Tag: الدبلوماسية

  • رحيل

    حديث اليوم: رحيل

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ١٩ يوليو ١٩٣٢

    رحلة موفقة إن شاء الله وسفر سعيد، وعودة سالمة إن شاء الله وإياب حميد، ثم إعلان الانتصار، وفخار أي فخار! وكبت الحسود، ورغم الحقود، وخزي الشامت، من ناطق وصامت، وتفريق المعارضين، بالشمال واليمين، ثم استقرار النظام، في أمن وسلام، على مدى الأيام.

    تلك أماني صادقة نرسلها مخلصين لتصحب رئيس الوزراء حين يطير على الماء بعد أن عَامَ في الهواء، وحين تستقبله مدينة القياصرة باسمة ناضرة كما تستقبله القاهرة. وأَخْلِقْ بالمدينتين أن تتشابها! وأَخْلِقْ بهما أن تتقرب كل منهما إلى الأخرى! تلك مدينة نيرون وهذه مدينة قلاوون، تلك عاصمة المسيحية وهذه عاصمة الإسلام، تلك مستقر السنيور موسوليني حليف البابا وهذه مستقر صدقي باشا صديق الأستاذ الأكبر، تلك مدينة الغرب الخالدة وهذه مدينة الشرق الماجدة.

    ما أخلق المدينتين أن تتقرب إحداهما من الأخرى يوم يسعى النبوغ إلى النبوغ ويبتسم الذكاء للذكاء، وتصافح الكفاية الكفاية، ويشهد صدقي مأدبة موسوليني.

    تعالى الله ما شاء وقوَّى الله إيماني

    ماذا ينقص المصريين؟! وماذا يمنعهم أن يكونوا أسعد الناس وأعظمهم حظًّا من الابتهاج؟! لقد أخطأتهم صداقة لندرة فكسبوا مودة روما. وأين تقع لندرة من روما؟! لقد فاتهم التحدث إلى مكدونلد فأُتِيحَ لهم التحدث إلى موسوليني! وأين يكون مكدونلد من موسوليني؟!

    إن في المصريين لبطرًا لا يشبهه بطر، وإن فيهم لأشرًا لا يعدله أشر، متى رأوا قبل اليوم مدينة خالدة ماجدة كمدينة روما تتأهب وتتزين للقاء وزيرهم الأكبر، قبل أن يقصد إليهم بأسبوع أو أكثر من أسبوع؟! وهم على هذا كله لا يعلنون السرور ولا يظهرون الابتهاج ولا يقيمون الأعياد في أطراف البلاد!

    ماذا ينقصهم؟! وما الذي ينتظرون؟!

    هذه جريدة المقطم تعلن إلينا اليوم أن قد احْتُجِز لرئيس الوزراء جناح خاص على هذه السفينة الفخمة الضخمة التي يسمونها إسبيريا، ومتى احتُجِز قبل اليوم لوزيرهم الأكبر جناح خاص على سفينة فخمة ضخمة كالإسبيريا؟! ومتى أُعْلِن ذلك في الصحف؟!

    ماذا ينقصهم؟! وما الذي ينتظرون؟!

    لن يبلغ وزيرهم الأكبر ثغر نابولي حتى يستقبله فيه الممثلون الملكيون والعسكريون للحكومة الإيطالية، ولن يركب القطار حتى يكون عن يمينه مندوب رسمي إيطالي وعن شماله وزير مفوض مصري.

    متى استُقْبِل وزراؤهم على هذا النحو؟! ومتى رُوفِق وزراؤهم على هذا النحو؟!

    ماذا ينقصهم؟! وما الذي ينتظرون؟!

    إني نذير لهم إن لم تمتلئ نفوسهم عزة وتنتفخ أوداجهم كبرًا بهذه الحفاوة التي تُهيَّأ لوزيرهم الأكبر أن يعودوا كما كانوا من قبل ضعفاء أذلاء يسافر وزيرهم الأكبر كما يسافر عامة الناس لا تُحتجَز له أجنحة في السفن، ولا يستقبله في الثغور حكام المدن وقواد الجيوش، ولا يرافقه في القطار مندوب رسمي ووزير مفوض، ولا تحتفي به مدينة روما الخالدة، ولا يُولِم له عظيم إيطاليا وزعيمها.

    اللهم ألهم المصريين شكر النعمة، كما ألهمتهم احتمال النقمة. اللهم علمهم الابتهاج كما علمتهم الاحتجاج.

    ماذا يريد المصريون؟! وماذا ينقصهم؟!

    يريدون المفاوضة مع الإنجليز، ويريدون أن يستخلصوا استقلالهم من الإنجليز. بُعْدًا للمفاوضة وأفٍّ للاستقلال! ما أظن أن الله قد أراد بهذا البلد خيرًا حين وضع في رءوس أهله فكرة الاستقلال وحين ألهمهم أن مفاوضة الإنجليز قد تؤدي إليه!

    أشهد إن رؤساء الوزارات كانوا مستريحين قبل أن تنبت فكرة الاستقلال في الرءوس، ويلعب خيال المفاوضة بالنفوس، كانوا يسيرون بوزاراتهم الإدارية في أناة ورفق، يغدون على دواوينهم ويروحون منها هادئين وادعين، لا ينغص عليهم حياتهم مكاتب المقطم اللندني، أو مكاتب الأهرام الخاص، أو المحرر السياسي للديلي تلغراف، وكانت لهم وزارة خارجية قبل الحماية تتصل بالدول وتفاوضها كما تفعل وزارة خارجيتنا الآن في مسائل قيمة منتجة تُكتَب فيها المذكرات الطوال الممتعة كهذه المذكرات التي تكتبها وزارة خارجيتنا الآن حين تفاوض الدول في ضريبة السيارات، أيجب أن تُقاس بالوزن، أم يجب أن تُقاس بالسرعة، أم يجب أن تُفرَض على السيارة؛ لأنها سيارة؟!

    هذه هي المسائل القيمة الممتعة التي يجب أن تدور حولها المفاوضات! هي قيمة ممتعة؛ لأنها ستنتهي بعد يوم أو أيام أو بعد عام أو أعوام بإغناء الخزانة المصرية، وهي قيمة ممتعة لأن أصحاب العقول المفكرة والذين يحبون الفلسفة يستطيعون أن يجدوا فيها غذاءً فلسفيًّا ممتازًا حين يقارنون بين الوزن والسرعة، وحين يعرفون أن العالم الألماني العظيم أينشتين يرى أن الوزن شيء نسبي يختلف باختلاف السرعة؛ فليس للسيارة وزن واحد وإنما تختلف أوزانها باختلاف سرعتها حين تنهب الطريق!

    هذه هي المفاوضات الخصبة المنتجة اللذيذة!

    ولكن حكومتنا تحاول أن تحبب هذا النوع من المفاوضات إلى المصريين، لعلهم ينصرفون إليه عن مفاوضة الإنجليز في الاستقلال فلا تفلح ولا تُوفَّق.

    كانوا مبتهجين برحلة رئيس الوزراء حين كان من ورائها أمل الذهاب إلى لندرة والمفاوضة في الاستقلال. فلما قُطِع هذا الرجاء أو أُخِّر إلى الشتاء فتروا وأخذوا يقرءون أخبار هذه الرحلة الميمونة بشيء من الإغضاء يبعث على الرثاء، وأخذت الصحف تستحثهم بما تنشر من أخبار هذه الرحلة ومما سيكون فيها من ألوان الحفاوة والإكرام، فلا يبعث فيهم هذا نشاطًا ولا ينفخ فيهم هذا روحًا من قوة.

    ولا تُصَدِّقْ أن الأزمة المالية هي التي أحزنتهم فلا يفرحون وأسكنتهم فلا ينشطون، وأسكتتهم فلا يقولون، لا نصدق هذا. فليست الأزمة المالية إلا أسطورة خلقتها المعارضة من عند أنفسها، ولو أن في البلاد أزمة مالية حقًّا لما تفرق وزراء الدولة في أقطار الأرض يلتمسون الراحة ونعيم الحياة. ومتى رأيت الوزراء في فرنسا وإنجلترا وألمانيا وإيطاليا يتركون بلادهم إبان الأزمة للراحة أو الاستشفاء؟!

    إنما الأزمة أسطورة خلقتها المعارضة، ولو كان في مصر أزمة مالية حقًّا لما تركها في وقت واحد وزير المالية ووكيلها. هذا يتحدث في القطن دون أن يرفع ثمن القطن، وذاك يسلم على زعيم إيطاليا ثم يستشفي ويستريح.

    ليس في مصر أزمة مال، ولو قد كانت فيها هذه الأزمة حقًّا لما تركها رئيس الوزراء وهي أحوج ما تكون إلى عنايته المتصلة بماليتها وسهره الدائم على اقتصادها.

    أزمة المال وأزمة التعليم أسطورتان لا تدلان على شيء. وزير المالية ووكيله يغيبان عن مصر، وزير المعارف ووكيله يغيبان عن مصر، وزير الحقانية يستريح في إنجلترا، وزير الأشغال يهيئ لجبل الأولياء في لندرة، ووزير الزراعة يُرفِّه عن نفسه لا أدري في أي مكان.

    كل شيء في مصر على أحسن حال. وإذن؛ فما بال المصريين لا يكترثون برحلة وزيرهم الأكبر، ولا يحفلون بما يحيط بهذه الرحلة من مظاهر الإكرام والإجلال؟!

    قال فريق من الناس: وكيف تريد المصريين على أن يتهجوا برحلة رئيس الوزراء وهو أحب إليهم من حياتهم وأعز عليهم من أنفسهم؟! ومتى رأيت حبيبًا يفرح بفراق حبيب؟! وأين ذهب عنك قول النابغة:

    زعم البوارح أن رحلتنا غدًا وبذاك تنعاب الغراب الأسود

    لا مرحبًا بغدٍ ولا أهلًا به إن كان تفريق الأحبة في غد

    وقال فريق آخر: وكيف لا يحزن المصريون ولا يبتئسون لرحلة رئيس الوزراء عنهم في هذه الأيام والحوادث تحدث، والنوائب تنوب، والأزمات يتلو بعضها بعضًا؟!

    ولرئيس الوزراء سابقة يشفق منها المصريون الذين يحبونه أكثر مما يحبون حياتهم، ويؤثرونه أكثر مما يؤثرون أنفسهم؛ كان وزيرًا للداخلية، ثم سافر إلى أوروبا ليستريح، ثم نابت نائبة فاستقال من باريس. أليس من حق المصريين الذين يحبون رئيس الوزراء أكثر مما يحبون حياتهم ويؤثرونه أكثر مما يؤثرون أنفسهم أنفسهم، ألا يرتاحوا لهذه الرحلة وأن يشفقوا من أن تعود حليمة إلى عادتها القديمة، وأن يذكروا قول جرير وقلوبهم ملؤها الحسرة ونفوسهم يعبث بها الأسى:

    يا أم ناجية السلام عليكم قبل الرواح وقبل لوم العذل

    لو كنت أعلم أن آخر عهدكم يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل

    أو كنت أرهب وشك بين عاجل لقنعت أو لسألت ما لم أسأل

    قال فريق آخرون: فأل الله ولا فألكم أيها المتشائمون! ما نرى إلا أن المعارضة الماكرة قد نفخت فيكم من روحها السيئ ونفثت فيكم من سمها الذي يميت القلوب، من زعم لكم أن المصريين لا يبتهجون برحلة رئيس الوزراء؟! ألم تقرءوا الأهرام؟! ألم تقرءوا المقطم؟! ألم تقرءوا الشعب؟! ألم تعلموا أن الشيوخ والنواب يُهرَعون إلى الإسكندرية منذ الآن ليحتفلوا بوداع رئيس الوزراء؟! وإذا ودعه الشيوخ والنواب فقد ودعته مصر، فهم مصر تأكل وتشرب وتمشي في الأسواق وتسافر إلى الإسكندرية لتودع رئيس الوزراء، فأما الآخرون فليسوا شيئًا؛ لأنهم قد نزلوا عن حقهم في الحركة والقول لبرلمانهم وأعضائه الشيوخ والنواب، فليس لهم إلا أن يستريحوا خمس سنين كاملة.

    وكان في القوم شيخ وقور يُعرَف بالفهم والذكاء والمكر والدهاء، لا يطيل الكلام ولا يحسن الابتسام، ولكنه إن قال أصاب الحق، وإن ابتسم كان ابتسامه دليلًا على أن الشر قد صُرِف عن الناس حينًا، وعلى أن الدهر سيبتسم لهم لحظه.

    سمع هذا الشيخ حديث الناس وهو مطرق ينكت الأرض بعصاه، فلما فرغوا رفع رأسه، فالتفتوا إليه، ثم ابتسم فتعلقوا بشفتيه، ثم قال بصوت هادئ مطمئن: ولا بأس عليكم؛ فلن تجني مصر من رحلة رئيس الوزراء إلا خيرًا، لئن فاتته مفاوضة الإنجليز فسيفاوض الإيطاليين، أهدى إليهم جغبوب أمس؛ لأنها لم تكن مصرية قط، وسيهدي إليه الإيطاليون أرتيريا غدًا؛ لأنها لم تكن إيطالية قط!

    ولو عرف المصريون كيف يفهمون قول هذين البيتين لاستراحوا:

    ألا إلا تكن إبل فمعزى كأن قرون جلتها العصيُّ

    فتملأ بيتنا أقطًا وسمنًا وحَسْبُك من غنًى شبعٌ وريُّ

    رحلة موفقة إن شاء الله وسفر سعيد، وعودة سالمة إن شاء الله وإياب حميد.

  • مفاوضة٢

    حديث اليوم: مفاوضة

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ٧ يوليو ١٩٣٢

    وكانت في القصر حجرات وغرفات، في هذه الذهب وفي تلك الفضة، في هذه الدر وفي تلك الياقوت، في هذه الحرير وفي تلك السندس، وطاف الشاب بالحجرات والغرفات ينتقل من إعجاب إلى إعجاب، ومن دهش إلى ذهول، حتى بلغ تسعًا وتسعين، ولما أراد أن يدخل الغرفة المتممة للمائة نصح له مرشده أن لا يفعل فأَبَى، وألحَّ المرشد في النصح له، وألحَّ هو في الإباء على مرشده، حتى إذا لم يَبْقَ أمل في صرفه عن دخول هذه الغرفة، فتح المرشد له الباب، فدخل ولم يَلْقَ في الغرفة إلا شرًّا.

    وانتهى الإخوة الثلاثة إلى طرق ثلاث: إحداها طريق السلامة، والأخرى طريق الندامة، والثالثة طريق الذي يمضي فلا يعود. فأما أحدهم فسلك طريق السلامة ولقي فيها خطوبًا وأهوالًا، ولكنه عاد موفَّقًا سعيدًا، وأما الثاني فسلك طريق الندامة ولقي فيها خطوبًا وأهوالًا، ولم يَكَدْ يعود حتى استنقذه أخوه، فرجع وفي قلبه حسرات لم تفارقه حتى مات، وأما الثالث فمضى أمامه لا يلوي على شيء، وكان أخواه قد نصَحَا له بالتفكير والأناة، فأبى عليهما وركب رأسه حتى أكلته الغول.

    وللفرنسيين أغنية قديمة لذيذة النغم؛ حزينة اللحن، قاتمة المعنى، يظلم صوت المغني إذا تغنَّى بها، ويتردد فيها هذا التحذير المخيف. أي صديقي، إن قبلت نصيحتي فلا تذهب إلى الغابة السوداء.

    ولكن رئيس الوزراء فيما يظهر مُصِرٌّ على أن يذهب إلى الغابة السوداء، وفيها ذئاب مخيفة مفترسة، وفيها غيلان تنتظر الفريسة. والنُّذُر تطيف برئيس الوزراء من كل مكان، وتهيب به أن لا يدخل هذه الغابة السوداء، فيأبى ويلحُّ في أن يقتحمها. وكانت بينه وبين جماعة من ذئاب الغابة وغيلانها مودَّة سابقة ومحبة متقدمة ومنافع متبادلة، فتنصح الذئاب والغيلان لصديقها أن يحجم، وتؤكِّد له أن ليس في الإقدام إلا شر، ولكنه يأبى إلا أن يُقدِم، كأنه مستيئس لا يستطيع أن يتأخَّر ولا أن يثبت في مكانه. ومع ذلك فقد صدقت الذئاب ونصحت الغيلان، وإن من وراء هذه الجماعة الصادقة الناصحة لجماعة أخرى تتحرق ظمأً إلى الدم، وتتضور جوعًا إلى اللحم، ليس لها صديق ولا خليل إلا هذه الأجواف المضطرمة الخالية التي لا يشبعها ولا يرويها إلا لحم الفريسة ودمها.

    يظهر أن رئيس الوزراء قد سئم الحكم، وزهد فيه، وأَبَى إلا أن يصدق قول الكاشحين، ويحقِّق آمال العذَّال والوشاة، ويُرضِي الوفديين والأحرار الدستوريين وجماعة المستقلين فيستقيل، وإلا فما إصراره على المفاوضة، وما الحاجة فيها وما حرصه عليها، والمخلصون له من المصريين والإنجليز يلحون عليه في ألا يفعل، ويضرعون إليه في أن يُؤثِرَ الرويَّة ويصطنع الأناة؟

    زعموا أن من زملاء الرئيس مَن يتشاءم بفكرة المفاوضة ويشفق منها، ويتجهم لها، ويرى أنها أقرب الطرق إلى الإفلاس وأيسر السُّبُل إلى الاستقالة. وسواء أَصَدَقَ الرواة أم كذبوا، فإن الإنجليز أنفسهم يلحُّون على رئيس الوزراء في ألا يُصرَّ على المفاوضة ولا يتهالك عليها، ويعلنون إليه في لطف أنهم مشغولون، ويعلنون إليه في رفق ونصح أنهم يخافون خصومه ومعارضيه، ويشفقون على المعاهدة من هؤلاء الخصوم والمعارضين، ويؤكِّدون له في حزم وإخلاص أن كثرة البرلمان الإنجليزي محافِظة غالية، وأن كثرة الأمة المصرية متطرفة غالية، وأن تلك الكثرة المحافظة لا تستطيع أن تعطي إلا قليلًا، وأن هذه الكثرة المتطرفة لا تستطيع أن تقبل إلا كثيرًا. ثم يصارِحونه في جفوة وغلظة أنه لا يستطيع أن يبدأ حيث انتهى النحَّاس، وإنما أقصى ما يستطيع أن يطمع فيه إنما هو ما عُرِض على ثروت باشا رحمه الله. ثم يعودون إلى مجاملته وإلى الرفق به والإشفاق عليه، فيقولون له: لو عرفنا أنك مقيم في الحكم لَفاوضناك وعاهدناك، ولكن خصومك ما زالوا قائمين، وما زالَتْ شوكتهم حادة؛ فخير لك ولنا أن نَدَع المفاوضة والمعاهدة الآن.

    يتشكَّل الإنجليز لرئيس الوزراء هذه الأشكال، ويتخذون له هذه الألوان، ويعوقون إليه هذه الأحاديث، فيَأْبَى إلا أن يفاوض.

    أي شيء إذًا في هذه الغابة السوداء يغري رئيس الوزراء بهذه الشجاعة المزعجة وهذا الإقدام المخيف؟

    إحدى اثنتين: فأما المخلصون لرئيس الوزراء الواقِفون على دخائل الأمور كما يقول أصحاب السياسة، فيزعمون أن رئيس الوزراء يخدع نفسه، ويعتقد أن الأمر قد استقرَّ له في مصر، وأن الشعب قد أخلص له، وأذعن لسلطانه، وأنه قد فرغ من تنظيم الاستقلال الداخلي وأمن جانب المعارضة، وأنه يضيق بالإنجليز ذرعًا، ويريد أن يفرغ منهم كما فرغ من الأحرار الدستوريين والوفديين، وأن يكون صاحب الأمر المطلَق والكلمة العليا في حياة مصر الداخلية والخارجية؛ وهو لذلك يصرُّ على المفاوضة ويلحُّ فيها. ويقول هؤلاء الناس إن رئيسَ الوزراء حسَنُ الظنِّ بالإنجليز، يرى أن له عليهم دالة، وأنه يستطيع أن يطمع عندهم في أكثر مما بلغ معارضوه؛ فهو يُقدِم على المفاوضة مصرًّا عليها ملحًّا فيها، ولكن الإنجليز يعتقدون أن رئيس الوزراء صديقهم، وأن لهم عنده أيادي بيضاء، فإذا كان قد خدمهم في مصر فسهَّلَ لهم الصعب، وهوَّن عليهم العسير؛ فهم قد أسندوه وأيَّدوه ومكَّنوا له على ضفاف النيل، وهم إذًا يطمعون منه في أن يكون هيِّنًا ليِّنًا في المفاوضات، وألا يشتطَّ كما اشتطَّ محمد محمود والنحَّاس.

    وهؤلاء الناس الذين يحبون رئيس الوزراء ويخلصون له لا ينتظرون خيرًا من المفاوضات؛ لأنهم يعلمون حق العلم أن رئيس الوزراء قد يقبل أقل مما قَبِلَ النحَّاس ومحمد محمود، ولكنه لا يستطيع أن يواجِه به المصريين، وأن الإنجليز — وقد عرفوا صديقهم ورجلهم كما يقولون — لن يعرضوا عليه مثل ما عرضوا على خصومهم من الوفديين والأحرار الدستوريين.

    لهذا يأسف هؤلاء الناس من أصدقاء رئيس الوزراء حين يرونه راغبًا في المفاوضة أو مدفوعًا إليها.

    وهناك قوم آخَرون مكَرَة مَهَرَة، يعرفون دخائل الأمور كما يعرفها الذين ذكرناهم آنفًا، ولكنهم يعرفون ما دون هذه الدخائل مما لا يستطيع الإنسان أن يتحدَّث به إلى نفسه في اليقظة، وإنما يحلم به إذا نام. وهؤلاء الناس يقولون إن رئيس الوزراء أذكى من أن يخدع نفسه باستقرار الأمر له في مصر، وأمهر من أن يظن بنفسه القدرة على حل الأزمة الاقتصادية، وأبرع من أن يرضى لنفسه آخرة الوزارات التي يبليها الحكم وتفنيها السلطة وتموت على فراشها كأنما أصابها السل، فهو يلتمس لنفسه مخرجًا ويريد أن يجد المخرج في المفاوضات. ولستُ أدري أي الفريقين أصدق، ولكني أرى المفاوضات غابة سوداء، وأشفق على رئيس الوزراء وعلى مصر من اقتحام هذه الغابة في هذه الظروف، وأنا أعتقد أن مسألة المفاوضات من المسائل التي يجب أن تسقط أمامها الحزبية السياسية، وتجتمع فيها كلمة الأمة، وإذًا فأنا ألغي كل خصومة بين رئيس الوزراء ومعارضيه، وأنظر إلى المفاوضة بين المصريين والإنجليز. وإذًا فمن الإثم أن يُقدِم رئيس الوزراء على المفاوضة إلا إذا كان واثقًا بأنه سيبلغ ما عجز خصومه عن أن يبلغوه. فأمَّا أن يُقدِم رئيس الوزراء على المفاوضة فتخسر مصر ما كسبه محمد محمود والنحاس؛ فتضييعٌ لجهود الأمة، وإهدار لقوة الشعب، ورجوع إلى الوراء، وعبث بما كسب المصريون من الحقوق، وخير لرئيس الوزراء أن يبقى حيث هو وأن يَدَع وزارته يصيبها السل وتموت بعد أشهر أو بعد أعوام، من أن يحاول أن يلتمس لنفسه مخرج الأبطال، فيفاوض ثم يرفض ما يعرضه الإنجليز ثم يستقيل؛ لأنه لم يُوفَّق في المفاوضة.

    ذلك أن الأمة لا تنتظر له فوزًا في مفاوضته، ولا تطمئن إلى إقدامه على المفاوضة، ولن تراه بطلًا مهما يقطع من المفاوضات، ولكنها ستسجِّل عليه أن الأحرار الدستوريين والوفديين كانوا قد قدَّموها خطوة أو خطوتين، فأخَّرَها هو خطوات. وإذًا فخير لرئيس الوزراء أن يظل حيث هو، وألَّا يقتحم هذه الغابة السوداء، وألا يعرض لحمه ودمه لهذه الذئاب والغيلان. خير لرئيس الوزراء وقد زار غرف القصر كلها وحجراته، ألَّا يدخل الغرفة المتمَّة للمائة، فلن يلقى فيها إلا شرًّا. خير لرئيس الوزراء ألَّا يسلك طريق الندامة، ولا طريق الذي يمضي فلا يعود، وأن يسلك طريق السلامة، وإنما طريق السلامة أن يستقيل الآن. أستغفر الله ماذا أقول؟ أأتورَّط فيما تورَّط فيه المعارضون فأطلب إلى رئيس الوزراء أن يستقيل؟ كلا، إنما أتمنى على رئيس الوزراء ألا يسلك طريق الذي يمضي فلا يعود، وأن يختار بعد ذلك إحدى الطريقين؛ فإن شاء سلك طريق السلامة فاستقال الآن، وإن شاء سلك طريق الندامة فظلَّ في الحكم حتى تموت وزارته بالسل، وتستنقذ الوزارةُ القومية مصرَ من الكارثة.

    أرجو أن يصدِّقني رئيس الوزراء، إن في قصص ألف ليلة وليلة، وفي أحاديث الجدات، وفي الأغاني الشعبية الفرنسية؛ لَعِظاتٍ وعِبَرًا ينتفع الناس بها جميعًا حتى رؤساء الوزارات.