مشكلة الشرق
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
١٤ أكتوبر ١٩٤٥
ليست المشكلة الخطيرة مقصورة على أوروبا، فللشرق مشكلاته أيضًا، وليست مشكلات الشرق بأهون شأنًا، ولا أقل خطرًا على التعاون الدولي من مشكلات الغرب. وليس من شك في أن للحياة الأوروبية الجديدة المعقدة أشد التعقيد، خطرها وأثرها البالغ في مستقبل التوازن الدولي، ولكن ليس من شك أيضًا في أن الحياة الشرقية الجديدة معقدة شديدة التعقيد، وفي أنها مصدر لمصاعب ستؤرق ساسة الغرب، وستكلفهم ألوانًا من العناء؛ ذلك لأن حياة العالم، كما قلنا غير مرة، لم تقم قط، ولا يمكن أن تقوم على العزلة والانفصال، وإنما هي تقوم على ارتباط المنافع، وتبادل المصالح، واشتباك الاتجاهات، مهما تختلف ومهما تتباين. وإذا أحس العالم شيئًا من الضعف أو الاضطراب، أو فساد الأمر في أي ناحية من نواحيه؛ فسيكون لهذا كله أثره القوي أو الضعيف في حياة العالم كلها. والمسألة المهمة الخطيرة الآن هي أن الصلة بين الشرق والغرب كانت تقوم في العصر الحديث على أن الشرق كان ضعيفًا خاملًا، وعلى أن الغرب كان قويًّا ذكيًّا، واسع الحيلة، بارعًا في الاستغلال، قادرًا على تحقيق ما يريد. ولكن الأمور أخذت تتغير شيئًا فشيئًا منذ القرن الماضي، وأخذ هذا التغير يزداد قوة وسرعة منذ الحرب العالمية الأولى، ثم وصل الآن من القوة والسرعة إلى حدٍّ لا سبيل إلى إهماله أو الإغضاء عنه، ولا بدَّ من أن يحسب له الحساب كل الحساب. فقد كانت شئون الدولة العثمانية ذات الأطراف المترامية في القارات الثلاث القديمة، هي التي تشغل أوروبا في القرن الماضي، فكان هذا الشرق وحدة يمثلها الباب العالي، وكانت أوروبا تتفق وتفترق حول مطامعها ومنافعها، والسياسة التي تدر هذه المنافع، وتحقق تلك المطامع بالقياس إلى الرجل المريض كما كانوا يسمون الدولة العثمانية في ذلك الوقت.
أمَّا بعد أن انتهت الحرب العالمية الأولى، فلم تبقَ هناك وحدة مريضة يمكن أن تختلف حولها المنافع والمطامع. وإنما نشأت وحدات كثيرة ناهضة تسعى متثاقلة إلى كسب حقوقها، والظفر باستقلالها. وكانت الدولة التركية نفسها في أعقاب الحرب العالمية الأولى، أهم هذه الوحدات وأعظمها خطرًا، فقد أخلفت ظن أوروبا، وأثبتت للغرب أنها تستطيع أن تفقد إمبراطوريتها، وأن تحيا مع ذلك حياة قوية خصبة يرهب جانبها، ويحسب لها في السياسة الدولية حسابها.
فهي قد ألقت عن نفسها أثقال المرض، وتخلصت من أعباء الخمول، ونهضت بعد الهزيمة نشيطة أبية، فردت المغير عن أرضها، ورفضت معاهدة سيفر، واضطرت الغرب إلى أن يعقد معها معاهدة لوزان. ثم لم تلبث أن بيَّنت للغرب أنها بعد أن عادت إلى حدودها، وعكفت على نفسها، وأصلحت من أمرها، ما زالت قوة عاملة في التوازن الدولي، وإذا أوروبا تفاوضها في أمر المضايق، ثم تتنافس في محالفتها حين تظهر بوادر الحرب العالمية الثانية. وإذا تركيا تقوم بين ألمانيا وأعدائها ذلك المقام المعروف الذي امتاز بالقوة والحزم، كما امتاز بالبراعة والدهاء. وكان الغرب يقدر في أكبر الظن أن الإمبراطورية التي تخلت عنها تركيا ستصبح نهبًا مقسمًا بين المنتصرين، ولكن الحوادث كذبت الآمال وأخلفت الظنون، وأظهرت أن هذه الإمبراطورية لا تريد أن تُنهب، ولا أن تُقسَّم، وإنما تريد أن تسترد حقوقها المضيعة واستقلالها المغصوب. والناس جميعًا يعرفون كيف ثارت مصر حتى ظفرت ببعض حقها، وما زالت تطالب بما بقي من هذا الحق، وكيف سلكت سوريا ولبنان والعراق نفس الطريق، وكيف تطورت جزيرة العرب حتى انتهت إلى استقلالها الرائع الذي تتمتع به الآن.
ثم كانت الحرب العالمية الثانية، فاضطرت أوروبا في أثناء هذه الحرب إلى أن تنظر إلى هذا الشرق نظرة جديدة تخالف نظرها إليه فيما مضى، نظرة قوامها التحبب والتقرب والاسترضاء، والإسراف في بذل الوعود. وربما كان من الحق أن أوروبا لم تحسن قط درس نفسية الشعوب الشرقية وتمعن حقائقها، فقد ظنَّت أوروبا في جميع صلاتها بالشرق أنها تستطيع أن تَعِدَ اليوم لتخلف غدًا، وأن تسجِّل الآن لتنسى بعد حين، وقدَّرت أن الشرق يمكن أن يسمع ثم ينسى ما سمع، وأن يتلقى الوعود، ثم يتجافى عن تحقيق هذه الوعود. ومع أن ثورة الشرق العربي بين الحربين قد كانت خليقة أن تقنع أوروبا بأن الشرق يجدُّ حين يهزل الغرب، وبأنه لا يتلقَّى الوعود إلا منتظرًا لتحقيقها، مصممًا على هذا التحقيق، فإن أوروبا ما زالت إلى الآن ماضية في سياسة الوعود التي تُبذل الآن لتنسى غدًا، وفي سياسة الاعتماد على النسيان، والاشتغال بما يطرأ من الحوادث والخطوب. وهي من أجل ذلك قد همت أن تهمل في أعقاب هذه الحرب ما وعدت به حين كانت نار الحرب مضطرمة تملأ الأرض شررًا ولهيبًا، فنبهها الشرق العربي إلى أن عهد هذا الإهمال قد مضى وانقضى، وإلى أن الصلة بين الشرق والغرب يجب أن تقوم منذ الآن على الجِدِّ الذي لا لعب فيه. وكانت مشكلة سوريا ولبنان دليلًا واضحًا على أن الشرق العربي قد أخذ أمره بالحزم، وصمم على ألا يكون استقلاله كلامًا، وعلى ألا تكون حقوقه موضوعًا للمداورة والمناورة.
وكذلك وضعت المشكلات الشرقية في وضعها الصحيح الدقيق، سواء أرضيت بذلك أوروبا أم لم ترضَ، وسواء أصدقت ذلك أوروبا أم لم تصدقه.
وكان الأوروبيون ينظرون إلى جامعة الأمم العربية نظرة فيها كثير من العطف والاستعلاء، وفيها كثير من الاستهانة والاستخفاف. ولكن الحوادث أظهرت لأصحاب البصيرة من الأوروبيين أن الشعوب العربية لا تعبث ولا تلهو، ولا تتخذ الجامعة مرآة تكتفي بالنظر فيها، وإنما تتخذها أداة لبلوغ الأهداف وكسب الحقوق. وقد يكون من الحق أن الحكومات العربية لم تبلغ من تقديرها للجامعة ما بلغته الشعوب، ولكن الحكومات تتغير، والشعوب تبقى، والشيء الذي ليس فيه شك هو أن الشعوب العربية على اختلافها، وتباين طبقاتها مؤمنة إيمانًا عميقًا بحقها في الاستقلال أولًا، وبواجبها في التعاون ثانيًا، وبأنها لن تطمئن؛ حتى تحمل أوروبا بالرضا أو بالكره على أن تعترف لها بحقها في الكرامة والحرية والاستقلال.
وما أشك في أن أوروبا ستخادع نفسها وقتًا طويلًا أو قصيرًا، وستخادع الأمم الشرقية وقتًا طويلًا أو قصيرًا أيضًا، ولكني لا أشك في أن أوروبا ستنتهي راضية أو كارهة إلى مواجهة الحقائق الواقعة، والاقتناع بأن الخداع لن يغني عن الحق شيئًا.
وليس من شك في أن لأوروبا آمالًا ومطامع ومنافع في الشرق العربي؛ فالشرق طريقها إلى إمبراطورياتها المختلفة، وفي الشرق كنوز تعرفها أوروبا حق المعرفة، ولا تستطيع أن تستغني عنها. وقد كان لأوروبا سلطان على الشرق، لا تستطيع أن تدعه في سهولة ويسر. ولكن أوروبا ستعلم حق العلم — إن لم تكن قد علمت بالفعل — أن بلوغ الآمال، وتحقيق المنافع، والوصول إلى إمبراطورياتها، كل ذلك يمكن أن ينال من طريق المودة والألفة والتعاون، وكل ذلك يتعرض للخطر كل الخطر إذا أريد تحقيقه من طريق البأس والبطش والتغلب. وستعلم — إن لم تكن قد علمت بالفعل — أن هناك أشياء يفقدها الناس، ويجب أن يتعزَّوا عن فقدها؛ لأن طبيعة الأشياء تقتضي ذلك، وأن السلطان بعض هذه الأشياء. وقد تسلطت أوروبا على الشرق حينًا، ثم آن لسلطانها أن يزول، وقد أخذ يزول بالفعل شيئًا فشيئًا، ولا بد من أن ينتهي إلى الزوال التام، فخير لأوروبا أن تستقبل العالم الجديد بعقول جديدة وقلوب جديدة، وأن تقيم الصلة بينها وبين الشرق على التعاون الصادق الذي يقوم على النصح والإخلاص، لا على الخداع والرياء.
هذا التعاون هو الذي يؤمن طرق المواصلات، وهو الذي يمكن من استخراج الكنوز، واستغلالها لمصلحة الشرق والغرب جميعًا، وهو الذي يكفل للعلاقات الاقتصادية والثقافية نموًّا مضطردًا، وتنتهي بها إلى هذه الغاية التي تطلبها الحضارة منذ زمن بعيد، وهي غاية التكافؤ في الحقوق والواجبات، والعمل على تحقيق الرقي الإنساني المستمر.
وليست مشكلات الشرق مقصورة على دولة بعينها من الدول الكبرى، ولكنها شائعة بين الدول الكبرى جميعًا، وبين دول الشرق جميعًا.
فهناك مشكلات بين روسيا وتركيا، ومشكلات أخرى بين روسيا وإيران. ولبريطانيا العظمى والولايات المتحدة الأمريكية آراؤهما في هذه المشكلات، وليس المهم أن يتغلب رأي هذه الدولة أو تلك، وإنما المهم أن تحفظ لتركيا وإيران كرامتهما وحقوقهما بالقياس إلى هذه الدول جميعًا، ولمصلحة العالم كله كذلك.
ومثل هذا يُقال في الصلات بين الأمم العربية وبين الدول الكبرى، فلبريطانيا العظمى موقفها من مصر والعراق: احتلال قديم هنا يجب أن ينتهي، وانتداب قديم هناك يجب أن تزول آثاره. ولفرنسا مشكلتها في سوريا ولبنان، ويجب أن تحل هذه المشكلة حلًّا نهائيًّا حاسمًا لا لعب فيه ولا مداورة.
ولأمريكا آمالها ومنافعها الاقتصادية في كل هذه البلاد، فيجب أن يقوم تحقيق هذه الآمال والمنافع على المودة والاحترام، والاعتراف بتكافؤ الحقوق.
ولروسيا نظراتها هذه التي تبلغ الشرق العربي من حين إلى حين، فيجب أن تكون هذه النظرات صافية نقية بريئة من الريب والشكوك. ويجب أن تفهم الدول الكبرى أنها تخطئ خطأ نفسيًّا خطيرًا إذا اعتقدت أنها تستطيع أن تمضي في تنافسها القديم حول بلاد الشرق، فقد انقضى عصر هذا التنافس القديم.
وهناك مشكلتان خطيرتان إحداهما تشغل العالم كله الآن، والأخرى تشغله بين حين وحين، ولا بد لهما من حل حاسم يرد الأمر إلى نصابه بين الشرق والغرب. إحدى هاتين المشكلتين: مشكلة فلسطين، هذه التي توشك أن تشغل الرأي العالمي عن كل شيء. والغريب من أمر هذه المشكلة أنها مصطنعة قد اختُرعت اختراعًا، وابتكرها الغرب من لا شيء، وكانت نتيجة لهذا التورط في الوعود التي تُبذل بغير حساب أثناء الحرب! فقد عاش العالم قرونًا على أن فلسطين جزء طبيعي من العالم العربي، يعيش الناس فيه كما يعيشون في أقطار البلاد العربية عيشة عادية لا عوج فيها ولا التواء. ولكن الحرب العالمية الأولى اخترعت هذه المشكلة الجديدة اختراعًا، واستخرجت من وهم الشيطان هذه الفكرة التي أحدثت الفرقة، وأفسدت الأمر بين الشرق والغرب إفسادًا عظيمًا. ومن الحق أن الذين اخترعوا هذه المشكلة يجب عليهم أن يحلوها، وأن يريحوا العالم، ويريحوا أنفسهم منها، فقد كانت فلسطين وما زالت عربية، فيجب أن تبقى فلسطين عربية، وأن تخلص لنفسها، وأن تدبر أمرها كما تريد هي، لا كما يريد هذا البلد أو ذاك من بلاد أوروبا وأمريكا.
على هذا النحو وحده يجب أن تُحل هذه المشكلة، بل يجب أن تلغى هذه المشكلة إلغاء؛ لأنها مشكلة غير طبيعية، مشكلة جاءت من التكلف والتحكم، لا من الحقائق الواقعة، ولا من طبيعة الأشياء.
وفي الأرض مشكلة يهودية جاءت من ظلم بعض البلاد الأوروبية وتحكمها، فهي مشكلة أوروبية يجب أن تحلها أوروبا على حسابها هي، لا على حساب غيرها من الناس. ولأوروبا مستعمرات واسعة، وإمبراطوريات هائلة تسع الملايين والملايين من اليهود دون أن تجد في ذلك ضيقًا أو جهدًا، فلتعتمد أوروبا على هذه المستعمرات لحل هذه المشكلة، فهي التي ظلمت اليهود واضطرتهم إلى الهجرة، وهي التي امتحنت العالم بهذه المشكلة المعقدة التي اخترعتها اختراعًا.
أمَّا المشكلة الثانية فمستقرة في شمال أفريقيا، فالشرق العربي لا ينتهي عند مصر، ولكنه ينتهي عند المحيط الأطلنطيقي. كذلك نظرت إليه أوروبا في القرون الوسطى، وكذلك نظرت إليه في العصر الحديث، وكذلك ننظر نحن إليه منذ استقر العرب في شمال أفريقيا في آخر القرن الأول للهجرة، وكذلك ننظر إليه الآن. وهذا الجزء من الشرق العربي يخضع الآن لما كنَّا نخضع له نحن من التسلط الأجنبي، وهو يستمتع بمثل ما نستمتع به نحن من الحياة والنشاط، والشعور بالحق في الكرامة والاستقلال. ونحن نشاركه في هذا الشعور، ونطلب له مثل ما نطلب لأنفسنا، ونرى أن حل مشكلات الشرق لن يتم إلا إذا حُلت مشكلة هذا الجزء من شمال أفريقيا. ونرى أن جامعة الأمم العربية لن تتم إلا إذا مُثل فيها هذا الجزء من شمال أفريقيا. فإذا نصحت أوروبا لنفسها وللشرق، فالخير أن تنظر إلى هذه المشكلات كلها كما ننظر نحن إليها، وأن تواجهها بمثل ما نواجهها به من الحزم، والرغبة الخالصة في حلها على هذا النحو الذي صورناه من التعاون والإخلاص. على أن أوروبا تستطيع أن تخدع نفسها، وأن تخدع غيرها، فستشقى هي أولًا بهذا الخداع، وقد يكون من الخير أن تسبق أوروبا الحوادث المكروهة المنكرة، وأن تتعجل إقرار الأمر بينها وبين الشرق على المودة والإخاء. فإذا قصرت أوروبا في ذلك، فمن الحق علينا نحن ألا نقصر فيه، وأن نذكر دائمًا أن مشكلاتنا مهما تختلف ومهما تتباين، فهي في حقيقة الأمر مشكلة واحدة، ولن تستقيم أمور العالم الجديد إلا إذا أُتيح لشاطئ البحر الأبيض المتوسط هذا الاستقلال الذي يستمتع به الشاطئ الأوروبي وحده، ويجب أن يستمتع به الشاطئ الأفريقي والآسيوي.
وبدون هذه المساواة لن يستقيم الأمر بين الشرق والغرب، ولا سيما بعد أن تبين أن عهد التسلط والتغلب قد انقضى بالقياس إلى هذه الأقطار العربية منذ عهد بعيد.
Tag: colonialism
-
مشكلة الشرق
-
مساومات
مساومات
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
٢٣ سبتمبر ١٩٤٥
لم ترخص حياة الناس قط كما رخصت في الحرب العالمية الثانية، ولم ترخص كرامة الشعوب قط كما رخصت في السلم الجديد؛ فقد كانت نفوس الناس تزهق، ودماؤهم تُراق، ومرافقهم تُدمر، وآمالهم تُحطم بغير حساب أثناء الحرب.
وكان هذا كله يحدث حين تقتضيه الحرب وحين لا تقتضيه، كانت الضحايا تقدم في البر والبحر والجو من الجنود والمحاربين، وكانت الضحايا تقدم في المدن والقرى من المدنيين الذين يقدر لهم الأمن، ويفرض أنهم بمعزل من العاديات. ثم كان الألمان واليابانيون يقدمون الضحايا التي لا تُحصى بعشرات الألوف من الأسرى الذين كان يُظن أن الحرب انتهت بالقياس إليهم، وكان هذا كله يدل على شيء واحد، وهو أن الإنسانية المتحضرة قد فقدت رشدها، وجن جنونها، واندفعت بها غرائزها الجامحة إلى الهول الهائل الذي لا يُبقي ولا يذر.
ثم وضعت الحرب أوزارها، وخيل لمن بقي على الأرض أن النفوس قد عُصمت، وأن الدماء قد حُقنت، وأن الأمن أصبح مكفولًا للجنود والمدنيين على السواء. وقد يكون هذا حقًّا، فقد كفَّت المدافع عن ضجيجها، وردت السيوف إلى أغمادها، ولم يصبح الجو والبحر ضميرًا غامضًا كضمير الغيب يمكن أن يتكشف بين لحظة وأخرى عن طائرات تصب الهول من أطباق السماء، أو غائصات تقذف الموت من أطباق الماء.
وظن من بقي على الأرض أن هذه الأهوال المنكرة قد كانت ثمنًا غاليًا لعالم جديد يستقر فيه السلم والأمن، وتحفظ فيه الشعوب كرامتها وحرماتها، ولم لا يظن الناس ذلك وقد تحدث القادة إليهم به حديثًا متصلًا مكررًا معادًا ستة أعوام كاملة؛ حتى أصبح تشرشل وستالين وروزفلت وترومان واتلي وغيرهم من القادة والسادة رسل الحياة الكريمة الآمنة لشعوب الأرض جميعًا، دون تفريق بين قوي وضعيف، ولا بين كبير وصغير.
ولم تمض على انقضاء الحرب أسابيع حتى أخذت الظنون تكذب، وأخذت الآمال تخيب، وأخذت بعض الصحف البريطانية تعلن خيبة الأمل وكذب الظن، وما يملأ النفوس من حسرات، وأخذت المنشستر جارديان تلح على بريطانيا العظمى في أن تحتفظ بيدها نقية من هذه الآثام التي يوشك الطمع أن يقترفها هنا وهناك في هذا الجزء أو ذلك من أقطار الأرض.
وقد ظن الناس أن الذين ائتمروا في بوتستدام إنما ائتمروا ليقروا الأمن والسلم والعافية والكرامة لأهل الأرض جميعًا، حتى الذين دارت عليهم دوائر الحرب، واضطروا إلى الهزيمة والاستسلام، ثم ظن الناس أن هؤلاء المؤتمرين قد وضعوا الأسس لهذه الحياة الجديدة الكريمة، ثم أنشئوا مجلس وزراء الخارجية، وكلفوه أن يجتمع في لندرة لينسق وينظم، ويبين لكل أمة مكانها المقسوم لها في هذه الجنة التي فُقدت، ثم وُجدت، والتي سيثمر فيها الحق والعدل والإنصاف ثمرات لم تخطر قط للناس على بال.
وقد اجتمع مجلس وزراء الخارجية، وأخذ يقسم الجنة على سكانها، فإذا الجنة توشك أن تكون جحيمًا للمنتصرين والمنهزمين، وللأقوياء والضعفاء على السواء! فأما المنتصرون فيشقون بهذه الغنائم الكثيرة التي تملأ نفوسهم طمعًا وجشعًا وبطرًا وأشرًا، والتي لا يعرفون كيف يقسمونها فيما بينهم؛ لأن كل واحد منهم يريد أن يختص نفسه بنصيب الأسد، وأن يترك لغيره نصيب الثعلب وابن آوى.
وأما المنهزمون فيعذبهم ما يتعرضون له من هذا الصراع العنيف حول أجزائهم الممزقة، وأشلائهم المفرقة، يعرفون أنهم مأكولون، ولكنهم لا يعرفون من سيأكلهم، وهناك آخرون لم ينتصروا ولم ينهزموا، ولكنهم مع ذلك سيشقون كما يشقى المنتصرون، أو كما يشقى المنهزمون، سيعذبهم الطمع فيما لا حق لهم فيه، أو سيعذبهم الخوف مما لم يكن ينبغي أن يخافوه. فكلها أنباء تأتي من لندرة إن دلت على شيء فإنما تدل على أن في لندرة الآن سوقًا عظيمة للبيع والشراء، وفي هذه السوق تباع حقوق الشعوب وتُشترى، وتخضع لمساومة رائعة أقل ما توصف به هو أنها لا تتصل بالمحافظة على كرامة الشعوب من قريب أو بعيد.
وهذه المساومات ألوان وأشكال، مساومات بين المنتصرين، ومساومات بين المنهزمين، ومساومات بين المحايدين، فمثلًا من الذي يدبر أمور المستعمرات الإيطالية في أفريقيا؟! أيدبرها مجلس دولي يرأسه حاكم عام؟ ولكن كيف يُختار الحاكم العام؟ أو من أي أمة يُختار؟ أيُختار من الأمم المنتصرة؟ وإذن فمن أيها؟ أيكون بريطانيًّا؟ أيكون روسيًّا؟ أيكون أمريكيًّا؟ أم يُختار من الأمم المنهزمة؟ وإذن فما قيمة الانتصار؟ أم يُختار من الأمم المحايدة؟ وإذن ففيم سفكت الأمم المحاربة دماء أبنائها؟
وهذا المجلس الدولي للوصاية، كيف يُؤلف؟ ومن أي الأمم يختار أعضاؤه؟ من الأمم المنتصرة أم من الأمم المنهزمة، أم من الأمم المحايدة، أم من الأمم المحررة؟ وتستطيع أن تدور في هذه الدائرة كما يدور فيها مجلس وزراء الخارجية حتى يتعبك الجهد، ويأخذك الدوار. أم يوكل تدبير هذه المستعمرات إلى وصاية فردية تنهض بأعبائها دولة منتصرة؟ وإذن فأي الدول المنتصرة يمكن أن تنهض بهذه الأعباء؟ بريطانيا العظمى التي غزت ليبيا وطردت منها المنهزمين؟ والتي لا تكره أن تتخذ من طرابلس قاعدة بحرية لها خطرها إذا انضمت إلى مالطة؟ والتي لا تكره أن تتخذ من برقة قواعد لقواتها في البر والبحر والجو تراقب منها مصر إن قضت الظروف عليها بالجلاء عن مصر؛ فهي قد تستطيع هذا الجلاء، ولكنها تفضل أن تجلو إلى الغرب لتستقر في برقة، وإلى الشرق لتستقر في فلسطين، وبذلك تكون قريبة جدًّا من صديقتها وحليفتها مصر، تجيبها عند أول دعوة، وتطير لنصرها عند أي عدوان.
أم توكل هذه الوصاية إلى روسيا، فقد سئمت روسيا هذه العزلة في أرضها الواسعة التي فصلت من البحر الأبيض المتوسط فصلًا عنيفًا، وقد طال شوقها إلى البحر الأبيض المتوسط، وحنينها إلى أن تستقر على بعض سواحله؟ ولبريطانيا العظمى مستعمرات، ولها بلاد تديرها بنظام الانتداب، وليس لروسيا مستعمرات، وهي لا تريد استعمارًا، ولكنها دولة منتصرة من حقها أن تنتدب كما ينتدب غيرها، وهي دولة متحضرة من واجبها أن تحضر الشعوب كما تحضرها الدول الأخرى.
وبريطانيا العظمى تحضر شعوبًا كثيرة، ولها مراكز ممتازة على البحر الأبيض المتوسط، فهل يستكثر على روسيا أن تحضر الشعب الليبي؟ وأن تستقر في هذا الجزء من ساحل بحر الروم؟ على أن أمريكا ليست أقل استحقاقًا للانتداب من هاتين الدولتين، ولا هي أقل منهما استعدادًا لتحضير الشعوب، فلِمَ لا تنتدب في ليبيا؟ وإن كانت لا تطلب هذا الانتداب، وليس من الضروري أن تطلبه، فإن أيسر الذوق يقتضي أن يقدم إليها مجاملة لها، وتقديرًا لجهودها، وتشجيعًا لها على خدمة أوروبا في السلم كما خدمتها في الحرب. وفرنسا جارة لليبيا، والجارة أحق بالشفعة، فلم لا تُنتدب فرنسا لإدارة ليبيا؟ ومصر كذلك جارة ليبيا، وليس حقها في الشفعة بأقل من حق فرنسا؛ فلتُقسم الأرض بين فرنسا ومصر، فتدير فرنسا مستعمرة طرابلس، وتدير مصر مستعمرة برقة.
وقد كاد المتساومون في لندرة ينسون التاريخ، فذكرتهم اليونان بأنها كانت تملك في قديم الزمان، وسالف العصر والأوان، مستعمرة خطيرة الشأن في برقة، وهي بعدُ دولة من دول البحر الأبيض المتوسط يميل أهلها إلى الهجرة ميلًا شديدًا، وقد شاركت في الحرب أي مشاركة، وشارك أبناؤها في غزو برقة مع الجيش الثامن، ألا يكون من المعقول أن تمنح قطعة من الأرض تقيم عليها مستعمرة في العصر الحديث كما أقامت مستعمرتها في العصر القديم؟!
والأمريكيون لا ينسون التاريخ، ولا يكرهون الرحمة والإنصاف، وهم يذكرون أن الإمبراطورية الرومانية القديمة قد ملكت ليبيا، وأن إيطاليا الحديثة قد استعمرتها، وأن إيطاليا المنهزمة تستحق العقاب، ولكن في شيء من الرحمة، فلنُكلِّف إيطاليا إدارة ليبيا بشرط أن تقدم حسابًا عن هذه الإدارة إلى مجلس الوصاية الذي تمثل فيه الأمم المتحدة.
وبينما القوم في هذا كله، وإذا بأصدقائنا الترك يُذكِّرونهم في ابتسامة حلوة بأن إيطاليا إنما اغتصبت ليبيا منها اغتصابًا؛ فقد كان الترك أصحاب الأمر والنهي في هذه الأرض إلى أن اعتدى عليها الإيطاليون سنة ١٩١١، فلِمَ لا تُردُّ ليبيا إلى أصحابها؟ ولم لا يخفق العلم التركي على طرابلس وبني غازي وطبرق؟ ومن أوضح الأشياء أن المصريين قد سيطروا على ليبيا في كثير من العصور: في العصر القديم، وفي القرون الوسطى، وقد كانت الدولة الفاطمية في القاهرة تبسط سلطانها العظيم على ليبيا.
هذه أشياء لا يشك فيها المؤرخون، ومن حق مصر أن تحيي تاريخها، ومن حقها على كل حال أن تُؤمِّن حدودها؛ لذلك تقدمت في كثير من الذوق والأدب؛ لأن المصريين أصحاب ذوق وأدب، وفي كثير من الاستحياء؛ لأن الذين يستحون قد ماتوا جميعًا، ولم يبق منهم إلا المصريون! تقدمت مصر إذن في ذوق وأدب واستحياء تطلب الوصاية على ليبيا إذا لم يكن بد من الوصاية، وتطلب في ذوق وأدب واستحياء واحترام أن يُستفتى أهل ليبيا، فلعلهم يريدون الاستقلال، ومصر لا تكره أن تراهم مستقلين، وأن تراهم أعضاء في جامعة الأمم العربية، ولكن العصر الذي نعيش فيه ليس عصر ذوق وأدب واستحياء، وإنما هو عصر ينجح فيه الذين قست قلوبهم، وجفت طباعهم، وغاض ماء الحياء من وجوههم؛ ولذلك ابتسم المنتصرون لمصر ابتسامة ظريفة، وأعرضوا عمَّا طلبت من الوصاية، وتجافوا عمَّا عرضت من الاستفتاء والاستقلال.
واستُبعد أكثر المقترحات التي عرضتها عليك في هذا الفصل، ولم يبق إلا اقتراح واحد، وهو أن تخضع ليبيا للوصاية، ولكن من يكون الوصي؟ أتقول روسيا: أنا، وتقول لها بريطانيا العظمى: لا، وتحاول الأخرى أن تلتمس وسيلة للتوفيق بين الحليفتين العظيمتين؟ فأما الشعب الليبي نفسه فلم يسأله أحد، ولن يسأله أحد؛ لأنه لم ينتصر، ولم ينهزم، ولم يحايد، وإنما كان موضوعًا للصراع بين المنتصرين والمنهزمين، كان موضوعًا للصراع أثناء الحرب، وسيظل موضوعًا للصراع أثناء السلم. بذلك جرى القلم، وبذلك حكم القضاء.
والذي يحدث بالقياس إلى ليبيا يحدث بالقياس إلى كثير من أجزاء الأرض في جميع البلاد التي اختلف عليها المنتصرون والمنهزمون، بحيث لو أردت أن أعرض عليك ألوان المساومة حول شرق أفريقيا، وحول البلقان، وحول الحدود الإيطالية اليوجسلافية، وحول حدود ألمانيا من جميع جهاتها، وحول أقطار الشرق الأقصى على اختلافها، لاضطررت إلى أن أضع لك مجلدًا ضخمًا يملأ نفسك سأمًا ومللًا.
فهذه هي الحياة الجديدة التي كتبت للعالم الجديد، ليست إلا صورة مطابقة للحياة القديمة التي عذبت العالم القديم. وإذن فقد كُتب على الإنسانية أن تحيا حياة قوامها العذاب، وأي غرابة في هذا؟ ما أكثر ما يقترف الإنسان من الجرائم والآثام! وما أجدره أن يعاقب على جرائمه وآثامه! فتقوم حياته القديمة والجديدة على الظلم والجور، وعلى القوة والبأس، وعلى المساومة والبيع والشراء. تباع حياة أفراده بأرخص الأثمان وقت الحرب، وتباع كرامة شعوبه بأرخص الأثمان وقت السلم، وليس له من ذلك مخرج؛ لأن أبا العلاء لم يخطئ حين قال:
وهل يأبق الإنسان من ملك ربه فيخرج من أرض له وسماء -
مستقبل الاستعمار
مستقبل الاستعمار
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
٢٦ أغسطس ١٩٤٥
كانت وعود الحلفاء أثناء الحرب حين كانت الخطوب تتلاحق، والكوارث تتابع، والمحن يقفو بعضها إثر بعض …
كانت وعود الحلفاء رائعة حقًّا؛ فهم قد ضمنوا للعالم سلامًا دائمًا، وأمنًا متصلًا من العدوان والحرمان والخوف والجوع، واستمتاعًا مستقرًّا بحرية الرأي والقول والعمل والدين.
وكانت هذه الدعوة الرائعة ملحة تتكرر في كل يوم، لا يدار مفتاح الراديو إلا سُمعت من المذيعين، ولا تنشر صحيفة إلَّا قُرِئتْ فيما يذاع من المقالات المُدبَّجة، والفصول المنمقة، والأخبار الطوال، حتى استيقن أصحاب السذاجة وأصحاب الثقافة الممتازة، والذين يتوسطون بين أولئك وهؤلاء، أن هذه الوعود ستصبح حقائق واقعة متى وضعت الحرب أوزارها.
وقد وضعت الحرب أوزارها، وأخذ قادة العالم الجديد يضعون أسس العالم الجديد، واتجهت العقول والقلوب والأبصار والأسماع إلى سان فرانسسكو لترى فَجْرَ عالم العدل والأمن والحرية، ولتتنسم هذا النسيم الجديد الذي يملأ النفوس رضًا وبهجة وأملًا، ولكنها ارتدت خاسرة حاسرة، وبائسة يائسة؛ فقد وضعت أسس العالم الجديد، ولم يُضمَن فيها للناس أمن من خوف ولا من جوع، كما لم يُضمَن للناس استمتاع بحرية أو استقلال، وإنما قام العالم الجديد على ما قام عليه العالم القديم من الأسس: توازن بين الأمم القوية من جهة، وتسلط على الأمم الضعيفة من جهة أخرى، واستغلال الشعوب المتأخرة في الحضارة من جهة ثالثة.
وإذن فستطلع الشمس وتغرب على نفس العالم الذي كانت تطلع عليه وتغرب من قبلُ لا يتغير إلا تغيرًا ضئيلًا ظاهرًا … فقد قلَّ عدد الأمم القوية فأصبحت ثلاثًا بعد أن كانت ستًّا أو سبعًا، وكثر عدد الأمم الضعيفة، وتفاوتت في الضعف؛ فمنها ما لا خطر له من قوة، ومنها ما له من القوة حظ متواضع، ومنها ما لا يخاف الآن، ولكنه سيخاف غدًا أو بعد غد، ومنها ما لا يخاف اليوم ولا غدًا ولا بعد غد …
أمَّا الشعوب التي كانت خاضعة للاستعمار فظلت خاضعة للاستعمار، ولكن الأمر فيها يختلف اختلافًا شديدًا، فقد همَّت بعض الأمم المنتصرة أن تفكر في إصلاح حالها شيئًا ما، وأن تتحدث عن تهيئة مستقبل حسن لها في الغد القريب أو البعيد، ولكنها رُدَّت عن ذلك ردًّا عنيفًا، وتقرر في مؤتمر سان فرانسسكو أن ليس لأحد أن يتعرض للمستعمرات التي كانت في أيدي المنتصرين قبل الحرب. أمَّا مستعمرات الأمم المغلوبة فسيُنظر في أمرها؛ أي في تقسيمها بين المنتصرين، وفي طريقة إدارتها، وفي الغرض من هذه الإدارة …
وتقرر مجاراةً للرأي العام العالمي، وإرضاء للعدل والأخلاق، في ظاهر الأمر على أقل تقدير، أن الغرض الأساسي للاستعمار إنما هو الوصول بالمستعمرات إلى الاستقلال الذاتي في يوم من الأيام. والمهم أن المؤتمرين في سان فرانسسكو تفرقوا دون أن يقدموا للعالم خطوة قريبة أو بعيدة نحو هذه الحرية الشاملة الكاملة التي وُعد الناس بها طوال ستة أعوام.
فالإمبراطورية البريطانية محتفظة بمستعمراتها القديمة، منتظرة ما سيضاف إليها من أملاك المغلوبين، والإمبراطورية الفرنسية محتفظة بمستعمراتها على شيء من الشك والتردد في مصير بعض هذه المستعمرات في الشرق الأقصى، وقل مثل ذلك بالقياس إلى هولندا وبلجيكا، والولايات المتحدة تنظر إلى الشرق الأقصى نظرة طامعة طامحة فيها كلف كثير، وشغف كثير، وعطف كثير على المستضعفين، وتنظر إلى الشرق الأدنى والشرق الأوسط نظرة فيها كثير من الحرص على تحقيق المصالح التجارية والاقتصادية بتأييد من النفوذ السياسي العظيم، وروسيا تنظر إلى الشرق الأقصى وإلى الشرق الأوسط كما تنظر إليهما الولايات المتحدة، فهي تحب الصين حبًّا جمًّا، وتعطف على إيران عطفًا عظيمًا، ولا تكره مداعبة جارتها تركيا. وكما أن الولايات المتحدة هي الزعيمة المستأثرة بالزعامة في القارة الأمريكية كلها، فقد يحسن أن تكون روسيا هي الزعيمة المستأثرة بالزعامة في شرق أوروبا ووسطها، وفي بلاد البلقان أيضًا. كل هذا على أساس العدل والأمن والحرية والمساواة بين الشعوب!
ومع ذلك فقد ظهر اتجاه جديد في الاستعمار لا يخلو من طرافة، وهو هذا الذي أذاعته الحكومة الفرنسية أمس الأربعاء. ولأجل أن نفهم طرافة هذا الاتجاه يحسن أن نتبين في شيء من الإيجاز الصورة القديمة للاستعمار، فقد عرف العالم المعاصر أنواعًا مختلفة من الاستعمار، أبسطها هذا الاستعمار الخالص الذي تخضع فيه المستعمرات خضوعًا مطلقًا لسلطان الأمم التي تستعمرها؛ فليس لهذه المستعمرات حق في أن تحكم نفسها، أو تدبر أمرها، أو تتصرف في شأن من شئونها، وإنما هو الاستغلال المطلق. وهذا النوع من المستعمرات شائع بين الإمبراطوريات الاستعمارية المعروفة؛ فلإنجلترا وفرنسا وهولندا وبلجيكا، بل لإسبانيا والبرتغال مستعمرات تستغلها على هذا النحو.
وهناك نوع آخر من المستعمرات له لون من الاستقلال الشكلي بشئونه الداخلية يطلق عليه أحيانًا اسم الحماية، وتطلق عليه أحيانًا أسماء أخرى، ولفرنسا وإنجلترا مستعمرات معروفة من هذا النوع الذي يستمتع بشيء من الشخصية، ولكنه لا يكاد يستمتع بشيء من الحق. على أن المثل الأعلى الذي وصل إليه العالم الحديث في الاستعمار هو هذا الذي حققته الإمبراطورية البريطانية بالقياس إلى مستعمراتها المستقلة، فكندا وأفريقيا الجنوبية وأستراليا وزيلندا الجديدة بلاد مستقلة استقلالًا داخليًّا تامًّا، لها نظمها البرلمانية الكاملة، وهي مستقلة استقلالًا خارجيًّا كاملًا أيضًا لا تحده إلا مصالح الإمبراطورية؛ فسياستها الخارجية يجب أن تكون متسقة مع السياسة الإمبراطورية الخارجية.
ومن أجل ذلك وُجد هذا النظام الرائع الذي يقضي بالتشاور بين الحكومة البريطانية في لندرة، وبين حكومات المستعمرات المستقلة في كل ما يتصل بالسياسة العالمية. فالصلة إذن بين بريطانيا العظمى وهذه المستعمرات أشبه بأن تكون صلة تحالف دقيق متين منها بأي شيء آخر.
وصاحب الجلالة البريطانية ملك لكل مستعمرة من هذه المستعمرات، كما أنه ملك للمملكة المتحدة.
وقد أنشأت الحرب العالمية الأولى نظام الانتداب، ولكنه نظام لم ينجح، وإنما أخفق إخفاقًا شنيعًا في بعض المواطن، وتحول إلى النظام الاستعماري القديم في بعضها الآخر. أمَّا الاتجاه الجديد، الذي استحدثته فرنسا وأذاعته أمس، فهو هذا الذي يرمي إلى أن تشترك أجزاء الإمبراطورية الفرنسية كلها في وضع النظام الدستوري الفرنسي الجديد، فسينتخب الفرنسيون في شهر أكتوبر المقبل أعضاء الجمعية التأسيسية التي تضع للجمهورية الرابعة دستورها.
وكان المنتظر أن يُقصَر حق العضوية في هذه الجمعية على الفرنسيين دون غيرهم من أهل الإمبراطورية، وكان المنتظر أيضًا أن تُعنى الجمعية التأسيسية إلى جانب الدستور الفرنسي الخاص بوضع نظام للإمبراطورية يحدد العلاقة بين فرنسا ومستعمراتها، وكان المنتظر كذلك أن يكون هذا النظام أدنى إلى الحرية والتسامح، وأشد تأثرًا بما يخضع له العالم من التطور الحديث، ولكن الفرنسيين خطوا خطوة لا تخلو من الجراءة حين أشركوا أجزاء الإمبراطورية في وضع الدستور الفرنسي، وفي وضع النظام الإمبراطوري أيضًا.
وقد علل المسيو جاكوبي، وزير المستعمرات، هذه الخطوة الجريئة في الإذاعة التي حملها إلينا الراديو أمس، بأن الإمبراطورية قد وفت لفرنسا في محنتها فقاومت الألمان والإيطاليين واليابانيين، كما قاومها الشعب الفرنسي نفسه، ثم أرسلت أبناءها إلى ميادين القتال في جميع أقطار الأرض، ثم أرسلت أبناءها إلى أوروبا لتحرير الشعب الفرنسي نفسه، وأعانته على طرد الألمان من الأرض الفرنسية، وما دامت الإمبراطورية قد نهضت بالواجبات التي نهض بها الشعب الفرنسي، فمن العدل أن تشترك في الحقوق التي يستمتع بها الشعب الفرنسي.
وكذلك سترسل المستعمرات نوَّابها إلى الجمعية التأسيسية، وسيختلف الانتخاب في هذه المستعمرات باختلاف حظوظها من الحضارة والرقي، فيكون عامًّا مباشرًا في بعضها، ويكون محدودًا غير مباشر في بعضها الآخر. والمهم هو أن الإمبراطورية ستُعامل معاملة الفرنسيين، فتستمتع بحقوقهم كما نهضت بواجباتهم. والفرنسيون أصحاب تجديد دائمًا، وقلما يمضي عصر من العصور دون أن يبتدعوا فيه شيئًا جديدًا، فخطوتهم هذه الجريئة لا تخلو من طرافة، ولكن إلى أي حد يمكن أن يقال: إن هذه الخطوة ستخفف من عنف الاستعمار، وستُرضي طموح المستعمرات إلى الحرية والاستقلال؟
هذه هي المشكلة الكبرى؛ فالفرنسيون فخورون بحقوقهم الوطنية، مكبرون لديمقراطيتهم، وحريتهم، ونظمهم الدستورية، ولكنهم قد يخطئون إن ظنوا أن الناس جميعًا يشاركونهم في هذا الفخر، ويشاطرونهم هذا الإعجاب. ومن المعقول أن يُؤثِر بعض الشعوب حياته المتواضعة ووطنيته اليسيرة، وأن يطمع في نمو طبيعي ملائم لتقاليده وعاداته وحضارته الموروثة، ويُؤثِر هذا كله على أن يشارك في الحقوق الوطنية الفرنسية. وليس من شك في أن الشعوب العربية التي تخضع للسلطان الفرنسي في أفريقيا الشمالية مثلًا تُؤثِر وجودها الشخصي العربي، واستمتاعها باستقلالها الخاص وتطورها في حدود ما ورثت من حضارة وتقاليد على أن تكون جزءًا مقوِّمًا للوطن الفرنسي العظيم.
ومن المحقق أن المراكشي يؤثر ألف مرة أن يكون مراكشيًّا مستقلًّا حليفًا لفرنسا أو صديقًا لها، على أن يكون فرنسيًّا له ما للفرنسيين، وعليه ما عليهم من الحقوق والواجبات.
فالخطوة التي اتخذتها فرنسا طريفة من غير شك، جريئة من غير شك، حسنة من غير شك، ولكن بشرط أن تكملها الجمعية التأسيسية، وأن تضع النظام الإمبراطوري الذي يسمح لبعض أجزاء الإمبراطورية بأن تحيا حياة مستقلة، تقوم على المحالفة والصداقة لا على الارتباط بحقوق الوطنية الفرنسية وواجباتها، وأكبر الظن أن العرب في شمال أفريقيا، وأن أهل الهند الصينية في الشرق الأقصى لن يرضوا بأقل من هذا.
فإذا كانت فرنسا تريد أن تستقبل العالم الجديد بشيء من الهدوء الذي يكفل لها استئناف حياتها المجيدة؛ فقد يظهر أنها مضطرة إلى أن تسير مع بعض الشعوب التي تشارك في الإمبراطورية الفرنسية، كما تسير بريطانيا العظمى مع كندا وأستراليا وغيرهما من المستعمرات المستقلة.
هذا من ناحية الحياة الفرنسية الخاصة، على أن هناك وجهًا آخر لمشكلة الاستعمار في مستقبل العالم الجديد، فقد أصبح الاستعمار بعد الحرب العالمية الثانية أساسًا من أسس التوازن الدولي خارج أوروبا، وقد ظهر بوضوح شديد حرص المنتصرين على تحقيق هذا التوازن، فقد تفوقت الولايات المتحدة في المحيط الهادي وفي الشرق الأقصى، ونظرت بريطانيا العظمى فإذا هي محتاجة إلى أن تسند نفسها بما يكفل التوازن بينها وبين حليفتها الأمريكية العظمى؛ ولذلك تغير اتجاه السياسة البريطانية نحو فرنسا تغيرًا سريعًا، ظهر في رسالة الملك جورج السادس إلى الجنرال دي جول بمناسبة استسلام اليابان، ولم يكد اتجاه بريطانيا العظمى يتغير نحو فرنسا حتى ظهر أثر ذلك في السياسة الأمريكية، وبعد أن كان الفرنسيون يضعون أيديهم على قلوبهم خوفًا على الهند الصينية، أصبحوا مطمئنين يشاركون في تلقي إذعان اليابان من جهة، وفي تنظيم شئون الشرق الأقصى من جهة أخرى.
وكذلك يقوم أمر الاستعمار على تحقيق التوازن خارج أوروبا بين هذه الدول الثلاث المنتصرة، كما يقوم أمر إنهاض أوروبا على تحقيق هذا التوازن نفسه، وفرنسا هي التي تُحقق التوازن بين الإنجليز والروس في أوروبا، وبين الإنجليز والأمريكيين في الشرق الأقصى، وإذا لم أُخطئ الفهم فسيلجأ العمال إلى فرنسا لتحقق التوازن بين الإنجليز والروس في الشرق الأوسط وفي الشرق الأدنى مُشتَرِكةً في ذلك مع تركيا.
والخلاصة أن مستقبل الاستعمار في العالم الجديد كماضي الاستعمار في العالم القديم، يقوم على التنافس وتعارض المنافع بين الأقوياء أكثر مما يقوم على النظر إلى حقوق الضعفاء؛ فعلى الأمم الضعيفة أن تختار بين اثنتين: فإما أن تكون نهبًا مقسمًا، وإما أن تكد وتجد وتشقى وتحتمل لتلقي في نفوس الأقوياء شيئًا من الاحترام يحملهم على أن ينزلوا عن بعض الأثرة، ويحسبوا لها بعض الحساب. -
الدكتاتورية الدولية
الدكتاتورية الدولية
طه حسين
جريدة الوفد المصري
٢٩ يونيو ١٩٤٥
لم يتلقَّ الناس مؤتمر سان فرنسسكو بما كان ينتظر أن يتلقَّوه به من غبطة وابتهاج، ولم يتتبعوا أعماله بما كان ينتظر أن يتتبعوها به من عناية واهتمام. ثم لم يستقبلوا ميثاقه بما كان ينتظر أن يستقبلوه به من رضًا وحبور. وإنما أحاط بالمؤتمر قبل انعقاده وأثناء انعقاده وبعد انفضاضه جو غريب خانق من التشاؤم والشك، ثم من الحذر والخوف، ثم من اليأس والقنوط.
وأسباب ذلك واضحة كل الوضوح، فقد كان المؤتمر الذي عقده الرؤساء الثلاثة في القرم تمهيدًا لسان فرانسسكو، وفهم الناس من هذا التمهيد أنه وضع للقواعد التي لا ينبغي للمؤتمرين في سان فرنسسكو أن يحيدوا عنها، وأنه فرض لإرادة المنتصرين الأقوياء على المنتصرين الضعفاء وعلى الذين لم يشتركوا في الحرب إلَّا حين كادت الحرب أن تنتهي. ومن أجل ذلك تمنعت فرنسا وترددت ورفضت ما عرض عليها من الاشتراك في الدعوة إلى المؤتمر، ولولا إشفاقها من العزلة وحرصها على المشاركة في كل عمل دولي رعايةً لمكانتها بين الدول الكبرى؛ لكان من الممكن أن تغلو في التردد والتمنع. فأمَّا غير فرنسا من الدول فقد أقبلت على المؤتمر كارهةً فاترةً كأنما كانت تساق إليه سوقًا، ودفعها إلى هذا الإقبال الاحتياط للمستقبل، والحذر من الحاضر، وحب الاستطلاع، ومجاراة القوي، والرغبة في أن يسمع العالم صوتها على كل حال.
وزاد في هذه الشكوك التي ملأت الجو حول المؤتمر قبل انعقاده ما قرره الثلاثة من أن المشاركة في هذا المؤتمر مقصورة على الذين شاركوا من الحرب، وأن من شاء من المحايدين أو من غير المحاربين أن يشارك في هذا المؤتمر فليس أمامه إلَّا طريق واحدة، هي أن يعلن الحرب على دول المحور بعد أن أوشكت الحرب أن تنتهي في أوروبا.
وكذلك دخلت تركيا ودخلت بلاد الشرق الأدنى ودخلت بعض الدول الأمريكية الجنوبية، وكان هذا كله نوعًا من الترغيب المريب أو نوعًا من الترهيب المخيف.
ثم انعقد المؤتمر ولم يكد يتقدم في عمله حتى ظهر الخلاف بين الدول الأوروبية والأمريكية الكبرى في مسائل كثيرة، وحتى تبين للناس أن المهم الخطير من أعمال المؤتمر إنما يدبر من دون الأستار لا على مشهد من كافة المؤتمرين، وحتى تبين للناس أيضًا أن الأمر كله إنما كان يدور على تحقيق التوازن بين مصالح الدول الكبرى دون عناية ظاهرة بآمال الدول الصغرى.
ومن أجل ذلك كان الخلاف يثور من حين إلى حين بين السكسونيين والروسيين، فيضطرب كل شيء ثم يقف كل شيء، حتى إذا استقامت الأمور وتراضى المختلفون جرت سفينة المؤتمر بريح مواتية. وكانت الدول الصغيرة ترفع صوتها بين حين وحين بهذا الرأي أو ذاك، فيسمع لها الكبار مبتسمين ثم يعرضون عنها مبتسمين، ثم يصرون على ما أرادوا مبتسمين، ثم تذعن الأمم الصغرى باسمةً مرة وعابسةً مرة أخرى، ولكنها تذعن على كل حال. ثم أتم المؤتمر عمله وأمضى ميثاقه؛ فلم تبتهج الأمم ولم تغتبط، وإنما قال المؤتمرون أنفسهم كلامًا يصور الغبطة والابتهاج. ثم تفرقوا وأُلقيَ الستار وجاءتنا الأنباء صباح اليوم من سويسرا بأن المحايدين والمحاربين في أوروبا تلقوا ميثاق المؤتمر في كثير جدًّا من الفتور.
وكذلك اضطربت الدنيا أشهرًا ثم عادت إلى السكون، وكأنها لم تضطرب. وقيل للناس: إن عالمًا جديدًا سينشأ في سان فرنسسكو، ثم رأى الناس أن سان فرنسسكو لم تزد على أن أعادت تنظيم العالم القديم. فلقي الناس ذلك كله، لا أقول بالفتور كما تقول الأنباء التي جاءت من سويسرا، وإنما أقول: بالحزن والابتئاس. فقد كان الناس ينتظرون شيئًا كثيرًا من انتصار الديمقراطية، وكانوا واثقين بأنهم سيبلغون ما كانوا ينتظرون، ثم نظروا فإذا هم لم يبلغوا شيئًا ولا يكادون يرجون أن يبلغوا شيئًا.
وإذن، فلقد بذلت الإنسانية ما بذلت، واحتملت ما احتملت، وضحَّت ما ضحَّت؛ لا ليقوم العدل الشامل الكامل مكان الجور المرهق المهلك، ولكن ليحقق المنتصرون الأقوياء ما ينبغي أن يتحقق بينهم من توازن المصالح وتكافؤ المنافع. وإذا لم يكن بد من أن نلاحظ أن مؤتمر سان فرنسسكو قد أنشأ شيئًا جديدًا، فقد نستطيع أن نلاحظ أنه أنشأ الدكتاتورية الدولية الكبرى، وهي جديدة حقًّا لم تستطع الحرب الكبرى الماضية أن تنشئها، ولم تستطع عصبة الأمم الماضية أن تنشئها؛ لأن أوروبا في أعقاب الحرب الماضية لم تخضع كلها لألمانيا، ولم يقم منها الإنجليز والأمريكيون والروس مقام المحررين المنقذين، وإنما كان النصر شائعًا، شاركت فيه فرنسا وإيطاليا وبلجيكا مشاركة قوية؛ فكان لها أن تقول كلمتها. واستطاعت أوروبا أن تخلص بذلك الفوز الأعرج الذي لم يبلغ أن يكون ديكتاتورية ولا شيئًا يشبه الدكتاتورية. فأمَّا الآن فقد خضعت أوروبا كلها لألمانيا، وأقبلت الدول الثلاث عليها محررة منقذة، وتناست الدول الثلاث ما احتملت أوروبا وغير أوروبا من هول، فأملت شروطها على الأمم المحررة كما أملت شروطها على الأمم المغلوبة، وتحققت بذلك هذه الديكتاتورية التي جعلت أمور الأرض كلها إلى الثلاثة حين اجتمعوا في القرم، وإلى الثلاثة حين دبروا مؤتمر سان فرنسسكو، وإلى الثلاثة حين يجتمعون في برلين؛ ليقبلوا ما قُرِّر في سان فرنسسكو، وليضعوا القواعد التي ستفرض على مؤتمر الصلح حين ينعقد غدًا أو بعد غدٍ.
من أجل هذا كله لم نكن مخطئين حين تمنينا أن يكون مؤتمر سان فرنسسكو لاحقًا لمؤتمر الصلح لا سابقًا له؛ لتقبل الأمم على هذا المؤتمر وقد عرفت ما لها وما عليها، فتقدم عن بصيرة وتحجم عن بصيرة. فأمَّا الآن فقد قيدت الأمم الصغيرة والمتوسطة بقرارات سان فرنسسكو، فلن تستطيع أن تكون حرة حين تملى شروط الصلح عليها وعلى المغلوبين. ومن أجل هذا كله لم نتردد في أن ننصح المصريين ونلح عليهم في النصح ألَّا يورطوا أنفسهم حتى يظفروا بحقهم كاملًا، ويخلصوا من هذه القيود التي فرضتها عليهم المعاهدة قبل الحرب، وزادتها الحرب قوةً وشدةً وثقلًا. ولكن الناهضين بالأمر لم يسمعوا ولم يحفلوا ومضوا أمامهم لا يلوون على شيء حتى أمضوا الميثاق فيمن أمضاه، ونظرنا فإذا مصر أمام مشكلات معقدة أشد التعقيد، وكان المغفور له أحمد ماهر باشا قد أنبأ البرلمان بأنه سيحاول حل المشكلات بين مصر وبريطانيا العظمى قبل انعقاد المؤتمر فأعجله الموت عن ذلك. ولسنا ندري ما صنع خلفاؤه، ولكنَّا نعلم أن الأمر بيننا وبين البريطانيين قائم كما كان، وأننا قد أمضينا الميثاق في سان فرنسسكو، فأضفنا مشكلات إلى مشكلات، وتعقيدًا إلى تعقيد.
وإذا لم يكن بدٌّ من أن نمضيَ في النصح للمصريين سواء منهم من نهض بأعباء الحكم، ومن أعفي من أعباء الحكم، فإنَّا نلح عليهم أشد الإلحاح في ألَّا يبرموا هذا الميثاق ولا يغلوا وطنهم بما فيه من تبعات والتزامات قبل أن يخلِّصوا وطنهم من التبعات والالتزامات التي تفرضها عليه المعاهدة بيننا وبين الإنجليز.
يجب أن يعلم المصريون — ومن الحق علينا أن نعلِمهم — أن الارتباط بما في ذلك الميثاق من القواعد والشروط سيسد الطريق علينا إذا أردنا أن نعيد تنظيم العلاقات بيننا وبين حلفائنا، وأبى حلفاؤنا أن يعيدوا النظر في هذا التنظيم. فلننظم هذه العلاقات أولًا، ولنمحُ كلَّ خلاف بيننا وبين الإنجليز، ولنمضِ بعد ذلك إلى ما يجب علينا من التعاون الدولي بمقتضى هذا الميثاق أحرارًا كرامًا، لا مكرهين ولا مقيدين.
هل يعلم المصريون أن لحلفائنا أن يستبقوا جيشهم في مصر بمقتضى المعاهدة عشر سنين، حتى إذا انتهى الأمد جاز أن نفاوضهم في الجلاء؟
وهل يعلم المصريون أن الميثاق يفرض علينا إن قبلناه أن نضع مرافقنا كلها تحت تصرف الأمم المتحدة — أي الدول الكبرى — إذا احتاجت ظروف السلم إلى ذلك؟
وهل يعلم المصريون أن معنى هذا أن مصر قد تخضع لاحتلالين أحدهما بريطاني تقتضيه المعاهدة، والآخر دولي يقتضيه الميثاق؟
وهل يعلم المصريون أننا إذا لم نفرغ من مشكلة السودان قبل إبرام الميثاق؛ فلن نستطيع أن نحل هذه المشكلة إلَّا برضا حلفائنا الإنجليز؟
وهل يعلم المصريون أن جامعة الأمم العربية التي فرحوا بإنشائها وحرصوا على تأييدها لن تستطيع أن تدفع العدوان عن نفسها أو عن أحد أعضائها بالقوة إلا أن يأتي هذا العدوان من ألمانيا أو إيطاليا أو اليابان، فأمَّا إن جاء هذا العدوان من إحدى الدول المنتصرة، فلن يكون إلى دفعه سبيل إلَّا إن رضي المعتدي؟
هذه أشياء يجب أن يعلمها المصريون، ويجب على قادة الرأي أن يبصِّروهم بها تبصيرًا؛ ليعلموا إلى أين يُساقون، وليعلموا لأي خطر يتعرضون. وهذه أشياء تعرفها الحكومة حق المعرفة، وسيعرفها البرلمان يوم تعرض عليه حق المعرفة. والقائمون بأعباء الحكم والمدبرون لأمور الدولة في الوزارة وفي البرلمان مصريون قبل كل شيء، وبعد كل شيء، وفوق كل شيء. فلسنا نطلب إليهم شيئًا كثيرًا ولا غريبًا، ولسنا نكلفهم شططًا ولا نرهقهم عسرًا إن طلبنا إليهم ألَّا يبرموا هذا الميثاق حتى يحلُّوا ما بيننا وبين الإنجليز من المسائل المعلقة حلًّا يلائم كرامة الشعب ويحقق رضاه ويكفل له مستقبلًا حرًّا كريمًا.
والشيء الذي نستطيع أن نؤكده مطمئنين كلَّ الاطمئنان إلى أننا غير مخطئين، هو أن الشعب لن يقر هذا الميثاق ولن يرضى عن الذين يقرونه إلَّا إذا حُلَّت المسائل المعلقة بيننا وبين الإنجليز قبل إبرامه حلًّا كريمًا يكفل له حقه في الحرية الكاملة والاستقلال التام في جميع أقطار وادي النيل. -
بين الشرق والغرب (٢)
بين الشرق والغرب (٢)
طه حسين
جريدة البلاغ
١٢ أبريل ١٩٤٥
لم يفرغ الناس بعد من الحديث عمَّا قصدت إليه روسيا حين قررت ألَّا تجدد ما بينها وبين تركيا من ميثاق الصداقة والحياد؛ لأنه فيما ترى قد أصبح غير ملائم لظروف العالم الجديد، وأصبح محتاجًا إلى أن يمسَّه كثيرٌ من التعديل والتبديل.
وقد كثر التنبؤ بما تريد روسيا أن تقترح من تعديل وتبديل، يقتصد المتنبئون مرة ويسرفون مرة أخرى؛ حتى أذاعت بعض الصحف الإنجليزية أمس أن روسيا تريد أن تطلب إلى تركيا حرية المضايق، والنزول لها عن ولايتين من ولاياتها على الحدود، وتعديل دستورها بحيث يصبح ديمقراطيًّا صحيحًا. والمرجح أن مثل هذا التنبؤ لا يخلو من غلو شديد، وهو على كل حال مناقض للتصريحات التي تصدرها روسيا بالقياس إلى الدول التي تحررها من ألمانيا. فقد أعلنت روسيا غير مرة أنها لا تريد أن تتدخل في الشئون السياسية والاجتماعية لهذه الدول، وأنها لا تريد أن تحقق لنفسها مطامع إقليمية؛ أعلنت هذا بالقياس إلى رومانيا وبلغاريا والمجر، وأعلنته أمس بالقياس إلى النمسا. فمن غير المعقول أن يكون هذا موقف روسيا من البلاد التي تحررها بقوة السلاح، وأن تقف موقفًا آخر من بلاد مستقلة محايدة لم تكن بينها وبين روسيا حرب ما، ولعل الأدنى إلى المعقول ما أُذيع منذ حين من أن روسيا تريد حرية المضايق من جهة وضمان التعاون العسكري بينها وبين تركيا — إن ظهرت الحاجة إلى ذلك — من جهة أخرى.
ولكن المهم هو أن روسيا لم تكد تفرغ من تبليغ تركيا عدولها عن تجديد هذا الميثاق حتى خطت مثل هذه الخطوة بالقياس إلى اليابان، فأبلغتها أنها لا تريد أن تجدد ما بينهما من ميثاق الصداقة والحياد، وأبلغتها ذلك في لهجة عنيفة توشك أن تكون تحدِّيًا وإنذارًا؛ حتى تعجل المتنبئون فقالوا: إن روسيا قد تُعلن الحرب على اليابان قبل أن يبلغ الميثاق أجله. وقال قائلون آخرون: إن اليابان هي التي قد تعلن الحرب على روسيا قبل أن يبلغ الميثاق أجله. والشيء الواضح هو أن هذه الخطوة الروسية لها ما بعدها غدًا أو بعد غدٍ، وأن روسيا لم تخطها عبثًا، وأنها قد قصدت بها إلى أشياء ستكون أبعد مدًى وأعمق أثرًا مما ذهبت إليه حين ألغت ما بينها وبين تركيا من ميثاق.
والشيء الواضح أيضًا هو أن روسيا لم تسر حلفاءها البريطانيين والأمريكيين بموقفها الجديد من تركيا، وأنها قد سرَّت هؤلاء الحلفاء في ظاهر الأمر على الأقل بموقفها الجديد من اليابان. فتركيا حليفة للبريطانيين صديقة للأمريكيين، واليابان خصم لأولئك وهؤلاء، فتشدد الروسيين مع الترك يسوء الحلفاء من غير شك، وتشددهم مع اليابان يسرُّ الحلفاء من غير شك. وإن دل هذا كله على شيء فإنما يدل على أن للروسيين سياستهم الخاصة المستقلة التي يدبرونها ويسيرونها على مناهجهم الخاصة المستقلة أيضًا. وقد كانت روسيا ضيقة بما تفرض عليها الظروف السياسية والجغرافية في المضايق والبحر الأسود، وهي تريد أن تخرج من هذا الضيق. وكانت روسيا كذلك ضيقة بما تفرضه عليها الظروف السياسية والجغرافية في الشرق الأقصى — ولا سيما بعد انتصار اليابان عليها في أول هذا القرن — فهي تريد أن تخرج من هذا الضيق أيضًا. وهي بعبارة موجزة تريد أن تحقق سياستها التقليدية منذ عهد القياصرة، وهي حرية العمل في الشرق الأوسط والبحر الأبيض من جهة، وحرية العمل في الشرق الأقصى من جهة أخرى. ولن تستريح روسيا حتى يكون لها من الحرية في هذه الأرجاء كلها مثل ما لحليفتيها العظيمتين بريطانيا العظمى وأمريكا.
ونتيجة هذا كله أن الحرب واقعة لا محالة بين روسيا واليابان، فما ينبغي أن تنظم شئون الشرق الأقصى وتحدد فيه مناطق النفوذ وروسيا غائبة عن مؤتمر الصلح، ولا بدَّ من أن تشهد روسيا هذا المؤتمر مع البريطانيين والأمريكيين والفرنسيين والصينيين. ولا بدَّ من أن تثأر روسيا لنفسها من الحرب اليابانية الروسية التي وقعت في أول هذا القرن.
وقد أحسَّت البيئات السياسية في بريطانية وأمريكا إحساسًا قويًّا واضحًا بهذه الاتجاهات الروسية. ولاحظ الملاحظون أن الابتهاج لم يكن شديدًا جدًّا في أمريكا — مثلًا — بهذه الخطوة التي خطتها روسيا مع اليابان، وأن الأمريكيين تساءلوا متى تعلن الحرب بين الدولتين، وكان ابتهاج البريطانيين بهذه الخطوة معتدلًا أيضًا. ولست أعلم أن هذه الخطوة ذكرت في مجلس العموم البريطاني، ولكن البريطانيين قومٌ عمليون يحسنون انتهاز الفرص، ويحسنون لقاء الحوادث والخطوب، ويحسنون الاحتياط للمستقبل وما قد يثار فيه من المصاعب والمشكلات. ومع أن الهيئات الرسمية البريطانية لم تعلن خطة ما بشأن موقف روسيا من تركيا أو موقفها من اليابان؛ فقد نشرت التيمس منذ يومين مقالًا له خطره ومغزاه بالقياس إلى بلاد الشرق الأوسط، وأكبر الظن أنها ستنشر يومًا مقالًا آخر له خطره ومغزاه بالقياس إلى مشكلات الشرق الأقصى.
فأمَّا المقال الذي نشر منذ يومين فهو طريفٌ حقًّا عمليٌّ حقًّا؛ لأن محرر التيمس لا يطلب فيه إلَّا شيئًا يسيرًا وهو ألَّا تنفرد بريطانيا العظمى باحتمال أعباء الأمن السياسي والعسكري والاقتصادي في بلاد الشرق الأوسط كما كانت الحال أثناء هذه الحرب، وإنما ينبغي أن تشترك الدول الأربع الكبرى في هذا كله. والدول الأربع الكبرى بالطبع هي بريطانيا العظمى وفرنسا وروسيا وأمريكا. ومعنى هذا الاقتراح هو أن التيمس تريد من بريطانيا العظمى أن تفتح الباب للتعاون الروسي والأمريكي في شئون هذا الشرق. وقد كانت شئون الشرق الأدنى على الأقل محتكرة أو كالمحتكرة لبريطانيا العظمى وفرنسا، فأمَّا الآن فقد ظهر أن هذا الاحتكار غير مفيد أو غير ممكن، وظهر أن من الملائم للمنفعة الإنسانية العامة — أو من الملائم للضرورات الإنسانية العامة — أن تتعاون الدول الأربع ذات الخطر في الإشراف على شئون هذا الشرق. ولو أن للصين من البأس مثل ما لهذه الدول الأربع لدُعيت هي أيضًا إلى المشاركة في هذا الإشراف. ولكن يد الصين أقصر من أن تبلغ الشرق الأوسط، فليس لها من أساطيل البحر والجو ما يبلغها البحر الأحمر أو البحر الأبيض أو البحر الأسود، وحسبها أن تشارك في شئون الشرق الأقصى.
وتقترح ألَّا يُلغى مركز تموين الشرق الأوسط؛ لأن التجارب قد أظهرت أنه عظيم النفع في أيام الحرب، ولأن التجارب ستظهر أنه سيكون عظيم النفع بعد إمضاء الهدنة وبعد إمضاء الصلح، ولأنه سيكون وسيلة صالحة من وسائل التعاون بين الشرق والغرب.
وقد تسأل عن موقف بلاد الشرق الأدنى والأوسط نفسها من هذا التعاون بين الدول الكبرى كما يتصوره محرر التيمس، وكما يصوره محرر التيمس أيضًا. فموقف هذه الدول الشرقية بسيطٌ جدًّا واضح كل الوضوح، هو موقف الدول القاصرة التي تحتاج إلى الوصاية والمعونة والإرشاد حتى تبلغ أشدها في يوم من الأيام. فلا بدَّ من حماية المواقع العسكرية ذات الخطر؛ لأن التجارب قد أظهرت أن لهذا الشرق شأنه العسكري العظيم، وأن الاستيلاء عليه أمر حاسم في الحرب. وقد نهضت بريطانيا العظمى بحماية هذه المراكز العسكرية وأيَّدتها البلاد الشرقية في ذلك تأييدًا له قيمته، ولا ينبغي أن تنهض وحدها بهذا العبء منذ الآن. ولا بدَّ من الإشراف على النظام الاقتصادي لهذا الشرق؛ لأنه طريق التجارة من جهة، ولأنه مصدر خطير من مصادر الإنتاج من جهة أخرى، فلا يمكن الاستغناء عنه لا في السلم ولا في الحرب.
وقد أنشئت الجامعة العربية، وإنشاؤها خطوة حسنة جدًّا في سبيل هذا التعاون بين الشرق والغرب.
كل هذا صورته التيمس منذ يومين تصويرًا رائعًا مؤثرًا، ولم تنسَ أن تذكر في مقالها ذاك استقلال البلاد الشرقية والمحافظة لها على كرامتها. وأي شيء أيسر من المحافظة على الكرامة والاستقلال بعد أن تُضمن حماية المراكز العسكرية، ويُضمن الإشراف على الشئون الاقتصادية، ويُضمن تقديم المعونة والإرشاد لهذه الدولة حتى تستطيع أن تعتمد على نفسها. ولست أدري أتصور التيمس الرأي العام البريطاني في هذا المقال أم تريد التيمس أن تدعو الرأي العام البريطاني إلى أن يتصور شئون الشرق الأوسط على هذا النحو؟
ولكن الشيء الذي لا أشك فيه هو أن الشرقيين أنفسهم لا يتصورون المستقبل القريب على هذا النحو، بل لا يتصورونه على نحو قريب من هذا النحو. فهم لا يريدون أن يخرجوا من وصاية دولة واحدة إلى وصاية دول أربع، وإنما يريدون أن يخرجوا من الوصاية كلها سواء أكانت فردية أو اجتماعية، وأن يخرجوا منها خروجًا صريحًا لا غموض فيه. وهم لا يطيقون الاحتلال مهما تكن أسبابه وأغراضه ودواعيه، وهم يريدون أن يشاركوا بأنفسهم في حماية الأمن الدولي، وأن ينهضوا بحماية المراكز العسكرية ذات الخطر، وهم لا يريدون الإشراف الاقتصادي وإنما يريدون التعاون الاقتصادي ينظِّمونه فيما بينهم من جهة، وينظِّمونه فيما بينهم وبين أوروبا وأمريكا من جهة أخرى، وينظِّمونه تنظيم الراشدين المستقلين لا تنظيم القاصرين الذين يحتاجون إلى الأوصياء.
والشيء الذي أستطيع أن أؤكده هو أني أصوِّر الرأي العام الشرقي تصويرًا دقيقًا كل الدقة، وأن أصدقاءنا البريطانيين وغيرهم من الأوروبيين والأمريكيين يخطئون الخطأ كله إن ظنُّوا أنهم يستطيعون أن يتحدثوا إلى الشرق بهذه اللغة القديمة التي أدركها البلى وأصبح الشرق عاجزًا عن أن يفهمها أو يسيغها.
وهذا كله يدلُّ فيما يظهر على أن مؤتمر سان فرانسيسكو ليس وحده هو الذي يشغل الرأي العام العالمي، وإنما هو شيء يسير بالقياس إلى المشكلات التي تشغل الناس ويجب أن تشغلهم. ولست أدري أي الأمرين هو الأصل، وأيهما هو الهامش، وأكاد أعتقد أن المشكلات التي تحدثت عنها هي الأصل، وأن مؤتمر سان فرانسيسكو سيجتمع وسيعمل على هامش هذه المشكلات.
وقد أنبأنا وزير الخارجية الأمريكية في خطبة ألقاها منذ أيام بأن مهمة مؤتمر سان فرانسيسكو يسيرة جدًّا، وهي: وضع نظام الأمن الدولي، وإنشاء محكمة العدل الدولية، وإنشاء المجلس الاقتصادي الدولي. وكل هذه أمور حسنة جدًّا، ولكنها بناءٌ ينبغي أن يوضع له أساس، وأساسه لن يوضع في مؤتمر سان فرانسيسكو؛ لأن مؤتمر سان فرانسيسكو لن يكون مؤتمر صلح، ولن يقضي في استقلال الدول المطالبة بالاستقلال، ولا في استكمال الاستقلال للدول التي تريد أن تستكمل استقلالها، وإنما هو يترك هذه الأمور كلها ويضع نظامًا مثاليًّا لتحقيق السلم وحمايتها بعد أن يستكمل العالم نظمه التي تتيح له شيئًا من الاستقرار. وقد فهمت مصر فيما أعتقد أمر المؤتمر فهمًا صحيحًا قائمًا على التجربة، فهي قد ظنته هائلًا عظيم الخطر أول الأمر؛ فألَّفت له وفدًا هائلًا خطيرًا، ثم جعلت مهمة المؤتمر تتضاءل شيئًا فشيئًا، وجعل وفدنا إلى المؤتمر يتضاءل شيئًا فشيئًا حتى إذا ظهرت مهمة المؤتمر كما هي قيِّمة جدًّا ولكن يسيرة جدًّا أصبح وفدنا ملائمًا كل الملائمة لهذا المؤتمر القيم اليسير. فأعضاؤه ثلاثة لا عشرة وفي الثلاثة الكفاية كل الكفاية، ورئيسه وزير الخارجية لا رئيس الوزراء وفي وزير الخارجية الغناء كل الغناء.
فلنتمنَّ للمؤتمر نجحًا، ولنتمنَّ لوفدنا فوزًا وتوفيقًا، ولنتمنَّ قبل هذا كله وبعد هذا كله أن تبلغ مصر حقوقها كاملة موفورة لا يشوبها احتلالٌ ولا وصايةٌ ولا إشرافٌ. -
بين الشرق والغرب (١)
بين الشرق والغرب (١)
طه حسين
جريدة البلاغ
١ فبراير ١٩٤٥
من المحقق أن الرأي العالمي العام يعني في هذه الأيام أشد العناية وأقصاها باجتماع الرؤساء الثلاثة الذي بدأ انعقاده، أو أوشك أن يبدأ؛ لأن هذا الاجتماع سيحاول تدبير الحلول للمشكلات الخطيرة الكبرى التي تشغل العالم، والتي يتوقف عليها إجراء أمور الحرب والسلم جميعًا على أكمل وجه ممكن؛ لتنتهي إلى أحسن غاية ممكنة.
ولكن من المحقق أيضًا أن هذه المشكلة الكبرى إذا كان لها مكانها الخطير فإن هذا المكان نسبي، يعظم ويصغر بالقياس إلى الذين يمسُّهم من قريب أو من بعيد. فالمشكلة البولندية مثلًا عظيمة الخطر جدًّا بالقياس إلى البولنديين، وبالقياس إلى روسيا وألمانيا؛ لأنها تمسُّ مصالح هذه الدول من قريب. وهي عظيمة الخطر بالقياس إلى إنجلترا وأمريكا وفرنسا؛ لأنها تمسُّ نظام السلم الأوروبي أولًا، والعالمي بعد ذلك. وتستطيع أن تقول مثل هذا في غير المشكلة البولندية من الأمور التي سيفرغ لدرسها الثلاثة المجتمعون.
ولكننا نحن الشرقيين ننظر إلى هذه المشكلات نظرتين مختلفتين؛ أولاهما: نظرة الإنسان الذي يعنيه ما يعني الإنسانية المتحضرة من أمر السلم والحرب، والثانية: نظرة الإنسان الذي يريد أن يحقق لنفسه الخير والعدل دون أن يؤذي أحدًا، ودون أن يؤذيه أحدٌ، ودون أن تتعرض مصالحه لخطر عظيم أو ضئيل حين يحدث في العالم ما يحدث من اختلاف الدول واتفاقها. ولست أدري أيفرغ الثلاثة المجتمعون الآن لمشكلات الشرق العربي، أم يشغلون عنها بمشكلات الغرب الأوروبي؟ ولكن الشيء الذي لا شكَّ فيه هو أن للشرق العربي مشكلات يجب أن تُحل، ويجب أن تُحل في نفس الوقت الذي تُحل فيه مشكلات الغرب الأوروبي؛ لأن الشرق العربي جزءٌ أساسيٌّ مقوم للعالم المتحضر من جهة، ولأن هذا الشرق العربي قد عرف نفسه وعرف مكانه من العالم المتحضر، وقدَّر أدق التقدير وأصدقه حاجته إلى التضامن من هذا العالم المتحضر، وحاجة هذا العالم المتحضر إليه.
وهو من أجل ذلك حريصٌ كل الحرص على أن تحل مشكلاته، مصممٌ كل التصميم على أن يكون هذا الحل ملائمًا للحق والعدل وللمثل العليا التي يقال إن العالم قد خاض الحرب من أجلها، والتي قد ينظر بعض الأوروبيين والأمريكيين إليها نظرات لا تخلو من دعابة وفكاهة، ولكن الشرقيين ينظرون إليها الآن نظرة الجد المر الذي لا يعرف الدعابة ولا الفكاهة ولا المزاح؛ فالشرقي العربي إذا ذكر الاستقلال لم يذكره مستخفًّا به، ولا مستعدًّا للتفريط فيه، ولم يذكره بهذه اللهجة الحلوة التي تشيع فيها الدعابة، وإنما يذكره بهذه اللهجة الحازمة الصارخة التي إن صورت شيئًا فإنما تصور الإيمان الذي يوشك أن يبلغ التصوف.
وليس الشرق العربي وحده هو الذي يُعنى بحل هذه المشكلات الشرقية العربية، وإنما تعنى بها الدول الكبرى نفسها عناية تزداد قوة على مر الأيام؛ فبريطانيا العظمى لا تزال تردد هذا الحديث المألوف، حديث المصالح البريطانية المحققة، وحديث الإمبراطورية البريطانية التي يجب أن تؤمن طرقها في البر والبحر والجو، وحديث التعاون الذي يجب أن يكون أساسًا لهذا التأمين. وفرنسا لا تزال تتحدث حديثها المألوف عن تقاليدها الموروثة في حماية المسيحية في بعض بلاد الشرق، ونشر الثقافة في الشرق العربي، بل في الشرق كله، والمحافظة على مكانتها الممتازة في البحر الأبيض المتوسط الشرقي.
وأمريكا تُعنى بالتجارة والاقتصاد عناية يظهر أنها تريد أن تبلغ مدًى لم تبلغه قط قبل هذه الحرب، وتفكر في المستقبل الاقتصادي لهذا الشرق العربي بما فيه من مصادر الثروة، وفيما يمكن أن يكون لهذا المستقبل من أثر في تجارتها واقتصادها. وروسيا تنظر إلى هذا كله ولا تقول شيئًا، ولكن الصمت لا يدل على النسيان، ولا على الإهمال، ولعله إن دل يدل على التذكر القوي، والعناية الشديدة، وانتظار الفرصة السانحة للقول حين يكون القول مجديًا ومفيدًا.
وإذا كان هذا حظ الأمم الغربية من العناية بمصالحها في الشرق العربي؛ فيجب أن يكون حظ الشرق العربي نفسه من العناية بمصالحه في بلاده أشد وأعظم. ويجب أن يكون حرص الشرق العربي على أن تُحلَّ مشكلاته حلًّا يلائم الحق والعدل والمنفعة أشد وأعظم من حرص الغرب على حل هذه المشكلات.
فليس غريبًا إذن أن يشغل الشرق العربي — في الصيف الماضي — بما كان من دعوة إلى اجتماع الدول العربية؛ لتنظيم شئونها، ووضع أساس متين للتعاون بينها على ما يحقق مصالحها، ويكفل لها الحياة الكريمة الحرة في العالم الجديد الذي يريد أن يكون حرًّا كريمًا.
وليس غريبًا أن تستأثر شئون الجامعة العربية التي أنشأها اجتماع الإسكندرية، وصوَّرها بروتوكول الإسكندرية تصويرًا دقيقًا بنفوس العرب جميعًا، حتى توشك أن تشغلهم عن غيرها من شئون العالم. وليس غريبًا أن تتجه نفوس العرب اتجاهًا شديدًا إلى الخطوات التي يجب أن تُخطَى بعد أن أمضي بروتوكول الإسكندرية، فتأخذ اللجان المختصة في الأعمال التي خصصت لها، وتظهر النتائج التي تثبت للشعوب العربية أن حكوماتها راغبة في العمل لا قانعة بالكلام، ثم ليس غريبًا أن تهتم الشعوب العربية أشد الاهتمام وأعظمه بهذا السعي الكريم الذي سعاه حضرة صاحب الجلالة، ملك مصر المعظم، إلى حضرة صاحب الجلالة، ملك الدولة العربية السعودية المعظم، في هذه الأيام؛ لأن هذه الشعوب العربية تعرف حق المعرفة أن هذا السعي الملكي الكريم، وهذا الاجتماع التاريخي العظيم يجب أن يتصلا أشد الاتصال وأوثقه بما تحرص عليه الشعوب العربية من تحقيق آمالها في التعاون على بلوغ ما تسمو إليه من حياة حرَّة كريمة في العالم الجديد، الذي يريد أن يكون حرًّا كريمًا.
وليس من الغريب أن يكون اشتغال الشرق العربي باجتماع الملكين العظيمين أشد من اشتغاله باجتماع الرؤساء الثلاثة؛ لأن اجتماع «رضوى» يمسُّ مصالحه القريبة العاجلة، ويمسُّ آماله التي يصبو إليها، وأهدافه التي يحرص عليها أكثر ممَّا يمسُّها اجتماع الرؤساء الثلاثة في مكان نجهله اليوم لنعلمه غدًا.
وليس أدل على ذلك من أن الدول العربية التي أمضت بروتوكول الإسكندرية كانت تتشوق إلى استئناف الاجتماع، وقد جاء بعض وزراء الخارجية فيها إلى مصر لهذا الاجتماع، ولكنهم عادوا إلى بلادهم دون أن يتم هذا الاجتماع. فما كان السعي الملكي الكريم، وتم اجتماع «رضوى»، عرفنا صباح اليوم أن وزير خارجيتنا سيدعو إلى عقد هذا الاجتماع الذي كان منتظرًا، والذي طال انتظاره بعض الشيء.
فمن حق الشعوب العربي أن تستبشر بنتائج هذا السعي الملكي الكريم، وأن تنتظر خطوات حازمة حاسمة في سبيل آمالها الكبرى، ولكن ما عسى أن تكون هذه الآمال! أظن أن قد آن الوقت الذي تظهر فيه آمال الشعوب العربية واضحة جلية، والذي تقوم فيه الصراحة التامة بين شعوب الشرق والغرب مقام المداورات الملتوية والمناورات الغامضة. وأظن أن قد آن الوقت الذي يجب أن يعرف الشرقي فيه معرفة واضحة جلية ما يريد، وما ينبغي له أن يريد؛ حتى لا يسعى على غير هدى، ولا يتعرض لخيبة الأمل.
وأعتقد أن قد آن الوقت أيضًا الذي تستطيع أوروبا أن تواجه فيه الحقائق الواقعة، فهي قد ذاقت ما ذاقت من أهوال الحرب، وهي قد عرفت ما عرفت من مرارة الاحتلال الأجنبي. فليس في أوروبا بلد مهما كان عظيمًا لم يذُق مرارة الاحتلال الأجنبي، أو الخوف من هذا الاحتلال الذي كان ممكنًا قريبًا.
لم تذق بريطانيا العظمى مرارة الاحتلال، ولكنها تعرضت لأخطاره، وذاقته الدول الأوروبية الكبرى كلها، وألمانيا تتجرع كأسه المُرَّة الآن. وما من شك في أن أوروبا قد كرهت هذا الاحتلال، ورأت التخلص منه فوزًا كريمًا، فيجب أن تستفيد أوروبا من هذا الدرس، وأن تكره الاحتلال لغيرها كما كرهته لنفسها. ويجب أن تعلم أوروبا على كل حال أن الشرق العربي قد سَئِم مرارة الاحتلال، وهو طامح إلى أن يخلص منه، وواثق بأنه سيخلص منه. وإذا عرفت أوروبا هذه الحقيقة الواقعة، فقد تريح نفسها وتريح الشرق من أخطار وأهوال تضر كثيرًا ولا تنفع شيئًا، وربما كان تقرير هذه الحقيقة واتخاذها أساسًا للعلاقة بين الشرق والغرب هو الأساس الصحيح العاجل لما ينبغي أن يُقام من علاقات بين أوروبا وبلاد الشرق العربي.
وهناك حقيقة واقعة أخرى يجب أن تستيقنها أوروبا؛ لأن الشرق العربي أصبح مقتنعًا بها أشد الاقتناع، وهي أن الحياة الإنسانية قد تغيَّرت، سواء أراد الساسة أو لم يريدوا، فلم يبق من الممكن أن تخضع أمم متحضرة لأمم متحضرة خضوع العبد للسيد، ولا خضوع المعتق لسيده القديم. ومعنى ذلك أن الشرق العربي يرفض كل الرفض أن تقوم العلاقات بينه وبين الغرب على الرق أو على الولاء. وإنما هو يحرص كل الحرص على أن تقوم هذه العلاقات على الحرية الصحيحة الأصيلة، وينظر إلى التسلط الأوروبي على أنه عرض من الأعراض الطارئة التي يجب أن تزول دون أن تترك أثرًا. وهو من أجل ذلك لا يفهم ولا يريد أن يفهم أن يُقسَّم إلى مناطق نفوذ، فتمتاز دولة من الدول في هذا الجزء من أجزائه، وتمتاز دولة أخرى في هذا الجزء الآخر.
كل هذا كلام قديم قد كان ينشأ عن تفكير قديم، وقد تغير هذا النوع من التفكير، فيجب أن تتغير آثاره، وإذا عرفت أوروبا هاتين الحقيقتين الواقعتين، وآمنت بهما مخلصةً فعدلت عن سياسة الاحتلال، وعدلت عن سياسة التسلط ومناطق النفوذ؛ فقد تصبح الأمور بينها وبين الشرق مُيَسَّرة سهلة قريبة المنال؛ لأنها ستقوم على المنافع المحققة، وعلى المودة التي لا يشوبها خوف، ولا يفسدها كيد، ولا يكدرها ما يكدر العلاقة بين المعتدي والمُعتدى عليه.
ومن المحقق أن الشرق سيحتاج إلى الغرب في تجارته وصناعته واقتصاده وتعليمه، وفي كثير من المرافق الأخرى، ولكن كما يحتاج الحرُّ إلى معونة الحرِّ، وسيستعين الشرق بالغرب، ولكن على أساس تبادل المنافع لا على أساس الاحتكار والتسلط.
هذه فيما أعتقد هي الآمال القريبة التي تضطرب بها قلوب العرب جميعها، وتؤمن بها نفوسهم جميعًا، والتي يجب أن تعرفها أوروبا وتواجهها مواجهةً صريحةً خالصةً من كل شائبة. إذن يستقر السلم والأمن في الشرق العربي، وإذن يستفيد العالم الجديد من تعاون الشرق والغرب، وإذن تفرغ الدول الأوروبية لما ينبغي أن تفرغ له من تضميد الجراح، وتعمير الخراب، وإصلاح ما يحتاج إلى الإصلاح من أمرها، وإنه لكثير.
فأمَّا إن سارت أوروبا بعد هذه الحرب سيرتها بعد الحرب الماضية؛ فستلقى من الشرق شططًا، وسيصبح بأسها بينها شديدًا، وستذوق من مرارة الانقسام والاختلاف والعداء ما نظن أنها ليست في حاجة إليه.
وواضح جدًّا أني حين أصور هذه الآمال التي تمتلئ بها قلوب العرب؛ لا أفصلها ولا أدلُّ على دقائقها، ولا أذكر بلدًا بعينه، ولا أملًا بعينه؛ لأني أعلم أن الحكومات الشرقية معنية بهذه المسائل، وأن من الشر كل الشر أن نعرض للتفصيلات قبل أن تعرض لها الحكومات، وأن نقول فيها قبلما تقول. -
يوم
حديث الوادي
يوم…
فيه عرف التاريخ أن الشعوب تستطيع أن تريد، وأن تنفذ ما تريد، بل فيه عرف التاريخ أن الشعوب تستطيع أن تستكشف نفسها، وتعرف أن لها حقوقاً يجب أن تُنال، وكرامةً يجب أن تُصان، وحُرمةً يجب أن تُرعى. بل فيه عرف التاريخ أن الشعوب تستطيع أن تنظر إلى نفسها في مرآة نفسها، فترى أنها أصل السيادة، وقد كانت موضوع الاستعباد، وترى أنها أصل العزة، وقد كانت مهبط الذلة، وترى أنها مصدر السلطان، وقد كانت خليقة بالطاعة والخضوع. وكان التاريخ قد رأى قبل ذلك اليوم أياماً كثيرة مختلفة ظهرت فيها حرية الجماعات، واحترمت فيها حقوق الشعوب، ورُوعيت فيها حُرمات النفس الإنسانية، ولكنه لم يكن قد رأى يوماً أبلغ من ذلك اليوم أثراً في حياة الناس، وأبعد منه مدىً في إشعارهم بكرامة أنفسهم، وتحقيق المساواة بينهم على اختلاف المنازل، وتفاوت الطبقات. فيه تمت المساواة بين الناس، كأقوى ما يمكن أن تتم، وزالت الفروق بين الناس كأقصى ما يمكن أن تزول، وكان أرفع الناس مكانةً، وأعلاهم قدراً، وأنبههم ذكراً، يسعى مع أحط الناس منزلةً، وأعظمهم من الضعة حظاً، وأبعدهم عن أن يُعبأ به أحد أو يُؤبه له إنسان، وكان هذان الرجلان المتباعدان في كل شيء، يسعيان أخوين متحابين لا يفرق بينهما شيء، ولا يبغيان إلا أن يهدما صرح الظلم، وينبِئا الأيام بأن الإنسان قد عرف آخر الأمر أنه خُلق ليعيش حراً، عزيزاً، كريماً.
كان الشعب الباريسي في ذلك اليوم، وفي الأيام القليلة التي سبقته من سنة ١٧٨٩، أعزل لا قوة له، ولا سلاح في يده، فقيراً مُعدماً لا يجد ما يُطعم، ولا يكاد يتقي عوادي الجو وأحداث الأيام. ولكنه مع ذلك استطاع أن يجد القوة، وأن يأخذ السلاح عنوةً، وأن يحاصر حصن الباستيل، وأن ينزل الجند فيه على حُكمه، وأن يُقنع الظالمين بأن عصر الظلم الذي لا عقاب عليه، والبغي الذي لا يُحاسب أصحابه، قد انقضى، وبأن عصر التفرقة بين الناس وتسلط بعضهم على بعض، وتحكّم بعضهم في بعض، قد انتهى، وبأن نظام الحق الإلهي قد زال، وبأن الملك لا يستمد سلطانه من الله، ولا يمثل الله في الأرض، وإنما يستمد سلطانه من الشعب، ويمثل الشعب أمام الدول والملوك.
ومن الإطالة التي لا تُجدي أن يفصل الكاتب في مقال كهذا حوادث ذلك اليوم، ومن الإسراف الذي لا يُغني أن يزعم الكاتب أن هذا اليوم قد كان خيراً كله، وأنه قد برئ من الشر المُنكر، والفساد العظيم. فقد كان يوماً مشهوداً، وكان شرّه عظيماً، وكانت آثامه لا تُحصى، ولكنه مع ذلك يوم مُخلّد في التاريخ، لأنه امتاز بما لم تتميز به الأيام التي سبقته، من إظهار الإنسان لكرامته، ولأنه أثبت ما عبرت الأيام السابقة عن إثباته، من أن الشعب مهما يظهر ضعفه، فهو قوي، ومهما تبدو ذلته، فهو عزيز، ومهما يعلن عجزه، فهو قادر، ومهما يظن به الظالمون من اليأس والقنوط، فهو عظيم الحظ من الأمل والرجاء.
والناس جميعاً يعلمون أن هذا اليوم قد فتح للتاريخ الإنساني باباً جديداً، دخلت منه الحرية والمساواة، وتغيرت له نظم الحكم في أوروبا أول الأمر، ثم أخذت تتغير في غير أوروبا من أقطار الأرض. والناس جميعاً يعلمون أن ما أصاب الفرنسيين من الأحداث، وما اختلف عليهم من الخطوب لم يغير من ثورتهم شيئاً، فهي ما زالت قائمة تعمل عملها، وتسلك طريقها إلى تحرير الجماعات والأفراد، وتؤدي رسالتها إلى الناس، فكل حدث يحدث، وله بنظام الحكم صلة قريبة أو بعيدة، وله في حرية الأفراد والجماعات أثر قوي أو ضعيف، إنما هو نتيجة من نتائج الثورة الفرنسية، وأثر من آثار ذلك اليوم العظيم الذي تغلب الباريسيون فيه على حصن الباستيل. وليس المهم أن يتحدث الكتاب بمجد هذا اليوم وآثاره التي تُحمد أو التي تُذم، وإنما المهم أن يتساءل الناس إلى أي حد استطاع هذا اليوم أن ينتهي بالإنسانية من الحرية الصحيحة، ومن المساواة التي تستحق هذا الاسم. إلى أين انتهى هذا اليوم بالإنسانية؟ إلى ما يُراد لها، من حفظ كرامتها كاملةً، ورعاية حرمتها موفورةً، والوصول بها إلى المثل الأعلى من العدل في أجمل صورةٍ وأنقاها، وأرقاها، وأبعدها عن الظلم والفساد.
أسئلة سيلقيها الناس في كل يوم، وسيجيبون عليها أجوبةً تختلف باختلاف البيئات والظروف، ولكن هناك شيئاً لا يمكن أن يختلف الناس فيه، ولا أن يكون بينهم حوله جدال. وهو أن الثورة الفرنسية إن كانت قد حررت الأفراد في أوروبا وأمريكا إلى حد بعيد، وحررت الجماعات في أوروبا وأمريكا إلى حد ما، فإنها ما زالت بعيدة كل البعد عن غايتها الطبيعية، قاصرة كل القصور عن بلوغ أمدها الذي ينبغي أن تنتهي إليه. فالأفراد أحرار في بعض أقطار الأرض دون بعض، والجماعات حرة في بعض البلاد دون بعض، ولكن الكثرة المطلقة من الناس ما زالت بعيدة كل البعد عن أن تستمتع بما يستمتع به هؤلاء الأوروبيون الممتازون من حريتهم الواسعة أو الضيقة. وما دام الاستعمار قائماً، وما دام الاستعمار نظاماً من نظم الحياة الإنسانية العامة، وما دام الاستعمار أصلاً من أصول العلاقة بين الأمم والشعوب، وما دامت في الأرض أمم قوية تستطيع كل شيء، وأمم ضعيفة لا تستطيع شيئاً، فالثورة الفرنسية لم تبلغ أمدها، ولم تحقق غايتها، ولم تؤدِّ رسالتها إلى الناس. ذلك أن حقوق الإنسان التي أعلنتها الثورة الفرنسية قد ذكرت الإنسان ولم تذكر الفرنسي، وذكرت الإنسان ولم تذكر الأوروبي، وذكرت الإنسان فلم تفرق بين جنس وجنس، ولا بين جيل وجيل، فما دامت مقصورةً إلى الآن على أجيال من الناس دون أجيال، فليست هي حقوق الإنسان، وإنما هي حقوق هذه الأجيال التي تنعم بها، وتستمتع بثمراتها، أو قُل إنها حقوق الإنسان كله، ولكن قوماً قد ظفروا بها، فهم سعداء، وقوماً آخرين لم يظفروا بها، فهم أشقياء، وهم مضطرون إلى أن يسعوا إليها، ويجدوا في السعي، حتى يبلغوها، وحتى يتمتعوا بثمراتها التي تسمى الحرية والإخاء والمساواة.
ليس صحيحاً أن الثورة الفرنسية قد حررت الإنسان، فما زال الإنسان يستعبد الإنسان، وما زال الفرنسيون الذين كانوا يرون أنفسهم رسل الحرية يستعبدون أجيالاً من الناس في أقطار الأرض على تباعدها، ويستعبدونهم باسم الثورة، ويستعبدونهم باسم الحرية والإخاء والمساواة. ليس صحيحاً أن الثورة الفرنسية قد محت الرّق، فالأفراد لا يُباعون ولا يُشترون في البلاد المتحضرة، ولكن الأمم الكبيرة، والشعوب الضخمة ذات الحضارة القديمة، والمجد المؤثّل تحيا حياة الرقيق، وتُسام ألوان الذل والخسف، بأيدي هؤلاء الأوروبيين الذين يرون أنفسهم رسل الحرية والإخاء والمساواة.
ليس صحيحاً أن الثورة الفرنسية قد أخرجت الناس من الظلمة إلى النور، فما زالت ظلمات البأس والبطش والقسوة والعنف، والجور والظلم حالكةً مدلهمةً على أممٍ من حقها أن تستمتع بالنور كما تستمتع به أوروبا، وكما يستمتع به الفرنسيون.
كلا، كلا. إن من الخير كل الخير أن يعرف الناس أنهم ارتقوا، وأن أمورهم قد صلحت، وأن حياتهم قد تغيرت، ولكن من الشر كل الشر أن يغتر الناس بهذا الرقي، وأن ينخدعوا بهذا الصلاح، وأن يُلهيهم هذا التغير. إن من الحماقة أن تسحرنا ألفاظ الحرية والإخاء والمساواة، ما دمنا لا نستمتع بها، ولا نستظل بظلها، ولا نشعر بأن ليس بيننا وبين الأوروبيين فرق عظيم أو يسير.
إن من الجنون أن نظن أننا أحراراً؛ لأن لفظ الحرية شائع بيننا، ولأن الفرنسيين يحتفلون اليوم بعيد حريتهم. إن من الغفلة أن ننتظر الحرية مؤمنين بها، واثقين بأنها ستتفضل ذات يوم فتُلِمّ بنا وتختار بلادنا لها داراً.
إن الحرية لا تُلِمّ ببلد إلا إذا دُعيت إليه، ولا تُقيم في بلد إلا إذا هُيئ لها المقام فيه. فإذا كنا نحب الحرية حقاً فلندعها، وإذا كنا نحب أن تُقيم بيننا فلنُقم لها داراً في مصر، فإن دارها فيما يظهر لم تُشيَّد بعد.
إن الثورة الفرنسية لم تصل بالناس إلى الحرية، ولكنها فتحت للناس أبواب الحرية. فمن الناس من يلج هذه الأبواب، ومنهم من يقف أمامها حائراً ذاهلاً مبهوتاً.
طه حسين
الوادي، 14 يوليو 1934. -
حظوظ
حديث الوادي حظوظ . . .
لا أريد أن أعرض لهذه الحظوظ التي توزعها المصادفة والظروف بين الناس توزيعًا غريبًا، فترفع الخامل وتضع النابه، وتسعد الجاهل وتشقي العالم، وتسود الغبي الأحمق، وترد الذكي العاقل إلى مكان المقهور المسود.
هذه الحظوظ معروف، وكلام الناس فيها كد وإيمان الناس بها شائع، والناس جميعًا يشفقون منها ويطمعون فيها، كل يريد أن يكون مجدودًا يناله الحظ بما يشتهي ويتمنى. إن أدركه الحظ لم يؤمن به، ولم يذعن له، وإنما زعم أنه أكفأ الناس، وأذكى الناس، وأحق الناس بالسؤدد والرفعة والرخاء. وإن لم يدركه الحظ ذم الدنيا، ولعن الظروف، وأنكر على المجدودين كل كفاية، ورماهم من العيب بما يكون وما لا يكون.
لا أريد أن أتحدث عن هذه الحظوظ التي تمس الناس، فالحديث عنها لذيذ في نفسه، ولكنه معاد. إنما أريد أن أتحدث عن حظوظ أخرى، ما أرى أنها تخطر لك على بال، وما أرى أنك تهتدي إليها، أو تظفر بها، مهما تفكر وتقدر، ومهما تقلب أمور الأحياء والأشياء، طوال الليالي والأيام. ذلك أني أريد أن أتحدث عن حظوظ الصناديق. ستدهش لهذه الكلمة وسينتهي دهشك إلى شيء من الضحك، يقل ويكثر بمقدار استعدادك، واعتدال مزاجك حين تقرأ هذا المقال. ولكني مصر مع ذلك على أن أتحدث إليك عن حظوظ الصناديق. فهناك صناديق يدركها الحظ، ويبسم لها الدهر، وتسعدها الأيام بالتأييد والعون، فلا يدنو الناس منها، ولا ينظر الناس إليها، ولا يتحدث الناس عنها إلا في حذر واحتياط، وفي تحفظ وتدبر، وفي حساب دقيق، لكل ما يقولون. وهناك صناديق أخرى يتنكر لها الحظ، وتدبر عنها الأيام، وينظر القضاء إليها في شيء من السخرية والإعراض، فإذا الناس ينظرون إليها نظر الطامع، ويدنون منها دنو الراغب، ويمدون إليها أيديهم بالتحطيم والتدمير. وما أظنك فهمت عني إلى الآن ما أريد أن أقول، فأنت تمعن في الدهش، وقد تمعن في الضحك، وقد يغيظك مني هذا التطويل، في غير انتهاء إلى الغاية، فتلقي الصحيفة وتعدل عن قراءة هذا الفصل، إلى قراءة شيء آخر أقل منها لفًّا ودورانًا. وأؤكد لك أني لا أريد أن ألف ولا أن أدور، وإنما أريد أن أتحدث عن صندوقين: أحدهما سعيد مجدود، والآخر شقي منكوب، وكلاهما في القاهرة، وكلاهما يتحدث الناس عنه في هذه الأيام.
فأما أولهما فصندوق الدين العام، وأما ثانيهما فصندوق القبلة القديمة في الأزهر الشريف. أفطنت الآن إلى ما أريد؟ أعلمت الآن أن من الصناديق ما يتاح له البقاء، ومنها ما يُقضى عليه بالفناء! أما صندوق الدين العام، فقد عرضت له اللجنة المالية في مجلس النواب أثناء دراستها للميزانية وكتبت فيه وفيما يحتويه من أموال الدين تقريرًا هو آية بين ما تكتبه اللجان في مجلس البرلمان. آية في الإقدام والإحجام معًا، آية في الرجاء واليأس معًا، آية في الهجوم والفرار معًا، ثم آية في الطلب والرفض وآية في القرب والصد، لا يشبهها أو لا يصورها، إلا قول بشار في صاحبته:
صدّت بخد وجلت عن خد
ثم انثنت كالنفس المرتد
ولو أنك قرأت هذا التقرير البديع، لأعجبك منه ما أعجبني، ولراعك منه ما راعني، فاللجنة تريد أن تعرض لظروف النزاع القضائي السياسي القائم حول مسألة الدين العام، ولكنها لا تريد أن تعرض لها من الوجهة القضائية لتظل أمور القضاء، في حرز حريز، ولا من الوجهة السياسية ليستطيع المفاوض أن يمعن في المفاوضات، وهو هادئ مطمئن، إنما تريد أن تعرض من الوجهة المالية العامة، فتطلب إلى الحكومة ألا تدفع إلا ورقًا، ولك أن تفهم وألا تفهم، هذا شيء لا خطر له. . ولك أن تقول إن موضوع النزاع القضائي والسياسي، هو بالضبط ما تحدثت فيه اللجنة، من وجوب الدفع ورقًا لا ذهبًا. فهذا صحيح، ولكن اللجنة مع ذلك، لم تعرض لهذا النزاع من الوجهة القضائية، ولا من الوجهة السياسية، وإنما طلبت إلى الحكومة، ألا تدفع إلا ورقًا، سواء أقرها القضاء أم لم يقرها، وسواء أقرتها المفاوضات، أم لم تقرها. واللجنة ضيقة بصندوق الدين العام، لأن وجوده لا يلائم السيادة المصرية، ولا يتفق مع الاستقلال، ولا يوافق مقدرتنا المالية، وتأديتنا لما علينا من دين، وإذن فاللجنة تريد أن تطلب إلغاءه ولكنها تحتاط في ذلك أشد الاحتياط، فتطلب إلى الحكومة أن تتهيأ للمفاوضة في ذلك، وتطلب إلى المجلس أن يقر ميزانيته في الوقت نفسه، فهي تلغيه بالقول وتبقيه بالفعل، وهي تغري به، وترغب فيه. وهي تؤلب عليه، وتدعو إلى تأييده، بما يحتاج إليه من المال. ألست ترى أن هذا الصندوق مجدود سعيد حسن الحظ؟!
فدعه ينعم بسعادته وحظه الحسن، وانظر إلى هذا الصندوق الآخر، فسيمتلئ قلبك رحمةً له وبرًّا به وعطفًا عليه. كان قائمًا في هذا المكان المبارك، منذ مئات السنين، ترتفع الأبصار إليه وملؤها الإكبار والإجلال، وتفكر العقول فيه وملؤها العجب والحيرة والدهش، ينظر الناس إليه على اختلافهم، ويتساءلون ما خطبه، ما سرّه، علامَ يشتمل، ثم يجيبهم هذا القدم وما يحيط به من البركة والجلال والإكبار: إن فيه سرًّا مصونًا، هو سر مجد الأزهر ورفعته. لا تقربوه ولا تمسوه، فإنكم إن تفعلوا هدمتم الأزهر هدمًا، وطردتم منه البركة طردًا، ومحوتم كل ما يحيط به من مظاهر العظمة والجلال. ثم يمضي هذا القدم في حديثه، فيقول للناس: لا تسألوا عن هذا الصندوق، ولا عن مادته، ويكفي أن تعلموا أن بين أجزائه قطعة من سفينة نوح، لتمتلئ قلوبكم له حبًّا، ونفوسكم له إكبارًا. ثم يمضي القدم في أحاديث أخرى تستطيع أن تقرأها في الكتب، وأن تسأل عنها شيوخ الأزهريين، أولئك الذين لم يفسدهم العلم الحديث، ولم تغيرهم الحضارة الحديثة، أولئك الذين لا تمتد أيديهم إلى القديم، إلا لتمسه تبركًا به وإعظامًا له. ولكن انظر ماذا أصاب هذا الصندوق في هذه الأيام.
أراد عالم من علماء الآثار – وويل للقدم من علماء الآثار – أن يفضح سرّه ويهتك ستره ويتبين حقيقته، وحقيقة ما فيه. فما هي إلا أن يطلب فيجاب. وما هي إلا أن تمتد يده المدمرة إلى الصندوق المبارك الكريم العتيق، فيزال عن مكانه ثم يفتح ويستخرج ما فيه. فإذا هي صحف من القرآن الكريم، قد كتبت بخط قديم. فأما الصحف فستستقر في مكتبة الأزهر، وأما الصندوق فالله يعلم أين تستقر مادته، وأما القبلة القديمة فستعطل من حليتها، وأما الأزهر الشريف فستنزع منه بركته. لماذا؟ لأن عالمًا من علماء الآثار أراد أن يبحث ويطلع، ويرضي حاجة العلم إلى البحث والاطلاع. ولأن هذا الصندوق الكريم العتيق، قد ساء حظه في هذه الأيام، فاستطاعت الأنظار أن ترتفع إليه بالجشع والطمع، واستطاعت الأيدي أن تمتد إليه بالتحطيم والتخريب. أما صندوق الدين فترعاه المعاهدات، وتصونه حماية الدول الأجنبية، فلا يستطيع أحد أن ينظر إليه، أو يطمع فيه، أو يتحدث عنه، أو يطلب إلغاءه إلا بما يضمن بقاءه، كما فعلت اللجنة المالية حين كتبت تقريرها إلى مجلس النواب.
أراك حزينًا كئيبًا كاسفَ البال، وقد كنت تضحك في أول المقال. أتراك ترثي مثلي لصندوق الأزهر الشريف، وتحسد مثلي صندوق الدين؟ إن كان هذا شأنك، فقد بلغت ما أريد!
ما أجدر صندوق الأزهر بالرثاء، وما أجدر صندوق الدين بالحسد. والأيام دول، لا يداولها الله بين الناس وحدهم، وإنما يداولها بين الصناديق أيضًا.
[طه حسين]
حديث الوادي، ٣ يونية ١٩٣٤. -
غريب
حديث المساء: غريب
طه حسين
كوكب الشرق
٤ مارس ١٩٣٤
وا رحمة بالغريب في البلد النازح
ماذا بنفسه صنعا
فارق إخوانه فما انتفعوا
بالعيش من بعده ولا انتفعا
وليست مصر بلدًا نازحًا بالقياس إلى فلسطين في هذه الأيام التي يستطيع الناس أن يطووا الأرض فيها طيًّا، أو ينهبوا المسافات فيها نهبًا، بالسيارات حينًا، وفي القطارات حينًا آخر، والتي يستطيع فيها الناس أن يقتحموا الجو اقتحامًا ويلتهموه التهامًا، بالطيارات حين تدعوهم إلى ذلك مرافقهم وحاجاتهم؛ أو حين يدفعهم إلى ذلك ما يُثِيرُهم من الآمال والآلام.
نعم، وليست مصر بلدًا نازحًا بالقياس إلى فلسطين ولا بالقياس إلى أي بلد من بلاد هذا الشرق العربي، الذي تجمع بين أجزائه صلات المودة والحب، وعلاقات الثقافة واللغة والدين. فالرجل من أهله مقيم في وطنه مهما تبعد به الدار، مضطرب بين مواطنيه مهما تنأَ به الآماد، ما دام لم يخرج من هذا الشرق العربي.
ليست مصر بلدًا نازحًا بالقياس إلى فلسطين؛ فما ينبغي أن يكون الرجل من أهل فلسطين غريبًا في مصر، وما ينبغي أن يكون الرجل من أهل مصر غريبًا في فلسطين. ولكن الظروف القاسية، والخطوب العاتية، والأيام السود، تأبى إلا أن يكون المصري غريبًا في مصر، فكيف بالرجل من أهل فلسطين إذا أقام على شواطئ النيل؟
وإذا كان المصري من أهل القاهرة لا يستطيع أن يزور بنها أو قليوب أو طوخ إذا كرهت له الوزارة، أو كرهت منه الوزارة أن يزور هذه المدن، مع أن أرض مصر مباحة للمصريين جميعًا بحكم الدستور والنظام والقانون وطبيعة الأشياء، فكيف ننكر أن يعجز الفلسطيني عن أن يزور مصر أو أن يعجز الفلسطيني عن أن يخرج من مصر عائدًا إلى وطنه مهما تكن الظروف التي تدعوه إلى أن يعود.
نعم، يجب أن يشعر كل شرقي بأنه غريب في الشرق! سواء أكان هذا الشرق وطنه الذي ولد فيه أم لم يكن، ذلك شيء لا منصرف عنه ما دامت أمور الشرق ليست إلى الشرقيين، وما دام الذين يحكمون في الشرق ليسوا هم الشرقيين، وإنما هم قوم آخرون أقبلوا من وراء البحر تسبقهم القوة المدمرة، وتتبعهم القوة المدمرة، ويستطيعون أن يفرضوا إرادتهم وأهواءهم على عباد الله فرضًا. يجب أن يشعر الشرقي بأنه غريب في الشرق ما دام الغربي — والغربي وحده — هو الذي يصرف أمور الشرق ويقضي فيها بما يحب ويريد. ومن يدري؟! لعل شعور الشرقيين بأنهم غرباء في بلادهم، أجانب في أرضهم، سجناء في أوطانهم، لعل هذا الشعور إذا قوي واتصل وتغلغل في أعماق النفوس أن يُثِيرَ في نفوس الشرقيين ما ينبغي أن يثور فيها من الحرص الصحيح المنتج على أن يكونوا أبناء بلادهم حقًّا، وأهل أوطانهم حقًّا، وسكَّان أرضهم حقًّا، لا ينازعون في ذلك، ولا يدافعون عنه، ولا يتحكم فيه المتحكمون.
كل شيء في هذه الأيام يُلْغِي ما بين البلاد والأوطان من هذه الحدود التي أقامتها الطبيعة جبلًا حينًا ونهرًا حينًا، وبحرًا مرة وصحراء مرة أخرى، وكل شيء في هذه الأيام يخفف هذه الفروق التي أنشأتها الطبيعة بين الناس. ولكن هناك شيئًا يقيم مكان الحدود الطبيعية حدودًا أخرى، ويقيم مكان الفروق الطبيعية فروقًا أخرى، ويزيد التقاطع والتدابر بين الناس، وهو ظلم الاستعمار. ظلم الاستعمار يجعل الشرق العربي سجنًا ضخمًا هائلًا يسكنه عشرات الملايين من السجناء، وهو يقسم هذا السجن أقسامًا، ويلزم أهله أن يُقِيموا في هذه الأقسام لا يخرجون منها، ولا يدخلون إليها إلا بإذنه ورضاه، وهو لا يعتمد في إذنه ورضاه على عدل ولا قسط، ولا رحمة، ولا عاطفة، وإنما يعتمد على المنفعة وحدها وعلى هذه المنفعة الآثمة الظالمة التي تجعل الناس عبيدًا للناس في وقت يجب أن يكون الناس فيه كلهم أحرارًا، وأن يكون الناس فيه كلهم سواءً أمام الحق والعدل والإنصاف.
خطرت لي كل هذه الخواطر المظلمة حين أقبل مقبل فأنبأني بأن صديقًا لنا من أهل فلسطين أقام في مصر منذ أعوام، وله في سياسة بلده مذهب يكرهه المستعمرون؛ فهو يقيم في مصر كأنه حر، وأكبر الظن أنه سجين، وهو راضٍ بهذه الحرية الضيقة، وهو مغتبط بهذا السجن الذي اتخذ له من وادي النيل؛ لأن له من السجناء المصريين أصدقاء يحبهم ويحبونه، يخلطونه بأنفسهم ويخلطهم بنفسه، ولكن الحوادث تحدث والنائبات تنوب، والله لم يقطع الصلات كلها بينه وبين وطنه في فلسطين؛ فهناك أهله الأقربون وهناك إخوانه، وهناك أترابه ولِدَاته، وهو يتصل بهم، وهم يتصلون به، يلقاهم إن هبطوا إلى مصر، وتسعى بينهم الكتب إن أقاموا في فلسطين.
ثم جاءته الأنباء بأن أمه مريضة، وبأن مرضها شديد، فهَمَّ أن يذهب للقائها، والعناية بها، وقضاء ما فرض الله وما فرضت الطبيعة وما فرضت الأخلاق من حقها عليه، ولكنه وجد باب السجن مغلقًا، فلما استفتح الباب لم يفتح له، ولما ألحَّ في الاستفتاح لم يحفل به، ولما غلا في الإلحاح لم يلتفت إليه، والمرض هناك في فلسطين يسلك طريقه لا متوانيًا، ولا متباطئًا، لا مفكرًا في أن هناك ابنًا في مصر يريد أن يرى أمه ويجد في الخروج من مصر مشقة وعناءً؛ فمن الخير أن يمهل ومن الخير أن ينتظر لعل قلب السجَّان أن يرقَّ، لعل هذا السجين أن يلقى أمه قبل أن يدركها الموت.
والسجين يستفتح الباب ويرفع إلى السجان ما يأتيه من آراء الأطباء وشهاداتهم بأن المرض يسلك طريقة مسرعًا لا يصطنع رفقًا ولا أناة. ولكن قلب السجان مغلق كباب السجن لا تنفذ إلى قلب السجان رحمة ولا بِرٌّ كما لا يستطيع السجين أن ينفذ إلى أرض وطنه ليرى أمه قبل أن تموت.
ثم يحمل البرق إلى هذا السجين فجيعته في أمه، فلا تذكر حزنه ولا تذكر جزعه ولا تذكر يأسه! فكل هذه أشياء لم يبقَ لها الآن خطر ولا قدر، ولكن اذكر أنه أسرع بهذا النبأ إلى السجان، يسأله أن يفتح له الباب ليسرع إلى وطنه فيؤدي إلى أمه الواجب بعد أن أدركها الموت ما دام قد عجز عن أن يؤدي إليها الواجب قبل أن يدركها الموت. ولكن قلب السجَّان مغلق دائمًا كباب السجن؛ فلن يخرج هذا الصديق الحزين البائس من مصر، ولن يرى أمه ميتة كما أنه لم يرها مريضة، لن يسعى في جنازتها، لن يُصَلِّي عليها، لن يقوم على قبرها، وستسعى هذه المرأة الصالحة إلى القبر لا يشيِّعها ابنها، وستهبط هذه المرأة الصالحة إلى القبر لا يودِّعها ابنها، وستلقى دون الأحياء ودون هذه المرأة الصالحة هذه الجنادل الصم التي تغلق أبواب القبور، وسيظل ابنها سجينًا، وستحول بينها وبينه هذه الأبواب الثلاثة المغلقة؛ هذا الباب الذي لا يفتح للرحمة إلى قلب السجان، وهذا الباب الذي لا يفتح للسجين إلى فلسطين، وذلك الباب الذي إذا أغلق من دون الموتى فإنه لا يفتح إلا يوم يؤذن للموتى بالبعث والنشور، وسيقول المستعمرون بعد هذا: إنهم رسل الرحمة وملائكة السلام، وإنهم قد أقبلوا إلى الشرق يحضِّرونه ويهذِّبونه ويثقِّفونه ويرمون به إلى المثل الإنسانية العليا!
ما أجدر الإنجليز أن يتفكروا في هذه القسوة التي يعجز الناس عن وصفها؛ لأنهم يعجزون عن إدراكها، ولكنهم لا يعجزون عن اقترافها حين يدفعهم إلى ذلك الظلم والجور، والغطرسة والكبرياء!
ما أجدر الشرقيين أن يتفكَّروا في هذا، وأن يرحموا أخاهم هذا الغريب، وأن يرحموا أنفسهم؛ فكلهم غريب كهذا الرجل، وأن يفكروا لأنفسهم في شيء من العزة والكرامة يطلقهم من هذه السجون الواسعة الهائلة التي يخيم عليها الظلام.
ما أجدر هذا الصديق الغريب الأستاذ محمد علي الطاهر أن يتعزَّى وأن يتأسَّى، وأن يعلم أنه لا يشقى وحده بهذه الآلام الثقال، وإنما يشقى بها معه كل هؤلاء الشرقيين الذين يضطرهم الاستعمار إلى حياة الذل والبؤس والهون.