Tag: colonialism

  • سراب

    سراب
    بقلم الدكتور طه حسين
    لم أؤمن قط بهيئة الأمم المتحدة التي أنشئت في أعقاب الحرب العالمية الثانية وأحيطت بألوان لا تحصى من إعلان الأقوياء وأوهام الضعفاء، وآمال الذين يحبون المثل العليا ويتمنون أن يتحقق العدل في الأرض ويشيع بين الناس فيأمن الخائف، ويطمئن القلق، وتستقر القلوب بين الجوانح.
    لم أؤمن قط بهذه الهيئة لأن هيئة أخرى شبيهة لها قامت في أعقاب الحرب العالمية الأولى فلم تكف معتديًا ولم تقمع باغيًا، ولم تقر أمنًا ولم تشع عدلًا ولم تزد على أن أنفقت مالًا كثيرًا وملأت الأرض كلامًا وأوهامًا، وأغرت الضعفاء بأن يطمئنوا إلى ضعفهم والأقوياء بأن يتزيدوا من قوتهم.
    ومن قبل إنشاء تلك الهيئة الأولى أعلن الرئيس ولسن مبادئه تلك الخطيرة لتكون أساسًا للسلم، فلم تمض شهور وأسابيع على إعلان تلك المبادئ التي ابتهجت لها الشعوب الضعيفة وابتسمت لها الدول القوية حتى كان الرئيس ولسن نفسه أشد الناس إسراعًا إلى الاعتراف بالحماية البريطانية على مصر.
    ومن قبل إنشاء هذه الهيئة الثانية أذيع ميثاق الأطلنطي فابتهجت له الشعوب الضعيفة وابتسمت له الدول القوية وكان رئيس الوزارة البريطانية القائمة أسرع الناس إلى إمضائه. كما كان أسرع الناس إلى نقضه ونكث ما أعطى على نفسه من عهد حين فعل فعلته تلك في بلاد اليونان التي كانت حليفته في الحرب، والتي اصطلت النار الألمانية، ثم لم تلبث أن اصطلت النار الإنجليزية أيضًا.
    لم أؤمن بشيء من هذا كله لأن حياة الناس قد علمتنا أن وعود الأقوياء صائرة إلى الإخلاف وأن أقوالهم إن وصفت بشيء فإنما توصف بالتمويه وبأنها ذات وجهين في أحدهما الرحمة وفي الآخر صنوف العذاب. وهم يبرعون في بذل الوعود كما يبرعون في إخلافها ويمتازون في إعطاء العهود كما يمتازون في نقضها، تغرهم القوة حتى يصبحوا أضعف من أشد الناس ضعفًا، وأهون من أعظم الناس هوانًا.
    كذلك تملق الإنجليز الشعوب الضعيفة إلى أقصى غايات التملق حين احتاجوا إليها أثناء الحرب، فلما أتيح لهم النصر تنمروا وتنكروا وأسرفوا في البغي والطغيان وسئل رئيس الوزارة البريطانية ونستون تشرشل في مجلس العموم أثناء بطشه باليونان عن تلك المثل العليا التي أعلنها في ميثاق الأطلنطي فقال: تلك أشياء نتمناها، وندعو إليها، ولكن الطريق إلى تحقيقها طويلة شديدة الطول.
    وما كرهت شيئًا كما كرهت إسراع مصر إلى الاشتراك في هيئة الأمم المتحدة هذه وتوقيع ميثاقها قبل أن تظفر بحقوقها كاملة من الإنجليز وما شككت في شيء قط كما شككت في مجلس الأمن هذا الذي لا يؤمن أحدًا ولا يرد إلى أحد حقًا ولا ينصف مظلومًا من ظالم ولا يصد معتديًا عن عدوان والذي سميته غير مرة مجلس الخوف. ذلك أن القوة لا ترهب إلا القوة وأن البأس لا يخاف إلا البأس وأن الحديد لا يفله إلا الحديد. ولم نر قط قويًا أعطى الحق لأنه آمن بالحق ولا أقر العدل لأنه آمن بأن العدل يجب أن يملأ الأرض. وإنما الأقوياء بين اثنتين دائمًا، فهم يبطشون إن أتيح لهم البطش ويمكرون إن لم يجدوا إلى البطش سبيلًا.
    وهذه هيئة الأمم قائمة تجتمع في كل عام مرة أو مرتين وتكلف الدول ما تكلفها من الجهد والمال. وهذا مجلس الأمن يجتمع في كل شهر ويكلف الدول ما يكلفها من المشقة ويحملها ما يحملها من العناء ولم نر خائفًا آمن ولا باغيًا كف عن بغيه، ولا مظلومًا أتيح له الإنصاف، ولا ظالمًا آثر العدل والقصد.
    وإنما تجري أمور الاستعمار في ظلهما كما تعودت أن تجري لم يتغير منها شيء. شعوب تستذل وتستغل في غير رفق ولا لين وفي غير مقاومة منها أو امتناع لا تقاوم ولا تمتنع لأنها لم تجد بعد سبيلًا إلى شيء من ذلك، ولا يخطر للمستذلين المستغلين أن يرفقوا بها أو يرحموها لأنهم لا يخافون بأسها ولا يخشون منها مكروهًا. وشعوب أخرى تكافح وتنافح وتدعو فلا تجاب، وتقول فلا يسمع لها سامع من هيئة الأمم ولا من مجلس الأمن فتضطر إلى أن تكظم غيظها وتضبط نفسها وتمضي في جهادها صابرة مصابرة حتى يحكم الله بينها وبين الظالمين، والله خير الحاكمين.
    وأروع من هذا كله وأبرع أن ترفع أمور الشعوب المظلومة إلى هيئة الأمم أو مجلس الأمن فيقال فيها الكلام الكثير، وتبذل في الدفاع عنها الجهود التي لا تحصى، وتوضع أيدي هيئة الأمم ومجلس الأمن على مظالم الاستعمار وجرائمه في مراكش وتونس وفلسطين وما شاء الله من أقطار الأرض التي يقع فيها الظلم المنكر في كل لحظة من لحظات الليل والنهار. ويهتم العالم لهذا الكلام الذي يقال، والجهود التي تبذل، وينتظر العالم هذا القرار الذي ستصدره الهيئة أو المجلس، والذي ينصف المظلوم ويردع الظالم ويفتح للناس أبواب الأمل في حياة راضية آمنة.
    ثم يتمخض الجبل فلا يلد حتى الفأر وإنما يلد هواء إن صح أن يولد الهواء. هذه الدماء التي تسفك وهذه النفوس التي تزهق وهذه الحقوق التي تهدر، وهذه الحرمات التي تنتهك، وهذه الشعوب التي تصبح وتمسي في شقاء وعناء وبؤس وضنك وحرمان. كل ذلك لا خطر له ولا ينبغي أن يكون له خطر. وإنما الشيء الوحيد الذي يجب أن يكون له الخطر كل الخطر وأن تحرص عليه هيئة الأمم المتحدة أشد الحرص، وتضحي في سبيله بالحق والعدل وبالنفوس والدماء، وبآمال الشعوب ومثلها العليا هو أن يظل اتفاق الدول المستعمرة قائمًا لا يصل إليه الوهن ولا يجد الخلاف إليه سبيلًا.
    فلتبطش فرنسا إذن بمن تريد أن تبطش بهم من الشعوب ولتطغى بريطانيا العظمى على من تريد أن تطغى عليهم من الناس، فليس المهم أن يصد هذا البطش أو يرد هذا الطغيان أو تمحى آثارهما، وإنما المهم أن تظل الدولتان على شيء من الاتفاق تطلق يد كل منهما فيما تريد، وفيمن تريد أن تسند إحداهما الأخرى وتسندهما جميعًا الولايات المتحدة الأمريكية ما دام هذا الاتفاق على الإثم والعدوان قد يمكن من مقاومة تلك الكتلة الأخرى من الدول التي لا توافقها في المذهب ولا في الرأي، ولا في تدبير شؤون المال.
    الأمر كله يدور على المنفعة وعلى منفعة الأقوياء دون الضعفاء، ومنفعة الأقوياء في أن يقاوموا عدوهم الأكبر، فأما أعداؤهم الصغار، فما ينبغي أن يقام لهم وزن أو يلقى إليهم بال.
    كذلك يفكر المستعمرون، وكذلك يسيرون تهمهم أنفسهم ومنافعهم قبل كل شيء، وبعد كل شيء ولا عليهم أن يضحي بمنافع غيرهم ونفوسهم ودمائهم ما دامت منافعهم هم مكفولة محققة.
    ولكن الغريب أن هذه المنافع ليست مكفولة وقد لا يستقيم تحقيقها كما يريدون. فمنافعهم نفسها قد يعارض بعضها بعضًا، وقد يصدم بعضها بعضًا، وقد يجب أن يضحي ببعضها في سبيل بعضها الآخر. فقد ينبغي أن تقر فرنسا نظام الجيش الأوروبي وإن كرهه الشعب الفرنسي وقد ينبغي أن تمضي فرنسا فيما مضت فيه من سفك دماء الفرنسيين على أرض الهند الصينية في غير طائل وإن ضج شعبها من هذه الحرب التي لا تعرف لها غاية.
    وقد ينبغي أن تضحي بريطانيا العظمى بشيء من تجارتها في الشرق الأقصى وفي شرق أوروبا ليكون حصار الشيوعية مجديًا. وليس بد من أن تدفع هاتان الدولتان ثمنًا لسكوت أمريكا عنهما ورضاها عما تقترفان من الإثم في أقطار أخرى من الأرض.
    وكذلك يتفق الأقوياء على الضعفاء لا يعترض سبيلهم إلى هذا الاتفاق شيء من المصاعب أو العقبات. فإذا أرادوا أن يتفقوا على منافعهم ثارت المصاعب وكثرت المشكلات واجتمعت المؤتمرات وتفرقت في غير طائل، وذهب الساسة مرة إلى أوروبا ومرة إلى برمودا ثم عادوا كما ذهبوا شأنهم شأن النعامة التي ذهبت تطلب قرنين فعادت بلا أذنين.
    إذن فليس أمام الأمم المغلوبة والشعوب المظلومة إلا خطة واحدة لا ثانية لها، صورها الشاعر العربي القديم أروع تصوير وأبرعه في بيته الخالد.
    ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه يُهْدَم ومن لا يظلم الناس يُظلَم
    والخير كل الخير أن نذود عن حوضنا بسلاحنا وألا نظلم أحدًا ولا نرضى أن يظلمنا أحد.
    طه حسين
    الجمهورية ١١ ديسمبر ١٩٥٣.

  • تشريف وتكليف

    تشريف وتكليف
    بقلم الدكتور طه حسين
    لست أدري أيتاح لهذا الحديث أن يقرأه رئيس الجمهورية وقائد الثورة، اللواء أركان حرب محمد نجيب. وأنا مع ذلك أتمنى أن يقرأه، فإني لم أكتبه إلا مفكراً فيه أعمق التفكير ومكبراً له أصدق الإكبار، وموضوع هذا الحديث يسير جداً. قرأته الآن في صحيفة إيطالية بعيدة الصوت واسعة الانتشار. وهي صحيفة الأحد التي تصدرها الكوريري ديلا سيرا ليقرأ فيها الناس الأخبار التي يجب أن يقرأوها حين تحتجب الصحف في هذا اليوم من أيام الأسبوع.
    فقد ذهب ممثل هذه الصحيفة إلى مراكش وزار مدنها الكبرى إثر الأحداث التي وقعت فيها أخيراً وتحدث إلى قرائه بما رأى وما سمع، وكان بعض ما روى لقرائه مما رأى هناك موضوعاً لهذا الحديث. فهو قد رأى أن صور السلطان الذي أقصاه الفرنسيون عن وطنه قد نزعت من مكانها وصادرتها الشرطة ولم توضع مكانها صور السلطان الجديد، وإنما تُرك هذا المكان خالياً وإلى جانبه صور لقائد الثورة ورئيس الجمهورية المصرية اللواء أركان حرب محمد نجيب.
    وليس يعنيني الآن ولا يعني قُرّاء الأهرام من مقال الصحفي الإيطالي إلا هذا النبأ، فنحن نقرأ أنباء مراكش في الصحف العالمية على اختلافها مفصلةً مرةً ومجملةً مرةً أخرى، صادقةً أحياناً مغاليةً في كثير من الأحيان.
    ولست أدري أيَشعر القارئ المصري بما شعرت به حين قرأت هذا النبأ وهو الفخر المؤلم والسرور الحزين، وأي فخر يجده المصري أعمق في القلوب أثراً، وأبعد في النفوس صدى، من هذا الذي يجده حين يقرأ في صحيفة أجنبية لا تتملق رئيس الجمهورية المصرية لأنها ليست في حاجة إلى أن تتملقه ولأنها لا تنتظر منه خيراً ولا تخاف منه شراً، إن صورة هذا الرئيس قد وضعت إلى جانب صورة السلطان المنفى في أسواق الأحياء الوطنية من مدن مراكش وحوانيتها، فلما نُفيت صور السلطان كما نُفي السلطان نفسه بقيت صورة نجيب رمزاً لما يحتاج المراكشيون إليه من العزاء ورمزاً كذلك لما يملأ قلوبهم من الأمل، وأي سرور يجده القارئ المصري يعدل هذا السرور الذي يجده حين نعلم أن رئيس الثورة التي حررت مصر من الطغيان وتريد أن تحررها من الاستعمار، ليست رمزاً للتحرير في مصر وحدها، ولكنها رمز للتحرير في البلاد الأخرى التي تشقى بالاستعمار وطغيان الأجنبي وخيانة بعض المواطنين.
    فخر يملأ النفوس بهجةً ورضا، لولا أنه مشوب بحزن يحول بينها وبين الاستمتاع بتلك البهجة وهذا الرضا. فهؤلاء الملايين من المراكشيين الذين استبقوا صورة نجيب حين نُزعت منهم صورة السلطان الذي يؤثرونه بالحب ويختصونه بالولاء والوفاء، يجدون في نفوسهم ما لا نكاد نتصوره من البؤس والخزي والشقاء. كانوا يرون أنفسهم أحراراً، فأظهر الاستعمار لهم أن حريتهم لغوٌ من اللغو ووهمٌ من الوهم. وكانوا يرون أنهم كراماً. فأظهر الاستعمار لهم أن كرامتهم لا تثبت أمام المدفع والمتراليوز. وكانوا يرون أن لهم سلطاناً يمثل حريتهم وعزتهم وكرامتهم، فعدا الاستعمار على هذا السلطان فأقصاه عن وطنه، واتخذه واتخذ بنيه وأسرته كلها رهائن عنده في جزيرة من جزر البحر، ليس يدري أيقيم فيها إقامة المستقر أم يُنقل منها إلى حيث لا يعلم ولا يريد.
    ثم لم يقص الاستعمار هذا السلطان وحده، إنما أقصى معه صوره التي كان المراكشيون يجدون فيها العزاء والأمل حين تثقل عليهم وطأة الاستعمار. وأي سرور يجده القارئ المصري يعدل هذا السرور الذي يغمر القلوب حين نقرأ في هذه الصحيفة الأجنبية أن صورة السلطان الذي كان المراكشيون يحبونه قد أُزيلت من أماكنها، وأن صورة نجيب قد بقيت في مكانها ترد على المراكشيين ما فقدوا بنفي سلطانهم ونزع صوره من العزاء والرجاء.
    ولكنه سرور يشوبه ظلمٌ لاذع وحزنٌ ممض، لأن نجيباً بعيد عن هؤلاء المراكشيين، تستطيع صورته أن تقول لهم ما تشاء في صمتها الرائع البليغ، ولكنهم في حاجة إلى أكثر مما يستطيع الصمت أن يقوله. هم في حاجة إلى الكلام الحي الذي يُحيي القلوب، وهم في حاجة إلى العمل الحي الذي يميت اليأس ويمحو القنوط ويعيد إلى النفوس حب الحياة والثقة بأنها خليقة أن يحياها أصحابها، لأن فيها أكثر من الأكل والشرب والنوم. فيها الشعور بأن العزة ليست وهماً وفيها الشعور بأن الكرامة ليست أمنية، وفيها الثقة بأن هذه القيم كلها حقائق موجودة، يستطيع الناس أن يستمتعوا بها ويجنوا ثمرها، فيقولون دون أن يأخذوا بما يقولون ويعملون وينشطون مطمئنين إلى أنهم سينعمون بما يؤتي نشاطهم من ثمر لا يستأثر به من دونهم طاغٍ ولا باغٍ ولا مستعمرٍ ولا متجبر.
    هؤلاء المراكشيون الذين ينظرون إلى صورة نجيب يحتاجون إلى أن يروه وإلى أن يقولوا له ليشعروه بما يجدون من ألم وإلى أن يقول لهم ليشعرهم بما يملأ نفسه من أمل وثقة بأن الاستعمار إلى زوال، وبأن الشعوب المستضعفة قد آن لها أن تقوى وتكرم وتعز على نفسها وعلى الناس، ولكن أين هم من نجيب أو أين نجيب منهم!
    بهذا الفخر والسرور وبهذا الحزن والأسى شعرت حين قرأت ما قرأت في هذه الصحيفة الإيطالية. وما أشك في أن إكبار المراكشيين لصورة نجيب تشريف لهذا الرجل الذي أنقذ وطنه من بعض الشر، ويريد أن ينقذه من الشر كله.
    وما أشك أيضاً في أن نجيباً سيفهم هذا التشريف وحده، فهو أبعد الناس عن الإثرة وأبغضهم لها، ولكنه سيرد هذا الشرف إلى وطنه أولاً، فهو الذي أنشأه وبعث فيه روحه القوية الذكية، ورفعه إلى حيث هو الآن، وسيرد هذا الشرف إلى أعوانه الذين جاهدوا معه ويجاهدون ليخرجوا مصر من الظلمة إلى النور ومن الضعف إلى القوة ومن الهوان إلى العزة والكرامة.
    وما أشك أيضاً في أن نجيباً سيفهم هذا التشريف كما فهمته، وكما يجب أن يفهمه المصريون جميعاً، وكما ينبغي أن يفهمه الرجل الذي يجد في نفسه شعور الرجولة والمروءة. ذلك أن التشريف في نفسه ليس كلاماً يُرسَلُ إرسالاً ولا ثناءً يُكالُ كيلاً ولا تمجيداً لا يتجاوز إرضاءَ من يُساقُ إليه، وإنما التشريف تكليف قبل كل شأن، هو مطالبة بأداء الواجب كما ينبغي أن يُؤدَّى الواجب كاملاً غير منقوص.
    إنما المنافقون والمراؤون هم الذين يمدحون لا يريدون من المدح إلا رضا هذا الذي يمدحونه عنهم وعنايته بهم وعطفه عليهم، فأما الصادقون المخلصون الذين لا يريدون بأقوالهم ولا بأعمالهم نفاقاً ولا رياءً ولا تحقيق منفعة عاجلة لأشخاصهم، فإنهم حين يشرفون من يشرفون يعترفون له ببعض فضله ويطالبونه بأن يضيف فضلاً إلى فضل. يسجلون له بعض إحسانه ويلحون عليه في أن يضيف إحساناً إلى إحسان، يقدرون له ما فعل وينتظرون منه أن يفعل أكثر مما فعل. على هذا النحو فهمت تشريف المراكشيين لنجيب. وما أشك في أنه يفهم تشريف المراكشيين له على هذا النحو، هم يحمدون له ما فعل في وطنه وينتظرون منه أن يمضي في الطريق التي سلك، وأن يتم ما بدأ بالقياس إلى وطنه، وهم يعرفون أن مصر وطن عظيم وأن نجيب رجل عظيم وأن عظمة الأوطان والرجال تنفي الأثرة أشد النفي. فالوطن العظيم لا يؤثر نفسه بالخير من دون غيره من الأوطان. والمواطن العظيم لا يؤثر نفسه بالخير ولا يؤثر وطنه بالجهد وإنما يفيض من شدة وجده وحبه للخير على كل من يحتاج إلى المعونة والتأييد.
    إن في نفوس المراكشيين الآن عقدة أليمة يجب أن نعينهم على حلها؛ لأننا وجدنا هذه العقدة في أنفسنا. وهي عقدة فيها كثير من الخزي وكثير من الذل؛ لأنهم ظلموا في وطنهم وأوذوا في كرامتهم، وأكرههم المستعمر لأنهم لا يملكون من أمرهم قليلاً ولا كثيراً. فمن الحق علينا جميعاً أن نرد عليهم شيئاً من ثقةٍ ليعلموا وليخلصوا من هذه العقدة، وأن نشعرهم بأن النُّوبَ تنوب، وبأن الخطوبَ تُلِمُّ، ولكنها لا تلبث أن تزول، وإنما هي الغمرات ثم تنجلي، كما كان يقول قادة المسلمين حين كانت تلم بهم الأزمات أيام الفتح.
    يجب أن نشعر المراكشيين بأنهم لا يشقون وحدهم بما نزل بهم من مكروه، وإنما يشقى به معهم إخوانهم في اللغة والتاريخ والدين.
    وأنا واثق بعد هذا بأن تألُّب الأمم القوية على الأمم الضعيفة لن ينفع الأقوياء ولن يضر الضعفاء. فقد تغيرت حياة الناس وتغيرت الظروف المحيطة بهذه الحياة وأصبح من الحق الذي ليس فيه شك أن القوة الجامحة لن تُغني عن أصحابها شيئاً. وأن الشعوب إذا أحست حقوقها وطالبت بها لن يردها شيء حتى تظفر بهذه الحقوق.
    يجب أن يشعر المصريون جميعاً بمثل ما يشعر به رئيس الجمهورية، من أن تشريف المراكشيين لشخصه إنما هو تشريف لوطنه، ومن أن هذا التشريف تكليف لنا أن نعمل ما نستطيع لمواساة إخواننا على ما أصابهم من البأساء والضراء، وأن نكون أهلاً لحسن ظنهم بنا وصدق رأيهم فينا.
    طه حسين
    الأهرام ٤ سبتمبر ١٩٥٣.

  • تعقيد

    تعقيد
    للدكتور طه حسين
    هو هذا الذي أصاب الأمم المستعمرة، منذ تكشفت الحرب العالمية الأولى، عن تنبه الأمم المغلوبة إلى حقها في أن تعيش حرة كريمة وإلحاحها في المطالبة بهذا الحق وسلوكها كل طريق إلى الظفر به.
    فقد وجدت هذه الأمم المستعمرة في هذا التنبه شيئًا من التحدي لقوتها وبأسها. وكانت منتصرة على أمة عظيمة عرضتها لأخطار جسام، فكرهت أن تستجيب للأمم الضعيفة راضية، لأن هذه الاستجابة تضيع عليها كثيرًا من المنافع، وكرهت أن تؤمن لهذا العنف الذي ظهر هنا وهناك في الأمم المستضعفة، فليس من اليسير ولا من الهين على الذين قهروا ألمانيا وحلفاءها أن يؤمنوا للثورة التي تشب في الهند، وتشب في مصر أو تضطرم نارها في سوريا، أو في العراق. والذين يقهرون الأقوياء لا يحبون أن يقهرهم الضعفاء. وكذلك نشأ هذا التعقيد. تعقيد الكبرياء والغرور والاستعلاء في نفوس هذه الأمم القوية المنتصرة التي تطالبها الأمم الضعيفة بحقها في الاستقلال. فكان ما كان من تلك الخطوب التي جرت بين الحربين على الأمم الشرقية الناهضة. ثم ازداد هذا التعقيد قسوة وعسرًا حين كانت الحرب العالمية الثانية. وحين اجتاحت ألمانيا، في أول هذه الحرب، غرب أوروبا، واضطرت الإمبراطورية البريطانية إلى أقسى المواقف، وأشدها نكرًا، وأكرهتها على أن تصانع هذه الأمم المغلوبة في الشرق لتأمن جانبها أولًا، ولتستعين بها ثانيًا على كشف الغمة وجلاء الغمرة ودفع البلاء.
    في ذلك الوقت كثرت الوعود المبذولة وتتابعت الأماني الرائعة وظنت الأمم الشرقية، الخاضعة للسلطان البريطاني، خضوعًا خالصًا أو خضوعًا مشوبًا أنها ستظفر باستقلالها كاملًا غير منقوص حين تنجلي غمرة الحرب.
    وكان رئيس الوزارة البريطانية القائمة، السير ونستون تشرشل عذب الحديث حلو اللهجة، رقيق الشمائل حين يتحدث إلى هذه الأمم، أو حين يتحدث عنها وكأن العالم الشرقي يرى في تحول هذا الرجل العنيف من رجال الاستعمار إلى هذا اللين والإسماح آية من آيات الحرب وعلامة على أن الإنسانية قد أقبلت على تطور حقيقي خطير، لحياتها التي أفعمتها الكوارث والمحن والآلام.
    ولم يشك أشد الناس تشاؤمًا من الشرقيين في أن العالم صائر إلى الحسنى، ومنته آخر الأمر إلى وفاق يقوم على إنصاف الضعيف من القوي، وعلى الاعتراف بالحقوق والتعاون على ترقية الحضارة في ظل ممدود من العافية والسلامة والسلام.
    ولم تكن فرنسا المهيضة أقل من الإمبراطورية البريطانية تقربًا إلى الأمم الخاضعة لسلطانها ولا أقل منها بذلًا للوعود وتجلية للأماني، وتزيينًا للآمال. فأهل سوريا ولبنان يعلن إليهم الجنرال كاترو أن الانتداب قد انتهى وأهل تونس ومراكش يقال لهم في كل يوم، أن استقلالهم آت بعد الحرب لا ريب فيه. ثم تعلن المواثيق الدولية العامة التي تملأ قلوب الناس بأن الأرض ستملأ عدلًا بعد أن ملئت جورًا، وبأن الشعوب ستقرر مصيرها كما تحب، وعلى ما تشتهي، وبأن الحرية الحرة ستكون قوام العالم الجديد. ولكن الحرب لا تكاد تنتهي حتى ينكشف الأمر عن حقيقته ويستبين للضعفاء أنهم عاشوا زمنًا بالمنى والأحلام، وأن الذين وعدوهم لم يزيدوا على أن خدعوهم. وبين لحظة وأخرى عادت إلى رئيس الوزارة البريطانية السير ونستون تشرشل قسوته القديمة، وكبرياؤه تلك التي كانت يعرف بها قبل الحرب، وإذا هو يصرح ذات يوم في مجلس العموم بأن حرية الأمم الضعيفة واستقلالها وحقها في تقرير مصيرها، كل هذه الخصال ألوان من المثل العليا التي يطمح الناس إليها ولكنهم لا يبلغونها ولا يحققونها إلا بعد كثير من الصبر والاحتمال والانتظار والأناة. وأن الإنسانية تسعى إلى هذه المثل العليا وقد تصل إليها في يوم من الأيام.
    ولم تكد الحرب تنتهي حتى نسيت فرنسا أنها ذاقت مرارة الاحتلال الأجنبي وتجرعت من هذا الاحتلال غصصًا، ونسيت كل النسيان، وعودها الخلابة وأمانيها الرائعة التي زينتها لشمال أفريقيا ولأهل سوريا ولبنان. وقد أتيح لسوريا ولبنان بعد خطوب شداد ما أتيح لهما تحقيق الاستقلال.
    أما شمال أفريقيا فظل بعد الحرب كما كان قبل الحرب مادة قيمة للجيش الفرنسي، ومرتعًا خصبًا لطائفة من الفرنسيين المستعمرين الذين استقروا في تلك الأرض، يستغلونها ويستذلون أهلها يرون ذلك حقًا لهم، لا ينبغي الجدال فيه.
    ولذلك تعود الصلة بين الشرق العربي، والغرب الأوروبي، بعد الحرب إلى مثل ما كانت عليه قبل الحرب، أمم مغلوبة تطالب بحقها وأمم غالبة تلتوي بهذا الحق، وألوان من الكيد والخداع، وفنون من المداورات والمناورات، وضروب من الحيل والمكر وكلام كثير، يقل فيه الصدق ويكثر فيه الكذب الذي يتعمده أصحابه تعمدًا ولا يضطرون إليه اضطرارًا.
    والناظر إلى البلاد العربية في هذه الأيام يرى عجبًا أي عجب. يرى مصر ما زالت على حالها التي كانت عليها قبل الحرب وحين انتهت الحرب لم يتغير من أمرها شيء. ما زالت تدور في تلك الدائرة التي تسمى المفاوضات والمحادثات وهي لا تدور في هذا الدائرة وحدها، وإنما يدور معها الإنجليز، فالمفاوضات تبدأ لتنتهي وتنتهي لتبدأ، وتسير لتقف وتقف لتسير، والعالم يرى ويعجب، ولا يقول شيئًا أو لا يصنع شيئًا.
    ويرى شمال أفريقيا على نفس الحال التي كان عليها قبل الحرب، وحين انتهت الحرب. لم يتغير من أمره شيء، تدنو منه فرنسا لتبتعد عنه، وتنأى عنه لتعود إليه، لا تستريح ولا تريح، تقول كثيرًا ولا تصدق في شيء مما تقول، وتسرف في الوعد، ولا تفي بشيء مما تعد. وممثلوها في شمال أفريقيا يلعبون هذا اللعب المر الذي يزهو النفوس، ويريق الدماء، ويملأ الأرض كذبًا وكيدًا ونفاقًا. والإنسانية المتحضرة تنظر إلى هذا كله لا تقول شيئًا ولا تصنع شيئًا، ولا تستخذي من هذه الموبقات التي ينبغي أن يستخذي منها كل رجل كريم.
    فملك تونس يكره على ما لا يريد، وهو مخير بين أن يذعن وبين أن يخلع. وملك مراكش يصنع به نفس هذا الصنيع ثم تُشترى ضمائر بعض الموظفين في حكومته بالمال لتطالب الأجنبي بخلع السلطان، ولتزعم لفرنسا المسيحية أن هذا السلطان المسلم يخالف عن أمر الإسلام.
    وكذلك يفسد المال بعض النفوس حتى يطلبوا إلى غير المسلمين حماية الإسلام من المسلمين. والضمير العالمي يرى هذا كله، فلا يكاد يحفل به أو يلتفت إليه. وأغرب من هذا كله أن هيئة الأمم المتحدة تجتمع بين حين وحين، ويتحدث الخطباء فيها من الإنجليز والفرنسيين وغير الإنجليز والفرنسيين عن العدل الذي يجب أن يملأ الأرض، وعن الحرية التي يجب أن تتاح للأمم، وعن المساواة التي يجب أن تتحقق بين الشعوب.
    ومصدر هذا كله إنما هو هذا التعقيد النفسي الغريب المختلط الذي أصاب هذه الأمم الغربية المستعمرة، فأفسد عليها الحكم على الأشياء. وأفسد عليها تقدير ما يكون وما لا يكون. وتقدير ما يحسن وما لا يحسن، واضطرها إلى أن تعيش في عصر قد انقضى منذ زمن بعيد.
    كل مطالبة بالاستقلال – تصدر عن مصر – ترى فيها بريطانيا العظمى، تصفية للسلطان البريطاني على العالم. مع أن هذا السلطان قد أخذ ينحسر عن العالم، منذ وقت غير قصير وهو في طريقه المحتومة إلى أن ينحسر عنه انحسارًا تامًا.
    وكل مطالبة بالاستقلال تصدر عن تونس أو مراكش يراها الفرنسيون طمعًا في السلطان الفرنسي، وتحديًا للقوة الفرنسية. واستخفافًا بالبأس الفرنسي العظيم.
    مع أن قوة فرنسا وبأسها قد تعرضا لخطر أي خطر حين انتشر فيها الاحتلال الأجنبي، وهي الآن بسبيل استرجاع شيء من هذا البأس وتلك القوة. وأيسر ما يفرضه عليها موقفها الجديد هو أن تقتصد فيما تنفق من مالها وما تريق من دماء أبنائها، لتقر وراء البحر سلطانًا لا سبيل إلى أن يستقر، لأن عصر التغلب والاستعمار قد انقضى منذ أمد بعيد.
    وأغرب ما في أمر الفرنسيين والإنجليز أنك تتحدث إلى العقلاء منهم فتراهم يرون رأيك، ويثقون بمثل ما تثق به من أن سياسة الاستعمار قد أصبحت قديمة بالية لا تستطيع أن تعيش في هذا العصر الحديث.
    وأمر الفرنسيين أعجب من أمر الإنجليز فقد لقيت من أدباء الفرنسيين وعلمائهم ورجال الثقافة فيهم. ولقيت من رجال السياسة والاقتصاد عددًا غير قليل قبل أن تشب الحرب الثانية. وأثناء الحرب، وبعد أن وضعت الحرب أوزارها. وتحدثت إليهم في شؤون أفريقيا الشمالية فلم أجد منهم إلا من أنكر سياسة فرنسا كما أنكرها، وسخط على الاستعمار الفرنسي كما أسخط عليه.
    وفي هذه الأشهر الأخيرة كتب كثير من الكتاب الفرنسيين على اختلاف أحزابهم ينكرون سياسة فرنسا في شمال أفريقيا، ومنهم من ألف في ذلك كتبًا قيمة، ومنهم من خصص لذلك أعدادًا من بعض المجلات الكبرى ومنهم من عقد الاجتماعات الضخمة في باريس لإعلان إنكارهم لسياسة الذين يمثلون فرنسا في شمال أفريقيا. ولكن هؤلاء الفرنسيين جميعًا على عظم أخطارهم وشدة تأثيرهم في البيئات الفرنسية المختلفة لا يصلون إلى شيء، وكأن حكومتهم لا تسمع لما يقولون ولا تقرأ ما يكتبون، ولا تحسب لهم ولا الذين يسمعونهم ويقرأونهم حسابًا.
    وللشعب الفرنسي مع ذلك برلمان يقال إنه يمثله تمثيلًا صادقًا، ونصف هذا البرلمان على الأقل ينكر السياسة الفرنسية في شمال أفريقيا كما ينكر السياسة الفرنسية في الهند الصينية، ولكن الحكومة الفرنسية على رغم هذا كله ماضية في سياستها، مصرة عليها لا تغير منها شيئًا.
    وأشد من هذا كله غرابة أن وزير الخارجية الفرنسية السابق مسيو شومان قد أنكر منذ أسابيع سياسة فرنسا في شمال أفريقيا وزعم أن الممثلين لفرنسا في هذه البلاد يخالفون أمر الوزراء فيما يأتون من أعمال.
    فأعجب لشعب ينكر سياسة حكومته في محافله واجتماعاته وأحاديث خطبائه ومقالات كتابه وبرلمان تكاد كثرته تنكر هذه السياسة، ثم ينظر الشعب وينظر البرلمان فإذا إنكارهما لهذه السياسة لا يغير من أمرها شيئًا.
    ما مصدر هذا كله! هو من غير شك هذا التعقيد الذي أصاب نفوس طائفة من الفرنسيين منذ كانت الهزيمة في الحرب الأخيرة والذين يظنون أن الرجوع إلى الحق والاعتراف لأهل تونس ومراكش بأنهم ناس مثلهم، لهم حق في الحرية وفي أن يدبروا شؤونهم بأنفسهم ولهم الحق الكامل في أن ترعى فيهم حرمة الحقوق والأموال والدماء.
    يظنون أن هذا كله يردهم إلى الضعف الذي ذاقوا مرارته حين أصابتهم الهزيمة وفرض عليهم الاحتلال.
    ولست أعجب لشيء كما أعجب لهذه الظاهرة الغربية التي نشهدها في هذه الأيام. فالإنجليز والفرنسيون يثوب كثير منهم إلى المسيحية، فيدعون إليها ويحثون على الإيمان بها، ثم هم بعد ذلك يخالفون أظهر ما في الأناجيل من أصول العدل والإنصاف، فلا يحبون للناس ما يحبون لأنفسهم. وإنما يؤثرون أنفسهم بالبأس والبطش والاستعلاء، ولا يستحيون بعد ذلك من الذهاب إلى كنائسهم في أيام الآحاد.
    وكذلك قامت الأمور بين الشرق العربي والغرب الأوروبي على هذا التعقيد المنكر الذي يفسد من أمر الحضارة كل شيء ويضيع من المال والقوة والجهد والوقت كثيرًا مما كان يمكن أن يبذل في ترقية الحضارة وتمكين الناس من أن يعيشوا إخوانًا يتعاونون على البر والتقوى ولا يتعاونون على الإثم والعدوان.
    ومن يدري لعل الله أن يمن على الذين استضعفوا في الأرض، ويجعلهم أئمة ويجعلهم الوارثين، ويمكن لهم في الأرض، ويرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون.
    طه حسين
    الأهرام ١٩٥٣/٦/٦.

  • الحديث المعاد

    الحديث المعاد…
    بقلم الدكتور طه حسين
    إني لأعجب قط لشيء عجبي لأن المصريين لم يملوا المفاوضات، ولم تضق به صدورهم منذ ابتكره لنا الإنجليز حين ألغوا حمايتهم تلك إلى الآن على كثرة ما سمعنا هذا الحديث حتى حفظناه عن ظهر قلب. وعلى كثرة ما جربناه فلم نجن منه إلا فرقة واختلافًا، وإلا بغضًا وحقدًا وفسادًا. مع أن التجربة هي خير ما ينهى الرجل الرشيد عن بذل الجهد العقيم ومحاولة ما لا طائل منه ولا غناء فيه.
    أني لأقرأ أحاديث الإنجليز في هذه الأيام عن المفاوضات التي أخذنا فيها منذ حين، فما أشك في أني أقرأ نفس الأحاديث التي كانوا يكتبونها أو يقولونها منذ ثلث قرن حين كان عدلي رحمه الله يدير المفاوضات والتي قالوها بعد ذلك وكرروها كلما فاوضهم مفاوض للمصريين في لندرة أو في القاهرة. فأعجب كيف لا نسأم نحن، وكيف لا يسأمون هم هذا الحديث المعاد. وقد أفهم ألا يضيق الإنجليز بهذا اللغو من الحديث لأنه يتيح لهم المطاولة ويمد لهم أسباب البقاء في مصر. فهم لا يكرهون شيئًا كما يكرهون الجلاء. وهم من أجل ذلك يداورون ويناورون ويقبضون ويبسطون ولا يستقيمون إلا ريثما يلتوون، فأما نحن فلا نحب شيئًا كما نحب الجلاء.
    فما بالنا لا نتعجله ولا نتعجله بالفعل دون القول؟ فقد قلنا حتى كلت حلوقنا وألسنتنا، وكتبنا حتى ملت أقلامنا. وفكرنا حتى ضاقت عقولنا بالتفكير، وآن لنا أن نسدل الأستار دون هذه القصة السخيفة التي لا تريد أن تنقضي، وأن نتصرف عن لهو الحديث إلى جد العمل. وأن نتيح للشيوخ الذين أفنوا شبابهم ينتظرون الجلاء، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، أن يرى الأحياء منهم وطنهم حرًا ولو ساعة من نهار قبل أن يدركهم الموت لينبئوا بهذه الحرية من تقطعت بهم أسباب الحياة دون أن يروها. وأن نتيح للشباب أن ينفقوا جهودهم فيما يحتاج إليه وطنهم من الإصلاح على اختلاف ألوانه، لا في هذا الانتظار الممل الذي يميت القلب ويفل الحد ويرد إلى اليأس المرهق للنفوس، وأن نتيح للأطفال الذين لم يدرجوا بعد أن ينشؤوا أحرارًا وألا يعرفوا وطنهم إلا حرًا قد طهرت أرضه من الاحتلال الأجنبي وعرف العالم له حقه في الكرامة والعزة والاستقلال.
    لقد بلغ الإنجليز بحديث المفاوضات هذا ما أرادوا من تفريقنا أحزابًا وشيعًا يمكر بعضها تدمير بعض. فقد آن لنا فيما أظن أن نعرف الإنجليز من أنفسنا ما لم يعرفوا، وأن نبين لهم في وضوح لا يحتمل شكًا ولا لبسًا أن حديث المفاوضات لن يفرق من صفوفنا ما اجتمع، ولن يردنا الآن كما كان يردنا من قبل شيعًا وأحزابًا، ولن يلقي منا الآن إلا شعبًا مجتمع الكلمة مؤتلف القلوب متفق الأهواء يشد أزر الذين يتكلمون بلسانه ويريد ألا يطول هذا الكلام وأن ينتهي في أقصر وقت ممكن، إما إلى خير لن ينتفع به المصريون وحدهم، بل سينتفع من العالم الديمقراطي كله، وإما إلى شر لن يؤذي المصريين وحدهم ولكنه سيؤذي الإنجليز معهم وسيضطرب له هذا الجزء الخطير من أجزاء الأرض.
    قد آن لنا فيما أظن أن نشعر الذين يتحدثون بلساننا إلى الإنجليز بأننا من ورائهم على خير ما يحبون أن نكون، قد ضقنا بالمطاولة كما ضاقوا بها، وسئمنا الانتظار كما سئموه، وأصبحنا لا نريد إلا شيئًا واحدًا وهو أن نفرغ من سخف الكلام لننصرف إلى جد العمل، إما في تحقيق ما نحتاج إليه من إصلاح وإما في تحقيق الجلاء الذي لابد من أن يتحقق مهما يكلفنا من هول ومهما يفرض علينا من خطوب. إن مصر لم تثر ثورتها هذه القائمة على الطغيان الداخلي وحده، وإنما ثارت على الطغيان الخارجي أيضًا. بل إن ثورتها على الطغيان الداخلي لم تكن إلا وسيلة إلى الثورة الكبرى التي تجعل مصر للمصريين حقًا وصدقًا. والتي تشعر المصريين جميعًا بأنهم قد أصبحوا في وطنهم أحرارًا بأوسع ما يمكن أن تدل عليه هذه الكلمة من المعاني.
    لقد أعلن الإنجليز منذ أعوام أنهم قد أزمعوا أن يجلوا جيوشهم عن مصر، ثم مضت الأعوام ولم يتكشف إعلانهم هذا عن شيء.
    فاوضهم صدقي رحمه الله فلم يصل إلى شيء، ثم فاوضتهم حكومة الوفد فلم تصل إلى شيء، ثم هم يتحدثون الآن باستعدادهم للجلاء. فليصدقوا مرة واحدة فيما يبدؤون ويعيدون منذ سبعين عامًا، أو لنبين لهم نحن آخر الأمر أننا قد تجاوزنا طور الذين ينخدعون بالأقوال والأحاديث.
    وما لنا نتحدث إلى الإنجليز، وإنما الحق علينا أن نتحدث إلى أنفسنا، وأن نتحدث إليها حديث الجد الصارم الحر الذي لا يرضى للشعب الحر إلا إحدى منزلتين اثنتين لا ثالثة لهما: منزلة الحياة العزيزة الكريمة، أو منزلة الجهاد العنيف الذي يجشم أصحابه الهول وقد ينتهي بكثير منهم إلى الاستشهاد.
    إن مصر تتلقى اليوم أولئك الشهداء الذين صرعهم البغي الخارجي والغدر الداخلي، فيجب أن يكون لقاؤهم درسًا يبلغ أعماق الضمائر والقلوب، ويعلم الشعب إن كان لم يعلم بعد أن الحرية لا تلائمها الحياة الهينة الوادعة. إنما تكتسب بأقصى غاية الجود، وهو بذل النفوس لها ثمنًا. ثم يحافظ عليها بالعمل المتصل في سبيل القوة والعزة والقدرة على إباء الضيم ورد العدو المغير. ويعلم الشعب إن كان لم يعلم بعد أن الراحة والدعة والترف وخفض العيش والتقلب في ألوان النعيم، كل هذه أشياء لا ينبغي أن تطلبها الشعوب إلا بعد أن تحقق الاستقلال الكامل الصحيح الذي يظلها بظله وتبيح للناس أن يستمتعوا بها وهم آمنون.
    آمنون من أن يغير عليهم من ينغصها عليهم، وآمنون من أن ينغصوها على أنفسهم بلوم الضمير وتأنيبه لأنهم لم يأخذوها بحقها ولم يكتسبوها اكتسابًا ولم يصلوا إليها من طريقها الطبيعي، وهي طريق القوة على اكتسابها والقدرة على صيانتها من عبث العابثين.
    يجب ألا نلقى هؤلاء الشهداء بهذه الرحمة الفارغة التي لا تغني عنهم شيئًا لأنهم لا يحتاجون إليها ولا تغني عنا شيئًا لأنها رحمة عقيم تجري بها أطراف الألسنة وتنهل لها دموع كاذبة، ثم لا تلبث أن تنصرف عنا كأنها لم تلم بنا، ولا نلبث نحن أن ننصرف عنها إلى ما يشغلنا من باطل الحياة.
    إنما الرحمة الصحيحة التي ينبغي أن نلقى بها هؤلاء الشهداء هي هذه التي تفيض من القلوب وتصدر عن أعماق الضمير، وهي رحمة عاملة فيها العزم المصمم على ألا تتكرر مأساة هؤلاء الشهداء مرة أخرى، وعلى أن تستكمل مصر أسباب قوتها المادية والمعنوية فلا تؤخذ على غرة، ولا يطمع فيها الطامع، ولا يغدر بعض بنيها ببعض حين يجد الجد وتلم الملمات.
    بهذه الرحمة الصادقة الجادة المصممة يجب أن نلقى شهداءنا وأن يكون لقاؤنا لهم عهدًا نعطيه على أنفسنا لا بالصياح الذي يملأ الجو ويصم الآذان، ولكن بالصمت الحازم الصارم المقسم على أن نرعى لهم حقهم وعلى أن نكون كرامًا. وأول مظهر لهذه الكرامة أن نرفض الاحتلال الأجنبي ونأباه ونشهد الله على نصر الذين يدعوننا إلى تخليص الوطن من شره وآثامه.
    كذلك أحب أن يكون لقاء الشهداء، ويجب أن يلقاهم كل مصري سواء شهد بشخصه هذا الحفل الذي يقام للقائهم أم لم يشهده.
    فرب ذكرى كانت أنفع وأجدى من السعي إلى الحفل ومن شهوده بالأجسام لا بالقلوب. يجب أن نلقى هؤلاء الشهداء جميعًا بقلوبنا وقد آمنا بالواجب الذي تفرضه علينا كرامتنا وكرامة الأجيال التي ستتلقى عنا هذا الوطن تراثًا حرًا كريمًا.
    وليكن هذا اليوم الذي نتلقى فيه هؤلاء الشهداء يوم العهد الذي نعطيه للثورة وقائدها على أن نؤيدهم ما وجدنا إلى تأييدهم سبيلًا، نشد أزرهم وهم يفاوضون ونستجيب لدعائهم إن لم تنته المفاوضات إلى ما نريد ويريدون. وليكن هذا اليوم يوم القسم الذي نقسمه فيما بيننا وبين الله على أننا لن نخدع مرة أخرى كما خدعنا من قبل بهذا الحديث المعاد، حديث المفاوضات.
    طه حسين
    الأهرام، ١٠\٥\١٩٥٣

  • الثعبان

    الثعبان
    لصاحب العزة الدكتور طه حسين بك
    كان مشرق الوجه باسم الثغر، خفيف الحركة، فصيح اللسان. لا يكاد يجلس إلى أحد أو يجلس إليه أحد، إلا أحس جليسه منه قلبا يضطرب تحمسا للإصلاح، ونفسا تتوثب إلى المثل العليا، وعقلا لا يرى حوله إلا شرا ولا يريد أن يطمئن أو يستقر إلا إذا أزيل هذا الشر ومحيت آثاره ومعالمه وقام مقامه هذا الخير المطلق الذي يشمل كل إنسان، وكل شيء، والذي يسبغ على من يشمله وما يشمله جمالا حلوا هادئا، ولكنه قوي ملح كأنه ضوء الشمس، لا يمنح الأشياء والأحياء جمالا وبهاء فحسب، ولكنه يبعث فيها وفيهم حياة وخصبا وقوة ونشاطا.
    وكان تحمسه للإصلاح وطموحه إلى الخير ودعاؤه إلى العدل يخرج به أحيانا كثيرة عن طوره، ويتجاوز به الهدوء المألوف إلى شيء من العنف لم يكن المصريون يعرفونه في ذلك الوقت، وإذا هو لا يستقر في مكانه مهما يكن هذا المكان في دار أو ناد أو قهوة أو ديوان، وإنما يثب من مجلسه ثم لا يثبت في مقامه ليتحدث إلى من حوله كما يتحدث الخطيب، وإنما يذهب ويجيء ويأتي من الحركات بيديه ما كان يخيف جلساءه على ما قد يكون حوله من الأشياء وإذا آية الغضب تظهر في وجهه، قوية حادة فيظلم بعد إشراق ويعبس بعد ابتسام، ويتطاير من عينيه المضطربتين شرر مخيف، وينفجر من فمه صوت هائل يهدر بالجمل التي تتتابع سراعا في مثل قصف الموج وعصف الريح العاتية، وإذا أصحابه يأخذهم شيء من الدهش لا يلبث أن يستحيل إلى وجوم متصل وذهول غريب، لا يدرون أهما يصوران الإعجاب والرضى أم هما يصوران الإنكار والسخط أم هما يصوران الحذر والخوف.
    وكان من الحق أن يحذروا ويخافوا فلم تكن الأمور في ذلك الوقت تجري في مصر كما أخذت تجري منذ كان في مصر استقلال وحرية ودستور وبرلمان، وإنما كانت الأمور تسعى متعثرة لا تكاد تنهض إلا لتكبو ولا تكاد تمضي إلا لتقف فقد كان في مصر احتلال أجنبي يتغلغل سلطانه الظاهر والخفي في جميع المرافق العامة والخاصة، وكان في مصر سلطان وطني شديد الارتياب عظيم الاحتياط كثير التلون يميل إلى المواطنين مرة وإلى المحتلين مرة أخرى، ويحاول أحيانا أن يرضي أولئك وهؤلاء، فلا يظفر إلا بغضب أولئك وهؤلاء.
    وكان هذا كله يفسد الجو المصري ويجعله خانقا منهكا للقوى لأن الناس كانوا موضوع النزاع بين هاتين السلطتين لا يكادون يرضون إحداهما إلا وفي نفسهم إشفاق من الأخرى، وكان لكل واحدة من هاتين السلطتين عيونها وجواسيسها قد انبثوا في الأندية والقهوات والدواوين واندسوا في المجالس الخاصة. فهم يحصون على الناس ما يقولون ثم يصورونه كما يحبون ثم يرفعونه إلى السلطان الأجنبي أو إلى السلطان الوطني. وإذا آثار ذلك واضحة فيما يكون من رضى هذا السلطان أو ذاك ومن غضب هذا السلطان أو ذاك. فكان المفكرون وذوو الرأي يعيشون في قلق متصل كأنما كانوا يسعون على الشوك. فليس غريبا أن يثير صاحبنا في نفوس جلسائه شيئا من الحذر والخوف إذا أخذته أزمته الإصلاحية تلك، وكانت كثيرا ما تأخذه فيثور أو قل يستحيل إلى ثورة تريد أن تلتهم كل شيء.
    وكان صاحبنا حديث عهد بأوروبا قد أقام فيها أعواما متصلة وأتم فيها درسه ورأى فيها حياتها الحرة الطامحة التي لا تقيدها أوضاع النظام الاجتماعي كما كانت تقيد الحياة المصرية في ذلك الوقت ولا تغلها أغلال السلطان السياسي كما كانت تغل حياة المصريين في ذلك الوقت أيضا، وإنما رأى حياة سمحة طلقة قد عرفت للإنسان كرامته وللفرد حقه في أن يأتي ويدع من الأمر ما يشاء وفي أن يرى ويقول ما يشاء ما دام لا يؤذي غيره بقول أو عمل. وقد شارك في هذه الحياة واستمتع بما كانت تمتاز به من الإسماح واليسر وكان كغيره من المصريين الذين يعيشون في أوربا لا يكاد يرى شيئا يعرفه أو ينكره إلا وازن بينه وبين ما يشبهه في الحياة المصرية من قريب أو بعيد، وكانت هذه الموازنة تغيظه وتحفظه بالطبع لأنها كانت تضطره دائما إلى أن يعترف فيما بينه وبين نفسه بأن في أوربا رقيا ماديا ومعنويا وبأن لأهل أوربا حرية في القول والعمل وبأن مصر بعيدة كل البعد من هذا الرقي وبأن المصريين قد حرموا هذه الحرية كل الحرمان. فعاد إلى مصر وللغيظ في قلبه نار تتوهج وللغيرة على نفسه سلطان لا يكاد يهدأ من ثورته أو فورته، ومن أجل ذلك كان صورة ناطقة حية قوية للسخط على كل شيء والضيق بكل شيء. والحرص على تغيير كل شيء. وقد أقبل الشباب عليه حين عاد من أوربا معجبين بل مفتونين. ولكنهم لم يلبثوا أن فتروا ثم تفرقوا شيئا فشيئا، منهم من رده عنه الخوف، ومنهم من رده عنه القصور، ومنهم من رده عنه السأم. ولابد من الاعتراف بأن أحاديث صاحبنا على عنفها وثورتها كانت تغمض أحيانا فيعجز أوساط المثقفين عن فهمها، وكانت تتكرر أحيانا أخرى فيسأم السامعون لها من كثرة تكرارها. وأكبر الظن أن صاحبنا عاد من أوربا دون أن يتعمق من أمرها شيئا وإنما غرته المظاهر فأعجب بها وخدعته هذه الحضارة الأوربية ففتن بها، ورأى في هذا الإعجاب وفي هذه الفتنة شيئا من الامتياز يتملق كبرياءه فأغرق فيهما إغراقا شديدا. وقد كان ما لم يكن بد من وقوعه فنذر به السلطان وأشفق منه ونصب له شيئا من كيد خفي حاول أن يثبت له وينفذ منه ولكنه لم يستطع ثباتا ولا نفوذا فاضطر إلى أن يرجع أدراجه ويعود إلى أوربا هذه التي ملكت عليه قلبه ونفسه وفتنته بمحاسنها فتونا. ولم يكد يستقر في أوربا حتى دهمته الحرب الماضية فأقام فيها ما شاء الله أن يقيم والظاهر أنه انتفع بهذه الإقامة الثانية انتفاعا عظيما. فقد عاد من أوربا بعد الثورة المصرية الأخيرة فرأى ما لم يكن ينتظر أن يرى. لم ير تغيرا في الحضارة المادية ولم ير تطورا ذا بال في الحياة العقلية ولكنه رأى حرية لم يكن له بها عهد. حرية لا تحفل بمكر الاحتلال الأجنبي ولا باحتياط السلطان الوطني ولا بالعيون والجواسيس ولا بالأحكام العرفية الإنجليزية التي ظلت مفروضة على مصر أعواما بعد انتهاء الحرب ولا بهذا الاصطدام العنيف الذي كان يحدث من حين إلى حين بين الشباب المصريين والجنود البريطانيين. رأى حرية لا تلوي على شيء ولا يردها شيء ولا تزيدها العقبات والمصاعب إلا قوة واندفاعا. ورأى المصريين يقولون في كل شيء لا يتحفظون ولا يتحرجون. ورآهم ينكرون من أمرهم أكثر مما كان ينكر هو قبل الحرب فهم لا يرضون عن الاحتلال الأجنبي، وهم لا يرضون عن النظام السياسي الوطني، وهم لا يطمئنون إلى حياتهم الاجتماعية، وإنما يخرجون عليها في رفق مرة وفي عنف مرة أخرى، وهم على كل حال يتوثبون إلى الإصلاح. ويطمحون إلى المثل العليا لا يتحدثون إذا لقي بعضهم بعضا إلا في الحق والخير والعدل والحرية والاستقلال والرقي في الحياة المادية والعقلية.
    رأى هذا كله فوقف منه موقف الحيرة لم يدر أيرضى عنه أم يسخط عليه. ولو أنه جرى مع طبيعته الأولى لرضي كل الرضا عما رأى ولمضى مع مواطنيه جادا في الإصلاح طامحا إلى الرقي مطالبا بالاستقلال. ولكن إقامته في أوربا أثناء الحرب واحتماله ما جرته الحرب على الناس من خطوب وما ألقت عليهم من أثقال قد اضطره إلى شيء من المرونة وسعة الحيلة وبذل الجهود الملتوية ليتقي الشر إن عرض الشر وليلتمس الخير إن سنح الخير، فعاد من أوربا للمرة الثانية وقد خلقته الحرب خلقا جديدا. كان قبل الحرب يسبق مواطنيه إلى الرقي والطموح، فأصبح بعد الحرب يستأخر عن مواطنيه ولا يكاد يشاركهم في توثبهم إلى الرقي والطموح. ومنذ ذلك الوقت اتخذ لنفسه سيرة وسطا فهو لا يستطيع أن ينكر ماضيه وهو لا يستطيع أن يقاوم هذا الاندفاع المصري الجارف إلى التطور العنيف وهو في الوقت نفسه لا يحب أن يشارك مواطنيه فيلهج كما يلهجون بالحرية، ويحرص كما يحرصون على الاستقلال ويطمع كما يطمعون في مجاراة أوربا حينا ومقاومتها حينا آخر. وقد زاده حرصا على هذه السيرة الوسط أنه قد تعب في أوربا وشقي بما لقي فيها من جهد وضيق، وعاد إلى مصر وفي نفسه ميل إلى الدعة وحاجة شديدة إلى الراحة ورغبة ملحة في أن يعوض الوقت الذي أضاعه في أوربا وأن يستدرك من أمره ما فات ويحقق لنفسه من المنافع العاجلة والآجلة ما لم يستطع تحقيقه حين كان ثائرا فائرا مطالبا بالإصلاح. وقد رأى المصريين قد انقسموا فيما بينهم قسمين، فريق يعتدل، وفريق يتطرف. فلم يرد أن يعتدل مع المعتدلين فيعد مستأخرا ولا أن يتطرف مع المتطرفين فيتكلف ما يتكلفون من الجهد ويحتمل ما يحتملون من العناء. وقد رسم له هذا كله سيرته الوسط فعرف الثورة المصرية ولم ينكرها، وأثنى عليها ولم يشارك فيها، واتخذ لنفسه الأصدقاء والأخلاء من المعتدلين والمتطرفين جميعا، ولم يقبل في ذلك مراجعة ولا لوما فإن الصداقة ترتفع عن السياسة وأعراضها وأمراضها والرجل الحر حقا هو الذي لا تلهيه السياسة عن إرضاء حاجة قلبه إلى الإخاء الكريم والمودة الصافية والوفاء المتين.
    وكذلك كنت تراه في مجالس المعتدلين يسمع منهم ولا يرد عليهم إلا قليلا وكنت تراه في مجالس المتطرفين، يسمع منهم ولا يجاريهم إلا بمقدار، وكنت تراه في كل حفل يقيمه المعتدلون وفي كل حفل يقيمه المتطرفون يشهد الحفلين جميعا لأن له الأصدقاء والأخلاء بين أولئك وهؤلاء. ولكنه كان ماهرا أشد المهارة في الاستخفاء حين الجد وحين تبدى الخطوب عن نواجذها لأولئك أو هؤلاء. هنالك يلتمس القوم صاحبنا فلا يجدونه ولا يقفون له على أثر. وهنالك يسأل القوم عن صاحبنا أهل المعرفة فلا يحدثهم عن ثابت لاق كما يقول الشاعر القديم حتى إذا هدأت العاصفة واستقرت الأمور في نصابها واطمأنت القلوب في الصدور نظر المعتدلون والمتطرفون فإذا صاحبنا يغدو بينهم ويروح كعهدهم به دائما مشرق الوجه باسم الثغر عذب اللفظ حلو الحديث.
    وقد استطاع من الأمر ما لم يستطعه من المصريين إلا الأقلون عددا فأرضى المحافظين والمسرفين في المحافظة بنوع خاص وأرضى المجددين والغلاة في التجديد بنوع خاص. ثم جعلت الأحوال تحول والأمور تتغير وتتابعت المحن على مصر، وكان الطبيعي حين تمتحن مصر في آمالها وأمانيها وفي حريتها الداخلية والخارجية أن يتطرف المعتدل ويجدد المحافظ إن كان صادقا في اعتداله ومحافظته لا يتأثر فيهما بالمنفعة ولا يبقى بهما الخوف.
    ولكن صاحبنا لم يتطرف وقد تطرف المعتدلون من حوله، ولم يجدد وقد جدد المحافظون من حوله، وإنما ظل كعهده دائما مشرق الوجه باسم الثغر خفيف الحركة عذب اللفظ حلو الحديث.
    وربما أحس المحافظون المصرون على المحافظة منه ميلا إليهم، وحرصا على أن تتصل أسبابه بأسبابهم، ولكن على شرط ألا تنقطع أسباب المودة والإخاء بينه وبين المتطرفين، فمن الحقائق المقررة أن صلات الود والإخاء يجب أن ترتفع عن اختلاف الرأي في السياسة والنظم الاجتماعية. وقد تلقاه المحافظون حفيين به مستبشرين بقربه منهم واتصاله بهم وأغضى عنه المتطرفون لأنه صاحب وفاء يرتفع بالصداقة عن أغراض السياسة وأمراضها. ثم أصبحت المحافظة في بعض الأوقات لونا من ألوان الحفاظ والغيرة على مصالح الوطن وكرامته وأصبح من البدع المحبوب أن يتحدث الناس بأنهم محافظون وأن يسرفوا في النعي على المتطرفين فأظهر صاحبنا أنه محافظ يذكر مجد الوطن ويحرص على تقاليده وينكر الخروج على النظام المألوف والسنة الموروثة، ولكنه في الوقت نفسه لم يقصر في ذات أصدقائه المتطرفين وإنما جاملهم حين كانت تحسن المجاملة وواساهم حين كانت تحسن المواساة وضمن بذلك رضاهم عنه وإغضاءهم عن غلوه في المحافظة، وفي أثناء هذا كله مضت أموره على خير ما يحب. شجعه المحافظون حين كان السلطان يصير إليهم، وأغضى عنه المتطرفون حين كان السلطان يستقر فيهم، وعرف عامة الناس وخاصتهم أنه رجل لا يحب الأحزاب ولا يشارك في سياستها، وإن كان محافظ الميل قديم الهوى معتدل السيرة والرأي جميعا.
    قلت لصاحبي أتستطيع أن تحدثني بما تريد إليه من هذه القصة التي لا تنتهي. قال صاحبي لا أريد إلا إلى شيء يسير جدا وهو أن الذين يريدون العافية وقضاء المآرب وتحقيق المصالح، وتجنب الأذى في أنفسهم وآمالهم وأعمالهم يحسن أن يسيروا سيرة هذا الرجل البارع قلت لصاحبي ليس كل الناس يقدر على أن يكون ثعبانا وليس من الخير أن تكثر في مصر الثعابين.
    طه حسين
    البلاغ، ٢١ يناير ١٩٤٥.

  • من بعيد

     من بعيد . . .
    تستطيع مصر أن تقول في غير إسراف ولا غلو ولا تزيد أنها في هذه الأيام تملأ الدنيا وتشغل الناس كما كان يقال عن شاعر عربى قديم . فليس فى الأرض حكومة إلا وهي تعنى بشؤون مصر ، تتلقى أنباءها وتدرسها درس التعمق والاستقصاء وترتب على هذا الدرس خطتها فيما يكون بينها وبين الدول الأخرى من صلة بشأن مصر خاصة والشرق الأدنى بوجه عام .
    وليس في الأرض شعب إلا وهو مشغول بمصر يتلقى أنباء الأحداث التي تحدث فيها في صحف الصباح والمساء ويسمعها من الراديو فى كل ساعة من ساعات الليل والنهار فيأخذه العجب أحيانا كثيرة ويأخذه الإعجاب أحيانا أخرى ، والصحف تنشر ما تنشر من ذلك متأثرة بألوان من الهوى وفنون من الحب والبغض وضروب من الرجاء والخوف
    قليل منها يؤثر الصدق فيما ينشر ويؤثر القصد فيما يعلق به على الأنباء وكثير منها يفكر فى إثارة القراء وأطرافهم بغرائب الأنباء أكثر مما يفكر فى الصدق والقصد . وقد أرادت الظروف أن أعرف أحداث مصر فى هذه الأيام الخطيرة في تاريخها من الصحف الأوروبية قبل أن أعرفها من الصحف المصرية . فإذا أصبحت قرأ على صاحبي ما تبلغه يده من صحف إيطاليا وإذا انتصف النهار حمل إلى البريد طائفة من صحف فرنسا وإذا كان المساء حمل إلى البريد قصاصات كثيرة وأطرافا مختلفة من صحف روما وباريس .. وقد شغلت بهذا كله عن غيره مما كنت أريد أن افرغ له وما أظنني قرأت الصحف قط كما أقرأها في هذه الأيام ..
    ومع أنى كغيرى من المصريين يعجبنى أن تملأ مصر الدنيا وتشغل الناس ومع أني كغيري من المصريين فخور معجب بأن مصر قد ضربت للعالم الحديث مثلاً رائعاً بثورتها هذه التي جمعت بين الهدوء الذى يملأه الوقار والجلال وبين العنف الحازم النقي الذي يحطم الظلم ويرسل ملكاً إلى منفاه دون أن يسفك قطرة من دم ودون أن يخرج عن طور الحلم والأناة والحذر الرشيد ، مع أنى كغيرى من المصريين فى هذا كله ، فإني أنفق في بعض الأوقات لحظات ثقالاً فيها غيظ شديد وضيق ببعض المراسلين الكاذبين الذين يركبون رؤوسهم ويتبعون أهواءهم ويرسلون خيالهم إلى غير غاية ويقولون لقرائهم كلاما أقل ما يوصف به أنه سخف لا يصدر عن نفوس بريئة ولا عن قلوب سليمة ولا عن نيات مخلصة للحق . فكثير من الصحف الباريسية مثلا لا تستطيع أن تخفى أشفاقها من الثورة المصرية لا لأنها تخاف على الفرنسيين ومصالحهم فى مصر فهي مطمئنة على هؤلاء الفرنسيين وعلى تلك المصالح لأن القائد العام ورئيس الوزراء كلاهما قد أمن الأجانب على أرواحهم ومصالحهم ولأن الأمور جرت في مصر على خير ما يحب المصريون والأجانب من الأمن والنظام والعافية ، ولكن لأنها تخشى أن تكون الثورة المصرية مثلا لثورات أخرى تحدث فى بلاد أخرى غير مصر .
    والفرنسيون يقاسون هولاً أي هول فى الهند الصينية منذ وضعت الحرب العالمية الأخيرة أوزارها وهم يقاسون هما ثقيلاً فى تونس وعناء مبرحا في مراكش وهم يؤمنون فيما بينهم وبين أنفسهم بأن مصر تحتل مكان القدوة فى العالم العربي فهم ينظرون إلى ما يحدث فيها من حركات التحرير شزراً ، وكل شيء يدل على أنهم غير مخطئين في هذا الاشفاق
    فلم تكد مصر فى أواخر العام الماضى تظهر مقاومة الاحتلال البريطاني حتى نهضت تونس تقاوم الحماية الفرنسية وأمور مراكش أظهر من أن تحتاج إلى تفصيل .
    وكثير من الصحف الفرنسية لا يظهر عطفاً على الملك السابق بمقدار ما يظهر العطف على الإنجليز ذلك لأن أمر الملك لا يعنيهم من قريب أو بعيد ولكن أمر النفوذ البريطاني يعينهم كل العناية لأنه قرين النفوذ الفرنسي في شمال أفريقيا ، فإذا زال النفوذ البريطاني من مصر كان زواله إيذاناً بزوال النفوذ الفرنسي من أفريقيا الشمالية .
    والفرنسيون كالإنجليز لا يطمئنون إلى النشاط الأمريكى فى هاتين المنطقتين من مناطق النفوذ كما يقول السياسيون في هذه الأيام . ذلك لأن الأمريكيين لا يريدون أن يحتلوا قناة السويس مكان الإنجليز ولا أن يحموا تونس ومراكش مكان الفرنسيين وإنما يريدون تأمين الشرق الأدنى والأوسط من النفوذ الروسى وأقصى ما يمكن أن يريدوا غير ذلك هو بسط نفوذهم الاقتصادى الذي ينفع ولا يضر .
    ومن أطرف ما قرأت فى صحيفة فرنسية معتدلة ولكنها محافظة أن الأمريكيين يحسنون الظن بالكفاية العسكرية لأهل الشرق العربي لأنهم رأوا حسن بلاء الجنود الأفريقيين الذين حاربوا مع الجيش الفرنسي .
    والصحيفة الفرنسية ترى أن الأمريكيين يخدعون أنفسهم في ذلك . فشجاعة الجنود الأفريقيين لم تأتهم من ذات أنفسهم فيما تقول الصحيفة وإنما أتتهم من الضباط الفرنسيين ، والشيء الذى لا شك فيه هو أن كتاب هذه الصحيفة والمشرفين عليها قوم مثقفون ثقافة ممتازة وهم بحكم هذه الثقافة يعرفون التاريخ الحديث ويعرفون أن مصر في النصف الأول من القرن الماضى قد كان لها جيش فعل الأفاعيل وأقام أوروبا وأقعدها وضمن لنفسه إعجاب الفرنسيين حتى فكرت فرنسا ذات يوم فى أنه قد يعينها على غزو أفريقيا الشمالية . وهم يعلمون فيما يعلمون أن جنود الجيش المصرى الحديث هم أحفاد أولئك المصريين الذين أنشأوا جيش محمد على وإبراهيم .
    ومن أطرف ما قرأت كذلك فى صحيفة فرنسية أخرى أن أربعة أخماس الشعب المصرى نهب للعلل المهلكة .. فأربعة أخماس الشعب المصرى إذن مريض عند كاتب هذه الصحيفة .. وإذن فماذا تخاف أوروبا من شعب كثرته مريضة لا تقوى على شيء ولا تصلح لشيء ، والمصريون جميعا يعرفون أن حياتهم الاجتماعية في حاجة إلى إصلاح شامل عميق وهم إنما يثورون اليوم ليحققوا الإصلاح الذى حال الطغيان والاستعمار بينهم وبين تحقيقه ولكن الحاجة إلى الإصلاح الشامل شيء ومرض أربعة أخماس الشعب شيء آخر .
    والغريب أن كاتب هذا المقال قد زار مصر وأقام بها ورأى أبناءها في المدن والقرى وعرف أنهم والحمد لله بعيدون جدا من هذا الحال التي صورهم فيها . فالذين يسعون في القاهرة والاسكندرية وفى مدن الأقاليم وقراها لا يرون شعباً مريضا متهالكاً ، وإنما يرون شعبا قويا نشيطاً يعمل ويجد ويكد ويكسب لبلده مركزاً ممتازاً في الاقتصاد العالمي ولو عمل الفرنسيون في أرضهم ومصانعهم كما يعمل المصريون في أرضهم ومصانعهم لما كانوا من الضعف الاقتصادي بحيث هم الآن ولكن الهوى يفسد على العقول حسن تقديرها للأمور وحكمها على الأشياء والواقع أن على عقول الفرنسيين غشاوة من الخوف على إمبراطوريتهم فى أفريقيا الشمالية تمنعهم من أن يروا الأشياء كما هي ويحكموا عليها حكما مستقيما . ولو قد برئ الفرنسيون من الهوى ونظروا إلى الأشياء نظرة صادقة مبرأة من الخوف والطمع لعرفوا أن مصر إنما تمثل في الشرق أثناء القرن العشرين ما مثلته هي في الغرب في أواخر القرن الثامن عشر مع فرق خطير جدا وهو أن مصر لم تسفك دماً ولم تقتل الملايين من أبنائها كما فعلت فرنسا في ثورتها الكبرى .
    طالبت مصر باستقلالها وحريتها في أعقاب الحرب العالمية الأولى فصنع الشرق العربي كله صنيعها . وطالبت مصر بالحياة الدستورية فى أعقاب ثورتها القومية فظفرت بالدستور ، وصنعت بلاد الشرق العربى صنيعها ، فأصبحت مستقلة مستمتعة بالحياة الدستورية ، وطالبت مصر باستكمال استقلالها فى أعقاب الحرب العالمية الثانية فتأثرت بها بلاد المغرب العربى فى شمال أفريقيا وأخذت تطالب باستقلالها وحريتها وبالحياة الدستورية النيابية .
    فالذي فعلته مصر وتفعله الآن فى العالم العربي هو الذي فعلته فرنسا أثناء القرن الماضى فى العالم الأوروبى .
    ولو أنصف الفرنسيون أنفسهم لنظروا إلى مصر نظرة عطف وإعجاب ، لا نظرة شك وخوف وإشفاق والأطالوا النظر فى المرأة المصرية ليروا فيها أنفسهم ، فهم على كل حال قد ضربوا للعالم القديم أروع مثل للتضحية فى سبيل الحرية والإخاء والمساواة . ولكن الهوى يطبع على القلوب ويغشى الأبصار ويحجب نور الحق عن العقول وينسى أصحابه كل شيء حتى التاريخ القريب .
    ونحن نلوم الفرنسيين وغيرهم من الأوروبيين على سوء ظنهم بمصر وعلى ما يشيعون عنها من مقالة السوء ولكن من الحق علينا أن نبدأ بلوم أنفسنا فنحن أول من يسيء الظن بمصر ويشيع عنها مقالة السوء ويكفى أن نذكر كتاباً رسمياً رفعه بعض رؤساء الوزارات السابقين إلى الملك السابق لنعلم أن المصريين هم الذين يلقون في روع الأجانب كل ما يشيعون عن مصر من السيئات . ويكفى أن ننظر في بعض الصحف المصرية ونعلم أن كل ما ينشر فى مصر أو يقال يسجل عليها في السفارات والمفوضيات ووكالات البرق وعند مراسلى الصحف الأجانب سواء منهم من أقام بمصر أو ألم بها . فنحن نشهد على أنفسنا أسوأ شهادة وأشدها نكراً فى الوثائق الرسمية أولاً وفي صحفنا ومجلاتنا بعد ذلك وإذا شهدنا على أنفسنا كان من الحق علينا ألا نسرف باللوم على غيرنا لأنهم لن يكونوا أشد إنصافا لنا من أنفسنا .
    إني لأرجو أن تكون هذه الثورة المباركة التي ردت إلى مصر كرامتها وشرفها في وقار وأناة ونالت بذلك إعجاب العالم الخارجى قد ردت إلى المصريين ثقتهم بوطنهم وحسن رأيهم في أمتهم وردت إليهم شيئا من التفاؤل الذى يجلو أمام أعينهم منظر وطنهم جميلاً نقياً كريماً يستحق أن يحبه أبناؤه ويكرموه ليحبه غير أبنائه ويكبروه .
    طه حسین
    البلاغ ٥\٨\١٩٥٢ .

  • حذارِ …

    حذارِ …
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ١ فبراير ١٩٤٨

    تَعْرِض للأمم في حياتها ظروف تفرض على المثقفين من أبنائها واجبات حازمة حاسمة محرجة، لا ينبغي لهم أن يقصروا في أدائها أو يتخففوا من أعبائها، أو يتنصلوا من تبعاتها. فإن فعلوا ذلك أو فعلوا بعض ذلك أثموا في ذات أنفسهم وفي ذات أوطانهم، وفي ذات الكرامة الإنسانية من حيث هي كرامة إنسانية.

    ويُخيَّل إليَّ أن بعض هذه الظروف التي تفرض هذه الواجبات على المثقفين قد تعرض لمصر وتحيط بها، وتدعو ضمائر المثقفين من أبنائها إلى أن تستيقظ إن كانت نائمة، وإلى أن تنتبه إن كانت غافلة، وإلى أن تقدِّر حقها على أنفسها وحق الوطن عليها وحق الكرامة الإنسانية على كل إنسان كريم.

    والواقع أننا نستقبل في هذه الأيام حياة لا نبتغي أن ننعم فيها بالدعة والترف، ولا أن نخلد فيها إلى الراحة والعيش المطمئن، إلَّا بعد أن نؤدي لأنفسنا وأبنائنا واجب النصح والإرشاد والإلحاح في النصح والإرشاد مهما يحملنا ذلك من مشقة، ومهما يكلفنا ذلك من جهد، ومهما يعرضنا ذلك للأخطار والخطوب.

    فهذه الفرقة التي أفسدت ما بين الدول العظيمة المنتصرة من صلات، وفرَّقتها فريقين عظيمين، كلاهما يكيد لصاحبه ويمكر به، ويتهيأ لحربه حرب دفاع أو هجوم؛ ليست من الأشياء اليسيرة الهينة التي نستطيع أن نسمع أنباءها أو نقرأها غير حافلين ولا آبهين لها، ولا منصرفين من أجلها عما أَلِفْنا من حياة الدعة والهدوء.

    وقد رأينا ما صبَّت الحرب العالمية الأخيرة على أهل الغرب والشرق من خطوب وكوارث وأهوال، منها ما أزهق الأنفس وأراق الدماء، ومنها ما نشر الخراب والدمار وقوَّض الحضارة والعمران، ومنها ما أهدر الكرامة وألغى قيم الحق، والعدل، والحرية، والمساواة، والتعاطف، والتراحم، والتضامن، والتعاون في سبيل الخير.

    ولم تكن الدول المتحاربة تملك من الأسلحة ووسائل الهول ما ستملكه حين تُثار الحرب الثالثة، ولم تكن أهوال الحرب العالمية الأولى على نكرها ذات خطر عظيم بالقياس إلى أهوال الحرب العالمية الثانية، ولن تكون أهوال الحرب العالمية الثانية ذات خطر عظيم بالقياس إلى أهوال الحرب العالمية الثالثة التي تتهيأ لها الدول الكبرى وتُدفَع إليها الشعوب البائسة دفعًا.

    فأيسر ما يجب على المثقفين وقادة الرأي في مصر وفي البلاد التي تشبه مصر، أن يبصِّروا مواطنيهم ويوجهوهم ويحذروهم، ويحولوا بينهم وبين التعرض لهذه الكوارث والأخطار ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، ولا عليهم إذا أدوا الواجب ونهضوا بالحق، ونصحوا لأوطانهم أن ينجحوا فيما حاولوا أو أن تتقطع بهم أسباب النجح، فلم يخطئ شاعرنا القديم العظيم حين قال:

    وركب كأطراف الأسنة عرسوا على مثلها والليل تسطو غياهبُهْ

    لأمر عليهم أن تتم صدوره وليس عليهم أن تتم عواقبُهْ

    والمصريون الذين يقرءون الصحف، ويسمعون الراديو، ويفهمون ما يقرءون وما يسمعون؛ يلاحظون أن بريطانيا العظمى تحاول أن تتهيأ للحرب المقبلة كأحسن ما تستطيع أن تتهيأ لها، وهي من أجل ذلك تنظم صلاتها وصلات الولايات المتحدة الأمريكية مع أوروبا الغربية بعقد المحالفات وتوثيق الصلات، وهي من أجل ذلك تريد بل تحاول أن تنظم صلاتها مع بلاد الشرق الأدنى والشرق الأوسط بعقد المحالفات وتنظيم التعاون.

    حاولت ذلك وما زالت تحاوله مع مصر ولكنها لم تفلح إلى الآن، وحاولت ذلك وما زالت تحاوله مع العراق ولكنها لم تفلح إلى الآن أيضًا، وحاولت ذلك مع شرق الأردن وسنرى أتفلح في محاولتها أم تخفق. وقيل إنها تحاول ذلك مع سوريا ولبنان، ومع المملكة العربية السعودية ومع اليمن أيضًا.

    والحجة الخطيرة التي تعتد بها بريطانيا العظمى وتتخذها وسيلة إلى الترغيب والترهيب، وإلى الإغراء والتخويف هي الشيوعية؛ فبريطانيا العظمى مشفقة أشد الإشفاق على مصالح الشرق العربي من انتشار الشيوعية فيه وامتداد يدها إليه، وهي تُخوِّف بهذا الخطر العظيم أصحابَ الثراء وأصحابَ الجاه والسلطان، وتخيِّرهم — إن صح استعمال كلمة التخيير — بين محالفتها والانضواء تحت لوائها لتحفظ عليهم ثراءهم وجاههم وسلطانهم، وبين مخالفتها والانفصال عن حلفها لتتعرض للشيوعية التي تهدم النظام الاجتماعي هدمًا وتلغي الثراء والجاه والسلطان إلغاءً.

    ثم هي لا تقف عند هذا الحد، ولكنها تمعن في الإشفاق على الشرق والشرقيين، فتعرض على الدول الشرقية لا أن تشاركها في الدفاع عن أوطانها فحسب، بل أن تعينها كذلك على الإصلاح الاقتصادي، ورفع مستوى الحياة كما يُقال.

    ولا تنسى بريطانيا العظمى في أثناء ذلك إلَّا شيئًا واحدًا؛ وهو أن اشتراكها في الدفاع العسكري على النحو الذي تعرضه، إنما هو الحماية قد غُيِّر لفظها، واستقر معناها، وأن اشتراكها في الإصلاح الاقتصادي ورفع مستوى الحياة، إنما هو إهدار الاستقلال الداخلي، والتغلغل في أخص ما تحرص الأمم على أن تنفرد به وتستقل بتدبيره من الشئون.

    وواضح جدًّا أن الشيوعية نظام ينبغي أن يُتَّقى؛ لأنه لا يلائم أمزجة الأمم العربية ولا الطور الذي وصلت إليه من حياتها الحديثة. ولكن أشد من ذلك وضوحًا أن اتقاء الشيوعية لا ينبغي أن يأتينا من خارج، ولا أن يُفرَض علينا من دولة أجنبية، وإنما ينبغي أن نحاوله نحن بجهودنا الخاصة.

    وجهودنا الخاصة ليست هي شرع القوانين والحَجْر على الحرية وأخذ الناس بالظنة، وإنما هي إصلاح النظام الاجتماعي وتمكينه من أن يعتمد على نفسه، ويعتد بوجوده، ويحبب إلى أصحابه الاحتفاظ به والحرص عليه.

    فإذا استطاع النظام الاجتماعي أن يكفل للناس حياة قوامها العدل والسعة، مبرأةً من الظلم والبؤس والحرمان، كان أصحابه جديرين أن يحبُّوه ويستمسكوا به، ويكرهوا تغييره ويجنبوا أنفسهم المغامرات.

    والشيء الذي ينبغي أن نقره في قلوب المصريين ورءوسهم وضمائرهم — لا ندخر في ذلك وسعًا، ولا نضن في سبيله بجهد — هو أن هناك فرقًا عظيمًا جدًّا بين النظام الشيوعي الذي تخوِّفنا منه بريطانيا العظمى والذي يجب أن نتقيه ونقاومه بالإصلاح الصحيح لنظمنا الاجتماعية، وبين الشخصية السياسية الدولية لروسيا السوفيتية.

    فنحن نستطيع أن نكره الشيوعية، ونحتفظ بصلات المودة والتعاون في السياسة والتجارة مع روسيا السوفيتية. والبريطانيون أنفسهم يصنعون ذلك، فهم يقاومون الشيوعية في بلادهم، وهم يمضون الاتفاقات التجارية مع روسيا، والفرنسيون يصنعون ذلك وأمريكا نفسها تود لو تستطيع أن تصنع ذلك.

    ففرق إذن بين الدولة الروسية وبين النظام الشيوعي، نستطيع أن نكون أصدقاء للدولة الروسية وخصوصًا للنظام الشيوعي دون أن يكون علينا في ذلك حرج أو جُناح.

    والشيء الآخر الذي يجب أن نقره في نفوس المصريين ورءوسهم هو أن محالفة البريطانيين والأمريكيين في هذا الوقت ليس معناها إلَّا الانحياز إلى أحد الفريقين المختصمين، والتورط في كل ما ينتج من هذا الانحياز.

    ولسنا في حاجة إلى أن نخاصم الروس ولا أن نحاربهم، ما دمنا نستطيع أن نؤمن أنفسنا من نظامهم الاجتماعي، وليس الروس هم الذين يحتلون القناة وإنما يحتلها البريطانيون، والروس قد شاركوا في أوزار القضية الفلسطينية ولكن البريطانيين هم الذين أنشئوا هذه القضية وخلقوها خلقًا.

    فكل شيءٍ يأبى علينا مخاصمة الروس، وكل شيء يفرض علينا مخاصمة البريطانيين؛ حتى نستخلص منهم ومن حلفائهم حقوقنا وحقوق الشعوب العربية الأخرى.

    فليفكر المصريون في هذا كله، وليتدبروه، وليذكروا قول الشاعر القديم:

    قدِّرْ لِرِجْلِكَ قبل الخَطْوِ موضعَها فمَنْ علا زلقًا عن غرة زلجا

  • بيان

    بيان
    طه حسين
    جريدة صوت الأمة
    ٣ يناير ١٩٤٧

    هو البيان الذي ألقاه رئيس الوزراء مساء الثلاثاء في مجلس النواب عن قضية السودان؛ فأثار عاصفة من الهتاف وعاصفة أخرى من التصفيق، وأسال بعض الدموع على بعض الخدود. ثم لم يقف أمره عند هذا الحد، وإنما نشرته الصحف من الغد في كثير من الإعجاب والتقريظ، وأذاعه الراديو لا مرة ولا مرتين، بل مرات، حتى أذكرني قول الشاعر القديم:
    ألهى بني تغلب عن كل مكرمة قصيدة قالها عمرو بن كلثومِ
    يفاخرون بها مذ كان أولهم يا للرجال لشعر غير مسئومِ
    وعزيز عليَّ أن أُغضب رئيس الوزراء، وأن أُغضب مؤيديه ومعارضيه، وأن أُغضب الصحف التي اندفعت في الثناء والإطراء إلى غير حد، ولكن الحق يجب أن يقال، وإن أغضب هؤلاء السادة جميعًا. والحق أن رئيس الوزراء لم يقل شيئًا ذا خطر. وأشدُّ من هذا إمعانًا في الحق أن رئيس الوزراء لم يصنع شيئًا إلى الآن يمكن أن نرضى به أو أن نطمئن إليه، ويمكن أن يقال إنه تقدم بمسألة السودان، لا أقول قدر خطوة ولا أقول قدر أصبع، بل أقول قدر إيمانه.
    وما ينبغي أن نخدع أنفسنا بهذه الحماسة التي تثار في غير موضع للحماسة. فللجماعات حين تحيط بها بعض الظروف وتلم بها بعض الأحداث قوانينها التي تدفعها إلى الانفعال السريع، وتمعن بها في الحماسة التي لا تُغْنِي شيئًا.
    وليس من شك في أن الشعب المصري تُحِيط به في هذه الأيام ظروف خاصة فيها كثير من الحرج، تجعله شديد الاستعداد لسرعة التأثر وثوران العاطفة. فما زال النقراشي باشا وصدقي باشا والإنجليز بصبر هذا الشعب حتى نفد، وما زال النقراشي باشا وصدقي باشا والإنجليز على هذا الشعب حتى استخف، وما زال النقراشي باشا وصدقي باشا والإنجليز يُطمِّعون هذا الشعب حتى يظن أنه قد بلغ المنى وحقق الآمال، ويوئسون هذا الشعب حتى يظن أن مناه قد أصبحت أبعد منالًا من الثريا، وأن كرامته قد أصبحت أهون شأنًا من الثَّرَى.
    وما زال النقراشي باشا وصدقي باشا والإنجليز بهذا الشعب يطاولونه ويماطلونه ويداورونه ويناورونه حتى ضاق بكل شيء، وحتى أصبح ثائره أيسر وأسرع من كل شيء.
    وكان النوَّاب حين اجتمعوا في مجلسهم يوم الثلاثاء كغيرهم من أفراد الشعب قد ضاقت صدورهم بهذا كله، ونفد صبرهم على هذا كله. وكانوا يقدِّرون — في كثير الظن — أن النقراشي باشا سيقول لهم كما تعوَّد أن يقول كلامًا غامضًا مبهمًا لا يدل على شيء إلَّا على الخوف والضعف والتهالك، فلما قال لهم كلامًا واضحًا لا غموض فيه، صريحًا لا إبهام فيه، أنكروا أنفسهم وأنكروا صاحبهم، وملك الدهش عليهم أمرهم. فاندفعت الأكفُّ بالتصفيق، وارتفعت الأصوات بالهتاف، وما هي إلَّا أن أمست الجلسة رائعة بارعة، وقيل إنها ستسجَّل في التاريخ. ونحن الذين لم يحضروا الجلسة ولم يسمعوا صوت النقراشي باشا وهو يلقي بيانه الخطير، ولم يشهدوا تأثُّر النواب وتحمسهم ثم ارتفاع أصواتهم بالهتاف واندفاع أيديهم إلى التصفيق، وإنما قرأنا البيان في هدوء ومهل، وفي تأمل وتفكير، ثم قرأنا ما يثر حوله من القول، وما كتب حوله من الفصول؛ نستطيع أن ننشد باسمين قول أبي العلاء:
    تثاءب عمرو إذ تثاءب خالد بعدوى فما أعدتني الثؤباء
    ذلك أن رئيس الوزراء لم يقل في بيانه شيئًا يدعو إلى التحمُّس أو يرد إلى القلوب قليلًا أو كثيرًا من الاطمئنان، وإنما أعلن إلى النوَّاب وغيرهم من المصريين أنه يشك — كما يشك غيره من أبناء الشعب منذ زمن طويل — في حسن نية الإنجليز بالقياس إلى السودان، وأنه يرى الإنجليز — كما يراهم غيره من أبناء الشعب منذ زمن طويل — طامعين في السودان، حراصًا على استعماره والاستئثار به، مجتهدين في أن يفصلوه عن مصر، ويشجعوا بعض أهله على الرغبة في الانفصال والمطالبة به والإلحاح فيه.
    هذه هي الخلاصة الخالصة لبيان رئيس الوزراء. وكان يقال في قديم الزمان إن الحكم الصحيح إنما هو تعرف المستقبل والاحتياط له قبل وقوعه. وكان من الطبيعي فيما أعتقد أن يكون النقراشي باشا وأشباهه من الذين ينهضون بأمور الحكم في هذه الأيام أذكى وأفطن وأنفذ بصيرة من أن تفجأهم الحوادث، وتدهمهم الخطوب، وتأخذهم الملمات وهم لا يشعرون.
    وليصدقني القرَّاء إن قلت لهم إني لا أقضي العجب من سذاجة رئيس وزرائنا إن كانت صادقة أو متكلفة؛ فكل مصري يعرف أن الإنجليز يطمعون في السودان، ويريدون أن يستأثروا به، ولم يلتقِ مصريان إلَّا تحدث أحدهما إلى صاحبه بسوء نية الإنجليز وسوء تدبيرهم في كل ما يتصل بقضية وادي النيل، سواء منها ما يمس الجنوب أو ما يمسُّ الشمال، فإذا استكشف رئيس وزرائنا آخر الأمر ما يعرفه المصريون جميعًا منذ كانت معاهدة سنة ١٨٩٩؛ فقد يحقُّ لنا أن نهنئه بهذه البراعة النادرة، وبهذه السذاجة التي إن دلَّت على شيءٍ فإنما تدل على أنه أقل الناس صلاحًا للنهوض بأعباء الحكم، فضلًا عن النهوض باستخلاص حقوق مصر من الإنجليز.
    أم نرى النواب قد تحمسوا وهتفوا وصفَّقوا لأن رئيس الوزراء تحدَّث إلى السفير البريطاني بما يخامر نفسه الطيبة وقلبه السليم من الشك في حسن نية الإنجليز وبراءة سياستهم من الميل إلى فصل السودان، وإغراء السودانيين بطلب الانفصال؟! فليعذرني النواب إن قلت إنهم يسيئون الظن بالنقراشي باشا إلى أبعد ما يكون سوء الظن من الحدود.
    فقد تولى النقراشي باشا وزارته هذه الثانية ليحلَّ الأزمة التي أثارها صدقي باشا حول قضية السودان، وكان من الطبيعي أن يتحدث في هذه الأزمة إلى السفير البريطاني، وإلى من هو أعلى مقامًا من السفير البريطاني، وفيمَ يمكن أن يكون الحديث إلَّا في أن سياسة البريطانيين في السودان — ولا سيما منذ ذهب صدقي باشا إلى لندرة — تدلُّ على أنهم غير مخلصين ولا ناصحين ولا صادقين؟
    وإذن؛ فما الذي صنع النقراشي باشا إلى الآن؟! أو ما الذي قال النقراشي باشا إلى الآن؟! رجل تولى الحكم ليحل أزمة معقدة بيننا وبين الإنجليز، فتكلم في هذه الأزمة مع السفير البريطاني، وقال للنوَّاب بعض حديثه مع السفير؛ أي غرابة في هذا؟! وأي شيء في هذا يدعو إلى التحمس وإلى الهتاف وإلى التصفيق؟! ثم ماذا قال النقراشي باشا للسفير البريطاني آخر الأمر؟ قال له إنه ليشك في السياسة البريطانية نحو السودان؛ لأن سيرة الحاكم وتصريحاته تدل على أن الإنجليز يمكرون بمصر والسودان جميعًا. وهذا شيء تكتبه الصحف كلَّ يوم مصبحة وممسية، وطلب إليه أن تصرِّح بريطانيا العظمى بأنها لا تريد فصل السودان، ولا تعمل على تشجيع المطالبين بهذا الفصل. وهذا شيءٌ تطلبه الصحف في كل يوم مصبحة وممسية، ولا ينتظر من رئيس وزارة أن يطلب أقلَّ منه. وربما كان أهم من هذا كله أن نعرف ماذا قال السفير البريطاني للنقراشي باشا بعد أن سمع منه هذا الكلام، لم يقل له شيئًا؛ لأن النقراشي باشا أنبأنا وأنبأ النواب بأنه ما زال ينتظر ردَّ السفير. أليس من حقِّنا أن نسأل عن هذه الحماسة ما مصدرها وما معناها وما غايتها؟ أليس من حقِّنا أن نخاف أشدَّ الخوف من أن يظن بنا الإنجليز أننا أصحاب سذاجة تخدعنا الألفاظ، ويُرضينا زخرف القول، ويمكن أن نقنع بالقليل من الصيغ التي لا تقدِّم ولا تؤخِّر ولا تُغْنِي شيئًا؟!
    لقد كدت أنسى أمرًا خطيرًا جدًّا، خطيرًا إلى أبعد غايات الخطورة؛ وهو هذا الحل الرائع الذي تبرَّع به النقراشي باشا من عند نفسه لمشكلة قاضي القضاة في السودان. ألم يعرض النقراشي باشا على السفير أن يُبقي قاضي القضاة في منصبه على أن تدفع مصر مرتبه؛ لتستطيع حكومة السودان أن تعيِّن بهذا المرتب موظفًا قضائيًّا كبيرًا من السودانيين؟ أرأيت أبرع من هذا الحل؟ أرأيت أمهر من هذه المهارة؟ أرأيت أفطن من هذه الفطنة؟ رئيس وزرائنا يبتدئ فيسلم للحاكم العام بما يريد، ويعرض عليه حلًّا من عنده، وهو أن تدفع مصر مرتب القاضي إن كان في دفع هذا المرتب ما يعين على حل المشكلة.
    أيصدر هذا العرض عن سياسي محنك مؤمن بحقه مصمم على الاستمساك بهذا الحق، أم يصدر عن خائف واجف يريد أن يرقع الفتق قبل أن يتَّسِع، وقبل أن يظهر عليه الناس فيظنُّوا به الظنون؟
    كلَّا أيها السادة، دعونا من الحماسة الثائرة والعواطف الفائرة والهتاف والتصفيق، وردُّوا نفوسكم إلى أحلامها، واذكروا قبل كل شيء أن حاكم السودان ثائر على صاحب العرش المصري الذي عيَّنه، فيجب أن يُبعد عن منصبه إبعادًا لا إمهال فيه، وأن المطالبين بالانفصال من أهل السودان ثائرون على صاحب العرش المصري الذي له في أعناقهم جميعًا — كما له في أعناق المصريين والسودانيين جميعًا — عهدٌ يجب أن يُرعى، ويجب أن يُعاقب الناكثون له والخارجون عليه.
    بهذا يجب أن يطالب النقراشي باشا، وفي هذا يجب أن يُلِحَّ، وعلى هذا يجب أن يصر، ولا ينبغي له أن يرضى حتى يصل إليه، ولا ينبغي للمصريين أن يرضوا عن رئيس وزارتهم حتى يصل إليه.
    وهذا كله شيء، وقصة المفاوضات بيننا وبين الإنجليز شيءٌ آخر؛ فنحن الآن أمام مشكلة طارئة هي مشكلة هذا الحاكم العام الذي يثور ويشجع على الثورة. فإذا حُلَّت هذه المشكلة وأُبعِد هذا الحاكم العام، ورُدَّ الثائرون إلى الطاعة والصواب؛ رجعنا إلى مواقفنا من المفاوضات. والنقراشي باشا يعلم حق العلم — كما يعلم الإنجليز حق العلم — ماذا يقبل المصريون وماذا يرفضون.

  • تهنئات …

    تهنئات …
    طه حسين
    جريدة صوت الأمة
    ٥ أكتوبر ١٩٤٦

    حياتنا المصرية رائعة كأروع ما تكون حياة الشعوب، تجري أمورها كلها على خير ما يمكن أن تجري الأمور!

    وقد قال الحكيم القديم: ليس في الإمكان أبدع مما كان. فكل شيء في مصر بديع يجب أن نبتسم له ونبتهج به ونتبادل التهنئة؛ لأن حياتنا لم تصل إلى أكثر مما وصلت إليه من السوء، ولم تَنْتَهِ إلى شر ما انتهت إليه من النكر.

    وليس في الحياة خيرٌ إلَّا ومن الجائز أن لم يوجد خير أكثر منه وأبعد منه أثرًا، وليس في الحياة شرٌّ إلَّا ومن الجائز أن يكون هناك شرٌ آخر أبغضُ منه وأعظم منه نكرًا. فأيسر ما يجب على الرجل الفطن أن يستقبل الحياة راضيًا بها مطمئنًّا إليها، وأن يحمد الله على أنه لم يصبه بِشَرٍّ مما هو فيه ولم يمتحنه بأسوأ مما يقاسيه.

    والواقع أن مصر شهدت أسبوعًا حافلًا بجلائل الأعمال وعظائم الأمور، يجب أن تهنأ به حقًّا، وأن تُهنَّأ به تهنئة خالصة صادقة لا تحفُّظ فيها ولا احتياط؛ فقد أدت الهيئات المصرية كلها واجباتها كأحسن ما تُؤدَّى الواجبات، وخير ما يهنأ به الإنسان تأديته للواجب ونهوضه بالحق واحتماله للتبعات.

    وأنا من أجل هذا أكتب هذا المقال راضي النفس باسم الثغر، أريد أن أرضي الناس جميعًا ولا أسوء منهم واحدًا، وأن أهنئ الناس جميعًا ولا أعزي منهم أحدًا. فكل شيء في مصر يدعو إلى الرضا، وكل شيء في مصر يدعو إلى تبادل التهنئة.

    أدت هيئة المفاوضات واجبها كأحسن ما تُؤدَّى الواجبات؛ فقد اختصمت وأمعنت في الاختصام، وقد تجادلت وأغرقت في الجدال. وأي قيمة لهيئة المفاوضات إذا لم تختصم فتمعن في الخصومة ولم تشتجر فتغلو في الشجار؟!

    لو أن رئيس الوزراء أملى على زملائه إرادته وظفر منهم بالرضا والإذعان لهنئناه وحده بهذا الفوز، ولرثينا لزملائه من هذا الخضوع، ولكن رئيس الوزراء أراد فأطاعه قوم وعصاه آخرون، فمن الحق أن نهنئ المطيعين بطاعتهم وأن نهنئ العصاة بمعصيتهم. أولئك خدموا أشخاصهم وأحزابهم كما استطاعوا، وهؤلاء خدموا أشخاصهم وأمتهم كما استطاعوا، وأولئك وهؤلاء يستحقون التهنئة لأنهم أرسلوا أنفسهم على سجيتها.

    وأي شيء أحق بالتهنئة من أن يمضي الإنسان إلى غايته في غير التواء ولا عوج؟!

    وأحقُّ الناس بالتهنئة هذا المثلث الخطير الذي يأتلف من رئيس الوزراء ومن رئيس الحزبين الخطيرين اللذين يستأثران بالكثرة في مجلس النواب. هذا المثلث الخطير تضامن فأحسن التضامن، وتعاون فأتقن التعاون، وقرر أن يمضي في الشوط إلى غايته، وأن يحتمل التبعة مهما تكن ثقيلة محرجة. أراد أن يرفق بالإنجليز حتى لا تُقطَع المفاوضات؛ لأنه يرى في قطع المفاوضات خطيئةً كبيرةً وإثمًا عظيمًا.

    وقد ثبت لغضب الغاضبين وسخط الساخطين وهياج الهائجين، ثم دبر الأمر فأحكم تدبيره وقدره فأحسن تقديره. فأمَّا رئيس المثلث فاستقال، وأمَّا صاحباه فثبتا في موقفهما لم يَحِيدا عنه إلى يمين ولا إلى شمال، وليس المهم أن تتحد الكلمة ويأتلف الرأي وتجتمع الصفوف، وتقف مصر متحدة أمام الإنجليز كما تقف بريطانيا العظمى متحدة أمام المصريين.

    ليس هذا هو المهم، وإنما المهم أن يتصل حبل المفاوضات ولا ينقطع، وأن تبقى الوزارة في مناصب الحكم ولا تزول عنها. وقد ظفر المثلث بالأمرين جميعًا، فحبل المفاوضات موصول إلى أن يقطعه الإنجليز، والوزارة مستقرة في مناصبها على رغم ما يكتنفها من الأحداث حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.

    فمن حق هذا المثلث أن نقدِّم له التهنئة الخالصة؛ لأنه أراد فبلغ ما أراد!

    وهناك مثلث آخر ليس أقل استحقاقًا للتهنئة من المثلث الأول، وهو هذا الذي يتألف من أصحاب المقام الرفيع والدولة والسعادة: شريف صبري، وحسين سري، وعلي الشمسي. فهذا المثلث قد خاصم المثلث الأول فأمعن في الخصومة، وقاومه فأمعن في المقاومة، واضطره آخر الأمر إلى أن يكشف عن نيته ويلقي آخر ما في يده من الأوراق؛ فيستقيل رئيسه ويستمسك طرفاه الآخران، ويلغي التقاء الهيئتين المتفاوضتين.

    ويسافر الوفد البريطاني، وتُوقَف المفاوضات حتى يقطعها الإنجليز، ويُدفَع عن مصر شرٌّ عظيم كانت توشك أن تتورط فيه.

    فهذا المثلث الثاني قد أخطأ حين مضى مع المثلث الأول إلى تلك المذكرة البغيضة التي قُدِّمَتْ إلى الإنجليز، ولكنه محا هذه الخطيئة وغسل عن نفسه وضرَّها بموقفه الأخير، واسترد حريته كاملة، وحاول أن يوحد الكلمة ويؤلف القلوب … وليس عليه بأس من أنه لم ينجح؛ فقد حاول الخير ما استطاع فلم يجد إليه سبيلًا؛ فلنهنئ هذا المثلث بخروجه من خطيئة المفاوضات، ولنهنئه بما تفضَّل به عليه رئيس الوزراء من المدح والثناء حين اتهمه بمتابعة الشهوة ومسايرة الأهواء.

    وكان من الممكن أن يكون هذا المثلث مربعًا لو أن صاحب الدولة عبد الفتاح باشا يحيى حضر الجلسة الأخيرة لهيئة المفاوضات، ولكنه لم يحضرها لمرضه. وماش الأخير من لاش، وقد حرص الرجل على أن يؤيد أصدقاءه ويشاركهم فيما قدم إليه رئيس الوزراء من تحية، فأصبح هذا المثلث مربعًا منذ اليوم.

    وكل شيء جائز، فمن الممكن أن يصبح هذا المثلث مربعًا اليوم ومخمسًا غدًا، فمن يدري؟! لعل رفعة ماهر باشا أن ينضم إليه فيصبح شكلًا مخمس الأضلاع، وقد لا ينضم رفعته إلى هذا المربع فيبقى أمة وحده فيما يلتزم من حياد غامض أو غموض محايد، كما أن مكرم باشا قد ظل أمة وحده فيما التزم من هجوم صريح لا تعريض فيه ولا تلميح.

    فهيئة المفاوضات كلها كما نرى خليقة بالتهنئة، وإن اختلفت طبيعة التهنئة وأسبابها. على أن هناك هيئة أخرى جديرة بالتهنئة، وهي هيئة الوزارة التي جاهدت كما لم يجاهد أحد، وانتصرت كما لم ينتصر أحد، وتفوقت كما لم يتفوق أحد. قيل لها مساء السبت إن استقالتها قد رُفِعَتْ إلى حضرة صاحب الجلالة الملك، فقالت: آمين. وقيل لها مساء الثلاثاء إن استقالتها قد رُدَّت إلى رئيس الوزراء، فقالت: آمين! وقال أحد أعضائها في ظُرف: لا أعلم إلَّا أني أصبحت ذات يوم فقيل لي إني لست وزيرًا، وأمسيت ذات يوم فقيل لي إني عُدت وزيرًا!

    وكما أن الناس يُهنَّأون بالجراءة والإقدام، فهم يُهنَّأون كذلك بالتواضع والاستسلام.

    فلنهنِّئ رئيس الوزراء بإقدامه، ولنهنئ زملاءه باستسلامهم. على أنهم لم يستسلموا جميعًا، فقد شذَّ منهم وزيران في آخر لحظة؛ أحدهما أستاذنا الجليل نائب رئيس الوزراء، رضي الاستقالة وفرح بها في أكبر الظن، وقال لنفسه: بلاءٌ ردَّه الله عنَّا، ومحنة وقانا الله شرَّها. فلما رأى الوزارة عادت إليه قال: حوالينا ولا علينا. وأرسل استقالته إلى رئيس الوزراء، وقطع عليه طريق المراجعة بهذا الحديث الذي أذاعه في الصحف وأسلمه إلى شركات البرق، وسجل فيه سخطه على سياسة الوزارة وتضامنه مع المنشقين من هيئة المفاوضات.

    فقد ينبغي أن نسمي هؤلاء السادة — ولا أقول هؤلاء الباشوات كما قال رئيس الوزراء — بهذا الاسم الذي كاد المصريون أن ينسوه وهو اسم المنشقين. فقد انشق صدقي باشا على سعيد يومًا ما؛ فانشق عليه نفرٌ من أصحابه الآن، وشتَّان بين انشقاق وانشقاق.

    شذَّ إذن أستاذنا الجليل عن زملائه، وانشق على رئيسه، فعزم بعد تردد وأقدم بعد إحجام، واستحق على هذا كله تهنئة خالصة.

    ولست أدري، لعل العدوى أن تكون قد انتقلت منه إلى زميله الأستاذ سابا حبشي باشا وزير التجارة؛ فقد انشق مع المنشقين واستقال مع المستقيلين، ويُقال إنه لم يَرْضَ عن هذه الوزارة التي تُؤخَذ منه وتعود إليه دون أن يكون له في ذلك رأي، وكذلك هنَّأ المحجمون بإحجامهم والمقدمون بإقدامهم والمترددون بترددهم، لا لشيء إلَّا لأنهم يرسلون أنفسهم على سجيتها، ويجرون طبيعتهم كما تستطيع أن تجري.

    وقد يُخيَّل إليَّ أن هناك قومًا آخرين يستحقون التهنئة لأنهم هم أيضًا أرسلوا نفوسهم على سجيتها، وأجروا طبائعهم إلى غايتها، وهم هؤلاء السادة الذين يؤلفون الوفد المصري، ويدورون حول مصطفى النحاس كما السوار حول المعصم. فقد قيل لهم في أبريل الماضي: تعالوا نشترك في المفاوضات. فقالوا: على أي أساس؟ وقالوا: لا نشترك في المعوج من الأمر. ثم قيل لهم في هذه الأيام الأخيرة: تعالوا نصلح ما فسد ونستدرك ما فات. فقالوا: على أي أساس؟ وقالوا: لا نحب الطرق المعوجة ولا السبل الملتوية، وإنما نريد أن نستأنف الأمر كأن لم يكن شيء من قبل.

    ثم قالوا لمصر: لا محالفة مع الإنجليز إلَّا أن تصدر هذه المحالفة عن حرية صحيحة واعتراف صريح بالحق، ولا حرية إلَّا أن يتحقق الجلاء، ولا اعتراف بالحق إلَّا أن تتم وحدة وادي النيل.

    وقالوا لمصر: لا تغامري ولا تقامري ولا تجعلي من نفسك خادمًا للإنجليز.

    وقالوا لمصر: إن أمر القناة كأمر الدردنيل، لا ينبغي أن يكون الدفاع عنه مشتركًا، ولا مقسمًا، ولا وسيلة إلى التدخل في الشئون الوطنية الخاصة، وما ينبغي أن تكون مصر أقل شعورًا بالعزة من تركيا، وما ينبغي أن تخاف مصر من الإنجليز أكثر مما يخاف الترك من الروس، وما ينبغي أن نصدق الإنجليز حين يقولون لنا إن الدفاع عن القناة يجب أن يكون مشتركًا بيننا وبينكم؛ لأنهم يقولون للترك إن الدفاع عن الدردنيل يجب أن يكون مقصورًا عليكم من دون الروس؛ فهم يخدعوننا من غير شك أو يخدعون الترك من غير شك.

    هم يخدعون على كل حال، وما ينبغي أن نؤمِّن للمخادعين.

    قال رئيس الوفد وزملاؤه: هذا كلام مرسلين أنفسهم على سجيتها، مُجْرِين طبائعهم إلى غايتها، منكرين للطرق المعوجة والسبل الملتوية والعبث بحقوق الشعب وكرامته. ويُخيَّل إليَّ أن هذا الشيء يستحق أن تُقدَّم من أجله التهنئة إلى هؤلاء السادة.

    أمَّا التهنئة كل التهنئة، التهنئة الخالصة من كل زيغ، البريئة من كل لبس، النقية كأنها وجه الشمس في يوم صحو واعتدال، فهي التي نقدمها إلى مصر؛ لأن حقائق الأشياء وحقائق الناس قد عُرِضت عليها الآن واضحةً جليةً وناصعةً صافيةً، لا تحتمل شكًّا ولا ريبًا. فمصر ترى الطريق إلى الكرامة والحرية والاستقلال، وترى الذين يسلكون بها هذه الطريق، ومصر ترى الطريق إلى الذلة والهوان والاستعباد، وترى الذين يسلكون بها هذه الطريق، ومصر ترى طريق التردد والخوف والإشفاق، هذه الطريق التي تنتهي آخر الأمر إلى الذلة والهوان والاستعباد، وترى الذين يسلكون بها هذه الطريق.

    ومصر تستطيع الآن، بعد أن تبيَّنت لها الحقائق ناصعة صافية، أن تختار وأن تعلم وتؤمن بأن الله يبين الخبيث من الطيب، وبأن الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبأن الشعب الكريم هو الذي يتجنب مواطن الشبهات، ويمقت الذين يدعونه إلى مواطن الشبهات.

  • إجماع …

    إجماع …
    طه حسين
    جريدة صوت الأمة
    ٢١ أغسطس ١٩٤٦

    يقال: إن السادة المفاوضين قد ائتلفوا بعد اختلاف، واتفقوا بعد افتراق، وأصدروا قرارًا إجماعيًّا سيبلغ إلى الإنجليز ثم يذاع في المصريين. وقد وُصف هذا الإجماع بأنه وطني عظيم، وبأنه مطابق لأماني مصر. وقد خُيِّل إلينا حين سمعنا هذا الكلام أن السادة المفاوضين عادوا إلى الصواب بعد أن أمعنوا في الخطأ، وثابوا إلى الحق بعد أن لجُّوا في الباطل إلجاجًا. وقرروا بإجماع الآراء ألا مفاوضة مع الإنجليز حتى يقبلوا الجلاء معجلًا لا مؤجلًا، وحتى يعترفوا بوحدة وادي النيل في ظل عرش واحد هو عرش مصر وتاج واحد هو تاج مصر، وحتى يعدلوا عن هذه الشركة البغيضة وعن هذا المجلس البغيض الذي ينظم الدفاع عن مصر؛ فيلغي استقلالها إلغاءً، ويضع الأصبع الإنجليزية — بل اليد الإنجليزية كلها — في المرافق المصرية مهما تختلف ومهما تتنوع.

    وفهمنا كذلك أن السادة المفاوضين قد قرروا بالإجماع ألا يقحموا مصر في مشكلات الإمبراطورية البريطانية، قريبةً كانت هذه المشكلات من مصر أو بعيدة عنها، وألا يخوضوا ببلادهم غمرات الحرب إلا حين تكون مصر المعروفة بحدودها الجغرافية معرضة للخطر المباشر القريب.

    فهمنا هذا كله فرضينا وابتهجنا، ولكن رضانا وابتهاجنا لم يتصلا إلَّا دقائق معدودات. فقد فسَّر لنا المفسِّرون أن السادة المفاوضين لم يجمعوا على شيء من هذا ولا على شيء قريب من هذا، وإنما أجمعوا على الاستمساك بذلك الاقتراح الذي قدموه إلى الإنجليز، وزعموا أنه آخر ما يستطيعون أن يقدموه. وقبلوا فيه مجلس الدفاع وقبلوا فيه تأجيل المفاوضات المفصلة في شئون السودان، وحددوا فيه أمد الجلاء بعام واحد فيما يقال. وعرَّضوا فيه مصر لخوض غمارات الحرب حين تثار الحرب في البلاد المتاخمة دون البلاد المجاورة … إلى آخر هذا الكلام الفارغ الذي يقطع الشعرة أرباعًا، ويبحث عن الظُّهر في الساعة الرابعة عشرة كما يقال! لم يجمع السادة المفاوضون على خير إذن، وإنما أجمعوا على شر عظيم؛ أجمعوا على الكارثة التي تخذي مصر وتغض من قدرها وتضيِّع حقَّها وتجعلها ضحكة للعالم الغربي البعيد وللعالم العربي القريب. والناس قد يجمعون على الخير؛ فيرضون عن أنفسهم ويرضى عنهم الناس. ولكنهم قد يجمعون على الشر؛ فلا يرضى عنهم أحد. ثم يختلفون بعد ذلك: فمنهم من يرضى عن نفسه؛ لأنه لا يحفل بخير ولا بشر، ولا يحفل بأحد غير نفسه، ولا يعنيه أن يرضى الناس عنه أو يسخطوا عليه. ومنهم من ينكر نفسه أشد الإنكار، ويضيق بها أشد الضيق؛ لأن له ضميرًا يعرف الحياء ويعرف الندم، ويعرف أن النفس أمَّارة بالسوء، ويعرف أنها ضعيفة أمام بعض الظروف، فهو يذعن في النهار ويندم في الليل، وهو يأثم اليوم ويبكي غدًا، ثم يتوب حين لا تغني التوبة عن أصحابها شيئًا. وليس المهم أن يرضى السادة المفاوضون عن أنفسهم أو أن يسخطوا عليها، وأن يكون منهم الراضي ومنهم الساخط، وإنما المهم ألا يخدع المصريون عن حقِّهم، وألَّا تغرهم الأماني والآمال والدعاوى العراض تذاع في شمال الوادي وجنوبه.

    فالمصريون يعرفون حقَّهم كما يعرفون أنفسهم، والمصريون يعرفون الكيد الذي يُكاد والأمر الذي يُراد. وهم يعرفون الضمائر المرنة كما يعرفون الضمائر الصلبة. وهم يفرِّقون بين الجِدِّ والهزل كما يفرِّقون بين الذين يقدمون على الجد والذين يتخذون أمور الحياة لعبًا وهزءًا. المصريون يعرفون أنهم لا يريدون مشاركةً مع الإنجليز لا في الدفاع عن مصر ولا في غير الدفاع عن شئون مصر. ويعرفون أن وحدة وادي النيل حق لوادي النيل وحق لعرش وادي النيل. فالتفريط فيها تفريط في حق الأمة وفي حق العرش جميعًا. والمصريون يعرفون أنهم لا يريدون أن يكونوا جنودًا للبريطانيين، يسفكون دماءهم للدفاع عن مصالح الإمبراطورية البريطانية في البلاد المتاخمة أو المجاورة أو البعيدة. المصريون يعرفون هذا كله كما يعرفون أنفسهم، ولا يرضون من السادة المفاوضين إلا أن يجمعوا على هذا كله لا يختلفون منه في قليل أو كثير. فأمَّا أن يجمع المفاوضون على الاقتراح الذي قدموه أو يختلفوا في هذا الاقتراح، وأمَّا أن يجمع المفاوضون على المقترحات البريطانية أو يختلفوا فيها، فسخف لا يعني المصريين في قليل ولا كثير؛ لأن الحلال بيِّن والحرام بيِّن، والمصريون يعرفون ما يريدون، ولا يعنيهم أن يتورط السادة المفاوضون فيما يتورطون فيه من شبهات.

    ومع ذلك فمن الإجماع ما يحزن، ومن الإجماع ما يضحك. وإجماع السادة المفاوضين على ما أجمعوا عليه أمس من هذا النوع الثاني. فهم كانوا مختلفين منذ عاد سفيرنا من لندرة، وكان اختلافهم شديدًا وكان خطيرًا إن صحت الأنباء.

    فقد قيل: إن رئيس الوزراء كان يرى قبول المقترحات البريطانية التي حملها إليه السفير، وأنه بذل جهدًا غير قليل ليقنع بذلك زملاءه المفاوضين؛ فاستجاب له بعضهم وامتنع عليه بعضهم الآخر. فلما استيأس من الممتنعين وأعياه إقناع المفاوضين جميعًا؛ حاول إقناع الوزراء، فأتيح له من ذلك ما أراد، وأجابه مجلس الوزراء إلى إجماع كامل شامل يناقض بالضبط إجماع المفاوضين أمس.

    وكذلك وقف مجلس الوزراء في ظل إجماع رائع، ووقف السادة المفاوضون في ظل إجماع آخر ليس أقل منه روعة. المجلس يقبل المقترحات البريطانية بالإجماع، وهيئة المفاوضين ترفضها بالإجماع، ورئيس الوزراء متفق مع المجلس في إجماعه؛ لأن إجماع المجلس لا يتم إلا باتفاقه، وهو متفق مع هيئة المفاوضات في إجماعها؛ لأن إجماعها لا يتم إلا باتفاقه.

    وإذن، فهو يقبل المقترحات البريطانية ويرفضها، واجتماع الضدين مستحيل فيما يقول أرسطوطاليس، ولكن أرسطوطاليس يقول أيضًا: إن الضدين لا يجتمعان إذا اختلف المكان، فرئيس الوزراء يقبل المقترحات في مجلس الوزراء، ورئيس الوزراء يرفض المقترحات في هيئة المفاوضات. وإذا اختلف المكان أو اختلف الزمان لم يجتمع الضدان، والمكان مختلف كما ترى، وليس الزمان أقل من المكان اختلافًا. فرئيس الوزراء كان يقبل المقترحات البريطانية إلى الساعة الحادية عشرة من صباح أمس، ثم أصبح يرفض هذه المقترحات حين انتصفت الساعة الأولى بعد ظهر أمس، المكان مختلف والزمان مختلف؛ فلم يجتمع الضدان ولم يتورط رئيس الوزراء ولا وزير الخارجية في هذا المجال الذي يأتي من اجتماع الضدين. ومجلس الوزراء قابل للمقترحات البريطانية منذ جلسته الأخيرة، ولكنه سيرفضها — بإذن اللَّه — في جلسته المقبلة. سيتحقق التضامن الوزاري من جهة، وليتحقق التضامن بين المجلس وبين هيئة المفاوضات من جهة أخرى.

    وإذا اختلفت العلة اختلفت النتيجة بطبيعة الحال. فقد كان مجلس الوزراء قابلًا للمقترحات؛ لأن رئيس الوزراء كان لها قابلًا، وسيصبح مجلس الوزراء رافضًا للمقترحات؛ لأن رئيس الوزراء أصبح لها رافضًا. والشيء المحقق هو أن هناك إجماعين كلاهما يَسرُّ القلوب ويُسري عن النفوس. والمصريون في حاجة إلى ما يَسرُّ قلوبهم ويُسري عن نفوسهم في هذه الأيام الشداد، التي ينذرهم فيها الفيضان بشر مستطير. فليبتهج المصريون بإجماع أمس كما ابتهجوا بإجماع مجلس الوزراء منذ أيام، وكما سيبتهجون بإجماع مجلس الوزراء غدًا أو بعد غدٍ.

    صنع اللَّه لمصر! متى يأخذ الساسة أمورها على أنها جدٌّ لا لعب؟ ومتى يريحها اللَّه من هذه المغامرات؟ ومتى تجتمع كلمة الكثرة والقلة على الشيء الطبيعي الوحيد الذي لا ينبغي أن يكون فيه خلاف، وهو أن الشرط الأساسي لإمكان المفاوضات الحرة المنتجة إنما هو جلاء الإنجليز قبل كل شيء عن وادي النيل؟

    هنالك — وهنالك ليس غير — نستطيع أن نفاوض الإنجليز لنحالفهم أحرارًا، فنقبل الحلف أو نرفضه. فأمَّا أن يجثم العدو على صدرك، ويضع السكين على عنقك، ويدعوك إلى مفاوضة حرة؛ فهذا هو الذي لا يكون إلَّا في مصر، ولا يعرضه إلا الإنجليز!