حديث اليوم: مفاوضة
طه حسين
جريدة السياسة
٧ يوليو ١٩٣٢
وكانت في القصر حجرات وغرفات، في هذه الذهب وفي تلك الفضة، في هذه الدر وفي تلك الياقوت، في هذه الحرير وفي تلك السندس، وطاف الشاب بالحجرات والغرفات ينتقل من إعجاب إلى إعجاب، ومن دهش إلى ذهول، حتى بلغ تسعًا وتسعين، ولما أراد أن يدخل الغرفة المتممة للمائة نصح له مرشده أن لا يفعل فأَبَى، وألحَّ المرشد في النصح له، وألحَّ هو في الإباء على مرشده، حتى إذا لم يَبْقَ أمل في صرفه عن دخول هذه الغرفة، فتح المرشد له الباب، فدخل ولم يَلْقَ في الغرفة إلا شرًّا.
وانتهى الإخوة الثلاثة إلى طرق ثلاث: إحداها طريق السلامة، والأخرى طريق الندامة، والثالثة طريق الذي يمضي فلا يعود. فأما أحدهم فسلك طريق السلامة ولقي فيها خطوبًا وأهوالًا، ولكنه عاد موفَّقًا سعيدًا، وأما الثاني فسلك طريق الندامة ولقي فيها خطوبًا وأهوالًا، ولم يَكَدْ يعود حتى استنقذه أخوه، فرجع وفي قلبه حسرات لم تفارقه حتى مات، وأما الثالث فمضى أمامه لا يلوي على شيء، وكان أخواه قد نصَحَا له بالتفكير والأناة، فأبى عليهما وركب رأسه حتى أكلته الغول.
وللفرنسيين أغنية قديمة لذيذة النغم؛ حزينة اللحن، قاتمة المعنى، يظلم صوت المغني إذا تغنَّى بها، ويتردد فيها هذا التحذير المخيف. أي صديقي، إن قبلت نصيحتي فلا تذهب إلى الغابة السوداء.
ولكن رئيس الوزراء فيما يظهر مُصِرٌّ على أن يذهب إلى الغابة السوداء، وفيها ذئاب مخيفة مفترسة، وفيها غيلان تنتظر الفريسة. والنُّذُر تطيف برئيس الوزراء من كل مكان، وتهيب به أن لا يدخل هذه الغابة السوداء، فيأبى ويلحُّ في أن يقتحمها. وكانت بينه وبين جماعة من ذئاب الغابة وغيلانها مودَّة سابقة ومحبة متقدمة ومنافع متبادلة، فتنصح الذئاب والغيلان لصديقها أن يحجم، وتؤكِّد له أن ليس في الإقدام إلا شر، ولكنه يأبى إلا أن يُقدِم، كأنه مستيئس لا يستطيع أن يتأخَّر ولا أن يثبت في مكانه. ومع ذلك فقد صدقت الذئاب ونصحت الغيلان، وإن من وراء هذه الجماعة الصادقة الناصحة لجماعة أخرى تتحرق ظمأً إلى الدم، وتتضور جوعًا إلى اللحم، ليس لها صديق ولا خليل إلا هذه الأجواف المضطرمة الخالية التي لا يشبعها ولا يرويها إلا لحم الفريسة ودمها.
يظهر أن رئيس الوزراء قد سئم الحكم، وزهد فيه، وأَبَى إلا أن يصدق قول الكاشحين، ويحقِّق آمال العذَّال والوشاة، ويُرضِي الوفديين والأحرار الدستوريين وجماعة المستقلين فيستقيل، وإلا فما إصراره على المفاوضة، وما الحاجة فيها وما حرصه عليها، والمخلصون له من المصريين والإنجليز يلحون عليه في ألا يفعل، ويضرعون إليه في أن يُؤثِرَ الرويَّة ويصطنع الأناة؟
زعموا أن من زملاء الرئيس مَن يتشاءم بفكرة المفاوضة ويشفق منها، ويتجهم لها، ويرى أنها أقرب الطرق إلى الإفلاس وأيسر السُّبُل إلى الاستقالة. وسواء أَصَدَقَ الرواة أم كذبوا، فإن الإنجليز أنفسهم يلحُّون على رئيس الوزراء في ألا يُصرَّ على المفاوضة ولا يتهالك عليها، ويعلنون إليه في لطف أنهم مشغولون، ويعلنون إليه في رفق ونصح أنهم يخافون خصومه ومعارضيه، ويشفقون على المعاهدة من هؤلاء الخصوم والمعارضين، ويؤكِّدون له في حزم وإخلاص أن كثرة البرلمان الإنجليزي محافِظة غالية، وأن كثرة الأمة المصرية متطرفة غالية، وأن تلك الكثرة المحافظة لا تستطيع أن تعطي إلا قليلًا، وأن هذه الكثرة المتطرفة لا تستطيع أن تقبل إلا كثيرًا. ثم يصارِحونه في جفوة وغلظة أنه لا يستطيع أن يبدأ حيث انتهى النحَّاس، وإنما أقصى ما يستطيع أن يطمع فيه إنما هو ما عُرِض على ثروت باشا رحمه الله. ثم يعودون إلى مجاملته وإلى الرفق به والإشفاق عليه، فيقولون له: لو عرفنا أنك مقيم في الحكم لَفاوضناك وعاهدناك، ولكن خصومك ما زالوا قائمين، وما زالَتْ شوكتهم حادة؛ فخير لك ولنا أن نَدَع المفاوضة والمعاهدة الآن.
يتشكَّل الإنجليز لرئيس الوزراء هذه الأشكال، ويتخذون له هذه الألوان، ويعوقون إليه هذه الأحاديث، فيَأْبَى إلا أن يفاوض.
أي شيء إذًا في هذه الغابة السوداء يغري رئيس الوزراء بهذه الشجاعة المزعجة وهذا الإقدام المخيف؟
إحدى اثنتين: فأما المخلصون لرئيس الوزراء الواقِفون على دخائل الأمور كما يقول أصحاب السياسة، فيزعمون أن رئيس الوزراء يخدع نفسه، ويعتقد أن الأمر قد استقرَّ له في مصر، وأن الشعب قد أخلص له، وأذعن لسلطانه، وأنه قد فرغ من تنظيم الاستقلال الداخلي وأمن جانب المعارضة، وأنه يضيق بالإنجليز ذرعًا، ويريد أن يفرغ منهم كما فرغ من الأحرار الدستوريين والوفديين، وأن يكون صاحب الأمر المطلَق والكلمة العليا في حياة مصر الداخلية والخارجية؛ وهو لذلك يصرُّ على المفاوضة ويلحُّ فيها. ويقول هؤلاء الناس إن رئيسَ الوزراء حسَنُ الظنِّ بالإنجليز، يرى أن له عليهم دالة، وأنه يستطيع أن يطمع عندهم في أكثر مما بلغ معارضوه؛ فهو يُقدِم على المفاوضة مصرًّا عليها ملحًّا فيها، ولكن الإنجليز يعتقدون أن رئيس الوزراء صديقهم، وأن لهم عنده أيادي بيضاء، فإذا كان قد خدمهم في مصر فسهَّلَ لهم الصعب، وهوَّن عليهم العسير؛ فهم قد أسندوه وأيَّدوه ومكَّنوا له على ضفاف النيل، وهم إذًا يطمعون منه في أن يكون هيِّنًا ليِّنًا في المفاوضات، وألا يشتطَّ كما اشتطَّ محمد محمود والنحَّاس.
وهؤلاء الناس الذين يحبون رئيس الوزراء ويخلصون له لا ينتظرون خيرًا من المفاوضات؛ لأنهم يعلمون حق العلم أن رئيس الوزراء قد يقبل أقل مما قَبِلَ النحَّاس ومحمد محمود، ولكنه لا يستطيع أن يواجِه به المصريين، وأن الإنجليز — وقد عرفوا صديقهم ورجلهم كما يقولون — لن يعرضوا عليه مثل ما عرضوا على خصومهم من الوفديين والأحرار الدستوريين.
لهذا يأسف هؤلاء الناس من أصدقاء رئيس الوزراء حين يرونه راغبًا في المفاوضة أو مدفوعًا إليها.
وهناك قوم آخَرون مكَرَة مَهَرَة، يعرفون دخائل الأمور كما يعرفها الذين ذكرناهم آنفًا، ولكنهم يعرفون ما دون هذه الدخائل مما لا يستطيع الإنسان أن يتحدَّث به إلى نفسه في اليقظة، وإنما يحلم به إذا نام. وهؤلاء الناس يقولون إن رئيس الوزراء أذكى من أن يخدع نفسه باستقرار الأمر له في مصر، وأمهر من أن يظن بنفسه القدرة على حل الأزمة الاقتصادية، وأبرع من أن يرضى لنفسه آخرة الوزارات التي يبليها الحكم وتفنيها السلطة وتموت على فراشها كأنما أصابها السل، فهو يلتمس لنفسه مخرجًا ويريد أن يجد المخرج في المفاوضات. ولستُ أدري أي الفريقين أصدق، ولكني أرى المفاوضات غابة سوداء، وأشفق على رئيس الوزراء وعلى مصر من اقتحام هذه الغابة في هذه الظروف، وأنا أعتقد أن مسألة المفاوضات من المسائل التي يجب أن تسقط أمامها الحزبية السياسية، وتجتمع فيها كلمة الأمة، وإذًا فأنا ألغي كل خصومة بين رئيس الوزراء ومعارضيه، وأنظر إلى المفاوضة بين المصريين والإنجليز. وإذًا فمن الإثم أن يُقدِم رئيس الوزراء على المفاوضة إلا إذا كان واثقًا بأنه سيبلغ ما عجز خصومه عن أن يبلغوه. فأمَّا أن يُقدِم رئيس الوزراء على المفاوضة فتخسر مصر ما كسبه محمد محمود والنحاس؛ فتضييعٌ لجهود الأمة، وإهدار لقوة الشعب، ورجوع إلى الوراء، وعبث بما كسب المصريون من الحقوق، وخير لرئيس الوزراء أن يبقى حيث هو وأن يَدَع وزارته يصيبها السل وتموت بعد أشهر أو بعد أعوام، من أن يحاول أن يلتمس لنفسه مخرج الأبطال، فيفاوض ثم يرفض ما يعرضه الإنجليز ثم يستقيل؛ لأنه لم يُوفَّق في المفاوضة.
ذلك أن الأمة لا تنتظر له فوزًا في مفاوضته، ولا تطمئن إلى إقدامه على المفاوضة، ولن تراه بطلًا مهما يقطع من المفاوضات، ولكنها ستسجِّل عليه أن الأحرار الدستوريين والوفديين كانوا قد قدَّموها خطوة أو خطوتين، فأخَّرَها هو خطوات. وإذًا فخير لرئيس الوزراء أن يظل حيث هو، وألَّا يقتحم هذه الغابة السوداء، وألا يعرض لحمه ودمه لهذه الذئاب والغيلان. خير لرئيس الوزراء وقد زار غرف القصر كلها وحجراته، ألَّا يدخل الغرفة المتمَّة للمائة، فلن يلقى فيها إلا شرًّا. خير لرئيس الوزراء ألَّا يسلك طريق الندامة، ولا طريق الذي يمضي فلا يعود، وأن يسلك طريق السلامة، وإنما طريق السلامة أن يستقيل الآن. أستغفر الله ماذا أقول؟ أأتورَّط فيما تورَّط فيه المعارضون فأطلب إلى رئيس الوزراء أن يستقيل؟ كلا، إنما أتمنى على رئيس الوزراء ألا يسلك طريق الذي يمضي فلا يعود، وأن يختار بعد ذلك إحدى الطريقين؛ فإن شاء سلك طريق السلامة فاستقال الآن، وإن شاء سلك طريق الندامة فظلَّ في الحكم حتى تموت وزارته بالسل، وتستنقذ الوزارةُ القومية مصرَ من الكارثة.
أرجو أن يصدِّقني رئيس الوزراء، إن في قصص ألف ليلة وليلة، وفي أحاديث الجدات، وفي الأغاني الشعبية الفرنسية؛ لَعِظاتٍ وعِبَرًا ينتفع الناس بها جميعًا حتى رؤساء الوزارات.
مفاوضة٢
Share:
Leave a Reply