مؤامرتان
طه حسين
جريدة الجمهورية
٢٣ نوفمبر ١٩٥٦
إحداهما تزداد ثباتًا واستقرارًا في القلوب وانتشارًا في أقطار الأرض وتغلغلًا في ضمائر الطبقات المختلفة من الناس على تباعدهم وتباينهم، لا تمضي لحظة أو دقيقة أو ساعة من ليل أو نهار إلا ازداد إيمان العالم لها واقتناعه بها وسخطه على أصحابها، والأخرى لم يكد يتحدث بها الذين اخترعوها وحاولوا أن يُضللوا بها الناس حتى ضحك منها الضاحكون وعبث بها العابثون وتنكَّر لها الذين يفقهون حقائق الأشياء ويفهمون حياة الشعوب، وما ينشأ عن هذه الحياة من آثار في الأقوال والأعمال جميعًا.
فأما الأولى فهي التي لا يشك فيها إنسان الآن وهي التي جرها البريطانيون والفرنسيون مع لعبتهم إسرائيل؛ ليأخذوا الجيش المصري بين نارين يحصروه بين شقي الرحى، ويهاجموه من أمام ومن وراء ويعرفوه من الشعب المصري مره به ليحكموا بعد ذلك في شئون هذا الشعب ونظم الحكم فيه، ليس بين الناس من يشك في هذه المؤامرة، وليس بينهم من يجادل في أنها دُبرت بليل أو نهار أو دُبرت في الليل والنهار جميعًا، وأن الذين دبروها وأتقنوا تدبيرها وبدأوا في تنفيذها لم يحسوا في قلوبهم ولا في ضمائرهم ولا في سرائر نفوسهم خزيًا أو شيئًا يشبه الخزي؛ لأن قلوبهم وضمائرهم ونفوسهم قد جمدت وقست، أصبحت لا تحس خزيًا ولا تعرف حياء ولا تتحرج من إثم مهما يكن بشعًا منكرًا، وهم لم يكتفوا بتدبير هذه المؤامرة والأخذ في تنفيذها وإنما أضافوا إليها تضليل دعاتهم الأمريكيين وأصدقائهم من الأوروبيين، ثم لم يكتفوا بالتضليل والتغرير وإنما أضافوا إليهما إثمًا آخر هو السرقة والاختلاس؛ فقد سرقوا أسلحة هذا الحلف الذي شاركوا فيه وهو حلف الأطلنطي، سرقوا هذه الأسلحة فأهدوا بعضها إلى إسرائيل واصطنعوا بعضها الآخر في تنفيذ مؤامراتهم تلك، خانوا أمانة حلفائهم وأصدقائهم من جهة وخانوا تصريحهم الذي شاركوا فيه الأمريكيين منذ أعوام وتعهدوا فيه بالمحافظة على السلام في هذا الجزء من الشرق العربي، وخانوا العهد الذي قطعوه على أنفسهم لمصر نفسها حين اتفقوا معها على الجلاء عن قناة السويس.
أجرموا إذن في غاية هذه المؤامرة بما اقترفوا من غدر أضاع السلم، وأجرموا في وسائلها بما اقترفوا من سرقة حلفائهم وأصدقائهم، وبما أثبتوا لأصدقائهم وأعدائهم جميعًا إنهم لا يرعون عهدًا ولا ذمة، ولا يحفظون أمانة، ولا يَفون بوعد قدموه، ولا يبرون بقسم أقسموه، وإنما يبيعون قلوبهم وضمائرهم وينكثون عهودهم وإيمانهم ويضيعون أمانتهم وودائعهم ويهدرون الحق والحياء والعدل وقيم الحضارة كلها في سبيل ما يتوهمون أنه يجلب لهم نفعًا أو يبسط لهم سلطانًا، كل هذا لا يجادل فيه أحد ولا يشك فيه ساسة الشرق والغرب جميعًا، وهم لم يكتفوا بهذا كله وإنما يتسترون على آثامهم ويتورطون في الكذب إلى آذانهم، فيزعمون مرة أنهم طاروا لنصرة إسرائيل حين علموا أن مصر تريد أن تُغير عليها، وحين علموا أن الدول العربية كلها تأتمر بها، يقولون ذلك جهرة في غير تحفظ ولا حياء، مع أن العالم كله يعرف أن إسرائيل قد عدت على الأردن فلم يزد الأردن على أن رد العدوان، ولم يتحرك جيش مصر ولا جيش سوريا للهجوم على إسرائيل لعقابها وتأديبها؛ وإنما سلك العرب طريقهم إلى مجلس الأمن وهيئة الأمم حتى لا يُتهموا بالعدوان أو بمحاولة العدوان.
ولم تخدع هذه الكذبة أحدًا؛ فاخترعوا كذبة أخرى، لم يكادوا يسوِّقونها حتى استقبلها العالم بالضحك والسخرية؛ وهى المؤامرة الثانية التي أشرت إليها في أول هذا الحديث، فقد زعموا أنهم علموا أن مصر تأتمر بالعالم الحر كله مع روسيا السوفييتية، فضحوا بأموالهم ورجالهم وبأموال المصريين ودمائهم أيضًا؛ ليفسدوا هذه المؤامرة ويحبطوا هذا التدبير، ويحفظوا الشرق العربي من صولة السلطان الروسي، ويحموا العالم الآخر كله من هذا الشر العظيم، الذي كان يوشك أن يلم به، ويجعل روسيا السوفييتية مسيطرة على شرق البحر الأبيض المتوسط متحكمة في قناة السويس سائرة بما فيه، مهددة لأوروبا الغربية أخطر التهديد، وكانت هذه الكذبة البريطانية التى تلقفها الفرنسيون فرحين بها مبتهجين بها ظاهرة السخف بيِّنة البطلان، يدل على سخفها وبطلانها كل شيء يدل عليهما. قبل كل شيء إن مصر حين صُب عليها العدوان الآثم صبًّا لجأت أول ما لجأت إلى هيئة الأمم المتحدة، واستصرخت العالم المتحضر كله لنصرة السلام ومعونتها على رد العدوان، لم تختص بهذا الاستصراخ دولة دون دولة ولا شعبًا دون شعب؛ وإنما وجهته إلى الأمم المتحضرة في أقطار الأرض كلها.
ويدل على هذا السخف وبطلان هذه الكذبة ثانيًا أن الاتحاد السوفييتي نفسه حين أنذر المعتدين الآثمين قد أخطر الولايات المتحدة الأمريكية، ودعاها في صراحة إلى أن تشاركه في كف العدوان، ثم لم يصنع شيئًا أكثر من هذا، لم يرسل إلى مصر جندًا ولا أسلحة ولا متطوعين، ويدل على سخف هذه الكذبة وبطلانها ثالثًا أن الوزراء البريطانيين أنفسهم لم يستطيعوا أن يؤيدوا هذه الكذبة في مجلس العموم البريطانى حين طلب إليهم النواب ذلك؛ وإنما تهافوا وتخذلوا ولجلجوا، وقال قائلهم في تهالك إن أنباء التآمر بين مصر وروسيا لم تتأيد. وأي غرابة بعد ذلك في أن تنقل هذه الآثام الكثيرة والأكاذيب المبهظة على رئيس الوزراء البريطانيين فتنهار قواه وتنحل أعصابه ويأمره الأطباء بالراحة، ويفر بما بقي له من قوة إلى مكان بعيد جدًّا من بريطانيا؛ ليسترد بعض قوته ويشد أعصابه شيئًا، وأي غرابة بعد ذلك في أن يعتزل شئون الحكم اعتزالًا موقوتًا أو دائمًا ويلجأ إلى مكان سحيق يستريح فيه من الآثام والأكاذيب التي لم تغش عنه وعن أصحابه شيئًا.
مؤامرتان نُشر حديثهما في أقطار الأرض؛ فأما أولاهما وهي مؤامرة بريطانيا وفرنسا وصنيعتيهما إسرائيل فقد صدقها العالم وأسرع إلى تأييد مصر بما قررت هيئة الأمم المتحدة، وبهذا التأييد الشامل الذي يأتيها من كل مكان حتى من بلاد الإنجليز والفرنسيين أنفسهم.
وأما المؤامرة الثانية التي زعمها الإنجليز؛ فلم تكد تُذاع حتى كذَّبها العالم كله، وكذبها وزراء الإنجليز أنفسهم، وقالت الصحف الإنجليزية دع هذا السخف وأنبئنا عن ائتمارك مع فرنسا وإسرائيل بمصر، وطالبت وما زالت تطالب ويطالب معها النواب بالتحقيق لإثبات المؤامرة البريطانية الفرنسية الإسرائيلية، ومعاقبة الذين شاركوا فيها من وزراء الإنجليز، وصُرع لها رئيس الوزارة البريطانية مريضًا أو متمارضًا ونفى لها نفسه من وطنه إلى أجَل قد يقصر أو قد يطول، ووقف رئيس الجمهورية المصرية يعلن في صراحة وقوة قوية أن مصر لا تعبث ولا تريد أن تعبث باستقلالها، ولا تريد أن تكون صنيعة لدولة من الدول شرقية كانت أو غربية، ولا تريد أن تتبع هذه الكتلة أو تلك، ولا تريد إلا أن يكون استقلالها صريحًا صحيحًا، لا يذعن لقوة في الشرق ولا في الغرب، وشتان بين رئيس وزارة يأثم ويأتمر ويعتدي ويكذب ثم ينقلب عليه هذا كله فينهار، ورئيس جمهورية يصدق ويثبت ويمضي في طريق مستقيمة إلى الدفاع عن الحق والعدل واستقلال وطنه، وصدق الله ( وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ).
Tag: United Nations
-
مؤامرتان
-
سراب
سراب
بقلم الدكتور طه حسين
لم أؤمن قط بهيئة الأمم المتحدة التي أنشئت في أعقاب الحرب العالمية الثانية وأحيطت بألوان لا تحصى من إعلان الأقوياء وأوهام الضعفاء، وآمال الذين يحبون المثل العليا ويتمنون أن يتحقق العدل في الأرض ويشيع بين الناس فيأمن الخائف، ويطمئن القلق، وتستقر القلوب بين الجوانح.
لم أؤمن قط بهذه الهيئة لأن هيئة أخرى شبيهة لها قامت في أعقاب الحرب العالمية الأولى فلم تكف معتديًا ولم تقمع باغيًا، ولم تقر أمنًا ولم تشع عدلًا ولم تزد على أن أنفقت مالًا كثيرًا وملأت الأرض كلامًا وأوهامًا، وأغرت الضعفاء بأن يطمئنوا إلى ضعفهم والأقوياء بأن يتزيدوا من قوتهم.
ومن قبل إنشاء تلك الهيئة الأولى أعلن الرئيس ولسن مبادئه تلك الخطيرة لتكون أساسًا للسلم، فلم تمض شهور وأسابيع على إعلان تلك المبادئ التي ابتهجت لها الشعوب الضعيفة وابتسمت لها الدول القوية حتى كان الرئيس ولسن نفسه أشد الناس إسراعًا إلى الاعتراف بالحماية البريطانية على مصر.
ومن قبل إنشاء هذه الهيئة الثانية أذيع ميثاق الأطلنطي فابتهجت له الشعوب الضعيفة وابتسمت له الدول القوية وكان رئيس الوزارة البريطانية القائمة أسرع الناس إلى إمضائه. كما كان أسرع الناس إلى نقضه ونكث ما أعطى على نفسه من عهد حين فعل فعلته تلك في بلاد اليونان التي كانت حليفته في الحرب، والتي اصطلت النار الألمانية، ثم لم تلبث أن اصطلت النار الإنجليزية أيضًا.
لم أؤمن بشيء من هذا كله لأن حياة الناس قد علمتنا أن وعود الأقوياء صائرة إلى الإخلاف وأن أقوالهم إن وصفت بشيء فإنما توصف بالتمويه وبأنها ذات وجهين في أحدهما الرحمة وفي الآخر صنوف العذاب. وهم يبرعون في بذل الوعود كما يبرعون في إخلافها ويمتازون في إعطاء العهود كما يمتازون في نقضها، تغرهم القوة حتى يصبحوا أضعف من أشد الناس ضعفًا، وأهون من أعظم الناس هوانًا.
كذلك تملق الإنجليز الشعوب الضعيفة إلى أقصى غايات التملق حين احتاجوا إليها أثناء الحرب، فلما أتيح لهم النصر تنمروا وتنكروا وأسرفوا في البغي والطغيان وسئل رئيس الوزارة البريطانية ونستون تشرشل في مجلس العموم أثناء بطشه باليونان عن تلك المثل العليا التي أعلنها في ميثاق الأطلنطي فقال: تلك أشياء نتمناها، وندعو إليها، ولكن الطريق إلى تحقيقها طويلة شديدة الطول.
وما كرهت شيئًا كما كرهت إسراع مصر إلى الاشتراك في هيئة الأمم المتحدة هذه وتوقيع ميثاقها قبل أن تظفر بحقوقها كاملة من الإنجليز وما شككت في شيء قط كما شككت في مجلس الأمن هذا الذي لا يؤمن أحدًا ولا يرد إلى أحد حقًا ولا ينصف مظلومًا من ظالم ولا يصد معتديًا عن عدوان والذي سميته غير مرة مجلس الخوف. ذلك أن القوة لا ترهب إلا القوة وأن البأس لا يخاف إلا البأس وأن الحديد لا يفله إلا الحديد. ولم نر قط قويًا أعطى الحق لأنه آمن بالحق ولا أقر العدل لأنه آمن بأن العدل يجب أن يملأ الأرض. وإنما الأقوياء بين اثنتين دائمًا، فهم يبطشون إن أتيح لهم البطش ويمكرون إن لم يجدوا إلى البطش سبيلًا.
وهذه هيئة الأمم قائمة تجتمع في كل عام مرة أو مرتين وتكلف الدول ما تكلفها من الجهد والمال. وهذا مجلس الأمن يجتمع في كل شهر ويكلف الدول ما يكلفها من المشقة ويحملها ما يحملها من العناء ولم نر خائفًا آمن ولا باغيًا كف عن بغيه، ولا مظلومًا أتيح له الإنصاف، ولا ظالمًا آثر العدل والقصد.
وإنما تجري أمور الاستعمار في ظلهما كما تعودت أن تجري لم يتغير منها شيء. شعوب تستذل وتستغل في غير رفق ولا لين وفي غير مقاومة منها أو امتناع لا تقاوم ولا تمتنع لأنها لم تجد بعد سبيلًا إلى شيء من ذلك، ولا يخطر للمستذلين المستغلين أن يرفقوا بها أو يرحموها لأنهم لا يخافون بأسها ولا يخشون منها مكروهًا. وشعوب أخرى تكافح وتنافح وتدعو فلا تجاب، وتقول فلا يسمع لها سامع من هيئة الأمم ولا من مجلس الأمن فتضطر إلى أن تكظم غيظها وتضبط نفسها وتمضي في جهادها صابرة مصابرة حتى يحكم الله بينها وبين الظالمين، والله خير الحاكمين.
وأروع من هذا كله وأبرع أن ترفع أمور الشعوب المظلومة إلى هيئة الأمم أو مجلس الأمن فيقال فيها الكلام الكثير، وتبذل في الدفاع عنها الجهود التي لا تحصى، وتوضع أيدي هيئة الأمم ومجلس الأمن على مظالم الاستعمار وجرائمه في مراكش وتونس وفلسطين وما شاء الله من أقطار الأرض التي يقع فيها الظلم المنكر في كل لحظة من لحظات الليل والنهار. ويهتم العالم لهذا الكلام الذي يقال، والجهود التي تبذل، وينتظر العالم هذا القرار الذي ستصدره الهيئة أو المجلس، والذي ينصف المظلوم ويردع الظالم ويفتح للناس أبواب الأمل في حياة راضية آمنة.
ثم يتمخض الجبل فلا يلد حتى الفأر وإنما يلد هواء إن صح أن يولد الهواء. هذه الدماء التي تسفك وهذه النفوس التي تزهق وهذه الحقوق التي تهدر، وهذه الحرمات التي تنتهك، وهذه الشعوب التي تصبح وتمسي في شقاء وعناء وبؤس وضنك وحرمان. كل ذلك لا خطر له ولا ينبغي أن يكون له خطر. وإنما الشيء الوحيد الذي يجب أن يكون له الخطر كل الخطر وأن تحرص عليه هيئة الأمم المتحدة أشد الحرص، وتضحي في سبيله بالحق والعدل وبالنفوس والدماء، وبآمال الشعوب ومثلها العليا هو أن يظل اتفاق الدول المستعمرة قائمًا لا يصل إليه الوهن ولا يجد الخلاف إليه سبيلًا.
فلتبطش فرنسا إذن بمن تريد أن تبطش بهم من الشعوب ولتطغى بريطانيا العظمى على من تريد أن تطغى عليهم من الناس، فليس المهم أن يصد هذا البطش أو يرد هذا الطغيان أو تمحى آثارهما، وإنما المهم أن تظل الدولتان على شيء من الاتفاق تطلق يد كل منهما فيما تريد، وفيمن تريد أن تسند إحداهما الأخرى وتسندهما جميعًا الولايات المتحدة الأمريكية ما دام هذا الاتفاق على الإثم والعدوان قد يمكن من مقاومة تلك الكتلة الأخرى من الدول التي لا توافقها في المذهب ولا في الرأي، ولا في تدبير شؤون المال.
الأمر كله يدور على المنفعة وعلى منفعة الأقوياء دون الضعفاء، ومنفعة الأقوياء في أن يقاوموا عدوهم الأكبر، فأما أعداؤهم الصغار، فما ينبغي أن يقام لهم وزن أو يلقى إليهم بال.
كذلك يفكر المستعمرون، وكذلك يسيرون تهمهم أنفسهم ومنافعهم قبل كل شيء، وبعد كل شيء ولا عليهم أن يضحي بمنافع غيرهم ونفوسهم ودمائهم ما دامت منافعهم هم مكفولة محققة.
ولكن الغريب أن هذه المنافع ليست مكفولة وقد لا يستقيم تحقيقها كما يريدون. فمنافعهم نفسها قد يعارض بعضها بعضًا، وقد يصدم بعضها بعضًا، وقد يجب أن يضحي ببعضها في سبيل بعضها الآخر. فقد ينبغي أن تقر فرنسا نظام الجيش الأوروبي وإن كرهه الشعب الفرنسي وقد ينبغي أن تمضي فرنسا فيما مضت فيه من سفك دماء الفرنسيين على أرض الهند الصينية في غير طائل وإن ضج شعبها من هذه الحرب التي لا تعرف لها غاية.
وقد ينبغي أن تضحي بريطانيا العظمى بشيء من تجارتها في الشرق الأقصى وفي شرق أوروبا ليكون حصار الشيوعية مجديًا. وليس بد من أن تدفع هاتان الدولتان ثمنًا لسكوت أمريكا عنهما ورضاها عما تقترفان من الإثم في أقطار أخرى من الأرض.
وكذلك يتفق الأقوياء على الضعفاء لا يعترض سبيلهم إلى هذا الاتفاق شيء من المصاعب أو العقبات. فإذا أرادوا أن يتفقوا على منافعهم ثارت المصاعب وكثرت المشكلات واجتمعت المؤتمرات وتفرقت في غير طائل، وذهب الساسة مرة إلى أوروبا ومرة إلى برمودا ثم عادوا كما ذهبوا شأنهم شأن النعامة التي ذهبت تطلب قرنين فعادت بلا أذنين.
إذن فليس أمام الأمم المغلوبة والشعوب المظلومة إلا خطة واحدة لا ثانية لها، صورها الشاعر العربي القديم أروع تصوير وأبرعه في بيته الخالد.
ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه يُهْدَم ومن لا يظلم الناس يُظلَم
والخير كل الخير أن نذود عن حوضنا بسلاحنا وألا نظلم أحدًا ولا نرضى أن يظلمنا أحد.
طه حسين
الجمهورية ١١ ديسمبر ١٩٥٣. -
شهرية السياسة الدولية٢
شهرية السياسة الدولية ٢
طه حسين
الكاتب المصري
يناير ١٩٤٧
يقال إن السياسة العالمية في هذا الشهر قد أتيح لها شيء من الدَّعة والإسماح، وإن العالم سيستقبل العام الجديد هادئًا مطمئنًّا إلى حَدٍّ ما. ومصدر ذلك — فيما يقال — هو أن الاجتماع الأخير لهيئة الأمم المتحدة قد انتهى إلى نتائج رضي عنها واطمأنَّ إليها الساسة المنتصرون؛ فقد خفَّت حدة الخلاف بين الكتلتين المختصمتين: كتلة السكسونيين من ناحية، والروسيين من ناحية أخرى. فلم يكُن بين الخطباء في هيئة الأمم المتحدة ولجانها ذلك الصراع العنيف، الذي كان ملحوظًا حين اجتمعت هيئة الأمم المتحدة في لندن، أو حين اجتمع مؤتمر الصُّلح في باريس، بل كان الخلاف يشتد ويحتد أحيانًا حتى يُنذر بالخطر، ثم ينتهي آخر الأمر إلى نوع من التراضي يرتاح إليه المختصمون جميعًا، وهذا كله حق ليس فيه شك. وهناك حق آخر ليس فيه شك، وهو أن اجتماع هيئة الأمم المتحدة الأخير قد انتهى إلى الاتفاق على طائفة من المسائل، كان يظن أن ليس إلى الاتفاق عليها من سبيل. فقد تم الاتفاق مثلًا على شيء من التقدُّم نحو تخفيض التسلُّح، والإشراف على القنبلة الذرية وما يشبهها، أو يقاربها من الأسلحة الفتَّاكة، وعلى أن يكون هذا الإشراف غير خاضع لحق الاعتراض الذي تستمسك به الدول الكبرى. بل أتيح للهيئة التي ستشرف على تخفيض التسلُّح حق التفتيش والتثبيت داخل حدود الدول مهما تكُن. وما من شك في أن هذا الاتفاق خطوة قَيِّمَة في سبيل التراضي والتعاوُن بين الدول الكبرى. ولكن الاندفاع في التشاؤم شر، كما أن الاندفاع في التفاؤل ليس أقل منه خطرًا. فليسجل هذا الاتفاق الذي تم في شيء من الرضا، ولكن في كثير من الاحتياط. فاتفاق المختلفين في قاعة الاجتماع بهيئة الأمم المتحدة شيء، وتنظيم الإجراءات العملية لتنفيذ هذا الاتفاق، ثم تنفيذ هذا الاتفاق بالفعل في أمانة وصدق وإخلاص شيء آخر. وكل ما يمكن أن نقرره، هو أن ساسة المنتصرين قد افترقوا على شيء من تقارُب وجهات النظر؛ فهم سيستقبلون العام الجديد في شيء من الأمن الموقوت. ولكن المسائل الكبرى التي هي مَثار الخلاف بين المنتصرين ما زالت قائمة لم تُمس إلى الآن؛ فأمريكا مستأثرة بالقنبلة الذرية لم تُفْضِ بأسرارها بعدُ، ولم تُبِحْ إعدام ما أنشئ منها، ولم تسلِّم بوقف المضي في إنتاجها. كل ذلك مرهون بتمام الاتفاق وتمام إنفاذه في دقة وأمانة وإخلاص.
وكذلك تقاربت وجهات النظر في قضيتين خطيرتين؛ إحداهما: القضية الإسبانية؛ فقد كانت روسيا وفرنسا تطالبان بقطع العلاقات السياسية والاقتصادية مع إسبانيا، وكانت بريطانيا العظمى والولايات المتحدة تأبَيَان هذا كل الإباء، فتم الاتفاق على أن تستدعي الدول سفراءها ووزراءها المفوَّضين من مدريد، وتبقى السفارات والمفوضيات يشرف عليها القائمون بالأعمال، ويراقب مجلس الأمن تطوُّر الأمور في إسبانيا. وقد يكون لهذا الإجراء أثره في إنقاذ الشعب الإسباني من نظام الجنرال فرانكو، وقد لا يكون. ولكن المهم هو أن الدول قد استطاعت أن تصل إلى صيغة يمكن الاتفاق عليها.
أما القضية الثانية: فهي قضية الخلاف بين الدولة اليونانية وجاراتها الموالية لروسيا. وقد انتهى مجلس الأمن فيها إلى اتفاق قد يجدي وقد لا يجدي، ولكنه اتفاق على كل حال. وخلاصته أن تنشأ لجنة دولية للتحقيق، تزور البلاد المختصمة، وترفع تقريرها إلى مجلس الأمن. وواضح أن كل هذه الألوان من الاتفاق تقوم على التراضي الذي ينزل فيه كل من المختصمين عن بعض ما يريد؛ فهي اتفاقات ليست حاسمة ولا مُلغِيَة للمشكلات القائمة. فكما أن مشكلة القنبلة الذرية لا تزال قائمة، فنظام فرانكو لا يزال قائمًا في إسبانيا، والاحتلال البريطاني لا يزال مستقرًّا في اليونان، والحرب الأهلية لا تزال مضطرمة في اليونان أيضًا. وهناك مشكلة شغلت العالم عامًا وأكثر من عام، وقد أخذت تنحل في هذه الأيام، دون تدخُّل من مجلس الأمن ولا من هيئة الأمم المتحدة؛ وهي مشكلة إيران. فقد اقتحمت جيوش السلطة المركزية أذربيجان، وقضت على استقلالها الذاتي، واستقرت على الحدود الروسية الإيرانية، واستردت سلطان الحكومة المركزية على الأرض الإيرانية كلها، لم تعترض على ذلك روسيا، ولم تؤيده بريطانيا العظمى تأييدًا ظاهرًا. ولكن من سَبْقِ الحوادث أن نقرر انتهاء المشكلة الإيرانية إلى غايتها؛ فالدول المنتصرة تنظر صامتة في ظاهر الأمر إلى تطور هذه المشكلة على هذا النحو، ولكننا سنرى بعد انتهاء الانتخابات الإيرانية، وقيام الحكومة الجديدة: كيف تلائم هذه الدول المنتصرة ذات المصالح المُعقَّدة، والمطامع التي ليست أقل تعقيدًا من مصالحها، بين مواقفها وبين النظام الجديد. والحقيقة الواقعة التي لا يختلف فيها اثنان، هو أن كل هذا الإسماح الذي طرأ على السياسة العالمية في هذه الأيام، مصدره تغيير في الخطة الروسية؛ فقد عمدت روسيا من غير شك إلى شيء من اللين والاعتدال، ونزلت عن كثير من تشدُّدها في كثير من المسائل، فما مصدر هذا التغيير؟ يقول المتعجلون: إن مصدره الحزم الإنجليزي الأمريكي الذي أشعر روسيا بأن تشدُّدها مُنْتَهٍ إلى الكارثة. ونعتقد نحن أن مصدره دهاء السياسة الروسية، فمن الخطل أن نظن أن روسيا كانت مصممة كل التصميم في تشدُّدها، وإصرارها على العنف، وإنما كانت تتشدد وتسرف في التشدد، وهي تعلم حق العلم أن خصومها لن يُسلِّموا لها بكل ما تريد؛ فهي تدافع عن وجهة نظرها ما وسعها الدفاع، وتطلب الكثير لتظفر بالقليل. ومن أخطأِ الخطأ أن يُظن أن السياسة الروسية قد انهزمت أمام السياسة السكسونية؛ فالبلقان ما زال خالصًا لروسيا، لا يستثنى منه إلا اليونان، ومطالب روسيا ما زالت قائمة فيما يتصل بالمضايق، وقد وافقت روسيا آخر الأمر على معاهدات الصلح المختلفة، بعد أن ظفرت بأقصى ما كان يُنتظر أن تظفر به. ويمكن أن يُقال إن المشكلات التي كانت تواجه المنتصرين لم تُحَلَّ إلى الآن حلًّا حاسمًا، وإنما موعد هذا الحل الحاسم هو اجتماع وزراء الدول الكبرى في موسكو بعد شهرين.
هنالك — وهنالك ليس غير — نستطيع أن نتبين أيمضي العالم حقًّا إلى التعاون والاتفاق؟ أم إلى التنابذ والاختلاف؟ ففي الاجتماع المقبل ستعالج المشكلة الكبرى التي تدفع أوروبا إلى سلم مستقرة، أو تهيئها للحرب العالمية الثالثة، وهي مشكلة الصلح الذي يراد أن يفرض على ألمانيا.
وبينما تجري السياسة العالمية العامة على هذا النحو من التقارُب الذي يدعو إلى الاطمئنان ولا يُعفي من القلق، تحدث في غرب أوروبا أحداث لها ما بعدها، ولعلها أن تكون أبعد أثرًا في المستقبل العالمي القريب من كل هذا اللغط الذي امتلأ العالم به أثناء اجتماع هيئة الأمم المتحدة. ففي بريطانيا العظمى لا يكاد ينتهي الخلاف الذي شجر في حزب العمال، واضطر الحكومة البريطانية إلى عرض الثقة، حتى يثار خلاف آخر بين العمال دائمًا، وحول السياسة الخارجية البريطانية دائمًا كذلك.
والخلاف في هذه المرة خطير؛ فالمتطرفون من العمال يرون أن حكومتهم لم تبرَّ بوعدها، ولم تيسر للديمقراطية سُبُلها في الخارج، ويرون أن حكومتهم اشتراكية في بريطانيا العظمى، مؤيِّدة للرجعية خارج بريطانيا العظمى، وضغطهم هذا يضطر الحكومة إلى ظاهر من التساهل، ولكنها لا تكاد تُقدِم على هذا التساهل الشكلي حتى يسخط المعارضون من المحافظين، ويصيح المستر تشرشل في مجلس العموم بأن حكومة العمال تدفع الإمبراطورية إلى الانحلال.
وكذلك تجد الحكومة البريطانية الاشتراكية نفسها بين نارين: نار تأتيها من اليسار من أتباعها المتطرفين، ونار أخرى تأتيها من اليمين من خصومها المحافظين. وقد يكون من الحمق أن نهمل نيرانًا أخرى تواجهها من خارج بريطانيا العظمى، وتأتيها من هذه المشكلات الكثيرة التي تتعقد في كل يوم، وتزداد تعقُّدًا من يوم إلى يوم في أكثر أرجاء الإمبراطورية: في الهند، وفي بورما، ثم في مناطق النفوذ كالشرق الأدنى، والشرق الأوسط مثلًا.
فالذين يؤمنون بقول الإمبراطورية البريطانية وقدرتها على مواجهة المشكلات وقهر الصِّعاب — كما كانت تفعل من قبل — في حاجة إلى أن يعيدوا النظرة فيما كوَّنوا لأنفسهم من رأي؛ فقد خرجت الإمبراطورية البريطانية من الحرب منتصرة، ما في ذلك شك، ولكنها لم تنتصر وحدها، وإنما انتصر معها قوم آخرون، لعلهم أن يكونوا أعظم منها قوةً، وأشد منها بأسًا، وأكثر منها ثراءً، وأقدر منها على مواجهة الصِّعَاب. وقد بذلت الإمبراطورية البريطانية أثناء الحرب وُعُودًا أسرفت في بذلها، وآن أوان الوفاء بها، وكانت تظن أنها تستطيع أن تَعِدَ اليوم لتُخلِف غدًا. ولكن الشعوب التي تلقت هذه الوعود لم تكن عابثة، ولا هازلة، وإنما كانت جادة كل الجِد، وهي الآن تطالب بتحقيق ما بُذِل لها من الوعود.
وفي فرنسا تم الانتخاب للجمعية الوطنية، على النحو الذي عرَفه القراء، والذي لم يظفر فيه حزب بالكثرة المطلقة، وجرت انتخابات مجلس الجمهورية، وانتهت على النحو نفسه، فأصبح أمر الحكم في فرنسا من أشد الأمور عسرًا، لا يستطيع حزب أن يستقل بالحكم إلا أن تؤيده الأحزاب الأخرى. وقد طالب الشيوعيون — وحزبهم أعظم الأحزاب — برياسة الوزارة، فأبتها عليهم الأحزاب الأخرى. ثم طالب بها حزب الجمهوريين الشعبيين فرد عنها، واضطرت فرنسا إلى أن تلجأ إلى الحزب الاشتراكي — وهو من أحزاب الأقلية — ليعطيها رئيسًا للوزارة، فأعطاها زعيمها العظيم المسيو ليون بلوم. ولكن هذا الزعيم لم يستطِع أن يؤلِّف بين المختلفين، فاضطر إلى تأليف وزارة من حزبه الاشتراكي، وظهر في فرنسا هذا المظهر الغريب، حزب من أحزاب القلة يؤلف الوزارة، وتؤيده الجمعية الوطنية تأييدًا إجماعيًّا؛ لأنها لا ترى مخرجًا غير هذا من الحرج.
وهذه الوزارة موقوتة بالطبع، ستستقيل حين يُنتخب رئيس الجمهورية، وسنرى كيف تستقبل فرنسا أمرها، وكيف تتكون فيها الكثرة التي تلي الحكم: أتكون كثرة تميل إلى الشمال، أم تكون كثرة معتدلة متوسطة.
ولكل هذا أثره في توجيه أوروبا الغربية؛ فالأمر ليس إلا صراعًا بين اليساريين الذين يريدون أن يأخذوا من رأس المال أكثر ما يستطيعون، وأصحاب اليمين الذين يريدون أن يحتفظوا من نظام رأس المال، بأكثر ما يستطيعون أن يحتفظوا به. -
أزمتان
أزمتان
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
١٠ مارس ١٩٤٦
ليس من اليسير في هذا الطور الحديث من أطوار العالم أن تُحدَّد مواضع العلل التي تصيب السياسة الدولية، فأي أزمة تُثار في أي مكان، ولأي سبب من الأسباب تُحْدِث أثرها فورًا في الحياة السياسية لهذا العالم الجديد الذي أُلْغِي فيه الزمان والمكان، وأصبح على رغمه كائنًا واحدًا يتأثر كله بما يصيب أي جزء من أجزائه من العلل والآفات.
وليس من شك في أن إحدى الأزمتين اللتين أُرِيدُ أن أتحدث عنهما الآن قد نشأت في الشرق الآسيوي، وليس من شك كذلك في أن الأزمة الثانية قد نشأت في الغرب الأوروبي، ولكن من المحقق أن العالم كله متأثر بهاتين الأزمتين في هذه الأيام تأثرًا شديدًا، وأن مراكز هذا التأثر تقع في موسكو، ولندرة، وواشنطون، وباريس، وغيرها من العواصم التي يمكن أن يكون لها شأن في السياسة العالمية من قريب أو من بعيد.
أما الأزمة الأولى، فهي هذه التي أُثِيرَتْ في إيران منذ ظهرت الحركة الاستقلالية في أذربيجان، وقد كان من الطبيعي ألا تتجاوز الأزمة حدودها المعقولة، فهناك قسم من أقسام إيران يريد أن يحقق استقلاله الداخلي؛ لأنه ليس راضيًا عن النظام السياسي والاجتماعي في وطنه الخاص، وفي الوطن الإيراني كله، وقد همت الحكومة المركزية في طهران أن ترد هذا الإقليم إلى الطاعة، وطبيعة السيادة الإيرانية تقتضي أن يُترَك مثل هذا الأمر للإيرانيين يدبرونه كما يشاءون، أو كما يستطيعون … فإما أن تكون الحكومة المركزية عظيمة القوة شديدة البأس، فترد الأمر إلى نصابه وتُكْرِه الثائرين على الإذعان، وإما أن تكون هذه الحكومة ضعيفة متراخية فيظفر الثائرون بما يريدون.
هذه طبيعة الأشياء، ولكن إيران لم تكن خالصة لنفسها حين ثار الساخطون من أهل أذربيجان، وإنما كان الروسيون يحتلونها في الشمال، وكان البريطانيون والأمريكيون يحتلونها في الجنوب.
وكان هذا الاحتلال أثرًا من آثار الحرب قد نظمته معاهدة بين الحلفاء والإمبراطورية الإيرانية، وقد نُصَّ في هذه المعاهدة على أن هذا الاحتلال لا يمس السيادة الوطنية، كما نُصَّ فيها أيضًا على أن هذا الاحتلال ينتهي بعد أن تضع الحرب العالمية أوزارها بستة أشهر، فلما همَّتْ حكومة طهران أن ترسل قواتها لترد أهل الشمال إلى الطاعة أَبَتْ عليها روسيا هذا التصرف الذي هو من أخص مظاهر السيادة الوطنية، ثم تجاوزت الإباء إلى المنع المادي، فوقفت للقوات الإيرانية تريد أن تردها عن أذربيجان، واضطرت هذه القوات إلى أن تعود، كما اضطرت القوات المرابطة في أذربيجان إلى أن تستسلم، وكذلك خُولِفَتِ المعاهدة بأن أصبح الاحتلال الروسي مناقضًا للسياسة الوطنية، مانعًا لها من أن تظهر في أيسر مظاهرها، وهو إقرار النظام في أرض الوطن.
وقد اشتد الجدال في هذه المشكلة بين إيران وروسيا من جهة، وبين الحلفاء أنفسهم من جهة أخرى.
ولكن هذا الجدال لم يُغْنِ شيئًا، فقد استمسكت روسيا بموقفها مُحتجَّة بأن تدخُّل الحكومة المركزية قد ينشأ عنه إخلال بالأمن وسفك للدماء، وأنها تريد أن تمنع ذلك في الجزء الذي تحتله من إيران. وقد كانت أمريكا أسرع الدول المتحالفة إلى إيثار العافية، فنفضت يدها من احتلال إيران، واستردَّتْ قُوَّتَها قبل حلول الموعد المضروب لذلك، وأصبحت بذلك قادرة على أن تتكلم غير مهتمة ولا متعرضة للريب والشكوك.
أما بريطانيا العظمى فقد أيدت إيران في موقفها، واحتفظت بقُوَّتِها المحتلة في الجنوب، وظهر للناس في وضوح وجلاء أن في الأمر تنافسًا خطيرًا بين البريطانيين والروسيين، وأن أولئك لا يريدون أن يجلوا إلا إذا جلا هؤلاء.
وأسباب هذا التنافس أوضح من أن تحتاج إلى بيان، فالتنافس بين الدولتين قديم لمكان إيران بالقياس إلى الهند من جهة، وبالقياس إلى الشرق العربي من جهة أخرى، وبالقياس إلى تركيا وروسيا من جهة ثالثة، ولمكان منابع البترول في إيران أيضًا، ولأن الإنجليز والأمريكيين قد استأثروا بخط من البترول الإيراني، فمن الطبيعي أن يطمع الروس في أن يستأثروا منه بنصيب أيضًا.
وكذلك ظهر التنافس عنيفًا بين الدولتين الحليفتين في وقت كان يُظَنُّ فيه أن مثل هذا التنافس قد انقضى عهده، وجعل البريطانيون من جهة يتهمون الروسيين بالتوسع والجشع، كما جعل الروسيون يتهمون البريطانيين بالتسلط والقهر وتأييد النظم الرجعية في إيران وغير إيران.
ثم انعقدت جماعة الأمم المتحدة في لندرة، وانْتُخِب مجلس الأمن، فأثار الإيرانيون مشكلتهم في الهيئتين، وظن الروسيون أن الإنجليز هم الذين دفعوا إلى هذه الإثارة، فكالوا حلفاءهم صاعًا بصاع، وأثاروا بأنفسهم مشكلة اليونان ومشكلة إندونسيا.
والقراء يعلمون ما كان من الجدل حول هذه المشكلات، ويعلمون أن التجربة دلت على أن هاتين الهيئتين الدوليتين لم تبلغا سن الرشد بعد، ولم تستطيعا التغلب على ما يُثار أمامهما من المصاعب. وهما من أجل ذلك لم يقضيا في المشكلة الإيرانية، وإنما طلبا إلى الطرفين المختصمين أن يتفاوضا، وأن يظهرا مجلس الأمن على تطور المفاوضات.
وقد استقالت وزارة في إيران وقامت مقامها وزارة أخرى، وذهب رئيس الوزارة الجديدة إلى موسكو وأخذ في المفاوضات، ولكن الزمن لا يستقر ولا يحب الوقوف، وإنما هو ماضٍ في طريقه دائمًا يسبق الحوادث ولا تسبقه الحوادث، أو يسبق إرادة الناس ولا تسبقه إرادة الناس؛ ولذلك جاء اليوم الثاني من شهر مارس قبل أن تتم المفاوضات أو تنتهي إلى غايتها، وأصبح محتومًا على الحلفاء أن يوفوا بالعهد ويجلوا جنودهم عن إيران، فأما البريطانيون فقد جلوا بالفعل، وأما الروسيون فقد أظهروا استعدادهم للجلاء ثم قرروا البقاء.
وكذلك ظهر أن إحدى الحليفتين قد احترمت المعاهدة، وهي بريطانيا العظمى، وأن الأخرى لم تحترمها، وهي روسيا. ونشأ عن ذلك ما يسميه البريطانيون أخطر أزمة أُثِيرَتْ بعد الحرب، وهذا واضح؛ فقد كان الناس يعتقدون أن المنتصرين لن يُقْدِموا على نقض المعاهدات، ولا نكث العهود المبرمة؛ فإقدام روسيا على ما أقدمت عليه يلغي كل ثقة لا في الوعود المبذولة، فقد ضاعت الثقة في الوعود منذ زمن بعيد، بل في المعاهدات المبرمة، وإذا ضاعت الثقة في المعاهدات فقد أصبح النظام الدولي كله عبثًا.
ولذلك طلب البريطانيون والأمريكيون إلى موسكو أن توضح لهم حقيقة الموقف الروسي ومداه، وما زالت وزارة الخارجية البريطانية والأمريكية تنتظران هذا التوضيح، فلننتظر معهما، فقد يكون لروسيا ما تقوله، وقد يكون من سبق الحوادث أن نقضي في الأمر بغير علم.
ولكن هذه القصة الإيرانية وغيرها من القصص قد أظهرت في وضوح أن الأمور لا تجري سلسة هينة بين الحلفاء الثلاثة، وليس أدل على هذا من ذلك التهديد الذي صرح به وزير الخارجية الأمريكية منذ أيام حين أعلن أن أمريكا لن تقر العدوان ولن تسمح به، ومن هذا التهديد الذي صرح به المسيو تشرشل حين خطب في أمريكا يوم الثلاثاء، فطلب تحالفًا سياسيًّا وعسكريًّا بين الإمبراطورية البريطانية والولايات المتحدة الأمريكية لصيانة العالم المسيحي من خطر الشيوعية الدولية.
وخطاب المستر تشرشل خطير حقًّا، وهو في الوقت نفسه متهافت حقًّا … خطير؛ لأن هذا التحالف موجه ضد روسيا، ما في ذلك شك، ومتهافت ضعيف؛ لأن مستر تشرشل يريد أن تقوى جماعة الأمم المتحدة، وأن يكون لها جيش مشترك يكفل الأمن العالمي، ويريد في الوقت نفسه أن يطوي عن جماعة الأمم المتحدة أسرار القنبلة الذرية، فكأنه يريد أن تصبح هذه الجماعة أداة في أيدي السكسونيين يسيطرون بها على العالم.
وواضح أن روسيا لن تقر شيئًا كهذا، وأن أوروبا قد تكون لها كلمتها وإن كانت ضعيفة، وأن الأمم الأخرى غير الأوروبية مضطرة إلى أن تقف موقف الارتياب من هذا كله، ومن جماعة الأمم المتحدة نفسها التي تذكرنا بالعصور القديمة حين كانت الشعوب المتأخرة تصنع آلهتها بأيديها. فجماعة الأمم المتحدة لا قيمة لها إذا لم تستمد قوتها من إخلاص القلوب في حب الحق، والعدل، والمساواة …
هذه إحدى الأزمتين، أما الأزمة الثانية فتقع كما قلت في غرب أوروبا، حيث يقوم النظام الفاشي في إسبانيا، والناس جميعًا يعلمون أن الثورة الفاشية في إسبانيا هي التي دفعت أوروبا إلى الحرب الثانية. وقد انتهت الحرب، وكان من الطبيعي أن ينهار النظام الفاشي في إسبانيا كما انهار في كل مكان. ولكن الجنرال فرانكو ما زال مسيطرًا على أمر الشعب الإسباني العظيم، وصفوة هذا الشعب مفرقة في أقطار الأرض … يريد أكثرها العودة إلى النظام الديمقراطي الجمهوري، ويريد أقلها العودة إلى النظام الديمقراطي الملكي.
وقد حاول الحلفاء أن يُغيِّروا هذا النظام بالحسنى فلم ينجحوا، وهمت فرنسا الآن أن تصطنع شيئًا من الحزم، وأن تَحْمِل بريطانيا العظمى وأمريكا على مشاركتها في ذلك، ولكنها لم تظفر منها إلا بأيسر المشاركة في الرأي. فأما روسيا فبغضها لفرانكو معروف، وليس بينها وبينه صلات سياسية، وكل ما وصلت إليه الديمقراطية في غرب أوروبا وفي أمريكا هو أنها أنذرت الشعب الإسباني بأنها لا تقر نظامه القائم، وطلبت إليه أن ينشئ لنفسه حكومة ديمقراطية، وإلى هذا الحد يقف التدخل البريطاني الأمريكي.
أما فرنسا، فحكومتها متأثرة بالرأي العام، وهي من أجل ذاك أغلقت الحدود بينها وبين إسبانيا، وأكبر الظن أنها ستنتهي إلى قطع العلاقات السياسية.
أما هذا التردد البريطاني الأمريكي فتعليله بسيط جدًّا، يرجع إلى المنافع المادية من جهة، وإلى الإشفاق من إسراع الديمقراطية الإسبانية نحو الشمال، ومن تكوُّن كتلة شيوعية خطيرة في غرب أوروبا.
وكذلك نلاحظ أن حب المنتصرين للديمقراطية مهما يكن قويًّا شديد الحرارة، فإن المنافع الاقتصادية وخوف التطرف من جهة أخرى يعرفان كيف يُلطِّفان هذه الحرارة، ويَرُدَّانها إلى القصد والاعتدال. -
في مجلس الأمن
في مجلس الأمن
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
٢٠ يناير ١٩٤٦
ما زال التمثيل مستمرًّا في لندرة: خُطَبٌ تُلقى، وأيدٍ تصفِّق، وأفواهٌ تندفع بالهتاف، وآمالٌ تُعقد هنا وهناك، ويأسٌ يشيع هنا وهناك أيضًا، ولجانٌ تُنتخب في سهولة ويسر مرة، وفي مشقة وعنف مرة أخرى، وتنافس حول عضوية هذه اللجان، وشعوبٌ من وراء هذا كله تقرأ وتسمع، فيجدُّ بعضها، ويمزحُ بعضها الآخر، وتمضي سياسة العالم بين هذا كله متعثرة متجشمة ألوان المصاعب والخطوب.
وقد انتُخب مجلس الأمن فيما انتخب من المجالس واللجان، وأُتيح لمصر أن تُنتخب في هذا المجلس، فابتهج قومٌ منا عن ثقة وأمل، وسخر قومٌ منا عن قنوط ويأس، وتردد قومٌ منا بين السخط والرضا، وبين اليأس والرجاء. فقد يسرُّ المصريين أن تظفر مصر بثقة جماعة ضخمة من الدول، وأن يجلس ممثلوها في مجلس الأمن حين ينعقد لأول مرة، وأن يتخذ هؤلاء الممثلون مجالسهم بين الذين يمثلون الدول الكبرى الثلاث، وبين الذين يمثلون الدول الكبرى الخمس، وهي في ذلك الوقت قد ظفرت بما لم تظفر به دول أخرى لها من الاستقلال والبأس والمهابة ما ليس لمصر. فمما يتملق الشعور الوطني، ويداعب العزة القومية، أن تُختار مصر لمجلس الأمن في أول انتخاب لهذا المجلس، وأن تحل مصر بين الدول هذا المحل الرفيع.
كل هذا حق، ولكن أكلُّ هذا خير؟! هذه هي المسألة التي يجب أن تُلقى، والتي يجب أن يُجاب عليها. وبمقدار ما يكون الجواب عليها ملائمًا للحق الواقع العملي، لا لهذا الحق المتخيل النظري، يصح أن يبتهج المصريون وأن يبتئسوا، وأن يرضوا أو أن يسخطوا.
وما أظن القارئ ينتظر مني أن أكون بين الراضين المبتهجين، فهو يعرف رأيي في جماعة الأمم المتحدة وفي مجلس الأمن، وهو يعرف رأيي في إقبال مصر على المشاركة في الجماعة وفي مجلسها. فالترفُ شيءٌ مرغوب فيه، ولكن بعد أن تتحقق الأشياء التي لا بدَّ منها ولا استغناء عنها. وجماعة الأمم ترف ما في ذلك شك، ومجلس الأمن ترف ما في ذلك شك أيضًا. جماعة الأمم ترف بالقياس إلينا وإلى أمثالنا؛ لأن أمرها في المسائل الخطيرة جدًّا إلى الدول المنتصرة الثلاث، ولأن أمرها في المسائل ذات الخطر المعتدل أو القليل إلى الدول الخمس الكبرى. فأمَّا نحن وأمثالنا فأعضاء في هذه الجماعة لنتم العدد، ولنؤيد هذا المنتصر أو ذاك.
ومجلس الأمن ترفٌ من غير شك؛ لأن أمره إلى المنتصرين الثلاثة أو إلى المنتصرين الخمسة، ونحن وأمثالنا أعضاءٌ فيه لنتم العدد، ولنؤيد هذا المنتصر أو ذاك.
وربما كان مركزنا في مجلس الأمن أدنى إلى الترف من مركزنا في جماعة الأمم المتحدة؛ فنحن لن نصنع في مجلس الأمن شيئًا ذا خطر، ولن نستطيع أن نصنع فيه شيئًا ذا خطر؛ لأن قرارات مجلس الأمن في المسائل الخطيرة حقًّا لا تنفذ إلَّا بما أجمعت عليه الدول الخمس الكبرى، فقد ننضم — وينضم غيرنا معنا — إلى أربع من هذه الدول الخمس، ويظل قرار الدول العشر معطلًا؛ لأن الدولة الحادية عشرة قالت: لا!
وإذا استطاعت دولة عظيمة أن تعطل ما اتفقت عليه الدول الأربع الكبرى، فكيف بنا حين نتفق مع هذه الدول أو حين نختلف، إنما نحن وأمثالنا تكملة للعدد لا أكثر ولا أقل … نستغفر اللَّه، بل قد نكون نحن وأمثالنا أقل من تكملة العدد، فاشتراكنا في مجلس الأمن كاشتراكنا في جماعة الأمم المتحدة، يفرض علينا من الواجبات أكثر مما يعطينا من الحقوق.
سيشهد ممثلنا مجلس الأمن، وقد يقرر مجلس الأمن شيئًا لا يلائم مصالحنا، وقد ينكر ممثلنا هذا القرار، وقد يحتجُّ عليه، ولكننا سنلتزمه، ونذعن له؛ لأننا مشتركون في مجلس الأمن، وفي جماعة الأمم المتحدة، وأيسر ما يقتضيه هذا الاشتراك أن نذعن لما تصدره الهيئات من قرارات.
وقد يُقال: إن ابتعادنا عن هاتين الهيئتين لا يعفينا من الإذعان لقراراتهما. ولكنْ فرقٌ كبيرٌ بين أن تذعن عن رضًا واختيار، وأن تذعن لأنك لا تجد من الإذعان بدًّا.
لا ينبغي أن ينتظر القارئ مني إذن أن أكون من المبتهجين بانتخابنا في مجلس الأمن، فقد كنت خليقًا أن أبتهج باشتراكنا في جماعة الأمم المتحدة وانتخابنا في مجلس الأمن لو أننا حققنا استقلالنا كاملًا موفورًا قبل ذلك. فاشتراكنا في الهيئتين على أننا أمة مستقلة كاملة الاستقلال، ليس بينها وبين هذا المنتصر أو ذاك ما بيننا وبين أصدقائنا الإنجليز من الاختلاف.
إذن، كان من الطبيعي أن نبتهج باشتراكنا في هذه الجماعة؛ لأن العزلة في الحياة السياسية شيءٌ بغيض، وكان من الطبيعي أن نبتهج بانتخابنا في مجلس الأمن؛ لأن الذين يظفرون بحاجاتهم الضرورية يستطيعون أن يطلبوا شيئًا من الترف، وأن ينعموا به إن أُتيح لهم، فأمَّا ألَّا نكون أحرارًا في بلادنا كما نحب أن نكون أحرارًا، وأن نشارك في تقرير الحرية لغيرنا من الأمم فأمرٌ لا يخلو من فكاهة، وقد جاء في الأثر: ابدأ بنفسك ثم بمن تعول.
وأمَّا أن تكون أرض وطننا محتلة قد استقر فيها الأجنبي، وأن نؤيد بعد ذلك — أو مع ذلك — الدول التي تطالب بجلاء الأجنبي عن أرضها، فأمرٌ لا يخلو من فكاهة مرة، فقد ينبغي أن نجلي أصدقائنا الإنجليز عن أرض مصر أولًا، وأن نؤيد بعد ذلك الدول الأخرى حين تطالب بجلاء الإنجليز أو غير الإنجليز عن أوطانها. ومن الحق أن مركز الممثل المصري في مجلس الأمن سيكون مؤلمًا إلَّا إذا كانت نفسه تحسن الانخداع بالظواهر والإغضاء عن الحقائق.
سيجتمع مجلس الأمن اليوم — الخميس — ويقال: إن المشكلة الإيرانية قد تُعرض عليه، وربما عرضت عليه أيضًا مشكلة سوريا ولبنان. والمشكلة الإيرانية تطالب بجلاء الروسيين عن شمال إيران، وقد يقتضي ذلك جلاء البريطانيين عن جنوب إيران، وستجرى المناقشات في هذا الجلاء الروسي، وقد يتكلم ممثل مصر مؤيدًا إيران فيما تطالب من الجلاء، وقد لا يتكلم، فإن آثر السكوت خذل إيران، ومن الحق عليه أن ينصرها، وإن تكلم كان لممثل روسيا أن يسأله: وما شأن الاحتلال البريطاني للوطن المصري؟! أو ما رأيك فيه؟! وما لك لا تتعجل الجلاء عن مصر، كما تتعجل الجلاء عن إيران؟ قد يقول الممثل المصري: فإني أتعجل الجلاء البريطاني عن مصر، وقد أرسلت حكومتي في ذلك مذكرة إلى وزارة الخارجية البريطانية. وحينئذٍ يجيبه الرفيق الروسي باسمًا: فإن إيران أيضًا قد تعجلت جلاءنا عن أرضها وأرسلت إلينا مذكرة، فليكن مصير المذكرتين واحدًا أو متشابهًا، ولنجلو عن إيران حين يجلو حلفاؤكم عن أرض مصر.
وسيكون موقف الممثل المصري من المشكلة السورية اللبنانية — إن عرضت على مجلس الأمن — كموقفه من المشكلة الإيرانية: لن يستطيع أن يسكت، فالإخاء بيننا وبين سوريا ولبنان يفرض عليه أن يتكلم، وإذا تكلم فسيجيبه وزير الخارجية الفرنسية بمثل ما يجيبه به وكيل الخارجية الروسية. الأمر سواء؛ لأن المحتل ينبغي أن يظفر بالجلاء عن وطنه أولًا، وأن يعين بعد ذلك على الجلاء عن وطن حلفائه وأصدقائه.
وسواء تكلم الممثل المصري أم لم يتكلم في هذه المشكلة أو تلك، فالنتيجة واحدة؛ وهي أن كلامه لن يقدم ولن يؤخر، وإنما الشيء الوحيد الذي يمكن أن يقدم أو يؤخر هو اتفاق الدول الخمس الكبرى أو اختلافها. فإن اتفقت هذه الدول على جلاء الجيوش الأجنبية عن إيران، فسيجلوا الروس عن الشمال والبريطانيون عن الجنوب. وإن لم تتفق هذه الدول بقي الروس حيث هم، وأقام البريطانيون حيث يقيمون، إلَّا أن تُثار الحرب لإجلاء أولئك أو هؤلاء أو لإجلاء أولئك وهؤلاء جميعًا.
ومجلس الأمن قد أنشئ — فيما يُقال — ليمنع الحرب أولًا، وليمنع الظلم ثانيًا، ولن يستطيع أن يمنع الظلم ما دام حق الاعتراض قائمًا، ولن يستطيع أن يمنع الحرب ما دام عاجزًا عن منع الظلم. وإذن، فمجلس الأمن شيءٌ عجيبٌ حقًّا، وفيه كثير من النفع، ولكن للأمم الكبرى لا للأمم الصغيرة.
تستطيع الأمم الصغيرة أن تلجأ إليه، ويستطيع ممثلوها أن يرفهوا على أنفسهم ويفرجوا ما يلم بهم من المكروه، ثم يقف الأمر عند هذا الحد، ويمضي أمر الدول الكبرى كما يريد الكبار لا كما يريد الصغار.
ومثل هذا يُقال بالقياس إلى جماعة الأمم المتحدة حين تعرض لشئون السياسة؛ ولذلك قرأت وسأقرأ ما يُقال من عرض هذه المشكلة أو تلك على هذه الهيئة أو تلك، دون أن أنتظر لهذه المشكلات حلًّا إلَّا أن يتفق الكبار الثلاثة أو الكبار الخمسة. فأمَّا ما دون ذلك فلن يقدم ولن يؤخر إلَّا في نشر الدعوة وفي الإعلان. ومن يدري؟ لعل نشر الدعوة والإعلان أن يكون من الأغراض الخطيرة التي تشترك من أجلها الدول في جماعة الأمم المتحدة وفي مجلس الأمن.
وهناك سؤالٌ يخطر لي، ولا أكاد أعلنه إلَّا في كثيرٍ جدًّا من التردد، وهو: أليس بيننا وبين أصدقائنا البريطانيين خلاف؟ فإن كان الجواب بلى، فلمَ لا يعرض هذا الخلاف على هيئة الأمم المتحدة، وعلى مجلس الأمن كما تعرض المشكلة الإيرانية والمشكلة السورية واللبنانية؟ وإذا لم يكن هناك خلافٌ بيننا وبين حلفائنا البريطانيين، فلمَ نرهق حكومتنا بذكر الحقوق الوطنية، ولم ترسل حكومتنا مذكرة إلى وزارة الخارجية البريطانية؟!
صدِّقني أيها القارئ! إن الحوادث لم تكذِّب بعد أبا الطيب حين قال:
وكم ذا بمصر من المضحكات
وصدِّقني أيضًا إن من الخير أن نضحك نحن من أنفسنا قبل أن يضحك منَّا الناس. -
حكمة …
حكمة …
طه حسين
جريدة البلاغ
٢٠ يناير ١٩٤٦
يجب أن يكون أصدقاؤنا الإنجليز راضين عنا كل الرضى؛ فقد سلكنا في جماعة الأمم المتحدة مسلكًا من شأنه أن يملأ قلوبهم رضى ونفوسَهم غِبطةً وحبورًا. سلكنا مسلك الأطفال المؤدَّبين المهذَّبين الذين أحسنت أمهاتهم تربيتهم وتأديبهم، فهم لا يخالفون عن التقاليد في المحافل والمجتمعات، وهم لا يرفعون أصواتهم بكلمة نابية أو غير نابية، وهم لا يقولون إلَّا ما يُراد لهم أن يقولوا، وهم يؤثِرُون الصمت على أي كلام. فإذا اضْطُرُّوا إلى القول قالوا، ولكن في لهجة هادئة معتدلة وصوت مُتَّئِدٍ رزين. ثم هُم لا يطلبون شيئًا فضلًا عن أن يُلِحُّوا في طلب شيء، فليس من حسن الأدب ولا من كمال التربية أن يطلب الأطفال إلى أسرهم شيئًا أمام الأضياف، فضلا عن أن يطلبوا شيئًا إلى الأضياف أنفسهم. وإنما الأدب كل الأدب والتربية كل التربية أن ينتظر الأطفال هادئين وادعين، مُطرِقين إلى الأرض مبتسمين لمن حولهم، لا يقولون شيئًا ولا يطلبون شيئًا حتى يوجَّه إليهم الكلام، فيكون الجواب في أدب واستحياء، وحتى تقدم إليهم الطرفة فيكون القبول في كثير من التردُّد والتمنُّع مهما يكُن في دخيلة القلب والضمير.
كذلك كانت سيرتنا في جماعة الأمم المتحدة. فلولا أن الأدب نفسه كان يقتضينا الكلام لما تكلمنا، ولكن مندوبي الأمم كلها تكلموا، فيجب أن نقول شيئًا وأن نُسمع صوتنا حتى لا يُظَنَّ بنا الخَرس أو العمى. وجماعة الأمم المتحدة قد أهدت إلينا فضلًا وصنعت لنا معروفًا، وأخذت بيدنا حتى أجلستنا في مجلس الأمن، فمن أيسر الأدب ومن الرعاية لأصول التربية الصالحة أن نشكر لها هذا الفضل، وأن نعترف لها بهذا الجميل. فقد تكلمنا إذن كما تكلَّم الناس ليقال إننا تكلمنا، وقد تكلمنا إذن لنشكر الفضل فيقال إننا مؤدبون مهذبون، وقد تكلمنا بعد هذا وذاك لنسمع صوت أنفسنا، ولنعرف أننا ما زلنا قادرين على الكلام، ولنطمئن إلى أن ممثلينا في الخارج يستطيعون أن يرفعوا صوت مصر عاليًا بين أصوات الأمم، ورأسها شامخًا بين رءوس الشعوب. ولولا أن في أصدقائنا الإنجليز حزمًا صارمًا وعزمًا جازمًا واقتصادًا في القول وبُخلًا بالثناء؛ لأهدَوْا إلينا كثيرًا من هذه الألفاظ الحُلوة التي تدل على الرضى وتُصَوِّر حُسن التقدير. ولكن أصدقاءنا الإنجليز يُؤثِرُون التجهُّم والعبوس على الإشراق والابتسام، وهم يخشَوْن إن ابتسموا لنا وأظهروا رضاهم عن سيرتنا في جامعة الأمم المتحدة أن نطمع فيهم ونجترئ عليهم.
والإنجليز ماهرون في التربية بارعون في البيداجوجيا، أمهر من وزارة المعارف المصرية، وأبرع من مشيري وزير المعارف المصرية. وهم من أجل ذلك لا يُحِبون أن يبتسموا لنا حتى حين نستحق الابتسام، ولا أن يُظهروا الرضى عَنَّا حتى حين نستأهل الرضى. ولو أن لنا حلفاء غير الإنجليز وسلكنا معهم هذا المسلك الوديع الظريف لما بخَلوا علينا بالابتسام، ولا ضنوا علينا بالثناء، ولا تردَّدوا في أن يُقدِّموا إلينا ألوانًا من الحلوى والفاكهة؛ تقديرًا لهذا المسلك المؤدب المهذب الظريف.
والأشياء تُعرف بأضدادها، فانظر إلى إيران لم يكَد ممثلها يتكلم حتى أثارها حربًا شعواءَ على روسيا، فشغل بنفسه وبوطنه جماعة الأمم المتحدة، وشغل بنفسه وبوطنه أنباء البرق والراديو وكُتَّاب الصحف والمجلات. وانظر إلى ممثِّلي سوريا ولبنان، لقد أنذروا بأنهم سيقولون شيئًا فجعل الناس ينتظرون ليسمعوا ما سيقولون، ثم تكلَّموا فقالوا ما أرادوا أن يقولوا، واستمَعَ لهم ممثلو الدول في كثير من العناية وفي كثير من الاهتمام، وشغلت بهم أنباء البرق والراديو، واحتفل بهم كُتَّاب الصحف والمجلات. ضايقوا فرنسا وبريطانيا من غير شَكٍّ كما ضايق ممثلو إيران الدولة الروسية الكبرى. أمَّا نحن فقد كُنَّا على حظٍّ عظيمٍ من الأدب الكريم، وعلى نصيب موفور من التربية العالية الممتازة. فلم نقُل شيئًا، ولم نضايق أحدًا، ولم نشغل بأنفسنا برقًا ولا بريدًا ولا صحفًا ولا مجلاتٍ، وإنما اختلسنا حديثنا اختلاسًا، ومررنا به على الجماعة مرَّ النسيم الهادئ البليل في الوقت القائظ المُحرِق للأجسام المرهق للنفوس.
ومن الحق أن نشكر لوزير خارجيتنا أنه مثَّلنا فأحسن تمثيلنا، وأظهر لجماعة الأمم المتحدة أن مصر مؤدبة مهذبة ورقيقة رشيقة، لا تحب أن تزعج أحدًا، وإنما تُؤثِرُ دائمًا أن تكون خفيفة الظل حُلوة الرُّوح، حتى حين تُلِمُّ بها المُلِمَّات وتثقل عليها الخطوب. من الحق علينا أن نشكر لوزير خارجيتنا حُسن تمثيله لنا وصدق تعبيره عَنَّا، ودِقَّةَ تصويره لأخلاقنا وآدابنا وسيرتنا الراقية ونفوسنا الراضية.
ولكن وزير خارجيتنا لا ينبغي أن يستأثر وحده بهذا الشكر، فله فيه شركاء ليسوا أقلَّ منه فضلًا ولا أيسر منه استحقاقًا للثناء. فوزير الخارجية لا يتكلَّم عن نفسه، وإنما يقول ما يطلب إليه أن يقول؛ فهو لسان الحكومة، وهو مرآة لمجلس الوزراء. فإذا كان قد أحسن تمثيلنا وأجاد التعبير عن أخلاقنا وآدابنا وعن نفوسنا الراضية وقلوبنا المطمئنَّة؛ فالفضل في ذلك ليس له وحده، وإنما هو لرئيس وزرائنا أولًا ولمجلس وزرائنا ثانيًا ولوزير خارجيتنا آخر الأمر.
ولو أن رئيس وزرائنا أراد وأراد معه زملاؤه الوزراء؛ لكُنَّا أطول لسانًا من إيران، ولكُنَّا أشد إقلاقًا من سوريا ولبنان. ولكننا قومٌ مؤدَّبون مهذبون، يُقضى في أمرنا ونحن غائبون فلا ننكر، ويُقضى في أمرنا ونحن شاهدون فلا نحتج. يمنعنا الأدب من الإنكار، وتمنعنا التربية من الاحتجاج، ونحن بناة الحضارة وشادة الأهرام، ومعلمو الإنسانية، قد حلبنا الدهر أشطره، وبلونا حلوه ومره، وجربناه فأَحْسَنَّا تجربته. عنَّا صدرت الحكمة قبل أن تعرفها الهند، وقبل أن تعرفها اليونان، وقبل أن يعرفها العالم الحديث. ونحن من أجل هذا نُؤثِرُ الصمت لأنه من ذهب، ونترك لغيرنا الكلام لأنه من فِضَّةٍ، والحكماء يؤثرون الذهب على الفضة، ويفضلون الصمت على الكلام.
ونحن نعلم حق العلم أن احتجاج إيران لن يُجلِيَ روسيا عن أذربيجان، وأن احتجاج سوريا ولبنان لن يجلي البريطانيين والفرنسيين عن أرض سوريا ولبنان. وإذن فلِم ننكر ونحن نعلم أن الإنكار لن يُغني شيئًا، ولِم نحتج ونحن نعلم أن الاحتجاج لم يرد مكروهًا. إنما يتكلم ويحتج ويُنكر من لا حظَّ له من حكمة، ولا نصيبَ له من تجربة. فأمَّا نحن الذين علَّموا الناس الحكمة، وبيَّنوا لهم كيف ينتفعون بالتجربة، فما ينبغي أن نتكلم إلَّا حين نستيقن بأن الكلام سينفع أو يفيد.
أرأيت إلى أن وزير خارجيتنا لم يُمَثِّلْ آدابنا وأخلاقنا فحسب، وإنما مثَّل حكمتنا وفطنتنا وحُسن فَهمِنَا للأمور، وحسن تدبيرنا للظروف، وحُسن حكمنا على الأشياء والأحياء. ومن الحق أن الشعب المصري ساخط محزون، كان يَوَدُّ لو سلك وزير خارجيتنا مسلك إخواننا السوريين واللبنانيين والإيرانيين. ولكن الشعب المِصري ليس مُطَّلِعًا على حقائِقِ الأمور كما يَطَّلِعُ عليها الوزراء، ولا مقدِّرًا لدقائقها كما يُقَدِّرُهَا الوزراء، وفي الشعب اندفاع يَحْسُنُ أن يُضبط، وتطرُّف يحسن أن يُرد إلى الاعتدال. وحسب الشعب أن يعلم أن العناية الإلهية قد جعلت مصيره ومستقبله أمانة بين يدي رئيس الوزراء، ورئيس الوزراء خيرُ من يحمل الأمانة، وهو أقدر على حَملها من السماوات والأرض والجبال. فما ينبغي للشعب إلَّا أن يطمئن وينام ما دام رئيس الوزراء وزملاؤه حاملين للأمانة ناهضين بأعبائها.
ومن الحق أن بعض حكمائنا وعقلائنا وأصحاب الرأي فينا وأساتذتنا المُحَنَّكِين كانوا يَوَدُّون لو سلك وزير خارجيتنا في لندرة مسلك غيره من وزراء الشرق الأدنى والأوسط.
فصدقي باشا مثلًا ليس راضيًا ولا مطمئنًّا، ولكن صدقي باشا رجل عسير ليس إلى إرضائه من سبيل، فلندعه يسخط اليوم فسيرضى غدًا، وهو بعد كل شيء ليس مبعوث العناية الإلهية في هذه الأيام. فليس له إلَّا أن يطمئن وينام كما يطمئن الشعب وينام.
ومن الحق أن من وزرائنا من يملِك القلق عليه أمره، ويفسد عليه حياته، ويخرجه عن التضامن الوزاري، ويضطره إلى التشهير والتشنيع. ولكن هذا كله لا ينبغي أن يُخِيفَنَا، ولا أن يقلقنا. فهذا الوزير المُشفِق القلِق لم يندفع إلى إشفاقه وقلقه إلَّا لأن الأمر ليس إليه هو، ولو قد كان هو في لندرة لتكلَّم كما تكلم وزير الخارجية، ولكان خفيف الظل حُلو الرُّوح عند أصدقائنا الإنجليز. فقد يظهر أن وزراءنا لا يحبون أن يظهروا للإنجليز من أنفسهم ولا من وطنهم إلَّا خفة الظل وحلاوة الرُّوح، فأمَّا شدة الوطأة وغلظة الحديث ومرارة اللسان وعظم السطوة وحِدَّة البأس، فكل هذه خِصال يُؤثِرُون بها مواطنيهم من المصريين. ولهم في هذا كله الحق كل الحق، فهم مُضطَرُّون أن يلينوا مع الإنجليز لأن الإنجليز لا يؤخَذُون إلَّا باللين، وهم مُضطَرُّون إلى أن يخشنوا على المصريين لأن المصريين لا يُؤخَذُون إلَّا بالخشونة والعنف. وهم حين يتصلون بالإنجليز أصحاب سياسة، والسياسة لباقة ورشاقة ولِين، وهم حين يتصلون بالمصريين أصحاب تربية وتعليم، ولا تكون التربية إلَّا بالحزم، ولا يكون التعليم إلَّا بالعزم، فأي غرابة في أن يكون وزراؤنا أسودًا علينا وظباءً حِسانًا مع حلفائنا وأصدقائنا الإنجليز؟
أمَّا بعدُ، فقد آنَ لهذا الشعب المصري أن يعرف نفسه ويقدِّر حياته حقَّ قدرها، ويملأ قلبه ثقة بأنه قد خُلِق ليحكم على غير ما يريد، ويُدبر أمره على غير ما يُحب، ويخضع لوزراء تُلقي عليهم العناية الإلهية أعباء الحكم فينهضون بها، لا يُسألون عنها إلَّا أمام ضمائرهم وأمام العناية الإلهية التي اختارتهم. وضمائرهم راضية مطمئنَّة، وآية ذلك أنهم لا يغيِّرون من سيرتهم شيئًا. والعناية الإلهية التي اختارتهم راضية عنهم، وآية ذلك أنها لم تزلهم عن مناصب الحكم. ونحن المصريين قد أنشأنا الحضارة ونشرنا الحكمة في العالم، فلا ينبغي أن نخرج عن هذه الحكمة التي تعلِّمنا أن نسمع ونطيع مهما تكُن الظروف ومهما تكن المُلِمَّات.
لقد أفلح من طار بجناح أو استسلم فأراح، ونحن المصريين لا نُحْسِنُ أن نطير لأننا لسنا أُولِي أجنحة، أو لأن أجنحتنا لم ينبت فيها الريش بعدُ!
فلنصبر حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا. -
الملعب الأكبر
الملعب الأكبر
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
١٣ يناير ١٩٤٦
هو هذا الذي يفتتح اليوم (الخميس) في لندرة، ويقوم فيها أسابيع، بعد أن افتُتح في أبريل الماضي في مدينة سان فرنسسكو وقام فيها شهرين، وهو الملعب الأكبر بأدقِّ معاني هذه الكلمة وأوسعها، فيه جدٌّ كثير؛ لأنه يمسُّ مستقبل الإنسانية كلها، ويحاول أن يتصوره وأن يصوره على نحو ما، وفيه هزل كثيرٌ؛ لأن الإنسان مغرور بطبعه، محاول أكثر مما يستطيع، متعرِّض في هذه المحاولة لألوان من الخلط والخطأ، تضحك أحيانًا، وتبكي أحيانًا أخرى. وفيه فكاهة كثيرة؛ لأن الذين يمثلون فيه قد أقبلوا من أكثر أقطار الأرض، مندوبين عن أكبر شعوب الأرض، وكل منهم يحمل مزاج شعبه أولًا، ومزاج نفسه ثانيًا، أو قل إن شئت إن كلًّا منهم يحمل مزاج نفسه، ثم يحمل مزاج شعبه.
ومهما يكن من شيء فهم يحملون أمزجة مختلفة أشد الاختلاف، متباينة أشد التباين، وكل هذه الأمزجة المختلفة المتباينة ستتفق وتفترق، وستأتلف وتختلف، وستتصل وتنفصل، وسينشأ عن اتفاقها وافتراقها، وعن ائتلافها واختلافها، وعن اتصالها وانفصالها كثيرٌ جدًّا من الدعابة التي تثير الابتسام، والفكاهة التي تدفع إلى الضحك، والجد الذي يحمل على التفكير.
وقد كان من الظواهر التي تؤيد ما ذهب إليه أرستطاليس من أن الإنسان مدني بالطبع، أن يجتمع أهل المدينة الواحدة كافة ليشهدوا التمثيل في الملعب، أو أن يجتمع نوَّابهم وشيوخهم ليديروا بينهم حديث السياسة والإدارة والتشريع، أو أن يجتمع مندوبو المدن المختلفة من الأمة الواحدة ليزوروا معبد أبولون، أو ليشهدوا الألعاب الأولمبية ويشاركوا فيها.
وكان اجتماع المندوبين عن القبائل العربية — ليحجوا البيت قبل الإسلام، أو ليبيعوا ويشتروا في سوق عكاظ — مظهرًا أيضًا من مظاهر التأييد لما كان يقوله أرستطاليس من أن الإنسان مدني بالطبع.
والذين يتتبعون التطور الاجتماعي للحضارة — على اختلاف الأمم والشعوب، وعلى اختلاف العصور والظروف — يقتنعون فيما أظن بأن الإنسانية ما زالت تجتهد لتثبت أنها مدنية بالطبع، وأنها في حاجة إلى التعاون والتآزر؛ لتعيش أولًا ولترقى وترقي الحضارة ثانيًا. ولكن الذين يتتبعون التطور الاجتماعي للحياة الإنسانية يقتنعون أيضًا فيما أظن بأن الإنسانية وحشية بالطبع، تتعاون ما وسعها التعاون، ولكنها تتنافر ما وسعها التنافر أيضًا. ولعلها لا تقبل على التعاون ولا تحرص عليه إلَّا بعد أن تذوق مرارة التنافر، وتصطلي نار الحرب، وتضيق بما يزهق من النفوس، وما يسفك من الدماء. فالإنسانية مدنية بالطبع، ووحشية بالطبع، أو هي كما يقول أبو العلاء: إنسية الولادة، وحشية الغريزة.
ولكن أرستطاليس لم يقرر هذه الحقيقة وحدها في كتاب السياسة، وإنما قرر حقيقة أخرى في كتاب المنطق، وهي أن النقيضين لا يجتمعان. وكما أن الإنسانية عملت وستعمل ما تستطيع؛ لتثبت أن المعلم الأول لم يخطئ في الحقيقة، فهي كذلك قد عملت، وستعمل ما تستطيع لتثبت أن المعلم الأول لم يخطئ في الحقيقة الثانية. فالإنسانية تتعاون في السلم وتتنافر في الحرب، وهي لا تجمع بين التعاون والتنافر في وقت واحد وفي مكان واحد وفي ظروف واحدة. وكذلك تجري الأمور كما أراد المعلم الأول أن تجري؛ فتتحقق للإنسانية مدنيتها وقتًا طويلًا تزهر فيه الحضارة، وتثمر فيه المدنية، ويشتدُّ فيه التعاون، ويعظم فيه الائتلاف والإخاء. ثم تتحقق للإنسانية وحشيتها؛ فتضطرب الحضارة، وتفسد المدنية، وتضيع الألفة، ويصبح بعض الناس لبعض عدوًّا. غير أن الإنسانية متقدمة دائمًا، وهي تحب أرستطاليس أشدَّ الحب، وتكبر فلسفته أعظم الإكبار، ولكنها في الوقت نفسه تصلح هذه الفلسفة ما وسعها الإصلاح، وتهدمها إن اقتضى الإصلاح هدمها!
ولم يكن تاريخ النهضة الأوروبية في العصر الحديث إلَّا تقويمًا لما اعوجَّ من فلسفة المعلم الأول، وإصلاحًا لما فسد من نظرياته، وإلغاءً لبعض هذه النظريات حين يقتضي تقدم العقل إلغاءها. فليس من الضروري مثلًا ألَّا يجتمع النقيضان، وألَّا يكون الناس في وقت واحد ممعنين في الحرب والسلم، وغارقين في المدنية والوحشية، وإنما التقدم الصحيح والرقي العقلي المنتج هو الذي يتيح للإنسان أن يحارب ويسالم، وأن يتحضَّر ويتوحش، وأن يرفع بيمينه غصن الزيتون، ويشهر بشماله السيف الذي يتراءى فيه الموت، أو الذي يقطر منه الموت والدمار.
كل ذلك شيءٌ ممكن، أو شيء يجب أن يكون ممكنًا، أو شيء يجب أن يتحقق بالفعل؛ ليعلم الناس أنهم يرتقون، وأن عقولهم تخضع الطبيعة لسلطانها، وأن فلسفة المعلم الأول — على ما تحف به من التوقير والإجلال — قد أصبحت قديمة رَثَّة لا تلائم حياة النهضة والتجديد. وقد نجحت الإنسانية المتحضِّرة بعضَ النجاح في الجمع بين النقيضين، وفي تحقيق الحرب والسلم معًا، حين كانت عصبة الأمم تمثل فصولها الرائعة في جنيف في نفس الوقت الذي كانت إيطاليا تعتدي فيه على الحبشة اعتداءً خليقًا بآلهة العصر القديم. ولكن الإنسانية في ذلك الوقت لم تبلغ من النجاح أقصاه، ولم تنته به إلى غايته، فهي قد حاولت أن تكفَّ إيطاليا عن الأذى، وتردَّها عن العدوان، وهي قد فرضت على إيطاليا عقوبات اقتصادية لم تنفذها، أو لم تُرِدْ تنفيذها، أو لم تفلح في تنفيذها.
وهي على كل حال قد أنكرت عدوان إيطاليا، وتركتها مع ذلك تعتدي، وتركت لسفنها وجندها قناة السويس تمر بها مرفوعة الأعلام موفورة الحظ من التوقير والإجلال، تحمل الهول والموت والدمار إلى قومٍ لم يكن لهم حول ولا طول ولا قدرة على الدفاع. ثم لم يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما اعترفت الإنسانية بالفتح الإيطالي في أرض الحبشة، وقبلت بريطانيا العظمى وفرنسا وغيرهما أن يلقب ملك إيطاليا — كما يلقب ملك بريطانيا العظمى — بهذا اللقب العظيم: الملك الإمبراطور.
بل لم يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما نظرت الإنسانية — راضيةً ساخطةً، وقابلةً رافضةً — إلى إيطاليا وهي تعتدي على ألبانيا، وتمطر عليهم الموت في يوم من الأيام المقدسة عند المسيحيين، وإلى ألمانيا وهي تُلغِي استقلال النمسا إلغاءً، وتعلن الحماية على تشكوسلوفاكيا إعلانًا، وفي أثناء هذا كله كانت المدنية الطبيعية تستخفي شيئًا فشيئًا، وكانت الوحشية الطبيعية تتراءى قليلًا قليلًا. حتى إذا كان اليوم المعلوم شبَّت نار الحرب العالمية الثانية، وامتلأت الأرض هولًا، واستمتعت بهذه النعمة العظيمة، نعمة الدمار يهدم كل عمران، والموت يختطف الأبرياء والضعفاء، يخرج لهم من الأرض، ويهبط عليهم من السماء، وهم يقبلون على هذه الخطوب راضين بها أو كارهين لها، ولكنهم يقبلون عليها لأنهم لا يجدون عنها مرَدًّا.
ثم ضعفت القوى، وفتر النشاط، فأغمي علي إيطاليا، ثم استسلمت ألمانيا، ثم صرعت اليابان. ثم أخذت الوحشية تستخفي شيئًا فشيئًا، وجعلت المدنية الطبيعية تظهر قليلًا قليلًا. ثم استُؤْنِفَ التمثيل في الملاعب الخاصة، واستؤنف بعد ذلك في الملعب العام، فمثلت في سان فرنسسكو قصة ميثاق الأمم المتحدة، وأخذ الآن في تمثيل قصة أخرى هي جماعة الأمم المتحدة، وما سيتصل بها من المجالس واللجان.
وكان التمثيل في العصر القديم يستغرق يومًا كاملًا، يبتدئ مع الصبح وينتهي عند مقدم الليل، ثم أصبح يستغرق ساعات قليلة، ولكنه في هذه الأيام قد أخذ يستغرق الأسابيع، ولعله يستغرق الأشهر أحيانًا.
وليس في ذلك شيءٌ من الغرابة؛ فإن القصص التي تمثل في الملعب الأكبر طويلة مسرفة في الطول، معقدة مغرقة في التعقيد؛ لأنها تمثيل بشئون الإنسانية كلها، لا شئون مدينة واحدة من المدن، أو فرد واحد من الأفراد.
وكان القدماء يعرفون نوعين من التمثيل؛ التمثيل المحزن … التراجيديا، والتمثيل الملهي … الكوميديا. ثم جاء المحدثون فأنشئوا فنًّا ثالثًا يضحك ويبكي، ويسوء ويسر، وهو الدراما. وربما افتنُّوا في هذا الفن الجديد، فخالفوا فيه بين الضحك والبكاء، وبين الحديث والغناء، وأكثروا من ذلك حتى يتنوع الفن، وتجد فيه ملكات الإنسان كلها ما تريد من المتاع.
وقد آثر الملعب الأكبر هذا النوع المعقد من الفن الجديد. فقد رأيت في سان فرنسسكو ما شاء الله أن ترى — وسمعت ما شاء الله أن تسمع — من الخصام العنيف، والوئام الظريف، ومن الجدِّ الذي يرتفع حتى يبلغ الروعة، والهزل الذي ينخفض حتى ينتهي إلى الإسفاف، ولم يكد يلقى الستار في الصيف الماضي حتى تبين أن أبا نُوَاس لم يكن مخطئًا حين قال:
صار جدًّا ما مزحت بهرُب جدٍّ جره اللعبُ
فقد لعبت الأمم في سان فرنسسكو ما شاء الله لها أن تلعب، ثم انتهت إلى هذا الجدِّ المخيف، وهو أن الأمم الصغيرة الضعيفة كانت مضطرة إلى أن تخضع لسلطان الأقوياء، غير مقرة بهذا الخضوع ولا مذعنة له إلَّا كارهة، فأصبحت الآن تخضع لهذا السلطان عن رضًا خالص، واختيار حر، وإيمان لا إكراه فيه.
لقد أمضى ممثلوها ميثاق سان فرنسسكو، وأقرت برلماناتها هذا الميثاق، واعترفت هذه الأمم بأن من حقِّ القوي أن يتحكم في الضعيف، وبأن من حق الكبير أن يسيطر على الصغير، وبأن من حق الغني أن يصرِّف أمور الفقير كما يحب ويهوى؛ فأمور العالم قد أصبحت بحكم الميثاق إلى طبقتين من الأمم: إحداهما طبقة الأرستقراطية العليا، وهي الدول الثلاث المنتصرة، والأخرى طبقة الأرستقراطية المتوسطة، وهي هذه الدول الثلاث، يضاف إليها فرنسا والصين. ولا تقل إن الأمم المتحدة كلها ممثلة في الجمعية العامة، فليس لهذه الجمعية العامة رأي ذو خطر في الحرب والسلم، ولا تقل إن هذه الجمعية ممثلة في مجلس الأمن، فليس لمجلس الأمن رأي ذو خطر في الحرب والسلم، إلَّا إذا أقرته الدول الخمس الكبرى مجتمعة. بل قل إن شئت إن النظام الجديد للعالم الجديد يتيح لدولة واحدة من الدول الخمس أن تتحكم في العالم كما تريد، فقد عاد النظام الدولي إلى لون طريف من حكم الفرد، أو قل إلى لون طريف من تحكم الفرد. وإذا ذكرت الفرد فإنما أريد به معناه الدقيق. فقد تدبر الأمم الكبرى والصغرى شيئًا من الأشياء، ولكنه لا يتم لأن المستر إتلي، أو المستر ترومان، أو الماريشال ستالين، أو الجنرال ديجول، أو المارشال تشاي كنج تشيك، قال عابسًا أو مبتسمًا: لا …
ثم نحن نشهد الآن القصة الثانية في الملعب الأكبر الذي يقوم في لندرة، والذي سينشئ جماعة الأمم المتحدة … أستغفر الله، بل سيمنحها الوجود، ويضع لها القواعد واللوائح والأصول، وينشئ مجلس الأمن، ومجلس الوصاية، ومجلس الطاقة الذرية، وما شئت من المجالس واللجان، والقصة تمثل على نفس النحو الذي مثلت عليه قصة سان فرنسسكو؛ فقد اجتمع المنتصرون في القرم، ووضعوا القصة التمثيلية لملعب سان فرانسسكو، فمثلها أحسن تمثيل، ثم اجتمع المنتصرون في موسكو أخيرًا، فوضعوا القصة التمثيلية لملعب لندرة، وسيمثلها بإذن الله أحسن تمثيل.
على أن هناك قصصًا يتاح لها النجاح، وأخرى يتاح لها السقوط؛ فقد وضع المنتصرون قصة سان فرنسسكو، وأتيح لها النجاح، ولكنهم وضعوا قصة أخرى في بوتسدام، فلما عُرِضت للتمثيل في لندرة أثناء الخريف؛ أخفق وزراء الخارجية الخمسة في تمثيلها إخفاقًا شنيعًا. وهم قد وضعوا التمثيلية الثالثة في موسكو، ورفع الستار عنها في لندرة اليوم، وأخذ العالم كله يشهد التمثيل من طريق الراديو والبرق والصحف، وستنبئنا الأيام المقبلة بما كتب لهذه التمثيلية من نجاح أو سقوط.
والشيء المحقق هو أن الصلة مقطوعة قطعًا خطيرًا بين هذا الفن من التمثيل وبين الحياة، فتستطيع أن تقول إن هذا التمثيل يجري على هامش العالم، وتستطيع أن تقول إن حياة العالم نفسه تجري على هامش التمثيل. فمشكلة إيران ومشكلة تركيا، ومشكلات الشرق الأدنى، ومشكلات الشرق الأقصى؛ كل هذه المشكلات تسلك طريقها إلى التعقد والارتباك — أو إلى الحل والانفراج — دون أن يظهر أثر شيء من ذلك فيما يجري على الملعب من تمثيل. ومن يدري لعلها تتعقد وترتبك — أو تنحل وتنفرج — فيما بين الفصول من أوقات الراحة. ومهما يكن من شيء فمن حق العالم أن يلهو وينعم بعد أن حُرِمَ اللهو والنعيم ستة أعوام. والتمثيل لون من ألوان اللهو، وضرب من ضروب النعيم، فليستمتع العالم بقصة لوندرة كما استمتع بقصة سان فرنسسكو. ولكن الخطر كلَّ الخطر أن تنخدع الأمم الصغيرة فتأخذ التمثيل على أنه حق، فليس التمثيل إلَّا فنًّا، فأمَّا الحق فهو عناية الأمم بنفسها، واعتمادها على ما تبذل من الجهود. -
بعد الاتفاق …
بعد الاتفاق …
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
٣٠ ديسمبر ١٩٤٥
يقال: إن المنتصرين قد استطاعوا — بعد الجهد — أن يتفقوا أو أن يقاربوا الاتفاق، ولم يكن من ذلك بد. فالذين تعاونوا على كسب الحرب، وجنوا ثمرات هذا التعاون، يجب أن يتعاونوا — ولو إلى حين — على تنظيم السلم. ضرورة لا منصرف عنها، فقد سئمت الشعوب الحرب، وأصبحت في حاجة إلى أن تستريح، وإلى أن تعوض ما خسرت وتصلح من أمرها ما أفسدت هذه الأعوام الثقال الطوال.
والحكومات لم تنشأ لتدفع الشعوب إلى الجهاد المتصل، والصراع الذي لا ينقضي. ولو قد أخفقت حكومات المنتصرين، ولم توفق إلى شيء من تقريب وجهات النظر؛ لخذلتها شعوبها، ولأقامت مكانها حكومات أخرى أكثر منها مرونة، وأقدر منها على التسامح وتيسير العسير من الأمر. وقد قدرت الحكومات هذا كله فأحسنت تقديره. تشددت حتى وصلت من التشدد إلى غايته، فلما استيقنت أن الحبل مقطوع إذا لم ترخِ منه شيئًا؛ لانت وآثرتِ العافية. وقد لاحظت في بعض هذه الأحاديث أن الرحلة إلى موسكو كانت في نفسها تمهيدًا لهذا الاتفاق، وفوزًا محققًا لروسيا. فالذين يتبعون شئون السياسة العالمية، يذكرون أن مؤتمر وزراء الخارجية إنما أخفق؛ لأن روسيا أبت إلَّا أن تستمسك بالقواعد التي وضعت في القرم وفي بوتسدام، وقوامها أن يستأثر المنتصرون العظام بالأمر كله، وأن يشركوا من الدول الأخرى من يشاءون فيما يشاءون من الأمر، وألَّا يقيدوا أنفسهم بما قد ينشأ عن اشتراك الدول الأخرى معهم من القيود.
فليس من الضروري مثلًا أن تشترك فرنسا والصين في معاهدات الصلح التي يراد فرضها على بلغاريا والمجر، وليس من الضروري أن تشترك الصين في معاهدة الصلح التي يراد فرضها على إيطاليا. وإنما يستأثر المنتصرون العظام بفرض ما يريدون من السلم على دول البلقان، ويشركون معهم فرنسا في فرض السلم على إيطاليا، ويشركون معهم الصين في فرض السلم على اليابان. وكان الإنجليز والأمريكيون يودُّون لو نهض الخمسة بكل هذه الأمور، فلما تشدد الرفيق مولوتوف؛ تفرق الخمسة ولم يصنعوا شيئًا. ثم امتلأت الأرض وعيدًا وتهديدًا، فكان حديث القنبلة الذرية، واستئثار السكسونيين بأسرارها، وكان التلويح بإلغاء حق الاعتراض، وكان التفكير في تكوين الكتلة الغربية. كان هذا كله من ناحية، وكان من الناحية الأخرى تنويه بأن لدى الروسيين ما يعدل القنبلة الذرية، ويزيد عليها وكان التشدد في تكوين كتلة الشرق، وكانت إثارة المشكلات في إيران وحول تركيا. وظنَّ الناس — أمام هذا كله — أن العالم مقدم على الحرب الثالثة، قبل أن يستريح من الحرب الثانية، ولكن العالم لم يقدم على الحرب؛ لأنه لا يستطيع الإقدام عليها، ولما يفرغ منها بعد.
وإذا كانت الرحلة إلى موسكو انتصارًا للسياسة الروسية، فقد يظهر أن الاتفاق في موسكو إنما هو انتصار آخر للسياسة الروسية أيضًا. فقد ظفر الرفيق مولوتوف بحقيقة ما أراد، وظفر السكسونيون بصورة ما كانوا يريدون. فأقصيت فرنسا عن وضع معاهدات البلقان، وأُقصيت الصين عن وضع معاهدة إيطاليا، واستأثر الثلاثة العظام بالأمر كله، على أن يعرضوا ما يضعون من المعاهدات على بعض الدول — دون بعض — في مؤتمر يعقد لإقرار الصلح.
وكذلك أخذ الرفيق مولوتوف كثيرًا، ولم يعطِ إلَّا قليلًا. والمهم هو أن المنتصرين قد اتفقوا — أو دنوا من الاتفاق — إن صحَّت الأخبار. فسيستقبل العالم أول العام الجديد في شيء من الهدوء والاطمئنان — وإن كان من المحقق أنه سيستقبل غدًا أو بعد غدٍ — خصومات أخرى تستأنف حول هذا الموضوع أو ذاك. فلا بدَّ للساسة من أن يعيشوا ومن أن يمارسوا مهنتهم، فيكون الاختصام اليوم والاتفاق غدًا، والحوار حول الخصام والوفاق، فهذه هي مادة السياسة العالمية بل هي المادة الطبيعية لكل سياسة.
على أن الاتفاق الذي تم في موسكو ليس من هوان الشأن وضآلة الخطر بحيث نستطيع أن نتحدث عنه كما نتحدث عن الأحداث الهينة، فقد يظهر أن عواقب هذا الاتفاق ستكون بعيدة الأثرة في حياة كثير من الشعوب؛ في حياة الشعوب الضعيفة أو المستضعفة. فما عسى أن يكون اتجاه السياسة في إيران، هل اتفق عليه المنتصرون، أم هل لا يزالون يختلفون فيه؟ وما عسى أن يكون اتجاه السياسة في المشكلات التي أُثيرت حول تركيا؟ ثم ما عسى أن يكون اتجاه السياسة في مشكلات الشرق الأقصى وفي مشكلات الشرق الأدنى؟ لقد حملت إلينا الأنباء فروضًا لا ترضي، ولا تشيع الاطمئنان في القلوب، ولعلها أن تكون مزعجة مخيفة. فقد يقال: إن الاتفاق قد تم على أن يقسم العالم إلى مناطق تستأثر بالنفوذ فيها هذه الدولة أو تلك من الدول الثلاث الكبرى. فلروسيا شرق أوروبا، ولبريطانيا غربها، ولأمريكا الشرق الأقصى، ولبريطانيا الشرق الأدنى. والمهم أن تنظم الأمور على نحو يرضي الأشكال والصور، أكثر مما يرضي الحقائق والجوهر. فلن تفقد الدول المستقلة استقلالها؛ لأن العالم يمضي إلى أمام لا إلى وراء، ولكنها ستتلقى المعونة على حماية هذا الاستقلال، وقد تتلقى المعونة على الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي، وقد تتلقى المعونة على الإصلاح السياسي نفسه. وستبذل هذه المعونة من مجلس الأمن الذي تنتخبه الأمم المتحدة كلها، وستكلف كل دولة من الدول الكبرى المنتصرة بذل هذه المعونة لهذه المنطقة أو تلك نيابةً عن مجلس الأمن. وكذلك يلقى في رُوع الناس أن العالم كله مستقل يدبر أمره بنفسه، ما دام مجلس الأمن الذي انتخبه العالم كله هو الذي سيدبر هذا الأمر بواسطة المندوبين الذين يَكِلُ إليهم هذا التدبير.
وما من شك في أن هذا نوع طريف من التفكير السياسي، لم يكن العالم يعرفه قبل الحرب الثانية الكبرى. إنما كان العالم يعرف الاستعمار والحماية والانتداب. كان يعرف الاستعمار السافر، والاستعمار المقنَّع. وكان قناع الاستعمار يسمى حماية حينًا، وانتدابًا حينًا آخر، وربما سُمي محالفة في بعض الأحيان. أمَّا الآن فسيعرف العالم استعمارًا سافرًا؛ لأن المنتصرين لن ينزلوا عن مستعمراتهم، ولن يهدوا إليها استقلالها. وسيعرف استعمارًا مقنَّعًا، ولكن اسم القناع قد يتغير، ويسمى وصاية بعد أن كان يسمى انتدابًا. وقد تتغير طبيعة الوصاية، فلا يعهد بها إلى دولة واحدة، كما كان يعهد بالانتداب إلى دولة واحدة، وإنما يعهد بها إلى غير دولة؛ ليتعاون المنتصرون على الرفق بالإنسان، وعلى ترقية الشعوب والسعي بها في طريق الاستقلال؛ لعلها تبلغه بعد وقت يقصر أو يطول. على أن هناك استعمارًا مقنعًا من نوع جديد حقًّا، فسيسمى قناعه تعاونًا دوليًّا. سيكون هذا الاستعمار المقنع، هذا الاستعمار التعاوني، أو هذا التعاون الاستعماري، سيكون هذا الاستعمار الجديد في المناطق التي تعيش فيها أمم مستقلة، ولكنها ضعيفة تحتاج إلى من يحميها، أو فقيرة تحتاج إلى من يغنيها، أو منحطة تحتاج إلى من يرقيها. ولم تستطع الدول المنتصرة — أو لم ترد — أن تلغي استقلالها، أو أن تتقسمها فيما بينها. تتفق هذه الدول المنتصرة على أن تبذل لهذه الأمم الضعيفة الفقيرة المتأخرة ما تحتاج إليه من قوة ومال ورقي. سيكون هذا بواسطة مجلس الأمن، وما ينشئه هذا المجلس من لجان، ستراعي كرامة هذه الأمم وعزتها الوطنية كل المراعاة، فلن تنفرد لجان مجلس الأمن بتنظيم المعونة التي تقدم إليها. ولكنَّ هذه الأمم ستشارك في تنظيم هذه المعونة، وستشارك في تنظيمها على قدم المساواة كما يقال، أو مشاركة الند للند كما يقال أيضًا. وأي غرابة في هذا من هذه الأمم أعضاء في جامعة الأمم المتحدة! فهي من هذه الناحية تجلس مع المنتصرين في مجلس واحد، وتستمتع بحظٍّ من المساواة. وهذه الأمم تشارك في انتخاب مجلس الأمن، أو في انتخاب بعض الأعضاء في مجلس الأمن، فليس عليها غضاضة إذا أعانها مجلس الأمن. ثم إن اللجان التي سيؤلفها مجلس الأمن لن تعمل وحدها، بل سيضم إليها أعضاء تختارهم هذه الأمم نفسها، فأي ديمقراطية خير من هذه الديمقراطية، وأي عدل أشمل من هذا العدل؟! وقد ضربت الأخبار مثلًا لهذا النوع الجديد من التعاون الدولي، وذكرت الشرق الأدنى، وصوَّرت لنا مجلس المعونة الذي قد يدبر أمره في مستقبل الأيام. فبلاد الشرق الأدنى مستقلة كلها إلَّا فلسطين، ولا يمكن إذن أن يتعرض استقلال هذه البلاد لخطر ما. ولكن الشرق الأدنى لا يستطيع أن يحمي نفسه؛ لأنه لا يملك القنبلة الذرية التي يملكها السكسونيون، ولا يملك القنبلة الأخرى التي يملكها الروسيون، فهو إذن لا يستطيع أن ينفرد بحماية نفسه. ومن حيث إن طرق المواصلات العالمية تمر به، فحمايته شيء أساسي لا بدَّ منه. ومن أجل ذلك سيقدم إليه مجلس الأمن ما يحتاج إليه من القوة؛ ليحمي نفسه أولًا، وليحمي الطرق العالمية ثانيًا. ولن يكون في هذا خطر على الاستقلال؛ لأن الخطر إنما يتحقق حين تنفرد دولة واحدة بالسيطرة، فأمَّا إذا وزعت هذه السيطرة أو ألغيت، وقام مجلس الأمن مقام الدولة الواحدة، فالاستقلال بمأمن من كل سوء.
كان العيب كل العيب في أن تستأثر بريطانيا العظمى وحدها بحماية جزء من الشرق الأدنى، وتستأثر فرنسا بحماية جزء آخر. فأمَّا الآن فلن يكون للشرق حامٍ واحد، أو حاميان اثنان، بل سيكون له حماة كثيرون، وسيكون هو نفسه بعض هؤلاء الحماة.
وفي بلاد الشرق الأدنى فقر يجب أن يُزال، وقد عجز الشرق الأدنى عن أن يزيل الفقر من بلاده، فيجب أن يعينه مجلس الأمن على إزالة الفقر. وليس عليه من ذلك بأس؛ لأنه سيكون ممثلًا في اللجان التي ستحارب الفقر فيه.
وفي الشرق الأدنى جهل يجب أن يطرده العلم، وقد عجز الشرق الأدنى إلى الآن عن تحرير نفسه من الجهل، فسيعان على هذا التحرير، وسيشارك فيه. وهو إذن سيحتفظ باستقلاله كاملًا موفورًا، وسيهدى إليه مع هذا الاستقلال ما يحتاج إليه من المعونة العسكرية والاقتصادية والثقافية؛ ليمضي في طريقه إلى الرقي. فإذا لم يرضه ذلك فهو مسرف على نفسه في الطمع والطموح.
سيؤلف إذن مجلس لهذه المنطقة من مناطق الأرض التي تسمى الشرق الأدنى، وسيشترك في هذا المجلس أعضاء يمثلون البلاد الشرقية، وأعضاء آخرون يمثلون مجلس الأمن، وفي ظل هذا المجلس الموقر الخطير ستستمتع البلاد الشرقية باستقلالها فتمارس البرلمانات سلطتها التشريعية، وتمارس الحكومات سلطتها التنفيذية، وتنعم الشعوب بهذا النظام الديمقراطي البديع.
وليس في هذا النظام عيب إلَّا أن الشعوب نفسها لم تستشر فيه، ولعلها لا تحبه ولا ترضاه، ولكنها ستستمتع به على رغمها؛ لأن المنتصرين يريدون أن يمتعوها به. ومن الذي يستطيع أن يقول لا إذا تكلم المنتصرون؟! والمنتصرون بعد ذلك لا يريدون بهذه البلاد إلَّا خيرًا، ولا يهدون إليها إلَّا كرامة، ولا يأبى الكرامة إلَّا اللئيم!
على أن الأمر يحتاج إلى شيء من الوضوح، فقد ينبغي أن نسأل: إذا كانت الأمور ستجري على هذا النحو في الشرق الأدنى مثلًا، فما فائدة الاتفاق الذي عقد بين بريطانيا العظمى وفرنسا على شئون هذا الشرق الأدنى؟ أيمكن أن يكون هذا الاتفاق قد عقد احتياطًا للمستقبل؟ فالآن وقد اجتمعت كلمة المنتصرين العظام، فسيلغى هذا الاتفاق. أم ترى هذا الاتفاق قد عقد ليعمل به مؤقتًا، حتى إذا تم تنظيم العالم الجديد، وأنشئ مجلس الأمن، وألَّف هذا المجلس لجانه ألغى هذا الاتفاق لانتفاء الحاجة إليه؟ أم يمكن أن يكون هذا الاتفاق قد عقد ليبقى العمل به في ظل مجلس الأمن، وفي ظل لجنته المنتظرة؟ كل شيء ممكن. ولكنَّ هناك شيئًا محققًا، وهو أن شعوب الشرق الأدنى ستضيع بين هذه النظم المعقدة أشنع تعقيد، المشتبكة أشد اشتباك. فستخضع هذه الشعوب لنظمها الداخلية التي عقدتها الديمقراطية بما أنشأت فيها من برلمانات ووزارات وتشكيلات لا تحصى. وستخضع لجامعة الأمم العربية فيما تباشر من سلطة، وستخضع للجنة مجلس الأمن، وما ستنشئ هذه اللجنة من فروع عسكرية واقتصادية واجتماعية. وستتأثر هذه الشعوب بعد هذا كله بما يكون من نتائج الاتفاق الودِّي الجديد بين الإنجليز والفرنسيين. ألست ترى أن الحياة الجديدة ستكون عناءً طويلًا، وهمًّا ثقيلًا، واضطرابًا في هذه النظم التي تشبه قصور التيه؟ وما ينبغي أن نشكو من هذا، فالتعقيد دليل الرقي، والبساطة دليل الانحطاط. والدليل على ذلك أن الأمم كانت منحطة حقًّا، حين كانت حكومتها بسيطة، ينهض بها فرد مستبد، ويعاونه على ذلك جماعة من الموظفين. فأمَّا الآن فقد ارتقت الأمم، وتعقدت حياتها بحكم هذا الرقي، وتعقدت مع ذلك نظمها السياسية.
وليس من شك في أن العالم الجديد — الذي ينشأ الآن — سيكون أرقى من العالم القديم الذي هدمته الحرب. وهو من أجل ذلك يزداد صعوبة وتعقيدًا. فتضاف فيه مجالس إلى مجالس، وهيئات إلى هيئات ولجان إلى لجان.
فمن كان يعجبه الرقي فلينشرح صدره لهذا الفوز العظيم، ومن كان يؤثر البساطة فليحزن على العصور القديمة التي كان العالم ينعم فيها بالراحة في ظل الاستبداد. ومن كان يريد الجِد فليستيقن بأن حياة الناس واحدة، مهما تختلف العصور: قويٌّ يقهر الضعيف، وغنيٌّ يقهر الفقير، ومتعلمٌ يسيطر على الجاهل. وما دام المنتصرون هم أصحاب القوة والثروة والعلم فإليهم أمور العالم، سواء أراد العالم أم لم يرد. فإن اتفقوا خضع العالم لسلم قوية مسيطرة، وإن اختلفوا مُزِّق العالم شرَّ ممزق لما يثور بينهم من حرب. سنَّة اللَّه ولن تجد لسنَّة اللَّه تبديلًا. -
أزمة

أزمة
كانت هذه الأزمة متوقعة قبل أن تنتهى الحرب ، حين اجتمع رؤساء الدول الثلاث الكبرى فى يالتا ، وآثروا أنفسهم بالقضاء فى شؤون العالم وحدهم ، وأبوا أن يشركوا معهم غيرهم من رؤساء الدول التي احتملت مثل ما احتملت الدول الثلاث من أثقال الحرب ، وضحت بأكثر مما ضحت به الدول الثلاث فى مقاومة العدوان .
وقد كان رؤساء الدول الثلاث الكبرى يحتجون فى نوفمبر الماضي بأن شؤون الحرب ، وخطط الهجوم ، انما يدرسها الذين يشاركون في الحرب مشاركة خطيرة ، ويحتملون أعباءها الثقال . وكانت الجيوش التي تخوض غمار الحرب في ذلك الوقت ، هي جيوش هذه الدول الكبرى . ولكن دولا أخرى تلقت الصدمة الأولى ، وسرعت في الميدان ، واحتلها العدو وأذاق أهلها ألوان العذاب ، وجعلت تقاوم في ميادين أخرى ، وتشارك في الحرب كما تستطيع ، وتعين الحلفاء بما كانت تملك من جهد وقوة ومال . وكان من حق هذه الدول ألا تهمل ، وألا ينظر اليها على انها دول تابعة ، تتلقى أوامر السادة المنتصرين فى شيء من الرفق بها ، والعطف عليها ، كما يتلقى العدو المنهزم أوامر السادة المنتصرين ، فى كثير من الشدة والعنف .
في ذلك الوقت كان من الطبيعى أن تشترك فرنسا فى مؤتمر يالتا ، وهي التي فقدت جيشها وأسطولها ، والتي احتل العدو أرضها ، والتي قاومت فى امبراطوريتها وحرصت على أن تمثل في جميع ميادين القتال . وكان من الطبيعى ألا تهمل بلجيكا ، والا تهمل هولندا التي فقدت وطنها ، كما فقدت امبراطوريتها ، وكان من الممكن أن يجد تشرشل و روزفلت و ستالين وسيلة لأشعار هذه الدول بأن حلفاءها يعرفون لها ما احتملت من جهد ، وما بذلت من تضحية ، ويحسبون حسابها للمستقبل ، كما انتفعوا بجهودها في الماضي ، ولكن هؤلاء الرؤساء الثلاثة قسموا العالم فى ذلك الوقت إلى طبقات بعضها فوق بعض ، أولاها طبقة السادة المنتصرين ، والأخرى طبقة الشعوب المحررة والثالثة طبقة الشعوب المستضعفة التى لم تحارب رسميا ، ولكنها أعانت الحلفاء من قريب أو بعيد ، والأخيرة طبقة العدو المنهزم . وخيل المنتصرون لأنفسهم انهم يستطيعون أن يقضوا فى شؤون العالم وحدهم ، لأنهم يملكون القوة فيجب أن يملكوا الحق ، ولأنهم ينقذون العالم من طغيان هتلر وموسوليني فمن حقهم أن يفرضوا سلطانهم مكان هذا الطغيان .
وليس من شك فى أن الرؤساء الثلاثة كانوا أقوياء بهذه الجيوش التي كانوا يدبرون أمرها ، وبهذه الشعوب التي كانوا يقودونها إلى النصر ، وبهذه الأموال والمؤن التي كانوا يعينون بها الشعوب المحررة ، وليس من شك فى أنهم كذلك قد كانوا ساسة بارعين ، بل كانوا ائمة العالم فى السياسة البارعة والذكاء النافذ ، ولكن الناس يخطئون مهما يعظم حظهم من الذكاء ، ومهما أتيح لهم من التفوق والبراعة .
وقد أخطأ الرؤساء الثلاثة فى ذلك الوقت ، لأنهم فكروا فى الحاضر وحده ، ونسوا عبرة الماضي ، ولم يحسنوا تقدير المستقبل القريب ، فضلا عن المستقبل البعيد ، فهم كانوا قادرين على إنهاء الحرب وإحراز النصر ، ولكنهم لم يكونوا قادرين على أن ينهضوا وحدهم بتنظيم السلم ووضع الأسس المتينة للعالم الجديد .
ولم يكد مؤتمر الرؤساء الثلاثة يجتمع فى القرم ، حتى انكرت فرنسا إقصاءها عنه ، والقضاء في شؤون الحرب والسلم وهى غائبة ، ولم تكتف فرنسا بالإنكار اللفظي ، ولكنها رفضت الاشتراك فى الدعوة إلى مؤتمر سان فرنسسكو ، ثم لم تكتف بهذا بل تجاوزته إلى شيء من الغضب الذى لم يخل من بعض العنف ، فاعتذر الجنرال دى جول من عدم مقابلة الرئيس روزفلت حين دعاه لمقابلته في الجزائر . وكان لهذا الاعتذار اثر بغيض في العلاقات بين الدولتين الديمقراطيتين اللتين يرجع الود بينهما إلى عهد بعيد . ومهما يكن من شيء فقد فهم العالم ، بعد انعقاد مؤتمر القرم ، أن أموره لن تجرى على المساواة الصحيحة بين الأمم ، وأن التعاون لن يقوم مقام الاثرة ، وأن العالم الجديد لن يكون خيرا من العالم القديم . ومنذ ذلك الوقت كثرت الشكوك ، وساءت الظنون وأصبح الخوف أساس السياسة مكان الثقة والرجاء . ثم انعقد مؤتمر سان فرنسسكو بعد ضجيج وعجيج وإعلان كثير ، وطال اجتماعه ، وكثر الجدل فيه ، وانتهى إلى نتيجتين خطيرتين ، أولاهما أن الأمم الضعيفة والمتوسطة فقدت الثقة بالأقوياء ، والثانية أن الأمم القوية نفسها فقدت الثقة بحسن التعاون بينها . ووضع ميثاق يغطى هذا الشك ، كما يغطى الرماد ما يستخفى تحته من النار . وعاد المؤتمرون وفى النفوس ما فيها : أمل ظاهر ويأس خفى ، ثقة متكلفة وشك طبيعي .
ثم تضع الحرب أوزارها في اوروبا ، ويجتمع الثلاثة مرة ثانية في بوتسدام ، وتتكرر الغلطة الأولى فتهمل الدول التى لم يكن ينبغى أن تهمل ، ويقرر الثلاثة ما يقررون ، وينشئون مجلس وزراء الخارجية ، ويكلفون وضع الأسس التى يقام عليها العالم الجديد . وقد أضافوا إلى وزرائهم وزيرين ، أحدهما وزير الخارجية الفرنسية ، والثاني وزير خارجية الصين . وهنا تصبح الأزمة التي كانت متوقعة حقيقة واقعة بالفعل ، فقد أقبل وزير الخارجية الفرنسية ووزير الخارجية الصينية وفى أنفسهما ما فيها ، وأقبل وزراء الخارجية للدول الثلاث الكبرى معتزين بالنصر ، واثقين بالفوز فى السلم ، كما فازوا في الحرب ، ولكنهم يختلفون بعد ذلك اختلافا شديدا ، فأما الوزير الروسي فيريد أن يمضى على الخطة التي رسمت في القرم وفى بوتسدام ، وهى أن للعالم دولا ثلاثا ينبغى أن تسود ، وأن ترجع إليها الأمور وأن ما تقرر في يالتا وبوتسدام لا يصح الانحراف عنه في لندره . وأما الوزير البريطاني والأمريكى فقد أقبلا يستأنفان حياة جديدة ويريان أن الحرب قد انتهت ، وأن السلم يحتاج إلى تعاون الأقوياء والضعفاء بشرط ألا يكون ضعفهم شديدا . ومن هنا تصور الوزير الروسى أن أمور السلم فى شرق أوروبا وفى البلقان يجب أن تقضى فيها الدول الثلاث وحدها ، وتصور الانجليز والأمريكيون أن سلم أوروبا أولا ، وسلم العالم كله ثانيا ، لا سبيل إلى تنظيمه إلا إذا اشتركت فيه الدول الخمس ، وحاول المجتمعون أن يتفقوا ، وبذلوا في سبيل هذا الاتفاق جهودا وجهودا ، ولكنهم لم يظفروا بشيء فتفرقوا ، وأخفق المؤتمر الأول لوزراء الخارجية .
وليس من شك فى أن لروسيا حجتها الشكلية ، فما قرره الرؤساء الثلاثة لا يصح أن ينقضه الوزراء الخمسة ، لأن الرؤساء الثلاثة هم سادة العالم ، وهم أصحاب الكلمة الأخيرة . وفرنسا والصين لم تعلنا الحرب على دول البلقان ، ولم تمضيا الهدنة ، فلا معنى لاشتراكهما فى الصلح . ولكن المسألة ليست مسألة الهدنة والصلح وحدهما وانما هي مسألة السلم كله : أيقوم على التعاون الصادق ، لا أقول بين المنتصرين جميعا ، بل بين كبار المنتصرين ، أم يقوم على الأثرة والاختصاص بالنفوذ وتوزيعه في أجزاء العالم بين المنتصرين ..؟
هذه هى المسألة التى لم يتفق وزراء الخارجية حين أرادوا أن يجيبوا عليها ، وهم لم يتفقوا لأنهم لا يملكون هذه الثقة الخالصة التي تمكن من الاتفاق ، فالروسيون يودون لو يستأثرون وحدهم بالنفوذ في شرق أوروبا وفى البلقان ، ويكرهون أن تتدخل الدول الغربية في شؤون هذا الجزء من أوروبا ، ويريدون أن يضيقوا حدود هذا التدخل ما وجدوا إلى تضييقها سبيلا ، وللإنجليز والأمريكيين والفرنسيين مصالحهم في شرق أوروبا وجنوبها ، وهم يحرصون على حماية هذه المصالح ، وهم يشفقون من أن تكون روسيا كتلة شرقية تصبح خطراً على السلم . وهم يرون أن السلم وحدة لا يتجزأ ، وأن حمايته يجب أن تكون إلى الأمم الكبرى كلها ، ولكن الروسيين يشفقون أيضا من انشاء كتلة في غرب أوروبا نقوم على الحلف بين فرنسا وبريطانيا العظمى .
وكذلك فقد وزراء الخارجية هذه الثقة المتبادلة ، وساء ظن بعضهم ببعض ، فلم يستطيعوا أن يتفقوا ، وانتهى مؤتمرهم الأول إلى هذا المأزق البغيض .
وإذا فقد الكبار ما ينبغى أن يكون بينهم من ثقة ، فأجدر بالأمم الضعيفة أن تفقد ثقتها بهؤلاء الكبار الذين لا يستطيعون أن يتفقوا فيما بينهم ، والذين يتخذون العالم موضوعا للخلاف والنزاع .
هذه هى أصول الأزمة التى يواجهها العالم فى هذه الأيام ، وهي أزمة عنيفة من غير شك ، خطيرة من غير شك ، ولكنها بعيدة كل البعد عن الحرج المخيف ، فستجد الدول الكبرى سبيلها إلى الاتفاق وإلى الاتفاق المؤقت بالطبع ، فليس إلى الاتفاق الدائم من سبيل ، لأن طبائع الناس لم تتغير ولن تتغير إلا بعد كثير جدا من الوقت ، وكثير جدا من الخطوب ، والى أن ترقى طبائع الناس حتى تقرب من طبائع الملائكة ستختلف الدول حول مطامعها ومنافعها ، وسيفقد الأقوياء ثقتهم بالأقوياء ، ويفقد الضعفاء ثقتهم بأنفسهم وبالأقوياء أيضا ، وسيعيش العالم في هذا الخوف المتصل والقلق الملح ، يفرغ من الحرب ليستريح ويجدد قوته ، ثم يستعد لاستئناف حرب أخرى .
ونحن الآن نعيش فى وقت الراحة الذى قد يقصر أو يطول ، ولكنه على كل حال وقت الراحة الذي تضطر فيه الدول المنتصرة الى أن تضمد الجراح ، وتقيم ما انهدم من البناء . فلنخف لا من الحرب ، بل من الظلم ، ولتوطن أنفسنا على هذا الخوف ، ولنجتهد في اتقائه إن وجدنا إلى ذلك سبيلا .
وقد يقال إن رؤساء الدول الثلاث الكبرى سيجتمعون ليتفقوا على ما لم يستطع الوزراء أن يتفقوا عليه ، وقد يقال بل سيجتمع رؤساء الدول الخمس الكبرى . وسواء اجتمع الثلاثة أو الخمسة واستأنف الوزراء اجتماعهم فليس عندى شك في أن هذه الدول ستجد سبيلها إلى الاتفاق ، لأن طبيعة الأشياء تفرض عليها هذا الاتفاق ، ولكن ليس عندى شك في أن هذا الاتفاق سيكون على أساس بسيط ، وهو أن يتراضى المختلفون فينزل بعضهم لبعض عن شيء هنا وشيء هناك . وسيكون هذا التراضي على حساب الأمم الضعيفة قطعاً ، ولا غرابة في ذلك ، فقد يظهر أن الضعفاء انما خلقوا ليأكلهم الأقوياء ، فان أرادوا الا يؤكلوا فسبيلهم إلى ذلك أن يلتمسوا القوة ، وليس لهم سبيل غير هذه السبيل .
وأحب أن يذكر القارئ ما حدثته به غير مرة في هذه الفصول ، وهو أن أخص ما يمتاز به هذا العصر الذي نعيش فيه ، هو أن الشعوب تذهب في النظم السياسية والاجتماعية مذاهب صحيحة صادقة تلائم طبائعها السليمة ، وأمزجتها المعتدلة ، وأن الحكومات تذهب في هذه النظم مذاهب أخرى ملتوية شديدة الالتواء ، وأن شؤون العالم إنما تصلح حقا يوم تكون كلمة الشعوب وحدها هى العليا ، ومازال العالم بعيدا عن هذه المنزلة ، حتى فى أشد البلاد إمعانا فى الديمقراطية ، وإيثاراً للعدل والمساواة ، فكيف بالشعوب التي مازالت فى أول الطريق إلى العدل والاخاء والمساواة؟!
طه حسین
مسامرات الجيب ، ١٧ أكتوبر سنة ١٩٤٥ . -
بين الحقيقة والخيال
بين الحقيقة والخيال
طه حسين
جريدة البلاغ
١٩ أبريل ١٩٤٥
كَانَتْ وفاةُ الرَّئيسِ روزفلت صدمةً مفاجئةً هزَّت العالمَ كلَّه هزًّا عنيفًا، وشلَّته وقتًا ما عن أحاديث السياسة العالمية، ولعلها أن تكون قد صَرفت كثيرًا من الناس كذلك وقتًا ما عن الوقوف عند أخبار الحرب، وإنْ لم تَشْغَل الجنودَ المحاربين عن المُضِيِّ في أداء واجبهم البغيض إلى أبعد حدٍّ.
والواقع أنَّ العالَمَ الديمقراطيَّ مَدِينٌ أعظمَ الدَّيْن للرئيس روزفلت، وأنَّ هذا العالَمَ الديمقراطيَّ كان يعقد بالرئيس الفقيد آمالًا ليسَتْ أقلَّ خطرًا من الأعمال الجليلة التي قدَّمَها.
فالديمقراطية مدينةٌ للرئيس روزفلت بثباتها الرائع أمام الاندفاعِ الألمانيِّ العنيف، ثم بوقفها لهذا الاندفاع، ثم بتحطيمها الدفاع الألماني، ثم بوصولها الآن إلى قلب ألمانيا وتأهبها لاقتحامها برلين.
والذين يذكرون استغاثة مسيو بول رينو بالرئيس روزفلت — وانهيار فرنسا بعد هذه الاستغاثة بقليل — يقدِّرون ما تدين به الديمقراطية لهذا الفقيد العظيم.
فقد كان في موقف لم يُتِحْ له أن يقول لفرنسا تلك الكلمة التي كانت خليقة أن تُثبِّتها وتقوِّيها على المقاومة، ولكنه عرف كيف يستغل الكارثة لإنقاذ الديمقراطية. فهو قد هيَّأ الأمة الأمريكية لمعونة البريطانيين حين كانوا يقفون وحدهم ينتظرون الهجوم الألماني الساحق، ثم هو قد دفع الأمة الأمريكية إلى تحقيق هذه المعونة، ثم هو قد سعى سعيًا رفيقًا صارمًا منتجًا حتى أقنع الأمة الأمريكية بالخروج من عزلتها والاشتراك في الدفاع عن الحق والعدل، فلما انتظر على التردد الأمريكي كان قد كسب المرحلة الأولى من مراحل الحرب. وإذا هو يلقي بالقوة الأمريكية الهائلة في كفة الميزان، ولكن دون أن يقول كما قال عدو روما القديم، وكما قال الإمبراطور غليوم في الحرب الماضية «ويلٌ للمغلوب»، وإنما قال كلمة السلام والأمن للإنسانية جميعًا.
ومن المحقق أن إقدام الأمريكيين — يَقُودهم روزفلت — على هذه الحرب قد أتاح للبريطانيين أن يثبتوا وأن يخرجوا من الدفاع إلى الهجوم، وأتاح للروسيين أن يقاوموا وأن يسحقوا الألمانيين سحقًا. فالانتصار الذي يظفر به الحلفاء الآن إنما هو أثر مباشر من آثار الجهود الشخصية التي بذلها هذا الرجل الفطيم، وهذه الجهود قد أثرت من غير شك في قدرته الشخصية على الصبر والجد والاحتمال، وانتهت به إلى أن مات شهيدًا من شهداء الجد في سبيل الواجب. فإذا عده الأمريكيون ضحية من ضحايا الحرب لم يخطئوا، بل يجب أن تعده كل أمة محاربة وكل أمة ستنتفع من انتصار الديمقراطية شهيدًا من شهدائها. فلم يكن روزفلت أمريكيًّا فحسب، ولكنه كان إنسانًا قد ارتقى في إنسانيته إلى أن أصبح مواطنًا في كل بلد يحب الحرية ويطمح إلى الأمن من الخوف، والجوع، والبؤس.
ولم يكن العالم الديمقراطي ينتظر من هذا الرجل العظيم في مستقبل الأيام أقل ممَّا قدَّم إليه في أعوام الشدة والضيق، فقد كان الرئيس روزفلت قوة أساسية خطيرة لتنظيم السلم كما كان قوة أساسية خطيرة لكسب الحرب. ولكن الله يمتحن الناس كما يريد لحكمة يعلمها هو ولا يعلمها الناس؛ فهو قد حرم الناس جهود روزفلت في أشد أوقاتهم احتياجًا إلى هذه الجهود.
وليس من شك في أن الولايات المتحدة الأمريكية ستمضي في الحرب على نهج الرئيس روزفلت حتى تنتهي بها إلى غايتها؛ وهي استسلام ألمانيا بغير قيد أو شرط.
ولكن المسألة الخطيرة هي: هل تذهب الولايات المتحدة الأمريكية في تنظيم السلم نفس المذهب الذي كان يريده الرئيس روزفلت لا تنحرف عنه قليلًا ولا كثيرًا؟ فمن المعروف أن لشخصية رئيس الجمهورية في سياسة الولايات المتحدة أثرها العظيم، ومن المعروف أيضًا أن الرئيس الجديد يمثل الجناح المعتدل من الحزب الديمقراطي الذي فاز في الانتخاب للمرة الرابعة. ولكن من سبق الحوادث أن نتنبأ بشيء عن موقف الرئيس الجديد بإزاء مشكلات السلم، وما أكثرها! وما أشد ما تمتاز به من التعقيد!
وقد ابْتُدِئَ عهد الرئيس الجديد بحل ظاهر لإحدى هذه المشكلات؛ فقد كانت روسيا تبدي شيئًا غير قليل من الفتور بالقياس إلى مؤتمر سان فرانسسكو، وقد كان من نتائج هذا الفتور أن عرضت للمسيو مولوتوف مشاغل حالت بينه وبين السفر إلى هذا المؤتمر. وجعل الناس يسألون عن هذه المشاغل ما عسى أن تكون، يلتمسونها في الغرب مرة وفي الشرق مرة أخرى، وفي مصاعب الحرب حينًا وفي مصاعب السلم حينًا آخر.
ولكن المسيو مولوتوف استطاع أن يقهر هذه المشاغل، ويذلل هذه المصاعب، ويقرر السفر إلى سان فرانسسكو؛ للاشتراك في المؤتمر مع زملائه وزراء الخارجية في الدول الكبرى. بل هو قد استطاع أكثر من ذلك، استطاع أن يقرر السفر للاشتراك مع وزراء الخارجية في الدول الكبرى حين يعقدون اجتماعهم الذي يسمونه اجتماعًا تمهيديًّا للمؤتمر ونسميه نحن اجتماعًا أساسيًّا؛ لأنه سيقرر الأمور التي إن تم عليها الاتفاق فلن يكون عنها عدول ولا انحراف حين يجتمع الممثلون لنيف وأربعين دولة من دول العالَمَيْن القديم والحديث.
وليس أدل على ذلك من أن رئيس الوزارة البريطانية كان يريد أن يتحدث إلى مجلس العموم اليوم عن شئون الحرب والسياسة؛ فأعلن يوم الثلاثاء أنه يؤثر تأجيل هذا الحديث. وواضح أنه يؤثر هذا التأجيل تحرجًا من أن يسبق المفاوضات التي ستجري في واشنجطون بين وزراء الخارجية للدول الثلاث التي اتخذت في مؤتمر القرم قرارات لم تُؤْتِ ثمرتها بَعْدُ. ومن هذه القرارات ما يتصل ببولندا التي لم تُؤلَّف فيها الحكومة المتحدة بَعْدُ، ولم تُدْعَ إلى المؤتمر، والتي لا يُعرَف كيف تُدعى إليه، ولا كيف تُمثَّل فيه. أتُدعى إليه حكومة لوبلين كما تريد روسيا أم تُدعى إليه حكومة لوندرة، أم لا تُدعى إليه أصلًا، أم تختار الدول الثلاث من يمثلها في المؤتمر كما أن دول الجامعة العربية ستختار من يمثل فلسطين في مجلس الجامعة حتى يُتاح لفلسطين أن تُباشر استقلالها الشرعي مباشرةً فعلية؟
وهناك من غير شك مشكلات أخرى ليست أقل تعقيدًا من مشكلة بولندا ستكون موضوعًا للمفاوضة بين ممثلي الدول الثلاث. ومعنى ذلك أن مؤتمر القرم محتاج إلى أن يكون له ذيل في واشنجطون قبل أن يستقبل بقراراته ذلك المؤتمر العظيم الذي سيجتمع في سان فرانسسكو بعد أيام.
ولسنا ندري أيستأنف ممثلو الدول الثلاث في واشنجطون حديث التصويت في مجلس الأمن أم لا يستأنفونه، ولسنا ندري أيستأنفون حديث تمثيل الأمم المتوسطة والصغيرة في مجلس الأمن أم لا يستأنفونه، ولكننا نعلم أن البرلمان البريطاني قد شُغِلَ بهذين الحديثين أثناء هذا الأسبوع. فأمَّا مجلس اللوردات فقد قال فيه ممثل الحكومة لورد كرانبورن كلامًا لا ندري أفهمناه على وجهه أم لم نفهمه! فقد يظهر أن المصريين والكتَّاب منهم خاصةً في حاجة إلى شيء من حسن الفهم للغة الساسة الإنجليز كما تقول الإجبشن غازيت؛ لأنهم لم يفهموا مقال التيمس في الأسبوع الماضي كما كان ينبغي أن يُفهَم.
لسنا ندري أفهمنا كلام اللورد كرانبورن في مجلس اللوردات على وجهه أم لا، ولكن الذي وقع في أنفسنا منه هو أنه يرى أنه سيكون للدول الصغيرة عمل أساسي في نظام السلم الذي سيُقتَرح أو سيُقرَّر في سان فرانسيسكو؛ لأنها ستعاون على منع الحرب وعلى عقاب المعتدي، ولأن ذلك سيفرض عليها التزامات يجب أن تنهض بها إذا أرادت منع الحرب وعقاب المعتدي وحماية نفسها من أن تتعرض للعدوان. فإذا لم تُرِدْ هذه الدول الصغيرة أن تشارك في أعمال الهيئة التي ستشرف على حماية السلم فستتعرض لخطر عظيم؛ وهو أنها لن تُستشار في أمر من الأمور.
ومعنى هذا — إن كنَّا قد فهمنا كلام الوزير البريطاني على وجهه — أن الدول الصغيرة بين اثنتين؛ فإما أن تقبل العضوية في الهيئة التي ستحمي السلم، وتقبل ما يترتب على هذه العضوية من التزامات، وتنهض بالوفاء لهذه الالتزامات كما ينبغي، وإمَّا أن تُهمَل فلا تُستشار في أمرها ولا تُستشار في أمر نفسها أحيانًا. وهذا طبيعي، فالذين يقبلون الاشتراك في هيئة من الهيئات يجب أن ينهضوا بالأعباء التي يفرضها عليهم هذا الاشتراك.
وقد عرفنا إلى الآن واجبات الدول الصغيرة حين تشترك في هذه الهيئة، ولكننا لم نعرف حقوقها كاملة. فسيكون من حقوقها أن تُستشار في حماية السلم، وسيكون من حقوقها أن تُحمَى من العدوان، وهذا كثير فيما يظهر. ولكن أيكون من حقوقها أن تقضي في حماية السلم كما تقضي فيها الدول الكبرى؟ هذا هو الإشكال الذي لم يُوفَّق أحد إلى حلِّه بعد.
وقد تقدَّم الأمر خطوة قصيرة؛ فصرَّح اللورد كرانبورن بأن بين الدول الصغيرة دولًا لها خطر بحكم مركزها الجغرافي أو بحكم قدرتها على الإنتاج، وهذا يقتضي أن تُمثَّل تمثيلًا حسنًا في مجلس الأمن، وقد وُضِعَ أمر هذه الدول موضع البحث. والشيء الواضح هو أن الدول الكبرى ستنهض بأقل الأعباء في حماية السلم، فيجب أن تكون كلمتها هي الأولى والأخيرة.
أمَّا مجلس العموم، فقد رأينا فيه أعضاء لا يحبون مقترحات دمبرتون أوكس؛ لأنها لا تكفل السلم ولا تحميها، وذلك لأنها تجعل كلمة الدول الكبرى هي الأولى والأخيرة، فتقر لهذه الدول سلطانًا غير معقول، أو لأنها ستنشئ هيئة تُشغَل بالمناقشات أكثر مما تُشغَل بحماية السلم. وقد ردَّ وزير الدولة على هؤلاء الأعضاء بأنهم يسعون وراء الخيال.
وكذلك قرر أحد الوزراء البريطانيين في مجلس اللوردات أن على الدول الصغيرة — إن أرادت الأمن والكرامة — أن تشترك في الهيئة التي ستنشأ في سان فرانسيسكو، وتقبل ما يُفرَض عليها من التزامات. وقال أحد الوزراء في مجلس العموم البريطاني المستر لو: إن الذين يطلبون أن تكون الدول الصغيرة ممثلة في مجلس الأمن تمثيلًا معقولًا يكفل لها شيئًا من المساواة يسعون وراء الخيال.
وما نريد أن نفسر كلام أحد من الوزيرين، فهو أوضح من أن يحتاج إلى تفسير. على أن هناك حديثًا آخر ليس له من الخطر ما لحديث الوزيرين البريطانيين، ولكنه لا يخلو من مغزى يحتاج إلى شيء من الروية والتفكير. وهذا الحديث يأتينا من أمريكا، ونرجو أن نكون قد فهمناه على وجهه خيرًا مما فهمنا مقال التيمس. فقد خطب المستر سومتروبلز، فأعلن أن الحل الطبيعي لمسألة فلسطين إنما يكون بوضعها تحت وصاية دولية، وليس إلى حلها سبيل غير هذا. فأمَّا ما بين العرب واليهود من الخلاف فيُحَل بمفاوضات مباشرة في ظل هذه الوصاية.
وقد كانت فلسطين تحت الوصاية الدولية لعصبة الأمم، وكانت بريطانيا العظمى تنوب عن عصبة الأمم في إدارة فلسطين، وفي ظل هذه الوصاية الدولية وفي ظل هذا الانتداب البريطاني وصلت مشكلة فلسطين إلى ما وصلت إليه من التعقيد. فالاقتراح الجديد لا يغيِّر شيئًا، فستكون فلسطين بمقتضى هذا الاقتراح في ظل وصاية دولية كما كانت من قبل. وكل ما في الأمر أن بريطانيا العظمى لن تستأثر بالانتداب، وإنما يصبح هذا الانتداب شائعًا في لجنة دولية تنهض بأعباء الإدارة وتجري في ظلها المفاوضات لحل ما بين العرب واليهود من الخلاف.
ولسنا ندري ما الذي تفيده فلسطين من إبقاء الوصاية الدولية وإشاعة الانتداب بين الدول بعد أن كان محتكرًا لدولة واحدة هي بريطانيا العظمى، ولسنا ندري أفهم العالم الأوروبي والأمريكي أم لم يفهم بَعْدُ أن مسألة فلسطين — كغيرها من مسائل الشرق العربي — لا يمكن أن تُحَلَّ بالوصاية ولا بالانتداب، وإنما تُحَلُّ بشيء واحد لا ثاني له وهو الاستقلال.
ونعيد اليوم ما كررناه غير مرة؛ وهو أن الخلاف القديم بين الشرق والغرب قد طال عهده وكثرت آثاره السيئة، وآن له أن يزول ويقوم مقامه تعاون قوامه الوفاق والمودة وتبادل الاحترام، وليس إلى هذا سبيل إلَّا إذا محا الغرب من نفسه محوًا تامًّا فكرة الوصاية والانتداب والتدخل مهما يكن شكله بالقياس إلى هذا الشرق العربي.
وقد ترى الإجبشين جازيت أننا لم نفهم حديث الوزيرين البريطانيين ولا حديث المستر سمنر ويلز، ولكن الشيء الذي نستطيع أن نؤكده هو أن المصريين والشرقيين يفهمون عنَّا حق الفهم، ويعتقدون — غير مخطئين — أنَّا نصور لهم الرأي الأوروبي تصويرًا دقيقًا، وأنَّا نصور للأوروبيين رأيهم تصويرًا دقيقًا أيضًا.