات الكثيرة التي تهيئ للإصلاح الصناعي والزراعي وأنواع الإنتاج المختلفة ، ولكني أعلم كذلك أن الثورة لا تعتمد في تنفيذ ما يقتضيه الإصلاح من الأعمال على الميزانية العادية لأن هذه الميزانية بطبيعتها تضيق عن مثل هذه الأعمال الجسام . وهي معرضة بين عام وآخر لليسر والعسر وللسعة ، والضيق وإنما الإصلاح الجديد يحتاج إلى مصادر جديدة للإنفاق .
    وهذه المصادر فيما أظن ليست بعيدة ولا متعذرة وإنما هي قريبة ميسورة إذا اصطنعت الثورة شيئا من الجراءة وما ينبغي أن تحتاج الثورة إلى أن ندعوها إلى اصطناع الجرأة ، فقد ينبغي أن تكون جريئة بطبعها .
    ما بال الثورة لا تدعو الشعب إلى أن يقرض الدولة بعض ما عنده لتبدأ في مشروعات الإصلاح ، إن الأمر يحتاج إلى شيء من الثقة والثقة لا تأتي وحدها إنما تأتي حين تدعى وحين ترغب وحين تمد للناس أسباب الأمل.
    إني أقرأ أننا في حاجة إلى تشجيع الأجانب على أن يستثمروا رؤوس أموالهم في مصر ، وهذا خير ما في ذلك شك ، ولكن أموال المصريين لم لا تستثمر في مصر! وأين تستثمر إذن! أليس غريبا أن الثورة تدعو إلى الإصلاح منذ ستة أشهر وأنها لم تدع الشعب إلى أن يساهم في قرض واحد لتحقيق مشروع واحد من مشروعات الإصلاح .
    إحدى اثنتين أما أن يكون في مصر مال ففيم ينفق هذا المال إذا لم ينفق في إصلاح مصر! وإما ألا يكون في مصر مال، وإذن فمن أين يأتي هذا المال الذي ينفق في ألوان من الترف السخيف الذي لا يغني؟ .
    ليصدقني رجال الثورة أنهم في حاجة إلي أن يثق الشعب بأن الثورة تريد الإصلاح وسبيلهم إلى ذلك أن يطلبوا البذل إلى القادرين على البذل وهم لن يطلبوا منهم تبرعا ولا إحسانا وإنما يطلبون منهم إقراضا يغل عليهم ربحا ويغل على مواطنيهم عملا ويغل على وطنهم ثراء وخصبا وإنتاجا.
    لتقدم الثورة إذن على كسب ثقة الشعب وأريد ثقته المالية بتمكين الموسرين من أن يستثمروا ثراءهم في إصلاح مصر . لتدعو الثورة إلى بعض القروض ولتمتحن إخلاص الموسرين لها ولأغراضها .
    وما أشك في أن هذا الامتحان سينتهي بأصحابه إلى النجح .
    وإذا رأى الأجانب أموال مصر تستثمر في إصلاح مصر وأبناء مصر يثقون بثورة مصر أعطوا ثقتهم واستثمروا أموالهم في مصر ، هنالك يندفع الشعب إلى العمل ، وهنالك يشغل الشعب بالعمل من الفراغ ، وهنالك يتحقق التجاوب بين الثورة والشعب ، وتصبح ثورتنا حية ، وحياتنا ثائرة .
    طه حسين
    الأهرام ١٩٥٣/٢/٧

  • الثعبان

    الثعبان
    لصاحب العزة الدكتور طه حسين بك
    كان مشرق الوجه باسم الثغر، خفيف الحركة، فصيح اللسان. لا يكاد يجلس إلى أحد أو يجلس إليه أحد، إلا أحس جليسه منه قلبا يضطرب تحمسا للإصلاح، ونفسا تتوثب إلى المثل العليا، وعقلا لا يرى حوله إلا شرا ولا يريد أن يطمئن أو يستقر إلا إذا أزيل هذا الشر ومحيت آثاره ومعالمه وقام مقامه هذا الخير المطلق الذي يشمل كل إنسان، وكل شيء، والذي يسبغ على من يشمله وما يشمله جمالا حلوا هادئا، ولكنه قوي ملح كأنه ضوء الشمس، لا يمنح الأشياء والأحياء جمالا وبهاء فحسب، ولكنه يبعث فيها وفيهم حياة وخصبا وقوة ونشاطا.
    وكان تحمسه للإصلاح وطموحه إلى الخير ودعاؤه إلى العدل يخرج به أحيانا كثيرة عن طوره، ويتجاوز به الهدوء المألوف إلى شيء من العنف لم يكن المصريون يعرفونه في ذلك الوقت، وإذا هو لا يستقر في مكانه مهما يكن هذا المكان في دار أو ناد أو قهوة أو ديوان، وإنما يثب من مجلسه ثم لا يثبت في مقامه ليتحدث إلى من حوله كما يتحدث الخطيب، وإنما يذهب ويجيء ويأتي من الحركات بيديه ما كان يخيف جلساءه على ما قد يكون حوله من الأشياء وإذا آية الغضب تظهر في وجهه، قوية حادة فيظلم بعد إشراق ويعبس بعد ابتسام، ويتطاير من عينيه المضطربتين شرر مخيف، وينفجر من فمه صوت هائل يهدر بالجمل التي تتتابع سراعا في مثل قصف الموج وعصف الريح العاتية، وإذا أصحابه يأخذهم شيء من الدهش لا يلبث أن يستحيل إلى وجوم متصل وذهول غريب، لا يدرون أهما يصوران الإعجاب والرضى أم هما يصوران الإنكار والسخط أم هما يصوران الحذر والخوف.
    وكان من الحق أن يحذروا ويخافوا فلم تكن الأمور في ذلك الوقت تجري في مصر كما أخذت تجري منذ كان في مصر استقلال وحرية ودستور وبرلمان، وإنما كانت الأمور تسعى متعثرة لا تكاد تنهض إلا لتكبو ولا تكاد تمضي إلا لتقف فقد كان في مصر احتلال أجنبي يتغلغل سلطانه الظاهر والخفي في جميع المرافق العامة والخاصة، وكان في مصر سلطان وطني شديد الارتياب عظيم الاحتياط كثير التلون يميل إلى المواطنين مرة وإلى المحتلين مرة أخرى، ويحاول أحيانا أن يرضي أولئك وهؤلاء، فلا يظفر إلا بغضب أولئك وهؤلاء.
    وكان هذا كله يفسد الجو المصري ويجعله خانقا منهكا للقوى لأن الناس كانوا موضوع النزاع بين هاتين السلطتين لا يكادون يرضون إحداهما إلا وفي نفسهم إشفاق من الأخرى، وكان لكل واحدة من هاتين السلطتين عيونها وجواسيسها قد انبثوا في الأندية والقهوات والدواوين واندسوا في المجالس الخاصة. فهم يحصون على الناس ما يقولون ثم يصورونه كما يحبون ثم يرفعونه إلى السلطان الأجنبي أو إلى السلطان الوطني. وإذا آثار ذلك واضحة فيما يكون من رضى هذا السلطان أو ذاك ومن غضب هذا السلطان أو ذاك. فكان المفكرون وذوو الرأي يعيشون في قلق متصل كأنما كانوا يسعون على الشوك. فليس غريبا أن يثير صاحبنا في نفوس جلسائه شيئا من الحذر والخوف إذا أخذته أزمته الإصلاحية تلك، وكانت كثيرا ما تأخذه فيثور أو قل يستحيل إلى ثورة تريد أن تلتهم كل شيء.
    وكان صاحبنا حديث عهد بأوروبا قد أقام فيها أعواما متصلة وأتم فيها درسه ورأى فيها حياتها الحرة الطامحة التي لا تقيدها أوضاع النظام الاجتماعي كما كانت تقيد الحياة المصرية في ذلك الوقت ولا تغلها أغلال السلطان السياسي كما كانت تغل حياة المصريين في ذلك الوقت أيضا، وإنما رأى حياة سمحة طلقة قد عرفت للإنسان كرامته وللفرد حقه في أن يأتي ويدع من الأمر ما يشاء وفي أن يرى ويقول ما يشاء ما دام لا يؤذي غيره بقول أو عمل. وقد شارك في هذه الحياة واستمتع بما كانت تمتاز به من الإسماح واليسر وكان كغيره من المصريين الذين يعيشون في أوربا لا يكاد يرى شيئا يعرفه أو ينكره إلا وازن بينه وبين ما يشبهه في الحياة المصرية من قريب أو بعيد، وكانت هذه الموازنة تغيظه وتحفظه بالطبع لأنها كانت تضطره دائما إلى أن يعترف فيما بينه وبين نفسه بأن في أوربا رقيا ماديا ومعنويا وبأن لأهل أوربا حرية في القول والعمل وبأن مصر بعيدة كل البعد من هذا الرقي وبأن المصريين قد حرموا هذه الحرية كل الحرمان. فعاد إلى مصر وللغيظ في قلبه نار تتوهج وللغيرة على نفسه سلطان لا يكاد يهدأ من ثورته أو فورته، ومن أجل ذلك كان صورة ناطقة حية قوية للسخط على كل شيء والضيق بكل شيء. والحرص على تغيير كل شيء. وقد أقبل الشباب عليه حين عاد من أوربا معجبين بل مفتونين. ولكنهم لم يلبثوا أن فتروا ثم تفرقوا شيئا فشيئا، منهم من رده عنه الخوف، ومنهم من رده عنه القصور، ومنهم من رده عنه السأم. ولابد من الاعتراف بأن أحاديث صاحبنا على عنفها وثورتها كانت تغمض أحيانا فيعجز أوساط المثقفين عن فهمها، وكانت تتكرر أحيانا أخرى فيسأم السامعون لها من كثرة تكرارها. وأكبر الظن أن صاحبنا عاد من أوربا دون أن يتعمق من أمرها شيئا وإنما غرته المظاهر فأعجب بها وخدعته هذه الحضارة الأوربية ففتن بها، ورأى في هذا الإعجاب وفي هذه الفتنة شيئا من الامتياز يتملق كبرياءه فأغرق فيهما إغراقا شديدا. وقد كان ما لم يكن بد من وقوعه فنذر به السلطان وأشفق منه ونصب له شيئا من كيد خفي حاول أن يثبت له وينفذ منه ولكنه لم يستطع ثباتا ولا نفوذا فاضطر إلى أن يرجع أدراجه ويعود إلى أوربا هذه التي ملكت عليه قلبه ونفسه وفتنته بمحاسنها فتونا. ولم يكد يستقر في أوربا حتى دهمته الحرب الماضية فأقام فيها ما شاء الله أن يقيم والظاهر أنه انتفع بهذه الإقامة الثانية انتفاعا عظيما. فقد عاد من أوربا بعد الثورة المصرية الأخيرة فرأى ما لم يكن ينتظر أن يرى. لم ير تغيرا في الحضارة المادية ولم ير تطورا ذا بال في الحياة العقلية ولكنه رأى حرية لم يكن له بها عهد. حرية لا تحفل بمكر الاحتلال الأجنبي ولا باحتياط السلطان الوطني ولا بالعيون والجواسيس ولا بالأحكام العرفية الإنجليزية التي ظلت مفروضة على مصر أعواما بعد انتهاء الحرب ولا بهذا الاصطدام العنيف الذي كان يحدث من حين إلى حين بين الشباب المصريين والجنود البريطانيين. رأى حرية لا تلوي على شيء ولا يردها شيء ولا تزيدها العقبات والمصاعب إلا قوة واندفاعا. ورأى المصريين يقولون في كل شيء لا يتحفظون ولا يتحرجون. ورآهم ينكرون من أمرهم أكثر مما كان ينكر هو قبل الحرب فهم لا يرضون عن الاحتلال الأجنبي، وهم لا يرضون عن النظام السياسي الوطني، وهم لا يطمئنون إلى حياتهم الاجتماعية، وإنما يخرجون عليها في رفق مرة وفي عنف مرة أخرى، وهم على كل حال يتوثبون إلى الإصلاح. ويطمحون إلى المثل العليا لا يتحدثون إذا لقي بعضهم بعضا إلا في الحق والخير والعدل والحرية والاستقلال والرقي في الحياة المادية والعقلية.
    رأى هذا كله فوقف منه موقف الحيرة لم يدر أيرضى عنه أم يسخط عليه. ولو أنه جرى مع طبيعته الأولى لرضي كل الرضا عما رأى ولمضى مع مواطنيه جادا في الإصلاح طامحا إلى الرقي مطالبا بالاستقلال. ولكن إقامته في أوربا أثناء الحرب واحتماله ما جرته الحرب على الناس من خطوب وما ألقت عليهم من أثقال قد اضطره إلى شيء من المرونة وسعة الحيلة وبذل الجهود الملتوية ليتقي الشر إن عرض الشر وليلتمس الخير إن سنح الخير، فعاد من أوربا للمرة الثانية وقد خلقته الحرب خلقا جديدا. كان قبل الحرب يسبق مواطنيه إلى الرقي والطموح، فأصبح بعد الحرب يستأخر عن مواطنيه ولا يكاد يشاركهم في توثبهم إلى الرقي والطموح. ومنذ ذلك الوقت اتخذ لنفسه سيرة وسطا فهو لا يستطيع أن ينكر ماضيه وهو لا يستطيع أن يقاوم هذا الاندفاع المصري الجارف إلى التطور العنيف وهو في الوقت نفسه لا يحب أن يشارك مواطنيه فيلهج كما يلهجون بالحرية، ويحرص كما يحرصون على الاستقلال ويطمع كما يطمعون في مجاراة أوربا حينا ومقاومتها حينا آخر. وقد زاده حرصا على هذه السيرة الوسط أنه قد تعب في أوربا وشقي بما لقي فيها من جهد وضيق، وعاد إلى مصر وفي نفسه ميل إلى الدعة وحاجة شديدة إلى الراحة ورغبة ملحة في أن يعوض الوقت الذي أضاعه في أوربا وأن يستدرك من أمره ما فات ويحقق لنفسه من المنافع العاجلة والآجلة ما لم يستطع تحقيقه حين كان ثائرا فائرا مطالبا بالإصلاح. وقد رأى المصريين قد انقسموا فيما بينهم قسمين، فريق يعتدل، وفريق يتطرف. فلم يرد أن يعتدل مع المعتدلين فيعد مستأخرا ولا أن يتطرف مع المتطرفين فيتكلف ما يتكلفون من الجهد ويحتمل ما يحتملون من العناء. وقد رسم له هذا كله سيرته الوسط فعرف الثورة المصرية ولم ينكرها، وأثنى عليها ولم يشارك فيها، واتخذ لنفسه الأصدقاء والأخلاء من المعتدلين والمتطرفين جميعا، ولم يقبل في ذلك مراجعة ولا لوما فإن الصداقة ترتفع عن السياسة وأعراضها وأمراضها والرجل الحر حقا هو الذي لا تلهيه السياسة عن إرضاء حاجة قلبه إلى الإخاء الكريم والمودة الصافية والوفاء المتين.
    وكذلك كنت تراه في مجالس المعتدلين يسمع منهم ولا يرد عليهم إلا قليلا وكنت تراه في مجالس المتطرفين، يسمع منهم ولا يجاريهم إلا بمقدار، وكنت تراه في كل حفل يقيمه المعتدلون وفي كل حفل يقيمه المتطرفون يشهد الحفلين جميعا لأن له الأصدقاء والأخلاء بين أولئك وهؤلاء. ولكنه كان ماهرا أشد المهارة في الاستخفاء حين الجد وحين تبدى الخطوب عن نواجذها لأولئك أو هؤلاء. هنالك يلتمس القوم صاحبنا فلا يجدونه ولا يقفون له على أثر. وهنالك يسأل القوم عن صاحبنا أهل المعرفة فلا يحدثهم عن ثابت لاق كما يقول الشاعر القديم حتى إذا هدأت العاصفة واستقرت الأمور في نصابها واطمأنت القلوب في الصدور نظر المعتدلون والمتطرفون فإذا صاحبنا يغدو بينهم ويروح كعهدهم به دائما مشرق الوجه باسم الثغر عذب اللفظ حلو الحديث.
    وقد استطاع من الأمر ما لم يستطعه من المصريين إلا الأقلون عددا فأرضى المحافظين والمسرفين في المحافظة بنوع خاص وأرضى المجددين والغلاة في التجديد بنوع خاص. ثم جعلت الأحوال تحول والأمور تتغير وتتابعت المحن على مصر، وكان الطبيعي حين تمتحن مصر في آمالها وأمانيها وفي حريتها الداخلية والخارجية أن يتطرف المعتدل ويجدد المحافظ إن كان صادقا في اعتداله ومحافظته لا يتأثر فيهما بالمنفعة ولا يبقى بهما الخوف.
    ولكن صاحبنا لم يتطرف وقد تطرف المعتدلون من حوله، ولم يجدد وقد جدد المحافظون من حوله، وإنما ظل كعهده دائما مشرق الوجه باسم الثغر خفيف الحركة عذب اللفظ حلو الحديث.
    وربما أحس المحافظون المصرون على المحافظة منه ميلا إليهم، وحرصا على أن تتصل أسبابه بأسبابهم، ولكن على شرط ألا تنقطع أسباب المودة والإخاء بينه وبين المتطرفين، فمن الحقائق المقررة أن صلات الود والإخاء يجب أن ترتفع عن اختلاف الرأي في السياسة والنظم الاجتماعية. وقد تلقاه المحافظون حفيين به مستبشرين بقربه منهم واتصاله بهم وأغضى عنه المتطرفون لأنه صاحب وفاء يرتفع بالصداقة عن أغراض السياسة وأمراضها. ثم أصبحت المحافظة في بعض الأوقات لونا من ألوان الحفاظ والغيرة على مصالح الوطن وكرامته وأصبح من البدع المحبوب أن يتحدث الناس بأنهم محافظون وأن يسرفوا في النعي على المتطرفين فأظهر صاحبنا أنه محافظ يذكر مجد الوطن ويحرص على تقاليده وينكر الخروج على النظام المألوف والسنة الموروثة، ولكنه في الوقت نفسه لم يقصر في ذات أصدقائه المتطرفين وإنما جاملهم حين كانت تحسن المجاملة وواساهم حين كانت تحسن المواساة وضمن بذلك رضاهم عنه وإغضاءهم عن غلوه في المحافظة، وفي أثناء هذا كله مضت أموره على خير ما يحب. شجعه المحافظون حين كان السلطان يصير إليهم، وأغضى عنه المتطرفون حين كان السلطان يستقر فيهم، وعرف عامة الناس وخاصتهم أنه رجل لا يحب الأحزاب ولا يشارك في سياستها، وإن كان محافظ الميل قديم الهوى معتدل السيرة والرأي جميعا.
    قلت لصاحبي أتستطيع أن تحدثني بما تريد إليه من هذه القصة التي لا تنتهي. قال صاحبي لا أريد إلا إلى شيء يسير جدا وهو أن الذين يريدون العافية وقضاء المآرب وتحقيق المصالح، وتجنب الأذى في أنفسهم وآمالهم وأعمالهم يحسن أن يسيروا سيرة هذا الرجل البارع قلت لصاحبي ليس كل الناس يقدر على أن يكون ثعبانا وليس من الخير أن تكثر في مصر الثعابين.
    طه حسين
    البلاغ، ٢١ يناير ١٩٤٥.

  • بين الرضى والسخط

    بين الرضى والسخط . . .
    بقلم الدكتور طه حسين
    ويقال إن الثورة مزاج من السخط والرضى ومن اليأس والأمل، سخط على لون من الحياة يجب أن يتغير ورضى عن لون من الحياة يجب أن يتحقق. يأس من نظم قائمة يجب أن تزول وأمل في نظم جديدة يجب أن تستقر.

    والثورة من أجل هذا مزاج من التشاؤم والتفاؤل. تشاؤم بما كان قائما وما لا يزال قائما لأنه لا يلائم ما ينبغي أن يكون، وتفاؤل بالقدرة على الإصلاح والرغبة فيه والاندفاع إليه. ولابد فيما يظهر من أن تعتدل هذه الأمزجة كلها، فلا يطغى السخط واليأس والتشاؤم لأن في طغيان هذه الخصال تثبيطا للهمم، وقعودا عن العمل، واستسلاما للأحداث، ولا يطغى الرضى والأمل والتفاؤل، لأن في طغيان هذه الخصال، استراحة إلى الوهم، واطمئنان إلى الخيال وفتورا في النشاط.

    والذين يقومون على الثورة ويدبرون أمرها جديرون بأن يلاحظوا هذا كله فلا ينبغي أن يسرفوا على أنفسهم وعلى الناس بتصوير الحياة، قاتمة تدعو إلى اليأس أو تصويرها مشرقة تدعو إلى الإسراف في الأمل الذي ينتهي أحيانا إلى الخيبة وسوء الظن.

    أقول هذا كله بعد أن قرأت ما قرأت من هذه الأحاديث الكثيرة التي أذيعت في هذه الأيام حول شؤون التعليم في مصر. فليس من الحق في شيء أن التعليم خير كله لا حاجة به إلى الإصلاح، ولا مكان فيه للسخط، ولو قد كان أمره كذلك لما احتاجت مصر إلى وزارة المعارف، ولا إلى عمل الذين يعملون فيها.

    وليس من الحق في شيء أن التعليم كله شر خالص ليس فيه ما يبعث الرضى أو يستحق البقاء. فلو قد كان هذا حقا لما استطاعت مصر أن تعيش على هذا التعليم إلى الآن. ولكن مصر قد عاشت وارتقت وتقدمت خطوات بعيدة إلى الأمام، فهي في هذا القرن خير مما كانت في القرن الماضي، وهي بعد الحرب العالمية الثانية وبعد إعلان الاستقلال خير مما كانت قبل ذلك. ولو قد كان هذا حقا لكان أول ما يجب على الثورة أن تقف هذا التعليم، وتغلق المدارس والمعاهد والجامعات حتى تهيئ للناس تعليما جديدا ملائما لما يطمحون إليه ويطمعون فيه، ثم تستأنف أمرها وقد أقامت التعليم على أسس متينة قد رسمت له خططا صحيحة، وغايات تطابق أغراض الثورة وأهدافها.

    ولكن وزارة المعارف استقبلت العام الدراسي الجديد كما تعودت أن تستقبل الأعوام الدراسية من قبل، ففتحت المدارس والجامعات، وقبلت فيها تلاميذها وطلابها القدماء، ويسرت الالتحاق بها لألوف كثيرة من التلاميذ والطلاب الجدد، ومضت في سبيلها تحاول الإصلاح ما وجدت إليه سبيلا والإبقاء على الشر الخالص لا يستقيم في عقول الذين يدبرون أمور الناس ويرعون مصالحهم.

    والواقع أن التعليم كغيره من المرافق المصرية فيه الخير وفيه الشر، وفيه ما يحتاج إلى الإصلاح، وفيه ما يجب الإبقاء عليه حتى يتاح للناس أن يستكشفوا ما هو خير منه وأكثر نفعا.

    ولو قد سألت أي وزير من وزراء الدولة أراض هو كل الرضى عن وزارته وعما تدبر من المرافق لعلمت أنه بعيد عن ذلك بعدا شديدا، ولكنه مع ذلك لا يشكو ولا يتبرم ولا يزعج الناس بالتشاؤم، ولا يدخل اليأس إلى قلوبهم بهذا السخط الذي لا ينقضي، والذي يملأ الحياة أمامهم ظلاما. وإنما يستقبل عمله ناصحا الناس مخلصا للشعب، ناسيا لنفسه، جادا في الإصلاح، مذللا للعقبات متفائلا بما يتاح له من ذلك صابرا على ما يستعصي عليه من المشكلات.

    ليس من الخير أن يصبح الطلاب والتلاميذ فيقرأون في الصحف أنهم لا يتعلمون ولا ينتفعون باختلافهم إلى المعاهد واستماعهم لما يلقى عليهم من درس، وإنما يضيعون أوقاتهم وجهودهم وصحتهم في غير طائل ويضيعون بعد ذلك على الدولة ما تنفق في تعليمهم من المال الذي يحصى بالملايين الكثيرة، ثم يمسون فيقرأون مثل ما قرأوا في الصباح. ذلك أجدر أن يفسد رأيهم في معاهدهم ومدارسهم، ويهدر ثقتهم بأنفسهم، ويسيء ظنهم بأساتذتهم ومعلميهم دون أن ينتفع بذلك أحد. فهم مكرهون على أن يذهبوا إلى المدارس والجامعات وأن يأخذوا ما يقدم إليهم فيها من المعرفة، وأن يسمعوا إلى أساتذتهم ومعلميهم، وأن يقرأوا فيما بين أيديهم من الكتب والخير كل الخير أن يفعلوا هذا كله وفي نفوسهم من الرضى والأمل وصدق العزم ما يلائم الصبى والشباب، وليس من المصلحة أن يشقى الأستاذ والمعلم بياض يومه وسواد ليله بما يبذل من جهد في التعليم، وإعداد الدروس وتصحيح الكراسات بالمرتبات المتواضعة التي يتقاضونها والتي لا تكاد تغني عن أكثرهم شيئا، ثم يقرأون إذا أصبحوا وإذا أمسوا أنهم يشقون في غير طائل ويضيعون أوقاتهم وجهودهم في تعليم لا نفع فيه، ولو سمع المهندسون والأطباء وغيرهم من الذين يدبرون حياة الناس اليومية ذلك كما يسمعه رجال التعليم لانتشر في مصر تشاؤم مظلم يضر كثيرا ولا ينفع قليلا. إنما الحق على الوزراء والرؤساء والمصلحين وقادة الرأي أن يلائموا بين الرضى الذي يثير الأمل ويدفع إلى العمل وبين السخط الذي يرغب في الإصلاح ويحبب التقدم والرقي. وليس أدل على ذلك من أن وزراءنا يعملون بعد الثورة كما كان الوزراء يعملون قبل الثورة يدبرون ما في أيديهم من مصالح الناس ويطمحون إلى أن يكون اليوم خير من أمس وإلى أن يكون غد خير من اليوم.

    ليس من شك في أن مدارسنا مكتظة بالتلاميذ وأن ذلك يضعف انتفاعهم بما يلقى عليهم من دروس. ولكن أيهما خير أن يزدحم التلاميذ في المدارس لينتفعوا ولو قليلا بالتعليم أم أن تظل المدارس نموذجية لا يزدحم فيها التلاميذ حتى تبنى لهم مدارس ملائمة في وقت يقصر أو يطول. وقد قبلت وزارة المعارف في هذا العام من التلاميذ أكثر مما قبلت في العام الماضي كما يقال. فكيف يستقيم هذا مع العلم بأن المدارس كانت مزدحمة فازدادت ازدحاما وكان التعليم فيها قليل النفع فأمعن نفعه في القلة. ألم يكن من الخير أن نرد التلاميذ عن المدارس في هذا العام حتى تبنى مدارس جديدة في مثل هذا بالقياس إلى الجامعات؟

    أمر رئيس الحكومة مشكورا ألا يرد طالب ولا تلميذ عن معاهد العلم لأنه يعلم أن قليلا من العلم خير من الجهل، وأن بصيصا ضئيلا من النور خير من الظلمة المطبقة التي يخرج الإنسان فيها يده فلا يكاد يراها.

    وكان رئيس الوزراء وزملاؤه جميعا – لا أستثني منهم وزير المعارف – موفقين توفيقا عظيما حين تركوا أمور التعليم تمضي في سبيلها ولم يردوا الطلاب والتلاميذ عن العلم ثم اتخذوا هذا القرار السعيد الذي اتخذوه منذ أيام بإنشاء مؤسسة خاصة لبناء المدارس متوسعة في ذلك توسعا عظيما. وليس لمشكلات التعليم في مصر حل إلا هذا. يجب أن تكثر المدارس وتقرب من الناس فتكون لكل قرية مدرستها الابتدائية ولكل مدينة مدرستها الثانوية ولكل إقليم مدرسته الفنية.

    بذلك ناديت منذ سنين وبذلك أنادي الآن وبذلك سأنادي ما وسعني النداء، والحمد لله على أن استمعت الثورة لهذا النداء، فأنشأت هذه المؤسسة التي ستتيح للمدارس المزدحمة أن يخف ازدحامها وستتيح للشعب أن يعلم أبناؤه وبناته جميعا في غير مشقة ولا عناء.

    وأمر الجامعات كأمر المدارس هي أقل مما ينبغي ولذلك ازدحم فيها الطلاب فقل انتفاعهم بما يلقى فيها من الدرس ولم يستطع الأساتذة أن يفرغوا لطلابهم، وعلاج ذلك أن يخف الازدحام لينتفع الطالب ويفرغ له الأستاذ وسبيل ذلك أن تنشأ الجامعات قبل كل شيء.

    فثلاث جامعات لبلد كمصر بدعة من البدع التي لا تقبل من بلد ناهض يريد أن يكون راقيا حرا متحضرا ويريد أن يكون عظيما كما كان في أكثر عصوره.

    ولست أخفي على وزير المعارف أني ضقت أشد الضيق بما قاله في إحدى خطبه منذ أيام من أن كليات الجامعات مدارس ثانوية من أسوأ أنواع المدارس الثانوية. هذا كثير مسرف في الكثرة لأنه ليس صحيحا. فقد يكون في كليات الجامعة عيوب وعيوب بعضها خطير ولكنها ليست مدارس ثانوية سيئة، وإنما هي كليات جامعية عالية يدرس فيها العلم كما يدرس في غيرها من الجامعات. ولعله يدرس فيها خيرا مما يدرس في كثير من الجامعات الأجنبية، وهي بعد ذلك في حاجة إلى الإصلاح شأنها في ذلك شأن كل شيء في مصر. ولن تنقطع حاجتها إلى الإصلاح في يوم من الأيام لأن الكمال شيء لا سبيل إلى إدراكه يبعد منا كل ما سعينا إليه.

    وبين يدي كتب كثيرة تنتجها هذه الكليات التي ظلمها وزير المعارف في خطبته تلك. وهي كتب متقنة جيدة تصور حبا للبحث، وتفوقا فيه، ولا تقل عن الكتب التي يصدرها الجامعيون في غير مصر. وهذه الكتب لا يصدرها شيوخ الأساتذة وحدهم، وإنما يصدرها الشباب منهم أيضا.

    وليس ذنب الجامعيين أن وزراء المعارف لا يقرأون كتبهم، ولا يتابعون نشاطهم، ولا يستقصون بحوثهم، ولو قد فعلوا لعرفوا أن مصر لم تضع وقتها عبثا منذ أنشئت فيها الجامعات.

    وأقول مرة أخرى أن جامعاتنا في حاجة وستكون دائما في حاجة إلى الإصلاح، وليس لها أن ترضي عن نفسها، فليس يرضي عن نفسه إلا من ألف الخمول والخمود، فأما الذين يطلبون الرقي ويستزيدون من الخير ويسعون إلى الكمال، فهم ساخطون دائما، راضون عن أنفسهم أحيانا يدفعهم السخط إلى طلب التغيير والطموح إلى الرقي، ويتيح لهم الرضى شيئا من الثقة بالنفس يمكنهم من العمل والجد والإنتاج.

    وإني لأرجو ملحا في الرجاء أن تتخذ الثورة بشأن الجامعات خطوة كالتي اتخذتها بشأن التعليم العام. فتهيئ لإنشاء جامعة أو جامعتين أو ثلاث في وقت ملائم. ذلك أجدر أن يحقق لجامعاتنا ما تتحرق إليه من الإصلاح، والشيء الذي لا شك فيه هو أن معاهدنا وجامعاتنا لا تشكو من شيء كما تشكو من الكظة والازدحام.

    فلنخفف عليها الضغط ولنمنحها الثقة وحسن الظن ولننتظر منها بعد ذلك أن تخلق مصر خلقا جديدا.
    طه حسين
    الأهرام، ٢٧/١٢/١٩٥٢

  • هزل وجد

    هزل وجد
    بقلم الدكتور طه حسين
    أنفقت أياما عشرة لا تصل إليّ فيها الصحف المصرية ولا أعرف من أنباء مصر وثورتها المباركة إلا ما تحمله إليّ الصحف الفرنسية أو الإيطالية. وأرادت الظروف ألا يكون في الفندق الذي أقيم فيه راديو أستطيع أن أفزع إليه مصبحا أو ممسيا لأسمع الأنباء وأساير ما يجد في مصر من الأحداث. فكنت إذن أعرف شئون مصر من طريق غير مباشرة هي طريق الصحف الأجنبية وما تنشره من هذه الأطراف المقتضبة التي لا تقنع ولا ترضي ولعلها تشوق إلى مزيد من العلم وفضل من المعرفة. وجعلت أظن الظنون وأقدر في نفسي ألوانا من الفروض تصور لي الحياة الواقعة في مصر وقد كنت متلهفا إلى الأنباء فكنت أقدر أن المصريين جميعا متلهفون مثلي على الأنباء، وكنت مشغولا عن كل شيء بالتفكير في ثورتنا ونتائجها الأولى وأعقابها البعيدة وأثر هذا كله في حياتنا التي نحياها اليوم وفي حياتنا التي سنحياها غدا أو بعد غد.
    ولم أكن أشك في أن المثقفين من المصريين مشغولون مثلي عن كل شيء بهذا التفكير وكنت لا أفكر في أمس القريب أو البعيد إلا لأوازن بينه وبين اليوم أو لأوازن بينه وبين غد أو بعد غد. وكنت أعتقد أن المثقفين من المصريين مثلي قد أخذت عليهم الثورة وأحداثها وأعقابها كل طريق. فهم قد نسوا أمس وما ثار بينهم فيه من الضغينة والحقد وأصبحوا إخوانا قد صفت قلوبهم من البغض وبرئت نفوسهم من كل سوء وطهرت ضمائرهم من كل موجدة. وقد حفظت فيما حفظت من الآثار أن الإسلام يجب ما قبله فكنت أظن أن الثورة تجب ما قبلها أيضا وكنت مستيقنا أن المصريين لن يفكروا فيما قبل الثورة إلا ليرفعوا ما وقع من الظلم ويزيلوا ما بها من البغي ويردوا الحقوق إلى أصحابها ويضطروا الظالمين والآثمين إلى حياة بريئة من الظلم والإثم جميعا.
    كنت أظن هذا كله وكنت أقول لنفسي أن الزمان قد استدار في مصر كهيئته يوم خلق الله مصر والمصريين فأصبح لا عهد له ببغي ولا طغيان ولا عدوان وإنما مصر بلد صفا جوه وطاب إقليمه يسكنه شعب صفت قلوبه وضمائره وطابت سيرته وسرائره.
    كذلك كنت أشعر وكذلك كنت أفكر وبذلك كله كنت مؤمنا وإلى ذلك كله كنت مطمئنا. ولكن الصحف المصرية تصل إليّ ذات يوم فأسرع إليها وأعكف عليها فيا لها يقظة مؤذية مزعجة بعد نوم هادئ مستريح وأحلام حلوة ممتعة.
    رأيت صحفنا كما عرفتها قبل أن أبرح الأرض وأعبر البحر وقبل أن تعصف الثورة ببغي البغاة وطغيان الطغاة لم يتغير من سيرتها شيء لا في الظاهر ولا فيما ورائه من خفي الأشياء والأسرار. كلف بالأنباء المثيرة وشغف بالأخبار التي تروع أو تروع، وتتبع للصغائر وإغراق في البحث عنها ومضي في الجدال الذي لا يغني عن أصحابه ولا عن الناس شيئا.
    الأحزاب ماضية في خصوماتها كأن الدنيا لم تتغير من حولها والصحف الأسبوعية ماضية في تلقط النوادر التي يتفكه بها الناس حين يلقي بعضهم بعضا على حساب هذا الحزب أو ذاك وعلى حساب هذا الفرد أو ذاك كأن مصر لم تستأنف فصلا جديدا من تاريخها الرائع الطويل وإني لفي ذلك وإذا صحيفة تنشر حديثا لم أكد أقرأه حتى أغرقت في ضحك عميق عريض ولكنه على ذلك مؤلم ممض. فهذا الحديث يمسني أنا ويمس علمي باللغة العربية وسوء تصرفي فيها. وما رأي القارئ في أني لا أحسن تعدية الأفعال وإنما أخلط في حروف الجر تخليطا معيبا ولا أحسن استعمال الهمزة وإنما انحرف في هذا الاستعمال عما جاء في شعر زهير وعما جاء في مغني اللبيب لابن هشام. وقد أغرقت في هذا الضحك العميق العريض المؤلم الممض لا لأني أنكر على صاحب هذا الحديث شيئا مما قال. فالناس جميعا يعلمون أني لا أحسن اللغة العربية ولا أجيد التصرف فيها. والناس جميعا يعلمون أني لست من الكتابة ولا من الأدب الرفيع في شيء، وإنما متكلف ثرثار لا أعرف كيف أبدأ ولا أعرف كيف أنتهي ولا أعرف كيف أقول. الناس جميعا يعلمون هذا وأنا أعلمه أيضا. ولست أنا الذي طلب إلي الناس أن يسموني بما شاءوا من الأسماء وأن يلقبوني بما أحبوا من الألقاب وإنما هو حب الناس للعبث وكلفهم بالدعابة وتهالكهم على الفكاهة قد دفعهم إلى ما اندفعوا إليه وورطهم فيما تورطوا فيه.
    لم أمعن في الضحك إذن لأني أنكرت من هذا الحديث شيئا وإنما أمعنت في الضحك العميق العريض الطويل الممض لأني ذكرت تلك الصورة التي استقرت في نفسي لمصر قبل أن تصل إليّ الصحف بساعة أو بعض ساعة ثم رأيت هذا الحديث الصغير الضئيل وليس شيء من الأشياء يدعو إلى الضحك والإغراق فيه كاجتماع النقائض حين تتباعد الآماد بينها. ملك ينزل عن العرش مذعنا لإرادة الشعب وحياة عامة تتغير. وتريد أن تنقلب رأسا على عقب ونظم سياسية اجتماعية تريد أن تتحول لتبرأ ما جرى فيها من الفساد وبلد يخلق خلقا جديدا وتاريخ يستأنف من فصوله فصلا يريد أن يكون رائعا بارعا خلابا للقلوب والعقول والأبصار والأسماع كل هذا في ناحية وأمامه في ناحية أخرى شيخ من شيوخ اللغة أو شاب من شبابها يتتبع أغلاط كاتب من الكتاب ويعيب على الأهرام أنه من كتابها ويطلب إليها أن تصحح فصوله قبل أن تنشرها، ضخامة ضخمة من جهة وصفر صغير من جهة أخرى وأشد من ذلك إيذاء للنفوس وإيلاما للقلوب أن هذا الصفر الصغير ليس فذا ولا نادرا. ولكن له أمثالا كثيرة في صحف كثيرة وهذه الأمثال لا تمسني من قريب أو بعيد وإنما تمس غيري من الناس. وليس المنكر فيها أنها تعيب هذا الرجل أو ذاك بالحق قليلا وبالباطل كثيرا وإنما المنكر فيها حقا هو أنها صغيرة ضئيلة بالقياس إلى ما ينبغي أن يأخذ على المصريين جميعا طرق التفكير والشعور وطرق الكتابة والحديث.
    لقد كانت بيني وبين قوم من المصريين خصومة في شئون التعليم كنت أقول وكانوا يقولون وكنت أقدر أن أرد على أحدهم ذات يوم ولكن الأنباء تحمل إليّ أحداث مصر فأعرض عن تلك الخصومة لا عامدا إلى هذا الإعراض وإنما اضطرتني إليه الأحداث اضطرارا. فما حديث المجانية أو ما حديث بثينة وجميل في بلد ينهار فيه نظام ليقوم مقامه نظام آخر.
    وقد ساءلت نفسي دائما وفي كثير من الإلحاح عن بيت المتنبي:
    وإذا كانت النفس كبارا
    تعبت في مرادها الأجسام
    كيف يصبح لو أننا وضعنا فيه صغارا مكان كبارا واعترف بأني ذكرت هذا البيت وذكرت السؤال الذي طالما ألقيته على نفسي حين قرأت الصحف التي وصلت إليّ من مصر منذ أيام ورسمت قائدنا العظيم الذي غير حياة مصر في أيام قليلة بل في ساعات قليلة فرد إليها شرفها وكرامتها في داخل البلاد وخارجها وأشعر كل مصري بأنه يستطيع أن يقول للظالم لا وأن يمتنع في عزة وإباء على كل من يسومه الخسف ويريد به ما لا
    رحمت قائدنا العظيم حين رأيت من حوله قوما قليلين أو كثيرين ما زالوا عاكفين عن صغائرهم يتتبعونها ومشغوفين بشخصهم يبدلون فيه ويعيدون كأن شيئا من حولهم لم يتغير.
    ما أكبر مصر وما أصغر ما صار إليه بعض أبنائها وما تقول في أسود تزأر وإلى جانبها ذباب يطن وضفادع تملأ الجو نقيقا.
    ما أشد حاجة المصريين والمثقفين منهم خاصة إلى أن يقدروا وطنهم حق قدره ويعرفوا أنه أكبر وأعظم وأبعد صوتا من هذا السخف الذي يمعنون فيه، ليكن فلان عالما أو جاهلا وليكن فلان قدما أو فصيحا وليكن فلان حليما أو سفيها فأي خطر لهذه الصغائر الآن حين تقبل مصر على ما هي مقبلة عليه من عظائم الأمور.
    أقول هذا كله وأنا أبعد الناس عن اليأس والتشاؤم وأقربهم إلى الرجاء والتفاؤل فقد تخلق مصر خلقا جديدا وتتغير نظمها المختلفة تغيرا خصبا. ويظل فيها مع ذلك من أبنائها نفر طال تأثرهم بالحياة القديمة واشتد حتى شاخوا فيها وإن لم يتجاوزوا طور الشباب:
    والشيخ إن قومته من زيغه
    لم يقم التثقيف منه ما انحنى
    فأي غرابة في أن يشغلهم طنين الذباب ونقيق الضفادع عن زئير الأسود وأي غرابة في أن يحتاجوا إلى وقت أطول من هذه الأسابيع التي مضت منذ كانت الثورة ليشعروا بأن الدنيا قد تغيرت من حولهم وأن شئون الإصلاح السياسي والاجتماعي والعقلي أجدر أن تشغلهم عن تتبع الصغائر والتهالك عليها إنهم يسمعون أن مصر تريد أن تغير نظامها الاجتماعي فتجعل توزيع الثروة عادلا ملائما للحق والإنصاف وهي تفكر في تحديد الملكية ورفع الضرائب وتمكين الفارغين من أن يعملوا وتمكين العاجزين عن العمل من أن يعيشوا وتمكين الجاهلين من أن يتعلموا وتمكين الضعفاء من أن ينتصفوا من الأغنياء. يسمعون هذا كله فلا تصغي إليه قلوبهم ولا عقولهم وإنما يعيبون كاتبا بأنه وضع عن مكان على ويعيبون سياسيا بأنه ابتسم في غير موضع للابتسام. ولابد من أن يأتي يوم قريب أو بعيد يفيق فيه هؤلاء الناس من نومهم العميق ويتنبهون إلى أن زمن الصغائر وتتبعها قد انقضى ولو إلى حين. وإلى أن لوطننا ولأنفسنا علينا حقا هو أن نعتني بالمهم من أمره وأمرها حتى إذا فرغنا من ذلك وأتيحت لنا حياة الأمم الحرة الراقية جاز لنا يومئذ ويومئذ فحسب أن نفرغ لتتبع الصغائر والإمعان في السخف. نلهو بذلك ونستريح إليه لنستأنف حياة الجد والكد بعد قليل من اللهو والراحة. ولكن هؤلاء الناس سيقرأون هذا الحديث ساخرين منه متتبعين ما قد يجدون فيه مما لا يلائم لسان العرب ومختار الصحاح وسيقولون ما زال هذا الرجل كما عهدناه ثرثارا لا يحسن أن يكتب ولا يعرف كيف يقول. فدعهم يخوضوا ويلعبوا حتى يأتي يومهم الذي يوعدون.
    طه حسين
    الأهرام ٦\٩\١٩٥٢

  • نسيان النفس

    نسيان النفس …
    بقلم الدكتور طه حسين
    ما أكثر ما تمنيت على الله عز وجل أن يعلمني ويعلم المواطنين نسيان أنفسنا حين يجد الجد ويتعقد الأمر وتكثر المشكلات وحين تتصل أعمالنا وأقوالنا بالمصلحة العامة فنسيان النفس في هذه المواطن هو أقوم سبيل إلى الإخلاص في القول والعمل والتجرد من الأهواء والأغراض وإيثار الوطن وآماله على منافعنا ومآربنا. والرجل الشجاع حقا هو الذي يستطيع أن يقهر نفسه قبل أن يحاول أن يقهر غيره وهو الذي يستطيع أن يضبط نفسه في مواطن الرضى والغضب فلا يسرف ولا يغلو ولا يجني ولا يتجنى ولا يرهق الناس من أمرهم عسرا ولا يؤذيهم في ذات أنفسهم بما يكره أن يؤذوه به في ذات نفسه وإذا أقبل الوطن على مثل ما يقبل عليه في هذه الأيام من الأمور العظام والأحداث الجسام والإصلاح الذي يريد أن يكون شاملا كاملا مستقصيا لكل شيءٍ محتاطا لكل طارئ، كان المصري الصادق في مصريته خليقا أن ينسى نفسه ومنافعه وأهواءه وأن يخلص قلبه وعقله لخدمة مصر والنصح لها في كل ما تستقبل من الإصلاح.
    أقول هذا كله بعد أن قرأت طائفة من الصحف الفرنسية ورأيت فيها ألوانا من الأحاديث تنقل عن جماعة من المصريين منهم من يحاول أن يبرئ نفسه من كل تهمة ويرد عنها كل منقصة ومنهم من يريد أن يفسر أحداثنا التاريخية الحاضرة وأسبابها القريبة والبعيدة ومنهم من يريد أن يصور آمالنا التي نطمح إليها وأمانينا التي نحرص على تحقيقها وآفاتنا التي نريد أن نخلص منها.
    وكل هذا حسن حين تخلص النية وتصفو الضمائر وترتفع النفوس عن الصغائر وتتنزه القلوب من أهواء الحب والبغض والتشفي والانتقام.
    وأحب أن أسجل قبل كل شيءٍ أني قرأت أحاديث في هذه الصحف تنقل عن القائد العام وعن رئيس الوزراء فلم أر فيها إلا خيرا ولم أنكر من جملتها وتفصيلها قليلا ولا كثيرا لأنها لا تتهم ولا تتشفي ولا تدعو إلى انتقام ولا تمكر بأحد ولا تكيد لأحد وإنما تبين أهداف الثورة وآمال الشعب فيها وخطة الجيش والحكومة في تحقيق هذه الآمال وبلوغ تلك الأهداف ومن حق العالم الخارجي أن يعرف من أمرنا ما يعطفه علينا ويؤمنه على منافعه في بلادنا ويصور له ثورتنا كما هي لا تريد شرا بأحد ولا ترضى أن يريد بها أحد شرا.
    ولكني قرأت فيما قرأت أحاديث كنت أحب أن يحتاط أصحابها قبل أن يلقوها إلى الذين اتصلوا بهم من الصحفيين الأجانب. لأنها تسيء إلى وطنهم في غير موضع للإساءة إليه ودون أن يفكروا هم في أن يسيئوا إليه.
    والمصريون يعلمون حق العلم أن الأحداث التي تحدث في بلادهم تثير حاجة الأجانب إلى الاستطلاع وتدفع الصحف الأجنبية إلى إرضاء هذه الحاجة بكل ما يلقى إليها من حديث وبكل ما يصل إليها من علم لا تتحفظ ولا تحتاط ولا تريد إلا إرضاء حاجة قرائها إلى المعرفة. وكل ما كان الحديث مثيرا كان حرص الصحيفة عليه أشد وكانت رغبة القارئ فيه أعظم. فمن الحق على المصريين لأنفسهم ووطنهم أن يتحفظوا ويحتاطوا ويذكروا وطنهم وينسوا أنفسهم.
    وما أشك في أن العهد الذي سبق الثورة كان فيه خطأ كثير وشر عظيم ولكن ذلك الخطأ وهذا الشر لا يعنيان الأجانب وإنما يعنيان المصريين والمصريين وحدهم، فمن كان عنده علم ببعض ما اقترف من إثم أو اجترح من سيئة في حقوق الأفراد والجماعات فسبيله أن ينبئ السلطة المصرية المختصة بما يعلم من ذلك. ولهذه السلطة أن تتخذ ما ترى من إجراء لتعاقب المفسد على إفساده وتجزي المسيء بما اقترف من إثم وما اجترح من سيئة. فأما الأجانب فليس لهم أن يدخلوا من ذلك في قليل أو كثير.
    ومن أحس من المصريين أن هناك تهما تدور حوله وشبهات تريد أن تمسه وأراد أن يبرئ نفسه من كل تهمة ويرد عنها كل شبهة ويظهرها للناس ناصعة الصفحة نقية الظاهر والغيب من أمرها، سبيله أن يبرئ نفسه أمام المصريين الذين ينفعه حسن ظنهم به ويسوئه قبح رأيهم فيه. فأما الأجانب فليس يعنيهم من أمره أن يكون متهما أو بريئا وأن يكون نقي الصفحة أو غير نقيها وإنما هم يسمعون منه ويذيعون عنه ليرضوا حاجة قرائهم إلى الاستطلاع ولا عليهم بعد ذلك أن يسوئوه ويسوؤوا وطنه ومواطنيه جميعا.
    وأيسر ما يجب على المصريين لأنفسهم ولوطنهم ألا يذكروا مصر للأجانب إلا بالخير وألا يسيئوا إلى صوتها في الخارج وأن يعلموا أن رأي الأجانب فينا ليس على ما نحب من الصدق والحب والنصح والإخلاص إنما هم يظنون بنا الظنون ويسيئون فينا الرأي ويحملون علينا من العيوب ما ليس فينا.
    فلسنا إذن في حاجة إلى أن نضيف إلى ظنونهم المنكرة ظنونا أخرى ولا إلى آرائهم السيئة آراء أخرى ولا إلى تهمهم المسرفة تهما أخرى. والأجانب يعلمون حق العلم أن مصر لم تثر حبا للثورة أو رغبة فيها وإنما ثارت لترفع ظلما وتقر عدلا ولتزيل فسادا وتشيع صلاحا وهم يعرفون من الظلم الذي أصابنا والفساد الذي ألم بنا شيئا كثيرا. ولهم في بلادنا سفارات تلاحظ ما نأتي وما ندع وتسجل ما نعمل وما نقول ولهم في بلادنا كذلك صحفيون يشهدون أمورنا ويرقبون أعمالنا وينقلون إلى صحفهم من ذلك ما يحبون، فأيسر ما علينا من الحق لأنفسنا ووطننا حين نتصل بهؤلاء الصحفيين أن نصلح من خطئهم في الحكم علينا وفي تقديم أعمالنا وأقوالنا لا أن نضيف إلى خطئهم خطأ وإلى تجنيهم تجنياً.
    وأي منفعة للمصريين في أن يتهم بعضهم بعضا في الصحف الأجنبية الخارجية بالفساد والإفساد وبالرشوة وبيع الضمير وبالمصانعة في حقوق الوطن والممالأة عليه. كل هذا إن أنتج شيئا فإنما ينتج سوء الظن بمصر كلها وبأبنائها جميعا سواء منهم من يتحدث إلى هذه الصحف ليصور نفسه في صورة البطل المغوار والأسد الجسور ومن يتحدث عنهم هذا البطل مضيفا إليهم من الآثام والموبقات ما قد يعجز عن إثباته إذا طولب بإثباته أمام القضاء.
    أؤكد للقراء أني لا أفكر الآن في نصر مصري على مصري ولا في تأييد حزب دون حزب، فقد تعودت حين أسافر من مصر أن أترك فيها كل أهوائها واختلافاتها وألا أذكر من وراء البحر إلا أني مصري ليس غير. فإذا عدت إلى مصر خالفت ووافقت وخاصمت وصالحت، أبيح لنفسي ذلك داخل حدود الوطن لا خارجها.
    والأيام التي نعيش فيها الآن ليست أيام تخاصم ولا تنافس ولا تنابذ وإنما هي أيام تعاون على تحقيق مصلحة الوطن والوصول به إلى الكرامة التي يطلبها والعزة التي يرجوها والعدل الذي يطمح إليه فكيف بنا ونحن لا نكتفي بالتخاصم والتنابذ داخل حدودنا وإنما ننقل خصوماتنا وعداواتنا وأحقادنا وضغائننا إلى ميادين العالم الخارجي الذي نحن محتاجون إلى أن يحسن ظنه بنا ويصلح رأيه فينا وألا يعتقد أننا دفعناه إلى أن يعتقد أن في مصر أحزابا وجماعات تتعاون على الإثم والعدوان وعلى البغي والطغيان وعلى إيثار نفسها بالطيبات وتسخير الشعب في سبيل الأهواء والشهوات.
    كم أتمنى أن يتخذ كل مصري من نفسه على نفسه رقيبا حين يلقى الصحفيين الأجانب وحين يتحدث إليهم في شؤوننا السياسية والاجتماعية والاقتصادية أيضا.
    وكم أتمنى أن يظهر الرأي العام المصري على بعض ما يقول فريق من أبناء مصر للصحف الأجنبية ويعرفوا من يغشهم ومن ينصح لهم وليحذروا أولئك الذين يظهرون لهم وجوها مشرقة ويطوون عنهم نفوسا مظلمة.
    وكم أتمنى على الله آخر الأمر أن يعلمنا نسيان أنفسنا فإن في نسيان المرء نفسه في مواطن الجد والخدمة العامة صلاحا أي صلاح ولم يخلص للوطن ولم يحرص على مصلحته من لم ينسَ نفسه وإنما ذكرها كل ما عمل أو كل ما قال.
    طه حسين
    البلاغ، ٢٥/٨/١٩٥٢

  • صورة …

    صورة …
    لن أبيح لنفسي أن أتعمق الأحداث الطارئة في مصر وبيني وبين الوطن بر شاسع وبحر عريض وإنما أصور ما تأثرت به في هذا المكان البعيد حين جعلت أنباء هذه الأحداث ترقى إلى من السهل أو يحملها إلى البرق والأثير. فقد كان هذا التأثر أول الأمر تأثر القلق والإشفاق حين ألقى إلى التليفون من باريس الأنباء الأولى لحركة الجيش، وما هي إلا ساعات حتى استحال هذا القلق والإشفاق إلى شيء من الطمأنينة فيه ميل شديد إلى الاستطلاع والعلم بحقائق الأشياء فقد حمل إلى التليفون من روما أن قائد الجيش لم يتول الحكم ولم يصطنع العنف وإنما طلب أن تكون أمور الحكم إلى رجل ثقة يطمئن المصريون إليه على اختلاف ميولهم وأهوائهم . ولم يكد يبلغني اسم هذا الرجل الذى أسندت إليه شئون الوزارة من الغد حتى أحسست الرضى وجعلت أحس شيئا من التفاؤل يمازجه شيء من الإشفاق أن تفلت الأمور من أيدى المشرفين عليها وأن تفسد بعد أن همت بالصلاح . وجعلت الأخبار يتلو بعضها بعضا بالبرق والتليفون من روما وباريس ومن طريق الصحف والراديو.
    وما هي إلا أن تثوب إلى الثقة ويعود إلى الأمل وأحس أن مصر قد وجدت نفسها ولم يخطئها التوفيق ولم تحد عن قصد السبيل وإنما ملكت أمرها وضبطت نفسها ومضت في طريقها إلى الإصلاح ثابتة رزينة لم تسرف على نفسها وعلى غيرها في شيء.
    ثم أصبح ذات يوم فاقرأ في الصحف أن الكتاب قد بلغ أجله وأن سلطاناً قد انقضى عهده وأن سلطانا جديدا قد أخذ يستقبل الحياة . هل أستطيع أن أصور ما ثار في نفسى من العواطف وما دار في عقلي من الخواطر وما خفق به قلبي من الشعور. لقد ذكرت عهدا مضى كان رئيس الوزارة القائمة فيه ناهضا بأعباء الحكم حين زال سلطان وجعل سلطان جديد يستقبل الحياة . هنالك نهض على ماهر بالعبء كأحسن ما ينهض الرجل الثقة الجلد بالعبء الفادح الثقيل ، لم يخرج عن طوره ولم تخرج مصر عن طورها وإنما مضى الأمر في طريق مستقيمة حتى أقر البرلمان ما أقر وأجريت الانتخابات حرة كريمة هادئة مطمئنة وانتهت إلى نتائج لم ينكرها أحد من المصريين وإنما قبلها الناس جميعاً راضين بها مؤمنين لها وخرجت مصر من ذلك المأزق دون أن تلقى كيدا في ذلك العهد لم يكن الجيش في حاجة إلى أن يتدخل في أمر من الأمور فظل في مكانه مؤديا لواجبه منصرفا إليه عن كل شيء . أما في هذه المرة فالجيش هو الذى أثار هذه الأحداث، لم يثرها عن طمع ولا عن طموح ولا عن رغبة في منفعة أو رهبة من مضرة وإنما أثارها لأن المدنيين كانوا قد وصلوا من العجز عن تقويم المعوج وإصلاح الفاسد إلى حيث لم يكن بدمن أن يقوم العسكريون مكانهم بما حيل بينهم وبين القيام به.
    والله عز وجل يقول < ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون»
    فقد كان الجيش هذه الأمة التي دعت إلى الخير وأمرت بالمعروف ونهت عن المنكر وسارعت في الخيرات وأيدت هذا كله بالقوة التي خلقت لتنصر الحق ولم تخلق لتنصر الباطل عليه . وقد أمرنا إذا رأينا منكرا أن نغيره بأيدينا فحيل بين المدنيين منا وبين تغيير المنكر بالأيدي وأمرنا إن لم نستطع أن نغير المنكر بأيدينا أن نغيره بألسنتنا فحيل بين الألسنة وبين القول وحيل بين الأقلام وبين الكتاب وأمرنا إن لم نستطع أن نغير المنكر بأيدينا ولا بألسنتنا أن نغيره بقلوبنا وقيل لنا أن هذا أضعف الإيمان وقد ألجئنا إلى ضعف الإيمان إلجاء واضطررنا إليه اضطرارا فجعلنا نغير المنكر بقلوبنا نستعين الله عليه ونرجو أن يقيض له من أولى البأس والقوة قوما لا يخافون في الحق لومة لائم، يستطيعون أن يقولوا وأن يفعلوا وأن يعدوا وأن يوفوا . ولقد كنا ننكر بقلوبنا وننكر بألسنتنا حين يلقى بعضنا بعضا ثم لا نستطيع أن نتجاوز ذلك إلى الجهر بالدعوة إلى الحق والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.
    ولقد كنا نفكر فنحاسب أنفسنا على ما نفكر ونكتب فندير الجملة أو الكلمة في رؤوسنا قبل أن نلقيها إلى القلم ليخطها على القرطاس وكنا نرسل المقالة إلى الصحيفة ونحن نقدر أنها لن تنشر لأن الرقيب كان لها بالمرصاد فإذا نشرت منقوصة أو كاملة جعلنا ننتظر أعقابها ونسأل أنفسنا أتمضى بسلام أم تدفعنا إلى سجن من هذه السجون وإلى معتقل من هذه المعتقلات أو تفسد علينا بعض أمورنا الخاصة أو تحد من حريتنا في الحركة والانتقال ، وأشهد لقد أحسست كأن ثقلا ثقيلا قد وضع عن عاتقي حين تحركت بي السفينة خارجة من مصر وأشهد لقد تنفست ملء رئتي حين أحسست أن يد السلطان قد قصرت دوني أثناء أجازة الصيف التي أقضيها بعيدا عن مصر . وجعلت أحاسب نفسى حين أكتب لا مخافة السجن أو المعتقل ولكن مخافة الحذف والبتر والتغيير والتبديل والإساءة إلى الصحيفة التي تنشر ما أرسله إلهيا من فصول .
    وقد وصلت إلى إيطاليا ووصلت إلى فرنسا بعد ذلك ولقيت الناس في روما وباريس وفى غير روما وباريس وأقسم ما أحسست الخجل قط كما أحسسته في هذه الرحلة قبل أن تحدث الأحداث الأخيرة فقد كان الناس يتحدثون إلى متحفظين يكرهون أن يؤذوني في ذات وطني يقولون لي قليلا ويضمرون في أنفسهم كثيرا وأحس منهم ذلك فاستحى وامعن في الحياة حتى يضطرب قلبي ويضطرب لساني قبل أن يتكلم وحتى أجد لذعا ممضا كأنما كنت أجلس معهم على جمر الغضى . كانوا يعرفون من سيئات الحكم في مصر مثل ما كنت أعرف ، كانوا يعرفون أن مصر قد فقدت حريتها وأن أبنائها يعيشون في ظل الخوف والهلع وأن حاكمها العسكري يستطيع أن يسوم أبنائها ما يشاء من الخسف دون أن يخشى بأسا أو لوما أو رقيبا وأن أحكام القضاء فيها تصدر فلا تنفذ ولا يحفل بها السلطان وأن الحاكم العسكري قد حاول أن يحجر على القضاء ويمنعه من النظر في بعض المظالم إن رفعت إليه . كانوا يعلمون هذا كله ويتجنبون التحدث إلى فيه إلا بالإشارة والتلميح . وكنت أتحفظ في إجابتي كما كانوا يتحفظون في أحاديثهم ، كانوا يستحون منى رفقا بي ، وكنت استحى منهم استخذاء مما صارت إليه الأمور في وطننا .
    أما قراءة الصحف فكانت عذابا أي عذاب وما أكثر ما كانت الصحف تقول عن مصر وما أكثر ما كانت تعيبها بالحق قليلا وبالباطل كثيرا حتى نغصت على الحياة في أوروبا كما كانت منغصة في مصر . ولم أشعر بشيء من الراحة المرة إلا حين أويت إلى هذه القرية البعيدة التي لا أعرف فيها أحدا ولا يعرفني فيها أحد والتي لا أكاد أتحدث فيها إلا إلى الأهل والرفاق. في هذه القرية كظمت غيظي وجعلت أجيله بيني وبين نفسى مصبحا وممسيا . أقرأ قليلا في الصحف وأقرأ كثيرا في الكتب أفر إلى القدماء من المحدثين واحتمى بالتاريخ من حياتنا الحاضرة .
    ثم تصل إلى الأنباء بأن الأمور قد أخذت تتغير في مصر فأتردد بين الشك واليقين فما أكثر ما تغيرت الأمور في مصر منذ أول هذ العام دون أن يؤدى هذا إلى خير .
    تتابع الأنباء وإذا ظلمة الشك تنجلي وإذا نور اليقين يغمرني من جميع أقطاري وإذا أنا أحس أن كرامة مصر قد ردت إليها وأن غمرة الطغيان قد انجلت عنها وأنها قد أخذت تستأنف طريقها في ضوء مشرق من الثقة والأمل لا تخشى أن يمكر بها الماكرون أو يكيد لها الكائدون لأن الجيش قد أمنها على حياتها الداخلية ومن ذا يستطيع أن ينكر أن الجيش إذا كان من الحق عليه أن يؤمن الوطن من العدو الخارجي فإن من الحق عليه كذلك أن يؤمنها من العدو الداخلي ذلك أن فساد الأمر في داخل الحدود يعرض الجيش نفسه لخطر أي خطر وقد ذاق الجيش مرارة هذا فصابر وصابر حتى أصبح الصبر جبنا وإقامة على الذل . هنالك أقبل الجيش فقال للمواطنين لا بأس عليكم ما دمت معكم أحميكم ممن يريد بكم السوء سواء جاء منه خارج الحدود أو من داخلها .
    بارك الله للجيش فيما فعل ، وبارك الله للجيش فيما يفعل، ، وبارك لمصر في الجيش ووقى مصر كيد الكائدين ومكر الماكرين وخيانة الخائنين ، ووقاها مشيري السوء الذين يفكرون في أنفسهم قبل أن يفكروا في الوطن والذين يتخذون الوطن وسيلة إلى إرضاء شهواتهم وشفاء ما في نفوسهم من غل وجشع وحقد.
    لقد ثابت مصر إلي نفسها في هذه الأيام الأخيرة فعسى، ألا تفقد مصر نفسها مرة ثانية ، إن الآمال أمامها لواسعة وإن الطريق لواضحة وإن وسائل الإصلاح فيها لمكفولة فهل هي سالكة طريقها الواضحة المستقيمة إلى آمالها الواسعة الكريمة وهل هي آخذة أمورها كلها بالحزم والجد والعدل والإنصاف لتحقق في مستقبل أيامها القريبة مجدا يلائم أيامها البعيدة .
    بهذا كله تتحدث نفوسنا وتخفق قلوبنا فاللهم اسمع واللهم استجب .
    طه حسين
    الأهرام ، ٢\٨\١٩٥٢

  • لو كنت عضوا في البرلمان

    وأنا لو كنت عضوا في البرلمان . . .
    الدكتور طه حسين بك يرد على إسماعيل صدقي باشا

    لو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لقلت لوزير المالية لا تسمع لكلام صدقي باشا وأشباهه فإنهم لا يقولون ولا يكتبون في السياسة المالية أو غير المالية إلا وهم يذكرون أنفسهم قبل أن يذكروا شيئا آخر غير أنفسهم، فهم يفكرون فيما يمسهم من السياسة المالية أو غير المالية من قريب أو بعيد وهم يقولون أو يكتبون ليدفعوا عن أنفسهم ما قد تنالهم به هذه السياسة من نقص في الأموال أو في الثمرات ولو كان هذا النقص وهماً أو خيالاً.
    نعم ولو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لقلت لوزير المالية لا تسمع لصدقي باشا وأشباهه فإنهم لا يفكرون في رخاء الشعب ولا في إرضائه ولا في إصلاح مصر ولا في رقيها بمقدار ما يفكرون في أموالهم وأعمالهم ومنافعهم وأذكر يوم فكرت الحكومة في تيسير تجارة الفاكهة بين مصر وبلاد الشرق الأدنى فثار صدقي باشا يحتج ولم يفكر في أن الحكومة إنما كانت تريد أن تبيح للمصريين الفقراء أن يذوقوا البرتقال وما يشبهه من الفاكهة بعد أن حرمت عليهم ثمرات مصر لأن أصحابها من أمثال صدقي باشا يؤثرون أن يكسبوا منها المال الكثير على أن يبيحوها مواطنيهم الذين لا يستطيعون أن يدفعوا إليهم هذا المال الكثير.
    ولو كنت عضواً في مجلس الشيوخ أو مجلس النواب لقلت لوزير المالية لا تسمع لصدقي باشا وأشباهه من الذين يحسنون الكلام في المال والأعمال والعبث بالحساب والأرقام وإلقاء النظريات الاقتصادية كما كان يلقي أبولون وحيه إلى كاهنته في الزمن القديم فإن في حياة مصر بل في حياة الإنسانية الآن أموراً أعظم خطرا وأجل شأنا من الحساب والأرقام ووحي أبولون، وتشدق أصحاب الكفايات وأهم هذه الأمور أن يأكل الجائع ويشرب الظمآن ويستريح البائس ولو قليلا من بؤسه وتتاح للشعب فرصة ولو ضئيلة جداً يشعر فيها بأن الله لم يخلقه ليكون خادماً لصدقي باشا وأشباهه وإنما خلقه ليعمل ويجني ثمرة عمله فينعم بالحياة ولو قليلا بين حين وحين.
    ولو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لقلت لوزير المالية لا تسمع لصدقي باشا وأشباهه فليس إنصاف الموظفين عيبا وليس إنصاف الطوائف عيبا بل ليس إرضاء الموظفين وإرضاء الطوائف عيبا فالموظفون من أبناء الشعب والطوائف من أبناء الشعب والدولة إنما وجدت لتنصف الشعب وترضيه وتمكنه من الرقي والاستمتاع بالحياة على أكبر وجه ممكن، وجدت الدولة لذلك لا لشيء آخر فإذا لم تحقق ذلك فلا معنى لوجودها ولا حق لها على الشعب، لا حق لها في طاعته ولا في عمله ولا فيما تجبي منه من الضرائب.
    ولو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لقلت لوزير المالية لا تسمع لصدقي باشا وأشباهه فإنهم حين يلقون هذه النظريات الاقتصادية العليا لا يتعمقون الأشياء ولا يفكرون تفكيرا مستقيما ولا يجارون التطور السياسي والاجتماعي في العصر الذي يعيشون فيه، وإنما هم محافظون ومحافظون على أشياء لا معنى للمحافظة عليها لأن أيامها قد انقضت منذ زمن طويل، هم لا يتعمقون الأشياء ولو قد فعلوا لعرفوا أن إنصاف الموظفين وإرضاء الطوائف ومحاولة تحقيق العدل الاجتماعي كل ذلك ينفعهم أكثر مما ينفع الموظفين والطوائف، فالموظفون لا يعملون لأنفسهم وإنما يعملون للناس جميعا ومنهم صدقي باشا وأشباهه، وليس من العدل ولا من المنفعة ولا من الخير ولا مما يحقق الأمن الاجتماعي أن يشبع صدقي باشا وأشباهه وأن يروي صدقي باشا وأشباهه وأن ينعم صدقي باشا وأشباهه بطيبات الحياة وأن يجوع الذين يعلمون أبناء صدقي باشا وأبناء أشباهه وظمئوا ويشقوا ويبتئسوا ويعجزوا عن أن يجدوا ما ينفقون، ليس من العدل ولا من الحق ولا من الخير ولا من تحقيق الأمن الاجتماعي أن يفكر صدقي باشا وأشباهه في الذهاب إلى نادي محمد علي ليجتمعوا ويتحدثوا ويلعبوا النرد والشطرنج فما هي إلا إشارة تشار وعجلة تدار وإذا هم حيث أرادوا أن يكونوا لم يتكلفوا في ذلك جهدا ولم يحتملوا فيه عناء، وأن يحاول الموظفون من المعلمين وأشباه المعلمين أن يذهبوا إلى مدارسهم ودواوينهم ليخدموا صدقي باشا وأشباهه فلا يجدوا من النقد ما يمكنهم من الذهاب لأداء واجبهم إلا أن يأخذوا هذا النقد من ثمن طعامهم وطعام أبنائهم ولباسهم ولباس أبنائهم.
    أؤكد لوزير المالية أن الحياء قوام الفضيلة وقوام الرجولة وأن هناك أشياء كثيرة لا ينبغي أن تقال وهم لا يفكرون تفكيرا مستقيما لأن الموظفين والطوائف الذين تنصفهم الحكومة أو ترضيهم لا يأخذون الأموال ليشتروا بها الأرض أو ليستثمروها في المصارف أو ليكنزوها حيث يعلم الله وإنما يأخذون هذه الأموال لينفقوها على أنفسهم وعيالهم، فهم يأخذون من الحكومة ليردوا على الشعب وهم بذلك لا يعطلون حركة الإنتاج وإنما يزيدونها قوة وخصبا ورخاء فأنصاف الموظفين والطوائف وإرضاؤهم خير حتى من الناحية الاقتصادية التي يستأثر بعلمها والقول فيها أصحاب الأموال والأعمال، ثم هم لا يجارون التطور السياسي والاجتماعي فقد مضت تلك الأيام السود التي كان الشعب يتخذ فيها أداة لخدمة الدولة أو وسيلة لإرضاء أصحاب الثراء وأصبح الشعب هو الغاية وأصبحت الدولة هي الوسيلة وهي الأداة.
    إن صدقي باشا محافظ أشد المحافظة حين يذكر أن العناية بصحة الشعب خير لأنها تمكن الشعب من الإنتاج، كلا يا سيدي إن العناية بصحة الشعب واجبة لأن من حق الشعب على الدولة أن تعنى بصحته وكفى، إن الشعب ليس أداة ولا ماشية يجب أن نعنى بها لتكون أكثر إنتاجا وأعظم نفعا وإنما الشعب هو الغاية لكل نظام سياسي أو اجتماعي لا أكثر ولا أقل.
    ولو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لتحدثت إلى وزير المالية حديثا آخر يناقض كل المناقضة حديث صدقي باشا إليه في الأهرام صباح اليوم إذن لقلت لوزير المالية صدقني إنك قد خطوت خطوة حسنة إلى إنصاف الموظفين والطوائف وإرضائهم ولكنها قصيرة جدا لا تبلغ من إنصافهم وإرضائهم إلا أيسر ما تريد أنت وأقل ما يستحقون هم، فالغلاء لا يطاق والأجور التي تعطى للموظفين والطوائف بعيدة كل البعد عن أن تلائم هذا الغلاء وعن أن تمكن الموظفين والطوائف من أن يأمنوا ويؤمِّنوا أبناءهم الجوع والبؤس والحرمان.
    وأنا أعلم أن ميزانية الدولة لم تسمح لك بأكثر مما فعلت ولكني أعلم أن في موارد الأمة ما يمكنك من أن ترفع هذه الميزانية. فليس من الضروري أن تكون ميزانيتنا الآن سبعين مليونا بل من الممكن أن تبلغ مئة مليون ولكنك رفيق جدا بأصحاب الثراء عنيف جدا بالفقراء لا تفرض من الضرائب ما ينبغي أن تفرضه ولا تأخذ من الأغنياء ما ينبغي أن تأخذه، وليس عليك بأس من أن تفرض الضرائب ولا أن تأخذ من أموال الأغنياء صدقة تطهرهم وتزكيهم بها كما أمر الله. وما أشد حاجتهم إلى التطهير والتزكية.
    انظر إلى ما يأخذ الإنجليز من أغنيائهم ومن فقرائهم لا في أوقات الحرب بل في أوقات السلم، واجعل نظام الضرائب عند الإنجليز أساسا لنظام الضرائب في مصر وثق بأنك ستجد من الميزانية ما تنصف به الطوائف والموظفين فتحسن إنصافهم وما ترضى به وزير الصحة الذي يطالب بالملايين الكثيرة ليعني بصحة الشعب وما ترضى به وزير المعارف الذي يتمنى الملايين الكثيرة ليعلم أبناء الشعب. وما ترضى به وزير الأشغال الذي يريد الملايين الكثيرة ليرضى صدقي باشا وأشباهه بهذه الأعمال الخطيرة التي تصلح الأرض وتنمي الثمرات وتيسر الزراعة والتجارة والصناعة وتضاعف غنى الأغنياء وثروة أصحاب الثراء. ولا بأس عليك من أن تفرض الضرائب وتأخذ من الأغنياء أكثر مما تأخذ. فقد يكفي أن تنظر إلى شعور الأغنياء في أوربا وأمريكا بالتضامن الاجتماعي وإلى شعور الأغنياء في مصر بهذا التضامن الاجتماعي لتفرض الضرائب غير متردد ولا متحفظ. إن الأغنياء في أوربا وفي أمريكا يؤدون إلى الدولة ضرائب هائلة ولكن كثيرا منهم لا يكتفي بما يؤدي إلى الدولة وإنما ينفق عن سعة لا يحلم بها صدقي باشا وأشباهه على التعليم والصحة وأعمال الخير والبر. ومع ذلك فالفقراء وأبناء الطبقات الوسطى في أوربا وأمريكا لا يرضون عن توزيع الثروة ولا يطمئنون إلى تحقيق العدالة الاجتماعية. فكيف لو تعلم أبناء الشعب في مصر ورأوا خوف أغنيائنا من الضرائب وإعراضهم عن التضامن الاجتماعي وإيثارهم أنفسهم بكل خير ولومهم للحكومة كلما حاولت أن تنصف بائساً أو ترفق بمحروم.
    ألم أقل لك أن هؤلاء الناس حين يلومونك فيما يسمونه الإغداق باليمين والشمال وما أسميه أنا محاولة للإنصاف لا يتعمقون الأشياء ولا يفكرون تفكيرا مستقيما ولا يجارون التطور السياسي والاجتماعي في هذه الأيام.
    أما بعد فلو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لقصصت على وزير المالية قصة صغيرة جدا قصيرة جدا ولكنها على ذلك خليقة أن تحمله على التفكير الطويل الدقيق العميق المؤلم أيضا.
    كان ذلك في صيف سنة 1932 حين أبعدني صدقي باشا عن الجامعة واضطرني إلى حياة الموظف المظلوم الذي لا يجد ما ينفق وفي ذات يوم زارني أحد الأغنياء مواسياً وأقسم ما طلبت إليه شيئاً ولا فكرت في أن أطلب إليه أو إلى أحد غيره شيئا ولكنه أحس أن نظام المجاملة الاجتماعية والسياسية أيضًا يفرض عليه أن يزورني مواسياً وقد فعل مشكورا. وكانت مصر في أزمة اقتصادية خطيرة فجعل هذا الغني يشكو إلي بؤسه وشقاءه ويقول فيما يقول «أتصدق أن إيرادي كان ثلاثين ألف جنيه في العام فما زال يتضاءل ويتضاءل حتى وصل إلى خمسة عشر ألف جنيه في العام» أترى بؤسا أشد من هذا البؤس قلت له مبتسما «لا» ولكني فكرت فيما بيني وبين نفسي أن إيرادي أنا كان نحو ألف ومائتين من الجنيهات في العام وإني في هذا الوقت الذي كان يتحدث إلي فيه هذا الغني لم يكن لي إيراد ما أستطيع أن أعده بالجنيهات أو بالقروش ومع ذلك فقد كان هذا الغني بائساً لأنه قد نُصِفَ إيرادُه مؤقتا. وكنت أنا سعيدا لأني لم أفقد شيئا وما قيمة ألف ومائتين من الجنيهات بالقياس إلى أمثالنا الذين ليسوا من أصحاب الأموال والأعمال.
    طه حسين
    المصري، ١ أبريل ١٩٤٤.