Tag: British occupation

  • إياب…

    إياب…
    طه حسين
    جريدة صوت الأمة
    ٢٧ أكتوبر ١٩٤٦
    هو الغنيمة الوحيدة المحققة والتي ينبغي أن يقنع بها صدقي باشا من رحلته القصيرة الشاقة. والحمد لله على أن السلامة قد كُتِبت له في غيابه وإيابه، وعلى أن هذا المرض الذي أَلَمَّ به في لندرا قد انجاب عنه وردَّه إلينا سالمًا موفورًا. فهذا كل ما يمكن أن يُلاحظ من الخير في رحلته هذه التي اندفع إليها اندفاعًا لم يحفل فيه برأي الأصدقاء ولا برأي الخصوم.

    ويجب أن نلاحظ قبل كل شيء أن بين صدقي باشا وبين الشعب المصري صراعًا سينتهي قطعًا كما ينتهي كل صراع بين الشعب والأفراد بانتصار الشعب وانهزام الأفراد. وقد انتصر صدقي باشا في هذا الصراع إلى الآن انتصارًا ظاهرًا. قال له الشعب لا تنهض بأعباء الحكم إلَّا أن تعتمد على ثقة دستورية مبرأة من كل زيف، فلم يحفل بقول الشعب، وإنما عرف كيف يقول له لا، وكيف ينهض بأعباء الحكم والأمة معرضة عنه نافرة منه غير مطمئنة إليه. وقال له الشعب: لا تقدم على مفاوضة الإنجليز حتى تقيم بينك وبينهم أساسًا صريحًا للمفاوضات يحول بينهم وبين العبث بالحقوق، ويحول بينهم وبين تضييع الوقت، ويحول بينهم وبين إنهاك قوى الشعب بالمماطلة والمطاولة والانتظار. فلم يحفل بما قال الشعب له، وإنما أقدم على مفاوضاته غير محقق ولا مدقق ولا مستوثق، وعرف كيف يقول للشعب لا.

    وقال له الشعب حين أسرف المفاوضون البريطانيون في المماطلة والمطاولة: حسبك أن الرجوع إلى الحق خير من الإمعان في الباطل، فاقْطَعِ المفاوضات وخلِّ بين الشعب وبين ما يريد أن يسلك من طريق للجهاد في سبيل مطالبه وحقوقه وأمانيه فلم يحفل. وإنما عرف كيف يقول للشعب لا. ووصل من المفاوضات ما انقطع وجدد منها ما بلي، وقاس ذراعًا كلما قاس الإنجليز أصبعًا أو أنملة؛ حتى أصبحت المفاوضات من لهو الحديث يعبث بها المصريون، ويعبث بها غير المصريين.

    وقال له المفاوضون المصريون أنفسهم: حسبك قد أذللتنا ولم نُخلق للذلِّ، وعرضتنا للهوان ولم نُخلق للهوان، وأسخطت علينا الشعب، ومن حقِّنا أن نتجنب سخط الشعب، وأطمعت فينا الإنجليز، ومن حقِّنا أن نرتفع عن طمع الإنجليز، وأضحكت منا الأجانب، ومن حقِّنا ألَّا نثير في نفوس الأجانب إلَّا عطفًا واحترامًا. وقال له الشعب: حسبك، يجب أن تسمع لزملائك؛ فقد تكون رئيسًا لهيئتهم، ولكنك واحد منهم لا ينبغي أن تستبدَّ بهم، ولا أن تستأثر من دونهم بالرأي. ولكنه لم يحفل بأولئك ولا هؤلاء، وعرف كيف يقول للشعب والزملاء جميعًا: لا. حتى إذا كان الحرج فاستقال، ثم ردَّت عليه استقالته. هنالك أزمع أمرًا نهاه عنه الشعب ونهته عنه هيئة المفاوضات، ولكنه لم يحفل بنهي الشعب ولا بنهي هيئة المفاوضات؛ فسافر إلى لندرا غير آبه بما قيل له من أن وزير الخارجية البريطانية هو الذي كان يجب أن يسعى إلى مصر؛ لأنه أزمع ذلك ووعد به، فما ينبغي أن تسعى أنت إليه؛ لأن في ذلك غضًّا من قدر مصر وإهدارًا لكرامتها وتهالكًا على الإنجليز.

    ولكنه عرف كيف يقول لا، ومضى أمامه لا يلوي على شيء ولا يكترث بشيء، حتى وصل إلى لندرا. وهناك لقي المستر بيفن، ولقي معه المرض الذي أخاف عليه، والذي نحمد الله على أنه قد أبرأه منه.

    ورب ضارة نافعة، فقد سعى صدقي باشا إلى المستر بيفن في وزارة الخارجية البريطانية، ولكن المرض اضطر المستر بيفن إلى أن يسعى إلى صدقي باشا غير مرة في فندق كلاردج. فكان في هذا السعي الاضطراري شيء يشبه أن يكون عزاءً.

    والمهم هو أن صدقي باشا قد سافر؛ لأنه أراد أن يسافر، وعلى رغم إلحاح الشعب وزملائه المفاوضين عليه في ألَّا يسافر. وهو يئوب إلينا اليوم فبماذا يئوب؟ بالإياب وحده لا أكثر بل أقل. وما ينبغي أن يُخدع المصريون بهذا الكلام الفارغ الكثير الذي يضطرب به البرق، وتهذي به بعض الصحف، وتلوكه بعض الأفواه، وتُخَطْرِف به بعض الرءوس المريضة. فقد سافر صدقي باشا إلى لندرا لا يحمل شيئًا؛ لأن الشعب المصري لم يحمِّله شيئًا. وعاد صدقي باشا من لندرا لا يحمل شيئًا مما يريد الشعب المصري أو مما يستطيع الشعب المصري أن يقبله أو يراه موضوعًا للتفكير.

    ذلك أن الشعب المصري — سواء وثق بصدقي باشا أم لم يثق به — يريد أشياء واضحة كلَّ الوضوح، بيِّنة كلَّ البيان، لا تحتمل لبسًا ولا غموضًا، ولا أخذًا ولا ردًّا ولا جدالًا. يريد جلاءً غير مشروط وغير مؤجل وغير معرض للتلكؤ. والشيء المحقق الذي لا شك فيه هو أن صدقي باشا لم يعهد بهذا الجلاء. ولست أدري أعاد بجلاء أم لا، ولكن الجلاء الذي يمكن أن يعود به هو جلاء من صنعه هو، يلائم ذوقه وطبعه، وليس من الشعب المصري في شيء.

    والشعب المصري يريد سيادة خالصة نقية لأهل وادي النيل على أنفسهم وعلى أرضهم ونهرهم وجوِّهم وبحرهم، سيادة لا يشوبها الحكم الثنائي، ولا تكدِّرها الإدارة المشتركة، ولا يخدعهم عنها لفظ مهما كان برَّاقًا، ولا يغرهم عنها تلاعب بالصيغ ولا افتتان في التنميق. والشيء الذي ليس فيه شك هو أن صدقي باشا لم يعد إلينا بهذه السيادة. ولعله لم يعد بسيادة ما. ولعله أن يكون قد عاد وفي إحدى حقائبه علبة من فضة أو من ذهب أو من نحاس أو من زجاج، وفيها نوع من سيادة تلائم طبعه هو المترف وذوقه هو الرقيق، ولكنها ليست من الشعب المصري في شيء.

    والشعب المصري لا يريد محالفة عسكرية مع الإنجليز — ولا مع غير الإنجليز — قبل أن يستوفي استقلاله كاملًا، ويستمتع بحريته خالصة، ويحالف عن بصيرة ورضًا لا عن خوف وإكراه. والشيء الذي ليس فيه شك هو أن صدقي باشا يعود إلينا ومعه محالفة عسكرية لن يتم الجلاء إلَّا إذا قُبِلت. وإذن فصدقي باشا لا يعود عودة سلبية فحسب، ولكنه يعود عودة إيجابية فيها شرٌّ عظيم لا يريد المصريون أن يقبلوه ولا يستطيع المصريون أن يقبلوه.

    فليس من الغُلُوِّ إذن ولا من الدعاية ما قلته في أول هذا الحديث من أن صدقي باشا يجب أن يقنع من رحلته القصيرة الشاقة بالإياب؛ لأن الإياب هو الغنيمة الوحيدة المحققة التي أتيحت له من هذا السفر البعيد والعناء الشديد.

    وقد قلت إن بين الشعب المصري وبين صدقي باشا صراعًا طويلًا ثقيلًا انتصر فيه صدقي باشا انتصارًا ظاهرًا إلى الآن. فقد عرف كيف يقول «لا» للشعب المصري في كل ما تقدَّم به إليه الشعب المصري من أمر أو نصح أو إرشاد. فقد آن للشعب المصري منذ اليوم أن ينتصر على صدقي باشا انتصارًا محققًا لا ظاهرًا، وأن يُسمِعه هذه الكلمة التي طالما سمعها منه، وهي كلمة «لا». وما أعظم الفرق بين هذه الكلمة حين ينطق بها صدقي باشا وحين ينطق بها الشعب! إنها رشيقة أنيقة مضحكة حين ينطق بها رؤساء الوزارات، وحين يوجهونها إلى الشعوب التي لم تُخلق ليقول لها خدَّامها «لا»، وإنما خلقت ليقول لها خدَّامها «نعم»، وليقول لها خدَّامها «سمعًا وطاعة»، ولكنها مزلزلة مجلجلة حين تنطق بها الشعوب؛ لأنها تضطر رؤساء الوزارات إلى أن يستقيلوا، وإلى أن يعودوا إلى دُورِهم وينظروا في مصالحهم الخاصة بعد أن أخفقوا في تدبير المصالح العامة. وقد أخفق صدقي باشا في تدبير المصالح العامة ليس في ذلك ريب، وإن امتلأت حقائبه بالمذكرات والاقتراحات والصيغ والنصوص، فليس في شيء من هذا كله غَنَاء.

    إن أقصى ما يمكن أن يكون صدقي باشا قد ظفر به من المستر بيفن هو موافقة البريطانيين على المذكرة التي قدمها المفاوضون المصريون منذ أكثر من شهرين ولم يقبلها البريطانيون، وأكبر الظن أنه لم يظفر بالموافقة على هذه المذكرة. وهَبْهُ قد ظفر بهذه الموافقة، فإن هذه المذكرة نفسها لا تُرضي المفاوضين جميعًا، وبينهم من احتجَّ عليها أشدَّ الاحتجاج. وهي بالطبع لا تُرضِي الشعب المصري ولا يمكن أن ترضيه. فإذا كان صدقي باشا قد ظفر من الإنجليز بقبول هذه المذكرة؛ فليهنأ بهذا الظفر وحده، أو ليهنأ به معه أصدقاؤه الذين لا يمثلون إلَّا أنفسهم، فأمَّا الشعب فإنه يرفضها منكرًا لها ساخطًا عليها مترفعًا حتى عن النظر فيها، فكيف وأنا أراهن من شاء بما شاء على أن صدقي باشا لم يظفر بقبول هذه المذكرة ولا بقبول شيء مقارب لهذه المذكرة.

    ليصدقني رئيس الوزراء وأنصاره القليلون، وليصدقني القراء جميعًا أن الإياب هو الغنيمة الوحيدة المحققة التي ينبغي أن يقنع بها صدقي باشا من هذه الرحلة القصيرة الشاقة.

    والآن ما عسى أن تأتينا به الأيام المقبلة من أنباء صدقي باشا؟

    سيعرض ما حمل من لندرا على زملائه الوزراء وعلى زملائه المفاوضين. ولست أدري بأيهم يبدأ، ولا إلى أيهم ينتهي، ولكنه سيعرض ما حمل على أولئك وهؤلاء، فإن قبلوا ما حمل إليهم؛ فما عسى أن يصنع: أيعرضه على البرلمان القائم فتتم المؤامرة ويتم إحكامها ويخضع الشعب المصري لدكتاتورية متصلة طويلة الأجل أو قصيرة الأجل، قوامها تعطيل الدراسة في معاهد العلم وحرمان المصريين حرية الاجتماع وحرية الخطابة وحرية الكتابة أيضًا، وتسليط الخوف على الأحرار كلما قالوا أو كتبوا أو تحركوا؟ ولكن هذه الدكتاتوريات لا تجدي ولا يمكن أن تبقى، ومصيرها دائمًا معروف محتوم.

    وقد يرفض زملاء صدقي باشا ما يعرض عليهم من هذه الهدايا التي جاء بها من لندرا، وإذن فهل يستقيل وترد أمور الشعب إلى الشعب؟! أم هل يبقى ليعاقب الشعب، وليعاقب المفاوضين على رفض هذه الهدايا التي جاء بها من لندرا؟ ولا سبيل إلى بقائه، ولا سبيل إلى معاقبته للشعب إلَّا أن يعتمد على الدكتاتورية التي تغل المصريين فلا يعملون، وتعقد ألسنتهم فلا ينطقون، وتعقل أقلامهم فلا يكتبون. وصدقي باشا يعلم أن هذه الدكتاتوريات لا يمكن أن تدوم ولا تعمر طويلًا، وأظنه قد جرَّب هذه الدكتاتوريات من قبل وعرف عواقبها ونتائجها.

    صدقي باشا مخير إذن بين اثنتين: إمَّا أن يستقيل فيريح ويستريح، ويغفر الله له ما قدَّم إلى الشعب المصري من شرٍّ وما صبَّ عليه من مكروه، وإمَّا أن يبقى ويفرضها على الشعب دكتاتوريةً صارمةً يعرف الشعب كيف يخرج منها كما خرج من أمثالها.

    ألم أقل لك إن الصراع بين صدقي باشا وبين الشعب قد طال أمده، وقد انتصر فيه صدقي باشا انتصارًا ظاهرًا، وآن للشعب أن ينتصر الآن على صدقي باشا انتصارًا محققًا؟!

    ومن يدري؟ لعل صدقي باشا لم يتنسَّم في لندرا هواءها البارد الذي حمل إليه مرضه البغيض وحده، وإنما تنسَّم معه ريحًا من الديمقراطية ألقت في روعه أن عصر الدكتاتوريات قد انتهى، وأن الشعوب لا تُحْكَم بالقهر، ولا تؤخذ بالعنف، ولا تحمل بالقوة على ما تريد، ولعله قد عاد وفي حقائبه — إلى جانب وثائقه الكثيرة — وثيقة صغيرة خطيرة يرفعها إلى جلالة الملك ليتفضل جلالته فيأذن له في أن يلزم داره ليريح ويستريح، ويخلي بين الشعب وبين الجهاد لتحقيق ما يريد.

    في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
    إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.
    أو يمكنك التسجيل من خلال حسابك
    تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

  • امتحان

    امتحان
    طه حسين
    جريدة صوت الأمة
    ٦ سبتمبر ١٩٤٦

    لم تُمتحن مصر في أخلاقها السياسية كما تُمتحن الآن، ولم ترسب مصر في امتحان خطر كما ترسب الآن في هذا الامتحان. ويكفي أن تلاحظ أن حديث المفاوضات بدأ بيننا وبين الإنجليز منذ العام الماضي، وأنه لم ينقضِ إلى الآن ولا يعرف متى يريد أن ينقضي. ومصدر ذلك بسيط، وهو ضعف الخلق السياسي عند فريق من المصريين؛ فهم لا يتحدثون إلى الإنجليز كما يتحدث الندُّ المؤمن بحقه إلى الندِّ المغتصب لهذا الحق، وإنما يتحدثون إليهم كما يتحدث الضعيف المتهالك الذي لا يقدر على شيء — والذي يريد مع ذلك أن يعيش — إلى القوي المتماسك الذي لا يشفق من شيء ولا يحتاج إلى شيء، والذي يملك من أمر هذا الضعيف كل شيء.

    من أجل هذا تردد النقراشي باشا وأسرف في التردُّد قبل أن يطلب من الإنجليز الأخذ في المفاوضات، حتى تعجله صدقي باشا وألحَّ في تعجله، وحتى أنذره مكرم باشا وألح في إنذاره، وحتى غَلَى الرأي العام وكاد ينفجر. هنالك تقدم النقراشي باشا في أدب واستحياء وتسليم بأكثر من نصف الحق، ورد عليه الإنجليز في فتور وبرود واستمساك بما قُدِّم إليهم من الحق. ولو قد كان النقراشي باشا وأنصاره ذوي خلق سياسي قوي لطالبوا بالحق قبل أن يذهبوا إلى سان فرانسيسكو قبل أن تضع الحرب أوزارها، وقبل أن يُدفعوا إلى هذه المطالبة بالوكز والوخز واللكز كأنما كانوا يُساقون إلى الموت وهم ينظرون.

    ولو قد كان النقراشي باشا وأنصاره ذوي خلق سياسي قوي لطالبوا بالحق كاملًا غير منقوص، ولطالبوا به في لهجة جازمة حاسمة، لا تهالك فيها ولا استحياء. ولكنهم كانوا مُحدَثِين أتيح لهم الحكم على غير استحقاق منهم للحكم، فآثروا أنفسهم على أمَّتِهم، وآثروا بقاء عهدهم السعيد على الجلاء ووحدة وادي النيل. ثم عصفت العاصفة بالنقراشي باشا وأنصاره، ونهضت الوزارة القائمة بأعباء الحكم، وكان المنتظر من رئيسها الذي تعجَّل حتى تعب وأتعب، وألح حتى مَلَّ وأَمَلَّ، كان المنتظر أن يكون أصرح لهجةً وأمضى عزمًا، وأحرص على أن يستخلص الحق في غير تردُّد ولا تلكؤ ولا إبطاء، ولكنه نهض بالحكم في فبراير ولم يصِل إلى شيء، ونحن الآن في شهر سبتمبر لأن خلقه السياسي وخلق أنصاره ليس أقوى من خلق النقراشي باشا وأنصاره. ولم يكن الفرق بين أولئك وهؤلاء إلَّا أن فريقًا كان في الحكم فأظهر الحكم في أخلاقهم ما كان خفيًّا، فلما وثب الآخرون إلى الحكم أظهر الحكم من أخلاقهم ما كان خفيًّا أيضًا.

    ولو كان سادتُنا المفاوِضُون ذوِي شدة في الحق، وصلابة في الرأي، وقوة في الخلق السياسي، وقدرة على أن يقولوا لا حين يجب أن تُقال؛ لما وقفوا أنفسهم وأمتهم هذا الموقف الرائع البديع الذي يصوره أبدع تصوير قول العاشق القديم:

    وقف الهوى بي حيث أنت فليس ليمتأخر عنه ولا متقدم
    ولكن الله أراد أن تُمتحن مصر في أخلاقها السياسية، وبرجال هذا العهد السعيد، أولئك الذين يرون كل شيء متاحًا مباحًا إلَّا أن ينزلوا عن الحكم، ويوضعوا حيث وضعهم الله في منزلة القلة التي لا ينبغي أن تنوب عن الشعب، ولا أن تنطق بلسانه، ولا أن تتحدث باسمه، ولا أن تقضي في أمره؛ لأنها لا تملك من ثقته شيئًا، ولأن النيابة عن الأمة لا ينبغي أن تكون إلَّا نتيجة للثقة الخالصة الكاملة.

    سادتنا اليوم مستأثرون بشئون الحكم والسياسة عن غضب لا عن ثقة، وهم يشهدون على أنفسهم بذلك حين يتقاذفون تهم التزوير في الانتخابات.

    هم غاضبون لحقوقنا الداخلية، كما أن الإنجليز غاضبون لحقوقنا الخارجية؛ فأي غرابة في أن يشق الأمر على الغاصبين من أولئك وهؤلاء؟ وأي غرابة في أن يشفق الإنجليز من قطع المفاوضات ومن إضاعة الفرصة، فالاتفاق مع القلة أيسر من الاتفاق مع الكثرة؟

    وأي غرابة في أن يشفق ساستنا من قطع المفاوضات ومن إضاعة الفرصة التي تتيح لهم البقاء في الحكم والاستمتاع بما يتيح لهم من جاهٍ وسلطان. والأمر كله راجع إلى ضعف الخلق السياسي. فلو قد كان الخلق السياسي قويًّا لآثر ساستنا أمتهم على أنفسهم، ولما رضُوا أن يقِفُوا أنفسهم وأمتهم من الإنجليز هذا الموقف المؤذي المهين. وما رأيك في قوم يُقدِّمون إلى الإنجليز مذكرة يسجلون فيها الحماية على وطنهم تسجيلًا، فإذا أحسوا من الإنجليز تمنُّعًا واستعلاءً لم يجرءوا على قطع المفاوضات، وإنما طاولوا وماطلوا وألقَوْا بعض أعينهم إلى جنة الحكم، وألقوا بعضها الآخر إلى نار الحرمان، فطاولوا وماطلوا وأضافوا مطاولة ومماطلة حتى أصبح الأمر مماحكةً لا أكثر ولا أقل.

    ومن ذا الذي يستطيع أن يلوم الإنجليز إذا دلوا وتاهوا وأسرفوا في الدل والتيه … وتركوا ساستنا المحنكين ينضجون على نار هادئة؟

    وليس أمر التعديل الوزاري بأقل دِلالة على ضعف الخلق السياسي من أمر المفاوضات. فقد استكشف رئيس الوزراء — فجأة وعلى غير انتظار — أن وزارته ضعيفة تحتاج إلى تقوية، ومزعزعة تحتاج إلى تثبيت؛ لأنه رأى فيما يُقال فريقًا من المفاوِضين يتردَّدون في أن يمضوا معه إلى آخر الشوط، فأراد أن يأخذ للأمر عُدَّتَهُ، وأن يدعم وزارته بالقادرين على أن يمضوا معه إلى آخر الشوط بقوم أشجع من هؤلاء السادة الذين يستحون من أنفسهم ويوشكون أن يستحوا من الناس. وأغرب من هذا أن النقراشي باشا استكشف — فجأة وعلى غير انتظار — أنه يستطيع أن يتعاون مع صدقي باشا بعد أن كان يرى أن هذا التعاون آثم في شهر فبراير الماضي. ولِمَ لا؟ لقد أظهر صدقي باشا أنه كفؤ للتعاون مع النقراشي باشا، فحكومته قد سفكت دم الشباب كما سفكته حكومة النقراشي، وحكومته قد أهدرت حرية الشعب كما أهدرتها حكومة النقراشي باشا، وحكومته قد تهالكت على رضى الإنجليز كما تهالكت عليه حكومة النقراشي باشا. وكان النقراشي باشا يخاف في شهر فبراير أن يكون صدقي باشا قد غيَّر سيرته حقًّا، فلان لمواطنيه وخشن على الإنجليز، فلمَّا رأى أن البيت القديم ما زال صادقًا، وأن صدقي باشا ما زال يطرب حين ينشد المنشدون:

    أسد عليَّ وفى الحروب نعامةفتخاء تنفر من صفير الصافر
    لم ير بأسًا من أن يشاركه في النهوض بأعباء الحكم.

    أمَّا الأحرار الدستوريون فليسوا هناك، وإنما هم قوم هيِّنون ليِّنون كما يقول الشاعر القديم؛ يستجيبون لكل دعاء، ويسرعون إلى كل مائدة، ويذوقون من كل صنف، يرضون ليغضبوا، ويغضبون ليرضوا، وأمرهم أيسر من أن يشقى به رئيس وزراء كائنًا ما يكون. أحبُّ شيءٌ إليهم الحكم، وأبغض شيءٌ إليهم اعتزال الحكم؛ فهم يشاركون النقراشي باشا وهم يشاركون صدقي باشا، وهم يشاركون الرجلين حين يتفقان، وليس عليهم بأس من أن يشاركوا النقراشي باشا وحده، أو من شئت من رؤساء الوزارات إن كتب الله على صدقي باشا أن يريح ويستريح.

    وقد قيل إن الأحرار الدستوريين غاضبون لأن صدقي باشا يريد أن يزحزح أحدهم عن منصبه، وهم غاضبون حتى يروا العين الحمراء، ويتبيَّن لهم أن الغضب لن يغني عنهم شيئًا. هنالك يرضون كل الرضى، ويستقبلون ما يعرض عليهم من مناصب الحكم باسمين شاكرين، أو قُلْ فَرِحين مرحين مستبشرين. والغريب أن بين المصريين من هؤلاء الساسة من يعرفون المثل القديم: إنك لا تجني من الشوك العنب.

  • خطوب

    خطوب
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ١٧ مارس ١٩٤٦
    خطوب يجب أن يضحك لها المصريون؛ لأنها لن تدوم مهما يبذل في سبيل استمرارها من الجهود. وهي لن تدوم؛ لأنها تخالف طبيعة الأشياء، وتخالف منطق الحياة، وتخالف الحقائق الواقعة. وتدل على أن الذين يفرضونها على الناس ما زالوا أغرارًا قد تثقفوا وتعمقوا الثقافة الحديثة، ولكن ذلك لم يغنِ عنهم شيئًا؛ لأنهم يحبون أنفسهم أكثر مما يحبون الناس، ولأنهم يؤثرون المنافع العاجلة على المنافع الآجلة، ولأنهم يريدون أن يعيشوا وأن ينعموا وإن جاء من بعدهم الطوفان، وأنهم ينسون الماضي فلا يفكرون في المستقبل، وإنما يقتطعون الحاضر مما قبله ومما بعده، فيعيشون كما يقول الشاعر القديم:
    فات ما فات والمؤمل غيب ولك الساعة التي أنت فيها
    وقد يكون هذا الحمق جائزًا بالقياس إلى الفرد حين لا يفكر إلَّا في نفسه، ولا يعمل إلَّا لنفسه؛ فهو يقتطع حياة مما قبلها ومما بعدها، ويختطف من لذات العيش ما يتيح له هذه السعادة السخيفة فيما يتاح له من الأيام، ثم يموت وقد نعم ما وجد إلى النعيم سبيلًا، وترك أمر المستقبل إلى الله الذي يعلم الغيب وحده ولا يشاركه أحد في العلم به. هذا الحمق ممكن بالقياس إلى الفرد الذي يعيش لنفسه ويعمل لنفسه، فأمَّا الذين ينهضون بأعباء الحكم ويدبرون شئون الأمم ويقومون على مصالح الشعوب، فإن عليهم لهذه الشعوب حقوقًا تقتضيهم أن يفكروا في أمس، ويعتبروا بتجاربه ودروسه القاسية، وأن يفكروا في غد، ويعدوا له عدته؛ لأن حياة الأمم أطول جدًّا من حياة الأفراد، ولأن انقراض جيل من الأجيال ليس معناه انقراض الشعب، وإنما معناه انتهاء طور ضئيل جدًّا من أطوار الحياة العامة وإقبال طور آخر، يليه أطوار. فالذين ينهضون بأعباء الحكم يجب عليهم أن يفكروا في هذا كله ويقدِّروه، وأن يعملوا للشعب؛ لأن الشعب يعيش أبدًا وإن اعتقدوا هم أنهم سيموتون غدًا.
    كل هذه أوليات لم يكن من الحق علينا ولا على غيرنا أن نعرض لها أو نتحدث فيها، ولكن سوء الحظ أراد، وما أكثر ما يريد سوء الحظ أن يضطر الناس إلى أن يبدءوا ويعيدوا في عرض الأوليات.
    لقد قرأ المصريون أن وزير الخارجية البريطانية تحدث إلى مجلس العموم البريطاني يوم الخميس، فأعلن أن الحكومة البريطانية يسوءها أن يتم بين روسيا وبين إيران اتفاق متأثر بالضغط الذي ينشأ عن استمرار الاحتلال الروسي للوطن الإيراني. ولو أن صدقي باشا وزملاءه الذين ينهضون معه بأعباء الحكم وزملاءه الآخرين الذين يريدون أن ينهضوا معه بأعباء المفاوضة، لو أن هؤلاء السادة جميعًا يقدِّرون طبيعة الأشياء ومنطق الحياة والحقائق الواقعة، ويفكرون في مصر أكثر مما يفكرون في أنفسهم؛ لكان لهم بالقياس إلى هذا التصريح الذي ألقاه المستر بيفن في مجلس العموم البريطاني موقف خطير جدًّا تخفق له قلوب الشعب وتحيا له آمال الشعب ويعظم له نشاط الشعب.
    الحكومة البريطانية تشفق من أن يعقد اتفاق بين روسيا وإيران في ظل الاحتلال الروسي للأرض الإيرانية. والحكومة البريطانية في الوقت نفسه تستعد للمفاوضة مع الحكومة المصرية؛ لتعدِّل المعاهدة التي أُمضيت منذ عشر سنين إن صدقنا المذكرات الرسمية ورئيس الوزراء، ولتعقد معاهدة جديدة إن جارينا وزير الخارجية فيما صرح به أمام مجلس النواب من أن المعاهدة قد أصبحت ملغاة؛ لأنها غير ذات موضوع.
    الحكومة البريطانية تستعد لهذه المفاوضة والاحتلال البريطاني قائم في مصر، يكتنف الوادي من الشرق والغرب ومن الشمال والجنوب، ويرى المصريون مظاهره المنكرة في المدن والقرى وفي الشوارع والأندية وفي الملاعب والقهوات، لا يجتمعون في مدينة من مدنهم؛ ليعلنوا رأيًا من آرائهم ويطالبوا بحق من حقوقهم إلَّا رأوا مظاهر هذا الاحتلال وحقائقه المرة المؤلمة المهينة للنفوس، المخزية لكل كرامة وطنية والتي لا تتحرج أحيانًا من سفك الدماء المصرية والمطالبة بعد ذلك بالتعويض.
    الحكومة البريطانية تستعد لمفاوضة مصر في تعديل المعاهدة أو في عقد معاهدة جديدة، والاحتلال البريطاني قائم يفرض على مصر أن تكون مؤدبة مهذبة مطيعة، لا تقول إلَّا بمقدار، ولا تعمل إلَّا بمقدار، ولا تتحرك إلَّا لتطلب الطعام والشراب وتنعم بما يقدم لها من اللهو واللعب. والحكومة البريطانية في الوقت نفسه يسوءها أن يعقد اتفاق بين روسيا وإيران يتأثر بالضغط الذي ينشأ عن الاحتلال الروسي لأرض إيران.
    والحكومة المصرية تقرأ هذا الكلام، وتمر به مرًّا سريعًا، والمفاوضون المصريون يقرءون هذا الكلام ويمرون به مرًّا سريعًا؛ لأنهم قرروا أن يكونوا أحرارًا حين يقدمون على المفاوضات، كأنما يكفي أن يقرر الإنسان أنه حر ليكون حرًّا بالفعل! ولأن الحكومة البريطانية أو وزيرًا من الوزراء البريطانيين قد صرح في بعض حديثه بأن المفاوضات ستكون حرة. كأنما الإنجليز لم يصرحوا نيفًا وستين مرة بأنهم سيجلون عن مصر! ولكن الوزراء المصريين والسادة المفاوضين يمرون بهذا التصريح مرًّا سريعًا كأنهم لا يرون الجيش البريطاني في المدن والقرى، وكأنهم لم يعلموا بما كان في شهر فبراير في القاهرة، وبما كان في شهر مارس في الإسكندرية. وماذا يعنيهم؟ لقد قرروا أنهم أحرار وسيكونون أحرارًا بإذن الله، فمن الحماقة أن يطلب إليهم أن تكون مصر حرة بالفعل قبل البدء في المفاوضات، وأن تسير بريطانيا العظمى مع مصر نفس السيرة التي تطلبها إلى روسيا بالقياس إلى إيران.
    لا ينبغي أن نطلب ذلك إلى وزرائنا ولا إلى السادة الذين سيشاركونهم في المفاوضات؛ لأننا نكلفهم بهذا المطلب ما لا يطيقون، فليس من الممكن أن يجلو الإنجليز عن مصر قبل المفاوضات؛ لأن المفاوضات ستتخذ الجلاء نفسه موضوعًا لها. وليس من الممكن أن تكون مصر حرة قبل المفاوضات؛ لأن المفاوضات ستتخذ حرية مصر نفسها موضوعًا للأخذ والرد، ويجب أن تظل القاهرة والإسكندرية ووادي النيل كله رهنًا في يد الإنجليز إلى أن تتم المفاوضات. فإن عرف المفاوضون المصريون كيف يكونون مؤدبين مهذبين مطيعين مذعنين؛ كان من الممكن أن ينزل لهم الإنجليز عن بعض ما في أيديهم، وإلَّا فالرهن قائم والجيوش البريطانية تكتنف الوادي من الشرق والغرب ومن الشمال والجنوب، وتحتل مدنه وقراه، وتستطيع أن تعمل البنادق والمتراليوز، بل المدافع والطائرات إن احتاجت إلى شيءٍ من ذلك.
    ورغم ذلك كله أحب أن يضحك المصريون، فهذا كله خطب إن شق علينا احتماله اليوم فليس من سبيل إلى أن يدوم. يجب أن يكون الشعب المصري أذكى من سادته وقادته، ويجب أن يعتبر الشعب المصري بما كان ليفهم ما هو كائن وليستعد لما سيكون. لقد خدع الشعب المصري مرتين في الحربين العالميتين بالأماني والآمال وبالعهود والوعود، فيجب أن يأخذ حذره وألَّا يخدع في المرة الثالثة، والمرة الثالثة واقعة من غير شك.
    أمَّا غدًا زعموا أو لا فبعد غدٍ
    وخطبٌ آخر يجب أن يضحك له المصريون، فقد صرح رئيس وزرائنا صدقي باشا في مجلس الشيوخ بأنه لم يصدر إلى الصحف تلك التعليمات التي ذكرها زعيم المعارضة، ولم يصدرها إلى أحدٍ من رجال الأمن. كان هذا يوم الإثنين، فلما كان يوم الأربعاء دُعيَ الصحفيون إلى وزارة الداخلية، وتُليت عليهم فيها رسالة من صدقي باشا حيَّاهم فيها أحسن تحية، ثم رجا منهم أن يعاونوه فينتهوا عن كيت وكيت وعن كذا وكذا، وعدد لهم كل التعليمات التي أنكر في مجلس الشيوخ أنه أصدرها إلى الصحف أو إلى رجال الأمن. فصدقي باشا ينكر في مجلس الشيوخ ويعترف في وزارة الداخلية، يعطي باليمين ويسترد باليسرى. ويظن أن الصحفيين أغرار لا يفهمونه ولا يفطنون لما أراد، وأن الشعب المصري ساذج لا يفقه خطته هذه التي كانت لبقة قبل ستة عشر عامًا، فأصبحت مكشوفة في هذه الأيام لا تخدع أحدًا.
    وخطبٌ ثالثٌ يجب أن يضحك منه المصريون؛ لأنه عبث من العبث لا يغني عن أصحابه شيئًا، ولا يغيِّر من حقائق الحياة شيئًا، فصدقي باشا يريد أن يُعلِّم المصريين بعد جهل، وأن يُطعمهم بعد جوع، وأن يكسوهم بعد عري، وأن يردَّ عليهم الصحة كاملة والعافية موفورة. وقديمًا وعد صدقي باشا بمثال ذلك فلم يصنع شيئًا، وقديمًا وعد غير صدقي باشا بمثل ذلك فلم يصنعوا شيئًا. ولكن صدقي باشا في هذه المرة يجب أن يخيِّل إلينا أنه سيصنع شيئًا، فقد يقال: إن صدقي باشا يريد أن يعقد قرضًا عامًّا قوامه خمسون مليونًا من الجنيهات يحارب به الفقر والجهل والمرض. ومعنى ذلك أن صدقي باشا يريد أن ينشئ شركة لمحاربة الآفات، وما يمنعه من ذلك والشركات تنشأ في مصر كل يوم لاستغلال هذا المرفق أو ذاك من مرافق الحياة، فلتنشأ شركة جديدة لاستغلال الفقر والمرض والجهل، ولتكن الحكومة هي المشرفة على هذه الشركة، ولتمتلئ جيوب أصحاب الأموال على حساب الجائع الذي قد يشبع، والمريض الذي قد يصح، والجاهل الذي قد يتعلم.
    كل شيء يجب أن يُستغل. ألم يذكر بعض الماليين بل بعض الوزراء السابقين أن القمامة يجب أن تُستغل فتحول إلى سماد؛ لتزداد الأرض خصبًا وإنتاجًا؟ فلم لا تستغل هذه القمامة الإنسانية الأخرى فتتضاعف ثروة الأغنياء؟! لم لا يدفع هذا الباشا أو ذاك آلافًا من الجنيهات أو عشرات ألوف من الجنيهات يشتري بها هذه الأسهم في تلك الشركة التي ستستغل القمامة الإنسانية، فإذا حال الحول عادت إليه أسهمه بربح يرتفع وينخفض كما ترتفع أسهم المجلة وتنخفض؟ كل شيء يجب أن يُستغل، وكل شيء يجب أن يزيد ثروة الأغنياء، حتى إنقاذ الفقير من الفقر والمريض من المرض والجاهل من الجهل. من الطبيعي جدًّا أن تُبتكر شركة لإنشاء المراعي وتربية الحيوان والماشية، فما ينبغي أن يموت البقر والجاموس جوعًا، ولا أن تتعرض الغنم والدجاج للأمراض، فلنستغل فقر الفقراء ومرض المرضى وجهل الجاهلين لتتحقق الفكرة الخطيرة التي يجاهد في سبيلها صدقي باشا وأمثاله؛ وهي أن يشبع الناس ويصحو ليكونوا أقدر على الحرث والزرع وخدمة سادتهم الأغنياء.
    أليس كذلك يا دولة الرئيس؟ بلى هو ذاك، هو الذي تدعو إليه وتدعو إليه، وتجادل فيه وتجادل فيه، ولكنك كغيرك من الأغنياء وكغيرك من الناهضين بأعباء الحكم في البلاد المحافظة، تقتطع اليوم من أمس، وتقتطعه من غد، ولا تعتبر بالماضي ولا تستعد للمستقبل. ما زلت محافظًا تجهل أن عصر استغلال الإنسان قد انقضى، وأن إزالة الفقر والمرض والجهل واجب من واجبات الدولة، ومصرف من مصاريف الميزانية، وغرض من الأغراض التي تُجبى لها الضرائب من الموظفين.
    ففكر وقدِّر واعتمد على الله وأعرض عن قرضك هذا الذي لن يغني شيئًا، وأصلح الميزانية وارفع الضرائب، وإن كلفك ذلك — فضلًا عن ذلك — الكثير، وواجه الأمور كما ينبغي أن تواجه. أو تعد بأنك لن تصنع شيئًا في وزارتك الثانية كما أنك لم تصنع شيئًا في وزارتك الأولى.
    أمَّا أنتم أيها المصريون، فاضحكوا من هذه الخطوب فإنها لن تدوم، واضحكوا من هؤلاء الذين يعيشون ليومهم ولا يفكرون في أمسهم ولا في غيرهم.
    اضحكوا، وليكن ضحككم خصبًا يشحذ العزائم ويحيي الآمال ويدفع إلى النشاط، فإن من الضحك ما يميت القلوب.

  • حاملات الشموع

    حاملات الشموع

    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ٧ مارس ١٩٤٦
    لست أدري أي أمير من أمراء الأقاصيص جادل وزيرًا من وزرائه فيما يُحكى عن بعض الفلاسفة من أنه قال إن العادة طبيعة ثانية. وكان الأمير يؤمن لهذه الفيلسوف ببُعد النظر وصِدق الحكم وحصافة الرأي وحُسن الاستقصاء. وكان من أجل ذلك يصدق أن العادة طبيعة ثانية، وأن الحيوان يمكن أن يخرجه التأديب عن طوره الغريزي وعن وحشيته الفطرية، فيتثقف بثقافة الحضارة ويتَّخذ من أخلاقها وآدابها طبيعة ثانية.
    وكان وزيره يُكبِر الأمير أولًا ويُكبِر الفيلسوف ثانيًا، ولكنه يرى أن الحق أكبر من الأمير وأكبر من الفيلسوف، ويرى أن الطبيعة الثانية ليست إلَّا تكلُّفًا لا يستطيع أن يثبُت أمام الطبيعة الأولى والغرائز التي فطرت عليها الكائنات. وقد اشتد الخلاف بين الأمير والوزير حتى كاد الأمير أن يغضب، وغَضَبُ أمراء الأقاصيص خطيرٌ حقًّا ينذر بعواقبَ وخيمة. ولذلك ترفَّق الوزير واستمهل أميره وقتًا ليقيم له الدليل القاطع على أن الطبيعة الأولى أقوى وأعظم سلطانًا من الطبيعة الثانية. وقد منحه الأمير ما أراد من المهلة، فجعل يفكر ويقدر حتى كان المساء، وفي ذلك المساء أقبل إلى القصر باسم الثغر مطمئن القلب راضي النفس أيضًا، وكان الأمير قد دعا إلى وليمة من ولائمه الفخمة. فلما جلس إلى المائدة وجلس من حوله رجال الدولة وأشراف المملكة أقبلت حاملات الشموع، وأَمْرُ حاملات الشموع هؤلاء أعجب من العجب، فلم يَكُنَّ نساءً إماء أو حرائر من نساء الروم أو من نساء الهند أو من نساء السودان، وإنما كُنَّ قططًا قد أُدِّبْنَ تأديبًا رقيقًا وثُقِّفْنَ تثقيفًا متصلًا، وعوِّدن حمل الشموع والقيام بها في قاعة الطعام حين يجلس الأمير إلى مائدته.
    وقد جعل الأمير يتحدث إلى من حوله من رجال الدولة ألوانًا من الحديث فيها تلطُّف وتفكُّه، وإنهم لفي ذلك وإذا كل شيء يضطرب من حولهم، فقد أُلقيت الشموع إلى الأرض، وجعل القطط يزدحمن ويستبقن. وأقبل الخدم يرفعون الشموع الموقدة مخافة الحريق، ويفرقون القطط المزدحمة المستبقة المصطخبة ليردوا إلى القاعدة بعض الهدوء. ونظر الأمير إلى هذا كله مَغِيظًا مُحْنَقًا، ولكن الوزير ابتسم له وانحنى أمامه وقال: أصلح الله الأمير، ألم أقل له في الضحى إن الطبيعة الثانية لا تثبت أمام الطبيعة الأولى؟ قال الأمير: وما ذاك؟ قال الوزير: أترى إلى هذه القطط المستبقة المصطخبة كيف ألقت شموعها وبرئت من أدبها وعادت إلى طبعها؟ قال الأمير: فإني لم أفهم عنك شيئًا! قال الوزير: فإني قد ألقيت إليهن فأرة كنت أخفيتُها في كمي، فلما رأينها ألقين الشموع، وخرجن عن أطوار الحضارة، ورجعن إلى الغريزة الأولى، وازدحمن حول الفأرة أيهن يسبق إليها.
    ومنذ ذلك الوقت صدَّق الأميرُ وصدَّق الناسُ معه أن الطبيعة الثانية ليست إلَّا تكلُّفًا، وأن الطبيعة الأولى هي التي تسيطر آخر الأمر على أعمال الحيوان والإنسان جميعًا.
    هذا مَثَلٌ قريبٌ لما تنعَم به مصر في هذا العهد السعيد، وهو يدعو المصريين إلى أن يفكِّروا ويقدِّروا ويُقدِمُوا عن بصيرة أو يُحجِموا عن احتياط، فهم قد عرَفوا رئيس الوزراء في وزارته الأولى قويًّا لا يعرف الضعف، عنيفًا لا يحب اللين، متسلِّطًا لا يألف الرفق، متحكِّمًا لا يُحِبُّ الاعتدال، ماضيًا إلى ما أراد، لا يصرفه صارفٌ عمَّا أراد، يصطنع اللين والرفق ما واتاه اللين والرفق. فإذا لم يغنيا عنه أسرع إلى الشِّدَّةِ والعنف وإلى البطش والبأس، فلم يقِفْ منهما عند حَدٍّ إلَّا أن يبلغ ما يريد.
    هذه طبيعته التي فُطِرَ عليها، لا يستطيع لها تغييرًا ولا تبديلًا؛ لأن أيًّا كذا خُلِقَتْ كما يقول أصحاب النحو. وقد أقام رئيس الوزراء ستة عشر عامًا بعد أن خرج من وزارته الأولى، يؤدِّب طبيعته ويهديها، ويقوِّم غريزته ويثقفها، ويأخذ نفسه بالرفق الرفيق واللِّينِ اللَّيِّنِ واللطف والظُّرف والتواضع الشديد، والتحبب إلى الناس فيما يقول، والتودد إليهم فيما يعمل، والاعتبار بما يلي من التجارب في وزارته، والاتعاظ بما يبلو غيره من الوزراء في وزاراتهم المتعاقبة. وقد أقام في داره وفي ناديه يراقب الحكومات قاسيًا عليها، ويراقب الشعب حفيًّا به متقربًا إليه، ويراقب الإنجليز منذرًا لهم في تحفُّظ، مُعْذِرًا إليهم في تحرُّج؛ حتى أشفق منه مَن أشفق من الوزراء، واطمأنَّ إليه من اطمأنَّ من أصحاب السذاجة. ثم وثب إلى الحكم في رِفْقٍ وأناة، وجلس على كرسي الحكم في دعة ووقار، وتكلَّم فلم يقُل إلَّا خيرًا. وظنَّ الناس أن طبيعته الثانية قد غلبت طبيعته الأولى، وأن هذا التخلُّق الذي أخذ نفسه به أثناء ستة عشر عامًا قد غلب الخلق الذي فُطِرَ عليه، وقام هو في مجلس النواب يطلب إلى خصومه أن يَنْسَوُا الماضي، وأن يذكروا أن ستة عشر عامًا تكفي لنسيانه، وألَّا يحكموا عليه باسمه وسيرته القديمة، وأن ينتظروا ليروا مسلكه الجديد وسيرته في مستقبل الأيام، وأن يحكموا حينئذٍ عن بصيرةٍ وعن رويةٍ. وقد آمن له قوم كما آمن أمير الأقاصيص لحاملات الشموع، ولم يؤمن له قوم آخرون كما شك وزير الأقاصيص في حاملات الشموع. ولكن الشك لم يطُل، والانتظار لم يثقل على النفوس، فما هي إلَّا أن تمضي أيام وأيام حتى تُلقى الفأرة أمام القطط، وإذا الشموع تهوي إلى الأرض، وإذا الطبع يغلب التطبُّع، وإذا التخلُّق يأتي من دونه الخُلُق كما يقول الشاعر القديم.
    وما أحب أن أفصِّل الحوادث ولا أن أعرض لها، والمصريون جميعًا يرون، والمصريون جميعًا يسمعون، والمصريون جميعًا يستطيعون أن يحكموا عن رَوِيَّةٍ وبصيرة. وما أحب أن أذكر الصحف المصادَرة؛ فالمصريون يعلمون متى يقرءون الصحف، ومتى يحرمون قراءتها. وما أحب أن أذكر الكلام المحرَّف والأخبار المنقوصة؛ فالمصريون جميعًا يعرفون حين يقرءون، أيقرءون كلامًا محرَّفًا أم كلامًا مستقيمًا، أيقرءون أخبارًا مستوفاة أم أخبارًا مقتضبة. والمصريون جميعًا يعرفون أن كثيرًا منهم يستقون الأخبار من لندرة لا من القاهرة، والمصريون جميعًا يعرفون أن صحف المعارضة تُقرأ قبل أن يؤذَن بنشرها، فإن امتنعت عن ذلك واحتجَّت بالقانون واحتجت بالدستور؛ صُودرت بعد طبعها، وحِيل بينها وبين الوصول إلى القُرَّاء. والمصريون يعرفون أن هذه الأعوام الستة عشر لم تغير من طبيعة صدقي باشا؛ لأن الطبيعة أقوى من أن تغيرها العادة، والغريزة أبقى من أن تمحوها الحضارة.
    والمصريون يسألون أنفسهم: لماذا استقال النقراشي باشا؟ وماذا غيَّر صدقي باشا من حكم تلميذه النجيب؟ والمصريون يجيبون على هذا السؤال بأن النقراشي باشا رأى نفسه أضعف من أن يضبط الأمر، وأقصر باعًا من أن يحمل المصريين على الطاعة والخضوع وعلى الإذعان والامتثال؛ فآثر العافية واستقال. وإن صدقي باشا رأى نفسه أطول باعًا وأوسع ذراعًا من تلميذه البارع النجيب. رأى نفسه أقدر على أن يحمل المصريين على الطاعة، وأجدر أن يعلمهم كيف يمشون على البيض فلا يحطموه، وعلى العجين فلا يفسدوه. وهو من أجل ذلك ينهض بأعباء الحكم هادئًا مطمئنًّا، ومستبشرًا باسمًا، لا يعرف القلق إلى نفسه سبيلًا؛ لأن نفسه لا تقلق من شيء ولا تضيق بشيء، وإنما هي نفس قلب تلبَس لكل حالة لبوسها.
    نعم، المصريون يعرفون هذا كله، ولكن المصريين يعرفون أن لهم حقوقًا عند الإنجليز يريدون أن يظفَروا بها، وأن سبيلهم إلى الظفر بهذه الحقوق إنما هي المفاوضة، وأن الشرط الأول والأخير لكل مفاوضة إنما هي الحرية، حرية الشعب لا حرية الحكومة وحدها. وليس الشعب المصري حرًّا، ولا يمكن أن يكون حرًّا وصدقي باشا يسوسه بسياسته التي تلائم طبيعته الأولى. إن من أحمق الحُمق وأسخف السُّخف أن يُقال إن المفاوضين المصريين سيُقبِلون على المفاوضة أحرارًا، فهؤلاء المفاوضون لن يكونوا أحرارًا إلَّا إذا استندوا إلى شعبٍ حرٍّ، واعتمدوا على وطنٍ حرٍّ. لن يكونوا أحرارًا والإنجليز يحتلُّون المدن ويستطيعون أن يطلقوا النار على الشعب كلما خافوا أو توهموا الخوف.
    لن يكونوا أحرارًا وأمرهم وأمرُ مصر إلى رئيس الوزراء، يصنع بهم وبها ما يشاء. سيكون المفاوضون الإنجليز أحرارًا؛ لأنهم يستندون إلى حكومة حرة وإلى شعب حر. وسيكون المفاوضون المصريون مقيَّدِين لأنهم يستندون إلى حكومة مقيدة وإلى شعب مقيد. ولتنتج المفاوضات بعد ذلك ما تشاء لمن يكون ما تنتجه من إملاء من القول، يقبله الضعيف إن شاء فيستريح ويريح، ويرفضه إن أراد فيجني ثمار هذا الرفض، ويا لها من ثمار! ليصدقني المصريون أن أمورهم ليست إليهم، وإنما هي إلى هذه القلة القليلة التي أسلمت زمامها للنقراشي باشا، فكان أضعف من أن يستمسك بهذا الزمام، وقد أسلمت زمامها الآن لصدقي باشا فأظهرت التجربة في هذه الأيام القليلة أنه أشدُّ من تلميذه بأسًا وأوسع حيلةً، وما خفي كان أعظم.

  • دهماء

    دهماء

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ٢٤ فبراير ١٩٤٦

    في الساعة الخامسة من مساء الخميس الماضي تحدث المتحدثون بأن مجلس وزرائنا قد اجتمع، ودرس ما وقع من الأحداث في ذلك اليوم، وكلَّف رئيسه أن يحتج على الإنجليز؛ لأنهم تحدَّوا المتظاهرين في القاهرة، فاقتحمت السيارات البريطانية صفوفهم، وتركت منهم على الأرض صرعى كثيرين، منهم القتيل ومنهم الجريح؛ ولأنهم تحدوا السيادة المصرية، فأعطوا أنفسهم الحق في حفظ الأمن وإقرار النظام، على حين لا ينبغي أن ينهض بحفظ الأمن وإقرار النظام إلَّا السلطان المصري وحده؛ ولأنهم تحدوا أيسر المبادئ الإنسانية فأعملوا المتراليوز والبنادق السريعة في جمهور أعزل لا يريد بأحد شرًّا، وإنما دُفع دفعًا إلى أن يتقي الشر الذي صُبَّ عليه. وكان الإنجليز قد اتفقوا مع الحكومة المصرية من قبل على أن القاهرة محرمة على الجنود البريطانيين يوم الخميس، ثم نقضوا هذا الاتفاق لسبب غير معلوم. تحدث المتحدثون نحو الساعة الثامنة إذن بأن مجلس الوزراء كلف رئيسه الاحتجاج، ولكنهم تحدثوا أيضًا بأن رئيسهم وعدهم بأن يحتج ولكن بعد أن يعرف نتيجة التحقيق.

    ولست أدري، أقدَّر الوزراء كل هذه الاعتبارات التي ذكرتها أم قدَّروا بعضها، أم قدَّروا اعتبارات أخرى غيرها؟ ولكنهم فيما يقول القائلون طلبوا إلى رئيسهم أن يحتج. وفي منتصف الساعة التاسعة تحدث المتحدثون بأن البريطانيين قد أرسلوا —أو هم يريدون أن يرسلوا — إلى الحكومة المصرية إنذارًا، وذهبت الإشاعات مذاهب مختلفة في التنبؤ بما اشتمل عليه هذا الإنذار. وبعد ذلك بلحظات قال القائلون: إن رئيس الوزراء سيتحدث إلى الشعب في الراديو. وفي الساعة التاسعة والربع تحدث رئيس الوزراء إلى الشعب، فحمل الدهماء — فيما يقول — تبعة ما وقع من الأحداث، وتحدث عن أشياء لم تُفهم بعد، وينتظر أن يجلوها التحقيق، ثم أعلن في صوت أراد أن يكون حازمًا ولكنه تخاذل وانهار كما ينهار البناء المتهدم أنه سيمنع المظاهرات، ويضرب على أيدي اللاعبين بالنار. وخلاصة هذا كله أن حوادث الخميس الماضي لم تكد تنقضي حتى نشأ سباق بين الوزارة المصرية والسفارة البريطانية إلى الاحتجاج. همَّت الوزارة المصرية أن تحتج، ولكنها لم تفعل، بل انتظرت نتائج التحقيق، ولم تهم السفارة البريطانية بالاحتجاج، ولكنها احتجت بالفعل ولم تنتظر تحقيقًا. ثم أذاعت في الوقت نفسه بيانًا إلى الشعب وإلى العالم، كما أذاع رئيس الوزراء بيانًا إلى الشعب. وهي في بيانها قد صنعت صنيع رئيس الوزراء مع اختلاف في اللهجة والتعبير، فألقت على الدهماء تبعة ما وقع من الأحداث، واتخذت من هذه الأحداث عذرًا عما كان من تقتيل الشعب والاعتداء على السيادة المصرية في أرض مصر.

    وأكبر الظن أن في وزارتنا ضعفًا نشأ عن الهرم وتقدم السن، ومنع الوزارة من أن تسبق إلى الاحتجاج مع أنها صاحبة الحق فيه، فسبقتها إليه السفارة البريطانية، وكانت النتيجة الطريفة وهي أن يحتج القاتل على المقتول، ويتجنى المعتدي على المعتدى عليه.

    ومهما يكن رد الحكومة المصرية على الاحتجاج البريطاني، فلن يكون له من قيمة، ولن يكون له خطر، فإن الحكومة الكريمة هي التي لا تنتظر أن يضطر الخصم إلى موقع الدفاع حين كانت طبيعة الأشياء والحقائق الواقعة تقفها موقف الغضب للحق المسلوب والدم المسفوك والكرامة المهانة والسيادة المضيعة.

    ثم لم يقف الأمر عند هذا الحد، ولكن البريطانيين احتجوا مشافهةً يوم الجمعة وكتابةً يوم السبت، وتجاوزوا كل حد. فلم يكتفوا بالوزارة كأنهم لا يؤمنون لها ولا يعترفون بها، وإنما رفعوا احتجاجهم إلى جلالة الملك، وصرح صدقي باشا في الوقت نفسه بأن الموقف لم يسؤ مع أن الموقف كان قد بلغ أمس مساء أقصى غايات السوء، فالبريطانيون لم يكتفوا بالاعتداء على الشعب والاحتجاج على الحكومة، ولكنهم اعتدوا على الحكومة نفسها حين تجاوزوها ورفعوا احتجاجهم إلى صاحب العرش في بلد يقال: إنه دستوري، وإن فيه وزارة مسئولة أُنشئت لتتصل بالسفارات ولتتصل بها السفارات، ولتجنب العرش مثل هذه الاتصالات التي لا تلائم ما ينبغي له وللدولة من جلال وارتفاع عن التبعات مهما تكن! ولكن صدقي باشا يرى أن الموقف لم يسؤ. وأكبر الظن أن الموقف لن يسوء عند صدقي باشا إلَّا إذا اضطرته الظروف إلى أن يتخلى عن الحكم ويعود إلى نادي محمد علي يتندر فيه بالحكومات القائمة حين يصبح وحين يمسي، ويرسل منه إلى الأهرام أحاديثه اللاذعة عن تصرف هذا الوزير أو ذاك.

    الشيء الذي ليس فيه شك هو أن وزارة صدقي باشا أبعد الوزارات عن ملاءمة الظروف التي تحيط بالحياة المصرية الآن من الناحية الداخلية والخارجية جميعًا، فكل شيء قد تغير منذ استقال صدقي باشا سنة ١٩٣٣، تغيرت الحياة الخارجية والظروف السياسية العالمية، فلم يبقَ خطر ولا قيمة للسياسة التقليدية الناعمة الملساء التي اعتمد عليها صدقي باشا مع السفير البريطاني في وزارته الماضية، وأصبح كل شيء يقتضي الحزم والجد والصرامة والاستعداد للمضي إلى آخر الشوط. وقد كان صدقي باشا رئيسًا للوزراء أيام كان السير برسي لورين مندوبًا ساميًا، فهو قد تعود الحكم على أساس غير أساس الاستقلال، تعود الحكم على أساس أن الصوت البريطاني يجب أن يكون أرفع من الصوت المصري، ومع أنه أمضى مع الذين أمضوا معاهدة سنة ١٩٣٦، فإن عقليته ما زالت عقلية التسلط الإنجليزي وعقلية التلطف مع الإنجليز.

    وتغيَّرت الحياة المصرية الداخلية، فأصبحت للشعب آمال ومطامح لم تكن ظاهرة أثناء وزارته الأولى، ووجدت حكومات قدرت هذه الآمال وسعت إلى تحقيقها، وقويت بذلك ثقة الشعب بنفسه وإيمانه بحقه في العدل الاجتماعي وتشدده في بلوغ هذا الحق مهما تكن الظروف.

    وكان صدقي باشا يسخط في نادي محمد علي مصبحًا وممسيًا على هذا التطور، يهزأ مما كانت الحكومات تسميه إنصافًا، ويهزأ مما كانت الحكومات تسميه التيسير على الناس، ويعلن الإشفاق على ميزانية الدولة من جهة وعلى سلطان الأغنياء والأقوياء من جهة أخرى، ويخاف الخوف كله من إشعار الشعب بحقه وكرامته، ولا يجعل للأمة المصرية إلَّا غايةً واحدةً يراها المثل الأعلى في الرقي والنهوض، وهي أن تستصلح الأرض وتقوي صحة الشعب ليعمل الشعب لسادته، ولتنتج الأرض لهؤلاء السادة ما ينفقون بغير حساب. وليس أدل على ذلك من أن عقل صدقي باشا لا يزال الآن كما كان من قبل، يتحدث في السياسة فيفرق بين الخاصة والدهماء، فُطِرَ على أن في الناس كبارًا يتسلطون وصغارًا يخضعون، وفُطر على أن في الناس سادةً يمتازون وضعفاء يُستغلون. ومهما تحدث الأحداث من حوله، فهو لا يستطيع أن يغيِّر فطرته ولا أن ينشئ لنفسه مذهبًا جديدًا.

    وصدقي باشا ليس منفردًا بهذه الفطرة المحافظة، بل له فيها شركاء كثيرون، يقبلون التطور السياسي والاجتماعي على مضض؛ لأنهم لا يستطيعون أن يقاوموه فضلًا عن أن يمنعوه، وهم من أجل ذلك يجارونه متكلفين لا صادقين، ينتهزون به الفرص ويتربصون به الدوائر، تؤمن به ألسنتهم وتكفر به قلوبهم.

    فصدقي باشا وأصحابه يعلمون حق العلم أن الدستور يسوِّي بين المصريين جميعًا في الحقوق والواجبات، لا يفرق بين غني وفقير ولا بين قوي وضعيف ولا بين نابه وخامل. وصدقي باشا يعلم أن هذه المساواة إنما جاءت مطابقة لطبيعة الأشياء، فالناس جميعًا قد سلكوا إلى الحياة طريقًا واحدةً، ولدتهم أمهاتهم على نحو واحد، وهم سيخرجون من الحياة من طريق واحدة هي الموت، أخرجهم اللَّه من الأرض ويعيدهم إلى الأرض لا يفرق بينهم من ذلك في قليلٍ ولا كثيرٍ.

    وصدقي باشا وشركاؤه يعلمون ذلك حق العلم، ولكنهم لا يحبون أن يؤمنوا به، ولا أن يطمئنوا إليه؛ لأنهم يحبون أن يمتازوا وأن يتفوقوا وأن يستعلوا وأن يستكبروا، وهم من أجل ذلك يذكرون الخاصة التي يجب أن تسود وتمتاز، والدهماء التي يجب أن تذعن وتنقاد. وأغرب من هذا أن صدقي باشا وشركاءه يعلمون حق العلم أن الخاصة في مصر إنما هي خاصة بالمصادفة، خُلقت من تراب كما خلق غيرها من الناس، ولم تخلق من النار كما خُلقت الشياطين، ثم أتاح سوء النظام الاجتماعي لآبائها الأقربين أن يستغنوا بعد فقر، ويرتفعوا بعد ضعة، ويتعلموا بعد جهل؛ فأصبحوا خاصة ممتازين بحكم المصادفة، وكان من الممكن أن يظلوا كغيرهم من هذه الدهماء لا يمتازون بشيء.

    من أجل ذلك يلاحظ المصريون أن حياتهم تتردد دائمًا بين عهدين: عهد تذكر فيه كثيرًا ألفاظ الدهماء والغوغاء والرعاع وما إليها من هذه الألفاظ التي تبين امتياز الممتاز وانقياد المنقاد، وهذا العهد هو الذي تستأثر القلة فيه بالحكم، فتفكر في نفسها أكثر مما تفكر في الشعب، وتعتد بامتيازها أكثر مما تعتد بقوة الشعب، وتعتمد على مهارتها أكثر مما تعتمد على تأييد الشعب، لا لشيء إلَّا لأن لديها امتيازًا تحرص على استبقائه، وتأبى أن تفرط فيه. فإذا سخط الشعب فسخط الشعب لا يعنيها ولا يضيرها ولا يؤذيها إلَّا حين يعرِّض مصالحها وامتيازها للخطر. وإذا طمح الشعب إلى الرقي وسمت نفسه إلى الكرامة وانصلاح الحال، فهذا هو الذي يقضُّ مضاجعها وينغص عليها الليل والنهار؛ لأن رقي الشعب معناه تحقيق المساواة، وهذا معناه إلغاء الامتياز، وإلغاء الامتياز معناه أن يصبح الناس جميعًا سادة، لا يستطيع واحدٌ منهم كصدقي باشا أن يتحدث في الراديو فيذكر الدهماء ويحمِّلهم تبعة ما وقع من الأحداث.

    أرأيت أيها القارئ أن وزارة صدقي باشا هي أقل الوزارات ملاءمةً لظروف الحياة المصرية. الحياة المصرية الحاضرة تريد أن تكون في مصر وزارة تستطيع أن تثبت للإنجليز، وأن تقول لهم: لا، وأن تحتج عليهم حين يتجاوزون حدود المعاهدة، وأن تطلب إليهم في حزمٍ وصرامةٍ ألَّا يعبثوا بالوعود بعد أن بذلوها، وألَّا ينكثوا العهود بعد أن أكَّدوها، وألَّا تقيم جنودهم بعد أن انهزم أعداؤهم بمعونة مصر، وبعد أن انتقلت حماية الأمن العالمي إلى هيئة دولية عالمية.

    وصدقي باشا ليس من هذا كله في شيء؛ لأنه لم يتعود إلَّا أن يفاوض السير برسي لورين المندوب السامي البريطاني. ولم يكد يمضي أسبوع، ماذا أقول؟! لم تكد تمضي أيام ثلاثة على تأليف وزارته حتى وقعت الأحداث، وأثبت صدقي باشا أنه أضعف من أن يحتمل العبء ويلائم الظروف الجديدة، فتخاذل وتواكل وترك الإنجليز يسبقونه إلى الاحتجاج، وأتاح لباطلهم أن يظهر ويستعلي، وفرض على حق المصريين أن يخجل ويستخفي؛ لأن صدقي باشا ليس من رجال هذا العصر في شيء.

    والحياة المصرية في هذا العصر محتاجة إلى وزارة تشعر مع الشعب حين يشعر، تألم لألمه، وتشقى لشقائه، وتأبى أن تشبع وهو جائع، وتأبى أن تنعم وهو بائس، وتأبى أن تطمئن ودماؤه تُسفك بأيدي الإنجليز.

    وصدقي باشا ليس من هذا كله في شيء، وآية ذلك أنه تحدث إلى الشعب بعد أن سفك دمه في القاهرة، فلم يعزه ولم يواسه ولم يعلن إليه أنه سينصفه بعد أن ظُلم وسيرد له حقَّه كاملًا، وإنما لامه وأنَّبه وألقى على الدهماء — أي على الشعب — تبعات الأحداث، ولم يكد يشير إلى الإنجليز المعتدين إلَّا في تلطف وتظرف وأدب واستحياء.

    كل هذا لأن صدقي باشا وأمثاله في وادٍ، ولأن الشعب في وادٍ آخر. لتصدقني هذه القلة القليلة التي تتنافس في الحكم وتتهالك عليه أن عصر التسلط والامتياز قد انقضى، والتكلف وحده هو الذي يبقيه في مصر، ولكن التكلف لا يستطيع أن يمتد إلى غير غاية. فليرح هؤلاء السادة أنفسهم، وليريحوا من أنفسهم، وليقنعوا إن أُتيحت لهم القناعة، ولينعموا بما أتاح اللَّه لهم من ثراء وجاه ونعيم، وليخلوا بين الشعب البائس وبين الجهاد الكريم؛ لعل الشعب أن يظفر من حقِّه ببعض ما يريد، لعله أن يخفف ولو قليلًا من هذه البأساء.

  • في مجلس الأمن

    في مجلس الأمن
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ٢٠ يناير ١٩٤٦

    ما زال التمثيل مستمرًّا في لندرة: خُطَبٌ تُلقى، وأيدٍ تصفِّق، وأفواهٌ تندفع بالهتاف، وآمالٌ تُعقد هنا وهناك، ويأسٌ يشيع هنا وهناك أيضًا، ولجانٌ تُنتخب في سهولة ويسر مرة، وفي مشقة وعنف مرة أخرى، وتنافس حول عضوية هذه اللجان، وشعوبٌ من وراء هذا كله تقرأ وتسمع، فيجدُّ بعضها، ويمزحُ بعضها الآخر، وتمضي سياسة العالم بين هذا كله متعثرة متجشمة ألوان المصاعب والخطوب.

    وقد انتُخب مجلس الأمن فيما انتخب من المجالس واللجان، وأُتيح لمصر أن تُنتخب في هذا المجلس، فابتهج قومٌ منا عن ثقة وأمل، وسخر قومٌ منا عن قنوط ويأس، وتردد قومٌ منا بين السخط والرضا، وبين اليأس والرجاء. فقد يسرُّ المصريين أن تظفر مصر بثقة جماعة ضخمة من الدول، وأن يجلس ممثلوها في مجلس الأمن حين ينعقد لأول مرة، وأن يتخذ هؤلاء الممثلون مجالسهم بين الذين يمثلون الدول الكبرى الثلاث، وبين الذين يمثلون الدول الكبرى الخمس، وهي في ذلك الوقت قد ظفرت بما لم تظفر به دول أخرى لها من الاستقلال والبأس والمهابة ما ليس لمصر. فمما يتملق الشعور الوطني، ويداعب العزة القومية، أن تُختار مصر لمجلس الأمن في أول انتخاب لهذا المجلس، وأن تحل مصر بين الدول هذا المحل الرفيع.

    كل هذا حق، ولكن أكلُّ هذا خير؟! هذه هي المسألة التي يجب أن تُلقى، والتي يجب أن يُجاب عليها. وبمقدار ما يكون الجواب عليها ملائمًا للحق الواقع العملي، لا لهذا الحق المتخيل النظري، يصح أن يبتهج المصريون وأن يبتئسوا، وأن يرضوا أو أن يسخطوا.

    وما أظن القارئ ينتظر مني أن أكون بين الراضين المبتهجين، فهو يعرف رأيي في جماعة الأمم المتحدة وفي مجلس الأمن، وهو يعرف رأيي في إقبال مصر على المشاركة في الجماعة وفي مجلسها. فالترفُ شيءٌ مرغوب فيه، ولكن بعد أن تتحقق الأشياء التي لا بدَّ منها ولا استغناء عنها. وجماعة الأمم ترف ما في ذلك شك، ومجلس الأمن ترف ما في ذلك شك أيضًا. جماعة الأمم ترف بالقياس إلينا وإلى أمثالنا؛ لأن أمرها في المسائل الخطيرة جدًّا إلى الدول المنتصرة الثلاث، ولأن أمرها في المسائل ذات الخطر المعتدل أو القليل إلى الدول الخمس الكبرى. فأمَّا نحن وأمثالنا فأعضاء في هذه الجماعة لنتم العدد، ولنؤيد هذا المنتصر أو ذاك.

    ومجلس الأمن ترفٌ من غير شك؛ لأن أمره إلى المنتصرين الثلاثة أو إلى المنتصرين الخمسة، ونحن وأمثالنا أعضاءٌ فيه لنتم العدد، ولنؤيد هذا المنتصر أو ذاك.

    وربما كان مركزنا في مجلس الأمن أدنى إلى الترف من مركزنا في جماعة الأمم المتحدة؛ فنحن لن نصنع في مجلس الأمن شيئًا ذا خطر، ولن نستطيع أن نصنع فيه شيئًا ذا خطر؛ لأن قرارات مجلس الأمن في المسائل الخطيرة حقًّا لا تنفذ إلَّا بما أجمعت عليه الدول الخمس الكبرى، فقد ننضم — وينضم غيرنا معنا — إلى أربع من هذه الدول الخمس، ويظل قرار الدول العشر معطلًا؛ لأن الدولة الحادية عشرة قالت: لا!

    وإذا استطاعت دولة عظيمة أن تعطل ما اتفقت عليه الدول الأربع الكبرى، فكيف بنا حين نتفق مع هذه الدول أو حين نختلف، إنما نحن وأمثالنا تكملة للعدد لا أكثر ولا أقل … نستغفر اللَّه، بل قد نكون نحن وأمثالنا أقل من تكملة العدد، فاشتراكنا في مجلس الأمن كاشتراكنا في جماعة الأمم المتحدة، يفرض علينا من الواجبات أكثر مما يعطينا من الحقوق.

    سيشهد ممثلنا مجلس الأمن، وقد يقرر مجلس الأمن شيئًا لا يلائم مصالحنا، وقد ينكر ممثلنا هذا القرار، وقد يحتجُّ عليه، ولكننا سنلتزمه، ونذعن له؛ لأننا مشتركون في مجلس الأمن، وفي جماعة الأمم المتحدة، وأيسر ما يقتضيه هذا الاشتراك أن نذعن لما تصدره الهيئات من قرارات.

    وقد يُقال: إن ابتعادنا عن هاتين الهيئتين لا يعفينا من الإذعان لقراراتهما. ولكنْ فرقٌ كبيرٌ بين أن تذعن عن رضًا واختيار، وأن تذعن لأنك لا تجد من الإذعان بدًّا.

    لا ينبغي أن ينتظر القارئ مني إذن أن أكون من المبتهجين بانتخابنا في مجلس الأمن، فقد كنت خليقًا أن أبتهج باشتراكنا في جماعة الأمم المتحدة وانتخابنا في مجلس الأمن لو أننا حققنا استقلالنا كاملًا موفورًا قبل ذلك. فاشتراكنا في الهيئتين على أننا أمة مستقلة كاملة الاستقلال، ليس بينها وبين هذا المنتصر أو ذاك ما بيننا وبين أصدقائنا الإنجليز من الاختلاف.

    إذن، كان من الطبيعي أن نبتهج باشتراكنا في هذه الجماعة؛ لأن العزلة في الحياة السياسية شيءٌ بغيض، وكان من الطبيعي أن نبتهج بانتخابنا في مجلس الأمن؛ لأن الذين يظفرون بحاجاتهم الضرورية يستطيعون أن يطلبوا شيئًا من الترف، وأن ينعموا به إن أُتيح لهم، فأمَّا ألَّا نكون أحرارًا في بلادنا كما نحب أن نكون أحرارًا، وأن نشارك في تقرير الحرية لغيرنا من الأمم فأمرٌ لا يخلو من فكاهة، وقد جاء في الأثر: ابدأ بنفسك ثم بمن تعول.

    وأمَّا أن تكون أرض وطننا محتلة قد استقر فيها الأجنبي، وأن نؤيد بعد ذلك — أو مع ذلك — الدول التي تطالب بجلاء الأجنبي عن أرضها، فأمرٌ لا يخلو من فكاهة مرة، فقد ينبغي أن نجلي أصدقائنا الإنجليز عن أرض مصر أولًا، وأن نؤيد بعد ذلك الدول الأخرى حين تطالب بجلاء الإنجليز أو غير الإنجليز عن أوطانها. ومن الحق أن مركز الممثل المصري في مجلس الأمن سيكون مؤلمًا إلَّا إذا كانت نفسه تحسن الانخداع بالظواهر والإغضاء عن الحقائق.

    سيجتمع مجلس الأمن اليوم — الخميس — ويقال: إن المشكلة الإيرانية قد تُعرض عليه، وربما عرضت عليه أيضًا مشكلة سوريا ولبنان. والمشكلة الإيرانية تطالب بجلاء الروسيين عن شمال إيران، وقد يقتضي ذلك جلاء البريطانيين عن جنوب إيران، وستجرى المناقشات في هذا الجلاء الروسي، وقد يتكلم ممثل مصر مؤيدًا إيران فيما تطالب من الجلاء، وقد لا يتكلم، فإن آثر السكوت خذل إيران، ومن الحق عليه أن ينصرها، وإن تكلم كان لممثل روسيا أن يسأله: وما شأن الاحتلال البريطاني للوطن المصري؟! أو ما رأيك فيه؟! وما لك لا تتعجل الجلاء عن مصر، كما تتعجل الجلاء عن إيران؟ قد يقول الممثل المصري: فإني أتعجل الجلاء البريطاني عن مصر، وقد أرسلت حكومتي في ذلك مذكرة إلى وزارة الخارجية البريطانية. وحينئذٍ يجيبه الرفيق الروسي باسمًا: فإن إيران أيضًا قد تعجلت جلاءنا عن أرضها وأرسلت إلينا مذكرة، فليكن مصير المذكرتين واحدًا أو متشابهًا، ولنجلو عن إيران حين يجلو حلفاؤكم عن أرض مصر.

    وسيكون موقف الممثل المصري من المشكلة السورية اللبنانية — إن عرضت على مجلس الأمن — كموقفه من المشكلة الإيرانية: لن يستطيع أن يسكت، فالإخاء بيننا وبين سوريا ولبنان يفرض عليه أن يتكلم، وإذا تكلم فسيجيبه وزير الخارجية الفرنسية بمثل ما يجيبه به وكيل الخارجية الروسية. الأمر سواء؛ لأن المحتل ينبغي أن يظفر بالجلاء عن وطنه أولًا، وأن يعين بعد ذلك على الجلاء عن وطن حلفائه وأصدقائه.

    وسواء تكلم الممثل المصري أم لم يتكلم في هذه المشكلة أو تلك، فالنتيجة واحدة؛ وهي أن كلامه لن يقدم ولن يؤخر، وإنما الشيء الوحيد الذي يمكن أن يقدم أو يؤخر هو اتفاق الدول الخمس الكبرى أو اختلافها. فإن اتفقت هذه الدول على جلاء الجيوش الأجنبية عن إيران، فسيجلوا الروس عن الشمال والبريطانيون عن الجنوب. وإن لم تتفق هذه الدول بقي الروس حيث هم، وأقام البريطانيون حيث يقيمون، إلَّا أن تُثار الحرب لإجلاء أولئك أو هؤلاء أو لإجلاء أولئك وهؤلاء جميعًا.

    ومجلس الأمن قد أنشئ — فيما يُقال — ليمنع الحرب أولًا، وليمنع الظلم ثانيًا، ولن يستطيع أن يمنع الظلم ما دام حق الاعتراض قائمًا، ولن يستطيع أن يمنع الحرب ما دام عاجزًا عن منع الظلم. وإذن، فمجلس الأمن شيءٌ عجيبٌ حقًّا، وفيه كثير من النفع، ولكن للأمم الكبرى لا للأمم الصغيرة.

    تستطيع الأمم الصغيرة أن تلجأ إليه، ويستطيع ممثلوها أن يرفهوا على أنفسهم ويفرجوا ما يلم بهم من المكروه، ثم يقف الأمر عند هذا الحد، ويمضي أمر الدول الكبرى كما يريد الكبار لا كما يريد الصغار.

    ومثل هذا يُقال بالقياس إلى جماعة الأمم المتحدة حين تعرض لشئون السياسة؛ ولذلك قرأت وسأقرأ ما يُقال من عرض هذه المشكلة أو تلك على هذه الهيئة أو تلك، دون أن أنتظر لهذه المشكلات حلًّا إلَّا أن يتفق الكبار الثلاثة أو الكبار الخمسة. فأمَّا ما دون ذلك فلن يقدم ولن يؤخر إلَّا في نشر الدعوة وفي الإعلان. ومن يدري؟ لعل نشر الدعوة والإعلان أن يكون من الأغراض الخطيرة التي تشترك من أجلها الدول في جماعة الأمم المتحدة وفي مجلس الأمن.

    وهناك سؤالٌ يخطر لي، ولا أكاد أعلنه إلَّا في كثيرٍ جدًّا من التردد، وهو: أليس بيننا وبين أصدقائنا البريطانيين خلاف؟ فإن كان الجواب بلى، فلمَ لا يعرض هذا الخلاف على هيئة الأمم المتحدة، وعلى مجلس الأمن كما تعرض المشكلة الإيرانية والمشكلة السورية واللبنانية؟ وإذا لم يكن هناك خلافٌ بيننا وبين حلفائنا البريطانيين، فلمَ نرهق حكومتنا بذكر الحقوق الوطنية، ولم ترسل حكومتنا مذكرة إلى وزارة الخارجية البريطانية؟!

    صدِّقني أيها القارئ! إن الحوادث لم تكذِّب بعد أبا الطيب حين قال:

    وكم ذا بمصر من المضحكات

    وصدِّقني أيضًا إن من الخير أن نضحك نحن من أنفسنا قبل أن يضحك منَّا الناس.

  • بين الانتظار والانهيار

    بين الانتظار والانهيار

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ٢٨ أكتوبر ١٩٤٥

    كل شيء ممكن حتى اجتماع المتناقضات. فما من شك في أن الوزارة المصرية قد طلبت إلى الإنجليز الجلاء عن مصر والسودان وتعديل المعاهدة؛ لأن وزراءنا قالوا لنا ذلك، وهم صادقون، ولا يمكن إلَّا أن يكونوا صادقين؛ لأن النهوض بالأعباء العامة والاستقرار على كراسي الحكم والسيطرة على شئون الدولة، كل هذه خصال تفرض على أصحابها الصدق فرضًا، ولا تنطق ألسنتهم إلَّا بالحق الساطع القاطع الذي لا يقبل نزاعًا ولا يتعرض لجدال أو مراء. فإذا قال وزراؤنا أنهم قد طلبوا إلى الإنجليز رسميًّا ما تريد مصر أن يطلب إليهم؛ فيجب أن نصدِّقهم، وإن لم نصدقهم فويل لنا! ويل لنا من أنصار الوزراء الذين سيتهموننا بالمكابرة وتعمد الإساءة إلى الحكومة! وويل لنا من الوزراء أنفسهم؛ فسيتهموننا بجحود الجميل وكفر النعمة. ومن يدري؟ لعلهم يسلطون علينا بعض البأس وينالوننا ببعض ما نكره! فهم أصحاب حزم وعزم، وهم أصحاب قطع وجزم، والأمر إليهم، فهم يستطيعون أن يفعلوا ما يشاءون، وما هي إلا إشارة ظاهرة أو خفية وإذا الذين لا يصدِّقون الوزراء إذا قالوا معرضون لما يعرفون وما لا يعرفون من المكروه.

    وزراؤنا صادقون إذن حين يقولون أنهم طلبوا إلى الإنجليز الجلاء عن وادي النيل من منبعه إلى مصبه. فيجب أن نعرف لهم هذه اليد البيضاء، وأن نشكر لهم هذه النعمة الغراء، وأن نقرر أنهم قد استحقُّوا تقدير الوطن. ولكن وزراءنا لم يقولوا جميعًا أنهم طلبوا الجلاء إلى الإنجليز، وإنما قال بعضهم ذلك وقال بعضهم أنهم لم يطلبوا شيئًا، وهم جميعًا صادقون؛ لأنهم جميعًا وزراء. والوزير صادقٌ دائمًا حتى حين يقول الحق ونقيضه، فوزراؤنا الذين قالوا لنا أنهم طلبوا الجلاء صادقون، ووزراؤنا الذين قالوا لنا أنهم لم يطلبوا الجلاء صادقون. والأمر يسير كل اليسر، فقد ينبغي أن نلغي عقولنا؛ لأن عقول الوزراء تكفينا، وقد ينبغي أن نكذِّب أنفسنا؛ لأن صدق الوزراء يغنينا، وقد ينبغي ألَّا نأمل ولا نتمنى وألَّا نطمح إلى مجد ولا نطمع في استقلال ولا نطالب بحرية.

    وما حاجتنا إلى هذا كله، وإنما نحن شعب قاصر قد قام الوزراء بالوصاية عليه، فهم يفكرون له ويشعرون به، وهم يقومون بتفكيرهم وشعورهم مقام الشعب في التفكير والشعور، فليس على الشعب إلَّا أن يأكل ويشرب إن وجد الطعام والشراب، وأن يستيقظ وينام إن أتيحت اليقظة والنوم. ولو استطاع الوزراء أن يأكلوا ويشربوا للشعب لكان من الحق على الشعب أن يصوم؛ لأن الوزراء يأكلون مكانه ويشربون مكانه، ويغنونه من هذا العناء الثقيل. ولو استطاع الوزراء أن يستيقظوا ويناموا نيابةً عن الشعب؛ لكان من الحق على الشعب أن يعلِّق نفسه في حال بين اليقظة والنوم، لا يمعن في اليقظة فيجد ما يكره، ولا يغرق في النوم فيجد ما يحب، وإنما يتأرجح بين ذلك. وأي شيء ألذ من أن يظل الشعب متأرجحًا بين اليقظة والنوم، تمرُّ به الأشياء فيحسها ولا يحسها، ويحققها ولا يحققها، وإنما هي خيالات تمس النفس مسًّا رفيقًا؛ فتحدث فيه لذَّة رفيقة أيضًا.

    ولكن الوزراء — مع الأسف الشديد — لا يستطيعون أن يغنوا الشعب عن الطعام والشراب واحتمال أثقال الحياة المادية، فحسبهم أن يغنوه عن التفكير وعن الشعور وعن الطموح إلى الحرية والنزوع إلى الاستقلال والمطالبة بالجلاء؛ لأنهم ينهضون بهذا، وهم ينهضوا بهذا بفيضٍ من العناية الإلهية التي وضعت على عاتق رئيس الوزراء أمور مصر، فاحتملها قويًّا متينًا ورصينًا مكينًا.

    وما من شك في أن العناية الإلهية قد ألقت في نفس رئيس الوزراء قبسًا من هذا النور المقدَّس الذي يعصمه من الخطأ، ويبرئه من الضعف، ولا ينطقه إلَّا بالحق. وما من شك في أن رئيس الوزراء حين اختار زملاءه قد أهدى إلى كل واحد منهم جزءًا يسيرًا من هذا القبس المقدس؛ فامتلأت نفسه قداسةً ونورًا. ومن أجل ذلك حقَّ علينا أن نصدق الوزراء، ولا نشك فيما يقولون لنا في وقت واحد من أنهم طلبوا الجلاء إلى الإنجليز ومن أنهم لم يطلبوا الجلاء إلى الإنجليز! فللعناية الإلهية أسرارٌ لا يفهمها مثلك ومثلي من عامة الناس، وإنما يفهمها المقربون من الأصفياء والأتقياء الذين ترفع لهم الحجب وتنجاب لهم الأستار.

    حقٌّ علينا إذن أن نصدق وزراءنا، حقٌّ علينا كذلك أن نصدق المستر بيفن وزير الخارجية البريطانية، لا لأن العناية الإلهية قد آثرته بالوزارة، أو آثرت به الوزارة، فالعناية الإلهية لا تحب الإنجليز ولا تختار منهم أحدًا لشيء، وإنما العناية تحب الألمان فتختار منهم هتلر، وتحب المصريين فتختار منهم صاحب الدولة رئيس الوزراء. ومع ذلك فيجب أن نصدق المستر بيفن؛ لأنه حين يتحدث إلى مجلس العموم لا يستطيع أن يقول له غير الحق؛ لأن الشعب البريطاني حين يختار نوَّابه ووزراءه يعرف كيف يؤدِّبهم ويهذبهم ويروضهم على ألَّا يخدعوه وعلى ألَّا يقولوا له غير الحق الصريح. وليس ما يدعو إلى الشك فيما قال المستر بيفن، فهو ينبئنا بأن مصر لم تطلب إليه شيئًا. وهو يتفق في هذا مع وزير التجارة الذي أنبأنا بأن مصر لم تطلب شيئًا، ومع وزير المالية الذي أنبأنا بأن مصر لم تقدم مذكرة؛ لأنها أرفع من تقديم المذكرات، ولأنها ليست موظفة عند الإنجليز. وإذن، فالمستر بيفن صادق؛ لأنه متفق مع وزيرين من وزرائنا، وقد عرف أن وزراءنا جميعًا صادقون دائمًا مهما يقولوا. وإذن، فمصر قد طلبت ولم تطلب، وكتبت ولم تكتب، واتصلت ولم تتصل، وانفصلت ولم تنفصل، وهي بهذا ترضي المصريين والإنجليز معًا.

    ورضا المصريين شيءٌ يسيرٌ؛ لأن المصريين يرضون بكل شيء، ويرضون بغير شيء. وإذا لم يرضوا فما أكثر ما يفيض به النيل من ماء يمكن أن يشربوه صفوًا ويمكن أن يشربوه كدرًا ويمكن أن يلقوا أنفسهم فيه إلقاءً! فلن يأبه لهم أحد، ولن يعبأ بهم أحد. ولماذا يحفل حافل بالمصريين وهم ضعاف لا يقدرون على شيء؟! لا يقدرون حتى على أن يحملوا وزراءهم على أن يسيروا معهم سيرة الوزراء الجادين، على أن يصارحوهم بالحق في غير مداورة ولا مناورة وفي غير مداراة ولا مماراة.

    مهما يكن من شيء فحكومتنا قد طلبت الجلاء ولم تطلبه، وحققت وحدة النيل ولم تحققها، وفاوضت الإنجليز ولم تفاوضهم. وقد اطمأن المصريون جميعًا إلى هذه الحال، فلم يشذ عنهم إلَّا واحدٌ، واحدٌ لا ثاني له، ولا يمكن أن يكون له ثانٍ بين المصريين، ألم تعرفه بعد؟ إنه حضرة صاحب الدولة إسماعيل صدقي باشا. إسماعيل صدقي باشا لا يحب الضعف ولا الفتور، ولا يقبل المطاولة ولا المماطلة، ولا يرضى من رئيس الوزراء إلَّا أن يكون حازمًا صارمًا كما كان هو حازمًا صارمًا، وإلَّا أن يكون صادق القول مستقيم الفعل، كما كان هو صادق القول مستقيم الفعل، وإلَّا أن يكون مُتحرِّجًا مع الإنجليز كما كان هو متحرجًا مع الإنجليز. ومن أجل ذلك غضب صدقي باشا منذ حين، واتهم النقراشي باشا بأنه يطاول ليكسب الوقت.

    والنقراشي باشا رجل لا يخاف أحدًا، ولكنه مع ذلك خاف من صدقي باشا، فلم يكد يقرأ مقاله ذاك حتى جمع هيئته السياسية وأذعن بما أرادت منه هذه الهيئة. فقرر وقرر معه مجلس الوزراء أن الوقت مناسب كل المناسبة للمطالبة بحقوق مصر، ورضي صدقي باشا عن رئيس الوزراء وعن زملائه، فرضي رئيس الوزراء وزملاؤه عن أنفسهم. ومضت الأمور هادئة مطردة، فاجتمع البرلمان وأقر ميثاق سان فرانسيسكو، واطمأن على أن حقوق مصر يحملها مختار العناية الإلهية، ويمضي بها في طريق النجاح والتوفيق.

    وكان من الممكن أن تمضي الأمور على هذا النحو أسابيع وأشهرًا، لولا أن عفريتًا من عفاريت الإنجليز سأل وزير الخارجية في مجلس العموم عمَّا تطلبه مصر بشأن السودان، فصرَّح المستر بيفن بما صرح به وتبين أن مصر لم تطلب شيئًا وإن كانت قد طلبت كل شيء. وقد دُهش بعض المصريين لجرأة المستر بيفن الذي يقول ما يخالف الحقيقة المعروفة في مصر، ولكن دهش المصريين لا قيمة له كما أن غضبهم لا قيمة له، وكما أن رضاهم لا قيمة له أيضًا.

    إنما الشيء الخطير … الخطير حقًّا، الشيء الذي ينغص النهار ويؤرق الليل هو أن صدقي باشا غضب، وغضب صدقي باشا شيءٌ لا يطاق، وليس أدلَّ على ذلك من أن النقراشي باشا الذي لا يخاف أحدًا ولا يهتم لأحدٍ قد خاف من غضب صدقي باشا، واهتم له، فقطع راحته وأسرع إلى الرياسة ولقي صدقي باشا هناك. وخلص كلاهما لصاحبه، فقال له وسمع منه، ولم يشهد نجواهما إلَّا الله. ثم انصرف صدقي باشا وقد سكت عنه الغضب، ولكنه لم يفارقه، وإنما احتفظ ببقية منه حتى تجتمع الهيئة السياسية، وحينئذٍ يغضب صدقي باشا فتغضب الهيئة كلها لغضبه، أو يرضى صدقي باشا فترضى الهيئة كلها لرضاه. وأنا أبشِّر المصريين أن صدقي باشا سيرضى قبل أن تغرب الشمس، وبأن الهيئة كلها سترضى قبل أن تغرب الشمس أيضًا، وبأن الأمور ستجري على خير ما يحب الوزراء، فليس المهم أن يُطلب الجلاء أو لا يطلب، وليس المهم أن تُحقق وحدة وادي النيل أو لا تتحقق، وإنما المهم أن تجري الأمور في مصر على ما تجري عليه الآن إلى أطول وقت ممكن. ولهذا كان غضب صدقي باشا خطيرًا، فصدقي باشا ركن من أركان العهد القائم. فإذا غضب وغضب معه واحد أو اثنان أو ثلاثة تعرض العهد القائم للانهيار، وما ينبغي لهذا العهد أن ينهار؛ لأن انهياره رجوع إلى الفوضى التي ملأت مصر فسادًا، ومن الذي يرى مصر الآن وقد ملئت صلاحًا وفلاحًا ونجاحًا وخيرًا، ثم يفكر في أن يردها إلى ذلك الفساد القديم.

    ليس المهم إذن أن نطالب بحقوق مصر، وإنما المهم أن تمسك مصر في هذه العيشة الراضية التي تعيشها، وفي هذه الكرامة الموفورة التي تستمتع بها، وفي هذا العدل المنشود الذي يستظل به المصريون جميعًا. فأمَّا الجلاء وتحقيق وحدة وادي النيل وتعديل المعاهدة، فأمور يصح أن يفكر فيها رئيس الوزراء متى رأى الوقت ملائمًا. وقد تقول: إن الهيئة السياسية ومجلس الوزراء قد قررا أن هذا الوقت هو أنسب الأوقات! ولكن لا تعجل على نفسك ولا تعجل على الناس، فالوقت المناسب الذي قررته الهيئة ومجلس الوزراء كان في النصف الأول من سبتمبر، ونحن الآن في النصف الثاني من أكتوبر، فما كان مناسبًا قبل شهر يمكن ألَّا يكون مناسبًا بعد شهر. والعناية الإلهية قد اختارت النقراشي باشا لحمل الأمانة القومية ولم تختر غيره. وإذن، فإذا رأى النقراشي باشا أن الوقت غير مناسب فرأيه هو الحق الذي لا شك فيه، ويجب على الهيئة السياسية أن تذعن وعلى الوزراء أن يذعنوا أيضًا، وإلَّا انهار العهد الحاضر وجاءت الوزارة المحايدة، ثم جاءت الانتخابات الحرة، وأي شيءٍ أشدُّ هولًا من الوزارة المحايدة والانتخابات الحرة؟

    يجب أن يختار المصريون — أستغفر الله — فقد اختار المصريون منذ زمن طويل. يجب أن يختار أنصار العهد الحاضر لا بين الانقضاض والانفضاض، كما كان يخيِّرهم مكرم باشا منذ حين، ولكن بين الانتظار والانهيار. وإذن، فلا ينبغي أن يطالبوا رئيس الوزراء بشيء، ولا ينبغي أن يتعجلوا في شيء، وإذا أرادوا أن يسألوه عن شيء؛ فليسألوه في خلوة وبمأمن من العذَّال والرقباء، فإن هم أذعنوا لهذا القانون مضت الأمور سهلة ميسرة، وإن هم خرجوا عن هذا القانون وأتعبوا النقراشي باشا بالسؤال والاستعجال كانت الكارثة وتفرق القوم بعد اجتماع واختلفوا بعد ائتلاف، وعاد الشر الذي يجب ألَّا يعود. أتعرف هذا الشر؟ إنه حرية الشعب، وويلٌ لمصر إذا سادت فيها حرية الشعب!

    أرأيت أن الأمر أيسر جدًّا مما تظن! أيسر من المطالبة بحقوق مصر، أيسر من مفاوضة الإنجليز سرًّا أو جهرًا، أيسر من الاتصال بهم من طريق رسمية أو غير رسمية، أيسر جدًّا من كل هذا هو أن يبقى العهد الحاضر أو لا يبقى.

    هذه هي المسألة، وليست هناك مسألة أخرى إلَّا في نفوس الشعب، ومن الذي يحفل بنفوس الشعب؟!

  • وطنية

    حديث الوادي
    وطنية. . .
    كثر حديث الصحف الوزارية الرسمية والصحف الموالية للوزارة عنها في هذه الأيام حتى أصبح شيئاً يشبه الإلحاح فيما لا معنى للإلحاح فيه. فالوطنية المصرية بحمد الله أقوى وأظهر وأصرح من أن يحتاج المصريون إلى أن ينبهوا إليها أو يدلوا عليها أو يحثوا على الاستزادة منها. وما كنا لنحفل بهذا الحديث الكثير الذي تخوض فيه بعض صحف الوزارة عن الوطنية المصرية وما يجب لها من القوة والكرامة ومن العزة والآباء، لولا أن مما يدعو إلى الضحك حقاً ويدعو إلى الحزن حقاً أن تتخذ الوطنية تجارة ويلجأ إليها بعض الناس، حين يشتد الحرج وتزدحم الخطوب، فإذا هدأت من حولهم العواصف، واستقامت لهم الريح نسوا حديث الوطنية وزعموا أن الذين يتحدثون عنها ويدعون إليها إنما يتحدثون عن الثورة ويدعون إلى الانتفاض.
    هؤلاء أنصار الوزارة القائمة يذكرون الشعب المصري الآن بكرامته ووطنيته، وينكرون على صحف المعارضة أنها تطالب الوزارة بالاستقالة ولا تجمع كلمتها لتأييد هذه الوزارة فيما بينها وبين الإنجليز من خصومة، فقد نحب أن نعلم أين كانت هذه الصحف الوزارية وأين كان سادتها الوزراء وأين كان الرجل الطيب وزير الخارجية حين طار نائب المندوب السامي إلى القاهرة، وحين اقتحم ثكنات الشرطة وأقسامها يفتش عليها ويتحرى من أمرها ما لا تبيح الوطنية ولا يبيح الاستقلال لوزارة أن تسمح لأجنبي مهما يكون، أن يبحث عنه أو أن يعلمه أو أن يتحراه.
    في تلك الأيام القريبة التي كان المندوب السامي يفتش فيها على الشرطة في الإسكندرية والتي كان نائبه يفتش فيها على الشرطة في الإسكندرية والقاهرة كانت وطنية هؤلاء الناس نائمة تسرف في الغطيط. لا تحس شيئاً ولا تنطق حرفاً ولا تأتي حركة وكان حب هؤلاء الناس للاستقلال وحرصهم على الكرامة القومية يتنزهان في مكان بعيد، يلعبان مع النسيم وموج البحر أو يصعدان إلى القمم، وينحدران في الأودية، وكان المعارضون وحدهم هم الذين يحسون وهم الذين يشعرون، وهم الذين يألمون وينكرون وهم الذين يوقظون وطنية الوزراء وأنصار الوزراء، وينبهون حب الوزراء وأنصار الوزراء للكرامة والاستقلال ونحب أن نعلم أين كانت وطنية الوزراء وأنصارهم وأين كان حب الوزراء وأنصارهم للاستقلال وحرص الوزراء وأنصارهم على الكرامة ودفاع الوزراء وأنصارهم عن الحقوق، حين عبث الجنود البريطانيون بأموال الناس وأجسامهم ودمائهم في مدينة القاهرة في الليل حيناً، وفي النهار حيناً آخر، في الصحراء مرة وفي المدينة مرة أخرى، في هذا الوقت سكت الوزراء وأنصار الوزراء سكوتاً لم يكن من ذهب، ولم يكن من فضة، ولم يكن من نحاس. وإنما كان من معدن ليست له قيمة ولا خطر. في ذلك الوقت تحدث المعارضون ثم ألحوا في الحديث، ثار المعارضون ثم ألحوا على الوزراء يسألونهم ماذا صنعوا، وماذا يريدون أن يصنعوا؟ وأين المذكرة التي صدرت من وزارة الخارجية إلى دار المندوب السامي، وأين الرد الذي جاء من دار المندوب السامي إلى وزارة الخارجية؟ وبعد التي واللتيا، وبعد كلام طويل من المعارضة، وصمت طويل من الوزراء والأنصار، ظهر بلاغ رسمي فيه اعتراف بما أنكر المعارضون من الحوادث، وتسجيل لها، وفيه نبأ بأن السلطة العسكرية البريطانية تحقق مع الجنود الآثمين.
    فما أخبار هذا التحقيق؟ وإلى أين انتهى؟ وهل رضي الذين أصابهم الاعتداء، وكيف كان إرضاؤهم؟ وهل رضيت الوطنية المصرية التي أهينت في أرضها واحتقرت في وطنها؟ وكيف أرضيت؟ وأين اعتذار الحكومة الإنجليزية إلى الحكومة المصرية؟ وأين سعي المستر بترسون بذلك إلى الرجل الطيب عبد الفتاح يحيى باشا؟
    تستطيع أن تسأل عن هذا كله هؤلاء السادة الوزاريين الذين أصبحوا في هذه الأيام دعاة إلى الوطنية وحماة للاستقلال، وحفظة للكرامة القومية.
    تستطيع أن تسألهم وتنتظر الجواب، ولا تيأس إن طال الانتظار فالقوم مشغولون عن هذه الأحداث الجسام بحدث آخر جسيم، وهو أن وزاراتهم قد تستقيل أو تقال.
    إن الذين يفوضون إلى دار المندوب السامي حل مسألة الدين بعد أن أعلن الاستقلال، وبعد أن أنشئت في مصر وزارة للخارجية، وبعد أن بث السفراء والقناصل في أقطار الأرض، لا ينبغي لهم أن يذكروا الوطنية ولا الاستقلال. إن الذين يفوضون الإنجليز في حل مشكلة المحاكم المختلطة ولا يجرؤون على أن يواجهوها بأنفسهم ولا أن يتحدثوا فيها إلى الدول الأجنبية قبل أن يأذن لهم الإنجليز، لا ينبغي أن يذكروا الوطنية ولا الاستقلال. إن الذين يفوضون الإنجليز في معالجة الامتيازات ومشكلاتها، لا يأخذون أنفسهم بهذا ولا يسعون إليه إلا أن يظلهم تأييد الإنجليز أو يسبق إليهم إذن الإنجليز، لا ينبغي لهم أن يذكروا الوطنية ولا الاستقلال. إن الذين يؤثرون الموظفين من الإنجليز على الموظفين من المصريين، إن الذين يقصون أستاذاً من أساتذة الهندسة إلى أسيوط ويضعون مكانه أستاذاً إنجليزياً، إن الذين يقدرون على فصل أستاذ من أساتذة الحقوق المصريين ويعجزون عن إبعاد معلم من معلمي اللغات في هذه الكلية، لأنه أجنبي ولأنه أجنبي ليس غير، لا ينبغي لهم أن يذكروا الوطنية ولا الاستقلال. إن الذين يشقون على مواطنيهم ويستبيحون إذلالهم وإخضاعهم لصنوف العذاب، وأخذهم بالعنف والجور في جباية الضرائب يتقاضونها منهم في أيامها وقبل أن يحين موعدها، لا ينبغي لهم أن يذكروا الوطنية ولا الاستقلال. إنما الذين يستطيعون أن يذكروا الوطنية والاستقلال وهم صادقون، وأن يملأوا بها أفواههم وهم جادون لا هازلون، هم هؤلاء الذين لا يقبلون من الأجانب ضيماً، ولا يرضون من الإنجليز تدخلاً في شؤون الشرطة ولا في شؤون الري، ولا يؤثرون الأجنبي على المصري، ولا يخافون الأجنبي دون المصري، ولا يستبيحون لأنفسهم تعذيب مواطنيهم وإظهارهم للإنجليز في مظهر الضعفاء الأذلاء، ولا يفوضون الإنجليز في حل المشكلات، والكرامة تفرض عليهم والحق يفرض عليهم والاستقلال يفرض عليهم أن يحلوا مشكلاتهم بأنفسهم.
    هؤلاء هم الذين يستطيعون أن يذكروا الوطنية، وأن يدعوا إليها وأن يذكروا الاستقلال ويذودوا عنه وأن يقولوا فيصدقهم الشعب، وأن يدعوا فيستجيب لهم الشعب، وأن يعملوا فيحسب الإنجليز حساباً لما يعملون. ويستطيع الوزاريون أن يلتمسوا هؤلاء الدعاة الصادقين إلى الوطنية والحماة الصادقين للاستقلال في غير دواوين الوزارة، وهم لا يختلفون الآن إلى المكاتب والدواوين.
    . طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/١٠/١٨ .

  • إجرام

    حديث الوادي
    إجرام…
    يظهر أن سفك الدم المصري، لم يصبح مباحاً، للإنجليز الذين تستخدمهم الوزارة فيما تسميه حفظ النظام وقمع المظاهرات، وفض الاجتماعات، وإنما هو مباح أيضاً، لبعض الإنجليز الذين ليست بينهم وبين الوزارة صلة، والذين لا تكفهم الحكومة، حفظ نظام، ولا قمع مظاهرة، ولا تفريق اجتماع ولا إقراراً لأمن، وإنما هم من جنود الجيش المحتل ليس غير. ويظهر أن أموال المصريين لم تصبح مباحة للمجرمين من اللصوص، الذين يعتدون عليها وينهبونها في ضوء النهار أو في ظلمة الليل، ثم تبحث عنهم الشرطة فتظفر بهم أو تعجز عنهم، ولكنهم لصوص مجرمون على كل حال، وإنما أصبحت مباحة لبعض الإنجليز الذين لا يصطنعون التلصص ولا يعيشون من الاعتداء، وإنما يعملون في الجيش المحتل، ويظهر أيضاً أن حرمات المصريين وأمنهم على أجسامهم وعلى متاجرهم وعلى ما في أيديهم، لم تصبح مباحاً للذين يخرجون على القانون، ويخاصمون النظام، وينصبون الحرب للجماعة، ولا للذين يريدون حماية النظام فيسرفون في هذه الحماية، ويتجاوزون النظام تجاوزاً قبيحاً، وإنما أصبحت مباحة لبعض الإنجليز الذين لا ينصبون في هذا البلد حرباً لشعبه ولا لحكومته، ولا يتخذون الخروج على القانون المصري وانتهاك حرمات النظام المصري عقيدة ورأياً وإنما يعملون في الجيش المحتل ليس غير.
    وأنت في أكبر الظن تقرأ هذا الكلام فتدهش له، ولعلك تنكره، ولعلك تسأل نفسك لماذا نكتبه وماذا نريد به ولكنك قد قرأت في الصحف من غير شك ما نشر مرة ومرة ولم يكذبه أحد بعد، من أن جماعة من الجند البريطاني اعتدوا على جماعة من العمال المصريين في ظلمة الليل، فأخذوا ما كان معهم، وعبثوا بهم عبثاً ثقيلاً. ومن أن جماعة آخرين من الجند البريطانيين سكروا حتى أنساهم السكر كل وقار، ثم اشتهوا بطيخاً فهجموا على بعض المتاجر في بعض الأحياء الوطنية يريدون أن يقتحموه لعلهم يجدون فيه ما يشتهون ولم تصرفهم الشرطة عن ذلك إلا في مشقة وجهد.
    وأنت قد قرأت من غير شك نبأ بعض الجند الإنجليز الذين أخذوا غلاماً صبياً فعلقوه في أيديهم من نافذة المترو وهو يسير، والصبى يستغيث، حتى اصطدم بعمود، ثم سقط، فمر عليه القطار، وقطع جسمه الصغير تقطيعاً.
    أنت قرأت هذا كله من غير شك، وما زلت تنتظر كما ننتظر نحن رأي السلطتين المصرية والإنجليزية فيه، وموقف الحكومتين المصرية والإنجليزية منه، ولكنك فيما نظن ترى معنا أن دماء المصريين وأجسامهم وأموالهم وحرماتهم، قد أبيحت فيما يظهر لبعض الجند من جيش الاحتلال، يبسطون عليها أيديهم، وينالونها بما لا ينبغي أن تنال به من الإثم والبغي والعدوان.
    ولست أدري أتنكر هذا أم تطمئن إليه؟ ولست أدري أيثور ضميرك لهذا أم لا يحفل به؟ فقد يظهر أن الضمائر نائمة في هذه الأيام، وأن نومها عميق، يحول بينها وبين الشعور بالأحداث والخطوب، فضلاً عن التأثر بها والاشمئزاز منها، وفضلاً عن هذا الشعور الكريم بالغيرة القومية، إذا اعتدى على دماء المصريين، أو انتهكت حرمات المصريين.
    لست أدري أيثور ضميرك لهذا العدوان أم لا يحفل به، ولكني أعلم أن هناك ضمائر لا ينبغي لها أن تنام، ولا ينبغي لها أن تجمد أو تتبلد، لأن أصحابها مكلفون أن يكونوا إيقاظاً دائماً، وهم يأخذون على هذه اليقظة أجراً، وهم مكلفون ليستيقظوا لننام نحن إن أردنا النوم، وهم الوزراء، فقد نحب أن نعلم كيف تلقى الوزراء هذه الأنباء، وإلى أي حد ثارت ضمائرهم لمصرع هذا الصبي المصري، بأيدي الجند الإنجليز الذين ألقوه تحت عجلات المترو.
    نحب أن نعلم إلى أي حد غضب الوزراء للدم المصري وللكرامة المصرية ولحرمة الوطن المصري، نحب أن نعرف نص المذكرة ذات اللهجة الشديدة التي كتبها وزير الخارجية المصرية وأرسلها إلى دار المندوب السامي يبين فيها أن دماء الصبيان ليست ماء يراق من النوافذ، وأن أجسام المصريين ليست أمتعة مهملة تلقى على الأرض لا لتدوسها الأقدام، بل ليهشمها المترو تهشيماً، وأن كرامة المصريين في حاجة إلى ترضية وأن أسرة هذا الصبي في حاجة إلى تعويض، وأن الدولة البريطانية التي اقترف جندها هذا الإثم خليقة أن ترضي الكرامة المصرية، وخليقة أن تعوض على هذه الأسرة البائسة ما أصابها من قتل ابنها عبثاً ولعباً، بأيدي قوم لا يحفلون بالحياة إلا أن تكون حياة أوروبية، وخليقة أن تظهر للمصريين وللمتحضرين في أقطار الأرض أن الحضارة البريطانية، كغيرها من الحضارات تعاقب الذين يهدرون الدماء ويزهقون النفوس، ويعبثون بحياة الصبيان.
    نحب أن نرى هذه المذكرة التي كتبها وزير الخارجية، فما نشك في أنه قد كتبها لأنه مصري، ولأنه وزير، ولأنه رئيس لمجلس الوزراء، ولأنه مكلف أن يكتب هذه المذكرة وأن لا يرضى حتى تجيبه الحكومة البريطانية إلى ما يريد، وأن يستقيل إذا لم يستطع أن يحمي دماء المصريين وأموالهم، وحرماتهم من عدوان الجند الإنجليزي.
    نعم ونحب أن نعلم رأي الأجانب من الأوروبيين الذين يثورون، ولهم الحق في أن يثوروا، حين يعتدى على أحد منهم في الأقاليم أو في العاصمة والذين يطالبون، وليس لهم الحق في أن يطالبوا بأن تتخذ الوزارة إجراء خاصاً، لحماية الحياة الأوروبية والدم الأوروبي من عدوان المجرمين المصريين لقد قلنا لهؤلاء الأجانب أنا نشاركهم فيما يشقون به من فساد الأمن دون أن نشاركهم فيما يسعدون به من الترف والنعيم، فنحب أن نعلم الآن، رأيهم في هذا الدم المصري البريء الذي يراق جهرة وأمام المصريين والأجانب، وبأيدي قوم ليس من شأنهم أن يريقوا الدماء، وهم جند الإنجليز.
    ثم نحب أن نعلم آخر الأمر رأي الإنجليز أنفسهم في هذه الآثام المتصلة التي يقترفها الجند الإنجليز، أملائمة هي للحضارة أم مخالفة لها؟ لا يزال الإنجليز يعتقدون ويعلنون أنهم قد احتلوا مصر منذ أكثر من نصف قرن ليهذبوها وقد كانت جافية، وليعلموها كيف تحترم الدماء والنفوس والأموال، وكيف تنفر من العدوان وانتهاك الحرمات؟ ألا يزال الإنجليز يعتقدون أنهم إنما يقيمون في مصر كما يقيم المعلمون الذين يدعون إلى الخير، ويرشدون إلى الرحمة والبر؟ ألا يزال الإنجليز يعتقدون أن اتصال هذه الآثام من الجند الإنجليز في أيام السلم والأمن يحقق ما يريدون أو ما يزعمون أنهم يريدون من كسب صداقة المصريين.
    طه حسين
    الوادي، ٢ أكتوبر ١٩٣٤.

  • تفتيش

    حديث الوادي
    تفتيش…
    أما المفتش فهو المندوب السامي البريطاني وأما موضوع التفتيش فهي مصر كلها فيما يظهر، ولا بد لنا من أن نعترف بأن حدثًا جديدًا قد حدث فيما بين مصر وإنجلترا من العلاقات، وليس ضروريًا أن يكون هذا الحدث ظاهرًا، ملموسًا، وإنما يكفي أن تظهر آثاره وتستبين الدلائل عليه، وأن يكون كالكهرباء تبعث الحركة والحر والضياء، ولا تعرف حقيقتها وإنما تعرف ظواهرها حق المعرفة.
    نعم لا بد من أن يكون هناك حدث قد حدث، فيما بين مصر وإنجلترا من العلاقات يبيح للمندوب السامي أن يأتي من الأمر ما لم يكن يأتيه المندوبون السامون من قبل، فيزور حدود الشرق والغرب، ويجول في داخل الأرض ضيفًا على الوزراء، ويكتب إلى الوزارات منكرًا حينًا، ومرشدًا حينًا آخر، ويدعو إليه الوزراء ووكلاء الوزراء، وكبار الموظفين، أفرادًا وجماعات، ثم يبدو له فيفتش أول أمس على ثكنات الشرطة، ويفتش أمس على ثكنات الجيش. ووزراؤنا يعلمون ذلك ويجهلونه، يسمعون به قبل أن يكون، أو يقرأونه في الصحف كما تقرؤه أنت وكما أقرؤه أنا، ووزراؤنا يرضون عن ذلك أو يسخطون. فما نفع الرضى والسخط إذا لم يغيرا من الحقائق الواقعة شيئًا، ولم يستطيعا أن يدفعا المندوب السامي إلى أن يأتي من الأمر ما لا يريد، أو يرده المندوب السامي عن أن يأتي من الأمر ما يريد؟
    المندوب السامي رجل عظيم يمثل دولة عظيمة ويؤيده في هذا التمثيل جيش عظيم، ويعينه على هذا التمثيل موظفون عظماء من مواطنيه، قد انبثوا في المصالح والدواوين، وهو يمثل هذه العظمة كلها في بلد ضعيف يريد أهله أن يكون عظيمًا، ويستكثر سادته عليه العظمة، فيأبون عليه إلا أن يكون متواضعًا، قانعًا بما أراد الله له من ضآلة الشأن وسوء الحال. فإذا ذهب المندوب السامي ليفتش على حدود الشرق سكت الوزراء، ومن يدري؟ لعلهم يلقونه فيسألونه عن حال هذه الحدود، ويعلمون منه ما كانوا يجهلون. وإذا ذهب للتفتيش على حدود الغرب سكت الوزراء، أو ذكروا أن هذه الحدود تستحق الزيارة فسافروا إليها، وأقاموا فيها يومًا وبعض يوم، ثم عادوا وهم يعلمون من أمر هذه الحدود بعض ما كانوا يجهلون، وقليلًا جدًا من هذا الكثير الذي علمه المندوب السامي حين ذهب لهذا التفتيش.
    وإذا أراد المندوب السامي أن يتغلغل في أعماق مصر، وأن يرى المصريين وهم يعملون في الحقول وأن يتحدث إليهم ويسمع منهم وهم يحملون أثقال الحياة، ويشقون بآلامها دعاه بعض الوزراء إلى مأدبة غداء وهيأ له ما يشاء وما لا يشاء، وضاق زملاؤه بهذه الدعوة بعض الضيق، ولكنهم يكتمون ذلك في نفوسهم ولا يجمجمون بالأسرار ومن وراء حجاب صفيق، ثم تستقر الأمور فيستقيم مجرى الريح بالوزارة وسفينة الوزارة، والمندوب السامي يذهب شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا ويسأل عما لا ينبغي له أن يسأل عنه، ويدخل فيما لا ينبغي له أن يدخل فيه. ثم يدنو يوم الرحيل وما ينبغي للمندوب السامي أن يرحل عن مصر وهو لم يستوثق من كل شيءٍ، وهو لم يستوثق من أن جيشها وشرطتها قادران على حفظ النظام في الداخل بعد أن استوثق من أن حدودها في الشرق والغرب قادرة على دفع الهجوم من الخارج. فلا بد له إذن من أن يلم بشيءٍ من أمر الجيش، ومن أن يلم بشيءٍ من أمر الشرطة، فهو يزور ثكنات الشرطة يوم الثلاثاء، وثكنات الجيش يوم الأربعاء. ومن يدري ماذا يزور يوم الخميس قبل أن يسافر يوم الجمعة، فالرجل يريد أن يسافر مطمئنًا على أن الأحداث لن تلم بمصر من قريب أو بعيد أثناء غيابه عنها!
    والغريب أن يزور المندوب السامي ثكنات الشرطة فلا يستقبله هناك رئيس مصري، وإنما يستقبله إنجليزيان أحدهما يدير الأمن العام الأوروبي وما نحسب أن له بحكم هذه الإدارة إشرافًا على الشرطة قليلًا أو كثيرًا، والآخر يدير أمور الشرطة في الإسكندرية وهو الحكمدار. أما وزير الداخلية ووكيلها أو وكيلاها ومدير الأمن العام المصري فمشغولون يبسطون الإجراءات في وزارة الداخلية من ناحية وينظمون الاستحمام والتعرض للشمس والهواء على ساحل البحر من ناحية أخرى.
    ثم يزور المندوب السامي ثكنات الجيش فلا يلقاه هناك وزير الحربية لأن وزير الحرب أرقى وأكبر من أن يلقى ممثلًا أجنبيًا في ثكنات الجيش ولو قد فعل لاعترف بحق المندوب السامي في زيارة الجيش. ومن الكياسة ما يقضي على الوزراء من أن يغضوا العيون، ويدع الأمور تجري كأنهم لم يعلموا بها، وقد يكون هذا من أضعف الإيمان، ولكنه إيمان على كل حال. فقد زار المندوب ثكنة من ثكنات الجيش، ولكنها زيارة غير رسمية لم يشهدها الوزير، ولعله لم يعلم بها، فالحقوق محفوظة والرؤوس مرفوعة والاستقلال لا بأس عليه.
    على أن هناك سؤالين، أو أسئلة نلقيها ولا ننتظر عليها جوابًا، فالوزارة أكبر من أن تجيب قومًا أمثالنا من المصريين الذين يدخلون فيما لا يعنيهم، ويسألون عما ينبغي أن يجهلوا.
    وأول هذه الأسئلة يمس علم الوزارة بهذه الزيارات: أكان سابقًا لها أم لاحقًا؟ أأذنت بها أم علمت أمرها بعد أن تمت؟ وما رأيها في هذه الزيارات؟ أملائمة هي للاستقلال أم غير ملائمة؟ أم هناك سر يجهله، ويتحدث به بعض المتحدثين، ولا نريد نحن أن نردد صدى هذه الأحاديث؟
    وسؤال آخر: أيستطيع وزير الحرب عندنا أن يزور الثكنات والمعسكرات التي يرابط فيها جيش الاحتلال، مع أنها قائمة على أرض مصر، ومع أن السيادة المصرية يجب أن تكون مبسوطة عليها؟
    وسؤال ثالث: أتغيّرَ منصب المندوب السامي في مصر، فأصبح «بروقنصلًا» كما كان يقول الرومان.. أو حاكمًا لمصر من قبل إنجلترا إن أردت الترجمة العربية لهذا اللفظ الغريب؟ وإذن فأين الوثيقة الرسمية التي تثبت له هذا المنصب الجديد وعمن صدرت ومتى صدرت؟ وإلى من صدرت؟ أم هو لا يزال مندوبًا ساميًا كغيره من المندوبين الذين عرفتهم مصر منذ أعلن الاستقلال؟ وإذن فمن أين جاءه هذا السلطان الواسع، والجاه العريض؟ جاءه من ضعف الوزراء، ومن إشفاقهم أن ينكروا عليه شيئًا يأتيه أو أمرًا يفكر فيه. فتحدث بينه وبينهم أزمة لا يعلم عواقبها إلا الله.
    أسئلة نلقيها لا على الوزراء فلن يجيبوا، ولا على الإنجليز فلن يجيبوا ولكن على المصريين الذين ما يزالون يعتقدون أنهم أحرار في بلادهم، وأنهم يطلبون الاستقلال، وأنهم قد ظفروا ببعض الحق، وما يزالون يطلبون بعضه الآخر. فهؤلاء المصريون سيقرأون هذه الأسئلة وسيجيبون عليها لأنفسهم، وسيعلمون إلى أين سارت أمورهم، وإلى أين يدفعون؟ وماذا بقي لهم من الاستقلال الذي أراقوا في سبيله الدماء واحتملوا في سبيله الكوارث، وضحوا في سبيله بكل عزيز.
    طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/٨/١٦.