Tag: الخطابة السياسية

  • ساقية | The Waterwheel

    حديث الوادي
    ساقية …
    ليست إحدى السواقي السبع التي يتغنى بها الأستاذ عبد الوهاب، بعد أن تغنى بها شباب الأحياء الوطنية في القاهرة. فإن هذه السواقي السبع تستطيع فيما يظهر أن تخرج الماء وتنفع به الناس، إنما الساقية التي أريد أن أتحدث عنها هي ساقية جحا. أتعرفها؟ فقد زعم الناس أنها ساقية تدور وتدور ولكنها لا تروي أرضاً ولا حيواناً ولا إنساناً. لا تكاد تخرج الماء حتى تسترده، هي تدور لتروي نفسها، وهي لا تروي أبداً، لأنها لا تنقطع عن الدوران. أظنك تعرف هذه الساقية، فالكلام عنها كثير، والأحاديث فيها متصلة، والأمثال التي تضرب بها سائرة. فأنا أريد اليوم أن أحدثك عن ساقية جحا لأني وجدت لها صورة رائعة بارعة، ناصعة، ساطعة، جامعة، بعد أن كنا نظن أنها كالعنقاء، يتحدث عنها الناس ولا يجدون لها أثراً. وهذه الصورة البديعة التي تمثل ساقية جحا منشورة صباح اليوم في زميلتنا الأهرام. وما أحق الأهرام أن ترثي لها وما أحق الأهرام أن تعطف عليها، فإن صناعة الصحافة تكلفها شطفاً. وتأخذها أحياناً بنشر أشياء لعلها لو خفي بينها وبين ما تريد حقاً، أو قل لو خفي بينها وبين ما تحب، لما نشرتها، ولا أشارت إليها، ولكن للصناعة حكمها والأهرام مضطرة بحكم هذه الصناعة، إلى أن تذيع في قرائها ما يقوله الساسة، وأشباه الساسة والذين ينتحلون السياسة ويتكلفونها تكلفاً، ويتخذونها وسيلة إلى الحياة.

    أما أنا فقد أعجبت بساقية جحا، وأعجبت بها أكثر مما تظن، وحسبك أني قرأتها مرتين، وأقسم بالله لقد قرأتها مرتين، ولكني لم أحصل منها شيئاً، ولم أخرج منها بشيء، ولم أنته منها إلى شيء، إلا أنها ساقية جحا، لا تريد ولا تستطيع أن تنفع أحداً، أو تروي ظمأً، وإنما تريد أن تنفع نفسها وأن تروي نفسها، ولولا أن وقت الصحفي محدود، لقرأت ساقية جحا مرات ولقرأتها على وجوه مختلفة فأخذتها من آخرها إلى أولها، بعد أن أخذتها من أولها إلى آخرها، ثم أخذتها من وسطها إلى أولها، ومن وسطها إلى آخرها، لعلي أجد فيها شيئاً أو أستخرج منها شيئاً، يستحق أن يقف عنده الكاتب أو يحاور فيه السياسي، أو يستمتع به الأديب، وأنا أعد نفسي بإعادة النظر في الساقية من أولها ومن آخرها ومن أوساطها وأعد القارئ صادقاً بأني إن وجدت في هذه الساقية شيئاً أو استخرجت منها نفعاً فلن أستأثر به ولن أبخل بإشراك القارئ فيه، أظنك قد عرفت الآن ساقية جحا، وأظنك قد قرأتها في الأهرام صباح اليوم، كما قرأتها أنا أيضاً وأظنك قد سألت نفسك عما فيها وأظنك قد تكلفت أن تستخلص منها غرضاً من الأغراض أو تنتهي بها إلى نتيجة من النتائج، وأظنك قد انتهيت إلى مثل ما انتهيت أنا إليه، من اليأس والإخفاق وأظنك قد ذكرت ما ذكرته أنا من أمر هذه الساقية الجميلة البديعة التي ما يزال الناس يتحدثون عنها، ويضربون بها الأمثال، وهي ساقية جحا.

    ومع ذلك فقد تحدث الناس عن هذه الخطبة التي ألقاها وزير التقاليد أمس في نادي حزب الاتحاد على الحزبين الشقيقين أحاديث طويلة، منذ زمن بعيد وإذا لم تكذبني الذاكرة فأنا قد رسمت لوزير التقاليد منذ حين برنامج هذه الخطبة، وبينت له بعض الموضوعات التي كان يجب أن يطرقها ليعرض على الشعب صورة صادقة من سياسة الوزارة وأظن أن زميلتنا السياسة رسمت لوزير التقاليد منذ أيام قليلة جداً برنامجاً لهذه الخطبة أيضاً، وبينت له بعض الموضوعات التي كان يحسن أن يتحدث فيها إلى سامعيه. وما أشك في أن وزير التقاليد لو أنه استمع لنصيحتي منذ أسابيع، ولنصيحة السياسة منذ أيام لاستطاع أن يخرج خطبة إن لم تكن رائعة بارعة، فهي مقبولة محتملة، تستحق خمساً من عشر، أو ستاً من عشر، كما يقول الأساتذة في وزارة التعليم.

    ولكن وزير التقاليد فيما يظهر أكبر من أن يستمع للنصح، وأبلغ من أن يحتاج إلى من يعلمه البيان، فهو لم يحفل بما قدمنا له من نصيحة، ولم ينتفع بما رسمنا له من برنامج، وإنما أراد أن يبتكر، وأن يخطب دون أن يستعين بمعين، وحسناً فعل، فلو قد استمع لنا لأخرج للناس خطبة سياسية من هذه الخطب المألوفة، التي تحسن حيناً وتسوء حيناً، والتي يمكن أن تقدر بالدرجات. أما الآن وقد ركب رأسه، واستوحى نفسه، ونفسه وحدها، فقد أخرج للناس آية من آيات البيان، وحسبك أنه صور للناس ما عجز الخطباء جميعاً عن تصويره إلى الآن، صور لهم ساقية جحا في أجمل مظاهرها وأبدع أشكالها. وليس هذا بالشئ القليل، ولا سيما في هذا العصر الذي أفلس فيه الأدب، وأجدب فيه البيان، وقل فيه الإنتاج القيم، وأجمل ما في الأمر أن وزير التقاليد قد أخرج للناس هذه الآية البيانية الرائعة في اليوم الذي افتتح فيه العام الدراسي فكان ذلك رمزاً لهذه النهضة الأدبية التي سيستقبلها الناس في هذا العام الجديد، فليس من شك في أن هذه الآية البيانية خليقة أن تطبع وتذاع وتلقى في أيدي الطلاب والتلاميذ، ويدرسها أساتذة الإنشاء في فصول الدرس ليتعلم الشباب كيف يستطيع الخطيب المصقع، والمقول المفوه، أن يتكلم ويتكلم، ويتكلم ثم لا يقول بعد هذا كله شيئاً.

    فقد ألح الأدباء والمعلمون على التلاميذ والطلاب، في أن لا يتكلموا إلا إذا كان عندهم ما يقولون وفي أن الصمت خير من الكلام الذي لا يغني، وما زال الأدباء والمعلمون يلحون على التلاميذ والطلاب في هذا المعنى حتى آثر الشباب ألا يقولوا شيئاً، لأنهم لم يكونوا يجدون ما يقولون. فأما الآن فقد فتح لهم وزير التقاليد باباً حديثاً في البيان واخترع لهم فناً طريفاً من فنون الأدب، وعلمهم أن الخطيب يستطيع أن يخطب فلا يقول شيئاً، ويظفر مع ذلك بالتصفيق والهتاف والإعجاب، ويظفر مع ذلك بأن تنشر له الصحف خطبته وتذيعها بين القراء. وكان لنا في الأزهر الشريف حين كنا نطلب العلم فيه، أستاذ بارع فصيح بليغ فكان يتحدث بنعم الله عليه فيقول إن مما من الله علي به أن أتحدث إليكم ساعتين فإذا أنتم لا تفهمون عني شيئاً، ولا تستطيعون أن تنقلوا عني بعض ما قلت، لأنكم لم تفهموه. وكان أستاذنا هذا يتحدث إلينا ساعتين في المنطق أو في الفلسفة، فيخوض في كل شيء إلا المنطق والفلسفة، حتى إذا تفرقنا عنه والتقينا لنحصل ما سمعناه منه لم نجد شيئاً. وكنا نعجب بالأستاذ نروي أحاديثه مكبرين وما أظن أن الجيل الذي كان يختلف معنا إلى الأستاذ وهو الآن من علماء الأزهر الشريف، قد نسي الأستاذ العظيم وبراعته، فقد كنا جميعاً نراه آية بين علماء الأزهر وفذاً بين أعلام البيان، أما الآن فلم يبق الأستاذ آية ولا فذاً، وإنما بعث الله له من وزير التقاليد آية أخرى تنسخ آيته نسخاً.

    فوزير التقاليد يستطيع أن يخطب في السياسة كما كان أستاذنا يستطيع أن يتكلم في المنطق، ولكن الذين يسمعون أو يقرأون خطبة وزير التقاليد في السياسة يفهمون منها إلى مثل ما كنا ننتهي إليه، من درس أستاذنا في المنطق.

    فالدنيا بخير إذن والبيان الصحيح بمأمن من الضعف والفساد، ما دام في أمة محمد ﷺ من يستطيع أن يصور ساقية جحا، في الأزهر حيناً وفي نادي الاتحاد حيناً آخر، والله عز وجل أرأف بهذه الأمة وأعطف على هذه اللغة من أن يحرمهما ممثلاً لهذا البيان الرائع يصور ساقية جحا أجمل تصوير، لأن هذه الساقية خالدة يجب ألا تحرم جمالها الأجيال.

    وما دام وزير التقاليد قد ورث أستاذنا في تصوير ساقية جحا، وما دام تقليد الوزراء ولا سيما وزراء التعليم شيئاً مستحباً، فليس على الأمة المصرية بأس وليس على اللغة العربية بأس، ولا يزال بين أساتذة الأدب من يعلمون، وبين طلاب الأدب من يتعلمون، وبفضل هذا التعليم والتعلم، سنضمن للجيل المقبل خليفة لوزير التقاليد في تصوير ساقية جحا.
    لقد قال الحكيم في قديم الزمان وسالف العصر والأوان:
    إذا كنت في حاجة مرسلاً فأرسل حكيماً ولا توصه
    وكنا نظن أن رئيس وزرائنا الرجل الطيب، قد قرأ هذه الحكمة فيما قرأ من حكمة الأمم، ولكن خطبة وزير التقاليد أمس دلت على أن هذه الحكمة قد أفلتت من رئيس الوزراء، فهو يوافقنا من غير شك على أن وزير التقاليد لم يكن هو الذي يستطيع أن يحمل رسالة الوزارة في ظروفها الحاضرة إلى المصريين، ولا إلى الإنجليز، لأن المصريين والإنجليز، قد يسرهم ويرضيهم أن يروا ساقية جحا، وأن يسمعوها ولكنهم لا يعتمدون عليها حين يريدون أن ينقعوا غلة أو يرووا ظمأً لأنهم يعلمون حق العلم أن ساقية جحا، جميلة رائعة ولكنها على ذلك لا تنفع ولا تفيد …

    طه حسين
    الوادي، ٣٠ سبتمبر ١٩٣٤.

  • خطيب … | An Orator…

    حديث المساء: خطيب …

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٢١ فبراير ١٩٣٤

    أيهما أبرع في الإقناع وأقدر عليه، وأمهر في اختلاب النفوس، واستلاب العقول، واستهواء القلوب،
    واستباء الألباب، وتصوير الأشياء بهذه الصور القوية الرائعة البارعة، التي لا يحسها الإنسان إلا
    استسلم لها، وآمن بها، واطمأن إليها، وألقى بين يديها كل سلاح؛ أهو رئيس وزرائنا الرجل الطيب
    الذي سحر مجلس النواب أمس واسترهبه؛ حتى آمن بأن ميزانية وزارة الخارجية حق يجب إقراره والإذعان
    له والموافقة عليه، أم هو كاتب الشعب الذي سحر صباح اليوم قُرَّاءَه الكثيرين أو القليلين،
    واسترهبهم، واضطرهم جميعًا — ونحن منهم مع السرور — إلى الإيمان بأن رئيس الوزراء خطيب لا
    يُشقُّ له غبار، ولا تُطفأ له نار، ولا يطلع له نهار؟ فنحن في حقيقة الأمر حائرون دائرون بين
    الرجلين البارعين: بين رئيس الوزراء الذي انهزم له المعارضون جميعًا أمس، وكاتب الشعب الذي آمن
    له الكُتَّاب جميعًا اليوم.

    ومن الحق أن نلاحظ أن بين هذين الرجلين البارعين فروقًا قد لا يصح أن تُهمَل حين يُراد الحكم
    بينهما، وتقديم أحدهما على الآخر في سحر البيان.

    فلرئيس الوزراء من الأدوات والوسائل ما يعينه على أن يسحر العقول، ويخلب الألباب، ويُفْحِم
    الخصوم، ويقهر المعاندين؛ فهو رئيس الوزراء، وله من صفته هذه جلال ليس لغيره من الناس، فكلمته
    تزن عشر كلمات، وصوته يزن عشرة أصوات.

    وهو إن خطب قبل أن يتولى الرياسة، أو خطب بعد أن ينزل عن الرياسة، لم يبلغ من إقناع الخصوم
    وإفحام المحاورين إلا عشر ما يبلغه حين يخطب وهو رئيس الوزراء.

    ورئيس الوزراء رجل طيب، ولطيبة الرجال الطيبين أثر بالغ في إقناع المحاورين، وإفحام
    المجادلين، واضطرار الخصوم إلى التسليم؛ لأن هذه الطيبة بطبعها بركة تذلل المصاعب تذليلًا،
    وتمحو العقبات محوًا، وتجعل صاحبها قديسًا أو كالقديس، ثم هذه الطيبة تفعل في العقول فعلًا
    غريبًا، فتحملها على حسن الاستعداد لتصديق ما يقوله الرجل الطيب والإيمان له؛ لأن الرجل الطيب
    إذا تكلم لم يقل إلا حقًّا، أو ذلك شأن الرجل الطيب.

    والرجل الطيب كذلك موفق لا يخطئ، ولا يتعرض للخطأ؛ لأن طيبته تعصمه من الخطأ أو التعرض للخطأ،
    فإذا عُلِمَ ذلك من أمره كانت النفوس إلى تصديقه أسرع، وإلى الانقياد له أميل، وعن الشك فيما
    يقوله أبعد.

    فإذا أضفت إلى هاتين الصفتين صفات الظرف والرشاقة والخفة واللباقة، ثم أضفت إلى هذه الصفات
    كلها صفة البراعة في البيان، والاستئثار بالقوة في فن الخطابة، استطعت أن تتعرف الخصال التي
    تفوق بها رئيس الوزراء أمس؛ فأقنع النواب بأن ميزانية وزارة الخارجية حق لا ينبغي أن يمسه الشك،
    أو يرتفع إليه الجدال.

    ومن هنا لا ينبغي أن تدهش حين تلم بالصور الخطابية الرائعة التي استعان بها رئيس الوزراء أمس
    لإقناع الخصوم، وإفحام المعارضين، فتراها في نفسها يسيرة ضئيلة ليس من شأنها أن تقنع، وليس من
    شأنها أن تفحم، ولكنها على ذلك قد أقنعت وأفحمت، وحققت لرئيس الوزراء من إقرار ميزانيته ما كان
    يريد، ومَنْ الذي يُقَدِّر أن مقارنة ما ننفقه نحن على وزارة الخارجية بما تنفقه بولونيا أو
    تشكوسلوفاكيا أو ما شئت من دول أوروبا كافية في نفسها لإقناع الناس؛ لأن ما ننفقه لا يجاوز
    الطاقة، ولا يزيد على ما ينبغي أن ننفق، ولكنها صفات رئيس الوزراء ومزاياه، وكلماته التي تعدل
    كل واحدة منها عشر كلمات، ونبراته التي تعدل كل واحدة منها عشر نبرات، وحركاته التي تعدل كل
    منها عشر حركات، وصوته الذي يعدل عشرة أصوات، واستعداد النواب للتأثر البليغ العميق بهذه
    الكلمات والنبرات، وبهذه الحركات، وبهذا الصوت.

    كل ذلك هَيَّأَ لرئيس الوزراء ما ظفر به من الفوز أمس، ومهد الطريق لميزانية وزارة الخارجية
    فمرت من مجلس النواب بسلام.

    أما كاتب الشعب فليس له شيء من كل هذه المزايا: ليس رئيس وزراء، وليس رجلًا طيبًا كرئيس
    الوزراء، وليس له من الظرف والرشاقة، ولا من الخفة واللباقة مثل ما لرئيس الوزراء، وإنما هو رجل
    مثلك ومثلي يقول كما تقول، وكما أقول، ويكتب كما تكتب، وكما أكتب.

    فكلماته ككلماتنا، ونبراته كنبراتنا، لا تَعْدِل كل واحدة منها اثنتين، فضلًا عن أن تعدل
    عشرًا، وصوته كأصواتنا لا يعدل عشرة أصوات كصوت رئيس الوزراء؛ وهو مع ذلك قد استطاع أن يقنع
    قُرَّاءَه الكثيرين أو القليلين، وأنا منهم، بأن رئيس وزرائنا خطيب، خطيب لا كالخطباء العاديين
    الذين نسمعهم ونعجب بهم ونتأثر بما يقولون، خطيب لا كصدقي باشا، فقد كان صدقي باشا رجلًا هادئًا
    إذا خطب لا يعتمد إلا على جراءته المعروفة، وكان لا يحسن اختيار الكلام، وكان يخدع سامعيه
    بابتسامته التي لا تسحر إلا حين يكون رئيسًا للوزراء.

    خطيب لا كزعيم المعارضة، وإن كان يذهب مذهب زعيم المعارضة في مجلس النواب؛ فيقارن بين مصر
    وأوروبا، ولكن زعيم المعارضة رجل معتدل المزاج، مقتصد في الصوت والحركة.

    خطيب لا كعبد الحميد أفندي سعيد؛ لأنه لا يغلي ولا يفور، ولا يضطرب ولا يثور كعبد الحميد
    أفندي سعيد، ولكن رئيس وزرائنا مع ذلك خطيب أخطب من هؤلاء جميعًا، وممن هم فوق هؤلاء جميعًا،
    وممن هم دون هؤلاء جميعًا.

    ليس كالحجاج ولا كزياد؛ لأن هذين الخطيبين كانا إلى البداوة أقرب منهما إلى الحضارة، وكانا لا
    يحسنان اللغة الفرنسية، إنما كانا يُلِمَّان بها إلمامًا خفيفًا جدًّا، وكانا لا يُحْسِنَان
    إخراج الباء مخرجها الباريسي العذب.

    خطيب لا كبريكليس وديموستين وسيسيرون؛ لأن هؤلاء جميعًا قدماء لم يحسنوا من فنون الخطابة ما
    أحسنه المحدثون.

    رئيس وزرائنا خطيب لا يُشبَّه به إلا اثنان؛ أحدهما: خطيب الثورة الفرنسية ميرابو، والآخر
    خطيب الجمهورية الفرنسية الثالثة فلدك روسو، ووجه الشبه بين خطيبنا المصري وبين الخطيبين
    الفرنسيين، أن خطيبنا كميرابو في أن الإعجاب به موقوف على رؤيته والاستماع له، كما قالت مدام دي
    ستال، فأنت تستطيع أن تعجب به من قرب، فأما من بعد فذلك شيء آخر. والغريب أنك تستطيع أن تعجب
    به، ولكنك لا تستطيع أن تنقل إعجابك إلى غيرك؛ لأنه إعجاب يفوق الوصف، وهو إعجاب يفوق لأن رئيس
    وزرائنا كميرابو خطيب يفوق الوصف.

    ورئيس وزرائنا كفلدك روسو في أنه بركان يغطيه الثلج، وليس هو كأخي الخنساء علم في رأسه نار؛
    فأنت إذا رأيت رئيس الوزراء أو تحدثت إليه أو سمعت له وهو يبدأ خطبته لم تُفْتَن به، بل طمعت
    فيه، واستهنت بقوته، فإذا ثار واستجمع للهجوم تساقطت الألفاظ من فمه كما يتساقط الصخر الملتهب
    من فم البركان؛ ولذلك طمع فيه المعارضون أمس، فلما همَّ بهم وهجم عليهم خافوا أن تصيبهم صخرة من
    هذه الصخور الملتهبة؛ فولوا الأدبار، ولاذوا بالفرار، وسلمت لوزارة الخارجية ميزانيتها، فعبرت
    مجلس النواب رشيقة حسناء تخطر وتتبختر حتى بلغت مجلس الشيوخ!

    أرأيت إلى ما بين هذين الرجلين البارعين من الفروق: رجل له حظه من البيان، ولكن له أدوات أخرى
    ووسائل تمده وتواتيه وتعينه على الفوز؛ وهو رئيس الوزراء، ورجل آخر لا حظ له من الأدوات
    والوسائل إلا أن يكون النبوغ الذي لا حد له، واللسان العضب، والقلم السيال؛ وهو كاتب الشعب!
    وكلا الرجلين قد ظفر بما كان يريد، فأما رئيس الوزراء فأنقذ ميزانية الخارجية من الخصوم
    والماكرين! وأما كاتب الشعب فأثبت أن رئيس الوزراء خطيب لا يشبه به إلا ميرابو وفلدك
    روسو!

    ألست توافقني على أن كاتب الشعب أدنى إلى البراعة، وأعظم حظًّا من المهارة، وأشد استيلاء على
    أَعِنَّةِ البيان من رئيس الوزراء؟ أما أنا فمؤمن لهما جميعًا بهذه البراعة النادرة، والمهارة
    الباهرة، وكيف لا أؤمن بالبراعة والمهارة لمن ينقذ الميزانية من النواب، وكيف لا أؤمن بالبراعة
    والمهارة لمن يثبت أن رئيس الوزراء خطيب لا يشبه به إلا ميرابو وفلدك روسو؟!

    وكيف لا أهدي إلى الرجلين جميعًا أجمل الشكر وأعذب الثناء؟! فإن حديثهما لذيذ عذب، وألذ وأعذب
    من أحاديث السياسة والتعليم والاقتصاد!

    وبعد، فماذا تنتظر مصر وقد جمع الله لها في شخص رجل واحد بين ميرابو وفلدك روسو؟ وماذا تنتظر
    مصر، وما لها لا تطلب إلى فرنسا، ثم إلى أوروبا، ثم إلى العالم كله الاعتراف لها بالزعامة في
    الخطابة بعدما سبَق مِن الاعتراف لها بالزعامة في السياسة؟!