حديث المساء: حماية (٣)
طه حسين
كوكب الشرق
٣ مارس ١٩٣٤
إذا كان مُكَاتِب التيمس صَادقًا فيما بينه وبين نفسه، فإنَّ رَأي الإنجليز في المصريين سيئ حقًّا، لا يدعو إلى التفاؤل ولا يحيي الأمل، ولا يقرب مَسافة الخُلْف بين البلدين المُخْتَلِفَينِ؛ فقَدَ زَعَمَ مُكاتِب التيمس في مقاله الذي نشر منذ أسبوع وكثر الحديث عنه في مصر، والذي يعيد الكوكب نشره بنصه اليوم، أنَّ المصريين ينظرون إلى أيسر كلمة يُلقيها المندوب السامي إلى وزير مصري كأنها بلاغ نهائي من بريطانيا العظمى.
وزعم مكاتب التيمس أن المصريين يُعْنَونَ أَشَدَّ العِنَايَةِ وأعظمها بأيسر عمل يأتيه المندوب السامي، وزَعَمَ مكاتب التيمس أنَّ المَنْدُوب السامي الجديد لنْ يَجِدَ مَشَقَّةً ولا عُسرًا في تحقيق ما تنظره منه مصر من الخدمة والإنقاذ، ثُمَّ زَعَمَ مكاتب التيمس آخر الأمر أن المندوب السامي يستطيع أن يدبِّر شئون مصر بخنصره.
فإذا كان هذا رأي مكاتب التيمس حقًّا، وإذا كان كثيرٌ من الإنجليز يُشاركونه في هذا الرأي، ويُؤمنون فيما بينهم وما بين أنفسهم بأن المصريين قد بلغوا من الهوان إلى هذا الحد، فأصبحوا لا يثبتون لكلمة يقولها المندوب السامي في حديث يلقيه إلى أحد الوزراء، وأَصْبَحَ المندوب السامي قَادرًا على أن يُدِير أمورهم بخنصره، فلسنا نَدْرِي في حَقِيقة الأَمْرِ لماذا يحفل بنا الإنجليز، ويظهرون من العِنَايَةِ بالاتفاق معنا وعقد معاهدة بينهم وبيننا مثل ما يظهرون، ويضمرون من ذلك أكثر مما يظهرون؟! فإنَّ الأُمَّة الهيِّنة اللينة التي تخاف من الكلمة اليسيرة، والتي تدار أمورها بالخنصر لا بالسبابة ولا بالإبهام، ليست خليقة أن يحفل بها أحد، أو يفكر فيها أحد، أو يُعْنَى بالاتفاق معها أحد، وإنَّما هي خليقة أن تُحْكَم وتُسْتَذَلَّ كما يحكم أضعف الأمم وأهون الشعوب.
ومن المُحَقَّق أنَّ مكاتب التيمس يخدع نفسه ويخدع شعبه حين يكتب هذا الكلام وحين يذيعه في صحيفته الكبرى، ومن المُحَقَّق أيضًا أن مكاتب التيمس معذور في أن يضلل نفسه وشعبه هذا التضليل، فلولا أنَّ في مصر رِجالًا مُستضعفين يؤمنون للمندوب السامي بهذه القوة الخارقة، وينظرون إلى كلمته اليسيرة كأنها بلاغ نهائي من بريطانيا العظمى، ويعقدون بالمندوب السامي آمالهم، ويسخِّرون للمندوب السامي ما يملكون من قوة وجهد، ويخيلون إلى المندوب السامي أنهم قادرون على أن ينفذوا أمره ويذعنوا لرأيه ويكونوا له أداة في تصريف الأمور، لولا أن بين المصريين رجالًا مستضعفين تَهُونُ عليهم نفوسهم وأمتهم إلى هذا الحد المُهين، لما استطاع مكاتب التيمس أن يظنَّ ما ظن، ولا أن يقول ما قال.
نعم، ولولا أنَّ بين المصريين رجالًا مُستضعفين يبلغ بهم الصَّغَارُ والذِّلَّةُ أنْ يَتَحَدَّثُوا إلى مكاتب التيمس وأشباهه بمثل هذا الحديث الذي يصور أمتهم من الضعف والهوان بحيث ينبغي أن يطمع فيها الطامعون، ويهزأ بها الهازئون، ويَعْبَثَ بمصالحها العَابثون، لما استطاع مكاتب التيمس أن يظن ما ظن، أو يقول ما قال.
ولكن لكل شعب مهما تكن عزته وقوته، ومهما يكن حرصه على الكرامة وإباؤه للضيم، نقمة من بعض أبنائه يُمْتَحَنُ بها في حياته الخاصة كما يُمتحن بها في حياته العامة.
وإن الإنجليز ليعلمون من ذلك مثل ما نعلم، وإن الإنجليز ليشقون من ذلك بمثل ما نشقى به، فأين الشعب الأوروبي الذي لا يوجد بين أبنائه الجواسيس الذين يتصلون بالأجنبي في أثناء السلم، ويُعينون العدو في أثناء الحرب، والذين تعرف الشعوب الرَّاقية الحرة كيف تجزيهم جزاء العدل على ما يرتكبون من الإثم، وما يقترفون من السيئات؟ ولو أنَّ الإنجليز يخضعون لمِثْلِ مَا نَخْضَعُ نحن له من الاحتلال الأجنبي لرأوا بينهم أفرادًا ينظرون إلى الكلمة اليسيرة يُلقيها ممثل الدولة المُحْتَلَّة إلى وزير من وزرائهم كأنها بلاغ نهائي من هذه الدولة المُحتلة.
ولكن الإنجليز لا يشقون بالاحتلال الأجنبي، وإنما يفرضون الشقاء باحتلالهم على أمم لا ينبغي لها هذا الشقاء … فليس عند الإنجليز إذن أفراد كهؤلاء الذين صورهم مكاتب التيمس، ولكنهم لا يعدمون من حين إلى حين أفرادًا آخرين يخدمون الأجنبي أثناء السلم، ويخدمون العدو أثناء الحرب، وهم يحتاطون لهؤلاء الأفراد كما تحتاط لهم كل الأمم الحية الراقية.
والفرق بيننا وبين الإنجليز وأشباه الإنجليز من الشعوب المستقلة أنهم مستقلون حقًّا؛ فهم لا يجدون من القوة الأجنبية ما يحمي منهم أمثال هؤلاء الأفراد، وهم لذلك يستطيعون أنْ يَقِفُوهم أمام القضاء المدني أو العسكري، وأن ينزلوا بهم ما يستحقون من العِقَاب. أَمَّا نَحْنُ فلسنا مُسْتَقِلِّين حقًّا، والإنجليز هم الذين يغصبون استقلالنا، والإنجليز هم الذين يحمون منا ومن قوانيننا هؤلاء الأفراد الآثمين الذين يرون كلمة المندوب السامي مهما تكن يسيرة بلاغًا نهائيًّا من بريطانيا العظمى، والذين يخيلون إلى المندوب السامي وإلى غيره من الإنجليز أن أمور أمتهم يسيرة هينة يمكن أن تُدار بالخنصر ولا بالسبابة ولا بالإبهام.
كل هذا شيء لا شك فيه، وهو مُؤلم حقًّا، ولكن العزاء عنه يسير؛ فإنَّ الله قد أبى أن تكون السيادة للإثم أو أن يكون الانتصار للذلة أو أن يكون الشذاذ مِنَ الشَّعب هم الذين يمثلون الشعب. وهُنَا يَظْهَرُ ما قُلْنَاه ونقُولُه مِنْ أَنَّ الإنجليز يَخْدَعُون أنفسهم إنْ صَدَّقُوا مثل هذا الكلام الذي يكتبه لهم مكاتب التيمس، والذي قد يُلْقِيه إلى مكاتب التيمس بعض الشذاذ من المصريين، يخدعون أنفسهم حقًّا؛ فهم يعلمون حق العلم أن بين المصريين وزراء ثبتوا وسيثبتون دائمًا لكلمة المندوب السامي يسيرة كانت أو عسيرة، وقد أبوا — وسيأبون دائمًا — أن يذعنوا لأمر المندوب السامي أو يسلموا للإنجليز على قوتهم وبأسهم بما لا يلائم حقَّ المصريين ولا منافع المصريين، هم يعلمون ذلك حق العلم، وهم يُؤْمِنُون بذلك أشدَّ الإيمان، ولولا هذا لما وجد الخلاف بينهم وبين مصر، ولولا هذا لما اتصل الجهاد، ولولا هذا لما كانت الأزمة العنيفة القائمة بينهم وبينا، ولولا هذا لما أُلغي دستور وأصدر دستور، ولولا هذا لما حُوربت مصر هذه الحرب المُنكرة في حقوقها ومرافقها، وفي كراماتها وحرماتها، ولولا هذا لما قُسِّم المصريون إلى فريقين؛ فريق ضئيل يُصْطَفَى منه الحكام والمتسلِّطون، وفريق عظيم لا ينبغي أن يصل إلى الحكم ولا أن يطمع فيه.
لو أنَّ أُمُور مِصْرَ هينة حقًّا على الإنجليز لما كانَتْ كثرة ولا قلة، ولما كانت هناك أحزابٌ تُصْطَفَى وتُخْتَار، أو تُنْشَأ وتُخْلَقُ خَلقًا، وشعبٌ يتقي ويخاف وتنزع أموره منه نزعًا، والغريبُ أنَّ هؤلاء المصريين الذين يصورهم مكاتب التيمس بهذه الجمل المهينة لا يستحون من أنفسهم ولا يستحون من الناس، ولا يتحرَّجون من أن يلقوا مكاتب التيمس، حين تسنح لهم الفرصة أو يخلقوا الفرصة للقائه ولقاء أمثاله، فيلقوا إليهم بمثل هذا الحديث.
والغريب مع هذا أنَّ الوزراء الذين يقرءون مثل هذا الكلام لا يبذلون ما يملكون وما لا يملكون من الجهد، ليثبتوا لأنفسهم ولأمتهم وللإنجليز أنَّ هذا الكلام الذي يكتبه مكاتب التيمس سخيف فارغ لا يصور أحدًا ولا يدل على شيء، ولا يمثِّل الصلات التي تكون بالفعل بين المندوب السامي والوزراء. ومع ذلك فأَوَّلُ ما يَجِبُ على الوزراء المصريين مهما يكونوا هو أنْ يَرْفَعُوا أنفسهم أمام أنفسهم بالقول والعَمَلِ على أن تظن بهم الظنون أو يقول فيهم القائلون أنهم ينظرون إلى كلمات المندوب السامي كأنها بلاغ نهائي من بريطانيا العظمى.
لقد نشرت المُقطمُ منذ أيام أن المندوب السامي تخلَّف في باريس ليتحدث مع الفرنسيين في مسألة الدين العام، فأنكرنا ذلك أشدَّ الإنكار وعبناه؛ لأنَّ المندوب السامي حين مَرَّ بباريس لم يكن قد أوجد الصلات الأولى بينه وبين الوزارة المصرية؛ ولأنَّ وزارة الخارجية المِصْرِيَّة لم تنشأ عبثًا، وإِنَّما أنشئت لمثل مسألة الدين؛ ولأن توسط الإنجليز بين مصر وبين فرنسا شيء وتولي الإنجليز الشئون المصرية فيما يتصل بفرنسا شيء آخر.
وكنا نظن أن الوزارة المصرية ستقول أو ستعمل شيئًا يَدُلُّ على أنها لا ترضى عما نشرت المُقطم إن كان قد وقع بالفعل، أو تُكَذِّب ما نشرت المُقطم إن لم يكن قد وقع بالفعل. ولكن الوزارة لم تقل شيئًا، ولم تعمل شيئًا، وعادت المقطم فنشرت مساء أمس ما نشرته منذ أيام، ثم زعمتْ أَنَّ الحُكومة الإنجليزية ستفاوض الحكومة المصرية في مسألة الدين بعد أن تحدَّث فيها المندوب السامي إلى الفرنسيين حين مَرَّ بباريس.
ومعنى هذا إن كنا نفهم اللغة العربية التي تتحدث بها المُقطم أنَّ الإنجليز يُريدون أنْ يتولوا بأنفسهم مسألة الدين، وأنْ يَتَحَدَّثوا فيها إلى المصريين عن الفرنسيين وإلى الفرنسيين عن المصريين، ومعنى هذا أن المفاوضات في هذه المسألة لن تكون مُباشرة بين المصريين والفرنسيين، ولكنها تُريد أن تكون بواسطة دار المندوب السامي. ففيم أنشئت إذن وزارة الخارجية المصرية؟ وهل عدنا إلى مثل ما كنا عليه أيام الحماية؟ لقد كان صدقي باشا نفسه يفاوض الفرنسيين والإيطاليين، ويستعين في ذلك بتوسط الإنجليز، فهل يُرَادُ أَنْ نفهم أنَّ الوزارة القائمة قد تأخرت عن وزارة صدقي باشا خطوتين أو خطوات فهي لا ترى بأسًا بأن تنتظر حتى يحلَّ لها الإنجليز مسألة الدين.
إن هذا التصرف وأمثاله إن صح ما نشرت المقطم — ونرجو أن لا يكون صحيحًا — هو الذي يطوع لمُكاتِب التيمس أن يقول إن المندوب السامي يستطيع أن يدبر أمور مصر بخنصره، فليُفِق النائم ولينتبه الغافل، وليعلم المصريون أن الاستقلال ليس كلامًا يُقال ولا فصولًا تُكتب في الصحف، وإنما هو أعمال تأتيها الأمم وأعمال تأتيها الوزارات؛ فتثبت أنها حرة حقًّا، وقُل ما شئت؛ فلست أدري لِمَ أجمع دائمًا في نفسي بين هذين الخاطرين: المندوب السامي يتحدث إلى الفرنسيين في مسألة الدين ويُريد أن يفاوض فيها المصريين، والمندوب السامي يصيد البط ثم يوزع صيده على الفقراء.
ما أجدر المصريين أن تستغني وزارتهم عن معونة المندوب السامي في مسألة الدين، وأن يستغني فقراؤهم عن البط الذي يصيده لهم المندوب السامي في أكياد أو غير أكياد، وأن تستحي صحفهم من نشر مثل هذا الكلام.
Tag: الخضوع السياسي
-
حماية (٣) | Protection (3)
-
معلوم! | Well Known!
حديث المساء: معلوم!
طه حسين
كوكب الشرق
٥ نوفمبر ١٩٣٣
إذا استطاع مدير الدقهلية أن يصول ويجول، ويقصر ويطول، ويقف ويقول، ويخطب في رجال التعليم الإلزامي كما كان يخطب زياد في أهل العراق، باسطًا عفوه لمن تاب وأناب، مسلِّطًا سخطه على من شك وارتاب …
وإذا استطاع مأمور مركز بني مزار أن يدعو إليه جماعة من المصريين خلقوا أحرارًا كرامًا لآباء أحرار كرام، حتى إذا انتهوا إليه، وقاموا من بين يديه، تكبَّر وتجبَّر، ثم استأسد وتنمَّر، ودعاهم بالكلاب وأبناء الكلاب، وأنذرهم بامتصاص الدماء، وتخريب البيوت …
وإذا استطاع وزير التقاليد أن يرسل القارعة على أهل الجامعة، فلا يرعى فيهم قانونًا ولا يحفل لهم بحق، وإنما يغيِّر ويبدِّل، وينقل ويعيِّن، ويقول ما لا يقال، ويأتي ما لا ينبغي أن يأتي من الأمر …
وإذا استطاعت وزارة الداخلية أن تُطلق أيدي المديرين والمأمورين في الناس يعصفون بهم عصفًا، ويعسفون بهم عسفًا، ويفرضون عليهم الضرائب لا كما يريد القانون، بل كما يريدون …
إذا استطاع هؤلاء جميعًا كل هذا جميعًا، ولم يلقوا فيه مقاومة، ولا احتملوا فيه مشقة، ولا تعرضوا فيه لسؤال، ولا أشفقوا فيه من لوم؛ كان من الطبيعي جدًّا، ومن اليسير جدًّا، ومن الأشياء التي لا يجب الوقوف عندها، ولا التفكير فيها، أن يقسو وزير لاحق على وزير سابق، وأن يطغى عضو من أعضاء حزب الشعب على صفوة حزب الشعب، وأن يتجافى المنزلاوي بك عن الصلح مع علام باشا، وأن لا يحفل المنزلاوي بك بستة وعشرين من أهل الحظيرة على رأسهم زعيم الحظيرة صدقي باشا، وأن يقف المنزلاوي بك من هؤلاء الناس الذين يعتمد عليهم ويلتمس عندهم التأييد موقفَ الذي لا يحفل بهم، ولا يحسب لهم حسابًا، وإنما يدعهم يسعون ويلحُّون في السعي، ويهيئون ويجدُّون في التهيئة، ويصفون الأكواب، ويجتمعون حول الموائد وينتظرون تشريفه ساعة وبعض ساعة، حتى إذا أبطأ عليهم تحدثوا إليه بالتليفون، فأعلن إليهم هادئًا مطمئنًّا باسمًا مستهزئًا أنه لا يريد الحضور.
كل هذا ممكن، وكل هذا واقع، وكل هذا لا بأس به، ولا غرابة فيه؛ لأنه ملائم أشدَّ الملاءمة لطبيعة الأشياء، فمن عزيز، ومن يهن يسهل الهوان عليه، وقد عزَّ في مصر قوم فبزوا، وأبيح لهم كل شيء، وقد هان في مصر قوم فذلوا، ويجب عليهم أن يحتملوا كل شيء.
وقد يخيَّل إليك أن في هذه الصور التي نعرضها في هذا الفصل اختلافًا وتباينًا. فأي صلة بين موقف نيازي باشا من رجال التعليم، وموقف المنزلاوي بك من صفوة حزب الشعب؟ وأي صلة بين موقف وزير التقاليد من الجامعيين، وموقف مأمور مركز بني مزار من أهل أبي جرج؟
ولكن هذه الصور، على اختلافها الظاهر وتباينها الذي يبدو لأول وهلة، متفقة أشدَّ الاتفاق، مؤتلفة أشدَّ الائتلاف؛ لأنها صدرت عن مصدر واحد، وخرجت من ينبوع واحد، وانتهت إلى غاية واحدة. فأما المصدر الذي صدرت عنه، فهو هذه الكبرياء التي تخرج أصحاب السلطان عن أطوارهم، وأما الغاية التي انتهت إليها فهي هذا الإذعان الذي يضطر إليه الناس بكل ما يأتيهم من أصحاب السلطان.
فلولا أن مدير الدقهلية، ووزير التقاليد، ومأمور بني مزار، ووزير الداخلية، والمنزلاوي بك، لولا أن هؤلاء السادة جميعًا يفهمون السلطان والمنصب على أنهما قوة، يبيحان كل شيء؛ لما أقدموا على ما أقدموا عليه، ولولا أن رجال التعليم الإلزامي والجامعيين، وأهل أبي جرج، وصفوة حزب الشعب، يفهمون طاعة السلطان وإكباره على أنهما قبول كل شيء، والإذعان لكل شيء يأتيهم من أهل السلطان، لما اجترأ هؤلاء السادة على أن يأتوا ما أتوا ولا رضي رعاياهم أن يحتملوا منهم ما احتملوا، ولكن فكرة السلطان قد فسدت في مصر منذ أعوام؛ فهمها الحكام على غير وجهها، ورجع بها أولئك وهؤلاء إلى ذلك العصر القديم الذي لم يكن فيه قانون ولا دستور، ولا صلات منظمة بين الناس، على أساس القانون والدستور، والذي كان الحكم فيه إرادة لا نظامًا، وكانت الطاعة فيه إذعانًا لا احترامًا لسلطان النظام.
فليس المصريون الآن أمام أحداث تحدث ثم تمر وخطوب تلم ثم تذهب، وإنما هم أمام نفس تتغيَّر وفكرة تقوم مقام فكرة، وحياة تقوم مقام حياة. كان المصريون قد خطوا خطوات واسعة في طريق الحرية، وفَهْم الكرامة الإنسانية، وتقدير الصلة بين الحاكم والمحكوم، وإقامة القانون والنظام مقام الإرادة والهوى، فردوا بحمد الله — الذي لا يحمد على المكروه غيره — إلى حيث كانوا منذ زمن بعيد. واستطاع الوزراء والمديرون والمأمورون، ومن هم دون هؤلاء، أن يفرضوا عليهم ما يشتهون، وأن يأخذوهم بالطاعة والإذعان لما لا يحق لهم فيه طاعة ولا إذعان.
هؤلاء رجال التعليم الإلزامي، يكرهون على تغيير أزيائهم، ثم يكرهون على الرضا بهذا التغيير، ثم يحشرون للمدير حشرًا، ثم يرفعون الشكر إلى المدير، ثم يلقون خطبته بالرضا الظاهر، والشكر البين، والإذعان الذي لا حد له. وهؤلاء الجامعيون يأخذهم وزير التقاليد بغير القانون، ويخضعهم وزير التقاليد لغير العدل، فيرضون أو يسخطون، ولكنهم يظهرون الرضا، ويثنون أو يجمجمون ولا يخفون الثناء.
وهؤلاء أهل أبي جرج يسبون سبًّا، فيتلقون السبَّ، وينصرفون، ولولا أن يزورهم صحفي، ويسمع منهم، ثم يغضب لهم لما علم بأمرهم أحد. وهم لا يستطيعون غير هذا، وهم لا يملكون غير هذا، وماذا تراهم يستطيعون؟ وماذا تراهم يصنعون؟
وهؤلاء صفوة حزب الشعب بناة النظام الحاضر فيما يقولون، وصماته، وحفظة النظام الحاضر فيما يقولون وسدنته، وأصحاب الكثرة البرلمانية فيما يقولون، تقوم الوزارة رغم أنوفهم، يشترك فيها من يشترك، وينصرف عنها من ينصرف، ويهمُّون أن يجعلوا لأنفسهم شأنًا في تكوين الوزارة، فتخذلهم الظروف، فيذعنون أقبح إذعان، ويستسلمون أقبح استسلام، ويُكرِهون رئيسهم على أن يفتح باب الحظيرة لمن أخرج من الحظيرة. ثم يعود المفصولون إلى الحظيرة عودة الفاتحين، فتستقبلهم الحظيرة مبتهجة بهم، مثنية عليهم. وفي أثناء ذلك يعلن أن أحد الوزيرين المفصولين قد قذف مدير الحزب، وأضاف إليه أمورًا لا ينبغي أن تصدر عن الوزراء — وكان هذا المدير وزيرًا في يوم من الأيام — فيغضب المدير، ولكن وحده، وينصرف المدير، ولكن وحده، وينقطع المدير عن الحزب ولكن وحده. ثم يخطر لرجل من أهل الخير أن يعطف الوزير اللاحق على الوزير السابق، وأن يصلح بين المختصمين؛ فيسعى ويخيَّل إليه أنه قد وفق، فيهيئ الشاي، ويدعو إليه، ويسرع المدير المقذوف إلى إجابة الدعوة، ويسرع الرئيس المغلوب إلى إجابة الدعوة، ولكن القاذف يأبى بعد أن قبل، وينأى بعد أن دنا، ويعلو بعد أن تنزَّل، ويعلن كما تقول السياسة أنه كان يريد أن يلقى صاحبه منفردًا لا في ملأ من الناس؛ أي إنه كان يريد أن يختصم في شارع ويصطلح في حارة كما تقول العامة.
ويتفرق المجتمعون، ولست أدري أشربوا الشاي أم عافته نفوسهم بعد أن كانت في ظمأ إليه. ولن يكون لهذا الحادث أثر في حزب الشعب؛ لأن المنزلاوي بك وزير قائم، ولأن علام باشا وزير مستقيل؛ لأن الوزارة القائمة محتفظة بالسلطان، ولأن صدقي باشا وأصحابه ملزمون أن يُذْعِنوا للسلطان. وهم ملزمون أن يذعنوا للسلطان لأنهم أصحاب الكثرة البرلمانية، التي تملك السلطان، والتي تستطيع أن تمنحه للوزراء أو تأباه عليهم. المنزلاوي بك لم يهنهم، وإنما هم أهانوا أنفسهم. وهل المنزلاوي بك إلا رجل منهم يمثلهم في الوزارة، ويستمتع بحظهم من السلطة؟ هم محتاجون إليه لأنه وزير، وهو محتاج إليهم لأنهم نواب وشيوخ. فيجب أن يصبر بعضهم لبعض، وأن يحتمل بعضهم من بعض، وأن يغفر بعضهم لبعض. هم محتاجون إلى المنزلاوي بك؛ لأنه يدهم في الحكم، وهم محتاجون إلى علام باشا؛ لأنه يدهم في الحزب. فإذا اعتدت إحدى اليدين على الأخرى، فلا ينبغي الانتقام من اليد المعتدية؛ لأنهم إن فعلوا أساءوا إلى أنفسهم بأنفسهم، وأضعفوا أنفسهم بأنفسهم.
وكذلك يريد الله أن تفهم الأمور على هذا الوجه في هذه الأيام، وأن تقوم الصلة بين الحاكمين والمحكومين على القوة والضعف، وعلى القدرة والعجز، لا على الحرية والكرامة، ولا على النظام والقانون.
وصدقي باشا صاحب هذا كله ينظر إلى هذا كله، والله يعلم أيألم لهذا كله، أم لا يجد الألم إلى نفسه سبيلًا؛ لأنه قد ظفر بما أراد من السلطان، وظفر بما أراد من الجاه والغنى، وأصبح يستطيع أن يستمتع بلذات الحياة ما وسعه ذلك، وأن ينظر إلى الحياة العامة على أنها فن من التمثيل لا يمنحه الرجل إلا أوقات الراحة والفراغ، ولا ينظر إليها الرجل نظرة الجد، وإنما ينظر إليها نظرة التسلية والتلهية.
ما أكثر ما جنى صدقي باشا على نفسه وعلى مواطنيه! وما أخفَّ ما يلقى صدقي باشا من الجزاء على ما قدَّم لنفسه ولمواطنيه!