الشهداء
كنا طلابًا في باريس ، منا من بدأ الدرس منذ أشهر ، ومنا من ينتظر إتمام الدرس بعد أشهر . منا حديث العهد بمصر ، فارقها آخر الصيف ، ومنا بعيد العهد بمصر ، فارقها قبل أن تُعلن الحرب الكبرى . منا من طال به المقام في بلاد الغربة ، وفي أعوام كلها صروف وخطوب ، وظروف كلها محن ونوب ، فهو مشوق إلى أن يعود إلى وطنه وقد أدى عمله أداء حسنًا ، وأرضى حاجته من العلم والتحصيل ، واعتقد أنه قادر على أن يعود لينفع بلاده ، ويحيي فيها ما تنقصه الحياة . ومنا من يستقبل الحياة الغربية على جهل لها وشوق إليها ، وأمل في أن يستقبل خيرًا ، ويفيد خيرًا ، ويعود إلى وطنه وقد ملأ يديه مما ينفع الناس ويحيي الآمال .
وكانت الحياة من حولنا قد أخذت تهدأ وتستقر ، وانقضت الحرب بالمدافع وما إليها من أدوات التدمير والإهلاك ، واضطربت حرب الألسنة والأقلام حول معاهدات الصلح ونظم السلام . وكانت الأمم قد أمنت على ما بقي من نفوسها ودمائها ، ولكنه أمن مضطرب شديد القلق ، فيه خوف أن تضاف إلى هزيمة الحرب هزيمة الصلح ، فتموت الآمال ، ويستأثر اليأس بالقلوب . وفيه خوف أن لا يعقب الانتصار في الحرب انتصار في السلم ، وأن تذهب عبثًا تلك الجهود الهائلة التي بذلتها الأمم المنتصرة من الأنفس والأموال ، ومن الأماني والآمال في سبيل الانتصار الشامل .
وكنا نحن المصريين في هذا كله نعيش عيشة هادئة مطمئنة ، ولكنها لا تخلو من ذلة وانكسار . كنا مضطربين بين الإنجليز الغاصبين في مصر ، المنتصرين في أوروبا ، والترك الذين كانوا أصحاب السيادة في مصر ، وكانوا يتجرعون مرارة الهزيمة في بلادهم . وكنا نود لو نفضنا عن أنفسنا سيادة هؤلاء الاسمية ، وسلطان أولئك الفعلي ، وقلنا إننا مصريون فحسب ، ولكننا لم نكن نجد إلى هذا سبيلًا .
وكانت الإدارة الفرنسية تراقب الأجانب وتسيء الظن بهم ، وترسل إليهم من حين إلى حين من رجال الشرطة من يزورهم ويفتش عن أحوالهم ، وتدعوهم من حين إلى حين إلى الأقسام ، فتنظر في أوراقهم وتسأل عن أعمالهم ، ثم تردهم موفورين .
ومهما أنس فلن أنسى يومًا دُعيت فيه إلى القسم لتنظر الشرطة في أوراقي ، وتسأل عن أعمالي . فأخذ المأمور يتحدث إليّ ، سألني عن جنسيتي ، قلت: مصري . قال: وإنما أسأل عن تبعيتك . قلت: مصري . قال: ما نعرف أن لمصر هذه المنزلة . قلت: فلست أعرف لي تبعية أخرى . ففكر قليلًا ثم قال في صوته الفرنسي الضخم ، وكأنه قد ظفر بشيء غريب: لقد عرفت ، أنت رعية مصري ، وحماية إنجليزي . وخرجت محزون القلب ، منكسر النفس ، كاسف البال ، تدور في رأسي هذه الجملة ، وكأنها العجلة المحددة الأطراف تمزق من تدور فيه: « أنت رعية مصري ، وحماية إنجليزي » .
ولقيت آخر النهار نفرًا من زملائي المصريين فأقصصت عليهم هذه القصة ، فإذا كلهم قد سُئل هذا السؤال ، وسمع هذا الحديث ! ونحن نحس هذا الألم اللاذع الذي تجده القلوب وتعرب عنه الألسنة ، وتعجز الأيدي عن أن تدفعه أو تغيره .
كذلك كنا في باريس بعد أن أُعلنت الهدنة ، ووُضعت الحرب أوزارها ، ولكن أنباء تصل إلينا من مصر تهز لها رؤوسنا وأكتافنا ، فتعبر عن هذا اليأس الحزين الذي يشعر به من يرى الأمل السامي العريض ويعلم من نفسه العجز عن بلوغه والوصول إليه . وتتصل الأنباء ، ثم تتصل ، فإذا هي كلما اشتد اتصالها اشتدت قوتها ، وإذا هي لا تهز الرؤوس ولا الأكتاف ، وإذا هي ترسم على الثغور ابتسامة يسيرة ، وتبسط على الجباه نورًا ضئيلًا . ثم تتصل الأنباء وتقوى ، فتزداد الابتسامات سعة وبهجة ، ويزداد نور الحياة جمالًا وإشراقًا ، وتنطلق الألسنة بأحاديث قصار تتردد فيها « ليت » و « لو » ، ونختمها هذه الكلمة الحلوة المرة في مثل ما كنا فيه: من يدري ؟
ثم يأتي النبأ العظيم ، فإذا الابتسام ضحك ، وإذا الوجوه كلها إشراق ، وإذا السكون حركة ، وإذا الجمود نشاط ، وإذا نحن سرور كلنا وابتهاج كلنا ، يسعى بعضنا إلى بعض . ماذا أقول ؟ يسرع بعضنا إلى بعض فيقبل بعضنا بعضًا ، ويهنئ بعضنا بعضًا ، وتجري على هذه الوجوه المشرقة دموع حارة ، ولكن في حرارتها برد الأمل والرجاء .
مصر ثائرة ، مصر تقاوم الإنجليز ، مصر تنهض في وجه أوروبا المنتصرة ، تطلب إليها البر بالوعد والوفاء بالعهد . مصر تقدم زعماءها إلى النفي . مصر تعرض صدور أبنائها إلى الرصاص . مصر تخضب أرضها بدماء المصريين . والصحف الفرنسية تنشر هذا بالحروف الضخمة والخط العريض ، وتتحدث عن هذا فتوجز وتطيل . ورؤوسنا نحن قد ارتفعت كأن لها حاجة في السماء ، وقد استقامت ، تلي الفرنسيين فتسألهم باسمة: ماذا تقولون في أبناء مصر ؟ أو تحتفظ بالصمت عن هذه الأنباء ، وتدور بالحديث حتى تجره إليها ليبدأ الفرنسي فيقول: حدثني ماذا تنشر الصحف عن بلادكم ؟ إن عندكم لثورة ، وما أظن إلا أن سيكون لها خطر .
وكنا حينئذ نفيض في الحديث عن هذه الثورة ، ولعل منا من لم يكن يتحرج عن المبالغة والإغراق . ثم يصل الوفد إلى باريس ، وإذا نحن نهرع إليه ونستمع منه ، وإذا نحن لا نسمع منه إلا أحاديث كلها ابتهاج بما كان ، وأمل فيما سيكون ، وإعجاب بعسر اليوم ، وثقة بمصر غدًا .
رحم اللّٰه شهداء سنة ١٩١٩ ، لقد صغرت حياتهم في نفوسهم لنكبر نحن في نفوسنا . لقد ماتوا فأحيانا موتهم .
رحم اللّٰه الشهداء . لم يكن أحد منهم يفكر في أحد منا ، بل لم يكن أحد منهم يعرف أحدًا منا ، إنما كانوا يفكرون في مصر ، ويعرفون مصر ، ويبذلون نفوسهم في سبيل مصر . وكنا نحن نحيا بهذا كله ، بل بأنباء هذا كله .
في ذمة اللّٰه ، وفي سبيل الوطن ، هذه الأرواح الطاهرة الكريمة التي ذهبت فداء لاستقلال مصر وكرامتها ، وشقت لها طريقها إلى المجد والعلاء في هذا العصر الحديث . فقد اختلفت علينا ظروف الحياة ، وستختلف علينا ظروف الحياة . لقد لقينا الخير والشر ، ووجدنا الرضا والسخط ، وسنلقى هذا وذاك ، وسنأخذ حظنا من هذا وذاك ، ولكننا ذكرنا دائمًا ، وسنذكر دائمًا ، أن هذه الأرواح الطاهرة الكريمة هي التي أذاقتنا طعم العزة القومية لأول مرة ، وهي التي أنبأتنا فأقنعتنا بأننا نستطيع أن نكون كغيرنا من الناس أعزاء كرامًا مستقلين .
شهداء حقًا هؤلاء الذين ذهبوا في سبيل مصر سنة ١٩١٩ ، وشهداء حقًا هؤلاء الذين قفوا آثارهم بعد ذلك ، فماتوا كما مات هؤلاء في سبيل الحرية والعزة والاستقلال . هم شهداء لأنهم ضحوا بنفوسهم وآمالهم في سبيل فكرة ، هي فكرة الاستقلال . وهم شهداء لأنهم اندفعوا إلى هذه التضحية بهذه العاطفة الدينية المقدسة التي لا يقف في سبيلها شيء ، والتي لا تتردد في أن تتخذ الأخطار مهما تعظم وسيلة إلى الفوز ، ومصعدًا إلى المثل الأعلى .
هم شهداء لأنهم مجهولون ، هم شهداء لأنهم مغموطون . ألست ترى أنهم ما يزالون مضطهدين إلى الآن ؟ ألست ترى أن السعي إليهم بحذر ؟ وأن التحدث عنهم لا يجب ، وأن ذكرهم يخاف منه على النظام ؟
هم شهداء يوم لقوا الموت ، وهم شهداء يوم تلقى ذكراهم ألوان الاضطهاد . أرواحهم في جنة الخلد ، وذكراهم في قلوب المصريين جميعًا . ولئن حيل بين الناس وبين ما يريدون من إقامة هذه الحفلات والمظاهر التي لا تنفع الشهداء أنفسهم ، وإنما تنفع الناس لأنها تحيي فيهم هذه العواطف المقدسة التي يجب على كل حكومة وطنية أن تحييها ، عواطف الحب للوطن والتضحية في سبيله ، فلن تحول قوة في الأرض بين قلوب الناس وبين إحياء هذه الذكرى . ستعمر قلوب الناس بهؤلاء الشهداء دائمًا ، وسيظل هؤلاء الشهداء أمام نفوس الناس دائمًا مثلًا أعلى لافتداء الوطن بأعز شيء عليهم في الحياة .
Tag: colonialism
-
الشهداء
-
رحيل
حديث اليوم: رحيل
طه حسين
جريدة السياسة
١٩ يوليو ١٩٣٢
رحلة موفقة إن شاء الله وسفر سعيد، وعودة سالمة إن شاء الله وإياب حميد، ثم إعلان الانتصار، وفخار أي فخار! وكبت الحسود، ورغم الحقود، وخزي الشامت، من ناطق وصامت، وتفريق المعارضين، بالشمال واليمين، ثم استقرار النظام، في أمن وسلام، على مدى الأيام.
تلك أماني صادقة نرسلها مخلصين لتصحب رئيس الوزراء حين يطير على الماء بعد أن عَامَ في الهواء، وحين تستقبله مدينة القياصرة باسمة ناضرة كما تستقبله القاهرة. وأَخْلِقْ بالمدينتين أن تتشابها! وأَخْلِقْ بهما أن تتقرب كل منهما إلى الأخرى! تلك مدينة نيرون وهذه مدينة قلاوون، تلك عاصمة المسيحية وهذه عاصمة الإسلام، تلك مستقر السنيور موسوليني حليف البابا وهذه مستقر صدقي باشا صديق الأستاذ الأكبر، تلك مدينة الغرب الخالدة وهذه مدينة الشرق الماجدة.
ما أخلق المدينتين أن تتقرب إحداهما من الأخرى يوم يسعى النبوغ إلى النبوغ ويبتسم الذكاء للذكاء، وتصافح الكفاية الكفاية، ويشهد صدقي مأدبة موسوليني.
تعالى الله ما شاء وقوَّى الله إيماني
ماذا ينقص المصريين؟! وماذا يمنعهم أن يكونوا أسعد الناس وأعظمهم حظًّا من الابتهاج؟! لقد أخطأتهم صداقة لندرة فكسبوا مودة روما. وأين تقع لندرة من روما؟! لقد فاتهم التحدث إلى مكدونلد فأُتِيحَ لهم التحدث إلى موسوليني! وأين يكون مكدونلد من موسوليني؟!
إن في المصريين لبطرًا لا يشبهه بطر، وإن فيهم لأشرًا لا يعدله أشر، متى رأوا قبل اليوم مدينة خالدة ماجدة كمدينة روما تتأهب وتتزين للقاء وزيرهم الأكبر، قبل أن يقصد إليهم بأسبوع أو أكثر من أسبوع؟! وهم على هذا كله لا يعلنون السرور ولا يظهرون الابتهاج ولا يقيمون الأعياد في أطراف البلاد!
ماذا ينقصهم؟! وما الذي ينتظرون؟!
هذه جريدة المقطم تعلن إلينا اليوم أن قد احْتُجِز لرئيس الوزراء جناح خاص على هذه السفينة الفخمة الضخمة التي يسمونها إسبيريا، ومتى احتُجِز قبل اليوم لوزيرهم الأكبر جناح خاص على سفينة فخمة ضخمة كالإسبيريا؟! ومتى أُعْلِن ذلك في الصحف؟!
ماذا ينقصهم؟! وما الذي ينتظرون؟!
لن يبلغ وزيرهم الأكبر ثغر نابولي حتى يستقبله فيه الممثلون الملكيون والعسكريون للحكومة الإيطالية، ولن يركب القطار حتى يكون عن يمينه مندوب رسمي إيطالي وعن شماله وزير مفوض مصري.
متى استُقْبِل وزراؤهم على هذا النحو؟! ومتى رُوفِق وزراؤهم على هذا النحو؟!
ماذا ينقصهم؟! وما الذي ينتظرون؟!
إني نذير لهم إن لم تمتلئ نفوسهم عزة وتنتفخ أوداجهم كبرًا بهذه الحفاوة التي تُهيَّأ لوزيرهم الأكبر أن يعودوا كما كانوا من قبل ضعفاء أذلاء يسافر وزيرهم الأكبر كما يسافر عامة الناس لا تُحتجَز له أجنحة في السفن، ولا يستقبله في الثغور حكام المدن وقواد الجيوش، ولا يرافقه في القطار مندوب رسمي ووزير مفوض، ولا تحتفي به مدينة روما الخالدة، ولا يُولِم له عظيم إيطاليا وزعيمها.
اللهم ألهم المصريين شكر النعمة، كما ألهمتهم احتمال النقمة. اللهم علمهم الابتهاج كما علمتهم الاحتجاج.
ماذا يريد المصريون؟! وماذا ينقصهم؟!
يريدون المفاوضة مع الإنجليز، ويريدون أن يستخلصوا استقلالهم من الإنجليز. بُعْدًا للمفاوضة وأفٍّ للاستقلال! ما أظن أن الله قد أراد بهذا البلد خيرًا حين وضع في رءوس أهله فكرة الاستقلال وحين ألهمهم أن مفاوضة الإنجليز قد تؤدي إليه!
أشهد إن رؤساء الوزارات كانوا مستريحين قبل أن تنبت فكرة الاستقلال في الرءوس، ويلعب خيال المفاوضة بالنفوس، كانوا يسيرون بوزاراتهم الإدارية في أناة ورفق، يغدون على دواوينهم ويروحون منها هادئين وادعين، لا ينغص عليهم حياتهم مكاتب المقطم اللندني، أو مكاتب الأهرام الخاص، أو المحرر السياسي للديلي تلغراف، وكانت لهم وزارة خارجية قبل الحماية تتصل بالدول وتفاوضها كما تفعل وزارة خارجيتنا الآن في مسائل قيمة منتجة تُكتَب فيها المذكرات الطوال الممتعة كهذه المذكرات التي تكتبها وزارة خارجيتنا الآن حين تفاوض الدول في ضريبة السيارات، أيجب أن تُقاس بالوزن، أم يجب أن تُقاس بالسرعة، أم يجب أن تُفرَض على السيارة؛ لأنها سيارة؟!
هذه هي المسائل القيمة الممتعة التي يجب أن تدور حولها المفاوضات! هي قيمة ممتعة؛ لأنها ستنتهي بعد يوم أو أيام أو بعد عام أو أعوام بإغناء الخزانة المصرية، وهي قيمة ممتعة لأن أصحاب العقول المفكرة والذين يحبون الفلسفة يستطيعون أن يجدوا فيها غذاءً فلسفيًّا ممتازًا حين يقارنون بين الوزن والسرعة، وحين يعرفون أن العالم الألماني العظيم أينشتين يرى أن الوزن شيء نسبي يختلف باختلاف السرعة؛ فليس للسيارة وزن واحد وإنما تختلف أوزانها باختلاف سرعتها حين تنهب الطريق!
هذه هي المفاوضات الخصبة المنتجة اللذيذة!
ولكن حكومتنا تحاول أن تحبب هذا النوع من المفاوضات إلى المصريين، لعلهم ينصرفون إليه عن مفاوضة الإنجليز في الاستقلال فلا تفلح ولا تُوفَّق.
كانوا مبتهجين برحلة رئيس الوزراء حين كان من ورائها أمل الذهاب إلى لندرة والمفاوضة في الاستقلال. فلما قُطِع هذا الرجاء أو أُخِّر إلى الشتاء فتروا وأخذوا يقرءون أخبار هذه الرحلة الميمونة بشيء من الإغضاء يبعث على الرثاء، وأخذت الصحف تستحثهم بما تنشر من أخبار هذه الرحلة ومما سيكون فيها من ألوان الحفاوة والإكرام، فلا يبعث فيهم هذا نشاطًا ولا ينفخ فيهم هذا روحًا من قوة.
ولا تُصَدِّقْ أن الأزمة المالية هي التي أحزنتهم فلا يفرحون وأسكنتهم فلا ينشطون، وأسكتتهم فلا يقولون، لا نصدق هذا. فليست الأزمة المالية إلا أسطورة خلقتها المعارضة من عند أنفسها، ولو أن في البلاد أزمة مالية حقًّا لما تفرق وزراء الدولة في أقطار الأرض يلتمسون الراحة ونعيم الحياة. ومتى رأيت الوزراء في فرنسا وإنجلترا وألمانيا وإيطاليا يتركون بلادهم إبان الأزمة للراحة أو الاستشفاء؟!
إنما الأزمة أسطورة خلقتها المعارضة، ولو كان في مصر أزمة مالية حقًّا لما تركها في وقت واحد وزير المالية ووكيلها. هذا يتحدث في القطن دون أن يرفع ثمن القطن، وذاك يسلم على زعيم إيطاليا ثم يستشفي ويستريح.
ليس في مصر أزمة مال، ولو قد كانت فيها هذه الأزمة حقًّا لما تركها رئيس الوزراء وهي أحوج ما تكون إلى عنايته المتصلة بماليتها وسهره الدائم على اقتصادها.
أزمة المال وأزمة التعليم أسطورتان لا تدلان على شيء. وزير المالية ووكيله يغيبان عن مصر، وزير المعارف ووكيله يغيبان عن مصر، وزير الحقانية يستريح في إنجلترا، وزير الأشغال يهيئ لجبل الأولياء في لندرة، ووزير الزراعة يُرفِّه عن نفسه لا أدري في أي مكان.
كل شيء في مصر على أحسن حال. وإذن؛ فما بال المصريين لا يكترثون برحلة وزيرهم الأكبر، ولا يحفلون بما يحيط بهذه الرحلة من مظاهر الإكرام والإجلال؟!
قال فريق من الناس: وكيف تريد المصريين على أن يتهجوا برحلة رئيس الوزراء وهو أحب إليهم من حياتهم وأعز عليهم من أنفسهم؟! ومتى رأيت حبيبًا يفرح بفراق حبيب؟! وأين ذهب عنك قول النابغة:
زعم البوارح أن رحلتنا غدًا وبذاك تنعاب الغراب الأسود
لا مرحبًا بغدٍ ولا أهلًا به إن كان تفريق الأحبة في غد
وقال فريق آخر: وكيف لا يحزن المصريون ولا يبتئسون لرحلة رئيس الوزراء عنهم في هذه الأيام والحوادث تحدث، والنوائب تنوب، والأزمات يتلو بعضها بعضًا؟!
ولرئيس الوزراء سابقة يشفق منها المصريون الذين يحبونه أكثر مما يحبون حياتهم، ويؤثرونه أكثر مما يؤثرون أنفسهم؛ كان وزيرًا للداخلية، ثم سافر إلى أوروبا ليستريح، ثم نابت نائبة فاستقال من باريس. أليس من حق المصريين الذين يحبون رئيس الوزراء أكثر مما يحبون حياتهم ويؤثرونه أكثر مما يؤثرون أنفسهم أنفسهم، ألا يرتاحوا لهذه الرحلة وأن يشفقوا من أن تعود حليمة إلى عادتها القديمة، وأن يذكروا قول جرير وقلوبهم ملؤها الحسرة ونفوسهم يعبث بها الأسى:
يا أم ناجية السلام عليكم قبل الرواح وقبل لوم العذل
لو كنت أعلم أن آخر عهدكم يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل
أو كنت أرهب وشك بين عاجل لقنعت أو لسألت ما لم أسأل
قال فريق آخرون: فأل الله ولا فألكم أيها المتشائمون! ما نرى إلا أن المعارضة الماكرة قد نفخت فيكم من روحها السيئ ونفثت فيكم من سمها الذي يميت القلوب، من زعم لكم أن المصريين لا يبتهجون برحلة رئيس الوزراء؟! ألم تقرءوا الأهرام؟! ألم تقرءوا المقطم؟! ألم تقرءوا الشعب؟! ألم تعلموا أن الشيوخ والنواب يُهرَعون إلى الإسكندرية منذ الآن ليحتفلوا بوداع رئيس الوزراء؟! وإذا ودعه الشيوخ والنواب فقد ودعته مصر، فهم مصر تأكل وتشرب وتمشي في الأسواق وتسافر إلى الإسكندرية لتودع رئيس الوزراء، فأما الآخرون فليسوا شيئًا؛ لأنهم قد نزلوا عن حقهم في الحركة والقول لبرلمانهم وأعضائه الشيوخ والنواب، فليس لهم إلا أن يستريحوا خمس سنين كاملة.
وكان في القوم شيخ وقور يُعرَف بالفهم والذكاء والمكر والدهاء، لا يطيل الكلام ولا يحسن الابتسام، ولكنه إن قال أصاب الحق، وإن ابتسم كان ابتسامه دليلًا على أن الشر قد صُرِف عن الناس حينًا، وعلى أن الدهر سيبتسم لهم لحظه.
سمع هذا الشيخ حديث الناس وهو مطرق ينكت الأرض بعصاه، فلما فرغوا رفع رأسه، فالتفتوا إليه، ثم ابتسم فتعلقوا بشفتيه، ثم قال بصوت هادئ مطمئن: ولا بأس عليكم؛ فلن تجني مصر من رحلة رئيس الوزراء إلا خيرًا، لئن فاتته مفاوضة الإنجليز فسيفاوض الإيطاليين، أهدى إليهم جغبوب أمس؛ لأنها لم تكن مصرية قط، وسيهدي إليه الإيطاليون أرتيريا غدًا؛ لأنها لم تكن إيطالية قط!
ولو عرف المصريون كيف يفهمون قول هذين البيتين لاستراحوا:
ألا إلا تكن إبل فمعزى كأن قرون جلتها العصيُّ
فتملأ بيتنا أقطًا وسمنًا وحَسْبُك من غنًى شبعٌ وريُّ
رحلة موفقة إن شاء الله وسفر سعيد، وعودة سالمة إن شاء الله وإياب حميد. -
حول الجامعة المصرية
حول الجامعة المصرية
حديث اليوم
يدور بعض الناس حول الجامعة المصرية منذ حين يتهمها في وطنيتها ودينها وإخلاصها للعلم ويستعدي عليها الناس وينذر مصر بالخطر الداهم والشر المستطير لأن الجامعة المصرية فكرت في أن تكون جامعة مصرية وأرادت أن تؤدي واجبها في هذه البلاد كما تؤدي الجامعات الأخرى واجباتها في البلاد الأخرى.
نعم يدور بعض الناس حول الجامعة ويتهمها بكل هذه المنكرات لأنها فكرت في أن تدعو أستاذا فرنسيا ليلقي فيها محاضرات حول الآداب العربية أو حول فقه اللغة العربية. فكرت الجامعة في ذلك فهي تتهم في دينها ووطنيتها، تتهم بالردة وتتهم بالخيانة العظمى. وليس ذلك غريبا فليس في مصر شيء غريب
ونحن نخشى أن يصل مثل هذه الأوهام إلى قوم ليس لهم صلة بالجامعة فيسيئون الظن بهذه الجامعة أو يخطئون فهم ما تعمل الجامعة وما تريد. لهؤلاء وحدهم نكتب هذه الكلمة.
لم تكد تنشأ الجامعة حتى شعر مجلس إدارتها وعلى رأسه يومئذ صاحب الجلالة المصرية بأن هذه الجامعة لا تستطيع أن تعيش ولا تستطيع أن تنهض إذا اكتفت بالعلماء المصريين والأساتذة المصريين، وبأنها إنما أنشئت لتكون صلة في العلوم العالية بين مصر وأوروبا، شعروا بذلك فاعتزموا أن يدعو أساتذة أوروبا إلى هذه الجامعة، ولم تفتح الجامعة دروسها حتى كان من بين أساتذتها ثلاثة من الأوروبيين في قسم الآداب: أستاذ للآداب الإنجليزية وأستاذ للآداب الفرنسية، وأستاذ إيطالي هو السنيور جويدي للآداب العربية أو قل كما قالت الجامعة يومئذ لا آداب الجغرافيا والتاريخ. وقد ألقى هذا الأستاذ الجليل دروسه باللغة العربية وكان ازدحام الناس على هذه الدروس شديدا أو إعجابهم بها أشد.
فلما كانت السنة الثانية دُعيَ إلى الجامعة مكان هذا الأستاذ الذي اعتذر لتقدمه في السن أستاذ إيطالي آخر هو الأستاذ نللينو فألقى دروسه في تاريخ الفلك عند العرب. فلما كانت السنة الثالثة نظم قسم الآداب في الجامعة ودُعيَ إليه أستاذان إيطاليان أحدهما الأستاذ نللينو لدرس تاريخ الآداب العربية. والآخر الأستاذ مليوني لدرس تاريخ الشرق القديم. ودُعيَ أستاذ ألماني هو الأستاذ ليتمان لدرس اللغات السامية. ودُعيَ أستاذ إيطالي آخر هو الأستاذ سانتللانا لدرس تاريخ الفلسفة. كان هؤلاء الأساتذة الأربعة يلقون دروسهم باللغة العربية وكان الأزهريون يختلفون إلى هذه الدروس فيعجبون بها الإعجاب كله كما كان الأساتذة يعجبون بها الإعجاب كله كما كان الأساتذة يعجبون بتلاميذهم الأزهريين، حتى لقد ذهب الأستاذ سانتللانا إلى رئيس الجامعة وقال له: إذا كنت تريد أن تنجح الجامعة حقا فاعن الأزهريين على أن يختلفوا إليها ويتخصصوا لها. ثم كانت الحرب وانقطعت الصلة بين الجامعة وأوروبا.
انقطعت هذه الصلة بعد أن اختلفنا في الجامعة إلى أساتذة من الفرنسيين والإيطاليين والألمان درسوا لنا آداب العرب وفلسفتهم وتاريخهم ودرسوا لنا اللغات السامية درسا نعترف بأننا لم نشهده في مصر وبأننا ما زلنا بعيدين عن أن نشهده في مصر، وبأن واجب الجامعة المصرية وغير الجامعة المصرية هو أن تقربنا من هذا اليوم الذي نجد فيه أساتذة مصريين يدرسون على نحو ما يدرس الأساتذة الأوروبيون.
انقطعت هذه الصلة أثناء الحرب واكتفت الجامعة بأساتذة من المصريين منهم بعض علماء الأزهر ومنهم غير علماء الأزهر من رجال العلم، ويسوئنا أن نسجل أن القيمة العلمية للجامعة ضعفت ضعفا شديدا أحسه الطلبة وأحسه الأساتذة أنفسهم وأحسه أعضاء إدارة الجامعة وأحسه الناس من حول الجامعة فكانوا جميعا يأسفون ويتمنون أن تعود الجامعة إلى سنتها القديمة. ثم انتهت الحرب وعاد إلى الجامعة نفر من أبنائها الذين درسوا في أوروبا فأخذوا يدرسون في الجامعة ولكنهم لم يتعلموا الغرور في أوروبا وإنما تعلموا فيها الشعور بأن اليد الواحدة لا تستطيع أن تصفق وبأن الجامعة لن تنهض ولن تعيش إلا إذا استعانت بأساتذة أوروبا وكانت صلة متينة بين مصر وبين البلاد الأوروبية. فأخذ كل واحد من هؤلاء الأساتذة يلح في أن تستعين الجامعة بأساتذة من الأوروبيين في المادة التي يدرسها هو، وأكثر الأساتذة من الإلحاح ووضعوا لذلك نظاما مكتوبا لو نفذ لكانت الكثرة في أساتذة الجامعة الآن يلحون في تنفيذ هذا النظام.
ويتمنون على الله وعلى جلالة الملك وعلى الحكومة المصرية أن تزال العقبات المادية التي تحول بين الجامعة وبين تنفيذ هذا النظام.
أساتذة الجامعة إذن ومجلس إدارتها متضامنون في الرغبة في دعوة الأساتذة الأوروبيين بكثرة إلى الجامعة المصرية، وقد عرض نظامهم الجديد على صاحب الجلالة فتفضل بالوعد بأنه سينظر فيه وسيشمله بتأييده الكريم. وفي أثناء هذا كله علمت أن الأستاذ بول كازانوفا الذي يدرس اللغة العربية في أكبر معهد علمي فرنسي هو «الكوليج دي فرانس» (College de France) والذي اختلفت أنا إلى دروسه في باريس أربع سنين قد يزور مصر في الشتاء المقبل لعمل له في المعهد الأثري الفرنسي وفي آثار الفسطاط. فاقترحت على مجلس الأساتذة أن تنتهز الجامعة وجود الأستاذ في مصر لتطلب إليه إلقاء طائفة من المحاضرات في مناهج البحث عن فقه اللغة وآدابها. وقبل المجلسان هذا الاقتراح وكتبت الجامعة إلى الأستاذ فأجاب معتذرا بأن زيارته لمصر في الشتاء المقبل ليست محققة وهي إن تحققت فقد تستغرقها أعماله التي يجيء من أجلها، ولكنه وعد بأن يتحدث إلى الجامعة في تنظيم طائفة من المحاضرات يقف عليها جهده في سياحة خاصة في السنة المقبلة. ووقف الأمر عند هذا الحد. أترى إلى هذا الخطر الداهم الذي تتعرض له مصر في كرامتها وعلمها ودينها ووجودها السياسي؟
أريد أن يعلم الناس جميعا أن الجامعة المصرية حين تدعو أساتذة من أوروبا لإلقاء الدروس فيها لا تأتي بدعا من الأمر وإنما تنهج في ذلك نهج الجامعات الأوروبية والأمريكية الكبرى التي تتقارض الأساتذة وتتبادل المعلمين في كل عام دون أن تجد في ذلك غضاضة أو مسا للكرامة القومية ودون أن تجد في ذلك شيئا غير النفع العلمي الخالص الذي إنما أسست الجامعات له حتى أن الأساتذة الألمان ليدعون إلى فرنسا وأن الفرنسيين ليدعون إلى ألمانيا في هذه الأيام وأريد أن يعلم الناس أن الجامعة المصرية حين تدعو الأساتذة الأوروبيين لا تأتي بدعا من الأمر وإنما تستأنف سنتها القديمة التي قامت عليها وانتفعت بها ونفعت بها كثيرا. ثم أريد أن يعلم الناس أن هذا الأستاذ الذي دعته الجامعة إليها فاعتذر ليس رجلا عاديا وإنما هو أستاذ حقا وأستاذ في اللغة العربية فقهها وآدابها، ولقد أريد أن يعلم الناس أني سمعت هذا الأستاذ يفسر القرآن الكريم تفسيرا لغويا خالصا فتمنيت لو أتيح لمناهجه أن تتجاوز باب الرواق العباسي ولو خلسة ليستطيع علماء الأزهر الشريف أن يدرسوا على طريقة جديدة نصوص القرآن الكريم من الوجهة اللغوية الخالصة على نحو مفيد حقا. وأريد أن يعلم الناس أن هذا الرجل يخدم مصر في تاريخها وآدابها خدمة لو قام بجزء منها نفر منا لكنت أول من يكبرهم ويدين لهم بالإجلال. يضع كتابا قيما عن تخطيط مدينة الفسطاط، وقليل منا من يُعنى بمدينة الفسطاط ويعرف موقع مدينة الفسطاط… يترجم إلى اللغة الفرنسية خطط المقريزي وقليل جدا منا من يقرأ خطط المقريزي. ثم يعد للنشر كتابا لإمام من أئمة الحديث استكشف منذ سنتين في إدفو على ورق البردي ولم يسمع به أحد من أولئك الذين يخشونه على مصر.
أحب أن يعلم الناس أن الجامعة المصرية معهد للدرس الحديث يجب أن تظل أبوابها ونوافذها مفتوحة ليكون فيها الهواء طلقا حرا ملائما للرأي الحر والرقي الحديث.
فإذا كان في مصر قوم يريدون أن يدرسوا والأبواب والنوافذ مغلقة من دونهم فدونهم معاهد التعليم على النحو القديم. على أن هذه المعاهد تفتح أبوابها بعض الشيء في هذه الأيام فإن كانوا في حاجة إلى الظلمة فليغلقوا ما فتح من هذه الأبواب.
طه حسين
السياسة، ٢٩ أغسطس ١٩٢٣. -
مسألة التعليم
مسألة التعليم
حديث اليوم
ليست المسألة الآن أن نعلم كيف ندرس العلم فقد نعرض لهذه المسألة بعد حين. وإنما المسألة هي أن نعلم لِمَ ندرس العلم؟ ولقد أحب أن يعرض ناس كثيرون لدرس هذه المسألة والجواب عليها وأن ينشروا مباحثهم وآراءهم ففي ذلك خير كثير لا شك فيه. على أن جواب هذه المسألة يختلف باختلاف من تلقى إليه هذه المسألة. فلو أنك سألت وزارة المعارف لِمَ تدرس العلم في مدارس الدولة لوجدت من وزارة المعارف جوابين مختلفين. أحدهما يصدر عن الإنجليز والآخر يصدر عن المصريين الذين يعملون في هذه الوزارة. أما الإنجليز فجوابهم معروف قد نشروه ولم يخفوه. تحدث به ممثلوهم السياسيون وتحدث به كتابهم الصحفيون: وهو أننا ندرس العلم لنعمل في دواوين الحكومة عمالًا صغارًا يشرف علينا رؤساء متسلطون هم الإنجليز. وإذن فيجب أن يقوم التعليم على قاعدتين تمسان مقداره وصورته أو تمسان كمه وكيفه كما يقول الفلاسفة. القاعدة الأولى أن يكون مقدار ما نتعلم قليلًا وقليلًا جدًّا من القلة بحيث لا يسمح لنا أن نتجاوز أعمالنا الصغيرة الضئيلة في الدواوين.
القاعدة الثانية أن يكون ما نتعلم والطريقة التي بها نتعلم من الرداءة والقصور بحيث يحولان بيننا وبين كل حياة شخصية فيها أثر ما للاستقلال الفردي أو الاعتراف بالنفس أو القدرة على الابتكار.
هاتان القاعدتان كفيلتان بتحقيق الغاية التي كان يسعى إليها الإنجليز في وزارة المعارف: يجب أن نعلم قليلًا وأن نُسئ علم هذا القليل. يجب ألا تنمو عقولنا ويجب أن تكون هذه العقول التي حرمت النمو ممسوخة مشوهة من المسخ والتشويه بحيث لا تدرك شيئًا على وجهه ولا تستطيع أن تنتقل من حكم إلى حكم أو من قضية إلى قضية. بحيث لا تستطيع أن تحسن التصرف في الحياة. فإذا عني بتنفيذ هاتين القاعدتين ووفق الإنجليز إلى هذا التنفيذ فقد وفقوا إلى ما يريدون من تثبيت سلطانهم الاستعماري دون أن يتعرضوا لخطر عظيم أو ضئيل. هذا جواب الإنجليز. وهو واضح معقول فالإنجليز مستعمرون قبل كل شيء وليس ينبغي أن نطلب إلى المستعمر أن يحول البلد الذي يريد أن يستعمره إلى بلد قويٍّ خليق بالاستقلال قادر عليه.
أما جواب المصريين الذين يعملون في وزارة المعارف فليس من السهل أن تصل إليه لأنه في كثير من الأحيان غير موجود. فكثير جدًّا من رجال وزارة المعارف لم يلقوا على أنفسهم هذه المسألة ولم يتحدثوا إلى أنفسهم بأن للتعليم غاية أو غرضًا وإنما عملوا ومازالوا يعملون في وزارة المعارف بطريقة آلية صرفة كما يعمل غيرهم من الموظفين في المالية والداخلية وغيرهما من الوزارات. يعملون ليتقاضوا أجورهم. يعملون ليعيشوا. وهم معذورون فقد كان سلطان الإنجليز قويًّا شديدَ الأثر في نفوسهم وكان من القوة بحيث لا يبيح لهم أن يفكروا أو يبتكروا أو يعملوا. خضعوا لهذا السلطان كارهين أو غير كارهين فأثر فيهم هذا الخضوع وأصبح العمل الآلي طبيعة من طبائعهم حتى أن بعضهم ليأخذه الدهش إذا سألته ما غاية التعليم وما الأصول التي ينبغي أن تتخذ لتحقيق هذه الغاية. وآخرون في وزارة المعارف يفكرون ويحاولون أن يتبينوا غايات التعليم وأغراضه ولكن هناك شيئًا لا أدري ما هو يحول بينهم وبين الوصول إلى نتيجة واضحة بيّنة لهذا التفكير. ولعل هذا الشيء هو هذا الجو السيء الذى يعيش فيه المصريون المستقلون في وزارة المعارف بين إنجليزي مستعمر ومصري خاضع أو متهالك على الخضوع. ثقيل جدًّا هذا الجو يحول بين الرجل المستقل وبين التنفس الهادئ وبين التفكير الصحيح. فهو مضطرب حائر ليس له رأي أو له رأي لا يكاد يتبينه. وآخرون في وزارة المعارف لا يفكرون في التعليم ولا يفكرون في الخضوع للإنجليز وإنما هم يريدون التخلص من الإنجليز والاستئثار بمناصبهم. ويرون أن المسألة الآن ليست مسألة التعليم وإنما هي مسألة الاستقلال لا تستلزم إصلاح التعليم الآن وإنما تستلزم قبل كل شيء أن يقوم المصريون مقام الإنجليز. ذلك أن الإنجليز قد ظلموا المصريين فاستأثروا بأمورهم ومناصب الحكم فيهم وقد آن للمصريين أن يخلصوا من هذا الظلم وأن يستردوا مناصب الحكم فإذا وفقوا إلى ذلك فقد يفكرون في إصلاح التعليم.
هذه فيما أعتقد الأجوبة التي تستطيع أن تلقاها في وزارة المعارف إذا تحدثت إلى المصريين في وزارة المعارف، في إصلاح التعليم وهي أجوبة ليس يعنينا أن تكون قيمة أو معوجة وإنما يعنينا أنها لا تمس التعليم. ولكنك قد تسأل عن غاية التعليم قومًا آخرين متصلين بوزارة المعارف ولكنهم لا يعملون في دواوينها وإنما يعملون في مدارسها. قد تسأل عن غاية التعليم قومًا هم المعلمون. وهؤلاء المعلمون أجدر الناس بأن يفهموا سؤالك وأجدر الناس بأن يحسنوا الجواب على هذا السؤال. ولكن هؤلاء المعلمين ينقسمون انقسامًا كإخوانهم الذين يعملون في الوزارة ينقسمون أقسامًا مختلفة. فمنهم الزكي النابه الذي يتحرق غيرة على أمته ومصير التعليم في أمته. فيفكر ويقرأ، ويبحث ويقارن ويكون لنفسه رأيًا في غاية التعليم ومناهجه وبرامجه. ومنهم الذي يعمل في المدرسة كما يعمل في الديوان. يريد أن يتقاضى أجره يريد أن يعيش. ومنهم الذي أصابه اليأس ونالته خيبة الأمل فهو لا يريد أن يفكر وحسبه أن يحتمل الحياة. ومنهم الإنجليزي الذي ينفذ في المدرسة خطة رئيسه في الديوان. يستعمر أكثر مما يعلم. والأمر غير واقف عند هذا الحد. فإن هؤلاء المعلمين الأذكياء الذين يفكرون ويرون في التعليم آراء مختلفة خاضعون لنظم وقوانين لم يضعوها وإنما وضعها الإنجليز المستعمرون أو المصريون الذين لا يفكرون. هم خاضعون لهذه النظم والقوانين. فهم أقل الناس حظًّا من حرية الرأي. يريدون ولكنهم لا يستطيعون أن يتكلموا. يفكرون ولكن في أنفسهم وضمائرهم لأنهم إن أعلنوا آراءهم أو نشروا شيئًا من أفكارهم لمناهج التعليم أو برامجه نالهم سخط الرؤساء بما لا يحبون ولا يحتملون. وإذن فاليأس أسرع إليهم من الرجاء وربما استحالوا بحكم هذا الضغط المتصل وهذا الجو الفاسد إلى أن يعملوا في المدارس كما يعملون في الدواوين ولكنهم يألمون. هم خاضعون لهذه النظم. وهم خاضعون لنظم أخرى تصور عملهم في المدرسة تصويرًا رديئًا وتحدد لهذا العمل غاية ليس لهم أن يتجاوزوها، وهم يعلمون هذه الغاية حق العلم ويسعون إليها حق السعي ليرضى عنهم الرؤساء وتحسن فيهم شهادة المفتشين. فإذا سألت المعلم عن غاية التعليم أجابك مقتنعًا حينًا وساخرًا حينًا آخر: غاية التعليم هي شيء شاق. شاق جدًّا. هي أن ينجح الطلبة في الامتحان. فالمعلم كفء إذا كثر عدد الناجحين من تلاميذه. هذا مقياس كفايته وليس لهذه الكفاية مقياس آخر. نستغفر الله! بل قد تقاس الكفايات بمقاييس أخرى لا نعرض لها لأنها لا تمس التعليم. ولكنك قد تلقي نفس هذا السؤال على غير وزارة المعارف وعلى غير المعلمين. بل تلقيه على التلاميذ والطلاب فلا تجد منهم إلا جوابًا واحدًا: غاية التعليم هي أن أنجح في الامتحان. هي أن أحصل على الشهادة التي أبلغ بها ديوانًا من دواوين الحكومة والتي تكفل لي التفوق على غير المتعلمين.
كذلك يجيبك رجال وزارة المعارف. وكذلك يجيبك المعلمون. وكذلك يجيبك التلاميذ والطلبة. وعلى نحو من ذلك يجيبك آباء التلاميذ والطلبة. وكل هذه الأجوبة على اختلافها وتباينها تدل على شيئين اثنين: أحدهما أن الذين يُعنون بالتعليم لا يقدرون التعليم.
والثاني أن الإنجليز قد وفقوا من هذه الناحية إلى ما كانوا يريدون فمسخوا في نفوسنا أو في نفوس كثير منا صورة التعليم بل تستطيع أن تقول إنهم حالوا بيننا وبين أن نوجد للتعليم في أنفسنا صورة ما. ومع هذا فليس تحديد غاية التعليم (بحرًا وجوًّا، أن يُحبَّ – كما يقول الفرنسيون – وإنما هو إن لم يكن يسيرًا كل اليسر، فليس عسيرًا كل العسر.) لِمَ نتعلم؟ يجب إذا أردت أن تجيب على هذه المسألة أن تجتهد قبل كل شيء في تحديدها وتضييق موضوعها. فهناك التعليم الأولى. وهناك التعليم الثانوي. وهناك التعليم العالي. وهناك التعليم الفني. وقد تشترك كل هذه الأنواع في أنها نافعة مكونة للعقل الإنساني. منمية للملكات الإنسانية على اختلافها سواء أكانت عملية أم نظرية. قد تشترك كل هذه الأنواع في هذه الأغراض وما يشبهها. ولكن يُخَيَّل البيان أن لكل نوع منها غاية يسعى إلى تحقيقها وغرضًا يجتهد في الوصول إليه.
ليس من شك في أن التعليم الأولى يكون عقل الطفل وينمي ملكاته المختلفة. ولكن عقل الطفل وتنمية ملكاته ليسا كل شيء. بل إن هذه التنمية وهذا التكوين نفسهما يستلزمان التفكير في شيء آخر وهو الصيغة التي تريد أن تصوغ بها عقل الطفل وملكاته وأخلاقه. الصورة التي تريد أن تصور فيها هذا العقل وهذه الأخلاق وهذه الملكات. وهذه الصورة نفسها يجب أن يُنظر إليها من وجوه مختلفة ومن وجهين اثنين بنوع خاص: أحدهما أنك تريد أن تكون رجلًا وأن تمنحه من التعليم سلاحًا يمكنه من النضال في الحياة. الثانية أنك تريد أن تكون فردًا من أفراد أمة فيجب أن يكون هذا الفرد ملائمًا لهذه الأمة أو يجب بعبارة واضحة أن تكون الصورة التي تريد أن تصور بها هذا الفرد ملائمة لحياة الأمة ملائمة للمثل الأعلى الذى تسمو إليه هذه الأمة قابلة لأن تتطور وتستحيل كما تتطور الأمة وتستحيل دون أن يكون بينها وبين الأمة في ذلك مشادة أو نزاع. أنت إذن في المدرسة الأولية مكلف أن تنظر إلى هذين الغرضين اللذين يتصل كل منهما بصاحبه اتصالًا شديدًا. فلا قيمة للفرد بغير الأمة ولا وجود للأمة بغير الفرد. وعلى الملاءمة بين الصورة العقلية للفرد والمثل الأعلى للأمة تقوم الحياة الاجتماعية والسياسية والعقلية. وإذن فغاية التعليم الأولى واضحة جلية وهي أن تكون أفرادًا قادرين على الحياة لأمة قادرة على العيش في الحياة.
ولقد نعلم أن هذا كله مجمل يحتاج إلى التفصيل. ولقد نعلم أن هذا كله غامض يحتاج إلى التوضيح. وليس التفصيل علينا عسيرًا. وليس التوضيح علينا شاقًا. ولكننا نريد أن نجتنب الإطالة. فنكتفي بمثل واحد نعتقد أنه يفصل هذا الرأي ويوضحه.
علامَ تقوم حياتنا اليوم؟ تقوم على أننا أمة قد سُلبت حقوقها السياسية ووجودها السياسي فهي تريد أن تسترد هذه الحقوق وتثبت هذا الوجود. فإذا استردت هذه الحقوق وأثبتت هذا الوجود السياسي فهي تريد أن تنتفع بحقوقها ووجودها وأن تتخذ هذه الحقوق وهذا الوجود وسيلة إلى الرقي السياسي وغير السياسي. وإذن فأول واجب على المدرسة من هذه الوجهة هو أن تعد الطفل لهذا الجهاد وأن تشعره بهذه الحقوق وهذا الوجود وتملأ قلبه حرصًا على استرداد هذه وإثبات هذا. فما رأيك في تعليم أولى كالتعليم المصري يخلو أو يكاد يخلو من كل شيء يشعر التلميذ المصري بأن له وطنًا هو مصر وبأن لهذا الوطن حقوقًا سياسية أو وجودًا سياسيًّا. ما رأيك في تعليم أولى في مصر يخلو أو يكاد يخلو من تاريخ مصر ويخلو أو يكاد يخلو من جغرافية مصر؟ ثم لا يقف الأمر عند هذا الحد. فإن لنا في الحياة آمالًا ولنا في الحياة أساليب نتخذها لتحقيق هذه الآمال. فيجب أن يكون الطفل بحيث يستطيع أن يشعر بهذه الآمال ويجاهد لتحقيق هذه الآمال ويتخذ في هذا الجهاد ما ألفنا من طرق وأساليب. نريد أن يكون نظام الحكم فينا ديمقراطيًّا فيجب أن تكون المدرسة الأولية ديمقراطية. نريد أن تكون ديمقراطيتنا هادئة معتدلة فيجب أن تعد المدرسة الأولية لهذا الهدوء وهذا الاعتدال. نريد أن تكون وحدتنا الاجتماعية والسياسية والعقلية ظاهرة بيّنة قوية. فيجب أن تعد المدرسة الأولية لهذه الوحدة. نريد في عبارة موجزة أن تكون المدرسة الأولية قالبًا تُصاغ فيه حياتنا المقبلة كما نحب أن نحياها وكما نريد أن تكون. ومن هنا لا نجد سبيلًا إلى النزاع في أن التعليم الأولى أمر من أمور الدولة يجب أن تتولاه ويجب أن تشرف عليه. ولكنا نريد أن تحسن الدولة ولاية هذا التعليم والإشراف عليه بحيث تفهم الدولة آمالنا ومثلنا العليا وأساليبنا في الحياة فتكون من هذا كله هذا القالب الذى يُصاغ فيه الطفل والذي هو المدرسة الأولية.
هذا فيما نظن الغرض الذى يجب أن يسعى التعليم الأولى إلى تحقيقه. فإذا تعقّد هذا الغرض وتنوّع. ولكننا نحدثك عنه في غير هذا المقال.
طه حسين
السياسة، ٢٢ يونية ١٩٢٣. -
فراغ …
فراغ …
طه حسين
كوكب الشرق
٢٢ فبراير ١٩٣٤
يجب أن تهنأ الوزارة بما تنعم به من فراغ البال، وراحة القلب، واطمئنان الضمير؛ فهذه نعمة لا تتاح لكثير من الناس، ولا تتاح لوزارة من الوزارات في هذه الأيام الحافلة بالأحداث والخطوب. ولكن وزارتنا بحمد الله راضية العيش، قريرة العين، فارغة البال، ليس عندها من كبار الأمور ما يشغلها أو يقلقها، أو يضطرها إلى شيء من الجد والتفكير.
ليست في مصر أزمة اقتصادية لتَجِدَّ الوزارة في حلها، وليست في مصر مشكلات سياسية لتفكر الوزارة في إزالتها، وكان يقال: إن بين مصر وبين أوروبا شيئًا من الخلاف في أمر الدين العام، ولكن الله قد قَيَّضَ الإنجليز لمصر يكفونها شر هذا الخلاف، ويَنُوبُونَ عنها في تدبير حل له، قد يظفرون به وقد لا يظفرون، ولكنهم يعالجونه على كل حال؛ فمن حق الوزارة أن تريح نفسها من السعي إليه أو التفكير فيه. وكان يُحْكَى أن المصارف الأجنبية تريد أن تستوفي دَيْنَها، وأن الناس عاجزون عن توفية هذا الدين، وأن أرضهم وثروتهم تتعرضان للخطر بحكم هذا العجز، ولكن وزير المالية يَقِظٌ يدرس الأمر، ويلتمس له العلاج، لا ينفق يومًا من أيامه حتى يتكلم فيه أو يتناوله بالبحث والدرس، وهو من أجل ذلك يطلب إلى بعض الدول الأجنبية في أوروبا وأمريكا أن تنبئه بما سلكت إلى حل هذه المشكلات من طريق؛ فيتلقى رد بعض الدول، وينتظر رد بعضها الآخر، وهو يدرس ما وصل إليه من ردود، ويتهيَّأ لدرس ما لم يصل إليه بعد، وفي أثناء ذلك تستطيع الوزارة أن تستريح وتنعم بما لا تنعم به الوزارات في بلاد الأرض على اختلافها من راحة القلب وفراغ البال.
وكان يُرْوَى أن شيئًا يحدث في بعض حدود السودان، ولكن الله قد أَلْهَمَ الإنجليز — الذين يحبون مصر أعظم الحب، ويعطفون عليها أحسن العطف — أن يُرِيحُوا مصر من حدود السودان، كما أراحوها من السودان كله؛ فهم يفاوضون الإيطاليين، وهم يرسلون الجند والأسلحة إلى الحدود ليسندوا هذه المفاوضة، ويضمنوا لها الفوز، وفي أثناء ذلك تستطيع الوزارة أن تستريح، وأن تنعم بما لا تنعم به الوزارات الأخرى من قرة العين وفراغ البال، وكان يُشَاعُ أن طائفة من الفضائح تمسُّ الإدارة وتمسُّ المال قد ظهرت في الجو المصري؛ فكدرته ولم يكن صافيًا، وسمَّمتْه ولم يكن هنيئًا، ولكن الله قد ألهم الوزارة أن تَطْوِي كشحًا عن أكثر هذه الفضائح وتفترض أنها أحلام وأوهام، وأن تُؤَلِّفَ لجنة للتحقيق في واحدة منها، كما تستطيع وكما تمكنها الظروف. وبينما تحقق اللجنة، وبينما تذوب الفضائح الأخرى في بحر النسيان تستطيع الوزارة أن تستريح، وأن تستمتع بما لا تستمتع به الوزارات الأخرى من رضا الضمير وفراغ البال.
ثم كان يُذاع أن أمورًا كثيرة أخرى نشأت، وأن أمورًا كثيرة أخرى تريد أن تنشأ، وأن من شأن هذه وتلك أن تشغل الوزارة وتعنِّيها، وتكلِّفها من الجهد والمشقة ما تتكلف الوزارات اليقظة المتعبة. ولكن وزارتنا قد أُلْهِمَتْ أن تُعْرِضَ عما نشأ من الأمور، وألا تتعجل التهيؤ لما قد ينشأ منها، وأن تنعم بما لا تنعم به الوزارات الأخرى من هدوء الحال وفراغ البال.
وليس ضروريًّا أن تكون راحة الوزارة صورة لراحة الشعب؛ فذلك شيء يفكر فيه الأشقياء الذين ينظرون إلى الحياة نظرة الجد، وأما الفلاسفة المترفون، فإنما ينتهزون فرص الحياة، وينعمون بما يسنح منها، ويستمتعون بالراحة حين تتاح لهم الراحة، ولا يُحَمِّلُون أنفسهم عناء البحث عن المُتْعَبِين والمرَزَّئِين ليخففوا عنهم ما يصيبهم من تعب، وما يُلِمُّ بهم من أرزاء.
وإذا استراحت الوزارة وفرغ بالها؛ فلا بد لها من بعض اللهو، ولا بد لها من بعض التسلية؛ لأنها إن لم تفعل أدركها السأم وألحَّ عليها الملل، وليس شيء أثقل من السأم على نفوس المترفين. ولا بد للوزارة أن تتحدث إذا اجتمعت، ومن أن يتحدث أعضاؤها إلى أصحابهم إذا لقوهم أو خلوا إليهم، وهيهات أن يكون في الفراغ ما يملأ الحديث؛ فلا بد من بعض الأعمال يُنْفَقُ فيه الوقت، ويُسْلَى به الهم، ويُمْلَأ به الحديث. وأي شيء يُلَائِمُ حياة المترفين وحاجتهم إلى التسلية والعبث، يشبه جمع الجند وتفريقه، وتوزيع الشرطة في أنحاء الأرض، وتصعيدها إلى مصر العليا، والهبوط بها إلى ساحل البحر، والتضييق على الناس في حياتهم الضيقة، والعبث بالناس فيما يصيبهم من جد الأمر؟!
ولم خُلِقَ الجند؟ ولم خُلِقَت الشرطة؟ إذا لم تستطع الوزارات أن تُخضعها بما يخضع له جند الشطرنج من ألوان الجمع والتفريق، ومن فنون الحركة والانتقال، وما دام الله لم يهيئ لمصر حربًا تستخدم فيها الجيش، فلا أقل من أن تهيئ مصر بنفسها فرصة تُظْهِر فيها أن عندها جيشًا، وأن هذا الجيش قادر ماهر يستطيع أن يتقدم، وأن يدور حول العدو وينفرج عنه، وأن يأتي من الحركات ما يقنع الناس بأن فنون الحرب لم تُجْهَلْ في وادي النيل، وإن لم تكتب الحرب على أهل وادي النيل.
ثم مَن الذي يستطيع أن يزعم أن الله لم يكتب الحرب على مصر، وكل شيء يدل على أن الله قد كتب على مصر حربًا لا كالحروب، وأقرَّ في مصر صراعًا لا عَهْدَ للناس بصراع مثله؟! متى رأيت دولة من الدول تحارب فردًا فتحشد له وتؤلِّب عليه، وتشغل به نفسها آناء النهار وزلفًا من الليل؟!
متى رأيت دولة من الدول تحتمل ألوان الكد والجد، وتتكلف ضروب المشقة والعسر، وتنفق من الذكاء ما مُنِحَتْ وما لم تُمْنَحْ، وتنفق من المال ما يُطَاقُ وما لا يُطَاق، لتحارب سيدة ترحل من بعض الأرض إلى بعضها الآخر؟! كلا، لم يكتب الله على دولة ما كُتِبَ على الدولة المصرية من الحرب والجهاد، ومن الصراع والنضال. أم المصريين في الصعيد، ورئيس الوفد في الإسكندرية؛ هذا كثير، وأكثر منه أن بين الرحلتين أمدًا قصيرًا لا يسمح بالاستعداد والتهيؤ، والاحتياط للطوارئ. أما أنا فأشهد أن وزارتنا ماهرة حقًّا، وأن وزير داخليتنا نابغة حقًّا، وأن الظروف قد هيأت لحمايتنا قومًا لا يمكن أن يؤخذوا على غرة أو يبيتهم العدو وهم نائمون.
أرأيت كيف استحالت مصر السُّفْلَى أمسِ إلى ميدان حرب؟! أرأيت كيف استحالت الإسكندرية أمسِ إلى قلعة منيعة حصينة؟! أرأيت كيف طارت وزارتنا بالقوة الهائلة من أعلى الأرض إلى أدناها؟! أرأيت كيف كان الفرسان يحيطون بسيارة رئيس الوفد في الإسكندرية؛ جماعة من أمام، وجماعة من وراء، جماعة من يمين، وجماعة من شمال؟! أرأيت كيف كان المشاة يحيطون بنقيب المحامين وهو يسعى في الأقصر منذ أيام: يتقدمه عشرون، ويمشي عن يمينه عشرون، ويمشي عن شماله عشرون، ويسعى خلفه من شئت منهم؟!
أرأيت كيف كانت شواطئ النيل تُحْمَى حين كانت أم المصريين تعبر النيل؟ أرأيت كيف كانت تحيط بسفينتها سفن الدولة لتقطع الصلة بينها وبين الأنصار والأعوان؟! أتشك بعد هذا في أن وزارتنا لا تُنْفِقُ ما مُنِحَتْ من فراغ البال في غير طائل، وإنما تنفقه فيما ينفع ويفيد، تنفقه في حماية الصعيد من أم المصريين، وفي حماية الإسكندرية من رئيس الوفد؟! ستقول: ولكنها لم تحمِ الصعيد من أم المصريين، ولم تحمِ الإسكندرية من رئيس الوفد؛ فقد زارت أم المصريين الصعيد وبلغت من زيارته ما شاءت، وزار رئيس الوفد الإسكندرية، وبلغ من زيارته ما شاء.
ولكنك تعلم حق العلم أن المهم هو أن تعتقد الوزارة أنها عملت شيئًا وأنها بلغت شيئًا؛ لأن المهم هو أن ترضى الوزارة عن نفسها، وتسعد الوزارة بحياتها، وتفخر الوزارة بقوتها وذكائها ونشاطها. وما دامت الوزارة راضية فنحن راضون، وما دامت الوزارة سعيدة فنحن سعداء.
والمهم بعد هذا وقبل هذا وفوق هذا هو أن يرى الإنجليز من براعة الوزارة ومهارتها في نقل الحرب من أقصى مصر إلى أقصاها، وفي التضييق على الوفد والوفديين ما يُقْنِعهم بأنها قادرة على البقاء، صالحة له، مُوَفَّقَة إلى ما يحبُّون من التسلية واللهو على حساب مصر؛ فالإنجليز أيضًا محتاجون إلى أن يضحكوا وإلى أن يلهوا، وإلى أن يستمتعوا بما لا يستمتع به غيرهم من فراغ البال. ومن المؤكد أن المندوب السامي الجديد سيشهد من ذلك شيئًا لم يشهده حين كان في الصين، ومن المؤكد أنه سيسعد بما يرى؛ فقد تعب هناك فيما عالج من الأمور الصعاب، فمن حقه أن يستريح هنا بعد ما احتمل من العناء، وأنا مطمئن إلى أنه سيستريح، وسيقضي أيامًا حلوة بين صيد البط والنظر إلى مطاردة الوفد والوفديين. -
توفيق
توفيق
لا أعرف وزارة وفقت إلى إسخاط الشعب وإثارة الحفيظة والموجدة في نفسه كما وفقت وزارتنا القائمة. فأنت لا تكاد تنظر في ناحية من نواحي الحياة المصرية إلا رأيت الشعب يسلك طريقًا، والوزارة تسلك طريقًا أخرى؛ هذا إلى اليمين، وهذه إلى الشمال، هذا إلى الشمال، وهذه إلى الغرب. كانت القاعدة الأساسية التي اتخذتها الوزارة أصلًا لحياتها وسيرتها إنما هي أن تضاد أعمال الشعب وميوله وأهواءه ومنافعه، وكأن الغرض الأساسي الذي وقفت الوزارة جهودها على تحقيقه والوصول إليه إنما هو إحراج الشعب وتسليط السخط والحنق عليه.
وهذه الأيام التي نشهدها تقدم أوضح الأدلة وأجلاها على هذا التناقض الشنيع بين حياة الشعب وحياة الوزارة، وبين آمال الشعب وآمال الوزارة. ولسنا نذكر جوع الشعب وإسراف الوزارة، ولسنا نذكر تهالك الشعب على الحرية وكلف الوزارة بالبأس والبطش، ولسنا نذكر طموح الشعب إلى الاستقلال وإذعان الوزارة لسلطان الأجنبي؛ فقد كثر الحديث في ذلك وطال حتى لم تبقَ حاجة إلى تكراره ولا إلى تذكير الناس به، لأنه أصبح قوام حياتهم في جميع أوقاتهم. وإنما نذكر نشاط الشعب في هذه الأيام، ونشاط الوزارة؛ فإن في المقارنة بين هذين النوعين من النشاط عبرة وعظة. الشعب ثائر مضطرب، لما يلقى أبناؤه وبناته من كيد المبشرين وعبثهم بالدين وطغيانهم على الأخلاق والأعراض، فالشعب يسخط ويشكو، والشعب يلح في السخط ويغرق في الشكوى، والشعب لا يستريح ولا يريح الصحف كأنه يعتقد أن قد أصبح الأمر إلى الصحف، فهي قادرة على أن تجلي المبشرين عن مصر، وتغلق معاهدهم وملاجئهم، وترد عدوانهم على أبناء المسلمين وبناتهم، وتصد طغيانهم على الدين والأخلاق والأعراض.
أما الوزارة فشديدة النشاط، مسرفة فيه، لا تكاد تقف منه عند حد. وقد استغرق نشاطها مدينة القاهرة، ومدينة الإسكندرية، ومدينة بورسعيد، وأقطار الدلتا كلها. فإذا سألت عن موضوع هذا النشاط فثق بأنه شيء آخر غير حماية الدين والأخلاق والأعراض. وإذا سألت عن الذين يوجه إليهم هذا النشاط فثق أنهم قوم آخرون غير المبشرين. فالوزارة لا تنشط لحماية الدين والأخلاق والأعراض، وإنما تنشط لحماية نفسها، وهي لا تحمي من شر تخافه أو خطر تخشاه، وإنما تحمي نفسها من أوهام تفزعها في اليقظة وتروعها في النوم. والوزارة لا توجه قواها الهائلة إلى المبشرين، وإنما توجهها إلى الشعب. نعم، إلى هذا الشعب الذي يستغيثها ويستعين بها وينتظر منها أن تحميه من عدوان الأجنبي. الوزارة شديدة النشاط في الإسكندرية لأن رئيس الوفد وصاحبه أقاما فيها أيامًا، ثم سافرا منها صباح اليوم، والوزارة تخاف من رئيس الوفد وصاحبه أينما كانا وحيثما أقاما، وإلى أي وجهة قصدا، وفي أي مكان نزلا. والوزارة تجند الجنود وتنشر البنود وتزلزل الأرض لتحول بين الناس وبين الاتصال برئيس الوفد وصاحبه. فأما المبشرون الذين يعتدون على الدين والأخلاق والأعراض في الإسكندرية فالوزارة عنهم في مشغل، ولم لا؟ أليس الدفاع عن النفس، حتى من الوهم والخيال، واجبًا قبل كل شيء وبعد كل شيء وفوق كل شيء؟ فلتوجد الوزارة أولًا، ولتحم وجودها من الخطر، ثم لتفكر بعد ذلك في وجود الشعب وحمايته!!!
والوزارة شديدة النشاط في بورسعيد، قد ملأت جنودها الشوارع، وأخذت على الناس كل طريق، لا لأن مبشرة أجنبية تكيد للدين والأخلاق والأعراض وتتحدى سلطان الدولة وتعطل أحكام القضاء، بل لأن الأستاذ النقراشي ذهب إلى هذه المدينة يستقبل عضوًا من أعضاء الوفد قادمًا من أوروبا.
فالوزارة مشفقة من الأستاذ النقراشي وصاحبه، تخاف أن يتصل بهما الناس أو يلتفوا حولهما، ولم لا؟ أليس من الحق عليها أن تدافع عن وجودها أولًا، ثم تفكر بعد ذلك إن سمحت لها الظروف في حماية الدين والأخلاق والأعراض، وسلطان الدولة وأحكام القضاء؟
أما الدلتا فنشاط الوزارة فيها لا حد له، قد أجلبت الوزارة عليها بخيلها ورجلها، ونشرت فيها شيئًا يشبه الأحكام العرفية؛ فالجند يحتلون المدن احتلالًا، وهم يقطعون الطرق فيها ومن حولها بما يبنون من عقبات، وما يقيمون من حواجز وحصون. وهم يحاصرون المحطات ويحيطون بالدور، والقطار المسلح مرابط فيما يقال بين محطة سعد زغلول، ورجال الإدارة لا ينامون الليل ولا يهدأون في النهار. لماذا؟ لا لأن المبشرين يكيدون للدين والأخلاق والأعراض، ولكن لأن رئيس الوفد وصاحبه سينزلان في طنطا وسيذهبان منها بالسيارة إلى حيث يزوران أم المصريين، ولعلهما أن يزورا في طريقهما بعض الوفديين.
وإذن فحياة الوزارة في خطر، والدفاع عن الحياة أول الواجبات وأشدها لزومًا، فلتنفق الجهود، ولتحشد الجنود، ولتنشر البنود، ولتضطرب الأرض، وليقتنع الشعب بأن الوزارة القائمة حية قوية عظيمة الحظ من القوة والحياة!
أما القاهرة فأمرها عجب منذ أيام؛ قد شهدت منذ يوم السبت ما نسيته منذ أشهر، فانتشر فيها الجند، وكثر فيها ذهابهم ومجيئهم، وظهرت فيها قوة الحكومة كأروع ما تكون وكأشد ما تكون مما عرفها الناس، وفتحت فيها أبواب السجون، وصرف فيها رجال الإدارة عن الراحة والاستمتاع بلذة العيش، كأنما نحن في أيام الانتخاب منذ عامين! فإذا سألت فيم هذا كله فالجواب يسير، وهو أن عمال ثورنيكروفت مصريون، وأن شركة ثورنيكروفت تريد أن تتبختر سياراتها في الشوارع، وأن الوزارة مضطرة لحماية هذه السيارات، وإذن فيجب أن تنفق جهودها كلها في مدينة القاهرة لتمكن هذه الشركة من أن ترسل سياراتها مختالة في الشوارع، ويجب أن يحصر هؤلاء العمال في بيوتهم، وأن يصرف عنهم ما قد يصل إليهم من إعانة المحسنين، لأن شبع هؤلاء العمال لا يخلو من خطر على هذه السيارات.
وكذلك يريد الله أن يظهر التناقض بين حياة الشعب وحياة الوزارة في أشنع صوره وأبشع مظاهره: شعب يستغيث بالوزارة لتحمي دينه وأخلاقه وأعراضه من عدوان المبشرين، فإذا الوزارة تنصب له الحرب، وتغري به الجند، وتحظر عليه الاتصال بمن يحب. جماعة من الشعب يضربون فلا تحميهم الحكومة، ولكن تحمي الشركة منهم، وتسرف في هذه الحماية حتى تسخر الجند وتفتح السجون وتمنع الإعانة وتدع هؤلاء المضربين نهبًا للجوع.
أفتظن أن من الممكن أن توفق وزارة من الوزارات إلى مثل ما وفقت له هذه الوزارة من إسخاط الشعب وإحراجه وإنارة الحفائظ والضغائن فيه؟ إن من المضحك المؤلم حقًا أن يستعين الشعب بالوزارة فإذا هي تعين عليه. إن من المضحك المؤلم حقًا أن يلوذ الشعب بالوزارة فإذا هي تبسط عليه يدها بالقهر والعسف. ولكن أي غرابة في ذلك، فإن مصالح هذا الشعب المصري لم توكل حمايتها إلى المستر «كين بويد»، وإنما وكلت إلى وزارة تريد قبل كل شيء أن تعيش. فإذا استوثقت من العيش واطمأنت إلى البقاء في مناصب الحكم فكرت بعد ذلك فيما يمكن أن تلهي به هذا الشعب من الأماني والوعود. وقد أثبتت الحوادث أن إرضاء الأجانب يطيل بقاء الوزارات ويمكن لها في الأرض، وأن إرضاء الشعب لا يقدم ولا يؤخر، فإذا لم توفق الوزارة إلى إرضاء هذا الشعب وموافقة آماله ومثله العليا فقد وفقت إلى ما هو خير من ذلك، وفقت إلى إرضاء الأجانب، وحسبك بإرضاء الأجانب وسيلة إلى طول البقاء.
كوكب الشرق ١٩ – ٦ – ١٩٣٣