حديث المساء: غدًا
طه حسين
كوكب الشرق
٧ أكتوبر ١٩٣٣
غدًا يُكشف الضر كله عن المصريين، ويرفع الشر كله عن المصريين، ويبسط الخير ظله الظليل على وادي النيل، ويخضر كل يابس، وتعود النضرة إلى كل ذابل.
غدًا لا بعد غدٍ، غدًا قبل أن ينتصف النهار ستشرق في مصر كلها، وأمام المصريين جميعًا، ابتسامة طالما التمستها مصر والمصريون، فلم يظفروا بها، وسينشر الأمل في جميع النفوس ضوءًا قويًّا يمحو كل ظلمة، وسيبعث الرجاء في جميع القلوب حياة قوية تمحو كل يأس، وتعفي على كل ضيق، وسيغدو الفلاحون على حقولهم ضاحكين مبتهجين، يتغنون لذة الحياة، وجمال الأمل، وحلاوة العيش الناعم في بلد لم يعرف أهله إلا النعيم قبل أن يُطوف بهم الدكتاتورية الساقطة، فيرسل عليهم شرًّا مقيمًا.
غدًا لا بعد غدٍ، يجدد المصريون عهودهم مع الرخاء والسعة، ومع اليسر والثروة، ويفيق المصريون من هذا النوم الطويل الثقيل، فإذا هم يتنفسون في هدوء، ويملئون صدورهم من هذا الهواء الطلق النقي الذي لم تفسده الأزمة، ولم يكدره التفكير في أداء الضرائب والوفاء بالدين، ولا الخوف من احتجاز المحصول، وبيع الأرض، وسقوط السياط كأنها اللهب على الأجسام العارية تمزقها تمزيقًا، وتسيل منها دماءٌ لم يحلها الله لأحد إلا بحقها.
غدًا لا بعد غد، تذوق مصر السعادة، بعد أن طالت عشرتها للشقاء؛ لأن غدًا هو اليوم الثامن من هذا الشهر، وهو اليوم الذي يسبق عيد الجلوس الملكي، وهو الذي أعلن وزير المالية الجديد راضي النفس، قرير العين، ناعم البال، باسم الثغر، واثقًا بالقدرة على الوفاء، ثقته بأنه موجود، وبأنه وزير، وبأنه يملك الأمر والنهي، ويقدر على البذل والمنع، أعلن أنه سيحط على المصريين شيئًا غير قليل من هذا العبء الثقيل الذي ينوء بهم، وهو عبء الضرائب.
نعم، غدًا لا بعد غدٍ، سيقدم وزير المالية الجديد بمناسبة عيد الجلوس السعيد إلى المصريين هدية لم يقدمها إليهم وزير من قبله، ولن يقدمها إليهم وزير من بعده؛ لأن اللَّه قد خلقه، بل قدر خلقه منذ أبعد العصور وأقدم الأزمان، بل قبل أن توجد العصور وتعرف الأزمان؛ ليقدم إلى أمته في أشد أوقات الضنك والضيق، وفي أعصب أيام البؤس والعسر، هدية تزيل الهم، وتكشف الغم، وتفرج كرب المكروبين. وما زالت الأيام تتناقله ضنينة به، والقرون تتداوله حريصة عليه، والأقدار تهيئ الرجل العظيم لهذا اليوم العظيم، في هذا الشهر العظيم، من هذا العام العظيم، حتى تبسم الدهر فإذا صدقي باشا يَهوِي عن منصب الحكم، وعن وزارة المالية، وإذا عبد الفتاح باشا يحيى يصعد إلى منصب الحكم، وإذا الأقدار تسعى خاضعة طائعة، ومذعنة مؤمنة إلى حضرة صاحب العزة، كما ينبغي أن يقال، وإلى حضرة الفاضل حسن صبري بك، كما قال صدقي باشا، فتضع في يده الكريمة السخية أعنَّة الدخل والخرج، وأزِمَّة الإيرادات والمصروفات؛ لينظر إلى الفلاح فإذا هو سعيد كأسعد ما يكون الناس، وقد كان شقيًّا كأشقى ما يكون الناس.
وأشهد أن أمر المصريين لغريب، فهم لم يقيموا الأفراح والليالي الملاح، وهم لم يرفهوا على أنفسهم، ولم يظهروا ابتهاجًا ولا سرورًا، ولم يعلنوا اغتباطًا ولا حبورًا بهذا الوعد العظيم من هذا الرجل العظيم لهذا اليوم العظيم، يوم يزول العسر فكأنه لم يوجد، ويقدم اليسر فكأنه لم يبرح الأرض، ولم يفارق أهلها منذ كان الزمان واختلف على أهله الليل والنهار.
أمر هؤلاء المصريين غريب؛ يعدهم وزير المالية بتفريج الأزمة، وإزالة العسر، وتخفيف الضرائب، ويحدد للوفاء بوعده يومًا بعينه لا سبيل إلى أن يتقدم، ولا سبيل إلى أن يتأخر، ثم هم بعد ذلك لا يفرحون ولا يمرحون كأنهم لا يصدقون. أرأيت إلى هذه الديمقراطية كيف أفسدت طبائع الناس وأمزجتهم؟ وكيف دفعت إلى نفوسهم الشك في وعود الوزراء، والإشفاق من أن يعجز الوزراء عن الوفاء بالوعود؟ إن هذه الديمقراطية شر يجب أن يزال. وأي شر أكثر من هذا الذي يغير قيم الأشياء، ويبيح للرعية ما كان محظورًا عليها، ويملؤها شجاعة على أن تسمع وعود الوزراء فترفع الأكتاف، وتهز الرءوس، ولا تحفل بهذه الوعود كأنها صدرت من غير وزير، أو من رجل غير مسئول؟
غريب أمر هؤلاء المصريين؛ إنهم ليجحدون الصنيعة، ويكفرون النعمة، ويقصرون في معرفة الفضل لأهله، وشكر الجميل لمن يسدي إليهم الجميل. لقد كان أيسر أصول الطاعة، وأبسط قواعد الإخلاص، وأوجب واجبات الإكبار للوزراء يقضي على هذا الشعب المصري حين سقط إليه هذا الوعد السعيد أن يتلقاه فرحًا مرحًا مسرورًا محبورًا، كما يتلقى الظمآن أول الغيث بعد أن طال عليه الجدب، وأهلكه أو كاد يهلكه الظمأ، وحرقه أو كاد يحرقه الصدى.
نعم، وكان من الحق على هذا الشعب المصري أن يهرع إلى منقذه من كل مكان، ويسرع إليه من كل وجه ليرفع إليه الشكر خالصًا على هذا الوعد الذي أحيا النفوس، وأقر العيون، ورد إلى الحياة بهجتها وجمالها، ولكن هذا الشعب الجاحد لم يهرع ولم يسرع، ولم يظهر رضًى، ولم يعلن حبورًا، ولم يرفع شكرًا، وإنما انتظر في شك وريب كأنما كان يسمع كلامًا عاديًّا، من رجل عادي، لم تدخره الأقدار لينقذ مصر من الفقر، ويرد عنها عادية الجوع والحرمان.
وإذا وقفت الشعوب من الوزراء هذا الموقف الذي يقوم على الجحود والشك، وعلى الإشفاق والريب، فمن حق الوزراء أن تفتر هممهم، وتضعف عزيمتهم، وأن يسيئوا الظن بهذه الشعوب، ويعرضوا عن الرفق بها، والعطف عليها؛ لأنها لا تستحق رفقًا ولا عطفًا. ويظهر أن هذا أو شيئًا من هذا قد كان، أو حاول أن يكون. فالناس يتحدثون بأن شمس غد ستشرق ثم ستغرب، وبأن ليل غد سيطول ثم يزول دون أن يمس الضرائب تخفيف، أو يحط من أعبائها شيء قليل أو كثير.
وهم يزعمون أن مصدر هذا الإخلاف الذي يخافونه وينتظرونه — والذي لا أخافه أنا ولا أنتظره — أن الشعب المصري لم يُقدِّر وعد الوزير حق قدره، ولم يظهر من الابتهاج له والاغتباط به ما يشجع على الوفاء به، ويبعث على المضي فيه. وهم يقولون: إن وزير المالية مهما يكن عظيمًا فهو رجل من الناس، يعجبه أن يتكلم فيسمع الناس له، وأن يعد فيفرح الناس بوعوده، فإذا لم يحس من الناس ما هو أهل له من التشجيع والتأييد ضاق بالناس وأعرض عنهم إعراضًا.
وهم يقولون: إن فتور الناس لهذه الوعود، وشكهم في إمكان الوفاء بها، واستقبالها بهذا الإعراض الثقيل، كل ذلك لم يَسُؤْ وزير المالية وحده، وإنما ساء رئيس الوزراء أيضًا، فالوزراء متضامنون يشتركون في الخير والشر، ويحتملون جميعًا تبعة ما يأتي كل واحد منهم، فلما رأى رئيس الوزراء أن زميله قد وعد، وغلا في الوعد، وبشَّر وأغرق في التبشير، فلم يلقَ من الناس إلا فتورًا وإعراضًا قدَّر — وهو رجل دقيق — أنَّ هذا الفتور يمسُّه، وأنَّ هذا الإعراض يُصيبه، وأنَّ شكَّ الناسِ في زميله شكٌّ فيه، فضاق بذلك، وكبُر ذلك عليه، وعاتب وزير المالية أو لامه فيما أظهر من رفق وعطف لقوم لا يستحقون الرفق والعطف.
ولو قد كانوا يستحقون الرفق والعطف لأظهروا شيئًا من ذلك، فانسل بعضهم من أحزابهم ليلتفوا حول رئيس الوزراء ووزير المالية، ولكن أحدًا منهم لم ينسل إلى الآن، فهؤلاء الوفديون يجتمعون كأكثر ما اجتمعوا، ويصدرون على الوزارة أحكامًا قاسية مسرفة في القسوة.
وهؤلاء الأحرار الدستوريون لا يزالون حيث كانوا لم يتقدموا إلى الوزارة خطوة، ولم يبسموا للوزارة عن ثغر، بل هؤلاء الشعبيون يقولون إذا خَلَوا إلى الوزراء: إنَّا معكم، فإذا عادوا إلى صدقي باشا قالوا: إنما نحن مستهزئون، فهم ما يزالون يضطربون بين الرئيس ونائب الرئيس، يسرون شيئًا ويعلنون شيئًا، وينتظرون حكم الأيام وتصاريف القضاء. وإذا كان هذا أمر الناس؛ لم يؤيد أحد منهم الوزارة وقد قامت منذ عشرة أيام، ففيم الرفق بهم، والعطف عليهم، والتفكير في تخفيف الضرائب؟! كلا، يجب أن يتركوا وما هم فيه؟ ويجب أن تُؤدَّى الضرائب هذا العام كما أُدِّيت في العام الماضي، وفيما مضى من الأعوام لا تنقص، وإن احتاجت الدولة إلى شيء من المال فلعلها أن تزاد. هذا شعب لا يستحق أن يحكم وتدبر الضرائب فيه إلا كما حكمه ودبر أمواله صدقي باشا.
والناس يقولون أن الأمر لم يقف عند وزير المالية ورئيس الوزراء وزملائهما، وإنما تجاوزهم جميعًا إلى رجل من الأجانب يمثل دولة أجنبية في صندوق الدين، فأنت تعلم أن الفرنسيين قوم يحبون العدل، ويكرهون الجور، ويحبون شكر الجميل، ويكرهون كفر النعمة، فلما أظهر الشعب المصري ما أظهر من الفتور والإعراض والشك أمام هذه الوعود التي بذلها وزير المالية وأكد أنه سيفي بها، ضاق ممثل فرنسا في صندوق الدين بهذا الجحود، وتعصب للوزارة المصرية على الشعب المصري، وذهب إلى رئيس الوزراء وإلى وزير المالية يتحدث إليهما فيما شاع وذاع وملأ الأسماع من تخفيف الضرائب إذا أقبل صباح يوم الأحد الثامن من هذا الشهر.
وقد ظن رئيس الوزراء ووزير المالية — فيما يقول الناس — أن ممثل فرنسا مشفق على الدين من تخفيف الضرائب، فأُكِّد له — فيما يقول الناس أيضًا — أن ليس على الدين بأس من هذا التخفيف الموعود، وظن رئيس الوزراء ووزير الخارجية أن ممثل فرنسا في صندوق الدين يريد من طرف خفي جدًّا أن يتدخل فيما لا يعنيه، ولا يعني فرنسا من أمورنا المالية التي يجب أن تكون مقصورة علينا بحكم الاستقلال، فأشار رئيس الوزراء ووزير الخارجية إلى ممثل فرنسا من طرف خفي جدًّا بأن الخير للأجانب أن يفكروا في مصالحهم، وفي مصالحهم وحدها.
ويقول الناس — وما أكثر ما يقول الناس: إن ممثل فرنسا قد فهم هذه الإشارة الخفية، وعرف أن سعيه لم يُفهم على وجهه، فأشار من طرف خفي جدًّا إلى أنه لم يرد أن يدافع عن الدين، ولا أن يعرض لما لا يعنيه، وإنما أراد أن يظهر شعوره بهذا الجحود الذي لم يتحرج المصريون من إظهاره بما يقدم إليهم وزير المالية في جميل. ويقول الناس — وما أكثر ما يقولون: إن الأمر استقر بين الدولتين، ولم يحدث خلاف ولا شبه خلاف، وإنما كان الصفاء كل الصفاء.
ثم يتخذ الناس هذه الأحاديث علة لما قد يكون من تأخر الوفاء بالوعد، ويتمثل العابثون منهم بهذا البيت القديم:
إمَّا غدًا زعموا أوْ لا فبَعْد غدٍ
وكان بين المتحدثين رجل مطرق يسمع، ولكنه لا يقول، فلما انتهى القوم من حديثهم إلى هذا الحد رفع رأسه في هدوء، وقال في صوت مِلْؤه السخرية بما كان يقال من حوله: ولكنكم تتركون الأمر الذي ليس فيه شك ولا ريب، وهو أن السكرتيرين الماليين سيسافرون من القاهرة ليلقوا الوزير في هذا اليوم الموعود، وسيسافرون على حساب الدولة طبعًا، وسيقيمون على حساب الدولة طبعًا يومًا أو يومين، وسيعودون على حساب الدولة طبعًا إلى القاهرة، وستُنفق في هذا كله أموال مهما تكن قليلة فإنها تساوي بعض ما ينبغي رفعه من الضرائب عن بعض الفلاحين. ألم يكن أيسر وأدنى إلى الاقتصاد، وأشد ملاءمة لرغبة الوزارة فيه أن يبقى السكرتيرون الماليون في القاهرة، وأن يأتي إليهم الوزير؟ قالوا جميعًا: نعم، ثم أغرقوا في ضحك شديدٍ.
Tag: الخطاب الحكومي
-
غدًا | Tomorrow
-
شئون | Affairs
حديث اليوم: شئون
طه حسين
جريدة السياسة
١٢ يوليو ١٩٣٢
كل شيء يدور في هذا العالم، كما قال فيلسوف من فلاسفة اليونان لا أذكر اسمه الآن، وليس يعنيني أن أتكلف البحث عنه؛ لأني لا أكتب في تاريخ الفلسفة، وإنما أكتب في تاريخ السياسة، أو قل: في شيء ليس من اليسير تسميته؛ فليس هو تاريخًا بالضبط، وليس هو سياسة بالضبط، وإنما هو كأي شأن من الشئون المصرية في هذه الأيام غامض مبهم، ليس من السهل أن يحدد، أو أن يحقق أو أن يسمى. وآية ذلك أننا مختلفون: يرى بعضنا أن في مصر أزمة عنيفة لا تذر شيئًا أتت عليه إلا ذهبت به وعصفت به عصفًا. ويزعم رئيس الوزراء — ومعه الأمة كلها — أن ليس في مصر أزمة، أو أن الأزمة في مصر لا تكاد تذكر بالقياس إلى الأزمة في فرنسا وإنجلترا وغيرهما من أقطار الأرض، وأن الحياة عندنا ناعمة، والدنيا لنا باسمة، وأن الفلاح سعيد ينتقل من عيد إلى عيد، بينما الفرنسي أو الإنجليزي لا يظفر من نعيم الدنيا بشيء؛ تُحجز أرضه وثمراتها وتباع ماشيته وأمتعته، وتُجنى منه الضرائب بألوان من الضغط. والغريب من أمرنا أنَّا نسأل الفلاح أسعيد هو أم شقي؟ أناعم هو أم بائس؟ فيجيبنا بأنه قد وصل من التعس إلى قراره، وأنه قد أخذ يحس لذع الجوع! فإذا لم يمسسه جناح من رحمة الله فهو هالك من غير شك. ثم يسأله رئيس الوزراء: أسعيد هو أم شقي؟ فيجيب بأنه قد وصل من السعادة إلى قمتها، وأن الحكومة القائمة قد مدت له الأسباب ليبلغ السحاب، وأن الأمر إن امتد لهذه الحكومة عامًا أو بعض عامًا، فسيدخل الفلاح الجنة في هذه الحياة العاجلة دون انتظار للآجلة!
وعلى هذا النحو يعلن المعارضون أن في مصر أزمة حادة، وتعلن الحكومة أن مصر لا تعرف من الأزمة إلا اسمها. والمعارضة صادقة؛ لأنها تحس وتشعر. والحكومة صادقة؛ لأنها تحسن البحث والاستقصاء. فنحن إذن فقراء أغنياء، سعداء أشقياء، بائسون ناعمون.
وقل مثل هذا في حياتنا السياسية الداخلية؛ فنحن أحرار عبيد، ونحن أعزاء أذلاء، نحن مجتمع النقائض، ونحن باجتماع هذه النقائض راضون، وإليه مطمئنون. نقرأ رئيس الوزراء أو نسمع له فنتفكه، ونقرأ كلام المعارضين — وقد حيل بيننا وبين الاستماع لهم — فنحزن ونتوله! وكذلك جمع الله لنا ما لا بد منه في الحياة الصالحة من الرضا والسخط، ومن اللذة والألم ومن الفكاهة والجِد، ومن السعادة والشقاء.
وقد ذهبت هذا المذهب من الاستطراد؛ لِأُثْبِتَ لك أن كل شيء في مصر غامض مبهم في هذه الأيام لا يمكن أن يحدد ولا أن يسمى. وإني لا أدري كيف أحدد ما أكتب فيه، ولا كيف أسميه؟! ولكني أعلم أنه ليس فلسفة، ولا تاريخ فلسفة.
كل شيء يدور إذن كما قال ذلك الفيلسوف اليوناني القديم. فالقمر يدور حول الأرض، والأرض تدور حول الشمس، والشمس تدور حول نفسها. وجريدة الشعب تدور حول البرلمان، والبرلمان يدور حول الوزارة، والوزارة تدور حول نفسها. ولست أدري أيحتفل القمر وتحتفل الأرض وتحتفل الشمس إذا أتم كلُّ منها دورته؟! لأني لم أتعلم بعدُ لغة الكواكب والنجوم. ولكني أعلم أن الوزارة تحتفل إذا أتمت دورتها؛ وآية ذلك أن رئيس الوزراء قد استقبل عامه الثالث سعيدًا ناعم البال، فطار بجناحين، وخطب بلسانين، وأهدى السلم إلى برقة، ووضع ثقل الحرب على الإسكندرية. ثم عاد إلى القاهرة ومعه جيشه وأنصاره ظافرين موفورين، لم يُكْلَمْ أحد منهم كَلْمًا. عاد إلى القاهرة ليحتفل بإتمام دورة أخرى هي دورة البرلمان. فقد كان يوم الخميس الماضي عيدًا سعيدًا، حفل له البرلمان، وابتهج له المجلسان وخطب فيه الرؤساء والوكلاء والمؤيدون والمعارضون، فأعلنوا جميعًا أن مصر بخير وأن المال عليها موفر، والاستقلال لها محقق، والحرية لأهلها مكفولة. ثم هنأ أولئك وهؤلاء أنفسهم بإتمام الدورة على خير حال، وبأنهم قد داروا ثم داروا فلم يصبهم دوار، ولم يأخذهم صداع، ولم تَزِلَّ بهم قدم، ولم تضطرب تحتهم أرض، فظلوا قائمين، أقدامهم على الأرض، ورءوسهم في الهواء، وأعينهم شاخصة إلى السماء، يرقبون دورة القمر حول الأرض، ودورة الأرض حول الشمس، ودورة الشمس حول نفسها؛ ليدوروا هم حول الوزارة من جديد، ولتدور الوزارة حول نفسها من جديد، ولتدور جريدة الشعب حولهم وحول الوزارة من جديد.
ثم كان يوم الجمعة فظهر الشعب محتفلًا بالدورتين ممتلئًا بآيات البيان مما قيل في البرلمان، متحليًا بتلك «الفريدة» التي ألقاها رئيس الوزراء في مجلس النواب فأخرس بها المعارضة، وأنكر بها المفاوضة، وأعلن فيها أنه لم يأتِ البيوت من أبوابها، وإنما جاءها من ظهورها، وأنه لم يطلب المفاوضة بالأسلوب المعروف وإنما طلبها بالأسلوب غير المعروف. وأن مبدأ المفاوضة مقبول، وتاريخها مجهول، وأن أساس هذه المفاوضة التي قد تكون وقد لا تكون، سيكون في مصلحة مصر؛ لأن مصلحة مصر يجب أن تكون فوق شيء. وأن الحكومة القائمة لا تنسى وليس يمكن أن تنسى ومن المستحيل أن تنسى مصلحة مصر في صداقة إنجلترا.
وقد سمع النواب وازدهاهم الإعجاب، فصفقوا وهتفوا ثم انصرفوا، وأخذ الأكفاء منهم وكلهم أكفاء، والأذكياء منهم وكلهم أذكياء، يسألون أنفسهم عن رئيس الوزراء ماذا قال؟ وبأي شيء أجاب على ما يشاع ويذاع، ويملأ الأسماع، من أن الإنجليز يرفضون المفاوضة، ويخافون المعارضة، ويؤثرون الانتظار حتى يكون استقرار، غير هذا الاستقرار؟ أخذ النواب يتساءلون فلا يجدون جوابًا، ويحسبون فلا يحسبون حسابًا. ذلك أن رئيس الوزراء — كما قلت لك في غير هذا الفصل — خطيب بارع، يقول كل شيء ولا يقول شيئًا. فهو قد طلب المفاوضة ولم يطلبها، وهو مقبل على المفاوضة مدبر عنها. وهو حريص على المفاوضة زاهد فيها. وهو يعلم أن المفاوضة آتية لا ريب فيها، ولكنه لا يعلم متى تأتي، أمرها كأمر الساعة لا بد منها ولا محيص عنها، ولكن علمها عند الله، وعند الله وحده، قد تدركنا وقد نفلت منها. كذلك المفاوضة، لا بد من أن تأتي ومن أن يحدد لها يوم أو أيام، ومن أن تدور حول مصلحة مصر ومصلحة مصر في صداقة إنجلترا. ولكن متى؟ علم ذلك عند الله. ولكن مع من؟ علم ذلك عند الله. ولكن أين؟ علم ذلك عند الله. ورئيس الوزراء رجل كغيره من الناس، له ذكاء لا يشبهه ذكاء، وفطنة ليس كمثلها فطنة، ولكنه لا يعلم الغيب، ولا يزعم لنفسه علم الغيب. فهو إذن لا يستطيع أن يخترق حجبه ليعلن للشيوخ والنواب متى تكون المفاوضة؟ أو أين تكون المفاوضة؟ أو مع من تكون المفاوضة؟ كل ما يعلمه هو أنه طلب المفاوضة بأسلوب غير معروف، فرُدَّ على طلبه بأسلوب غير معروف، وكانت نتيجة هذا كله أن المفاوضة بيد الله يتيحها لمن يشاء متى شاء وحيث شاء وكيف شاء.
وبينما كان رئيس الوزراء يبسط على مجلس النواب جناحي خطابته العريضين فيظله من اليأس بأمل غامض ويحميه من القنوط برجاء شاحب، كانت سفينة من السفن تشق العباب وعليها كتاب. فأما قصد السفينة فثغر من ثغور مصر، وأما وجهة الكتاب فجريدة الأهرام.
وقد وصلت السفينة وبلغت الرسالة، وظهرت الأهرام صباح اليوم وفي صدرها كلام، أُفٍّ له من كلام! لقد أقفل الإنجليز باب المفاوضة الآن، وألقى رئيس الوزراء يوم الخميس ستارًا مزركشًا على مهزلة المفاوضة، وانصرف الناس لشئونهم. فما بال الأهرام تثير حديث المفاوضة من جديد، وترفع الستار عن هموم وأخطار، كان من الخير أن تظل مكتومة مستورة، حتى ينتهي الصيف ويأتي الخريف؛ فقد يكون الخريف وقتًا ملائمًا لمثل هذه الأحاديث؟!
نعم، إن لكل شيء وقتًا وإبَّانًا، ولكن يظهر أن لا بد من إعداد الأشياء والتمهيد لها قبل أن تكون، وأن ما يقع في الخريف يحسن أن يهيأ له في الصيف، وأن الله إذا كان قد قدر للشمس والأرض والقمر دوراتٍ لا تستطيع أن تخرج عنها، فإن الناس لم يحسنوا إلى الآن أن يقدروا للوزارات والبرلمانات دوراتٍ دقيقةً كل الدقة، مضبوطة كل الضبط. فقد تدور الوزارة في مدارها آمنة مطمئنة مقدِّرة أنها لن تقف قبل نوفمبر، ثم يعرض لها عارض فتقف قبل ذلك. هذه أشياء نشهدها كل يوم، وفي كل مكان، وأنا أخشى أن يكون حديث الأهرام الذي ظهر صباح حديث الأهرام هذا تأكيدًا لما هو معروف من إعراض الإنجليز عن المفاوضات ونفورهم منها حتى بعد أن يتم العام ويبتدئ العام الجديد، وفيه كلام عن الانتخاب، فيه الخطأ وفيه الصواب. لكنَّ فيه شيئًا آخر، فيه ذكر الوزارة التي يمكن أن تفاوضها إنجلترا. وهذه الوزارة لا تشبه الوزارة القائمة في شكل ولا في لون، ولا تقاربها في عرض ولا في طول. وهي مشبهة كل الشبه للوزارة التي ذكرها الأحرار الدستوريون في كتابهم الذي رفعوه إلى حضرة صاحب الجلالة الملك.
ومن الغريب أن وزارة مكاتب الأهرام هذه لا تشبه الوزارة التي كانت قد اقترحت، وطلب أن يشترك فيها رئيس الوزراء فقد ذكر مكاتب الأهرام أن المقامات الإنجليزية ترغب في أن تفاوض وزارة قومية يشترك فيها المستقلون والأحرار الدستوريون، والوفديون والاتحاديون والوطنيون، ونسيت الشعبيين وعلى رأسهم رئيس الوزراء.
كل شيء يدور حتى الإنجليز، وحتى لندرة، وحتى المقامات السياسية في عاصمة بريطانيا العظمى؟!
أرجو أن أكون مفهومًا، فلست أقدر مقال الأهرام هذا أكثر مما ينبغي، ولست أزعم له خطرًا عظيمًا. ولكني أسأل عن أمرين؛ أحدهما: صدق مكاتب الأهرام فيما يضيف إلى المقامات السياسية الإنجليزية. فإن كان مكاتب الأهرام صادقًا فيما يروى فقد بدأت المقامات السياسية الإنجليزية تعلن ما كانت تخفي من أن في مصر أزمة سياسية يجب أن تحل، ومن أن حلها يجب أن يكون بإبعاد صدقي باشا عن الحكم، وبأن يرد أمر المصريين إلى المصريين، ومعنى هذا أن سياسة الحياد قد فشلت، ولا بد من أن تغير وتزول. وإعلان هذه الآراء في المقامات السياسية الإنجليزية في لندرة خطر يجب أن يتداركه رئيس الوزراء. والظاهر أن الخرق قد اتسع على وزيرنا المفوض في لندرة، وعلى من يشاركونه سرًّا أو جهرًا في كسب هذه المقامات للوزارة القائمة. فلم يبقَ بد من أن يمد وزيرنا المفوض بمدد جديد. ولو أن رئيس الوزراء يقبل لي رأيًا أو مشورة لاقترحت أن يسافر وزير المواصلات فورًا إلى لندرة ليعين على جمع الأمر قبل أن يتشتت.
وإذا لم يكن مكاتب الأهرام صادقًا في روايته عن المقامات الإنجليزية — وأنا أرجح جدًّا أنه صادق — فمن حق الحكومة أن تعاتب الأهرام. فإن نشر هذا المقال ليس من شأنه أن يمتع الشيوخ والنواب بالراحة التي يستحقونها بعد أن داروا وداروا وآن لهم أن يستقروا.
الأمر الثاني الذي أسأل عنه هو استقلال مكاتب الأهرام بكتابة هذا الفصل. فهل كتبه من تلقاء نفسه أم هل أوحي إليه به كله أو بعضه؟ فإن تكن الأولى فلا بأس على مكاتب الأهرام، فهو صحفي أمين يؤدي واجبه كما ينبغي أن يؤدى الواجب. ومن حق رئيس الوزراء أن يهمس في أذن الأهرام بأن من رسائل المكاتبين الأجانب ما ينشر وما لا ينشر. وبأن هذه الرسالة كان ينبغي أن تؤجل الآن. وإن تكن الثانية، فمَنِ الذين ألهموا مكاتب الأهرام وأوحوا إليه؟ أمصريون هم أم إنجليز؟ أرسميون هم أم غير رسميين؟ ففي لندرة مصريون وإنجليز وفيها رسميون وغير رسميين. وأولئك وهؤلاء يعنون بشئون مصر ويرقبون شئون الوزارة القائمة. ومن المصريين في لندرة الآن مَن يحسب له حساب وينبغي أن يقدر رأيه حق قدره.
الحق أني ضقت ذرعًا بمقال الأهرام ولم أرتح إليه؛ فهو لا يؤذن بخير ولا يدل على أن الدنيا ستبتسم للوزارة منذ الآن كما ابتسمت لها من قبل. وإنما يدل على أن الأرض قد أخذت تضطرب قليلًا تحت أقدامها، ويوشك هذا الاضطراب أن يشتد فيصبح زلزالًا أو شيئًا يشبه الزلزال. نعم، وهو يدل على أن هؤلاء الأحرار الدستوريين كانوا موفقين حين فزعوا إلى صاحب العرش يرغبون إليه في أن يرعى بحكمته العالية، وعطفه السامي شعبه المخلص الأمين، فيحميه من هذه الكوارث التي توشك أن تلم به وينقذه من هذا الخطر الذي يحيق بثروته وكرامته وأخلاقه وحياته، كأمة من حقها أن تحيا كريمة حرة في ظل عرشه الكريم.
نعم، يظهر أن هؤلاء الأحرار الدستوريين كانوا موفقين حين فزعوا إلى صاحب العرش؛ يرغبون إليه في أن يكل أمور مصر إلى وزارة قومية تحبها الأمة وتخلص لها وتعينها على أن تسلك بالبلاد طريق السلامة في هذا الوقت العصيب.
هذه المقامات السياسية الإنجليزية في لندرة تنتظر هذه الوزارة وترى أنها وحدها هي التي تستطيع أن تتفق مع الإنجليز. وهذا الشعب المصري على ضفاف النيل ينتظر هذه الوزارة ويرى أنها وحدها هي التي تستطيع أن تستنقذه من البؤس، وتحميه من الخطر، وتعزه بعد ذل، وتحفظ له كرامته، وتحقق له استقلاله.
نعم! وهذه الوزارة القائمة تعترف بأن الأزمة فوق جهدها وطاقتها، وتعلن أن علم المفاوضة عند الله، وتقبل راضية أو كارهة أن تبقى في الحكم لتصريف الشئون اليومية، وانتظار ما يضمره لها القضاء، وما ستتكشف عنه حكمة صاحب العرش من حب للشعب ورفق به وإشفاق عليه.
ألم أقل لك: إن مقال الأهرام مخيف؟! -
منذ اليوم | From Today
حديث اليوم: منذ اليوم
طه حسين
جريدة السياسة
٦ يوليو ١٩٣٢
من المحقق أننا أحرار كأحسن ما يتمنى الناس أن يكونوا أحرارًا؛ لأن الدستور قد كفل لنا الحرية على اختلاف ألوانها وتباين فنونها. نحن أحرار في التفكير؛ لأن حرية الرأي مكفولة في الدستور. وأحرار في القول والكتابة؛ لأن حرية القول والكتابة مكفولة في الدستور. وأحرار في الحركة والانتقال؛ لأن حرية الحركة والانتقال مكفولة في الدستور. نحن أحرار كأحسن ما يتمنى الناس أن يكونوا أحرارًا. ولو عرف المصريون ما يلقاه غيرهم من الناس في بلاد كثيرة من ألوان الاستبداد وفنون الإذلال؛ لما كفَّت ألسنتهم عن الثناء على رئيس الوزراء. وقد كدت أسميه الدكتاتور، ولكني أمسكت؛ لأن دكتاتوريته الفعلية إنما تبتدئ بعد يومين، حين يتفرق البرلمان فتستأثر الحكومة استئثارًا فعليًّا بالتشريع والتنفيذ حتى يعود البرلمان إلى الاجتماع. فهو إذن رئيس الوزراء إلى مساء الخميس، وهو الدكتاتور بعد ذلك. ولو عرف المصريون ما يلقاه غيرهم من استبداد واستعباد لأثنوا على رئيس الوزراء أحسن الثناء، ولكنهم يجهلون ذلك فلا يرضيهم ما هم فيه من النعيم والعزة والسعادة. وأخلق بهم مع هذا البطر والأشر أن يصيبهم ما يكرهون.
أمرهم في الحرية كأمرهم في الرخاء، يحسبون أن في بلادهم أزمة، وقد أخبرهم رئيس الوزراء أن أزمتهم ليست شيئًا يذكر بالقياس إلى أزمات الأمم الأخرى، وأنها أقرب إلى الخيال منها إلى الحقيقة. ويحسبون أن حظهم من الحرية قليل، وقد أخبرهم رئيس الوزراء أن حظهم من الحرية كحظِّ غيرهم من الأمم الحرة المستقلة التي تستمتع بالنظام الديمقراطي الصحيح. والغريب من أمر هؤلاء المصريين أنهم يستمعون لرئيس الوزراء إذا خطب ويقرءونه إذا كتب أو تحدث إلى الصحف، ثم يشكون فيما يقول ولا يطمئنون إليه! يصدقون أنفسهم ولا يصدقون رئيس الوزراء، وحسبك بهذا إثمًا وبغيًا، وحسبك بهذا بطرًا وأشرًا. ماذا؟ ألأنهم يحسون العسر والضنك، وتألم كثرتهم من الخوف والجوع، يعتقدون أنهم مأزومون ولا يصدقون رئيس الوزراء حين ينبئهم بأن بلادهم لم تعرف العسر ولا الضنك بعد، وبأن الخوف والجوع لم يجدا بعد إليهم سبيلًا؟!
اللهم إني أعوذ بك من هذه الفتنة، وأستعينك على هذه المحنة، وأضرع إليك في أن تعفيني مما تورط فيه هؤلاء المصريون الذين يرون أنفسهم أصدق من رئيس الوزراء. اللهم إني أعلن أن رئيس الوزراء صادق دائمًا، صادق حين يزعم لي الحرية وأنا مغلول، صادق حين يزعم لي الرخاء وأنا مأزوم. صادق حين يزعم لي الأمن وأنا خائف. صادق حين يزعم لي الشبع وأنا جائع. صادق في كل ما ينبئني به عن نفسي مهما أجد أنا ومهما أحس ومهما أشعر، ومهما تنبئني نفسي بغير ما يقول؛ ذلك لأنه رئيس الوزراء، ومعاذ الله أن أصيب أنا ويخطئ رئيس الوزراء، أو أصدق أنا ويكذب رئيس الوزراء!
نحن إذن أحرار كأحسن ما يتمنى الناس أن يكونوا أحرارًا، ولو عاش مصطفى كامل رحمه الله في هذه الأيام التي نعيش فيها نحن؛ لكان أسعد الناس وأشدهم اغتباطًا حين يرى أمنيته الغالية حقيقة واقعة. فقد أصبحنا بفضل رئيس الوزراء أحرارًا في بلادنا مكرمين لضيوفنا، أحرارًا نفكر كما نشاء ونقول ما نشاء وننتقل كما نشاء. لا يجتمع البرلمان لينكر علينا ما نفكر أو ما نقول، ولا تطلب مشيخة الأزهر مصادرة كتبنا أو تحريقها. ولا تتعقبنا الشرطة حين نذهب أو نجيء، ولا تبلغ وزارة الداخلية أنباء ما يعترينا من حركة أو سكون. ولا يعدل بقطاراتنا عن الطريق العامة إلى الصحراء، ولا تحفر أمامنا الخنادق، ولا تهيأ لنا المكايد. نحن أحرار نفكر ونقول وننتقل كما نريد نحن لا كما تريد لنا الحكومة. ولا تصدق الأحرار الدستوريين ولا تصدق الوفديين، فأولئك وهؤلاء إنما يتجنون على الحكومة، ويقولون فيها غير الحق. ونحن مكرمون لضيوفنا. وما أشد إكرامنا لهم وسخاءنا عليهم! ننفحهم بالأموال ما أقاموا فينا، فإن رحلوا عنا تبعتهم أموالنا كما كان النظام القديم.
انظر إلى عنايتنا بالأجانب سواء منهم الموظف وغير الموظف. ألسنا نفرض على الموظفين رسم الدمغة؟ فأما المصري فيؤديه صاغرًا وأما الأجنبي فيؤديه شكلًا، ثم يزاد في مرتبه ما يعوض عليه هذا الرسم. فإذا ارتحل الأجنبي عنا تبعته أموالنا في أشكال مختلفة. ألسنا نقرض السودان (أي الإنجليز) ونحن في حاجة إلى من يقرضنا؟! ألسنا ندفع كذا إلى الديلي تلغراف لتصدر ملحقًا خاصًّا عن مصر؟! نحن أحرار في بلادنا مكرمون لضيوفنا بفضل رئيس الوزراء الذي عرف كيف يجعل خيال مصطفى كامل حقيقة لا تتعرض لشك ولا ريب.
ولكن الدستور الذي يكفل الحرية يأبى إلا أن ينظمها، وإذن فلا بد من أن تشرع لها القوانين، وتقام لها الحدود، ولا ذنب لرئيس الوزراء في أن يكون دستورنا كدساتير الأمم الأخرى ليقيم للحرية من الحدود والسدود ما يمنعها من الطغيان والعدوان، وقد جربنا الحرية التي لا يقام لها حد ولا سد، فرأينا نتائج هذه التجربة منكرة مرذولة. رأينا الناس يشكون فيما يقول رئيس الوزراء، فلا يصدقون أنهم أحرار ولا يصدقون أنهم أغنياء. رأيناهم يسيئون الظن بالحكومة فينكرون من أعمالها ويشكون في أقوالها وينقدون البرلمان، وأي إثم يعدل نقد البرلمان؟! وإذن، فلا بد من إقامة الحدود والسدود أمام هذه الحرية الطاغية. يجب أن يقتنع الناس في مصر بما يقتنع الناس به دائمًا في البلاد الراقية التي تعرف الحرية والديموقراطية من أن الحكومة مصيبة أبدًا لا يمكن أن تخطئ، صادقة أبدًا لا يمكن أن تكذب. ومن أن النواب والشيوخ مقدسون، مَن نالهم بالنقد فقد أسرف على نفسه واعتدى على وطنه وعرَّض نفسه لأشد العقاب.
الأحرار في أوروبا يعرفون هذا؛ لأن عهدهم بالحرية والدستور قديم. أما المصريون فحديثو عهد بتلك وذاك، فلا بد لهم من التربية والتأديب، ولا بد من أن تعلمهم الحكومة ما كان ينبغي أن تعلمهم التجربة. ولا بد من أن يقوم التشريع الرسمي مقام الذوق والإحساس والشعور.
أرأيت فرنسيًّا ينكر ما يقول هريو أو يسخر من البرلمان؟ أرأيت إنجليزيًّا يشك فيما يقول مكدونلد أو ينقد مجلس العموم؟ لا تصدق الصحف الفرنسية ولا الإنجليزية إذا نقلت إليك ما يقوله ترديو أو هندرسون أو أنصار هذا وذاك. فإن هؤلاء الفرنسيين والإنجليز قوم مكرة، يصدرون من صحفهم طبعتين مختلفتين: إحداهما صادقة تنشر في فرنسا وإنجلترا وتمثل المعارضة في صورتها الحقيقية مذعنة للحكومة، مؤمنة بها مصدقة لها، تمنحها كلَّ نصر وتأييد. والأخرى كاذبة مضللة ترسل إلى مصر خاصة وإلى الشرق عامة؛ لتفسد العقول والذوق والشعور. وهي تصور المعارضة مناوئة للحكومة وللكثرة البرلمانية. تنقدهما أشد النقد وتنكر عليهما أقبح الإنكار. وهل تنتظر من هؤلاء الأوروبيين أن يرسلوا إلينا من صحفهم ومجلاتهم وكتبهم إلا ما يفسد العقول ويعلمنا نقد الوزراء والنواب والشيوخ، والشك فيما يقولون ويفعلون. نحن إذن مسرفون على أنفسنا. وحكومتنا مخلصة في حبنا ناصحة لنا حين تؤدبنا بأدب الأمم الراقية، فتضع أمام حريتنا الطاغية من الحدود والسدود ما يعلمنا كيف نصدق رئيس الوزراء إذا قال، ونطيعه إذا أمر، وكيف نقدس النواب والشيوخ ونؤمن لهم بأنهم معصومون من الخطأ مضطرون دائمًا إلى الصواب.
لقد شرعت لنا الوزارة شرعًا جديدًا. يعلمنا كيف نكون أحرارًا حقًّا، وقد أقر مجلس النواب هذا الشرع الجديد منذ أيام، وما أرى إلا أن مجلس الشيوخ سيقره الليلة. فليست غيرة الشيوخ علينا بأقل من غيرة النواب، وإذن فمنذ اليوم سنكون أحرارًا حقًّا. ومنذ اليوم سيعرف الكتاب والخطباء — إن كان للمعارضة أن تخطب — والصحفيون ما أقيم أمامهم من الحدود والسدود؛ ليوجهوا الشعب نحو الحرية الصحيحة والديمقراطية الصادقة.
ولعل الكاتب الفرنسي بومارشيه قد صور هذه الحدود والسدود أحسن تصوير حين انتطق بطله فيجارو بها في قصته المشهورة «زواج فيجارو». فللصحفي حريته في القول والكتابة بشرط ألا يمس السلطة، ولا الدين، ولا السياسة، ولا الأخلاق ولا الأشخاص الذين يشغلون مكانات ممتازة، ولا الهيئات المحترمة، ولا الأوبرا، ولا التمثيل بوجه عام، ولا أي شخص يتصل بأي عمل. فإذا تجنب هذا كله وخضع لاثنين أو ثلاثة من المراقبين بعد ذلك فله أن يقول ما يشاء.
أيها الكُتاب والخطباء والصحفيون، هذه الحدود قد رسمت لكم منذ اليوم، فاعرفوها واحذروا أن تتجاوزها، وقولوا بعد ذلك فيما تريدون. صفوا جمال الطبيعة وصفاء الجو واعتدال الإقليم، واحذروا أن تشكُّوا في أنكم أحرار! فأنتم أحرار كأحسن ما يتمنى الناس أن يكونوا أحرارًا. بذلك يخبرنا رئيس الوزراء، وإذا قال رئيس الوزراء، فقوله الحق مهما تحسوا ومهما تشعروا ومهما تعتقدوا.
تعلموا منذ اليوم كيف تكون الكتابة الحرة والخطابة الحرة والصحافة الحرة. فمن اعتدى بعد ذلك فإنما يعتدي على نفسه، ومن أحسن فإنما يحسن إليها. أما أنا فقد عرفت طريقي فلن يسمع مني رئيس الوزراء منذ اليوم إلا الحمد والثناء، وأي الناس أحق بالثناء من رئيس الوزراء؟! أليس قد ضمن لنا الحرية الصحيحة والديمقراطية الصادقة في ظل دستوره الجديد؟!