Tag: colonialism

  • التبعة الكبرى

    التبعة الكبرى
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٢٨ أكتوبر ١٩٦١

    يحتملها أولئك المتمردون في دمشق والذين أيَّدوهم بالجاه والذين أمدُّوهم بالمال والذين ناصروهم جهرة من خارج سوريا ومن داخلها.
    يحتملها هؤلاء جميعًا؛ لأنهم تعاونوا أولًا وأعانوا المستعمرين بعد ذلك على تفريق الكلمة وإطماع العدو وإغراء المتربصين بما كانوا يتمنونه ولا يستطيعون أن يحققوه.
    يحتملها هؤلاء جميعًا وإن كانت ضمائرهم لا تحفل بالتبعات ولا تهتم إلا لتحقيق المنافع العاجلة والمآرب الخاصة، غير معنية بوحدة العرب ولا بمنافعهم ولا بما يكفل لهم الحياة الكريمة والعزة في بلادهم.
    يحتملها هؤلاء جميعًا ويصطلي نارها أولئك العرب الذين يُسامون الخَسْف في فلسطين ويحيون حياة البؤس والذل والشقاء، والعرب الآخرون الذين أُخرجوا من ديارهم واضطُرُّوا إلى حياة هي إلى التشرد أقرب منها إلى شيء آخر. ثم يصطلي نارها كل عربي يشعر بالكرامة ويأبى الضيم ويملأ قلبه حب النجدة لهؤلاء البائسين الذين ظُلموا بغير الحق وعُرِّضُوا لألوان الذلة والهوان. أجل هي تبعة كبرى تنوء بالعصبة أولي القوة، لولا أن الذين يحتملونها الآن قد قست قلوبهم فهي الحجارة أو أشد قسوة، وتبلدت ضمائرهم فهي لا تحس لذع المذلة ولا تشعر بمرارة الضيم ولا تعطفها على البائسين عاطفة ولا تعرف لرحمة المعذبين طعمًا؛ وإنما تفكر في أنفسها وفي أنفسها وحدها.
    هذه الأنباء التي تتحدث بها الإذاعات وتنشرها الصحف ويخفق بها البرق من أقطار الأرض بأن لعبة الاستعمار في فلسطين قد أخذت تحول مجرى نهر الأردن، أقدمت على ذلك مطمئنة آمنة راضية النفس ممدودة الأمل إلى المستقبل البعيد؛ لأنها بعد أن تفرقت كلمة العرب واطمأنت بعد أن انتشر القلق حتى شمل الشعوب العربية كلها، وأحست القوة والبأس بعد أن أذن لها أو أغراها أولئك الذين كانوا يحولون بينها وبين أمنيتها العزيزة عليها بأن تنعم على حساب البائسين وتسعد على حساب الأشقياء وتهين الكرامة العربية غير حاسبة لأحد حسابًا وغير راجية لأحد وقارًا.
    ما أكثر ما تحدث العرب بأن مجرى نهر الأردن مقدَّس لا يمسه إلا الذين يعرضون أنفسهم لأعظم الكوارث وأقساها، وما أكثر ما أنذر العرب بالحرب التي لا هوادة فيها إذا جرأت ألعوبة الاستعمار على أن تتعرض لمجرى هذا النهر. وعلى رغم هذا كله أخذت ألعوبة الاستعمار تعبث بهذا المجرى الذي كان مقدسًا أمسِ وأصبح اليوم نهبًا مباحًا لإسرائيل تعبث به كيف شاءت وتغيره كما أرادت. والعناصر المتحكمة في الجيش السوري مشغولة بالسياسة حريصة على أن تحمي تمردها بحرب الشعب السوري؛ ليبقى الحكم في يدها ولتنعم بتأييد الذين يؤيدونها بالجاه ويمدونها بالمال ويتهيئون لحرب الوطن السوري نفسه وإذلال الشعب السوري نفسه إذا تعرض المتمردون لخطر خارجي أو داخلي.
    وكذلك يرى العرب الآن ويرى الجيش السوري نفسه ويرى أعوانه وأنصاره جراءة إسرائيل وعبثها بنهر الأردن، لا يجدون لذلك لذعًا في قلوبهم أو ألمًا في ضمائرهم أو عطفًا على إخوانهم من الذين يُسامون الذل في فلسطين والذين يشقون بالجوع والخوف من اللاجئين الفلسطينيين. هان عليهم كل شيء إلا تمردهم، ومن يدري لعلهم أغروا إسرائيل بما تفعله الآن إغراء ودفعوها وأدوا إليها نهر الأردن ثمنًا لانصرافها عنهم ومنحهم شيئًا من المعونة والتأييد.
    ومن يدري لعل ما تفعله إسرائيل الآن ليس إلا الخطوة الأولى من خطوات الاستعمار، ولعل خطوات أخرى تتبعها غدًا أو بعد غد، فالاستعمار ليس يكفيه أن تقوى إسرائيل وإنما يهمه أن يضعف العرب، وليس يكفيه أن تقوى إسرائيل وإنما يهمه قبل كل شيء أن يشقى العرب، بل ليس يكفيه أن تنعم إسرائيل وتكثر هجرة اليهود وتزداد إسرائيل قوة إلى قوة وأمنًا إلى أمن؛ وإنما يهمه أن تشقى الشعوب العربية وأن تُظهر حاجتها إلى معونة الاستعمار، وأن يمكِّن هذا كله للمستعمرين العودة إلى الأوطان العربية، يستغلونها غدًا كما كانوا يستغلونها أمس، ويستذلون شعوبها غدًا كما كانوا يستذلونها أمس، وينعمون بخيرات الوطن العربي كما كانوا ينعمون به أمس.
    كل هذا ممكن وكل هذا دليل على أن تمرد المتمردين في سوريا لم يصنعه المتمردون وحدهم ولم يصنعه أعوانهم من العرب وحدهم، وإنما شاركهم فيه المستعمرون بمالهم وتحريضه وتأييدهم.
    فليهنأ قادة هذه الحركة بالذلة بعد العزة والهوان بعد الكرامة، وليتهيئوا لمطامع الطامعين لا في سوريا وحدها ولكن في غيرها من الأقطار العربية، وصدق أبو الطيب حين قال:
    منْ يَهُن يسهُل الهوانُ عليهما لجرحٍ بميِّتٍ إيلامُ
    وصدق الله حين قال للمسلمين: (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ).
    ثم لا تتحرج أبواق المتمردين في صحفهم وإذاعتهم من أن تملأ الدنيا ضجيجًا وصياحًا كأننا نتجنى عليهم ونقول فيهم غير الحق، فهم قد جادلوا حين قلنا إن تمردهم قد مزَّق الوحدة العربية وفرَّق كلمة العرب وأوقع بينها من الريبة وسوء الظن ما لا ينبغي أن يكون بين الإخوان، وجادلوا وألحوا في الجدال حين قلنا إنهم كفروا بنعمة الله عليهم وبطروا حين أتاح الله اليسر والسعة للشعب السوري في وطنه السوري وفي الوطن المصري أيضًا، وجادلوا وألحوا في الجدال حين قلنا إن الوحدة أمَّنت الشعب السوري في وطنه وحمت حدوده من العدوان وأشاعت فيه الأمن والاطمئنان.
    جادلوا في هذا كله وأسرفوا في الجدال، فهل يجادلون الآن في أن نقضهم للوحدة دون استفتاء للشعب السوري ودون إيذان لمصر، قد عرَّض سورية للخطر وجرَّأ عليها إسرائيل فاعتدت على أرضها. كيف يجادلون في هذا وهم يرون ويستمعون، أم تراهم يرضون عن هذا ويطمئنون إليه ويؤثرون الألفة مع إسرائيل على الألفة مع شعب عربي مثلهم، ويسخرون من اللاجئين المشردين ويستهزئون بالعرب الذين يُضطهدون في وطنهم وتُصب عليهم المحن في بلادهم، ولا يكرهون أن يطمع فيهم غير إسرائيل، ولا يكرهون أن يتسلط عليهم الاستعمار فيُسيرهم كما يشاء ويصرف أمرهم كما يحب لا لشيء إلا لأنهم يستأثرون بمظاهر الحكم. ولن يكونوا من حقائق الحكم في شيء حين تمتد إليهم أيدي المستعمرين، ولكن المثل لا يكذب حين يقول: «إذا لم تَسْتَحِ فاصنع ما شئت.»

  • بطر …!

    بطر …!
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٧ أكتوبر ١٩٦١

    منذ أعوام طوال، سمعت حديث الوحدة العربية، ولم أسمعه للمرة الأولى والثانية والثالثة إلا من السوريين. كانت الوحدة العربية حلمًا للسوريين حين كانت أرضهم وحياتهم ومنافعهم كلها في أيدي الفرنسيين، يتصرَّفُون فيها كيف شاءوا، ويعبثون بها كيف أحبُّوا. ولعلها كانت حلمًا للسوريين قبل ذلك حين كانت سورية خاضعة للترك العثمانيين، يدبِّرون أمرها، ويسومون أهلها سوء العذاب. ولعل السوريين كانوا يتعزَّوْنَ بهذا الحلم، من عسف الترك، ومن ظلم الفرنسيين. ولعلهم كانوا يرون في تحقيقه وسيلة يخرجون بها من محنهم القاسية، ويستردون بها شيئًا من حريتهم ومن كرامتهم ومن سيادتهم؛ لا في وطنهم السوري وحده، بل في الوطن العربي كله. وقد أوشك هذا الحلم أن يتحقق حين انتصر الحلفاء الغربيون على الترك، وحين أصبحت سورية دولة مستقلة. ولكن ذلك الاستقلال لم يكد يرى النور، حتى أطبقت عليه ظلمة الانتداب الفرنسي، وحتى مُزِّقَ الوطن السوري كل مُمَزَّقٍ في أيدي الفرنسيين، وقُسِّم إلى دويلات يعبث بها المنتدبون، يوجهونها إلى مصالحهم، فعاد ذلك الحلم يداعب نفوس السوريين. والناس جميعًا يعرفون كيف أبلى السوريون أحسن البلاء في مقاومة الظلم الفرنسي، وكيف ضحوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل العودة إلى الاستقلال، وكيف أمنت قلوبهم ووثقت نفوسهم بأن هذا الاستقلال لن يكون غاية في نفسه إن أتيح لهم، ولكنه سيكون وسيلة إلى تحقيق استقلال آخر أوسع وأشمل وأكرم، وهو استقلال الوطن العربي كله، وتحقيق وحدة الأمة العربية بعد ذلك.

    وكان السوريون في تلك الأيام يكرهون أن يسمعوا من عربي كلمة الأمة السورية، بل كانوا يُسرعون إلى إصلاح هذه الكلمة، فيقولون لمن ينطق بها: لا تقل هذا، فليست هناك أمة سورية أو أمة عراقية أو أمة مصرية، وإنما هناك أمة واحدة: هي الأمة العربية، وقل إن شئت: الشعب السوري والشعب والعراقي والشعب المصري، فليس بد من أن تتحد هذه الشعوب في العصر الحديث كما اتحدت في وقت مضى، وتصبح كلها أمة عربية كما كانت في وقت مضى.

    وأذكر أني خاصمتهم كثيرًا في هذه الوحدة، وكنت أسألهم أين تكون العاصمة لهذه الوحدة؟! أتكون في المدينة كما كانت أيام الخلفاء الراشدين؟! أم تكون في دمشق كما كانت أيام الأمويين؟! أم تكون في بغداد كما كانت أيام العباسيين؟!

    فكانوا يردون عليَّ في استخفاف أي استخفاف ويقولون: ليس هذا هو المهم، فالأهم هو أن تحقق الأمة العربية وحدتها، ولا بأس بأن تكون عاصمة هذه الوحدة حيث تريد أن تكون.

    ثم لم يلبثوا أن اتهموني في صحفهم بالفرعونية أولًا وبالشعوبية بعد ذلك، ثم تجاوزوني إلى اتهام الكتاب المصريين كلهم أو أكثرهم بهذه الفرعونية التي كانوا يُبغضونها أشد البغض، وينكرونها أعظم الإنكار.

    وكنت في سوريا سنة أربع وأربعين وتسعمائة وألف حين اجتمع مندوبون من البلاد العربية بمدينة الإسكندرية ليدرسوا إنشاء الجامعة العربية. ولست أنسى أنني خطبت في دمشق في العيد الألفي لأبي العلاء المعري، وتمنَّيت النجح لفكرة الجامعة العربية وللذين كانوا يحاولون تحقيقها، فضجَّت الجماهير الضخمة بالهتاف والتصفيق، وكان السيد شكري القوتلي — رئيس الجمهورية السورية حينئذ — يرأس ذلك الاجتماع، وقد ظلَّ الهتاف والتصفيق متصلًا حتى يئستُ أو كدت أيأس من إتمام الحديث عن أبي العلاء.

    وفي تلك الأيام جعل السوريون يهنئونني بالعدول عن الفرعونية والميل إلى الوحدة العربية، لا في دمشق وحدها، ولكن في معرة النعمان، وفي حلب، وفي حماة.

    كذلك كان السوريون أثناء الانتداب الفرنسي، فلما انتهى هذا الانتداب وأُتيح الاستقلال للسوريين، لم يشكوا في أن تحقيق الوحدة العربية الشاملة قد أصبح قريبًا من متناول اليد.

    وما من شك في أن السوريين كانوا من السابقين إلى التفكير في الوحدة وإلى الدعوة إليها والجد في سبيلها، حتى اضطروا في يوم من الأيام أن يتعجَّلوا تحقيقها، وأن يُلِحُّوا في هذا التحقيق أشد الإلحاح وأقواه، وأن يسبقوا الظروف الملائمة لتتحقق هذه الوحدة دون أن تقوم العقبات في سبيل تحقيقها.

    ثم أقبلوا إلى مصر ذات يوم وحاصروا رئيس جمهوريتها بالإلحاح والتشدد فيه، وكادوا يُحمِّلونه تبعات ما كانت تتعرض له سورية من الخطوب الجسام. كانت تركيا تناوشهم على الحدود الشمالية، وكان نوري السعيد يحلم بالهلال الخصيب، ويستعين بالإنجليز في تحقيقه. وكانت إسرائيل خطرًا داهمًا على الحدود من ناحية ثالثة.

    وكان لسان حال السوريين يوشك أن يقول لرئيس الجمهورية في مصر ذلك البيت العربي القديم الذي سار مسير الأمثال:

    فإن كنتُ مأكولًا فكن أنت أكليوإلا فأدركني ولما أمزقِ
    ولم يكن رئيس الجمهورية يريد أن يأكل أحدًا، لم يكن يحب لوطنه أن يأكل أحدًا، وإنما كان رجلًا عربيًّا كريمًا لا يتردد في أن يسرع إلى معونة أي مواطن عربي آخر يحتاج إلى هذه المعونة ويطلبها.

    وكذلك اضطر رئيس الجمهورية المصرية إلى أن يستجيب إلى هذه الدعوة السورية، وهو يعلم بأن هذه الاستجابة ستثير له مشاكل لا تُحصى وستعرضه لألوان من المشقة لا يقهرها إلا أولو العزم، وستحمِّله أعباءً لا ينهض بها إلا الذين يؤمنون بالحق والخير ويستجيبون للشهامة والمروءة والنجدة حين يدعون إليها.

    وأذكر أني لقيت أحد وزرائنا بعد الاتفاق على هذه الوحدة، وقلت له: إن هذه الوحدة التي اتفقتم عليها قبل أوانها ستثير لكم ولنا مشكلات لسنا في حاجة إليها، وحسبنا ما يواجهنا في وطننا من المشكلات. فكان جوابه أن الرجل الكريم يُؤْثِرُ أن يبذل التضحيات مهما تثقل ومهما تكن فادحة، على أن يعرِّض أخاه للخطر.

    وقد تمت الوحدة إذن وأقرَّها الشعب السوري بالإجماع، ولم يكن الشعب المصري أقلَّ منه إجماعًا على إقرار هذه الوحدة. وبدأت المشكلات وتتابعت، واحتمل رئيس الجمهورية وزملاؤه أثقالها وأعباءها ومتاعبها، لم يضنُّوا بشيء من جهدهم ولم يضنُّوا بشيء من المال. وليس من شك في أن الذي استفادته سورية من هذه الوحدة أعظم ألف مرة ومرة من الذي استفاده الشعب المصري منها في هذه الأعوام الثلاثة الماضية.

    حُفظ الوطن السوري على أهله، وأمنت حدوده، وانقطعت مطامع الطامعين فيه، ويسرت الحياة للسوريين في بلادهم وفي بلادنا أيضًا، وأُتيحت للعمال والزراع مكاسب لا تكاد تقدر، وتحققت بينهم العدالة الاجتماعية إلى أقصى ما كان يمكن أن تتحقق في هذا الوقت القصير. ولكن الإنسان بَطِرٌ بطبعه، سريع إلى الجحود، سريع إلى كُفر النعمة، ومن أجل ذلك — لا من أجل شيء آخر — استجابت شرذمة من السوريين للاستعمار، وآثرت مصالحها الخاصة على مصالح الوطن السوري، بل على مصالح الوطن العربي كله.

    آثرت أن تنعم وتُسرف في النعيم، وأن يشقى الشعب السوري ويغرق في الشقاء، وآثرت أن تحقق منافعها الجائرة وطغيانها الآثم، على أن تشرق آمال الوحدة والعزة والكرامة في نفوس العرب على اختلاف أوطانهم.

    ووقف رئيس الجمهورية من هذه الخيانة ومن هذا الجحود ومن هذا الكفر بالنعمة، موقفًا أقل ما يوصف به أنه موقف الرجل الكريم النبيل؛ آثر سلامة الوطن السوري، وأبى أن يستجيب للعاطفة، وأبى أن يأخذ السوريين بأن يبروا بأيمانهم وعهودهم ومواثيقهم، وخلَّى بينهم وبين ضمائرهم، بل تجاوز هذا كله وطلب إلى السوريين ألا يسفك بعضهم دماء بعض، وأن يدَّخروا وحدة الوطن السوري للدفاع عنه حين تدهمه الخطوب. فعل هذا كله ولم يحل بين السوريين وبين أن يصنعوا بأنفسهم ما يشاءون، لم يتحفَّظ إلا تحفظًا واحدًا: وهو أنه لن يعترف بحكومة سورية إلا إذا أقرَّها الشعب السوري في استفتاء حر كريم.

    والمصريون جميعًا يقفون موقف رئيس الجمهورية، ويسألون الله أن يسدد خُطى الشعب السوري، وأن يوجهه إلى منافعه الصحيحة، وأن يجعل مثله الأعلى دائمًا هو الحق والخير وعزة العرب، ويتمنَّون على الله عز وجل ألَّا تحق على القلة الجاحدة من إخواننا السوريين هذه الآية الكريمة من سورة النحل: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ).

  • من بعيد … رسل البغضاء …

    من بعيد … رسل البغضاء …

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ٣ سبتمبر ١٩٦٠

    لست صاحب هذا العنوان، وإنما أستعيره من كاتب فرنسي معروف جعله عنوانًا لمقال له في صحيفة الفيجارو. وهذا المقال يصوِّر أروع تصوير وأبرعه نفوس المحافظين من أنصار الاستعمار، وعقولهم وضمائرهم وقلوبهم أيضًا، فهم لم يسيغوا ولن يسيغوا آخر الدهر هذه الظاهرة التي يمتاز بها العصر الذي نعيش فيه، وهي ظاهرة الطموح إلى الحرية والجد في سبيل الظفر بها والوصول إليها آخر الأمر. وهذه الظاهرة، كارثة بالقياس إلى هؤلاء المحافظين من أنصار الاستعمار؛ ذلك أنهم يؤمنون في أعماق نفوسهم بشيئين خطيرين: أحدهما المال والآخر السلطان، وما يكون له من بُعد الصوت وعلو الكلمة وارتفاع المكانة. فكل غني من هؤلاء المحافظين مستثمر لماله كله أو بعضه في مستعمرة أو في غير مستعمرة من المستعمرات التي يسيطر عليها وطنه، فإذا تحررت هذه المستعمرة أو طالبت بحريتها واشتدت في هذه المطالبة فهي مؤذية لهذا الغني في ماله أولًا، وفي سلطان وطنه ومكانته بعد ذلك. وكل فقير من هؤلاء المحافظين يغنيه سلطان وطنه، وارتفاع مكانته بين الأوطان، وبُعد صوته في أقطار الأرض عن المال، أو قل يعزيه عن المال ويثير فيه كثيرًا من الكبرياء، ويغري به الغرور ويخيل إليه أنه شارك من قريب في هذا السلطان المنتشر وفي هذا الصوت البعيد وفي هذه المكانة الرفيعة.

    فكل مستعمرة تتحرر أو تطالب بالحرية وتلح في هذه المطالبة؛ تؤدبه في كبريائه، وتطاطئ من غروره، وتلقي في روعه أن وطنه قد أخذ يضعف قليلًا أو كثيرًا، وأن له حظه من هذا الضعف، وأنه منتهٍ غدًا أو بعد غد إلى أن يرى وطنه قد انحط من مكانته الرفيعة إلى مكانة أدنى منها، وأنه يشارك في هذا الانحطاط من قريب جدًّا. وهو من أجل ذلك كزميله الغني، مبغض لتحرر المستعمرات، مبغض لمطالبتها بالحرية، ضيق بوطنه حين لا يملك القوة على سحق هذه المستعمرة المتمردة وردها إلى الذل والهوان وإكراهها على أن تؤمن بأنها خُلقت للذل وخُلق الذل لها، وبأنها خُلقت للطاعة وخُلقت الطاعة لها، وبأنها فُطرت على الاستعباد، وكُتب عليها أن تجدَّ وتكدَّ وتذوق ألوان البؤس والشقاء؛ ليزداد الغني غنًى وليزداد حظ المستكبر المستعلي من الكبرياء والاستعلاء والغرور. وليس أسهل على نفوس هؤلاء المستعمرين من أن تعكس حقائق الأشياء وتردها إلى أضدادها، فليس المستغل المستذل الذي يسخر الناس لتحقيق منافعه هو الذي يظلم هؤلاء الناس ويدفعهم بظلمه إلى أن يبغضوه ويثوروا به حين تُتاح لهم الفرصة للثورة به، وإنما الشعب الذي طال استذلاله واستغلاله ثم أحس وجوده وشعر بحقه في الحياة الكريمة وطالب بهذا الحق، هو الظالم وهو الباغي وهو المعتدي؛ لأنه يُنقص ثراء الأغنياء وكبرياء السادة ويطاطئ من مكانتهم الرفيعة، وهو يغري الشعوب التي شاركته في الذل والاستعباد بأن تثور كما ثار وتطالب بحقها في الحرية والكرامة كما طالب بهما.

    فهو إذن ناشر للظلم والبغضاء، وهو من أجل ذلك مفسد في الأرض، وكل من أقره على مطالبته بالحرية أو أعانه على بعض أمره بعد ظفره بهذه الحرية مشاركٌ له في الظلم ومفسد مثله للأرض.

    ومن أجل هذا كله أنشأ ذلك الكاتب الفرنسي المعروف مقاله، ومن أجل هذا كله نشرت صحيفة الفيجارو له هذا المقال؛ ذلك لأن هذا الكاتب في أكبر الظن من الذين أسهموا في استغلال المستعمرات، ومن الذين أسهموا في استغلال قناة السويس حين كانت قناة السويس خاضعة لسلطان تلك الشركة البائسة، وهو من أجل ذلك ساخط كلما تحررت مستعمرة وساخط كلما أقرَّ وطنه استقلال هذه المستعمرة، سواء أكان هذا الاستقلال صريحًا أم مدخولًا، وهو من أجل هذا يُسمي دعاة الحرية في المستعمرات وفي البلاد التي خضعت خضوعًا ما لسلطان الأجنبي رُسلَ البغضاء.

    فرئيس حكومة الكنغو البلجيكي سابقًا رسولٌ من رسل البغضاء؛ لأنه يطالب بحرية وطنه ووحدته وحقه في الكرامة، ورئيس الجمهورية العربية المتحدة من رسل البغضاء؛ لأنه أجلى البريطانيين عن مصر وحرر قناة السويس وردها إلى أصحابها، والذين ثاروا بملك العراق ونوري السعيد من رسل البغضاء؛ لأنهم أرادوا أن يحكم العراق نفسه.

    وكل من أعان هؤلاء على ما طلبوا أو على ما يطلبون لترقية بلادهم والترفيه على شعوبهم، مشاركٌ لهم في رسالة البغضاء ومعين لهم على نشر الفساد في الأرض. فالاتحاد السوفييتي مثلًا مشارك في نشر البغض وإظهار الفساد في البر والبحر؛ لأنه يقر الشعوب المتحررة ويؤيدها، والولايات المتحدة الأمريكية ناشرة للبغضاء معينة على الإفساد في الأرض؛ لأنها تعترف باستقلال الشعوب المتحررة ولا تشن عليها الحرب الاقتصادية.

    ولو قد صدر مثل هذا المقال عن رجل من الذين يحترفون السياسة ويعيشون بها ولها لهان أمره، فلأصحاب السياسة مذاهبهم ولهم حياتهم على ما يكون فيها من خير وشر. ولكن صدور هذا المقال من كاتب أديب لا يشارك في السياسة العاملة وإنما ينظر في الحياة ويقوِّمها ويحكم عليها بعقل المفكر الأديب لا بعقل السياسي المحترف، هو الذي يدعو لا أقول إلى العجب — فكل شيء ممكن في هذه الحياة الحديثة — بل إلى التفكير. فلولا أن لهذا الكاتب وأمثاله مشاركة في المنافع التي تغلها المستعمرات، لَما فكر تفكيره هذا، ولما رد حقائق الأشياء إلى نقائضها ولا اطمأن ضميره إلى أن من الحق أن تشقى الملايين بالذل والبؤس والجوع وألوان العناء؛ لتنعم قلة من الناس لا تكاد تُحصى إلا بالمئات، ولَما رضي ضميره أن يكون الناس في هذا العصر الحديث فريقين: أحدهما مستمتع بكل ما يحب من طيبات الحياة المادية والمعنوية، ليس له إلا أن يريد فيتحقق كل ما يريد، والآخر يُحرم كل طيبات الحياة المادية والمعنوية ليس له أن يريد ولا أن يفكر في الإرادة، بل ليس له من حقائق الإنسانية إلا صورتها الظاهرة، وليس بينه وبين الأدوات التي يعمل بها فرق ذو بال، إنما هو أداة مثلها مسخر مثلها لتلك القلة التي أُتيح لها أن تستمتع بكل شيء بشرط أن تكون في الأرض ملايين كثيرة قد حُرمت كل شيء.

    إنما هي المنفعة وحدها التي تفسد ضمائر الأدباء والمفكرين، وتبلغ بهم هذا الحد من اعوجاج النظر في الأشياء والحكم عليها.

    والحمد للَّه على أن في الغرب كُتابًا آخرين لم يُفسد ضمائرهم الجشع إلى المال، ولا الحرص على الثراء، ولا الرغبة في الترف الذي يُفسد النفوس ويميت القلوب.

    كُتَّاب ينظرون إلى الأشياء كما هي، لا يغيرون حقائقها ولا يعكسون طبائعها ولا يؤثرون أنفسهم بالخير من دون غيرهم من الناس، وإنما هم يستبشرون بكل دعوة إلى الحرية ويبتهجون بكل ظفر بالحرية ويسعدون حين يرون أن نور الحق ينتشر في الأرض شيئًا فشيئًا، ويوشك أن يعمرها كلها، وأن يحقق المساواة بين الشعوب، وأن يحقق هذه المساواة بين أبناء هذه الشعوب، وأن ينشر العدل فلا يكون في الأرض سيد ومسود، وإنما تكون الأرض كلها حرة تعيش فيها وتستثمرها شعوب حرة. وقد يكون هذا المثل الأعلى بعيدًا بعض الشيء، ولكنه كغيره من المُثل العليا يدنو قليلًا، ويرقى الإنسان إليه قليلًا قليلًا، حتى إذا بلغه الإنسان ظهرت له مُثل عليا أبعد منالًا وأرفع مكانًا وأجدر أن يطلبها الإنسان ويجدَّ في طلبها حتى يبلغها ويطمح إلى مُثل أرقى منها.

    فحياة الإنسان طموح متصل ورقي متصل وآمال تتحقق؛ لتظهر مكانها آمال أخرى تدفع الإنسان إلى الجد والكد والعمل. والشيء الذي ليس فيه شك هو أن رسل البغضاء الذين يذكرهم الكاتب الفرنسي؛ سيسجل التاريخ لهم في يوم من الأيام أنهم كانوا رسل الحب والسلام ورسل الحرية وكرامة الإنسان ورسل العدل الذي لا يتيح للأغنياء أن يترفوا بشقاء البائسين المستذلين.

    كل ظواهر الحياة الحديثة تدل على أن مصير الشعوب المستضعفة إنما هو إلى الحرية والكرامة والعزة والمساواة، وإن رَغِم أنف المستعمرين سواء منهم الجهلاء والمثقفون.

  • بغداد

    بغداد

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ٢٧ أبريل ١٩٥٩

    كانت تُسمى فيما مضى من الزمان مدينة السلام، وكانت تُسمى أيضًا دار السلام، وكانت تُسمى في كثير من الأحيان مدينة الإسلام. وكان هذا كله حين استقر فيها الخلفاء العباسيون الذين مدُّوا ظل الخلافة على الشرق العربي كله، والذين أنزلوا العلم والأدب والفن والفلسفة من قلوبهم أثبتَ المنازل وأرسخها، والذين وقفوا صفوة جهودهم على ترقية الحضارة وتقويتها، والذين لم يفرغوا قط — أو لم يكادوا يفرغون — من تدبير الحرب والقيام على الإعداد لها، ويدبرونها مرة من بعيد ويقودونها مرة من قريب؛ يفعلون ذلك لحماية الحضارة وحياطة الدين وتأمين الناس على أنفسهم وأموالهم وأعمالهم، من غارات الأجنبي على الحدود، ومن ثورات المبتدعين في الدين والخارجين على النظام والمفسدين في الأرض؛ الذين استجابوا لأهوائهم وانقادوا لشهواتهم واندفعوا في مغامراتهم، لا يحفلون بشيء ولا يرهبون شيئًا ولا يرجون لأحد ولا لشيء وقارًا.

    مدينة السلام والإسلام وعلى رغم هذه الحروب المتصلة والثورات التي لم تكن تخمد إلا لتشب؛ فقد كانت مدينة بغداد مدينة السلام دائمًا ومدينة الإسلام دائمًا، لم يضطرب فيها الأمن ولم يختل فيها النظام ولم تبلغها الحرب، بل لم تدنُ الحرب منها. كانت آمنة كل الأمن، يفرغ العاملون فيها للعمل، ويفرغ العلماء فيها للعلم، تنشر المعرفة في أرجاء العالم القديم كما لم تنشرها مدينة إسلامية قبلها أو بعدها، ولم يكن لهذا كله مصدر إلا لأنها كانت في تلك الأيام مدينة الأمن والإسلام والسلام جميعًا. كذلك كانت فيما مضى، فأين هي الآن من الأمن والإسلام والسلام؟ وأين الأمن والإسلام والسلام منها …؟ جواب هذا السؤال في هذه الأيام يملأ القلوب حزنًا، ويملأ النفوس ألمًا؛ فهي أبعد ما تكون من الأمن، وأقصى ما تكون من الإسلام، وأنأى ما تكون عن السلام. لا يستطيع إنسان أن يسعى فيها أثناء النهار المبصر إلا والوجل رفيقه في كل خطوة يخطوها، والفزع صاحبه حين يستقيم له الطريق وحين ينحرف به، فهو خائف إن رأى مقبلًا عليه، وهو خائف إن أحس ماشيًا من خلفه، لا يسمع نبأة ولا يحس حركة إلا أشفق أن تكون نذيرًا لشر يرقبه أو هولًا قد أُرصد له، يريد أو يود لو استقر في داره؛ ولكنه لا يلبث أن يحقق في نفسه أن الاستقرار في الدار والخروج منها سواء؛ لأن الهول الذي يُصب على الناس قد تجاوز كل طور، فهو لا يرعى حرمة ولا يُقدر حقًّا، قد رخصت عنده حياة الإنسان، وأُهدرت عنده حقوقه، ومضى في سبيله لا يلوي على شيء، لا يبقي على شيء أيضًا. وكذلك ودَّع الأمن هذه المدينة إلى أجل قد يطول وقد يقصر، ولكنه ودَّعها وترك فيها فتنة مظلمة، ثم لم يلبث أن ودع العراق كله وترك الناس يموج بعضهم بعضًا، وأقاموا أمرهم كله على الخوف والمكر والخداع. فارق الأمن بغداد وفارقها السلام أيضًا، وأقامت الحرب فيها، ولكنها الحرب المنكرة التي تثور بين أبناء الوطن الواحد، وتقطع ما بينهم من أسباب الإخاء والمودة، وتجعل بأسهم بينهم شديدًا؛ قوم منهم يحاربون لأنهم باعوا أنفسهم للأجنبي، وأصبحوا له أتباعًا وخُدامًا، ولم يكتفوا بأن يبيعوا وطنهم لهذا الأجنبي وأن يردوه إلى الرق بعد أن عرف الحرية واطمأن إليها، وفتح لنفسه في ظلها آمالًا لا تحد في العزة والكرامة وفي السؤدد والرخاء، وقوم آخرون يحاربون لأنهم لا يريدون أن يُردوا إلى الرق ولا أن يفرِّطوا في الحرية بعد أن ذاقوها واستحبوا مذاقها، ولا أن تغلق من دونهم آمالهم العراض بعد أن فتحت لهم أبوابها.
    ***
    وكذلك فارق الأمن والسلام بغداد، بل فارق الأمن والسلام العراق، وأصبح أهله أعداء بعد أن كانوا بنعمة اللَّه إخوانًا، وأبى الإسلام وأبت العروبة أن يفارقا وطنًا أصلًا من أوطانهما، قد استقرَّا فيه وازدهرَا منذ عهد بعيد جدًّا قبل أن يوجد الاستعمار والمستعمرون، وقبل أن توجد الشيوعية وأصحاب الشيوعية. وأقام الإسلام والعروبة في العراق، ولكن على قلق وإشفاق واستبسال في المقاومة، وفقدت بغداد كل حال هذه القيم العليا التي كان اسمها يضاف إليها. قيم الأمن والسلام والإسلام والعروبة … وكانت بغداد بل كان العراق قد اختلفت عليها محن كثيرة، وتتابعت عليهما خطوب وأهوال لا تكاد تُحصى، وأظلهما الظلم والجهل قرونًا طوالًا، وخُيل إليهما منذ حين أن قد آن للظلم أن تنجلي ظلمته، وآن للجهل أن تنقشع سحبه المتراكبة المتراكمة، وأن تعود الحضارة والعلم منهما إلى مستقرهما القديم. ولكن كيد الاستعمار شديد، وكيد الشيوعية أشد … فلم تكد الغمرات تنجلين حتى عادت أدراجها، فملأن بغداد والعراق شرًّا ونكرًا، وكان العلم قد حاول أن يعود إلى العراق وأن يستقر فيه أثناء العصر الحديث، كما استقر فيه أثناء العصور الأولى، ولكنه يُنفى الآن من أرض العراق بفضل الاستعمار والشيوعية، كما نُفي قديمًا من أرض العراق بفضل التتار وغيرهم من عشاق الجهل وأحباء التخريب الذين استعمروه قبل أن يستعمره الغرب الأوروبي، وقبل أن تطمع فيه الشيوعية وتطمح إليه. وكان العراق يُمتحن في عصوره العربية القديمة بكثير من الفتن التي كانت تنشر فيه الخوف والهلع، وتشيع في أهله الشر والنكر، ولكنه كان دائمًا يقاوم هذه الفتن، على كل حال، أن تبلغ بغداد ولا أن تُشيع فيها خوفًا ولا ذعرًا.
    ***
    في العراق ظهر الخوارج الذين كانوا يقرءون القرآن لا يكاد يتجاوز تراقيهم، كان ذلك يُروى عن النبي ﷺ، في حديث معروف، والذين كانوا يحتكرون الإسلام لأنفسهم وينكرونه على غيرهم، والذين كانوا يستحلون سفك الدماء ونهب الأموال، والذين نغَّصوا على ولاة العراق وأمرائه أيامهم وأرَّقوا لياليهم، ولكن فتنتهم تلك على طولها وكثرة شرها ونكرها، لم تسيطر على العراق في يوم من الأيام ولم تمنعه من أن يكون أهم المراكز الإسلامية للثقافة والعلم على اختلاف فروعهما. وفي العراق ظهرت ثورة الزنج التي أفسدت أمور البصرة وأزعجت عاصمة الخلافة، ولكنها لم تستطع أن تسيطر على العراق ولا أن تزعزع مكانته في الثقافة والعلم والحضارة. ومن العراق انبعثت ثورة القرامطة التي أزعجت العراق والشام وكادت تبلغ مصر، والتي آمنت بشيء يشبه الشيوعية من وجوه كثيرة، ولكنها لم تُظهر الإلحاد ولم تُمعن فيه، وخمدت نارها آخر الأمر دون أن تتمكن من السيطرة على العراق. وفتن كثيرة أخرى امتُحن بها العراق في عصوره العربية الأولى، ولكنه كان دائمًا ينتصر عليها ويمنعها من أن تسيطر عليه. فالعراق يُمتحن بالفتن منذ أقدم العصور العربية، ولكنه منتصر على الفتن دائمًا، في أهله مناعة وقدرة على المقاومة وثبات على عروبته ودينه. وما أشك في أن الفتنة التي تفسد عليه أمره الآن ستنجلي غمرتها في وقت يقصر أو يطول، وأكبر الظن أنه لن يطول.
    ***
    والأمر كله محتاج إلى الصبر والثبات والمقاومة والامتناع على الطامعين والطامحين، والذين يتحرقون ظمأ إلى السيطرة عليه وإلى استغلال أرضه واستذلال أهله، والأمر محتاج أيضًا إلى أن يشعر أهل العراق بتضامن إخوانهم العرب معهم وتأييد ما يبذلون من جهد وما يقدمون من تضحية؛ ليظلوا كما كانوا دائمًا جديرين بتاريخهم، وليظل وطنهم كما كان مركزًا من مراكز العروبة وموطنًا من مواطن الثقافة والحضارة والعلم. والعالم العربي كله مدين بالتضامن مع العراق والتأييد لمقاومته لهذا التراث العربي الخطير الذي قدمه العراق إلى العرب في عصوره القديمة. وما أعلم أن العرب يحبون جحود الجميل، وما أعلم أن العرب يُقصرون في أداء الواجب حين يُطلب إليهم أداؤه، وكل شيء يطالبهم الآن بأن يؤدوا واجب التضامن والتأييد لإخوانهم في العراق وبألا يريحوا ولا يستريحوا، حتى يخرج العراق ظافرًا من هذه المحنة المنكرة، وحتى ينتصر على الاستعمار الغربي والشيوعية، وحتى تعود بغداد إلى ما كانت بسبيله من الجد والكد في استرداد مجدها القديم، وفي أن تعود كما كانت مدينة السلام ودار السلام ومدينة الإسلام.

  • الناصريزم

    الناصريزم
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ١٠ أغسطس ١٩٥٧

    هذه كلمة شائعة في غرب أوروبا وفي شمال أمريكا، ويكثر استعمالها في فرنسا خاصة، وعسى أن تكون هي التي ابتكرتها.

    ففي الفرنسيين بقية من ذكاء، وفي لغتهم فضل من مرونة، وهم من أجل ذلك أبرع الناس في ابتكار الألفاظ، يسبق إلى ذهن كاتب من كُتَّابهم أو عالم من علمائهم أو رجل من رجال السياسة فيهم، فما أسرع ما يلتمس اللفظ الذي يؤدِّي به هذا المعنى، فإن لم يجده في اللغة التي تنطق بها الألسنة وتجري بها الأقلام ولا في المعاجم، ابتكر له من عند نفسه لفظًا يؤدِّي به ما يريد، وقَبِل الناس منه لفظه هذا في غير مشقة ولا مقاومة.

    ولا أعرف أمة معاصرة تناظر الفرنسيين في تطويع لغتها لما تريد، إلا الأمة العربية التي ابتكرت ألوفًا من الألفاظ حين كانت حضارتها مزدهرة، وحين عرضت لها معانٍ كثيرة لم يكن للعرب بها عهدٌ من قبلُ. وما زال المثقفون الممتازون من العرب يبتكرون الألفاظ حين يحتاجون إليها، ولا يجدونها في أحاديث الناس ولا في بطون الكتب.

    ومعنى هذه الكلمة التي ابتكرها الفرنسيون — في أكبر الظن — وأخذتها عنهم الأمم الغربية في أوروبا وأمريكا، وهو كل ما يدعو إليه ويجد في تحقيقه رئيس الجمهورية المصرية، بشرط أن يسبغ الفرنسيون وأضرابهم على هذا الذي يدعو إليه رئيس الجمهورية لونًا يرونه في أعينهم وقلوبهم قاتمًا ويراه الشرقيون مشرقًا زاهيًا.

    دلائل اللفظ اليسير
    فمقاومة الاستعمار في مصر، ودعوة الأمم المغلوبة إلى مقاومته، والثبات أمام الأمم القوية الظالمة، ورفض ما تحاوله من التدخُّل السافر أو المنقب، واسترداد الحق من الغاصب له مهما يكن قويًّا غنيًّا، ورفض الانقياد لما يريده الأقوياء ويجمعون به بين حين وحين من ترهيب بالقوة والبأس والمقاطعة الاقتصادية، أو إغراء بالمال وما يشبه المال من كل ما تستجيب له النفوس الضعيفة والقلوب التي برِئت من الإيمان بالوطن والثقة بالنفس والاعتداد بالكرامة والاستمساك بحق الإنسان في الحياة الحرة المبرَّأة من كل خضوع أو خنوع.

    كل هذا يدل عليه الفرنسيون وأضرابهم بهذا اللفظ اليسير القريب الواضح، وهو «ناصريزم». واللفظ كما ترى قد أُخِذَ من اسم رئيس الجمهورية، وأضيفت إليه هذه الحروف الأخيرة التي تُصطنع للدلالة على المذاهب والنظر والعقائد في العلوم والديانات والفلسفة. وكل هذا الذي يدعو إليه ويجدُّ في تحقيقه رئيس الجمهورية المصرية بغيضٌ بالطبع إلى الغرب الأوروبي والأمريكي؛ لأنه مقاومة لما في طبيعة الغرب للطموح دائمًا إلى الاستطالة والاستعلاء وبسط السلطان والاستئثار بالخير. وما دامت هذه الدعوة إلى التحرُّر بغيضة، فكل استجابة لها بغيضة أيضًا، وكل انتشار لها خطر يجب على الغرب أن يقاومه ويجِدَّ في محوه من الأرض ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.

    كلمة أخرى
    ولكن هناك كلمة أخرى لم يجدها الغرب بعدُ؛ لأنه لم يشعر إلى الآن بأنه مريض وبأن مرضه هذا جديد لم يُعرف من قبلُ ولم يدرسه الأطباء النفسيون، ولم يدرسه أصحاب التحليل النفسي الفردي أو الاجتماعي، وهذا اللفظ هو «الناصريت».

    والذين يعرفون اللغات الأوروبية، يعرفون بالطبع أن هذه الحروف التي أُضيفت الآن إلى اسم رئيس الجمهورية، تدل عند الأطباء على أسماء الأدواء والعلل التي تصيب بعض أعضاء الجسم.

    ونفوس الغربيين وساستهم خاصة مصابة بداء في هذه الأيام يأتيهم من رئيس الجمهورية المصرية، وهو بالطبع لم يُصِبْ أعضاءهم الظاهرة، وإنما أصاب أعضاءهم وملَكاتهم الباطنة؛ ففي قلوبهم مرضٌ هو بُغْضُ جمال عبد الناصر، وفي عقولهم مرضٌ هو اتهام جمال عبد الناصر بكل شَرٍّ يأتيهم من الأمم التي خضعت لسلطانهم حينًا ثم أخذت تثور به وتتمرد عليه في هذه الأيام.

    فرئيس الجمهورية المصرية هو مصدر ما أصاب الإمبراطورية الفرنسية وما لا يزال يصيبهم إلى الآن، وهو مصدر ما أصاب الإنجليز في بعض مستعمراتهم البعيدة وما لا يزال يصيبهم في قبرص وفي عمان وفي البحرين وفي مواضع أخرى من الأرض كان الاستعمار البريطاني فيه مستقرًّا ثم أصبح قلقًا مضطربًا. وكل ما يحدث في العالم العربي الشرقي والغربي إنما يدور حول رئيس الجمهورية المصرية وما يصدر عنه أو يوجَّه إليه. فإذا انحرف الأردن عن الغرب، فتخلَّص من المعاهدة البريطانية، وحرر جيشه من قيادة الإنجليز؛ فمصدر هذا رئيس الجمهورية المصرية. وإذا تشددت تونس أو مراكش في الانتصار للجزائر، أو غضبت تونس أو مراكش لاختطاف الزعماء الجزائريين؛ فمصدر هذا رئيس الجمهورية المصرية. وإذا استمسك لبنان بما بينه وبين فرنسا وأمريكا من صلة؛ فهذا موجه إلى رئيس الجمهورية المصرية، يُراد به غيظه والكيد له والتأليب عليه. وإذا مال الأردن إلى أمريكا وتأثَّر بإغرائها وقَبِل مالها وأفسد من أجل ذلك حياته الخاصة، فشرد بعض المواطنين وحبس بعضهم الآخر، وأقال حكم الشعب الأردني؛ فهذا موجَّه إلى رئيس الجمهورية المصرية، يُراد به إساءته وإثارته وإشعاره بأنه ليس مسيطرًا على الأمم العربية كلها. وإذا حاول العراق في هذه الأيام تيسير الأمر بينه وبين مصر، فلم يُفسِد الإذاعة المصرية ولم يقاومها؛ فهذا كيدٌ من رئيس الجمهورية المصرية للبريطانيين والأمريكيين.

    الكارثة الكبرى
    ولا يحسب القارئ أني أغلو أو أتكثر، وإنما هي حقائق التفكير الغربي في فرنسا وبريطانيا وأمريكا، كما تُصوِّره الصحف والمجلات وبعض الكتب التي تصدر في هذه البلاد.

    والكارثة الكبرى عند الغربيين — وعليهم أيضًا — هي أن هذه الدعوة التي يدعو بها رئيس الجمهورية المصرية قد تجاوزت العالم العربي شرقه وغربه، واستجابت لها أمم أخرى في مؤتمر باندونج، وأصبحت لها كتلة تدعو بها في هيئة الأمم المتحدة، وهي كتلة الأمم الآسيوية الأفريقية.

    ومعنى هذا كله أن رئيس الجمهورية المصرية قد أصبح علة تُنَغِّصُ على ساسة الغرب حياتهم أيقاظًا وأحلامهم نيامًا، وأشد أمم الغرب تأثُّرًا بهذه العلة هي الأمة الفرنسية التي أصاب ساستها وكثيرًا من كُتَّابها وأدبائها شيءٌ يشبه الحُمَّى. ولهذه الحُمى الناصرية في فرنسا أوقات تشتد فيها حتى تتجاوز الأربعين وأوقات أخرى تخِف فيها، ولكن حرارتها لا تصل إلى الطور الطبيعي في يوم من الأيام؛ فأعياد الثورة المصرية قد رفعت درجة الحرارة الناصرية في فرنسا إلى أقصاها، حتى أخرجت بعض الكُتَّاب الفرنسيين من أعضاء المجمع اللغوي عن أطوارهم، وانتهت بهم إلى شيء من الهذيان، كان أروع مظاهره في مقال نشرته جريدة الفيجارو للكاتب الفرنسي المعروف فرنسوا بونسيه، وهو رجل عُرِفَ بحدة الذكاء ونفوذ البصيرة وسعة الثقافة وعمقها.

    الحمى الهاذية
    كان سفيرًا لفرنسا في برلين أيام هتلر، وحين كان يهيئ للحرب العالمية الأخيرة. وما أعرف أحدًا برع في تصوير هتلر أثناء هدوئه وأثناء غضبه وأثناء ثورته كما برع فيه هذا الكاتب. وما أعرف أحدًا نصح لحكومته أحسن النصح وأخلصه كما فعل هذا الكاتب حين كان هتلر يتهيَّأ للحرب. ولكن هذا الكاتب اشترى — فيما يظهر — طائفة لا بأس بها من أسهم الشركة القديمة للقناة، وكانت هذه الأسهم — فيما يظهر أيضًا — تعود عليه في كل عام بمال كثير، فصدمه تأميم القناة في العام الماضي صدمة أذهلته، ولم يبرأ من ذهوله بعدُ.

    وقد كتب في الأسبوع الماضي مقالًا نُشر في الفيجارو، وأشهد أنه مقال رائع حقًّا يصور الحمى الهاذية أروع الصورة وأبغضها إلى النفوس. ولست أدري أَقَرَأَ المصريون هذا المقال أم لم يقرأه، ولكني أؤكد أني لو كنت رئيسًا للتحرير في إحدى الصحف المصرية لترجمت هذا المقال؛ ليعرف المصريون كيف ترتفع حمى الناصرية في فرنسا حتى تبلغ بأصحابها أقصى حدود الخطرفة والهذيان.

    بلاء التحرر
    وهذه الحمى التي تأتي الفرنسيين من رئيس الجمهورية المصرية، لم تكد تهدأ حتى أخذت تصعد في هذه الأيام؛ ذلك أن هيئة الأمم المتحدة ستجتمع في الشهر المقبل، وأن الكتلة الآسيوية الأفريقية ستثير فيها مشكلة الجزائر، وأن أمريكا لا تُخفي ضيقها بعجز الفرنسيين عن حل هذه المشكلة. ومصدر هذا كله بالطبع رئيس الجمهورية المصرية؛ فهو المسئول الوحيد عند الفرنسيين — وعند غيرهم من أمم الغرب أيضًا — عن هذا البلاء العظيم الذي يُسمَّى التحرر، ويريد أن يرد إلى الأمم المغلوبة حقها الكامل في أن تحيا كما تشاء هي لا كما يشاء الأقوياء الأغنياء.

    وهذه الكتلة الآسيوية الأفريقية قوية — فيما يظهر — وفيها كثير من المكر وكثير من الدهاء، فليس غريبًا أن يضع الفرنسيون أيديهم على صدورهم إشفاقًا من أن تنتصر هذه الكتلة في هيئة الأمم المتحدة؛ فتظفر بحكم الجزائر أو بحكمٍ على فرنسا، وهذه هي الكارثة التي لا يرى الفرنسيون كارثة أعظم منها خطرًا.

    الداء ذو وجهين
    وكذلك أصبح اسم رئيس الجمهورية يدل على مذهب بغيض في الغرب، ويدل في الوقت نفسه على علة مُفسِدة لتفكير الغرب وحكمه على كثير من الأشياء. والغربيون لا يشكُّون في أن رئيس الجمهورية المصرية يحاول أن ينشئ إمبراطورية عظيمة تجمع الأمة العربية كلها تحت لواء واحد. والفرنسيون لا يشكُّون في أن تأييد مصر للجزائر لا يُراد به وجه الله ولا وجه الجزائر؛ وإنما يُراد به وجه الإمبراطورية المصرية، ويُراد به أن تستأثر مصر بالجزائر من دون فرنسا. وما أعرف أن الهذيان يصل بالناس إلى مثل هذا الحد، ولكن هذا الذي نراه الآن في الغرب والذي لا يحققه المصريون؛ لأنهم لا يقرءون الصحف الأجنبية، ولأن صحفهم العربية لا تصوره لهم كما ينبغي، بل لعلها لا تعرفه؛ لأنها مشغولة عنه بأحداث العالم العربي.

    أقول: إن هذا الداء الذي أصاب التفكير الغربي، والذي نراه في الصحف والمجلات والكتب شيءٌ ذو وجهين؛ أحدهما يَسُرُّ ويغر، والآخر يحزن ويسوء؛ فقد يسرُّ المصريين — وقد يَغرُّهم أيضًا — أن يعلموا أن الغرب مشغول بهم مبغض لهم مشفق منهم. ولكن حياة الأمم لا تقوم على السرور والغرور، وإنما تقوم على تقدير الأشياء كما ينبغي أن تُقَدَّرَ، وعلى العلم بحقائقها والانتفاع بما ينفع منها والاحتياط لما يكون منها ضارًّا أو معرضًا للخطر. وليس يضر مصر ولا يسوءُها أن تبغضها هذه الحكومة أو تلك من حكومات الغرب؛ فإن الحكومات تذهب وتجيء. وإنما الشر كل الشر والخطر كل الخطر هو أن يشيع بغض مصر والتنكُّر لها والاحتياط منها في أعماق الشعوب الغربية من كان منها مخاصمًا لنا ومن كان منها متحفظًا معنا.

    يجب مقاومة السخف
    فليس لمصر مصلحة مطلقًا في أن تفهمها الشعوب على غير حقيقتها وتظن بها الظنون. والمصريون قد يضحكون حين يُذكر لهم إنشاء هذه الإمبراطورية العربية الضخمة؛ يضحكون من هذا لأنه سُخف في نفسه، ولأن مصر التي بذلت ما بذلت من الجهد لتحقيق استقلال السودان ليست هي التي تحلم بإنشاء الإمبراطوريات في هذا الوقت الذي تنهار فيه إمبراطوريات عظمى. ولكن الواقع هو أن كثيرين جدًّا من أهل الغرب مؤمنون بهذه السخافة؛ فقد أفسدت السياسة تفكيرهم، فلم يُفَرِّقُوا بين الممكن وغير الممكن، وليس لنا بُدٌّ من أن نقاوم هذا السخف الشائع بنفس القوة وبنفس الحزم اللذين نقاوم بهما الاستعمار. وكم أحب أن تهتم لهذا الأمر وزارة الخارجية من ناحية، وإدارة الاستعلامات من ناحية ثانية، والصحافة والإذاعة من ناحية ثالثة. ولا بد من أن نصل إلى إشعار الشعوب الغربية بأن ساستها يُضلِّلونها ويكذبون عليها، وبأن مصر لا تطمع في شيء قريب من حدودها أو بعيد عنها، ولا تريد إلا أن تعيش عزيزة كريمة على نفسها وعلى الناس، وأن تعيش الأمم من حولها عيشة قوامها العزة والكرامة؛ فمصر لم تؤثِر نفسها بخير قط، وهي إذ طالبت بأن ترد الحقوق إلى أهلها في الجزائر وغيرها، فإنما تحب لإخوانها من الناس ما تحب لنفسها، مستجيبة بذلك لما فُطرت عليه من الإيثار ولما يدعو إليه القرآن والإنجيل.

  • شراء الشعوب

    شراء الشعوب

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ١٥ يناير ١٩٥٧

    والمشتري بالطبع هي الولايات المتحدة الأمريكية، والشعوب التي تراد على أن تبيع نفسها والتي يساومها المشتري فيما يمكن أن تطلب من ثمن، هي شعوب الشرق الأوسط. ولن يكون هذا البيع حرًّا، ولكنه سيكون محاطًا بكثير من الترغيب وبكثير من الترهيب أيضًا. فالدولة المشترية هي أغنى دول الغرب الديمقراطي وأقواها، أموالها لا تُحصى، وقوتها لا تُقاوم ولا تُطاق. والشعوب التي يمكن أن تبيع نفسها فقيرة وضعيفة بالقياس إلى دول الغرب كلها، فضلًا عن هذه الدولة الغنية كأوسع ما يكون الغنى، القوية كأشد ما تكون القوة.

    هذه هي الخلاصة الدقيقة للاقتراح الذي يعرضه رئيس الولايات المتحدة على البرلمان الأمريكي مجتمعًا أو مفترقًا، أو يطلب مزيدًا من المال ليستطيع مساومة الشعوب في الشرق الأوسط في استقلالها وحريتها أو في حياتها إن شئت، فالشعوب التي تفقد استقلالها وحريتها إنما تفقد حياتها الصحيحة بأدق معاني هذه الكلمة وأعمقها وأوسعها.

    والرئيس الأمريكي لا يطلب المزيد من المال فحسب، وإنما يطلب الإذن له في استعمال القوة إن احتاج إليها، فقد ينبغي أن يكون الترغيب مصحوبًا بالترهيب، وقد ينبغي كذلك ألا ينقق المال على معونة الشرق الأوسط في غير طائل وأن يعود هذا المال على من ينفقه بشيء من الربح؛ لأن إنفاق المال في غير طائل سرف وسفه وتبذير، والمبذرين هم إخوان الشياطين، وما ينبغي لدولة مسيحية مؤمنة أن يكون بينها وبين الشياطين إخاء أو حلف.

    وكذلك ترى الإنسانية لأول مرة في تاريخها — إن ظفر الرئيس الأمريكي من برلمانه بما يريد — فنًّا جديدًا من فنون الاستعمار. وليكن الفن الثالث من فنونه بعد أن مضى الفن الأول إلى غير رجعة، وأوشك الفن الثاني أن يمضي إلى غير رجعة أيضًا.

    فقد عرف التاريخ القديم نوعًا من الاستعمار كانت له بقية في أول هذا العصر الحديث، وهو أن تعمد دولة قوية إلى شعب ضعيف فتسحقه سحقًا وتمحقه محقًا، تقتل القادرين من رجاله ونسائه على حمل السلاح، حتى تفنيهم عن آخرهم، وتستعبد الصبية والضعفاء، وتستأثر بالأرض والثروة من دون أصحابهما، وتنشئ مكانهم دولة متحضرة قوية تنعم بالسعة والثراء.

    كذلك فعل اليونان حين استعمروا بعض الأرض في آسيا الصغرى وفى إيطاليا، وفعل شيئًا من ذلك الأوروبيون في أول عهدهم بالاستعمار. ثم تقدمت الحضارة واستكشف العلم وارتقى العقل ورقت القلوب وسَمَت الأخلاق؛ فعرف التاريخ نوعًا ثانيًا من الاستعمار، وهو أن تعمد دولة غنية قوية إلى شعب فقير ضعيف، فلا تسحقه ولا تمحقه ولا تبيده؛ وإنما تفرض عليه سلطانها فرضًا، وتقهره بقوتها وبأسها على أن يكون لها عبدًا مطيعًا تسخره فيما تشاء وتستأثر من دونه بما يملك من سعة وثراء، وتزعم له مع ذلك أنها لا تريد استذلاله ولا استغلاله، وأنها تريد أن تحرره وتحضره وتمهد له إلى الرقي سبيلًا. وهذا فن جديد من الاستعمار تخترعه الولايات المتحدة الأمريكية في هذه الأيام، وهو فن يسير كل اليسر، فشعوب الشرق الأوسط تحب الاستقلال وتريد أن تتمسك به وتحرص عليه، وهي تطمح إلى الرقي وتريد أن تبلغ منه أقصى ما تستطيع؛ فلتعرض عليه الولايات المتحدة الأمريكية حماية استقلاله حتى لا يُغِير عليه الشيوعيون، ولتعرض عليه كذلك ما يحتاج إليه من المال ليستكشف ما في أرضه من ثروة، وليستثمر هذه الثروة ويشتري ما قد يحتاج إليه من وسائل الغنى والقوة من حيث يشاء ومن الولايات المتحدة الأمريكية خاصة، والمهم ألا يشتريها من الشيوعيين.

    ومعنى هذا كله أن الولايات المتحدة الأمريكية — إن أجاز البرلمان للرئيس ما يريد — ستعرض على الشعب في هذا الجزء من الأرض شراء استقلاله وحريته لا أكثر من ذلك ولا أقل. فالشعب الحر المستقل حقًّا هو الذي يملك أمر نفسه ويدبره كما يشاء ويتصرف فيه كما يحب، يلزم الحياد إن أراد الحيدة، ويحالف من الدول أية دولة يشاء دون أن يحول بينه وبين ذلك حائل، ويشتري ما يحتاج إليه من وسائل القوة والغنى والرخاء من حيث يريد هو لا من حيث يُراد له ويُفرض عليه.

    والشعب الحر المستقل حقًّا هو الذي يقيم حياته كما يريد هو لا كما يُراد له، يختار لنفسه من النظم الاجتماعية والسياسية ما يشاء، لا يمنعه من ذلك مانع أجنبي مهما يكن، ولا يصده عن ذلك صاد أجنبي مهما تكن قوته ومهما تكن ثروته ومهما يكن مذهبه السياسي أو الاجتماعي.

    وليس استقلالًا صحيحًا هذا الذي يمكن أن يتعرض للخطر أو رهبة، ولن يحميك من الذل من جاء يبيع لك العزة بالمال، فعزةُ الشعوب لا تُشترى من الأجنبي، وهي لا تأتيها من خارج وإنما تأتيها من أنفسها؛ تنبع من أرضها وتجري في عروق أبنائها، وتسيطر على قلوبهم وعقولهم وملكاتهم كلها.

    وهب أن دولة من الدول الشيوعية عرضت على الشرق الأوسط مثل ما يريد أن يعرضه رئيس الولايات المتحدة من الحماية والمال، وتصور نتيجة هذا العرض الذي يأتي من دولتين مختصمتين، وافترض أن شعبًا من شعوب الشرق الأوسط قد قَبِل هذا العرض من الدولة الشيوعية، وأن شعبًا آخر من شعوبه قَبِل هذا العرض نفسه من الولايات المتحدة الأمريكية، وقدِّر ما سيكون لذلك من آثار.

    سيكون هذا الشرق الأوسط ميدانًا للتنافس أولًا ثم للحرب آخر الأمر، وسيصبح استقلاله وحريته لعبة بين الدولتين المختصمتين، وسيتعرض أهله وما يملكون من ثروة وأرض وما يديرون في أنفسهم من آمال وما يتمنون لأنفسهم من ثراء ونعيم؛ سيصبح هذا كله وقودًا للحرب بين هاتين الدولتين المختصمتين.

    ولست أعجب لشيء كما أعجب لأن الرئيس الأمريكي لم يفكر في أن روسيا السوفييتية تستطيع أن تعرض على الشرق الأوسط مثل ما يعرض عليه، وأن اقتراحه هذا ليس وسيلة إلى السلم وإنما هو وسيلة إلى الحرب.

    وشر من هذا كله أن الرئيس الأمريكي لا يريد أن يعرض على شعوب الشرق الأوسط أن يحميها من العدوان، مهما يكن مصدره من عدوان الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي على السواء. إذن لكان لاقتراحه حظ من منطق ونصيب من استقامة ظاهرة تصلح للإغراء، وإن كانت الشعوب الحرة المستقلة حقًّا تكره الحماية الأجنبية وتأبى إلا أن تحمي نفسها بنفسها.

    ولكن الرئيس يعرض حماية الشرق الأوسط من الشيوعية، وما نعلم أن دولة شيوعية قد اعتدت على الشرق الأوسط أو أنذرته بالعدوان. ولكنا نعلم أن حلفاءه من دول الغرب الرأسمالي قد اعتدوا بالفعل على مصر أمس، وهم يعتدون على اليمن والجزائر بالفعل اليوم، وهم يستذلون شعب العراق على رغمه، وهم يدبرون العدوان على سوريا.

    فماذا يقول الرئيس الأمريكي في كل هذا؟! أيراه خطرًا على استقلال هذا الشرق الأوسط أم لا يراه؟ فإن تكن الأولى فلِمَ لا يعرض حماية الشرق الأوسط من هذا الخطر؟

  • النعام

    النعام
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٦ ديسمبر ١٩٥٦

    يقول مثل عربي قديم: ذهبت النعامة تطلب قرنين فجاءت بلا أذنين.

    وحُمْقُ النعامة مشهور في الشرق والغرب؛ فالغربيون أنفسهم يصوِّرون حمقها في أنها تُخفي رأسها إذا أحست دُنُوَّ الخطر منها وطلب الصائد لها. ويضربونها مثلًا لمن يرى الشر يحيق به فلا يحسن الاحتياط له والحذر منه، ولمن يجازف باقتحام المغامرات غير متدبر لعواقبها ولا مُقَدِّر لجرائرها.

    وما أعرف أحدًا يمكن أن يُشَبَّه بالنعامة في حمقها الأحمق، كهؤلاء الساسة من البريطانيين والفرنسيين حين أقدموا على ما أقدموا عليه من الإثم، تُغريهم به عواطفهم الجامحة وشهواتهم الطاغية، ويحرضهم عليه هذا الحمق الذي لم يُتِحْ لهم تدبيرًا ولا تقديرًا، وإنما أضل عقولهم وغَشَّ بصائرهم وورَّطهم في شَرٍّ عظيم كان من أيسر الأشياء ألَّا يتورطوا فيه لو أنهم صدروا عن عقولهم ولم يصدروا عن قلوبهم تلك التي ملأها البغض والحقد والضغينة؛ فأركبتهم رءوسهم ودفعتهم إلى غمرات عرفوا أولها ولم يعرفوا آخرها.

    ضاقوا بطموح العالم العربي إلى التحرُّر من سلطانهم، ومصالحُهم فيه كثيرة ومنافعهم فيه لا تُحصى، وهي ليست مصالحهم وحدهم، وإنما هي مصالح أمم كثيرة لها الحق في الحياة واليسر، ولها الحق في ابتغاء الوسائل إلى الحياة واليسر، وليس حقهم في ذلك أقل من حق البريطانيين والفرنسيين.

    ولست أذكر حَقَّ العرب أنفسهم في أن يعيشوا في بلادهم أحرارًا ويستمتعون بثمرات أرضهم قبل أن يستمتع بها غيرهم من الناس؛ فهذا شيء لا يؤمِن به البريطانيون والفرنسيون، وإنما يؤمنون قبل كل شيء بأن الغرب وحده صاحب الحق في الحياة الراضية التي يملؤها اليسر والنعيم. لا أذكر حق العرب في الحرية والكرامة والاستقلال والاستمتاع بثمرات أرضهم قبل أن يستمتع بها غيرهم من الناس، وإنما أذكر حق أمم أخرى في الشرق والغرب وفي العالم القديم والجديد يحتاج بعضها إلى بعض، ولا تستطيع أن تحيا ولا أن تنعم إلا إذا أُتيح لها تبادُل المنافع وتقارُض المصالح والتعاون المتصل على تنمية الحضارة والاشتراك في ثمراتها ومنافعها.

    فالغرب محتاج إلى الاتصال بالشرق البعيد، وهذا الشرق البعيد محتاج إلى الاتصال بالغرب، والشرق القريب طريقهما إلى هذا الاتصال؛ فكل اضطراب فيه أو فساد في أرضه يقطع هذا الاتصال ويجعله مستحيلًا أو كالمستحيل، ولكن البريطانيين والفرنسيين غفلوا عن هذا كله؛ أضلَّهم عنه ما ملأ قلوبهم من البُغض وما استأثر بنفوسهم من الحفيظة وما ملك ضمائرهم من المُوجِدة؛ فلم يَرَوْا أبعد من أنوفهم كما يقولون في بلادهم، وإذا هم يُقدِمون على ما أَقْدَموا عليه من الفكر، فيملَئون الشرق القريب هولًا، ويملئون العالم كله خوفًا وذعرًا وإشفاقًا من الخطوب الجسام.

    أغاروا على مصر، فاضطربت بلاد العالم العربي كله ألوانًا مختلفة من الاضطراب، وانقطعت التجارة بينهم وبين الشرق القريب والبعيد، ونضبت موارد الغرب الأوروبي من البترول، واضطربت لذلك أمور الصناعة والتجارة والزراعة فيه، وتعرضت حضارته كلها لخطر عظيم، وثار العالم كله في هيئة الأمم المتحدة يرد عن نفسه هذا الشر ويذود عن حضارته هذا العُدوان الذي لم يوجَّه إلى مصر وحدها وإنما وُجِّه إلى العالم كله وإلى الحضارة كلها؛ لأن العدوان على هذا الجزء من الأرض لا يُفسد الأمر فيه وحده وإنما يُفسد أمور الشعوب جميعًا.

    فانتصار العالم لمصر لم يكن محاباة لها، ولم يكن انتصارًا للمُثُل العليا من الحق والعدل فحسب، وإنما كان احتياطًا لنفسه من خطر دائم يوشك أن يمحو الحضارة محوًا.

    ومن قبلُ كثر حديث البريطانيين والفرنسيين عن الموقع الجغرافي لمصر، وعن أثر هذا الموقع في حياة العالم المتحضِّر، وعن احتياج العالم كله إلى أن يستقر الأمن والسلم والدعة في شرق البحر الأبيض المتوسط. ولكن حمق النعامة الذي أشرنا إليه آنفًا أَضَلَّ ساسة البريطانيين والفرنسيين عن هذه الحقائق البديهية التي لا يضل عنها إلا المحمقون.

    وكان من أروع ما قرأ الناس وما سمعوا، هذا الهذيان الذي ألقاه وزير الخارجية البريطانية مساء الاثنين في مجلس العموم، حين تكلَّف خداع نفسه وخداع سامعيه وقارئيه في أطراف الأرض كلها. وأي خداع أبرع في تصوير الغفلة والحمق من أن هذا العدوان حقَّق الأغراض التي أراد البريطانيون والفرنسيون تحقيقها حين أقدموا عليه؛ فهم بهذا العدوان — فيما زعم ذلك الوزير لنفسه وللنواب — قد منعوا حربًا صغيرة من أن تستحيل إلى حرب كبيرة، وتبحث أنت عن هذه الحرب الصغيرة فلا تجدها لأن مصر لم تُغِرْ على إسرائيل، ولم تُغِرْ إسرائيل على مصر، وإنما البريطانيون والفرنسيون هم الذين دفعوا لعبتهم — إسرائيل — إلى العدوان وأعانوها عليه بالعدد والعُدَّة، وليس أدل على ذلك من أنهم حين أقبلوا ليمنعوا هذه الحرب الصغيرة إلى أن تستحيل إلى حرب كبيرة زادوها اشتعالًا، وشاركوا إسرائيل وشاركوا أنفسهم في العدوان، فأغاروا على مصر نفسها وكان الحق عليهم أن ينصروها. وهم أرادوا — فيما زعم وزيرهم ذاك — أن يحرروا القناة ويتيحوا الانتفاع بها للناس جميعًا.

    فلم يحرروها وإنما سدوها على أنفسهم وعلى الناس جميعًا، وأَلْغَوْا الانتفاع بها وقتًا قد يقصر وقد يطول، وكانوا يريدون — إذا زعموا — أن يتدفق البترول على بلادهم وعلى أوروبا كلها، فقطعوه عن أنفسهم وعن أوروبا، واضطروها إلى أزمة كما اضطروا أنفسهم إلى هذه الأزمة التي لم يكونوا — ولم تكن أوروبا — في حاجة إليها.

    وهم قد كشفوا — فيما زعم وزيرهم ذاك — عمَّا كانت تديره روسيا السوفييتية من الكيد لهم ولغيرهم في هذا الشرق الأدنى، فلم يكشفوا عن شيء؛ لأن روسيا السوفييتية لم تكن تكيد لأحد في هذا الشرق.

    ولم يكن هذا الشرق نفسه، لم يكن ليُخلي بينها وبين هذا الكيد لو أرادته أو فكرت فيه، وهم لم يقطعوا الصلة بين الشرق الأدنى وبين روسيا السوفييتية، ولن يستطيعوا أن يقطعوها؛ لأن الشرق الأدنى يقيم هذه الصلة على الاستقلال الصريح الذي لا ممالاة فيه، وستظل هذه الصلة قائمة ما دام الشرق الأدنى حريصًا على الاستقلال الصريح أولًا وعلى الحيدة الصريحة بين القوتين المختصمتين ثانيًا. وإنما وصل البريطانيون والفرنسيون إلى أن يتلقوا من روسيا السوفييتية هذا الإنذار المُهين، الذي كشف عن قلوبهم وأبصارهم الغطاء، وكفَّهم عن المضي في مغامرتهم تلك الآثمة.

    هم إذن لم يحققوا من أغراضهم شيئًا، وإنما جَرُّوا على أنفسهم وعلى أمم أخرى بريئة شرًّا عظيمًا. وهم يستطيعون أن يقولوا ويُكثِروا القول، وبأن يموِّهوا ويسرفوا في التمويه، وأن يضللوا أو يُمْعِنُوا في التضليل، ولكنهم لن يستطيعوا أن ينكروا الأزمة التي ورطوا أنفسهم وورَّطوا أوروبا فيها، ولا أن يُنكروا ما أصاب اقتصادهم من الفساد والاضطراب، ولا أن ينكروا أن رئيس وزراء بريطانيا قد اضطر بعد أن أجَّج النار أن يفِرَّ ويترك لغيره إطفاءها، ولا أن ينكروا آخر الأمر أنهم أشبه شيء بالنعامة التي ذهبت تطلب قرنين فجاءت بلا أذنين، والتي تخفي رأسها إذا أحست قرب إحداق الخطر بها ودُنُوَّ الصائد منها، ولا أن ينكروا أنهم قصدوا إلى مصر بالشر وأرادوا أن يبطشوا بها فلم يقدروا عليها وعادوا منها، وأصدق ما يقال فيهم قول الشاعر العربي القديم:
    وكنت إذا نزلت بأرض قومرحلت بخزية وتركت عارا

  • مجنون

    مجنون
    بقلم طه حسين

    لم يتحدث أحد عن خزي الفرنسيين في أعقاب الحرب العالمية الثانية كما تحدث عنه الكتاب الفرنسيون أنفسهم في هذه الكتب الكثيرة التي لا تكاد تُحصى، والتي ظهرت أثناء الحرب في أجزاء مختلفة من الأرض، فر إليها بعض الكتاب الفرنسيين وفي فرنسا نفسها بعد أن وضعت الحرب أوزارها. ولا نعرف هيئة فرنسية بريئة من التعاون مع العدو أثناء الاحتلال الألماني. وقد أظهرت المحاكمات التي لم تنقض بعد أنَّ هذا الخزي كان متغلغلًا في طبقات مختلفة من الشعب الفرنسي. شارك فيه ضباط كثيرون من أصحاب المراتب المختلفة في الجيش، وكان أحدهم يُحاكَم منذ أسبوعين اثنين، ووصمته المحكمة بإثم الخيانة ثم أعفته من العقوبة في نفس الحكم لسبب ما. وشارك فيه علماء ممتازون كان من بينهم مدير جامعة باريس أشفق من عواقب المحاكمة فقتل نفسه، وشارك فيه أعضاء من المجمع اللغوي أخرجوا منه بعد التحرير وأعضاء آخرون من المجامع العلمية الأخرى، وكثير من رجال السياسة والحكم ومن زعماء الصناعة والتجارة ورؤوس الأموال، ومن الكتاب الصحفيين والكتاب والأدباء ومن الطبقات الشعبية الوسطى والطبقات الشعبية الدنيا. وقد لَقيَ كثير من هؤلاء جزاءهم فمنهم من حكم عليه بالموت ومنهم من أُهدرت شخصيته فحُرم حقوقه السياسية والمدنية جميعًا، ومنهم من تلقى عقوبات أيسر من هذا قليلًا أو كثيرًا، وآخرون عاقبهم الشعب نفسه بغير محاكمة قتل بعضهم ومثَّل ببعضهم وحلقت رؤوس كثير من النساء جهرة. وقد صُوِّر هذا كله في الكتب الفرنسية والأجنبية أيضًا. فما أكثر ما كتب الألمان من المذكرات التي سجلوا فيها ما رأوا من الأحداث أثناء إقامتهم في فرنسا أعوام الاحتلال وسجلوا بين ذلك صورًا مخزية لألوان من التعاون وفنون من تملق المنهزمين للمتضررين والتقرب إليهم من طرق مختلفة. أقل ما توصف به أنني لا أستطيع أن أذكرها في هذا الحديث.

    وما أنا فلست أنسى ما قرأت في بعض هذه الكتب من وصف حفلة عشاء أقيمت في دور بعض الأغنياء من أهل باريس دُعوا إليها كثير من أعلام الباريسيين في الصناعة والتجارة والعلم والمال وأقبلوا جميعًا مبتهجين لأنهم كانوا سيلقون في هذا العشاء قائدًا ألمانيًا عظيمًا. وقد تأخر هذا القائد عن موعد العشاء شيئًا فقالت ربة البيت وعلى ثغرها ابتسامة الرضا وعلى وجهها غشاوة من الفرح والمرح يشيع فيها شيء من القلق اليسير. قالت: لا ننتظر الآن إلا قاهرنا الجميل. وأقبل القائد بعد قليل فحدث احتفال الناس به وإحاطتهم به وإقبالهم عليه وابتغاء الوسائل إلى أن يلقي إليهم كلمة أو يسمع من بعضهم حديثًا.

    كل ذلك قد كان بل أكثر من ذلك وأشد منه خزيًا ونكرًا. وليس من شك في أن من الفرنسيين من أبى الهزيمة وقاوم الخزي. ولكن آخر من ينبغي أن يتحدث عن الهزيمة والاستسلام واستقبال العدو وتقديم المعونة له وابتغاء الوسيلة إليه هم الفرنسيون الذين أنشأوا هذا الخزي في نفوسهم عُقدًا منكرة لا يستطيعون أن يخلصوا منها. وإلى هذه العُقد التي أنشأها الخزي في نفوس الفرنسيين ترجع الحماقات الكثيرة التي تورطت فيها جمهوريتهم الرابعة.

    فحرب الهند الصينية ليست إلا أثرًا من آثار هذه العُقد حاول الفرنسيون بها أن يكسبوا نصرًا يحررهم من خزي نفوسهم. فلم يكسبوا في تلك الحرب إلا خزيًا جديدًا أضيف إلى خزي قديم. وهذه الآثام البشعة التي اقترفوها وما زالوا يقترفونها في شمال أفريقيا ليست إلا أثرًا من آثار هذا الخزي. حاول الفرنسيون أن يجدوا في آثامهم هذه ما يحرر نفوسهم من خزي الضمائر. ويشعروا أنفسهم أنهم ما زالوا كبارًا. فلم يكسبوا من هذه الآثام إلا خزيًا وعارًا يضافان إلى ما عندهم من رأس مال ضخم من الخزي والعار.

    فهذه مراكش قد تحررت، وهذه تونس قد تحررت أيضًا بعد أن ذاق الفرنسيون فيها ألوان الضعة والهوان. وهذه الجزائر توشك أن تتحرر ولا بد لها من أن تتحرر ومن أن تضيف إلى رأس المال الفرنسي من الخزي والعار. وهذه الجريمة التي اقترفتها فرنسا مع زميلتها في الإثم بريطانيا العظمى حين أقدمتا على غزو مصر ليست إلا أثرًا من آثار ذلك الخزي. حاول بها الفرنسيون أن يشعروا أنفسهم بأنهم ما زالوا قادرين على أن يفتحوا الأرض ويقهروا الأمم ويتحكموا في الشعوب. فلم يجنوا منه إلا الهزيمة والخوف الذي يروع نفوسهم ويجري مع دمائهم ويضع أيديهم على قلوبهم مخافة أن يصير لعبهم إلى جد وأن ينظروا ذات يوم فإذا هم متورطون في حرب أخرى مع أمة أقوى منهم قوة وأشد منهم بأسًا وأقدر من الألمان على أن تحتل باريس وتفعل بها الأفاعيل ويُدعى قادتها إلى الحفلات التي تقام عند أصحاب رؤوس الأموال.

    فهذا الهذيان الذي تحدثت عنه الجمهورية أمس، وزعم فيه أن المصريين لم يطيقوا لقاء جنده وإنما فروا من هذا اللقاء. فر الضباط أولًا، وفر الجنود ثانيًا، وأذعن شعب بورسعيد أخيرًا وانتهى الأمر عند ذلك بسلام.

    وإذن فما بال القناة لم تخلص له ولشركائه في الإثم؟ وما بال مصر كلها لم تقدم إليه الطاعة ولم تلتمس منه العفو والرضا؟ وما بال رئيس الجمهورية جمال عبد الناصر ما زال ثابتًا يستهزئ منه ومن شركائه ويتهيأ للقائه إن همَّ جيشه أن يتجاوز مكانه. وأطال المقام في هذا المكان. وما بال الشعب المصري، ما زال ثابتًا يضحك منه ومن جيشه ويؤيد رئيس جمهوريته على الرغم من فرنسا وبريطانيا العظمى.

    وسأل الصديق سامي داود عن اسم يسمى به هذا الأحمق. ولست أدرك فيمَ يسأل الصديق وفيمَ يبحث. وليس في اللغة العربية ولا في غيرها من اللغات كلمة تليق به وبما يفعل وما يقول إلا كلمة واحدة وهي أنه مجنون.

    طه حسين

    الجمهورية 12 نوفمبر 1956.

  • من بعيد حيرة …

    من بعيد: حيرة …
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٥ سبتمبر ١٩٥٦

    وهم لا يحبون السلم؛ لأنه يضيع هيبتهم في الشرق العربي ويُطمع فيهم أممًا كانت منذ أعوام قليلة تسمع لهم وتُطيع، وهم بعد ذلك لا يفهمون الشرق العربي كما ينبغي أن يُفهم، ولا يعرفون مصر الحديثة كما ينبغي أن تُعرف. ما زالوا يفكرون في هذه الأيام كما كانوا يفكرون في القرن الماضي، ويقدِّرون أن مصر سترهبهم اليوم كما كانت ترهبهم من قبل، كأنهم لم يروا شيئًا ولم يعتبروا بما كان من الخطوب والأحداث.

    كان إبطاء مصر في الرد على رئيس اللجنة التي أُلِّفت لتفاوض في أمر القناة يقضُّ مضاجع الساسة البريطانيين والفرنسيين، وكان أولئك وهؤلاء يكدون عقولهم ويحملون ذكاءهم أكثر مما يطيق؛ ليعرفوا أولًا هل يرد رئيس الجمهورية المصرية على كتاب اللجنة أو لا يرد، وليعرفوا ثانيًا بماذا يمكن أن يرد رئيس الجمهورية المصرية، أيقبل لقاء اللجنة أم يرفضه، وليعرفوا ثالثًا ماذا يفعلون إن رفض رئيس الجمهورية المصرية هذا اللقاء.

    كانوا من كل ذلك في حيرة مظلمة، وكانت الصحف البريطانية والفرنسية تصوِّر هذه الحيرة أصدق تصوير، فتُبدئ وتعيد في فروض مختلفة لا تكاد تنقضي، ويناقض بعضها بعضًا فيما كان يُنشر من التنبُّؤات المتباينة التي لم تكن تدل إلا على أن الكتاب البريطانيين والفرنسيين لم يكونوا يشقون بالحيرة والشك أقل مما كان يشقى بهما الساسة في بريطانيا العظمى وفرنسا جميعًا، ولكن الرد المصري يصل إلى لندن ذات صباح، فتنجلي عن الساسة والصحفيين حيرة لتخلفها حيرة أخرى.

    فقد كان رد مصر محيرًا حقًّا، كان موجزًا أشد الإيجاز، واضحًا أعظم الوضوح، لا يحتمل تأويلًا ولا تحليلًا، طلبت اللجنة إلى رئيس الجمهورية المصرية أن تلقاه فأجابها بأنه مستعد للقائها. ولكن هذا الجواب الموجز الواضح أضل رشد الصحفيين والساسة وأخرجهم من شك إلى شك، فالرد المصري لم يُشر من قريب ولا من بعيد إلى موضوع هذا اللقاء ولا إلى ما يمكن أن يجرى فيه من حديث.

    ومن أجل ذلك ذهب الساسة والكتاب في تأويل هذا الرد مذاهب مختلفة أشد الاختلاف؛ رأى المتفائلون منهم أن مصر قد جَنَحت إلى السلم وآثرت أن تصل مع الغرب إلى كلمة سواء، ورأى المتشائمون أن وراء الأكمة ما وراءها، وأن هذا الإيجاز يُخفي شروطًا ستشترطها مصر قبل المفاوضة ويُخفي مشكلات ستثيرها مصر أثناء المفاوضة، وقوم آخرون توسطوا بين أولئك وهؤلاء، وجعلوا يَضربون أخماسًا لأسداس وأسداسًا لأخماس، ويقدرون أن رئيس الجمهورية المصرية يصطنع المماطلة ليكسب شيئًا من الوقت يستطيع فيه أن يحول بعض الدول الأوروبية عن فرنسا وبريطانيا العظمى، وأن يضطر هاتين الدولتين الأخيرتين إلى العزلة وإلى احتمال ما ينشأ من تشدُّدهما من تبعات.

    وما زال الساسة والكتاب يتخبَّطون في هذه الحيرة المظلمة ويُلقون على أنفسهم وعلى الناس أسئلة كثيرة دون أن يجدوا عليها جوابًا، وسيظلون كذلك حتى يتم اللقاء الأول في القاهرة بعد ثلاثة أيام نعدُّها نحن أيامًا قصارًا ويعدونها هم أعوامًا طوالًا؛ لكثرة ما تكلِّفهم من الجهد وثقل ما تحملهم من العناء، وليس هذا كله هو مظهر الحيرة البريطانية الفرنسية، بل هناك مظهر آخر لهذه الحيرة.

    ولكنه مظهر خطير بعيد الأثر فيما سيكون من الصلات المستقبلة بين الشرق العربي والغرب الأوروبي، فالبريطانيون والفرنسيون يريدون المفاوضة، وهم من أجل ذلك قد شاركوا في إنشاء هذه اللجنة التي ستُجري هذه المفاوضة، ولكنهم في الوقت نفسه يفرضون لهذه المفاوضة أساسًا يزعمون أنهم لن يتحولوا عنه مهما تكن الظروف، ويريدون أن يلزموا مصر قبوله إلزامًا، وهم من أجل ذلك يُرسلون لجنة تحمل أغصان الزيتون وتدعو إلى السلم والعافية والتعاون، ويقدمون بين يدي هذه اللجنة جنودًا وبنودًا وسفنًا وطائرات، وتختار فرنسا خاصة اليوم الذي يصل فيه رد مصر لتستأذن بريطانيا العظمى في إرسال جنودها إلى قبرص استعدادًا للطوارئ، وتأهبًا لحماية الفرنسيين في مصر إن تعرضت أشخاصهم أو مصالحهم للخطر. أما بريطانيا العظمى فماضية في التعبئة وإرسال الجنود في أثر الجنود استعدادًا لخطر أي خطر.

    فالقوم إذن حائرون لا يدرون أيفاوضون أم يحاربون، أو هم إن شئت لا يريدون المفاوضة، وإنما يريدون أن يفرضوا سياستهم على مصر فرضًا، يريدون أن يُمْلُوا عليها هذه السياسة، ويخيرونها بين أن تقبل ما يُملى عليها؛ فتريح وتستريح وإن أهينت كرامتها وذل أبناؤها وقبلوا الضيم وهم صاغرون، وإما أن ترفض ما يُملى عليها؛ فتصب الحرب عليها صبًّا وتتعرض هي ويتعرض الأمن العالمي معها لشر يُعرف أوله ولا يُعرف آخره.

    والقوم مع ذلك يعلنون ويلحُّون في الإعلان أنهم لا يريدون إلا السلم، وأن لجنتهم لا تحمل إلى مصر إنذارًا أو شيئًا يشبه الإنذار؛ هم لا ينذرون ولكنهم يحشدون الجنود في قبرص ومالطة، ويعدون أنفسهم للحرب، ويستطيع العقلاء أن يتخلصوا من كل هذا التخليط ما يشاءون. ولكن الواقع من أمر البريطانيين والفرنسيين أنهم حائرون لا يدرون ماذا يصنعون ولا يعرفون كيف يقولون، قد أسرفوا على أنفسهم في الوعيد والتهديد يوم أعلن تأميم القناة وسجل عليهم هذا الإسراف؛ فهم يكرهون أن يتراجعوا فيفقدوا الثقة بهم والإيمان بهم والاطمئنان إلى ما يبذلون من وعد ووعيد.

    وحذرهم الأمريكيون وخوفهم الروسيون من إثارة الحرب، فهم لا يستطيعون أن يقدموا عليها فينفض من حولهم الأنصار وإذا هم يتورطون في شر عظيم لا يعرفون كيف يخرجون منه ولا كيف ينفذون من مشكلاته التي لا تُحصى. وهم من أجل ذلك يرسلون لجنتهم وفي إحدى يديها غصن الزيتون وفي اليد الأخرى نذير الحرب، دون أن يعرفوا حين يخلون إلى أنفسهم أيريدون حربًا أم سلمًا. هم لا يحبون الحرب لأنهم لا يقدِّرون عواقبها، وهم لا يحبون السلم لأنه يضيع هيبتهم في الشرق العربي ويُطمع فيهم أممًا كانت منذ أعوام قليلة تسمع لهم وتطيع، وهم بعد ذلك لا يفهمون الشرق العربي كما ينبغي أن يُفهم ولا يعرفون مصر الحديثة كما ينبغي أن تُعرف.

    ما زالوا يفكِّرون في هذه الأيام كما كانوا يفكرون في القرن الماضي، وما زالوا يعتقدون أنهم قادرون على أن يُنذروا فيملئوا قلوب الناس رعبًا وفَرَقًا؛ فهم يرسلون جنودهم تخويفًا وإرهابًا ويقدرون أن مصر سترهبهم اليوم كما كانت ترهبهم من قبل، كأنهم لم يروا شيئًا ولم يسمعوا شيئًا، ولم يعتبروا بما كان من الخطوب والأحداث، لم تعتبر فرنسا بما أصابها في الهند الصينية وبما أصابها قبل ذلك في الشرق الأدنى وبما يصيبها الآن في شمال أفريقيا، ولم تعتبر بريطانيا بما أدركها من الخذلان في الهند وفي أقطار أخرى من الأرض وبما تتعرض له من الشر في قبرص هذه التي تُحشد فيها الجند لتخيف مصر والشرق العربي، مع أنها لا تستطيع أن تخوف قبرص نفسها، بل لا تستطيع أن تؤمن جندها من القبرصيين أنفسهم. ولكن القوم قد سجَّلوا على أنفسهم وعدًا بأن يحفظوا على المسهمين القدماء في شركة القناة القديمة ما كانت تغل عليهم القناة من ربح، وهم لا يعرفون كيف يبرون بهذا الوعد. وهم واثقون بأن المحافظين في فرنسا وبريطانيا العظمى لن يغفروا لهم تقصيرًا في خدمة رأس المال مهما تكن أسباب هذا التقصير، وهم من أجل ذلك يملئون الدنيا ضجيجًا وعجيجًا وتهويشًا، مستيقنين فيما بينهم وبين أنفسهم أنهم لن يظفروا بشيء مما يحبون، وأن مصر ستثبت لوعيدهم إن اكتفوا بالوعيد وستخوض حربهم إن فرضوا عليها الحرب.

    وقد قلت حين قبض الأمريكيون والإنجليز أيديهم عن تمويل السد العالي: إن مصر تتعرض لامتحان خطير، فإما أن تثبت لكيد الغرب ومكره، فتقنع العالم كله بأنها جديرة بما حققت لنفسها من الاستقلال، وإما أن يدركها الضعف والوهن ويظهر في صفوفها الفشل والافتراق، فتقنع العالم كله بأنها لم تنضج بعد ولم تَصِرْ أهلًا للحياة العزيزة التي تعرف كيف تأبى الضيم.

    قلت ذلك قبل تأميم القناة؛ فأما بعد تأميمها، وبعد هذا التحدي الذي تجاوز كل حد مألوف، وبعد أن طمع الإنجليز والفرنسيون في أن يملئوا قلوب المصريين فَرَقًا ورعبًا، وبعد أن جعل أولئك وهؤلاء يُعبِّئون الجنود ويرسلونهم إلى شرق البحر الأبيض المتوسط، وهيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن مغرق في نوم عميق كأن السلم لم يتعرض للخطر في هذا الجزء من أجزاء العالم، أما بعد هذا كله فقد أصبح الامتحان الذي يخضع له المصريون في هذه الأيام أشد قسوة وأعظم عنفًا، وأصبحت مصر مخيَّرة بين الاستقلال والعزة والكرامة مهما يكن ثمنها ومهما تكلِّفها من تضحية وبين العودة إلى احتلال بريطاني فرنسي أو إلى ما هو شر من الاحتلال البريطاني الفرنسي؛ وهو الوصاية الدولية على إرادة القناة، وأنا مطمئنٌّ كلَّ الاطمئنان إلى أن مصر ستختار فتُحسن الاختيار.

  • من بعيد عُبَّاد الذهب

    من بعيد: عُبَّاد الذهب
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ١١ أغسطس ١٩٥٦

    ما زال العجل الذهبي قائمًا يعبده الناس في أقطار الأرض كما قال شيطان «جوت» في قصته المشهورة الرائعة فاوست. وعُبَّاد هذا العجل لا يؤثِرون القصد والاعتدال في عبادته، ولكنهم عَبَدَةٌ يتقربون إليه بخلاصة نفوسهم، وخير ما تملك أيديهم، ثم هم لا يعبدونه عبادة مهذبة نقية كما تريد الحضارة الحديثة أن تكون العبادة، وإنما يقدمون إليه من القربان ما كان القدماء يقدمون إلى آلهتهم قبل أن تمسهم الحضارة، وقبل أن يُهذِّب العلم عقولهم، ويُصفي الفن والأدب قلوبهم وأذواقهم، يقدمون إليه أبناءهم وزهرة حياتهم ضحايا بشعة منكرة لإله بشع منكر ظامئ دائمًا إلى دم الإنسان، قرم دائمًا إلى لحم الإنسان، لا يرضى إلا إذا أُجريت له دماء الناس أنهارًا، وجُمعت له لحوم البشر أكداسًا. وهو مهما يقدَّم إليه من ذلك طامعٌ في أكثر ممَّا قُدِّمَ إليه، قد ملأ قلوب عباده غرورًا بالقوة وطموحًا إليها، لا ليحموا بها أنفسهم من عدوان المعتدين، بل ليتخذوها وسيلة إلى تقريب الآمنين الوادعين قربانًا لإلههم ذلك الظامئ إلى دم الإنسان القرم دائمًا إلى لحم الإنسان.

    الإله الوحشي تلك الحروب التي وضعت أوزارها منذ وقت قصير في الهند الصينية لم تكن إلا عبادة وحشية لذلك الإله الوحشي. قرَّب فيها الفرنسيون مئات الألوف من الآمنين الوادعين وأمثالهم من المُغِيرِينَ المعتدين، ضحيةً لرأس مالهم، ذلك الذي رمز له جوت بالعجل الذهبي. وأولئك الذين سُفكت دماؤهم، وفُرِّقت أشلاؤهم في كوريا، من الكوريين والأمريكيين والأوروبيين، لم يكونوا إلا قربانًا لرأس المال الأمريكي، الذي رمز له جوت بالعجل الذهبي أيضًا. وهؤلاء الذين سُفكت دماؤهم وما زالت تُسفك، وانتُهِكت حرماتهم وما زالت تُنتهك في شمال أفريقيا، ليسوا إلا قربانًا لهذا الإله البشع الفظيع. وهذه الثورة الثائرة والفورة الفائرة في فرنسا وبريطانيا العظمى الآن، حول قناة السويس وما أثار تأميمها من مشكلات؛ ليست إلا دعاء من ذلك الإله المنكر، إلى سفك دماء جديدة، وتفريق أشلاء جديدة؛ لأنه — كما قلت — ظَمِئٌ دائمًا لا يعرف الري، وجائع دائمًا لا يعرف الشبع، ومتى رأيت رأس المال يقنع بالقليل أو الكثير من الربح؟

    الذهب أفسد الاشتراكيين إن الفرنسيين لِيَعْتَرِفُونَ بأن رءوس الأموال التي أنفقها المسهمون في شركة القناة القديمة، قد عادت إلى أصحابها مرات، لا مرة ولا مرتين، في هذه الحقبة الطويلة التي استُغِلَّت فيها القناة بمرأى ومسمع من أجيال المصريين الذين كانوا يرون أرضهم وقناتهم التي احتُفرت بأيديهم، تُستغل لتضاعف رءوس الأموال الإنجليزية والفرنسية وهم ينظرون، لا يستطيعون أن يمدوا يدًا إلى هذا الذهب الذي كان يتدفق أنهارًا إلى عُبَّاد الذهب من الإنجليز والفرنسيين. والغريب أن عبادة الذهب هذه لا تُفسِد قلوب المحافظين والمعتدلين وحدهم في فرنسا وبريطانيا العظمى، ولكنها تفسد قلوب الاشتراكيين منهم أيضًا.

    الاشتراكيون أشد عنفًا هؤلاء الاشتراكيون الذين يقيمون مذهبهم السياسي والاجتماعي على مقاومة رأس المال، وما ينتج من الأَثَرَةِ والظلم والبغي والعدوان، وما يثير من الحروب بين الشعوب. هؤلاء الاشتراكيون أنفسهم يثورون الآن أعنف الثورة؛ لأن مصر أبت أن يُفرض الفقر على أهلها، ليتاح الغنى لقلة من الأجانب في فرنسا وبريطانيا العظمى، وكرهت أن يجوع أبناؤها وهذه القلة من الأجانب تكاد تقتلها التُّخمة من المال. فكان زعيم العمال في بريطانيا العظمى — وهو اشتراكي — قد أمَّم حزبُه كثيرًا من الشركات، وحوَّل كثيرًا من رءوس الأموال عن ملك أصحابها إلى ملك الدولة. كان زعيم العمال الاشتراكي هذا أشد ثورة وأعنف غضبًا من رئيس الحكومة البريطانية نفسه، مع أنه محافظ عريق في عبادة الذهب وتقديس رأس المال. وكان رئيس الحكومة الفرنسية الاشتراكي، الذي أمم حزبُه كثيرًا من الشركات في فرنسا، والذي أنفق حياته محاربًا لرأس المال، زاريًا عليه، ينتهز به الفرص، ويتربص به الدوائر، ويبطش به كلما وجد إلى البطش سبيلًا؛ كان هذا الرئيس الاشتراكي القديم أشد ثورة، وأعنف غضبًا، وأطول لسانًا، وأكثر هذيانًا من المحافظين الفرنسيين المُمعِنين في المحافظة على رأس المال، لا لشيء إلا لأن العمال البريطانيين طامعون في الوصول إلى الحكم، ولأن الاشتراكيين الفرنسيين حريصون على الاحتفاظ بالحكم بعد أن ظفروا به.

    العجل الذهبي أولئك وهؤلاء يتملَّقون رءوس الأموال، ويبيعون مبادئهم، ويقدمونها قربانًا بغيضًا لرأس المال، الذي رمز له «جوت» بالعجل الذهبي. وكذلك كفر الاشتراكيون من الفرنسيين والإنجليز بإلههم كارل ماركس، وعادوا إلى عبادة العجل الذهبي، كما كفر حلفاؤهم من بني إسرائيل في الزمان القديم والجديد بعبادة الله العلي القدير، حين أخرج لهم صاحبهم ذاك عجلًا من ذهب له خوار. كفروا بكارل ماركس وضحُّوا بمبادئه تقرُّبًا إلى رأس المال، آثروا الحكم على المبادئ، وآثروا الكفر على الإيمان، والنفاق على الصراحة، واتفقوا مع المحافظين على أن يجعلوا من مسألة القناة مسألة سياسية خطيرة، ومن استمتاع مصر بحقها الطبيعي الذي لا ينكره إلا المحمقون اعتداءً على حق الأوروبيين والأمريكيين في عبور القناة أحرارًا ذاهبين آيبين، لا يصدهم عن الذهاب ولا عن الإياب صادٌّ، ولا يردهم رادٌّ، وإنما تُيَسِّرُ لهم مصر الأمور كما كانت مُيَسَّرَةً لهم من قبلُ، بل خيرًا ممَّا كانت ميسرة لهم من قبل. ثم أقاموا الدنيا وأقعدوها وظنوا أنهم قادرون على أن يملَئوا مصر خوفًا ورعبًا، بما يُجَنِّدُونَ من الجنود وبما يُهَيِّئُونَ من الأساطيل، كأنهم يستطيعون أن يثيروا الحرب متى شاءوا وكيف شاءوا وأين شاءوا، وكأن الأرض قد خلت لهم، يفعلون بها وبأهلها ما يحبون.

    لن تخاف مصر وكأن مصر ستخاف منهم اليوم كما كانت تخاف منهم في أيام مضت، وستذعن لهم اليوم كما كانت تُذعِن لهم في أيام مضت أيضًا، وكأن العالم سيخلي بينهم وبين ما يريدون من إثارة الحرب إن صدقت نياتهم في إثارة الحرب. وقد قالت لهم مصر وما زالت تقول إنها لن تمس حرية القناة، بل ستؤمنها في المستقبل كما أمَّنتها من قبل. وهم يصدقون مصر بقلوبهم، ويكذِّبونها بألسنتهم؛ لأن رأس المال البريطاني والفرنسي لم يقنع بكل ما أُتيح له من الربح إلى الآن، فهو يتحرَّق منه إلى المزيد، ولأن إلههم ذاك الوحشي البشع لم يقنع بكل ما أُجري له من أنهار الدماء، وبكل ما قُرِّبَ إليه من أكداس الأشلاء، هو ظامئ دائمًا جائع دائمًا، يُغري عباده دائمًا بإثارة الحرب والطموح إليها. وأغرب ما يمتاز به الفرنسيون والبريطانيون في هذه الأيام أنهم لا يعتبرون بالأحداث، ولا يتَّعِظُون بالخطوب، ولا يرون أن الدنيا من حولهم قد تغيرت، وأن الفَلَكَ قد أَتَمَّ دورة الاستعمار والبغي والعدوان، وبدأ دورة جديدة قوامها الحرية، ورد الحقوق إلى أهلها وإقامة العدل بين الشعوب، لا يرون شيئًا من ذلك؛ وإنما يرون أو يُخَيِّلُونَ إلى أنفسهم أنهم ما زالوا أقوياء يستطيعون أن يتحكموا في مصائر الشعوب كما تحكَّموا فيها من قبلُ. هم يجهلون شئون أنفسهم، ويجهلون شئون غيرهم من الناس. هم لا يريدون أن يشعروا بأن الضعف قد أخذ يسعى إليهم، وبأن الأيام قد أخذت تعبس لهم، وهم لا يريدون أن يروا كذلك أن القوة قد أخذت تسعى إلى المستضعفين، وأن الأيام قد أخذت تبسم للذين عبست لهم من قبل. وهم يتملقون الأمريكيين، ويبتغون الوسائل إلى روسيا، ويؤلِّبون دول الأرض كلها على مصر، كأن مصر قد اقترفت إثمًا أخطر وأبشع من الآثام الكثيرة التي لا تُحصى، والتي اقترفوها وما زالوا يقترفونها في أقطار مختلفة من الأرض. وأمر الفرنسيين أعجب وأشد غرابة وإثارة للضحك من أمر الإنجليز، فقدْ فَقَدَ الفرنسيون رشدهم وأضاعوا صوابهم حقًّا، وأخذهم شيء من الحمى أطلق ألسنة ساستهم وأجرى أقلام كُتَّابهم بكلام لا يمكن أن يصدر عن العقلاء الذين يضبطون نفوسهم ويسيطرون على عواطفهم. أسرفوا على أنفسهم في عبادة عجلهم الذهبي ذاك، حتى أصبحوا أشبه شيء بالمجاذيب الذين يشهدون الأذكار عندنا، فيقومون ويقعدون وينحنون وينتصبون، ويميلون إلى يمين وإلى شمال، حتى يُفلِت منهم زمام أعصابهم وإذا هم يهذون بما لا يفقهون ولا يفقهه عنهم الناس.

    تجاوز آداب اللياقة فرئيس الحكومة الفرنسية يريد أن يلقي على رئيس الجمهورية المصرية درسًا عنيفًا قاسيًا، ووزير الخارجية الفرنسية يتجاوز أيسر آداب اللياقة فيُهين السفير، مع أن التقاليد السياسية تحظُر ذلك حتى حين تُعلن الحرب. ورئيس وزارة سابق، كان أستاذًا قبل أن يصبح سياسيًّا، يتجاوز كل قصد، ويجاوز كل اعتدال، ويصف رئيس الجمهورية المصرية بأنه لص سرق القناة من أصحابها، ولا ينسى إلا شيئًا واحدًا، وهو أن رئيس الجمهورية المصرية استرد لوطنه قناته، وأن اللصوص حقًّا وصدقًا هم الذين يسفكون دماء الجزائريين ودماءهم ويسيرون في الجزائر كما ساروا من قبل في مراكش وتونس؛ ليملَئوا أيديهم وجيوبهم بما حرم عليهم من المال. وليت المصريين يقرءون ما تفيض به الصحف الفرنسية، وصحف المحافظين منها خاصة من الوعيد الذي يخيل إلى قارئه أن فرنسا ستسحق مصر سحقًا، وستمحق المصريين محقًا. وأنا أعترف بأني أقرأ هذا الوعيد مع من حولي من الأهل والرفاق، فلا يأخذنا خوف، ولا يملكنا إشفاق، وإنما نغرق في ضحك طويل عريض، وأتمثل أنا قول الشاعر القديم: تمناني ليقتلني زياد كذبت لتقصرن يداك دوني أما بعد فمن الحق على الحكومة المصرية — فيما أرى — أن تحفظ على المصريين كرامتهم، وأن تلقي على هؤلاء الثرثارين المتفيهقين من الفرنسيين درسًا يعلمهم التفكير والتروية فيما يقولون وما يكتبون، وما أقدر حكومتنا على أن تلقي عليهم هذا الدرس القاسي إن شاءت دون أن تعدوا حقها أو تحدث في السياسة الدولية حدثًا.