في مجلس الأمن
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
٢٠ يناير ١٩٤٦
ما زال التمثيل مستمرًّا في لندرة: خُطَبٌ تُلقى، وأيدٍ تصفِّق، وأفواهٌ تندفع بالهتاف، وآمالٌ تُعقد هنا وهناك، ويأسٌ يشيع هنا وهناك أيضًا، ولجانٌ تُنتخب في سهولة ويسر مرة، وفي مشقة وعنف مرة أخرى، وتنافس حول عضوية هذه اللجان، وشعوبٌ من وراء هذا كله تقرأ وتسمع، فيجدُّ بعضها، ويمزحُ بعضها الآخر، وتمضي سياسة العالم بين هذا كله متعثرة متجشمة ألوان المصاعب والخطوب.
وقد انتُخب مجلس الأمن فيما انتخب من المجالس واللجان، وأُتيح لمصر أن تُنتخب في هذا المجلس، فابتهج قومٌ منا عن ثقة وأمل، وسخر قومٌ منا عن قنوط ويأس، وتردد قومٌ منا بين السخط والرضا، وبين اليأس والرجاء. فقد يسرُّ المصريين أن تظفر مصر بثقة جماعة ضخمة من الدول، وأن يجلس ممثلوها في مجلس الأمن حين ينعقد لأول مرة، وأن يتخذ هؤلاء الممثلون مجالسهم بين الذين يمثلون الدول الكبرى الثلاث، وبين الذين يمثلون الدول الكبرى الخمس، وهي في ذلك الوقت قد ظفرت بما لم تظفر به دول أخرى لها من الاستقلال والبأس والمهابة ما ليس لمصر. فمما يتملق الشعور الوطني، ويداعب العزة القومية، أن تُختار مصر لمجلس الأمن في أول انتخاب لهذا المجلس، وأن تحل مصر بين الدول هذا المحل الرفيع.
كل هذا حق، ولكن أكلُّ هذا خير؟! هذه هي المسألة التي يجب أن تُلقى، والتي يجب أن يُجاب عليها. وبمقدار ما يكون الجواب عليها ملائمًا للحق الواقع العملي، لا لهذا الحق المتخيل النظري، يصح أن يبتهج المصريون وأن يبتئسوا، وأن يرضوا أو أن يسخطوا.
وما أظن القارئ ينتظر مني أن أكون بين الراضين المبتهجين، فهو يعرف رأيي في جماعة الأمم المتحدة وفي مجلس الأمن، وهو يعرف رأيي في إقبال مصر على المشاركة في الجماعة وفي مجلسها. فالترفُ شيءٌ مرغوب فيه، ولكن بعد أن تتحقق الأشياء التي لا بدَّ منها ولا استغناء عنها. وجماعة الأمم ترف ما في ذلك شك، ومجلس الأمن ترف ما في ذلك شك أيضًا. جماعة الأمم ترف بالقياس إلينا وإلى أمثالنا؛ لأن أمرها في المسائل الخطيرة جدًّا إلى الدول المنتصرة الثلاث، ولأن أمرها في المسائل ذات الخطر المعتدل أو القليل إلى الدول الخمس الكبرى. فأمَّا نحن وأمثالنا فأعضاء في هذه الجماعة لنتم العدد، ولنؤيد هذا المنتصر أو ذاك.
ومجلس الأمن ترفٌ من غير شك؛ لأن أمره إلى المنتصرين الثلاثة أو إلى المنتصرين الخمسة، ونحن وأمثالنا أعضاءٌ فيه لنتم العدد، ولنؤيد هذا المنتصر أو ذاك.
وربما كان مركزنا في مجلس الأمن أدنى إلى الترف من مركزنا في جماعة الأمم المتحدة؛ فنحن لن نصنع في مجلس الأمن شيئًا ذا خطر، ولن نستطيع أن نصنع فيه شيئًا ذا خطر؛ لأن قرارات مجلس الأمن في المسائل الخطيرة حقًّا لا تنفذ إلَّا بما أجمعت عليه الدول الخمس الكبرى، فقد ننضم — وينضم غيرنا معنا — إلى أربع من هذه الدول الخمس، ويظل قرار الدول العشر معطلًا؛ لأن الدولة الحادية عشرة قالت: لا!
وإذا استطاعت دولة عظيمة أن تعطل ما اتفقت عليه الدول الأربع الكبرى، فكيف بنا حين نتفق مع هذه الدول أو حين نختلف، إنما نحن وأمثالنا تكملة للعدد لا أكثر ولا أقل … نستغفر اللَّه، بل قد نكون نحن وأمثالنا أقل من تكملة العدد، فاشتراكنا في مجلس الأمن كاشتراكنا في جماعة الأمم المتحدة، يفرض علينا من الواجبات أكثر مما يعطينا من الحقوق.
سيشهد ممثلنا مجلس الأمن، وقد يقرر مجلس الأمن شيئًا لا يلائم مصالحنا، وقد ينكر ممثلنا هذا القرار، وقد يحتجُّ عليه، ولكننا سنلتزمه، ونذعن له؛ لأننا مشتركون في مجلس الأمن، وفي جماعة الأمم المتحدة، وأيسر ما يقتضيه هذا الاشتراك أن نذعن لما تصدره الهيئات من قرارات.
وقد يُقال: إن ابتعادنا عن هاتين الهيئتين لا يعفينا من الإذعان لقراراتهما. ولكنْ فرقٌ كبيرٌ بين أن تذعن عن رضًا واختيار، وأن تذعن لأنك لا تجد من الإذعان بدًّا.
لا ينبغي أن ينتظر القارئ مني إذن أن أكون من المبتهجين بانتخابنا في مجلس الأمن، فقد كنت خليقًا أن أبتهج باشتراكنا في جماعة الأمم المتحدة وانتخابنا في مجلس الأمن لو أننا حققنا استقلالنا كاملًا موفورًا قبل ذلك. فاشتراكنا في الهيئتين على أننا أمة مستقلة كاملة الاستقلال، ليس بينها وبين هذا المنتصر أو ذاك ما بيننا وبين أصدقائنا الإنجليز من الاختلاف.
إذن، كان من الطبيعي أن نبتهج باشتراكنا في هذه الجماعة؛ لأن العزلة في الحياة السياسية شيءٌ بغيض، وكان من الطبيعي أن نبتهج بانتخابنا في مجلس الأمن؛ لأن الذين يظفرون بحاجاتهم الضرورية يستطيعون أن يطلبوا شيئًا من الترف، وأن ينعموا به إن أُتيح لهم، فأمَّا ألَّا نكون أحرارًا في بلادنا كما نحب أن نكون أحرارًا، وأن نشارك في تقرير الحرية لغيرنا من الأمم فأمرٌ لا يخلو من فكاهة، وقد جاء في الأثر: ابدأ بنفسك ثم بمن تعول.
وأمَّا أن تكون أرض وطننا محتلة قد استقر فيها الأجنبي، وأن نؤيد بعد ذلك — أو مع ذلك — الدول التي تطالب بجلاء الأجنبي عن أرضها، فأمرٌ لا يخلو من فكاهة مرة، فقد ينبغي أن نجلي أصدقائنا الإنجليز عن أرض مصر أولًا، وأن نؤيد بعد ذلك الدول الأخرى حين تطالب بجلاء الإنجليز أو غير الإنجليز عن أوطانها. ومن الحق أن مركز الممثل المصري في مجلس الأمن سيكون مؤلمًا إلَّا إذا كانت نفسه تحسن الانخداع بالظواهر والإغضاء عن الحقائق.
سيجتمع مجلس الأمن اليوم — الخميس — ويقال: إن المشكلة الإيرانية قد تُعرض عليه، وربما عرضت عليه أيضًا مشكلة سوريا ولبنان. والمشكلة الإيرانية تطالب بجلاء الروسيين عن شمال إيران، وقد يقتضي ذلك جلاء البريطانيين عن جنوب إيران، وستجرى المناقشات في هذا الجلاء الروسي، وقد يتكلم ممثل مصر مؤيدًا إيران فيما تطالب من الجلاء، وقد لا يتكلم، فإن آثر السكوت خذل إيران، ومن الحق عليه أن ينصرها، وإن تكلم كان لممثل روسيا أن يسأله: وما شأن الاحتلال البريطاني للوطن المصري؟! أو ما رأيك فيه؟! وما لك لا تتعجل الجلاء عن مصر، كما تتعجل الجلاء عن إيران؟ قد يقول الممثل المصري: فإني أتعجل الجلاء البريطاني عن مصر، وقد أرسلت حكومتي في ذلك مذكرة إلى وزارة الخارجية البريطانية. وحينئذٍ يجيبه الرفيق الروسي باسمًا: فإن إيران أيضًا قد تعجلت جلاءنا عن أرضها وأرسلت إلينا مذكرة، فليكن مصير المذكرتين واحدًا أو متشابهًا، ولنجلو عن إيران حين يجلو حلفاؤكم عن أرض مصر.
وسيكون موقف الممثل المصري من المشكلة السورية اللبنانية — إن عرضت على مجلس الأمن — كموقفه من المشكلة الإيرانية: لن يستطيع أن يسكت، فالإخاء بيننا وبين سوريا ولبنان يفرض عليه أن يتكلم، وإذا تكلم فسيجيبه وزير الخارجية الفرنسية بمثل ما يجيبه به وكيل الخارجية الروسية. الأمر سواء؛ لأن المحتل ينبغي أن يظفر بالجلاء عن وطنه أولًا، وأن يعين بعد ذلك على الجلاء عن وطن حلفائه وأصدقائه.
وسواء تكلم الممثل المصري أم لم يتكلم في هذه المشكلة أو تلك، فالنتيجة واحدة؛ وهي أن كلامه لن يقدم ولن يؤخر، وإنما الشيء الوحيد الذي يمكن أن يقدم أو يؤخر هو اتفاق الدول الخمس الكبرى أو اختلافها. فإن اتفقت هذه الدول على جلاء الجيوش الأجنبية عن إيران، فسيجلوا الروس عن الشمال والبريطانيون عن الجنوب. وإن لم تتفق هذه الدول بقي الروس حيث هم، وأقام البريطانيون حيث يقيمون، إلَّا أن تُثار الحرب لإجلاء أولئك أو هؤلاء أو لإجلاء أولئك وهؤلاء جميعًا.
ومجلس الأمن قد أنشئ — فيما يُقال — ليمنع الحرب أولًا، وليمنع الظلم ثانيًا، ولن يستطيع أن يمنع الظلم ما دام حق الاعتراض قائمًا، ولن يستطيع أن يمنع الحرب ما دام عاجزًا عن منع الظلم. وإذن، فمجلس الأمن شيءٌ عجيبٌ حقًّا، وفيه كثير من النفع، ولكن للأمم الكبرى لا للأمم الصغيرة.
تستطيع الأمم الصغيرة أن تلجأ إليه، ويستطيع ممثلوها أن يرفهوا على أنفسهم ويفرجوا ما يلم بهم من المكروه، ثم يقف الأمر عند هذا الحد، ويمضي أمر الدول الكبرى كما يريد الكبار لا كما يريد الصغار.
ومثل هذا يُقال بالقياس إلى جماعة الأمم المتحدة حين تعرض لشئون السياسة؛ ولذلك قرأت وسأقرأ ما يُقال من عرض هذه المشكلة أو تلك على هذه الهيئة أو تلك، دون أن أنتظر لهذه المشكلات حلًّا إلَّا أن يتفق الكبار الثلاثة أو الكبار الخمسة. فأمَّا ما دون ذلك فلن يقدم ولن يؤخر إلَّا في نشر الدعوة وفي الإعلان. ومن يدري؟ لعل نشر الدعوة والإعلان أن يكون من الأغراض الخطيرة التي تشترك من أجلها الدول في جماعة الأمم المتحدة وفي مجلس الأمن.
وهناك سؤالٌ يخطر لي، ولا أكاد أعلنه إلَّا في كثيرٍ جدًّا من التردد، وهو: أليس بيننا وبين أصدقائنا البريطانيين خلاف؟ فإن كان الجواب بلى، فلمَ لا يعرض هذا الخلاف على هيئة الأمم المتحدة، وعلى مجلس الأمن كما تعرض المشكلة الإيرانية والمشكلة السورية واللبنانية؟ وإذا لم يكن هناك خلافٌ بيننا وبين حلفائنا البريطانيين، فلمَ نرهق حكومتنا بذكر الحقوق الوطنية، ولم ترسل حكومتنا مذكرة إلى وزارة الخارجية البريطانية؟!
صدِّقني أيها القارئ! إن الحوادث لم تكذِّب بعد أبا الطيب حين قال:
وكم ذا بمصر من المضحكات
وصدِّقني أيضًا إن من الخير أن نضحك نحن من أنفسنا قبل أن يضحك منَّا الناس.
في مجلس الأمن
Share:
Leave a Reply