Tag: colonialism

  • قبرص وحمق السياسة الإنجليزية

    قبرص وحمق السياسة الإنجليزية

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ١١ مارس ١٩٥٦

    يصفها بذلك الإنجليز أنفسهم فيما نقلت إلينا رسائل البرق، وفي الحق أن من أعسر العسر أن تجد للسياسة البريطانية في قبرص وصفًا أصدق ولا أدق من أنها سياسة حمقاء، تُسرع بقبرص إلى الفوز بما تريد، وتُسرع بالبريطانيين إلى الخذلان الذي فُرض عليهم فرضًا، والذي تعرفه عقولهم وتؤمن به قلوبهم. ولكنهم يكابرون ويأبون أن يعترفوا به أو يذعنوا لحكمه؛ لأنهم لا يجدون الشجاعة في هذه المرة على احتمال الهزيمة التي ليس منها بد، والاعتراف بأن عصر الاستعمار واستعباد الشعوب قد انقضى ولن يعود.

    إنهم يستأنفون في هذه الأيام سياسة النفي بعد أن جربوها، فلم تغن عنهم شيئًا ولم يجنوا منها إلا الهزيمة والخذلان.

    لقد نفوا طائفة من زعماء المصريين في أعقاب الحرب العالمية الأولى، ثم اضطرتهم الظروف اضطرارًا إلى إطلاقهم وتركهم أحرارًا يتبوَّءون من الأرض حيث يشاءون، ويعودون إلى وطنهم حين يريدون. ثم فاوضتهم وحاولت أن تصل معهم إلى بعض أغراضها، فلم تبلغ منهم شيئًا. ثم نفت منهم قومًا آخرين إلى صخرة نائية في المحيط، ثم اضطرت إلى أن تطلقهم صاغرة وتردهم إلى وطنهم مخذولة لم يغن عنها نفي أولئك ولا هؤلاء شيئًا، ولم يمنعها من أن تذعن آخر الأمر لما لم يكن بُد من الإذعان له، فتعترف بأطراف من الاستقلال ثم تضطر آخر الأمر اضطرارًا إلى الجلاء والاعتراف لمصر باستقلالها كاملًا موفورًا.

    وهي قد جربت النفي في غير مصر، كما جربت القتل والتعذيب والسجن؛ فلم تنتفع بشيء من ذلك نفعًا قليلًا أو كثيرًا، ولم تستطع أن تُكره الشعوب على ما أرادت لها من الذلة والخنوع، وإنما أكرهتها الشعوب على أن ترفع عنها بطشها وتكف عنها بأسها وتصرف عنها كيدها، ثم تحاول بعد ذلك أن تترضى الشعوب وتبتغي الوسائل إلى مودتها بعد أن صبَّت عليها العذاب والكيد ألوانًا. وهي الآن تعود سيرتها الأولى مع هذه الجزيرة اليونانية، فتمكر وتكيد وتعذب وتسجن، وتلجأ آخر الأمر إلى نفي الزعماء.

    تخدع بذلك نفسها أكثر مما تخدع أهل قبرص؛ لأنهم يرون ويفهمون أن طموح الشعوب إلى الحرية والاستقلال والكرامة أقوى من كل قوة، وأمضى من كل سلاح وأنفذ من كل كيد، وأعظم من كل سلطان.

    والبريطانيون يرون ويسمعون أن حليفتهم وجارتهم فرنسا قد نفت سلطان مراكش وطائفة من زعمائها، وصبَّت العذاب على أحرار المراكشيين، ثم اضطرت آخر الأمر إلى أن تنزل عند إرادة الشعب المراكشي، فتفاوض السلطان في منفاه ثم ترده إلى وطنه كريمًا موفورًا، ثم تفاوضه وتفاوض حكومته وترد إليه وإلى الشعب المراكشي الاستقلال والكرامة، لم يغنِ عنها النفي والعذاب شيئًا.

    وهم يرون ويسمعون قصة جارتهم وحليفتهم في تونس كما رأوا وسمعوا قصتها في الهند الصينية، ولكنهم لا يعتبرون بشيء من هذا كله، وإنما يستأنفون المضي في الطريق التي مضوا فيها من قبل ومضت فيها حليفتهم وجارتهم، ثم ارتدوا وارتد حلفاؤهم وجيرانهم خاسئين. وإذا كتب اللَّه الخذلان على قوم أغراهم بالحمق وزيَّن لهم ركوب شهواتهم وصرفهم عن الانتفاع بتجاربهم وتجارب الظالمين من قبلهم ومن حولهم، فتورطوا في الخطأ بعد الخطأ، وأضافوا الأغلاط إلى الأغلاط، وأنفقوا الأموال والرجال في غير طائل، وكسبوا لأنفسهم خزي الهزيمة وسوء السمعة وسقوط الهيبة، وأصبحوا عبرة ونكالًا لمن يريد أن يعتبر ويتعظ، وأضحكوا منهم أولئك الذين أرادوا أن ينزلوا بهم الخسف ويسوموهم سوء العذاب.

    والبريطانيون لا يجنون بما يصنعون في قبرص على السياسة البريطانية وحدها ولا على المكانة البريطانية وحدها، وإنما يجنون على أصدقائهم وحلفائهم جميعًا. فقبرص جزيرة يونانية منذ عرفها التاريخ، وأهلها يونانيون إلى اليوم وإلى غد، وكل إساءة إليها إساءة إلى الشعب اليوناني كله. والدولة اليونانية حليفة لبريطانيا العظمى تشاركها في حلف الأطلنطي، فهي إذن تجني على دولة صديقة حليفة مشاركة لها في هذا الحلف الذي تشترك فيه دول أخرى لا تستطيع بريطانيا أن تستغني عن ودها وعونها.

    فإذا أخرجت اليونان واضطرتهم إلى ترك هذا الحلف أساءت بذلك إلى سياسة هذا العالم الغريب الذي يسمي نفسه باسم ليس أقل منه غرابة، وهو العالم الحر؛ أساءت إلى الولايات المتحدة الأمريكية وإلى فرنسا وإلى الدول الأخرى المشاركة في حلف الأطلنطي، وقلبت سياسة الديمقراطية الغربية في هذا القطر من أقطار أوروبا رأسًا على عقب، وفتحت بيدها لخصوم الغرب بابًا لم يكن هؤلاء الخصوم يحلمون بأنه سيُفتح لهم دون أن يبذلوا في فتحه جهدًا أو يلقوا فيه كيدًا.

    والدولة اليونانية عضو في حلف آخر تعتمد عليه الديمقراطية الغربية كل الاعتماد، وهو حلف البلقان … فإذا أحرجتها بريطانيا العظمى بسياستها هذه الحمقاء في قبرص، فقد تضطرها إلى الخروج من هذا الحلف، وينهار بذلك هذا البناء الذي اعتمد عليه الغربيون، وظنوا أنه سور يحول بينهم وبين خصومهم من الشيوعيين، وكانت النتيجة الظاهرة لهذا كله أن بريطانيا العظمى قد أضاعت على السياسة الغربية قطرين خطيرين من أقطار الأرض؛ هذا القطر الذي تقوم فيه الدولة اليونانية من جهة، وقطر العالم العربي بحلفها السخيف الأحمق في بغداد.

    وكذلك تثقل الحساب الذي يجب أن تؤديه بريطانيا العظمى أمام حلفائها أولًا وأمام شعبها ومصالحها ثانيًا، وليس لذلك كله سبب إلا أن هذه الدولة البريطانية التي عُرفت قديمًا بالكياسة وأصالة الرأي، قد ركبت رأسها، ولم تستجب إلا للعناد الذي لا يؤذيها وحدها، وإنما يؤذي معها حلفاءها جميعًا.

    وبريطانيا العظمى تعلم حق العلم أن ضم قبرص إلى وطنها اليوناني لم يكن ليضرها شيئًا، فالدولة اليونانية حليفتها، وما كانت لتمانع في أن تستمر القواعد البريطانية في قبرص ما دامت هذه القواعد ضرورة من ضرورات الدفاع الغربي. والأمريكيون لهم قواعد كثيرة في بلاد مستقلة ليست مستعمرة لهم، وإنما هي حليفة تشاركهم في السياسة والمصالح المختلفة، وتحتاج إلى ما يحتاجون إليه من الدفاع عن نظامها الاجتماعي ومصالحها المختلفة.

    فللأسطول الأمريكي قواعده في الثغور الأوروبية، وللسلاح الجوي قواعده في أرض أوروبا، وما نعرف أن لأمريكا في أوروبا مستعمرات أو شيئًا يشبه المستعمرات.

    كيف غفلت بريطانيا العظمى عن هذه الأوليات التي لا يغفل عنها أيسر الناس حظًّا من التفكير المستقيم في الأشياء.

    مهما يكن من شيء، فإن من المحقق أن نفي الزعماء القبرصيين إن دل على شيء، فإنما يدل على أن السياسة البريطانية قد فقدت في هذه الأيام أخص ما كانت تمتاز به من الفطنة وحسن النظر في عواقب الأمور، وإن نفي هؤلاء الزعماء بشير ينبغي أن يستقبله أهل قبرص، وسيستقبلونه بهذا الرضى المُر الذي تعرفه الشعوب المظلومة حين يشتد عليها اليأس وتعظم بها المحنة، والذي يملأ النفوس ثقة والقلوب أملًا ويزيد العزائم مضاء ونفوذًا، والمقاومة شدة وثباتًا، وينتهي غدًا أو بعد غد برجوع المنفيين إلى وطنهم كرامًا موفورين قد مُلئت أيديهم ببشائر الفوز.

    وأنا مطمئن كل الاطمئنان إلى أن هؤلاء الزعماء المنفيين سيعودون في يوم قريب كما عاد سلطان مراكش، وسيعودون ومعهم ما يريده أهل قبرص من تحقيق الآمال وإرضاء الكرامة اليونانية التي غالبت الخطوب والأحداث قرونًا طوالًا، وعرفت آخر الأمر كيف تقهرها وتنتصر عليها.

  • اللاعبون بالنفوس

    اللاعبون بالنفوس
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٢٥ يناير ١٩٥٦

    ما أكثر ما عقدت الإنسانية بهيئة الأمم المتحدة ومجلس أمنها من أمل، وما بذلت في إنشائهما من جهد، وما أنفقت وتنفق عليهما من مال! وما أيسر وأهون ما جَنَت الإنسانية منهما منذ أُنشِئَا إلى أن أَنفَقا من عمرهما عشر سنين، لم يُغنيا فيها عن الناس شيئًا، ولم يَكُفَّا فيها عن الناس شرًّا. وإنما أغريا بينهم بالعداوة والبغضاء، وملآ قلوبهم حفيظة وضغينة وحقدًا، وأطمعا الظالمين في الظلم حتى تجاوزوا فيه كل حَدٍّ، وأيأسا المظلومين من العدل حتى استيئَسوا منه، واتخذوا التشاؤم والريب وسوء الظن أساسًا لحياتهم، وقِوامًا لكل صلة بينهم وبين غيرهم من الناس.

    هم أولئك الذين كلَّفتهم الإنسانية أن يقيموا الحق بين شعوبها وأن يُنشئوا لها سلامًا كاملًا شاملًا قوامُه العدل الذي يأخذ للضعيف من القوي، وينصف المظلوم من الظالم، ويؤمِّن الناس جميعًا من الخوف والبغي والعدوان. فلم يصنعوا من ذلك شيئًا، بل لم يحاولوا أن يصنعوا من ذلك شيئًا؛ لأنهم لم يؤمنوا بذلك فيما بينهم وبين أنفسهم، وإنما أقبلوا على أداء مهمتهم هذه الخطيرة ممثِّلين يُحسنون التمثيل أحيانًا ويخطئونه أحيانًا أخرى، ويَملَئون قلوب الناس في كل يوم حسرة وألمًا، ويُذيقونهم في كل يوم مرارة الآمال الخائبة والأماني الكاذبة، وأريدُ بهم هؤلاء الذين تأتلف منهم هيئة الأمم المتحدة بين عام وعام، وهؤلاء الذين يأتلف منهم مجلس الأمن بين حين وحين.

    لقد اجتمعت هيئة الأمم في آخر الصيف الماضي وعُرضت عليها فيما عُرض عليها من المشكلات مشكلةُ الجزائر، وما يُصب على أهلها من البأس وما يُدبَّر لهم من الكيد وما يُسفك من دمائهم ويُزهق من نفوسهم؛ لأنهم يطالبون بأن يكونوا أحرارًا وبأن يأمنوا من الخوف ويُعصموا من البغي، ويظفروا بالكرامة التي قرر مَوْثِقُ هيئة الأمم أنها حق للإنسان من حيث هو إنسان، لا من حيث إنه ينتمي إلى هذه الدولة أو تلك ويعيش في هذا القطر أو ذاك.

    وكانت هذه المشكلة قضية بين شعب ضعيف هو الشعب الجزائري، ودولة قوية هي فرنسا، وخُيِّل إلى الناس أن هيئة الأمم قد أخذت موثقها مأخذ الجِدِّ، وأزمعت أن تقيم العدل بين الخَصمين دون أن تحفل بأن أحدهما ضعيف والآخر قوي، فقبلت مشكلة الجزائر بين ما كان ينبغي أن تدرسه من المشكلات في دورتها تلك، وشاع الفرح في أقطار الأرض، وأشعرت قلوب الناس غبطة وأملًا، وانطلقت ألسنتهم بأن العدل محقَّق من غير شك، وإنْ سعى إلى الناس في بطءٍ وأناة. ولكن الخصم القوي ثار ثائرُه وفار فائرُه وأخذته العزة بالإثم، فاستكبر حتى على القضاء، وأبى أن يقف موقف المتهم وأن يدافع عن نفسه أمام خصم ضعيف لا يملك حولًا ولا طَوْلًا؛ فترك هيئة الأمم تدور في غير مدار وتهيم في غير سبيل، وعاد إلى باريس غاضبًا مُغاضبًا معتمدًا على قوته، معتزًّا ببأسه متحديًا بما يملك من وسائل البطش والتنكيل. وما هي إلا أن تضيق هيئة الأمم بهذه الغضبة، ثم تضطرب لها، ثم تذعن بما لم يكن بُدٌّ من الإذعان له؛ فتؤجل القضية إلى غير موعد، وتسعى إلى فرنسا مترضية مستعطفة، وتخلي بين الجزائريين وبين الموت يتخطَّفهم من حيث يعلمون ومن حيث لا يعلمون، وخلَّت بينهم وبين الظلم يُصَبُّ عليهم حين يصبحون وحين يمسون، وأذنت للعدل في أن يعود إلى مضجعه، فينام ويغرق في النوم حتى تُتاح له اليقظة في يوم من الأيام، أو لا تُتاح له في يوم من الأيام.

    وعادت فرنسا إلى هيئة الأمم موفورة منصورة، قد رفعت رأسها مكابرة ومدت يدها مصافِحة، واطمأنت الهيئة كل الاطمئنان؛ فقد عاد الحبيب إلى الحبيب، ورضي الصديق عن الصديق، واجتمع الشمل بعد تفرُّقه، ورضيت هيئة الأمم بالعافية، وظلت الدماء تجري في الجزائر أنهارًا، وجعلنا نقرأ في الصحف الفرنسية نفسها أن مائة من الجزائريين قُتلوا في الأيام الأربعة الأولى من الأسبوع الماضي، ثم نقرأ في بعض البرقيات أن أكثر من ثلاثمائة من الجزائريين قُتِلوا في ذلك الأسبوع نفسه.

    وليس بشيء من ذلك بأس ما دامت فرنسا راضية عن هيئة الأمم، وما دامت هيئة الأمم راضية عن فرنسا، فأما النفوس المُزْهَقَة والدماء المُرَاقة والأسر المُفجَعة، فأدوات للَعِب الأقوياء لا تنقص عن ذلك ولا تزيد.

    ومنذ أيام اجتمع مجلس الأمن، وما أدراك ما مجلس الأمن؛ هو الهيئة العليا التي تكبح بغي البغاة، وتكف طغيان الطغاة، وتعاقب المعتدين على عُدوانهم، وتجعلهم نَكَالًا للناس في أقطار الأرض كلها. اجتمع هذا المجلس الخطير، وعُرضت عليه قضية من الخزي للإنسانية المتحضرة أن توجد، ومن الخزي للإنسانية المتحضرة أن تكون موضوع أخذٍ وردٍّ، وأن يجرى فيها خصام أو جدال. فقد أراد الكبار أن يلعبوا بالصغار، فأزعجوا الآمنين الوادعين عمَّا كانوا فيه من أمن ودَعة، وسلطوا عليهم لعبتهم تسفك دماءهم وتذبح أبناءهم وتُخرجهم من ديارهم وتشرِّدهم في الأرض كل مشرَّد، وجعلوا ينظرون إليها وهي تفعل ذلك بمعونتهم وتأييدهم فرحين مبتهجين، قد أنشَئوا دولة من لا شيء، وحكَّموها في النفوس والدماء والأموال، وفرضوها على التاريخ فرضًا، ثم جعلوا يُدلِّلونها حتى استحبت الطغيان وكلفت باستباحة ما لا يُباح وانتهاك الحرمات وإهدار الحقوق. وخطر لهذه اللعبة ذات يوم أن تُغير على جارتها سوريا، وأن تأخذها على غِرَّة فتقتل وتنهب وتأسر، وتعود قوتها المغيرة مطمئنة راضية كأنها لم تصنع شيئًا ولم تقترف إثمًا ولم تهدر حقًّا. وما لها لا تفعل وقد مُدَّت لها أسباب العدوان، وأُطمِعَت في الأمن من العواقب وأُبيح لها ما لا يُباح لغيرها من الآثام.

    وعُرض الأمر على مجلس الأمن، ففكَّر وقدَّر، وأقبل وأدبر، وتقدم وتأخر، ثم قضى وقرَّر أن إسرائيل مذنبة، ولكنها لا تُعاقب على الذنب، جانية ولكنها لا تؤخذ بجنايتها، مدانة ولكنها تُلام وتُنذَر، ثم يكتفي باللوم والإنذار، ولا يتجاوز ذلك؛ ففيه الكفاية وأكثر من الكفاية.

    وقال قائل لمجلس الأمن من أعضائه: فلا أقل من أن تؤخذ إسرائيل بتعويض سوريا عمن قُتل من أبنائها وما ضُيِّع من أموالها، فليس في ذلك عقوبة، ولكن فيه شيئًا من إنصاف. ولكن المجلس أبى ولجَّ في الإباء، ووضع أعضاؤه القضاة أصابعهم في آذانهم وقالوا: حسبنا أن ندين إسرائيل؛ فإدانتها شيء عظيم. ثم تفرق مجلس الأمن بعد أن أذِن للعدل في أن يعود إلى مضجعه لينام ويغرق في النوم حتى تُتاح له اليقظة في يوم من الأيام أو لا تُتاح له آخر الدهر.

    فأما النفوس التي أُزهقت، والدماء التي أُريقت، والأسر التي فُجعت، والحقوق التي أُهدرت؛ فأدوات للعب لا تنقص عن ذلك ولا تزيد.

    ألا يزال العرب يعتمدون على اللاعبين بالنفوس لإنصاف المظلومين من الظالمين؟ وألم يأنِ لهم أن يُنصِفوا أنفسهم بأنفسهم بعد أن أسفر الصبح لذي عينين؟

  • بيع الدماء

    بيع الدماء

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ٧ يناير ١٩٥٦

    كان ذلك في الأيام الأخيرة من شهر أغسطس المَاضي، حين تسَامع الناسُ في أقطار الأرض بذلك الصراع العنيف البغيض بين الفرنسيين وإخواننا من أهل مراكش والجزائر، وبما كان له من أثر خطير في اضطراب الرأي العام الفرنسي، وتفرُّق الفرنسيين شيعًا وأحزابًا؛ يُريد الصادقون الأوفياء منهم للثورة الفرنسية أنْ يَكُفَّ وطنُهم عن هذا البغي الآثم، الذي يُنكِر أصولَ تلك الثورة إنكارًا، ويريد الطامعون الجَشِعون إلى المال أنْ تبسط فرنسا سُلطانَها على تلك البلاد مهما كانت وسائلها إلى ذلك، ومهما تُهدَر فيه من دماء أبنائها ودماء الوادعين من أهل تلك البلاد، ومهما تُلقِي في سبيله من قِيَم الحق والعدل والإنصاف.

    وكانت الصُّحُف في أقطار الأرض مُتنبِّهةً لتلك الأحداث الجِسَام، حريصة على أنْ تتلقَّى أنباءها في كل ساعة من ساعات الليل والنهار، ولم يكن المُنْتِجون لأفلام السينما أقل تَنَبُّهًا لتلك الأحداث وتحرُّقًا على أخبارها … فالصحف تُروِّع بالأنباء والصور، ولكن الناس يقرءونها مُتفرِّقين حين يَخْلُون إلى أنفسهم، فيُرَوَّعون فيما بينهم وبين ضمائرهم، ويتحدثون بذلك حين يلقى بعضُهم بعضًا.

    فأمَّا أفلام السِّينما فهي تُحْدِث الروعَ الاجتماعيَّ حين تفجأ الجماعاتِ الضَّخمةَ بصور هذه الأحداث تتحرَّكُ أمامهم، وتقع بمَرأى مِنْهُم ومَسْمَع، فهم يشهدونها وإن بعدت بينهم وبينها آماد الزمان والمكان، وهم يتأثَّرون بها تأثُّر الشاهد لا تأثر الغائب، كأنهم يُشارِكون فيها، ويحتملون أثقالها وأوزارها، وهي تُثير في قلوبهم أقصى ما يُمكن أن تُثير منَ الرَّوع الذي لا أعْقَابَ له ولا إثم فيه.

    والناس لا يُحِبُّون شيئًا كما يُحِبُّون الروعَ وهم آمنون، ولا يَكْلَفون بشيء كما يَكْلَفون بالقلق وأجسامهم مستقرة في أماكنها، وقلوبهم هادئة في صدورهم، وضمائرهم راضية لا تتعرَّض لبأس أو مكروه. ومن أجل ذلك، يحرص المنتجون لأفلام السينما على أن يلتقطوا صور هذه الأحداث حين تقع، ويعرضوها على الجماعات؛ ليثيروا في نفوس الناس هذا الخوف الآمن، وهذا الروع المطمئن.

    وقد حرصَتْ شركةٌ من شركات الأفلام على أنْ تُصوِّر بعضَ الهَوْلِ الذي كان يُصَبُّ على أهل الجزائر في تلك الأيام؛ فأبرقت إلى أحد مُمَثليها أن يبتغي الوسائل إلى تصوير بعض ذلك، وأنْ يَكون إلى ذلك سَابقًا مُجلِّيًا لتستأثر منه بما تُحب، وتتفوَّق على مُنَافِسيها بالسبق إلى إرضاء الناس.

    ولكنَّ أَمْرَها وصل — فيما يظهر — بعد فوات الوَقت إلى مُمَثِّلها، والمُمثِّل حريصٌ على أن يبلغ منها موقع الرضا، والمالُ أيسرُ الوسائلِ إلى ذلك وأبْلَغُها أثرًا، فمَا يَمْنَعُه أنْ يُنفق آلافًا قَليلَةً أو ألوفًا كثيرة ليبلغ من ذلك بعض ما يُحب إن فاته منه كل ما يريد.

    وقد فعل فأسرع إلى بعض الجُند وفاوضه في الأمر، وعرض عليه قليلَ المالِ أو كثيرَه، وقَبِل الجنديُّ في غير مشقة ولا عناء. وما يمنعه من ذلك والأسرى كَثِيرونَ والرصاص مَيْسُور، والمَالُ قليلٌ، والحاجات لا تُحْصَى ولا تنقضي؟!

    وكذلك اختار الجنديُّ أحدَ الأسرى في المَوعد المَضروب لذلك، وأمر مُمَثِّلَ شركةِ الأفلام أنْ يتهيَّأَ للصور، وأَمَرَ الأسيرَ أن يمضي أمامه، وأمر أداةَ الموتِ أنْ تُطلِق بعضَ ما فيها من الرَّصاص، وسقط الأسيرُ يتشحَّط في دمه، واندسَّت يدُ المُمَثِّل في جيبه، ثم اندست يدُ الجُنديِّ في جيبه، وقُضِي الأمر!

    وسُفِك دم البريء، قد بِيعَ بأوراق معدودة من آلاف الفرنكات، وكأنَّ أحدًا لم يرَ شيئًا، وكأنَّ أحدًا لم يسمع شيئًا، وكأن دماء الناس لم تُحَرَّم على النَّاس بغيرِ ذَنبٍ! وكأنَّ نفُوسَ الأسرى مِلْكُ للجند يُزهقونها حين يشاءون، وحيث يشاءون، وكيف يَشَاءونَ! وكأنَّ قوانين الحرب — إن كانت هناك حرب — لم تكفل أمن الأسرَى على نفوسِهم ودِمَائهم حتى يَقْضِيَ القضاءُ في أَمْرِهم فيأذن لهم بالحياة أو يفرض عليهم الموت.

    ولكنَّ الناسَ رأوا وسمعوا وأسرَّ بعضُهم إلى بعض، ثم جهَّز بعضهم لبعض، ثم شَاعَ النَّبأ واستفاض حتى ارتفع إلى قائد الجيش، ثم إلى الحاكم العام. وأمرت الحكومةُ بالتحقيق كما أَمَرَتْ بالكتمان، وحَظَرت النشر وحرَّمَت الإذاعة. ومضى التحقيق بطيئًا يتعثر إنْ كان أحد قد أخذ فيه.

    وفي أثناء ذلك، أُرْسِلت الصُّور إلى شركة الأفلام، ونُشرت في شمال أمريكا وجنوبها، ونُشِرت في بعض الصحف الأمريكية والفرنسيون ساهون لاهون أو أيقاظ متنبهون، ولكنهم لا يقولون شيئًا، ولم يشقوا على أنفسهم بالقول ولم يكلفوها اللوم والإنكار، وإنما هو دم رخيص بِيعَ بثمن بخْسٍ، فهو أهونُ من أن يستأهل لومًا أو إنكارًا! ومتى حفل السادة بدماء العبيد؟! ومتى اهتم المُتحضِّرون الممعنون في الحضارة بنفوس الهمج من عرب الجزائر وبربرها؟!

    ومضت شهور خمسة لم يُذكَر فيها هذا الحدث ولم يُنكَر، ولكن الحرب الانتخابية تشب في فرنسا، وتبلغ أقصى ما يمكن من العنف، وليس بد لمنديس فرانس من أن يُسقِط إدجار فور ليستأثر من دونه بالحُكم حين تجتمع الجمعية الوطنية، وله صحيفة سيارة تُروِّج له في الانتخابات، فما يمنعها من أن تُذيع نبأ هذا الحدَث الآثم لتثير الناس على رئيس الحكومة قبل الانتخاب بيومين أو بثلاثة أيام؛ ليذكر الناس هذا الإثم يوم يسعون إلى صناديق الانتخاب؟!

    وكذلك نشرت صحيفة الإكسبريس هذا النبأ؛ فثارت له الجماعات وثارت له الحكومة، وخاضت فيه الصحف الفرنسية كلها، ثم جاء يوم الانتخاب فلم يسقط إدجار فور، ولم يسقط منديس فرانس، وإنَّما نجَحَ الخَصْمَان ليَمضيا في صِرَاعِهما أمَام النواب حين يجتمعون. وكانَ طبيعيًا ألا يسقط هذا أو ذاك؛ فدم رجل من أهل الجزائر أهون من أن يَضِيع فيه كرسي على مرشح فرنسي للجمعية الوطنية الفرنسية كائنًا هذا المرشح من يكون، وكائنًا ذاك الجزائري من يكون!

    هذه هي القصة التي تَسْتَطيع أنْ تقرأهَا في جميعِ الصُّحف الفرنسية، والتي أذاعها البرقُ في جميع أقطار الدنيا، وكتبت فيها بعضُ الصحف المصرية، ولا ينبغي أن تسأل كيف هان دم الإنسان على الإنسان إلى هذا الحد، ولا أن تسأل كيف تعثر التحقيق خمسة أشهر كامِلَة دون أن ينتهي إلى غاية، ولا أن تسأل كيف لم يُحاسب قائد الجيش في الجزائر ولا الحاكم العام في الجزائر عن تعثر التحقيق بهذه الأشهر الطوال، ولا أن تسأل كيف سكتت الحكومة الفرنسية وسكت خصومها، وسكت الذين عرفوا هذا النبأ من الفرنسيين في الجزائر وفي فرنسا نفسها، كيف سكت هؤلاء جميعًا على هذا الفكر البغيض خمسة أشهر كاملة، ولم يذكروه إلا حين احتاج إليه أحدهم لِيُسْقِط خَصْمَه في الانتخاب؟! ولا أن تسأل عن هذه القيم العليا المقدسة؛ قيم الحق والعدل والحرية والمُساواة وإنصاف المَظْلُومين من الظالمين، والأخذ للضعفاء من الأقوياء!

    ماذا صنع بها المتحضرون المتفوِّقون في الحضارة من الفرنسيين الذين سبقوا إلى الاعتراف بحق الإنسان منذ أكثر من قرن ونصف قرن، لا تَسَلْ عن شيء من هذا! فأنتَ تعيشُ في عصرٍ قدْ أُهدِرَتْ فيه كل هذه القيم؛ أهدرتها القُوَّة الجَامِحَة حين لا تجد من يَرُدُّها عن البغي أو يصدها عن الظلم والطغيان.

    وأهدرها حب المال الذي لا يعدل بامتلاء الخزائن شيئًا، ولا يتردد في سفك الدماء وإزهاق النفوس، وتيتيم الأطفال، وتأييم النساء؛ ليُتاح لقلة قليلة من الناس أن يعيشوا آمنين وادعين في حياة ناعمة قوامُها اللذة والمَتاع، وأهدرتها الأثرة التي تُبيح لجندي أن يَسْفِك دم أسير لينعم يومًا أو أيامًا بحياة خير من حياة الجند.

    لا تسأل عن شيء من هذا؛ لأنَّك تعيش في عصر قد هوَّنَت الحضارةُ فيه على الأقوياء كُلَّ شيء، وجعلتْ دماء الضعفاء أرخص ما يجري عليه البيع والشراء، وسَلْ إن شئتَ عن شيء آخر هو الجدير بأنْ تَسأل عنه، وأنْ تُفَكِّر فيه، وأنْ يُنَغِّص عليك يقظتك أثناء النهار، ويذود عنك النوم أثناء الليل: كيف تَصْبِر الإنسانيَّةُ على الاستعمار الذي يَجُرُّ عليها كلَّ هذا الهوان؟!

  • الإسلام والغرب

    الإسلام والغرب
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ١٤ أكتوبر ١٩٥٥

    كان اجتماعًا قيِّمًا حقًّا ذلك الذي التقى فيه فريق من المفكرين المسلمين بفريق من المفكرين الإيطاليين في مدينة البندقية؛ ليتحدثوا في حرية صريحة، أو في صراحة حرة عن الخصومة بين الإسلام وبين الحضارة الغربية، وعن الأسباب التي أثارتها النتائج التي نشأت عنها، وعن الوسائل التي يمكن أنْ تؤدي إلى حسم هذه الخصومة، واستئناف حياة جديدة يقوم فيها الوفاق والتعاون مقام الخلاف والتدابر بين المسلمين في أقطار الأرض، وبين الذين اتخذوا الحضارة الغربية لهم قوامًا.

    وكانت المزية الأولى لهذا الاجتماع أنه لم يأتلف من عدد ضخم يكثر فيه الكلام، وتتفرق فيه الآراء، وتضيع فيه الوسائل والغايات، وإنما ائتلف من أشخاص قليلين مسلمين وإيطاليين، ولم يشهده أحد من البلاد الغربية الأخرى في أوروبا وأمريكا، وإنما شهده الإيطاليون وحدهم عن الحضارة الغربية، وشهده من المسلمين نفر لا يبلغون العشرة، كان فيهم إيرانيان وعراقي ولبناني وتركي ومصري وتونسي، وكانوا جميعًا من الجامعيين الذين أخلصوا أنفسهم، أو كادوا يخلصونها للثقافة والعلم، وتخلف من دعي من سوريا لعذر طارئ، ولم يحضر الأستاذ العقَّاد، وليته استطاع الحضور، وكان الذين شاركوا في هذا الاجتماع من الإيطاليين قليلين أيضًا كلهم من الجامعيين، ولكنهم على ذلك يختلفون فيما يفرغون له من العلم، فمنهم الفقيه، ومنهم الاقتصادي، ومنهم أستاذ الرياضة، ومنهم بعض المستشرقين، وكانت المزية الثانية لهذا الاجتماع أنه لم يكن رسميًّا؛ فلم تُدعَ إليه الحكومات، ولم تشارك فيه من قرب أو بُعد، ولم تُدع إليه الهيئات، وإنما دُعي إليه أفراد عُرفوا بمكانهم من الثقافة والعلم، وبمكانهم المرموق في أوطانهم، فلم تدخل السياسة إذن في هذا الاجتماع، وإنْ لم يخلُ من حديث السياسة، وكيف التحدث في شئون الشرق والغرب، وما بينهما من خصومة دون الإلمام بحديث السياسة وخطوبها، وقد يسأل القارئ عن مصدر هذا الاجتماع وعن الذي دعا إليه، وهنا حديث أحب أنْ يتدبره المصريون والأغنياء منهم خاصة؛ لأنه جدير أنْ يثير العبرة ويدعو إلى إطالة التفكير والتدبير.

    رجل من أغنياء إيطاليا، ومن أغنياء مدينة البندقية خاصة منحه الله بسطة واسعة في المال، وما أكثر الذين أتاح الله لهم الثراء العريض، وقد فُجع هذا الرجل في ابنه منذ خمس سنين، فاحتمل خطبه كريمًا، ثم جعله مصدر خير لأسر كثيرة من الإيطاليين. أنشأ في جزيرة من جزائر البندقية لها خطر في التاريخ معهدين، خصص أحدهما لليتامى من أبناء الذين يعملون في البحر ينشئون فيه، ويتعلمون فيه أعمال البحر، ويدربون عليها حتى إذا أتموا تعليمهم عملوا فيما كان يعمل فيه آباؤهم. وأنشأ معهدًا آخر للحرف والصناعات اليسيرة، وآوى في كل واحد من هذين المعهدين خمسمائة من التلاميذ، وضمن لهم النمو في حياته والبقاء بعد وفاته، فهو يقوم إذن على تربية ألف من الأطفال الإيطاليين وتعليمهم، وتمكينهم من أنْ يعيشوا بعد تخرجهم كرامًا ينفعون أنفسهم وينفعون الناس. ثم لم يكتفِ بذلك، وإنما جدد ما في تلك الجزيرة من معالم تاريخية خطيرة، وأنشأ فيها دارًا للكتب يختلف إليها طلاب الثقافة والمعرفة، ثم أنشأ فيها مركزًا ثقافيًّا، يلتقي فيه بين حين وحين أعلام الثقافة والعلم والأدب؛ ليتحدثوا فيما يعنيهم من شئون الثقافة والعلم والأدب.

    ***

    وكان اجتماعنا هذا واحدًا من هذه الاجتماعات، التي يراد لها أنْ تتصل وأنْ تكثر، وألا تتقيد بموضوع ولا تخضع لنظام إلا نظام التفكير الحر الصريح.

    وقد التقينا ستة أيام مصبحين وممسين، فقلنا وقالوا، ولم تنقصنا الصراحة في القول، ولم تنقصهم الشجاعة على الاعتراف بالحق حين تبين لهم الحق، ولم يكن بُد من أنْ نتفق قبل كل شيء على الحضارة الغربية ما هي، وما يمكن أنْ تكون! فلست أعرف أنَّ هناك حضارة غربية تختلف في جوهرها عن الحضارة الإسلامية، وإنما أعرف أنَّ هناك حضارة واحدة ازدهرت حول البحر الأبيض المتوسط سبقت مصر إلى أصولها، ومنحها اليونان قوة وأيدًا وخصبًا، وأخذها اليونان عن الرومان، ثم انتشرت بعد ذلك في غرب البحر الأبيض وشرقه، وفي شماله وجنوبه، ثم تنصرت حين عرفت المسيحية، وأسلمت حين عرفت الإسلام، نقلت إليها ثقافة الأمم القديمة وما يلائمها من تراث هذه الأمم وأساغته وتمثلته وجعلته جزءًا منها، وأحيت أممًا خضعت لسلطان الإسلام، ثم نقلها المسلمون أنفسهم إلى غرب أوروبا، فأحدثوا فيه نهضة خصبة ما كانت لتحدث لو لم تترجَم كتب المسلمين في الفلسفة والفنون والعلوم إلى اللغة اللاتينية، التي كانت لغة الثقافة في غرب أوروبا.

    ***

    وهذه الحضارة نفسها هي التي اشتد اتصال الأوروبيين بها في نهضتهم الحديثة، فأخذوها من أصولها اليونانية واللاتينية، وأذكوا جذوتها، وأتاحوا لها كما أتاحت لهم ما وصلت إليه، وما وصلوا إليه من الرقي والازدهار.

    فالحضارة الإسلامية والحضارة الغربية واحدة إذن في أصولها وجوهرها وطبيعتها، ولكن ظروف التاريخ قضت على المسلمين أنْ يخمدوا، وأتاحت للغربيين أنْ ينشطوا، فتقدم الغرب الأوروبي وتأخر الشرق الإسلامي، فلا يصح أنْ يقال إذن: إنَّ هناك حضارتين إحداهما إسلامية، والأخرى غربية أوروبية.

    والقول بأن هناك خصومة بين الإسلام وبين الحضارة الغربية يحتاج إلى كثير من الدقة. فالإسلام لا يخاصم الحضارة الغربية في نفسها؛ لأنها حضارته، وإنما يخاصم فريقًا من الغربيين خرجوا على أصول حضارتهم، وخالفوا عما تأمرهم به وتحثهم عليه، فملئوا الأرض شرًّا ونكرًا، وفرقوا بين الناس، وكان من الحق أنْ يتفقوا، واستعلوا في الأرض والحضارة الصحيحة شرقية كانت أو غربية لا تحب الاستعلاء، بل تمقته أشد المقت، وتقرر المساواة بين الناس في كل ما تمكن فيه المساواة لا لشيء إلا لأنهم يشتركون في الإنسانية، ويدخلون في الحياة على نمط واحد، ويخرجون منها على نمط واحد، ويجب أنْ يعيشوا فيما بين ذلك متقاربين متضامنين يستعلي بعضهم على بعض، ولا يسوم بعضهم بعضًا ظلمًا ولا خسفًا ولا هوانًا.

    ولا يصح أنْ توصف الحضارة الغربية بأنها حضارة تمتاز في جوهرها من حضارة الشرق الإسلامي؛ فجوهر الحضارتين واحد، واختلاف الدين بين المسلمين والمسيحيين لا يغير من طبيعة الحضارة شيئًا؛ لأن المُثل العليا التي يدعو إليها الإسلام وتدعو إليها المسيحية واحدة في جوهرها، كلا الدينين يدعو إلى الإيمان بإله واحد لا شريك له، وكلاهما يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، وكلاهما يفرض العدل والمساواة بين الناس.

    ***

    ولا يصح كذلك أنْ يقال: إنَّ الحضارة الغربية تمتاز بما شاع فيها من المادية بعد تقدم العلم، فالمادية ليست مقصورة على الحضارة الغربية، وقد وجدت في العالم الإسلامي وأنكرها المسلمون، كما ينكرها المسيحيون، وتجرد للرد عليها، ونصب الحرب لها فريق من علماء المسيحيين الغربيين وفلاسفتهم.

    وإذا كان هذا كله حقًّا — وهو حق لا شك فيه — فالخصومة القائمة بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي ليست خصومة بين حضارة وحضارة، وليست خصومة بين دين ودين، وإنما هي خصومة بين حب العدل والإغراق في الجور، وبين حب المساواة والغلو في التفريق وإيثار الاستعلاء والامتياز، وليس أدل على ذلك من أنَّ اختلاف الدين لم يمنع المسيحيين وغير المسيحيين من أنْ يعيشوا بين المسلمين كرامًا، ويشاركوا في الحضارة الإسلامية مشاركة عاملة موجبة لا مشاركة الخاضعين السلبيين، وهم ينكرون من طغيان الغرب ما ينكر المسلمون، وهم يطمحون إلى الحرية والعدل والكرامة، كما يطمح إليها المسلمون، وهم يجاهدون في سبيل هذه الحقوق كما يجاهد في سبيلها المسلمون.

    وليس أدل على ذلك أيضًا من أنَّ المخلصين للمسيحية الصادقين في الإيمان بها من أهل الغرب ينكرون ما يتورط فيه ساستهم وقادتهم من الاستعمار، وما ينشأ عنه من الجور والبغي والعدوان، وما يشيع بين الناس من البُغض والحقد والعداء.

    ***

    وليس أدل على ذلك آخر الأمر من أنَّ المسلمين يجدُّون في استدراك ما فاتهم، ويسعون إلى الحضارة الغربية مكتسبين لها، مشاركين فيها، آخذين بأسبابها، يوطنونها في بلادهم، ويحرصون على أنْ يكون نصيبهم منها كنصيب الغربيين؛ فليست الحضارة كلامًا يقال، وإنما هي علم وفن وفلسفة وعمل. والمسلمون يدرسون علوم الغرب وفنونه وفلسفته، ويضيفون إليها حين يتاح لهم ذلك ويلائمون بينها وبين أمزجتهم وطبائعهم وأخلاقهم وعاداتهم وسننهم الموروثة، لا يجدون بذلك بأسًا، ولا يلومهم في ذلك اللائمون وهم يصنعون ذلك كله الآن، كما صنع الغربيون ذلك كله بحضارة المسلمين في القرون الوسطى.

    ولم يستطع زملاؤنا الإيطاليون أنْ ينكروا ذلك أو يجادلوا فيه، وإنما عرفوه وابتهجوا له، وجرى الحوار بعد ذلك على أساس متين، فجعلنا نلتمس معهم أسباب الخصومة بين الإسلام والغرب، ولم نجد مشقة، ولم نتكلف جهدًا في تحديد هذه الأسباب؛ لأنها أوضح من أنْ تحتاج إلى البحث أو تكلف الجهد، فهي تنتهي كلها آخر الأمر إلى علة واحدة، هي الاستعمار الذي ورط الغربيين في كثير من الآثام، ورطهم في الظلم فاستغلوا أوطان الناس دون أنْ يكون لهم حق في استغلالها، واستأثروا بما تنتج هذه الأوطان من الثمرات من دون أهلها، واستذلوا أهل هذه الأوطان بالقوة الغاشمة لتخلص لهم ثمراتها، وإنْ حُرم أهل هذه الأوطان الاستمتاع بها، وتورطوا في القتل وسفك الدماء بغير حساب لا لشيء إلا لأنهم يريدون أنْ يستكرهوا الإصرار على أنْ يكونوا عبيدًا يجدُّون ويكدون لينعم الغربيون ويترفوا.

    ***

    وقال قائل الزملاء الإيطاليين: إنكم تسرفون على الغرب حين تذكرون له السيئات، وتنسون ما أهدى إليكم من الخير، فهو قد أَهْدَى إليكم علمه وفنونه وآدابه وفلسفته وإنتاجه المادي على اختلافه، وهو قد غيَّر حياتكم تغييرًا؛ يسرها بعد أنْ كانت عسيرة، وألانها بعد أنْ كانت قاسية خشنة. ولم أملك إنْ رددت على هذا الزميل في شيء من العنف بكلمة لم تلبث أنْ استقرت في نفوس أصحابه، فكانوا يلقونني بها كلما ضمنا مجلس يجدون حينًا ويمزحون أحيانًا … قلت: إنكم لا تهدون إلينا نتائج حضارتكم، وإنما نأخذها منكم أخذًا، ونأخذها منكم على رغمكم؛ لأننا نشتريها بالمال، ونؤدي إليكم أثمانها غالية، ولن تستطيعوا أنْ تستأثروا بها من دوننا؛ لأنكم لا تستطيعون أنْ تصدونا عن قراءة كتبكم وصحفكم والاختلاف إلى جامعاتكم ومعاهدكم، بل أنتم تتنافسون في بيع حضارتكم لنا، كنتم تظنون أنَّ ذلك يخضعنا لسلطانكم، ثم تبينتم أنَّ ذلك يغرينا بالتمرد عليكم والتخلص من بغيكم وطغيانكم، وانظروا — إنْ شئتم — إلى ما حدث في مصر، وما يحدث في شمال إفريقيا، وما يحدث في الأوطان الإسلامية كلها، بل في كل بلد حاولتم أنْ تستعمروه.

    ومضى الحوار بيننا على هذا النحو ستة أيام بعنف حينًا، حتى يبلغ من العنف أقصاه، ويرق حينًا حتى ينتهي إلى مودة وصفاء، ثم انقضى في اليوم الأخير على خير ما ينقضي عليه الحوار، انقضى على أنَّ الناس أخوة ما أقاموا حياتهم على الحب والعدل والتعاون على البر والتقوى، وأعداء إنْ أقاموا حياتهم على الأثرة والطغيان والبغي، وعلى أنَّ الخير كل الخير في أنْ يتجدد هذا اللقاء بين المسلمين وبين الغربيين؛ ليحاولوا بالبحث والدرس أنْ يصلوا إلى كلمة سواء. ولست أنسى حين أقبل ذلك الأستاذ الشيخ الذي كان يرأس جلساتنا، وهو من كبار الفقهاء الإيطاليين، لست أنسى حين أقبل يودعني على ظهر السفينة، ويذكرني متضاحكًا بهذه الكلمة التي قلتها، فاستقرت في نفسه: إنكم لا تعطوننا حضارتكم، ولكننا نأخذها منكم أخذًا.

    ولست أدري! لِم تكون مثل هذه الاجتماعات في أوروبا، ولا يكون شيء منها في الشرق العربي وفي مصر خاصة، ولكن هذا حديث يطول.

  • أزمة …!

    أزمة …!
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٢٤ سبتمبر ١٩٥٥

    يستطيع القارئ أن يتصور أزمة الديمقراطية الفرنسية كما هي الآن، قبل أن تُستأنف الدورة البرلمانية بوقت قصير، سلطة تنفيذية لا تملك ما ينبغي لها من القوة، وما يخولها الدستور من الحق؛ لتحل مشكلة خطيرة من أشد المشكلات التي عُرضت للجمهورية الرابعة، لا لأن البرلمان يمنعها من ذلك — فالبرلمان متفرِّق الآن — بل لأن الأحزاب تهددها بالتخلِّي عنها يوم الحساب، ولأن الوزراء الذين ينتمون لهذه الأحزاب لا يخضعون لقرارات مجلس الوزراء، ولا يحفلون بالتضامن الوزاري ولا يستقيلون من مناصبهم، ولأن أصحاب المنافع المالية الضخمة في شمال أفريقيا هم الذين يدبرون الأمر من وراء ستار!

    هذه هي التي نشهدها في فرنسا، كانت جمهوريتها الرابعة، ومنذ عَظُم الشر بينها وبين أقطار من الأرض قضى عليها نظام الاستعمار أن تخضع لسلطانها. ولست أعرف في تاريخ الحياة السياسية أثناء هذا القرن العشرين أزمة تُشبهها فيما تحمل من هذه المتناقضات التي تُغري بالضحك أحيانًا، وتُغري بالحزن العميق أحيانًا أخرى، وتثير من العِبَر والعظات ما ينفع الدارسين لها والمفكِّرين فيها على كل حال.

    وكان الفرنسيون وغير الفرنسيين يعيبون الجمهورية الفرنسية الثالثة بأنها لم تكُن تحب الاستقرار في شئون الحكم، وإنما كانت تلعب بالوزارات؛ توليها في الصباح وتُقِيلُها في المساء، ولا تحب بحال من الأحوال أن تطول أعمارها مهما يكن رؤساؤها وأعضاؤها. ولكن الجمهورية الرابعة فيما يظهر تريد أن تكون أكثر لعبًا بشئون الحكم وأكثر استخفافًا بأعبائه، مهما تثقل من تلك الجمهورية الثالثة التي قضت عليها الحرب العالمية الأخيرة.

    فالوزارات الفرنسية منذ صدر الدستور الأخير لا تكاد تنهض بأعباء الحكم حتى تُعفى من النهوض بها، ولا تكاد تأخذ في عمل من الأعمال حتى تُصرف عن المضي فيه صرفًا، بل هي قد تبقى في الحكم ولكنها لا تُمكن من إمضائه، وقد تملك السلطان ولكنها تمنع من إنفاذه.

    وقد نشأ عن هذا ما لم يحدث في الجمهورية الثالثة من انتشار الأمر واضطراب النظام واختلال التوازن بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية إلى حَدٍّ خطير، حقًّا أضاع أو كاد يضيع ما ينبغي للحاكمين من الهيبة التي تجعل قراراتهم نافذة وأوامرهم محترمة وسلطانهم فوق اعتراض المعترِضين وخلاف المخالفين.

    ومصدر ذلك فيما يظهر كثرةُ الأحزاب السياسية وتناقض المنافع بين هذه الأحزاب، وتزاحُم السياسيين على أمور الحكم، وإقامة السياسة على الكيد للوزراء والمكر بهم، وانتهاز الفرص لإسقاطهم، وإقامة غيرهم ريثما تنتهز فرصة أخرى ليتجدد الكيد لهم أو المكر بهم والجِد في إسقاطهم.

    ولم يظهر هذا الاضطراب المنكَر منذ قامت الجمهورية الرابعة كما ظهر في هذه الأيام حين اشتدت الأزمة بين فرنسا وبين شمال أفريقيا، وحين كانت هذه الأحداث العظام التي روع العالم كله لها ترويعًا.

    وما أريد اليوم أن أتحدث عمَّا يحدث في الجزائر أو في مراكش من الأحداث على نُكرها وبشاعتها، وإنما أريد أن أصور هذه الأزمة التي تشقى بها الديمقراطية في فرنسا ليُنكر فيها من يُنكر، وليعتبر بها من يعتبر، وليكون فيها درس نافع للذين يُعْنَوْنَ بسياسة الشعوب وإقامة الحياة الديمقراطية فيها على أساس متين.

    ولينظر القارئ قبل كل شيء إلى الحقائق الواقعة، فهي وحدها تغني عن كل شيء وعن كل تفسير. في ذات يوم من الأيام تبيَّن للوزارة الفرنسية القائمة أن الأمور في مراكش متعثِّرة، وأن الثورة بالسلطان الفرنسي فيها يزداد خطرها من يوم إلى يوم، وأن ما أُتيح لتونس من هذه الحرية الضئيلة المنقوصة المشوَّهة قد أغرى الساخطين في مراكش والجزائر بأن يطمعوا في أن تتغير أحوالهم، وأن يخلصوا من الحكم الأجنبي المباشر على نحو من الأنحاء؛ فاشتد الاضطراب في المغرب الأقصى، ونظمت الثورة في الجزائر تنظيمًا مخيفًا.

    وقررت الحكومة الفرنسية أن تلتمس مخرجًا من هذا الضيق، وأن تحاول إرضاء المراكشيين؛ فأقالت المقيم العام ووضعت مكانه رجلًا آخر عُرف فيما يظهر بالحزم والمرونة ونفوذ البصيرة وشدة الذكاء، وكلفته أن يُداخل المراكشيين على اختلاف ميولهم ونزعاتهم، وأن يعلم علمهم ويقترح على الحكومة ما يرى أنه يخرجها من هذا المأزق، ويقيم الصلة بينها وبين مراكش على أسس أقوم وأمتن من الأسس التي قامت عليها الحماية إلى الآن. ولم يَكَدْ هذا المقيم العام يصل إلى مراكش ويحاول أن يتصل بأهلها حتى اضطرب فيها كل شيء.

    ثار الأوروبيون لأنهم أحسُّوا أن تغييرًا يُراد إحداثه، وأشفقوا على ما في أيديهم من المنافع الضخمة أن يصيبها بعض ما يكرهون. وثار المراكشيون لأنهم أحسوا أن تغييرًا يُراد إحداثه، وأنه قد يُتيح لهم أن يخرجوا من هذه الظلمة التي هم فيها إلى شيء من النور. وجعل الفرنسيون المستعمِرون في مراكش ينتهزون الفرص ويخلقونها ليبطشوا بالمراكشيين ويدفعوهم إلى الغضب لكرامتهم وحرماتهم وحقوقهم. وجعل المقيم العام لا يزور مدينة من المدن أو لا يُلِمُّ بحي من الأحياء إلا إذا وقع الاضطراب وعظم النكر واقتُرفت الآثام وقُتل الأبرياء ونُكِّلَ بالعُزل الوادعين. كل ذلك لتشعر الحكومة المركزية في باريس بأن المستعمِرين الفرنسيين في مراكش ساخطون على هذا المقيم العام الجديد، منكرون لكل تغيير يمَس منافعهم من قريب أو بعيد، مستعدون لمقاومة هذا التغيير مهما تكن الظروف.

    ونظرت الحكومة المركزية فإذا هي أمام ثورتين في مراكش: إحداهما ثورة فرنسية خالصة تريد أن تُبقي الحماية في مراكش وأن يُحكم المراكشيون على غير ما يحبون مهما تكن النتائج ومهما ينشأ عن ذلك من الأخطار، والأخرى ثورة مراكشية تريد أن ترد الحقوق إلى أهلها وأن يَحكم أهل البلاد أنفسهم كما يريدون هم لا كما يريد الأجانب المستعمرون.

    وكان أغرب ما في الأمر أن أصحاب المنافع من الفرنسيين المقيمين في باريس وأعوانهم من الساسة وأعضاء البرلمان كانوا يشجعون الثائرين من الفرنسيين بالقول والعمل وبالإغراء سرًّا وجهرًا، ويُلِحُّونَ على الحكومة في أن تعزل المقيم العام الجديد، وأن تحافظ على مركز فرنسا في مراكش وتقويه، وتأخذ المراكشيين بالعنف حتى تستقيم قناتهم مهما كلَّفها ذلك من الجهد ومهما ينشأ عنه من إزهاق النفوس وإراقة الدماء والتنكيل بالأبرياء.

    ومضى المقيم العام في تنفيذ السياسة التي رُسمت له، وحاولت الحكومة المركزية أن تثبُت للثائرين بها والساخطين عليها، ولكن ثباتها لم يتصل؛ لأنها أحست أن كثرتها البرلمانية توشك أن تتخلى عنها، ولأن رئيسها أَحَسَّ أن بعض زملائه من الوزراء يوشكون أن يتخلوا عنه نزولًا على رأي أحزابهم. فاضطرت الحكومة إلى أن تخطو هذه الخطوة المنكَرة التي أسقطت هيبتها وأطمعت فيها الثائرين والساخطين؛ فعزلت المقيم العام وأرسلت مكانه رجلًا آخر، ولكنها في الوقت نفسه قررت أن تعالج المشكلة، وأن تلتمس لها حلًّا، وأن تتصل اتصالًا مباشرًا بالساسة من أهل مراكش لتسمع منهم وتعلم علمهم وتقيم سياستها على ما يتكشف لها من الحقائق الواقعة. والغريب أنها أشفقت من أن تعالج هذه المشكلة أثناء اجتماع البرلمان، فانتظرت حتى انتهت الدورة البرلمانية، وظَنَّ رئيسها أنه يستطيع — في حدود ما للسلطة التنفيذية من حق — أن يعالج المشكلة ويحلها ويتقدم بعد ذلك إلى البرلمان في أول الدورة المقبلة. لكنه لم يلبث أن تبين أنه كان مسرفًا في التفاؤل؛ فأعضاء البرلمان متفرِّقون في إجازة الصيف، ولكن الهيئات الإدارية للأحزاب مستقرَّة في باريس ترقُب الحكومة من كَثَب، وتسجل عليها كل ما تأتي من الأمر، ولا تتردد في أن تنبهها إلى ما تحب وتحذِّرها مما تكره، وتنذرها بالتخلي عنها إن خالفت عن أمرها. وكذلك تفرَّق البرلمان، ولكن الأحزاب أو هيئاتها الإدارية قامت مقام البرلمان وأرهقت الحكومة من أمرها عسرًا.

    ومع ذلك فقد مضى رئيس الوزارة في سياسته، وألَّف من وزارته لجنة خاصة اتصلت بالمراكشيين على اختلاف نزعاتهم، فقالت لهم وسمعت منهم، واتفقت معهم آخر الأمر على أن يُقصَى السلطان القائم على العرش ويُنقل السلطان المنفي إلى فرنسا، ويُنشأ مجلس للوصاية على العرش، وتؤلَّف حكومة تمثل الشعب المراكشي وتفاوض الحكومة الفرنسية في أمر النظام الجديد. واتفقت معهم كذلك على أن تُعرض كل هذه القرارات على السلطان المنفي؛ فليس من سبيل إلى إحداث أي إصلاح يقبله المراكشيون إلا إذا أَقَرَّهُ السلطان المنفي؛ لأن المراكشيين لا يؤمنون إلا له ولا يثقون إلا به ولا يصدرون إلا عن أمره وتوجيهه. ولكن الأحزاب ما زالت واقفة بالمرصاد ترقُب عمل الحكومة، فتعرف منه ما تعرف وتُنكر منه ما تُنكر، وتسخط على أكثره وترضى عن أقله، والوزراء الممثلون لهذه الأحزاب في الحكومة خاضعون لأمرها يرضَوْن إن رضيت ويسخطون إن سخطت.

    والحكومة تقدم رِجْلًا وتؤخِّر أخرى، وتُقدم مُصبِحة لتُحجم مُمسِية، وهي على كل حال تحاول أن تُتِمَّ ما بدأت، فتُذعن لما ليس بُدٌّ من الإذعان له، وترسل بعثة فرنسية لتفاوض السلطان الذي أنزلته فرنسا عن العرش ونفته إلى أقصى الأرض. وتذهب هذه البعثة فتفاوض السلطان وتعود راضية تحمل موافقة السلطان على كل ما تم الاتفاق عليه بين الحكومة وبين الساسة المراكشيين، وتحمل من السلطان وعدًا مؤكَّدًا بأنه لن يفعل ما يعرقل السياسة الفرنسية، وأنه لن يترك فرنسا إذا نُقل إليها إلا بإذن من الحكومة الفرنسية؛ فقد استقام كل شيء، إذن لم يبق إلا تنفيذ ما تَمَّ عليه الاتفاق، وكل شيء يدل على أن الأمر قد بلغ غايته.

    ويجتمع مجلس الوزراء برياسة رئيس الجمهورية، ويقرِّر تنفيذ ما تم عليه الاتفاق، وإذن فسيُقصى السلطان القائم عن العرش وسيقيم في طنجة، وسيُنقل السلطان الشرعي من منفاه البعيد إلى فرنسا ليقيم فيها موفورًا. وسينشأ مجلس الوصاية وتؤلَّف حكومة المفاوضات. وهذا رئيس الجمهورية يكتب كتابًا إلى السلطان القائم، يُذكِّره فيه بالمصلحة العليا لمراكش، وبأن هذه المصلحة تقتضي أن يترك العرش وألَّا يعود إليه السلطان المنفي. ورئيس الجمهورية يكفل للسلطان القائم الأمنَ على نفسه وعلى أنصاره. وقد أرسل الكتاب إلى المقيم العام ليُبلغه للسلطان أولًا، وليتخذ ما يجب من إجراء لتنفيذ القرارات التي اتُّفق عليها ثانيًا. ولكن الأحزاب ما زالت قائمة بالمرصاد ترقُب الحكومة من كثَب، وتصدر الأمر إلى وزرائها، وتُنذِر وتُحذِّر وتُبرِق وتُرعِد.

    وقد كان الفرنسيون مطمئنين إلى أن المشكلة المراكشية ستُحل متى وصل كتاب رئيس الجمهورية إلى المقيم العام، ولكن الكتاب يصل فيتلقاه المقيم العام، ثم لا يبلغه إلى السلطان وإنما يبقيه عنده؛ لأنه تلقى أمرًا من غير رئيس الوزراء ومن غير رئيس الجمهورية بأن يحتفظ بالكتاب.

    تلقى هذا الأمر من وزير الخارجية، فكيف خالف وزير الخارجية عن أمر رئيس الجمهورية وعن أمر رئيس الوزراء وعن قرار مجلس الوزراء مجتمعًا؟! هذه هي المسألة ولها جوابان: أحدهما ظاهر رسمي، وهو أن وزير الخارجية لم يشارك في إنشاء هذا الكتاب ولم يقرأ نصه قبل إرساله، والآخر خفي وإن لهجت به الصحف، وهو أن الحزب الذي ينتمي إليه وزير الخارجية ليس راضيًا عن هذا الكتاب ولا عن عزل السلطان القائم ولا عن إحداث تغيير في النظام الذي تخضع له مراكش. وقد أُرسل كتاب رئيس الجمهورية منذ ستة أيام، وأنا أُملي هذا الحديث في السابع عشر من هذا الشهر، والكتاب نائم عند المقيم العام، والوزارة الفرنسية حائرة لا تدري أتُقدِم أم تُحجِم الصحف الفرنسية مضطربة بين السُّخط والرضى وبين الرجاء واليأس. والشعب الفرنسي مشغول بأمرين خطيرين أحدهما لا صلة بينه وبين مراكش، وهو الإضراب الذي ينتشر في مدن فرنسا كلها لأن العمال يطالبون برفع الأجور، والآخر يتصل بمراكش والجزائر جميعًا لأن الحكومة محتاجة إلى إقرار النظام في هذين القُطرين بعد ما كان فيهما من اضطراب خطير لم ينقضِ بعدُ. وهي من أجل ذلك في حاجة إلى مزيد من الجند؛ فليس لها بُدٌّ إذن من أن تستبقي الشباب الذين أتموا الخدمة العسكرية وآن لهم أن يعودوا إلى أنفسهم وإلى أهلهم وإلى منافعهم، ليس لها بُدٌّ من أن تستبقيهم تحت العَلَم كما يُقال، وليس لها بُدٌّ كذلك من أن تدعو فريقًا من الشباب الذين أتموا خدمتهم العسكرية وعادوا إلى أهلهم واستقبلوا حياتهم المدنية، ليس لها بُدٌّ من أن تدعوا فريقًا من هؤلاء إلى استئناف خدمتهم العسكرية من جديد؛ لأن القوة النظامية لا تكفي لمواجهة الأخطار التي يتعرض لها الأمن والنظام في هذين القطرين. وهنا يسخط هؤلاء الشباب ويحاول بعضهم العصيان جَهرة، وتسخط أُسَرُ هؤلاء الشباب، وتسخط طائفة غير قليلة من الصحف، وتحتج لجنة الدفاع في الجمعية الوطنية لأنها لم تُستشرْ قبل دعوة هؤلاء الشباب إلى الجندية من جديد.

    ويستطع القارئ أن يتصور بعد ذلك أزمة الديمقراطية الفرنسية كما هي الآن قبل أن تُستأنف الدورة البرلمانية بوقت قصير، سلطة تنفيذية لا تملك ما ينبغي لها من القوة، وما يخولها الدستور من الحق لتحل مشكلة خطيرة من أشد المشكلات التي عرضت للجمهورية الرابعة، لا لأن للبرلمان يمنعها من ذلك — فالبرلمان متفرق الآن — بل لأن الأحزاب تهددها بالتخلي عنها يوم الحساب، ولأن الوزراء الذين ينتمون لهذه الأحزاب لا يخضعون لقرارات مجلس الوزراء ولا يحفلون بالتضامن الوزاري ولا يستقيلون من مناصبهم، ولأن أصحاب المنافع المالية الضخمة في شمال أفريقيا هم الذين يدبرون الأمر من وراء ستار. وليس أبلغ في تصوير هذه الأزمة الديمقراطية في فرنسا من كلمة قالها وزير الخارجية السابق الذي عزل السلطان المنفي، قالها في الصباح فشلَّ الحكومة في المساء لأنه أراد أن يشلها، وهذه الكلمة هي: «لقد أعطينا المراكشيين أكثر مما كانوا يطلبون وأطمعناهم في أنفسنا.» وأنا أقول هذا في الصباح حتى لا تتم الحكومة ما أزمعت في المساء، ولم يُقبِل المساء حتى عجزت الحكومة عن إتمام ما أزمعت عليه لا لشيء إلا لأنها تخشى أن يتخلَّى عنها حزب وزير الخارجية السابق فتفقد كثرتها وتفقد الحكم. وأغرب من هذا كله أن الكثرة البرلمانية الحقة في فرنسا وفي الجمعية الوطنية خاصة تريد مصمِّمة أن تحل المشكلة في مراكش على ما يُحب المراكشيون. ولكن هذه الكثرة مُقْصَاةٌ عن الحكم؛ لأنها لا تتم ولا تستطيع أن تحكم إلا إذا انضم إليها اليساريون من الاشتراكيين والشيوعيين، وهؤلاء قد أُبعِدوا عن الحكم منذ سنين. ونشأ عن ذلك أن تعتمد الحكومات الفرنسية على كثرة مرقَّعة تأتلف من أحزاب كثيرة. ويجب أن تشترك هذه الأحزاب الكثيرة في الوزارة، وأن تلائم الوزارة بين أهواء هذه الأحزاب على اختلافها، فإن قصَّرت في شيء من ذلك فقدت مناصبها. وكذلك تصبح الديمقراطية وسيلة لا غاية، وتصبح الحياة الحزبية هي الغاية، وتصبح الأهواء الحزبية هي المسيطرة على شئون الحكم تصرفها كما تشاء، وتصبح السلطة التنفيذية أشبه شيء بالرقيق الذي لا يملكه سيد واحد وإنما يشترك في ملكه سادة مختلفون. والحمد لله على أن في الأرض بلادًا أخرى يقوم فيها الحكم على النظام الديمقراطي ولا يتعرض لشيء من هذا الشر؛ لأنه لا يخضع لتحكُّم الأحزاب وإنما يخضع لمصلحة الشعوب.

    أما أنا فلست أُخفي على القارئ أني منذ جعلت أتتبع هذه الأزمة الديمقراطية في فرنسا قد غيَّرت ذلك البيت المشهور الذي قاله أبو الطيب في مصر منذ عشرة قرون ووضعت اسم فرنسا مكان مصر، فأصبح البيت:
    وكم بفرنسا من المضحكات ولكنه ضحك كالبكا

  • مثل …!

    مثل …!

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ٧ سبتمبر ١٩٥٥

    كانت الدار آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان، وكان أهلها ينفقون حياتهم وادعين لا يؤذون أحدًا ولا يؤذيهم أحد، وإن شجَر بينهم شيء من الخلاف الهادئ أو العنيف من حين إلى حين. وكانوا يختلفون ويأتلفون فلا يدخل الناس في اختلافهم أو ائتلافهم؛ لأن شيئًا من ذلك لم يكن يعني أحدًا غيرهم، ولكنَّ رزقهم هذا الذي كان يأتيهم رغدًا من كل مكان أثار في نفوس بعض الناس من الحسد والطمع ما تثيره السعة عادة في نفوس الطامعين الجشعين الذين يحبون أن يؤثروا أنفسهم بكل شيء وألا يتركوا لغيرهم شيئًا. وفي ذات يوم شجر الخلاف بين أهل الدار واشتد بأسهم بينهم، ولم يعلموا أكان لهذا الخلاف مصدر من هذه المصادر التي تُحْفِظُ الإخوة على الإخوة، أم كان له مصدر خارجي جاء من بعض هؤلاء الطامعين الجشِعين الذين ملأ قلوبهم الحسد والأثرة، فأغرَوْا بعضهم ببعض وحرَّضوا بعضهم على بعض، ثم أقبلوا عليهم باسمين يُظْهِرُونَ لهم المَوَدَّةَ ويُضْمِرُونَ المكر بهم والكيد لهم.

    وما زالوا يرفقون بهم ويتكلفون الإصلاح بينهم، حتى اطمأنُّوا إليهم ووثقوا بهم وحكَّموهم فيما شجر بينهم من خلاف. وما هي إلا أن أقبلوا عليهم فرِحين مستبشرين، وزيَّنوا لهم الاطمئنانَ إليهم والاعتماد عليهم، وأعطَوْهم المواثيق والعهود؛ لِيَكُفَّنَّ بأس بعضهم عن بعض، ولِيَكْفُلَنَّ لهم الدعة والسعة، ولِيَرُدَّنَّ عنهم عدوان المعتدين وغارة المُغِيرين. والحر يخدع أحيانًا فينخدع، وكذلك انخدع أهل الدار لهؤلاء الماكرين بهم الكائدين لهم. وجرت الأمور يسيرة هيِّنة أعوامًا، ثم لم يلبث يُسْرُها أن استحال إلى عسر، ولم يلبث لِينُها أن استحال إلى شدة، ولم يلبث الشر أن صرَّح عمَّا فيه من النُّكر وبيَّن عمَّا كان يُخفِي من المكر والكيد. ونظر الأحرار المنخدعون فإذا حُماتهم لم يريدوا إلا أن يتخذوهم رقيقًا، يُسخِّرونهم لمنافعهم ويستذلُّونهم لإرضاء أهوائهم وشهواتهم. وقد نَدِمَ المنخدعون بعد أن فات وقت الندم وسبق السيف العزل كما يقول المثل القديم، وهَمُّوا يستردوا أنفسهم ويستعيدوا حريتهم ويبسطوا أيديهم على ما يملكون في الدار ومن حول الدار، فلم يجدوا إلى شيء من ذلك سبيلًا، وإنما وجدوا حُماتهم قد استأثروا بهم من دون أنفسهم، واستأثروا بأرضهم وغَلَّاتها ومرافقها من دونهم، واضطروهم إلى الجوع بعد الشبع وإلى الذلة بعد العزة وإلى أن يصبحوا خَدَمًا بعد أن كانوا سادة. ثم لم يكتفوا بذلك، وإنما أسرفوا عليهم في الاستذلال والاستغلال، ودخلوا بينهم وبين أَخَصِّ شئونهم، فجعلوا يُغَيِّرُونَ ما ألِفوا من نظام وما توارثوا من سُنَنٍ، لا يؤامرونهم في ذلك ولا يشاورونهم فيه. ثم أجلَبوا عليهم بخيلهم ورَجْلِهم، فاحتلوا ما كانوا يملكون حول دارهم، ثم احتلوا الدار نفسها وآثروا أنفسهم بخير ما فيها من الغرفات والحجرات والمرافق. ثم لم يكتفوا بذلك، وإنما حكَّموهم حكمًا مباشرًا في اليسير من أمرهم والخطير. ثم لم يَرْعَوْا فيهم إلًّا ولا ذمة، وإنما نقضوا مَنْ أعطوهم من موثق وعهد في غير تحفُّظ ولا تحرُّج ولا احتياط، وجعلوا ينزعون رؤساءهم يغيِّرون منهم ويبدِّلون حسب ما تمليه عليهم منافعهم لا منافع أهل الدار. ثم تجاوزوا في الطغيان والعدوان كل حَدٍّ وخلعوا العذار، ولم يبقَ لشيء ولا لأحد وقار، وإنما خَلُّوا بين طائفة من شرارهم وبين هؤلاء البائسين، فاتخذوهم تجارة ومكسبًا يبيعونهم كما كان يُباع الرقيق فيما مضى من الزمان.

    وما زالوا في هذا البغي واليائسون يَصبِرُونَ ويُصابِرُونَ، ويَذكرون ماضيهم ويُذكِّرون به، ويَذكرون المواثيق التي أعطيت لهم ويُذكِّرون بها، فلا يجدي عليهم ذلك شيئًا، وإنما يُغري بهم سادتهم وحُماتهم فيضيفون نُكرًا إلى نكر وتنكيلًا إلى تنكيل.

    ولكل شيء حد، وللصبر غاية ينتهي إليها، وكرام الناس قد يُسامون الضيم فيصبرون عليه ولكن إلى حين. فإذا بلغ الصبر أقصاه خرج الصابرون عن أطوارهم، وثاروا للكرامة المفقودة والحرية المغصوبة والمنافع المضيعة والحرمات المستباحة والأعراض المهدَرة والدماء المُرَاقة والنفوس المزهقة.

    فدعا الحُماة بالويل والثبور وعظائم الأمور، واتهموا هؤلاء المظلومين المهضومين بالجحود والعقوق وكفر النعمة، وبالتعصب المنكر والبُغض الذي لا يُبقي على شيء، ثم أذاعوا بهذا كله حتى ملَئُوا به أقطار الأرض في الشرق والغرب. ولكن بعض أقطار الأرض قد ذاق أهلها مثل ما ذاق أولئك المظلومون المهضومون من ألوان العسف والخسف ومن ضروب الذل والهوان؛ فهم يَرِقُّونَ لكل مظلوم ويعطفون على كل مهضوم، وهم ينكرون الظلم على كل ظالم ويبغضون العدوان من كل معتدٍ. يجدون ذلك في أعماق نفوسهم ودخائل قلوبهم، ويرونه حقًّا عليهم، ولو استطاعوا لفعلوا أكثر من الرقة والعطف والإشفاق، وإن كَرِهَ البُغاة وسخط الطُّغاة، فقد ينبغي أن يكون لدعاء المظلومين صدًى في بعض النفوس، وأن يكون للعدل أنصار ولو بالألسنة والقلوب في هذا العالم الذي ملأه الجور وأفسد أقوياءه الطمعُ والجشعُ والبطرُ والغرورُ.

    ***

    هذا بالضبط هو الذي حدث في شمال أفريقيا وفي مراكش خاصة، وهذا بالضبط هو الذي يغيظ الفرنسيين ويملأ صدورهم حفيظة ومُوجِدَةً على الذين يطلبون بحقوقهم ويثورون في سبيلها أولًا وعلى الذين يَرِقُّونَ لهم ويعطفون عليهم ثانيًا.

    واللهُ يشهد ما وصفتُ سيرة الفرنسيين في مراكش إلا ببعض ما قرأت وما أقرأ في كثير من الصحف الفرنسية، وبأقلام كثير من كبار الكتاب والعلماء الفرنسيين؛ فأنا لم أذهب إلى مراكش ولا إلى أي قُطر من أقطار أفريقيا الشمالية، وأنا أتحفَّظ دائمًا حين أسمع شكاة الشاكين وتوجُّع المظلومين، وأخشى ألا تبرأ شكاتهم ولا يبرأ توجُّعُهم من بعض المبالغة. ولكني أقرأ في الصحف الفرنسية اليومية والأسبوعية أكثر جدًّا مما ذكرتُ؛ فالفرنسيون أنفسهم يعترفون بأنهم نقضوا عهد الحماية وحكموا المراكشيين حكمًا مباشرًا، ويعترفون بأن طائفة من مستعمريهم قد استأثروا بكل ثمرات الأرض من دون المراكشيين، واستقرُّوا لا على أنهم ضيف على أهل البلاد بل على أنهم سادة يأمرون وينهَوْن ويزرعون الأرض ويستخرجون ما فيها من كل ما يعود على صناعتهم وتجارتهم بالربح والثراء.

    والفرنسيون يتهمون فريقًا منهم بأنهم يبيعون بعض المراكشيين رجالًا ونساء، كما تُباع السلع وكما كان الرقيق يُباع فيما مضى من الأيام. ويكفي أن يقرأ الناس صحيفة الأوبسترفاتور والإكسبريس وصحيفة الموند؛ ليجدوا من هذا كله أشنع وأبشع ممَّا ذكرتُ. فلست متجنيًا عليهم إذن، وإنما يتجنى عليهم كُتَّابُهُم وعلماؤهم إن كان في هذه السيئات من التجني. والكُتَّابُ والعلماء الفرنسيون الذين يسجلون على وطنهم هذا الظلم الذي يستخذي منه كل رجل حُرٍّ في هذا العصر، يمضون ما يكتبون بأسمائهم صريحة، ويحتملون تبعات ما يُسجِّلون على وطنهم من الآثام، ويتعرضون للمحاكمة إن كانوا كاذبين أو متكلِّفين. ولست أعلم أن أحدًا منهم قُدِّم إلى القضاء، ولست أعلم أن صحيفة من الصحف التي تنشر هذه المظالم تعرَّضت لِلَوْمٍ أو تأنيب. ولا ينبغي أن يُقال إن حرية الصحافة مطلَقة لا يستطيع أحد أن يعتدي عليها؛ فحرية الصحافة لا تُبيح للناس أن يكذبوا على أوطانهم ولا أن يتهموها زورًا باقتراف الآثام والتورُّط في المُخْزِيَات. وما أكثر ما تُصادَر بعض الصحف في فرنسا ويُحاكم أصحابُها وكُتَّابُهَا لأمور أقل من هذا خطرًا وأهون منه شأنًا. وأغرب من هذا أن بعض كُتَّابِ الصحف الفرنسية يُصَرِّحُونَ ببعض الأسماء وبعض الهيئات المالية والتجارية والسياسية التي تقترف هذه الآثام، ثم لا يتعرضون رغم هذا كله حتى للمحاكمة المدنية، كأنهم واثقون بكل ما يقولون، وهم من أجل ذلك لا يخشون محاكمة ولا يرهبون بأسًا.

    ***

    وإذن فليغضب الفرنسيون على أنفسهم قبل أن يغضبوا على غيرهم، ولْيَلُومُوا أدباءهم وعلماءهم وساستهم قبل أن يلوموا المصريين أو السوريين أو غيرهم من أهل الشرق والغرب؛ فالفرنسيون يستطيعون أن يطلبوا من مواطنيهم ما يشاءون، ولكنهم لا يستطيعون أن يطلبوا مِنَّا السكوت على ما لا يسكت عنه أبناؤهم. وهم يقولون فينا بالحق وبالباطل، بل وهم يقولون بالباطل أكثر ممَّا يقولون بالحق ما يسوءنا متكذِّبين متكلِّفين، فلا أقل من أن يقبلوا مِنَّا أن نقول فيهم أيسر ما يقول بعض أبنائهم.

    والمهم هو أن الشر انتهى إلى أقصاه بين الفرنسيين وبين إخواننا في شمال أفريقيا. وقد اعترف الفرنسيون بظلمهم فهموا بشيء من الإنصاف قليل في تونس، وهم يحاولون أن يعترفوا بظلمهم في الجزائر ومراكش، فلا يجدون الشجاعة إلى الآن على هذا الاعتراف، ولكن الأحداث ستمنحهم هذه الشجاعة في يوم قريب:

    أما غدا زعموا أو لا فبعد غد

    ومن يدري لعل هذا الحديث لا يصل إلى مصر إلا وقد سجَّل الفرنسيون على أنفسهم أنهم كانوا ظالمين في مراكش، وكانوا مُسْرِفِينَ في الظلم على أنفسهم وعلى المراكشيين، وعلى حق الإنسان الذي أعلنته ثورتهم منذ قرن ونصف قرن.

    فعزْلُ السلطان القائم أو اضطرارُه إلى الاعتزال، وإقامة مجلس للوصاية على العرش المراكشي، وتأليف حكومة تُمثل كل النزعات السياسية في مراكش، والأخذ في مفاوضة هذه الحكومة؛ كل ذلك إذا قرره الفرنسيون — وسيقررونه ما في ذلك شك ولعلهم أن يقرروه اليوم — اعترافٌ بأنهم كانوا ظالمين، وبأنهم قد أخذوا يثوبون إلى أنفسهم ويجنحون إلى شيء من العدل والإنصاف ورَدِّ بعض الحق إلى أهله. وإذن فما غضبهم علينا وما إنذارهم لنا؟! ولا ينبغي أن يستغرب القارئ كلمة الإنذار هذه، فإني أقرأ في بعض الصحف الفرنسية — وفي صحيفة الفيجارو خاصة — سخطًا على مصر وسوريا والعراق، دعوة صريحة للحكومة الفرنسية أن تأخذ هذه البلاد وغيرها باحترام فرنسا، وهي قادرة على أن تفرض على هذه البلاد وغيرها احترام فرنسا. وأعترف أني لم أكَد أقرأ هذا الكلام في صحيفة الفيجارو حتى أغرقت في الضحك وقلت كما يقول الناس عندنا حين يسخرون: العفو.

  • الحرية … والسلام

    الحرية … والسلام
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٢٣ مارس ١٩٥٥

    لا ينبغي للإنسان أن يخاف أخاه الإنسان؛ وإنما ينبغي أن يخاف الله وحده. هذا تصوير رائع للحرية الفردية والاجتماعية التي ينبغي أن يستمتع بها الإنسان.

    نقلته إلينا الصحف صباح اليوم كما نقلته إلينا الإذاعة أيضًا عن وزير الخارجية الأمريكية. ولست أشكُّ في أن هذا هو المثل الأعلى للحرية كما يتمنَّاها الناس جميعًا، يتبيَّنه المثقَّفون في وضوح وجلاء، ويُحسُّه أوساط الناس ويطمحون إليه في قوة لا يعرف الفتور إليها سبيلًا. وإن كان إحساسهم هذا لا يخلو من غموض، يتفاوت بتفاوت حظوظ الناس من العلم بحقائق الأشياء، ومن العلم الواضح بحقائق ما يريدون، وأي شيء أحب إلى الإنسان من أن يشعر شعورًا قويًّا جليًّا بأنه يستطيع أن يأتي من الأمر ما يشاء، ويدع منه ما يشاء، لا رقيب عليه فيما يأتي وما يدع إلا هذا الضمير الحي الذي يعلم أن الله يراقب سره وجهره، ويعلم من أمره أكثر مما يعلم من أمر نفسه. فهو يُقدم على ما يُقدم عليه ويُحجم عمَّا يُحجم عنه، مطمئنًّا آمنًا راضيًا لا يخشى أن يعوقه عما يريد إلا ما ينبغي أن يعوق الرجل الكريم مما يلائم الحق والعدل، وما ينبغي للناس من هذه الحياة الصافية النقية التي تقوم على الحب والوفاق والمساواة، وتَبْرَأُ من البغي والإثم والعدوان.

    إلى هذا المثل الأعلى يطمح الفرد كلما خلا إلى نفسه، وإليه تطمح الشعوب حين تريد أن تُقدم على أمر من أمورها، ترى فيه الخير لنفسها ولا ترى فيه الشر لشعب غيرها.

    وما أجمل الديمقراطية وما أجدرها بأن تُحب وبأن تُبذل النفوس والأموال والجهود لصيانتها ونشرها في الأرض، إن كانت تريد حقًّا أن تبلغ بالناس هذا المثل الأعلى. وليس غريبًا أن يكون وزير الخارجية الأمريكية مستعدًّا للتضحية بالسلم على حب الناس له وحرصهم عليه في سبيل هذه الديمقراطية التي تريد أن تؤمِّن الناس من الناس، وأن تكفل لهم هذه الحرية الرائعة التي لا يخاف في ظلها أخاه الإنسان؛ وإنما يخاف في ظلها الله وحده لا يشرك به أحدًا ولا يشرك به شيئًا. ولكن السؤال الذي يعرض لكل مثقَّف حر حين يقرأ أو يسمع هذا الكلام الرائع الذي تحدَّث به وزير الخارجية الأمريكية، هو: أين تحققت هذه الحرية للأفراد والشعوب؟ وفي أي قطر من أقطار الأرض يمكن أن يجدها الناس؟

    في الحق إن هذا العالم الذي نعيش فيه الآن، والذي يأخذه الخوف من جميع أقطاره، والذي يعيش الناس فيه قلقين وجلين، لا يجد الأمن إلى نفوسهم سبيلًا؛ قد عرف هذه الحرية أو ذاق طعمها في يوم من الأيام.

    إن الحق الذي ليس فيه شك، هو أن الإنسان لم يخَفِ الإنسانَ في يوم من الأيام كما يخاف بعض الناس من بعض في هذه الأيام. أحق أن الأمريكيين أنفسهم على اختلاف طبقاتهم وتباين أصولهم آمنون لا يخاف بعضهم بعضًا، ولا يخافون شعبًا غيرهم من الشعوب، وأنهم قد أمَّنوا أصدقاءهم كما أمَّنوا أنفسهم؛ فأصبح العالم الذي يسمونه العالم الحرَّ مطمئنًّا راضيًا يحيا بالأمل ويطمح إلى الخير، ويطمح في الرقي ويسعى إليه في رضًا وغبطة وابتهاج، وهو من أجل ذلك حريص على هذه الحياة الراضية لا ينقصها عليه قلق أو خوف.

    كم كنت أتمنى أن يكون هذا حقًّا أو أن يكون بعضه حقًّا، وأن يكون العالم الحر نفسه قد أَمِنت شعوبه وأصبحت لا تخاف إلا العالم الآخر الذي تتهيأ أمريكا لحربه كما يتهيأ هو لحربها. ولكني أقرأ مصبِحًا وممسيًا وأسمع مصبحًا وممسيًا، ما دام العالم الجديد قد أتاح لنا أن نعرف الأخبار دون أن نبذل في سبيل العلم بها أيسر الجهد — أقرأ وأسمع أن شعوب هذا العالم الحر ليست من الأمن والاطمئنان ولا من الدعة والسعة بحيث يحب لها وزير الخارجية الأمريكية أن تكون، وأقرأ وأسمع أن في العالم الحر أممًا تستعبد أممًا أخرى وتبسط عليها سلطان الخوف والذل والجوع والحرمان، وتفرض عليها ألا تخاف الله وحده؛ وإنما تخاف الإنسان قبل أن تخاف الله.

    ما حال الطوارئ هذه التي قرَّر مجلس الوزراء في فرنسا إعلانها في الجزائر، لا لشيء إلا لأن أهل الجزائر يريدون أن يكونوا أحرارًا في وطنهم كما أن الفرنسيين أحرار في وطنهم، يخافون الله وحده ولا يخافون الفرنسيين الذين ينبغي أن يكونوا لهم إخوانًا لا سادة؟ ولست أعلم أن أهل الجزائر قد خرجوا من إنسانيتهم منذ ألمَّ الفرنسيون بأرضهم، ولست أعلم كذلك أن الجزائر من هذا العالم الذي أصبح خطرًا يملأ الأرض خوفًا، وإنما أعرف أن الجزائر جزء من هذا العالم الحر له من الحق في الحرية والأمن مثل ما لغيره من البلاد الديمقراطية.

    فلماذا يُعاقَب أهل هذه البلاد على طموحهم إلى هذا المثل الأعلى بالخوف المقيم، والقلق المتصل، وبحال الطوارئ هذه التي تبيح للجيش الفرنسي وللشرطة الفرنسية أن يعتقلاهم ويَصُبَّا عليهم من ألوان النكال ما يشاءان دون أن يكون عليهما حسيب أو رقيب؟!

    أتكون هذه هي الحرية التي يريد وزير الخارجية الأمريكية أن يضحي في سبيلها بالسلام كما تحدث بذلك في ذلك الكلام الرائع الجميل الذي نقلته إلينا الصحف والإذاعة صباح اليوم؟!

    وليست فرنسا وحدها هي التي تخيف الإنسان من الإنسان، وتنشر القلق والروع في بلاد من حقها أن تأمن وتطمئن، ومن حق أهلها أن يكونوا أحرارًا لا يخافون إلا الله وحده لا يشركون به أحدًا ولا يشركون به شيئًا. ولكننا نقرأ أنباء البطش والعدوان في أقطار أخرى من العالم الحر؛ لأن الأقوياء في هذا العالم نفسه يؤمنون بالحرية لأنفسهم ولا يؤمنون بها لغيرهم من الناس. وما أحسب أن وزير الخارجية الأمريكية يجهل مواطن الخوف والقلق في هذا العالم الحر، وما أحسب أنه يجهل أن بين سمع العالم الحر وبصره مليونًا من الناس قد أُخرِجوا من وطنهم بغير الحق، واضطروا إلى حياة الخوف والجوع، وفُرض عليهم أن يعيشوا غرباء بائسين يستمدُّون حياتهم من الصدقة والإحسان.

    أفتكون هذه الحرية هي التي تستحق أن يضحي وزير الخارجية الأمريكية وحلفاؤه بالسلام في سبيلها؟

    أليس خيرًا من ذلك أن يكفل وزير الخارجية الأمريكية وحلفاؤه هذه الحرية الصحيحة الكاملة الآمنة للعالم الحر نفسه، حتى إذا استيقنوا أن ليس في العالم الحر شعب خائف ولا قلق ولا مُعرَّض للبؤس والضر، أحاطوا هذه الحرية وصانوها وحرصوا على أن يذودوا عنها وأن يضحوا في سبيلها بالسلام، إذا لم يكن بد من التضحية بالسلام؟!

    ليت شعري متى يُتاح للناس ألَّا يخدعوا أنفسهم ولا يخدعوا غيرهم بهذه الألفاظ الجوفاء التي تدوي في الفضاء وتملأ الآذان، فإذا التمست ما وراءها لم تجد شيئًا، وإنما ذكرت المثل العربي القديم: جوع وأحاديث …؟!

  • رخص الحياة …

    رخص الحياة …

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ١٣ نوفمبر ١٩٥٤

    لم تَهُن الحياة على الناس كما تهون عليهم في هذه الأيام؛ فقديمًا عرف الناس الحرب وأجرَوْا دماءهم غزارًا في سبيل الحق حينًا وفي سبيل الباطل أحيانًا. وقديمًا عرف الناس المكر والكيد كما عرفوا البغي والعُدوان، وقتل بعضهم بعضًا جهرًا مرة وغيلة مرارًا. ولكنهم كانوا يُقدِمُون على ما كانوا يُقدِمُون عليه من ذلك في كثير من التحرُّج قبل أن يُقدِموا، وفي كثير من الندم والروع بعد أن يُتِمُّوا ما أقدموا عليه.

    كانت الحياة الإنسانية شيئًا له خطره؛ فقد سَنَّتْهَا الديانات، وعرفت حرمتها القوانين، ورعتها الأخلاق، وعظَّم أمرَها المعتدون عليها أنفسهم، فكانوا يرون أنهم حين يجترئون عليها إنما يقترفون إثمًا عظيمًا؛ لأنه من الآثام التي لا سبيل إلى تداركها.

    فقد أُتيح للإنسان أن يُصلح كثيرًا من خطئه، ويتدارك كثيرًا من ذنوبه، ويمحو بالإحسان آثار الإساءة. ولكن شيئًا واحدًا لم يُتَحْ له: وهو أن يَرُدَّ الحياة إلى من حُرِمَ الحياة. فكان القتل خطأ أو عمدًا من الشر العظيم الذي يروع الإنسان ويملأ قلبه ذعرًا وروعًا وندمًا وإنكارًا.

    وكان الناس يتحدَّثون فيكثرون الحديث عن المجرمين الذين يستحبون القتل ولا يحسون عليه بعد اقترافه ندمًا، ولا يُحِسُّونَ منه قبل اقترافه رهبةً أو خوفًا.

    كانوا يرونهم شذاذًا قد أفلتوا من قوانين الطبيعة الإنسانية التي تكبر الحياة الإنسانية، وتعظم الاعتداء عليها عن عمدٍ أو خطأ. وربما دفع بعض الناس إلى شيء من الإمعان في إكبار الحياة حتى تجاوزوا بها حياة الإنسان إلى حياة الحيوان نفسه، يرون أن الحياة جذوة مقدسة لا يجرؤ على إطفائها إلا الذين برِئوا من شعور الرفق والرحمة والبر والحنان. فحرَّموا على أنفسهم أشياء استباحها غيرهم من الناس، يُحَرِّمُون ذلك على أنفسهم دهرهم كله أو يُحَرِّمُون ذلك على أنفسهم وقتًا معلومًا بين حين وحين.

    ولأمرٍ ما أمعن أبو العلاء فيما أمعن فيه من الزُّهد، حتى أنفق أكثر حياته لا يطعم إلا ما تُنبت الأرض. ولأمر ما رأى قتْل الحيوان جبنًا، ورأى فيه دليلًا على ضِعَة النفس التي تدفع الاستعلاء على الضعف والبغي على ما لا يملِك أن يدفع عن نفسه البغي والعدوان. وقد تحدَّث الذين ترجموا له أنه مرِض مرة وألح عليه المرض حتى اضطَره إلى ضعف شديد، فوصف الطبيب له أكل الدجاج، وامتنع هو على الطبيب وعلى الذين كانوا يمرضونه. فلما اشتد عليه إلحاحهم أذعن لما أُريدَ عليه وقُدمت إليه دجاجة، فلم يكد يمسها حتى أخذته رِعدة شديدة، فانصرف عنها وهو يقول لها: «استضعفوك فوصفوك، هلَّا وصفوا شبل الأسد!»

    يريد أن الدجاجة لا تستطيع أن تمتنع على من يريدها؛ فالناس يطمعون فيها ويصفونها للمرضى، على حين يَمنع الأسد شبله، فلا يطمع فيه طامع ولا يصِفه طبيب لمريض. ولأمرٍ ما قال أبو العلاء فيما قال هذا الشعر الرائع في تحريم الحيوان على الإنسان، فعرَّض نفسه لشر عظيم من غضب السلطان:

    غدوت مريض العقل والدين فالقَنِي لتسمع أنباء الأمور الصحائح

    فلا تأكلنْ ما أخرج البحر ظالمًا ولا تبغِ قوتًا من غريض الذبائح

    ولا بَيْضَ أُمَّاتٍ أرادت صريحة لأطفالها دون الغواني الصرائح

    ولا تفجعنَّ الطير وهي غوافل بما وضعت، فالظلم شر القبائح

    ودع ضرب النحل الذي بكرت له كواسب من أزهار نَبْتٍ فوائح

    فما أحرزته كي يكون لغيرها ولا جمعته للندى والمنائح

    مسحت يدي من كل هذا فليتني أبهت لشأني قبل شيب المسائح

    فأبو العلاء — كما ترى — يحرج على نفسه ويريد أن يحرج على غيره أكل الحيوان، وما يُخرجه الحيوان؛ حتى الشُّهد الذي تخرجه النحل، يرى ذلك ظلمًا وبغيًا، ويخالف بذلك ما أباحت الديانات السماوية للناس من هذا كله. وقد انتهى شعره هذا إلى مصر فناظره فيه داعي دعاة الفاطميين، وكاد الأمر ينتهي به إلى العطب.

    وتقديس الحياة الإنسانية هو الذي دعا الناس إلى إكبار الموت وما بعد الموت، وهو الذي دعا الناس إلى إعظام حرمة الجنائز مهما تكُن. وقد رُوي أن جنازةً مرَّت بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في أصحابه، فقام لها وقام أصحابه لقيامه، ثُمَّ قيل له إنها جنازة يهودي، فقال: «أليست نفسًا؟!»

    وتقديس الحياة كذلك هو الذي دفع إلى ما شاع في هذا العصر الحديث من إنكار عقوبة الإعدام مهما تكُن جريمة من يُقضى عليه بهذه العقوبة. ويرى أصحاب هذا الرأي أن الحياة أعظم خطرًا وأكبر حرمة من أن يستبيح الإنسان لنفسه سلبها، ويرون أن الحياة شيء لا يستطع الإنسان أن يمنحه، فلا ينبغي له أن يسلبه، وإنما يَسلُب الحياة من منح الحياة.

    وكذلك أمعن الناس في تقديس الحياة، وفي إنكار البطش بها والاعتداء عليها. وما زال أمر الله قائمًا بتحريم الحياة إلا بحقِّها، وما زالت القوانين تُحرِّم الاعتداء على الحياة وتعاقب عليه أشد العقوبة وأصرمها. ولكن الدين والقوانين شيءٌ وما دُفع الناس إليه في حياتهم الحديثة شيءٌ آخر، وليس من شك في أن الناس لم يعرفوا قط عصرًا هانت فيه حياة الناس على الناس كهذا العصر الذي نعيش فيه.

    تخالف الدول عن أمر الدين والقوانين فتُقْدِمُ على الحرب المنكَرة التي لا تعرف لحياة الأفراد والجماعات حرمة، ولا ترجو للدين ولا القوانين ولا للأخلاق وقارًا، ولا تُفَرِّقُ بين الجند المسلحين المشاركين فيها والعُزل الوادعين الذين لا يريدون حربًا ولا قتالًا، ولا يتمنون إلا أن يعيشوا في دَعة وسعة، يحتملون أعباء الحياة ما خَفَّ منها وما ثقل، لا يؤذون أحدًا ولا يحبون أن يريدهم أحد بالأذى. وإغراق الحرب الحديثة في الإثم واستهانتها بالحياة واستخفافها بالمُقَدَّسَات وإشاعتها للموت والهول بغير حساب؛ كل ذلك أهدر قيمة الحياة أثناء الحرب وأهدر قيمة الحياة أثناء السلم أيضًا.

    وما دام السلطان نفسه يستبيح الخروج على الدين والقوانين في سبيل المنافع والمطامع، فلا على الأفراد ولا على الجماعات أن يستبيحوا الخروج على الدين والقوانين في سبيل المنافع والمطامع أيضًا. وما دامت الدول المتحضِّرة التي بلغت أقصى ما كان الإنسان يستطيع أن يبلغ من الرُّقِيِّ إلى الآن، تستبيح لنفسها أن تزهق النفوس وتسفك الدماء بغير حساب؛ لتكسب المال وتبسط السلطان. فلا على الأفراد والجماعات أن يصنعوا صنيعها ويسيروا سيرتها، ويزهق النفوس ويسفك الدماء في سبيل المنافع القريبة والمطامع اليسيرة. والناس يُحصُون صرعى الحربين العالميتين بالملايين، ويُحصُون صرعى الثورات الأوروبية بين الحربين بالمئات والألوف، ويُحصُون صرعى الاستعمار بعشرات الألوف ومئاتها. وهذه الضحايا الكثيرة لا يُضحَّى بها من خطأ ولا يُضحَّى بها في سبيل الحق بالعدل. وإنما يُضحى بها عن عمد وعن استجابة للبغي والطغيان، وفي غير تحرُّج ولا تحفُّظ ولا احتياط.

    وقد قرأت في إحدى الصحف الفرنسية التي وصلت إليَّ من باريس في هذه الأيام الأخيرة، أن الفرنسيين قتلوا من أهل الجزائر سنة ١٩٤٥ بعد أن وضعت الحرب العالمية أوزارها، عددًا ضخمًا يبلغ المقللون له خمسة عشر ألفًا، ويبلغ المكثِرون له أربعين ألفًا، واللهُ يعلم كم يقتل الفرنسيون من الجزائريين في ثورتهم هذه القائمة، وكم قتلوا من التونسيين والمراكشيين، وكم يقتلون منهم أثناء هذا الصراع المتصل بين قوم يريدون أن يعيشوا كرامًا، وآخرين يريدون أن يستذلُّوهم ويتخذوهم رقيقًا بعد أن ألغت الحضارة الحديثة الرق فيما يقول أصحابها. وضحايا الاستعمار في الهند الصينية من المستعمرين والمناهضين لهم لا يُحْصَوْنَ بعشرات الألوف، وإنما يُحْصَوْنَ بمئاتها. ومن يدري كم كان عدد الذين ضحى بهم الاستعمار الإنجليزي في شرق الأرض وغربها منذ انقضت الحرب العالمية الثانية إلى الآن.

    وأنت لا تقرأ صحيفة في الصباح أو في المساء إلا رأيت فيها حديث الموت الذي يصب في إيران على الذين لا يعجبهم ما كان من الاتفاق على استغلال آبار البترول؛ فقد أصبحت حياة الإنسان في هذا العصر أهون شأنًا وأقل خطرًا ممَّا تُخرج الأرض من ثمراتها الحية والميتة. فإذا شخَّصت هذا العصر بأنه عصر الحياة الإنسانية الرخيصة والمنافع الإنسانية الغالية، أو بأنه عصر الدمِ الإنساني الذي لا تبلغ قيمته قيمة البترول الذي يبسط السلطان ويدر المال؛ فلست غاليًا ولا متجاوزًا للحق.

    وكنت أفكر في هذا كله منذ وقت طويل، وأحمد الله الذي لا يُحمد على المكروه سواه، وأقول لنفسي ولكثير من الناس إننا ما زلنا في عافية ممَّا يُمتحَن به غيرنا من رخص الحياة الإنسانية وغلاء المال والمنافع والمطامع على حقارتها.

    ولكن الحضارة الحديثة قد ألغت المسافات والآماد، وقاربت بين الناس على ما يكون بينهم من تباعُد الأقطار والديار. وقد كُنَّا نرى ذلك خيرًا ونعُده رقيًّا ودنوًّا إلى توحيد العالم أو تخفيف ما بينه من الفروق، وإلى جمع الناس على كلمة سواء وتطهير قلوبهم من الضغن وتخليص نفوسهم من البغي، وتمكينهم من أن يعيشوا إخوانًا، يعيشون على ما أباح الله لهم من طيِّبات الحياة دون أن يستغل بعضهم بعضًا، أو يستذل بعضهم بعضًا، أو يستعلي بعضهم على بعض، أو يتخذ بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله.

    فقد تبين أنَّا كُنَّا نخدع أنفسنا، ونطمع في غير مطمع، ونتمنى ما لم يَؤُنْ أوان تحقيقه بعدُ. وتبيَّنَّا أن الشر يغري بالشر، وأن النكر يدعو إلى النكر، وأن الموت يرغب في الموت.

    ونحن نصبح ذات يوم، فإذا الهول يتكشف لنا كأشنع ما يكون الهول، وإذا بعض المصريين يمكرون ببعض، وإذا الموت يريد أن يتسلَّط على مصر كما تَسَلَّطَ على كثير غيرها من أقطار الأرض. وإذا كل واحد منَّا كان آمنًا أمن الغفلة الغافلة، يظن أنه لن يتعرض إلا لما يتعرض له الناس الآمنون من هذه الآفات التي لا يسلطها الإنسان على الإنسان، وإنما تسلطها الطبيعة على الحياة. إنَّا كنَّا غافلين حقًّا، خدعَنا ما عرفناه عن وطننا هذا الوادع الهادئ الكريم، الذي لا يحب العنف ولا يألفه ولا يحب أن يبلغ أرضه، فضلًا عن أن يستقر فيها. ولِمَ لا؟ ألم نشهد منذ عامين اثنين ثورة يشبها الجيش وفي يده من وسائل البأس والبطش ما يُغري بإزهاق النفوس وسفك الدماء، ولكنه يملك نفسه ويملك يده، فلا يزهق نفسًا ولا يسفك دمًا، ولا يأتي من الشدة إلا ما يمكن تدارُكه، ولا يجرح إلا وهو قادر على أن يرفق. وإذا ثورتنا فذة بين الثورات، لا تأتي من الأمر ما لا سبيل إلى إصلاحه غدًا أو بعد غد.

    كل هذا لأن مصر لا تحب العنف ولا تألَفه، ولأن نفوس أهلها نقية نقاء جوها، صافية صفاء سمائها، مشرقة إشراق شمسها، تسعى في طريقها مطمئنَّةً كما يسعى نيلها مطمئنًّا ناشرًا للخصب والنعيم من حوله، تضطرب فيها الضغائن والأحقاد بين حين وحين. ولكنها لا تلبث أن تثوب إلى العافية كما تثور فيها الرياح فتملأ الجو غبارًا، ثم لا تلبث أن تعود إلى الهدوء الهادئ المطمئن.

    كذلك عرفنا مصر في عصورها المختلفة، وكذلك رأيناها حين ثار جيشها منذ عامين فأخرج الطاغية، لكنه أخرجه موفورًا يحيا كما يحب أن يحيا، مكفوف الأذى عن مصر لم يؤذِ نفسه قليلًا ولا كثيرًا.

    واشتد على بعض أبنائها شدة يمكن أن يتداركها باللِّين في يوم من أيام الصفو هذه التي تعرف كيف تملأ قلوب المصريين حبًّا ودعة وأمنًا وسلامًا. ولكننا نصبح ذات يوم فنستكشف أن فريقًا منَّا كانوا يهيئون الموت والهول والنُّكر لإخوانهم في الحياة التي يُقَدِّسُهَا الدين كما لا يُقَدِّسُ شيئًا آخر غيرها من أمور الناس.

    ما هذه الأسلحة؟ وما هذه الذخيرة التي تُدَّخَرُ في بيوت الأحياء وفي قبور الموتى؟ ما هذا المكر الذي يُمكر؟ وما هذه الخطط التي تُدبَّر؟ وما هذا الكيد الذي يُكاد؟ لمَ كل هذا الشر ولمَ كل هذا النكر؟ ولمَ رخصت حياة المصريين على المصريين كما رخصت حياة الجزائريين والمراكشيين والتونسيين على الفرنسيين؟ وكما رخصت حياة الأفريقيين والآسيويين على الإنجليز؟

    يقال إن حياة المصريين إنما رخصت على المصريين بأمر الإسلام الذي لم يحرم شيئًا كما حرم القتل، ولم يأمر بشيء كما أمر بالتعاون على البر والتقوى، ولم يَنْهَ عن شيء كما نهى عن التعاون على الإثم والعدوان، ولم يُرغب في شيء كما رغَّب في العدل والإحسان والبر، ولم يُنَفِّرْ من شيء كما نفَّر من الفحشاء والمنكر والبغي.

    هيهات أن الإسلام لا يأمر بادِّخار الموت للمسلمين، وإنما يعصم دماء المسلمين متى شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويرى قتل النفس البريئة من أكبر الإثم وأبشع الجرم، وإنما هي العدوى المنكرة جاء بعضها من أعماق التاريخ وأقبل بعضها الآخر من جهات الأرض الأربع التي تُستحل فيها المحارم وتُسفك فيها الدماء بغير الحق، ويُستحب فيها الموت لأيسر الأمر.

    جاء بعضها من أعماق التاريخ، من أولئك الذين قال فيهم رسول الله ﷺ إنهم يقرءون القرآن لا يتجاوز تراقيهم، والذين كان أيسر شيء عليهم أن يستبيحوا دماء المسلمين مهما تكن منازلهم في الإسلام، وأن يتحرجوا فيما عدا ذلك تَحرُّج الحمقى لا تَحرُّج الذين يتدبرون ويتفكرون ويعرفون ما يأتون وما يدعون، وجاءهم بعضها الآخر من هذا الشر المحيط الذي ملأ الأرض ظلمًا وفسادًا، من هذا القتل المتصل في الحروب يثيرها بعض الأقوياء على بعض، وفي البطش يصبُّه الأقوياء على الضعفاء في البلاد المستعمرة التي يريد أهلها الحرية، ويأبى المتسلطون عليها إلا الخضوع والإذعان والسمع والطاعة، يفرضون ذلك عليها بالحديد والنار.

    وأنباء هذا الشر المحيط تملأ الجو من طريق الراديو، وتملأ القلوب والعقول من طريق الصحف، وتثير في نفوس الأخيار حزنًا ولوعة، وفي نفوس غيرهم ميلًا إلى الشر ورغبة فيه وتهالكًا عليه.

    لم يأتِ هذا الشر الذي تشقى به مصر الآن من طبيعة المصريين لأنها في نفسها خيرة، ولا من طبيعة الإسلام لأنه أسمح وأطهر من ذلك، وإنما جاء من هذه العدوى.

    والخير كل الخير هو أن نطب لهذا الوباء كما نطب لغيره من الأوبئة التي تجتاح الشعوب بين حين وحين، وقد تعلَّم الناس كيف يطبون للأوبئة التي تجتاح الأجسام وتدفعها إلى الموت دفعًا. فمتى يتعلَّمون الطب لهذا الوباء الذي يجتاح النفوس والقلوب والعقول، فيُغريها بالشر ويدفعها إلى نشره وإذاعته، ويملأ الأرض بها فسادًا وجورًا.

    بهذا يأمر الله عز وجل في القرآن العزيز حين يقول في الآية الكريمة: ( وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ).

  • احتجاج

    احتجاج
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ١ سبتمبر ١٩٥٤
    لست أدري أحقٌّ ما قرأتُ في بعض الصحف الباريسية من أنَّ فرنسا أبلغت مصر احتجاجها على ما يُذاع في الراديو من إنكار سياستها في شمال أفريقيا عامَّةً وفي مراكش خاصَّةً.

    ولكنَّ الشيء الذي ليس فيه شك هو أنَّ الصحف الفرنسية غاضبة أشدَّ الغضب، مُنكِرة أشدَّ الإنكار، لِما يصدر عن مصر من إذاعة تُؤيد المراكشيين والتونسيين في إبائهم للضيم، ومطالبتهم بالحق، ومُقاومتهم للظلم، وثورتهم على الاستعمار.

    وقد نشرت صحيفة الموند منذ أيام مقالًا افتتاحيًّا اتخذت له عنوانًا بغيضًا، قرنت فيه اسم رئيس وزرائنا باسم ذلك الإله الروماني ذي الوجهين الذي كان معبده يُفتح أيام الحرب ويُغلق أيام السِّلم. وزعمت فيه أنَّ لرئيس وزرائنا موقفين متناقضين مع فرنسا: أحدهما فيه السِّلم والدعة، والآخر فيه الخصومة والحرب؛ فرئيس وزرائنا — فيما روت صحيفة الموند — مُسالم لفرنسا حريص على أن تُقيم بينها وبين مصر صلات المودة والتعاون؛ فهو قد استقبَل في غبطة واستبشار ذلك الوفد الفرنسي الذي أقبل منذ حين يعرض على مصر استثمار أموال ضخمة فرنسية في تحقيق ما تُحاول من الإصلاح.

    وهو كذلك قد كلَّف مراسل الموند إدوار سابلييه أن يقول في باريس: إنَّ مصر تنظر إلى الحكومة الفرنسية القائمة — حكومة منديس فرانس — نظرة فيها كثير من الأمل والرجاء.

    وأوضح أنَّ رئيس وزرائنا إن كان قد قال هذا الكلام فهو إنَّما قاله مشيرًا إلى السياسة الفرنسية في شمال أفريقيا، وإلى محاولة منديس فرانس لإرضاء التونسيين بتحقيق بعض آمالهم.

    وواضح أنَّ رئيس وزرائنا إن كان له الكلام فهو قد أراد به أن يُوجه رئيس الوزارة الفرنسية توجيهًا رفيقًا إلى أن يصنع في مراكش شيئًا يُشبه كثيرًا أو قليلًا ما يحاول صنعه في تونس. فهذا الموقف من رئيس وزرائنا هو موقف السِّلم مع فرنسا، ولكنَّ له موقفًا آخر تراه صحيفة الموند موقف الحرب، وذلك حين يُخلي بين الإذاعة المصرية وبين ما تدعو إليه من إنصاف المراكشيين والتونسيين، وحين يُخلي بين الصحف المصرية، وبين ما تدعو إليه من تحقيق الاستقلال للمراكشيين والتونسيين أيضًا.

    وكذلك صورت صحيفة الموند رئيسَ وزرائنا مناقضًا لنفسه، يُسالم فرنسا ويحاربها في وقت واحد، وتمنَّت عليه أن يختار أحد الموقفين. وأغرب ما في هذا المقال أنَّ هذه الصحيفة الفرنسية التى عُرفت دائمًا بالقصد والاعتدال وتجنُّب الهوى فيما تكتب، بمقدار ما يُتاح لمثلها من الصحف أن تتجنب الهوى فيما تكتب من الفصول السياسية؛ أنَّها تُريد رئيس الوزراء المصري على شيء لا يُراد عليه رئيس وزراء في أي بلد من البلاد.

    فبين مصر وفرنسا صلات سياسية رسمية قوامها المودة والمجاملة والتَّعاون على الخير والسِّلم، وعلى ما ينفع النَّاس ويُحقِّق مصالح البلدين.

    ولهذه الصلات السياسية حدود مرسومة معروفة مُقرَّرة في الأوضاع الدَّولية، وهى لا تمنع مصر من أن تُنكر من أعمال فرنسا ما ترى من حقِّها أن تنكره، كما أنَّها لا تمنع فرنسا من أن تصنع هذا الصُّنع نفسه مع مصر، فما دامت السفارة المصرية مستقرة مُفتَّحة الأبواب في باريس، وما دامت السفارة الفرنسية مستقرة مُفتَّحة الأبواب في مصر؛ فالأمر بين البلدين قائم على المودة والمجاملة والتَّعاون، ولكنَّه لا يُفني إحدى الدولتين في الأخرى، ولا يجعل إحداهما ظلًّا للأخرى. وهو بعد ذلك لا يُلغي حرية النقد التى هي حق طبيعي للشعب المصري، وصحفه وإذاعته، حتى ولو كانت هذه الإذاعة خاضعة لسلطان الحكومة.

    والحكومة الفرنسية القائمة كغيرها من الحكومات الفرنسية التى سبقتها، ومن الحكومات الفرنسية التى ستليها غدًا أو بعد غدٍ، لا تُحب السياسة الروسية ولا تُقِرُّها ولا ترضى عنها، وهي مع ذلك تُقيم أمرها مع روسيا على هذه الأوضاع الرسمية المألوفة التى تقوم على المودة والمجاملة والتعاون، ما دامت لفرنسا سفارة مستقرة مفتَّحة الأبواب في موسكو، وما دامت لروسيا سفارة مستقرة مفتَّحة الأبواب في باريس.

    وما أكثر ما يجهر رؤساء الوزارات الفرنسية في البرلمان الفرنسي بنقد السياسة الروسية نقدًا مرًّا عنيفًا، والصحف الفرنسية والإذاعة الفرنسية تتجاوز حدود المجاملة فيما توجِّه إلى روسيا وسياستها من نقد وتشنيع، وروسيا تجزي فرنسا بمثل ذلك دون أن تحتجَّ إحدى الدولتين على الأخرى بالطرق الدبلوماسية أو من طريق الصحف والإذاعة.

    وبين فرنسا وبين حلفائها وأصدقائها الأقربين خصومات لا تنقضي، ولكنَّها لا تدعو إلى احتجاج بين هذه النَّاحية أو تلك. فما بال الفرنسيين — حكومة وشعبًا — ينتظرون من مصر ما لا ينتظرون من أصدقائهم وخصومهم جميعًا. وما لهم يضيقون بأيسر الأمر حين يَصدُر عن مصر، ولا يضيقون بالأمور الجِسَام حين تصدر عن غيرها من الخصوم والأصدقاء، وما بالهم يُطالبون مصر بما لا يستطيعون أن يُطالبوا به صحفهم الفرنسية نفسها، فبين الصحف الفرنسية التي تصدر في باريس وفي الأقاليم صحف توجه من النقد العنيف ومن الإنكار الشديد إلى السياسة الفرنسية في شمال أفريقيا ما لا يُقاس إليه النقد المصري مهما يبلغ من الشدَّة والعنف.

    وبين يديَّ — وأنا أُملي هذا المقال — صحيفة فرنسية باريسية صديقة لرئيس الوزراء القائم منديس فرانس، وهي تُوجه إلى السياسة الفرنسية في شمال أفريقيا تُهمًا كأخطر ما تكون التُّهم، وتشنيعًا كأعنف ما يكون التَّشنيع؛ فهي تُنبِئنا بأنَّ منديس فرانس هَمَّ أن يُحاول في مراكش مثل ما حاول في تونس، ولكنَّ نُصحاء السوء من الاستعماريين الذين تُسَمِّي بعضَهم صرفوه عن هَمِّهِ ذاك، وألقوا في رُوعِه أنَّ من الخير أنْ ينتظر حتَّى يهدأ العنف في مراكش، وحتى لا تُذعِن فرنسا لضغط الثائرين عليها والنَّاقمين منها.

    وتُنبِئنا بأنَّ الرئيس منديس فرانس قد خيَّب أمل الفرنسيين فيه حين استمع لأولئك النصحاء، وحين خلَّى بين المستعمرين وبين مراكش يفعلون بأهلها الأفاعيل.

    وهي تُنبِئنا كذلك بأنَّ هذه السِّياسة الجديدة للرئيس منديس فرانس هي التي أباحت للإدارة الفرنسية في مراكش أن تقترف الآثام الغِلَاظَ التى اقترفتها احتياطًا لما كانت تتوقع من المظاهرات أثناء العيد الأضحى، وفي اليوم العشرين من شهر أغسطس، وهو اليوم الذي أُقْصِي فيه السلطان الشرعي عن عرشه؛ فأجرت ما تُسميه الصحف الفرنسية كلها عمليات التنقية في المدن الكبرى، وهي أنْ يحتل الجيش هذه المدن، ويقبض على الذين يتوقع منهم إثارة المظاهرات. ونشأ عن هذه التنقية أنَّ الذين قبَض عليهم الجيش أثناء هذا الإجراء لا يُحصَوْن بالعشرات ولا بالمئات، وإنَّما يُحصون بالألوف الكثيرة.

    وهي تُنبِئنا أيضًا بأنَّ هذه السياسة الجديدة للرئيس منديس فرانس هي التي طوَّعت للإدارة الفرنسية أن تقتحم المساجد، وتقبض على العلماء المُوالِين للسلطان المنفي، وتحملهم إلى قصر السلطان القائم ليعلنوا إليه ولاءهم مُكرَهين على إعلانه إكراهًا.

    وهي تنبئنا أيضًا بأنَّ الإدارة الفرنسية قد حشدت النَّاس بقوة الجيش ليُقدِّموا إلى السلطان القائم تهنئتهم بالعيد. فلمَّا فعلوا أعطت كل واحد منهم ألفًا من الفرنكات، ومقدارًا من السُّكَّرِ والشاي.

    فهي تُقيم سياستها إذن على الرَّغَبِ والرَّهَبِ، في إحدى يديها السيف وفي يدها الأخرى الفرنكات والسكر والشاي، وأي شيء أشد إفسادًا للأخلاق وقطعًا للصلات بين الناس من سياسة تقوم على هذه الألوان المُنكَرة من الترغيب والترهيب، اللذين يُلغيان كرامة الإنسان، ويُقيمان أمره كله لا على رضا الضمير واطمئنان القلب، بل على الخوف من جهة، وعلى إرضاء الأفواه والحُلُوق والبطون من جهة أخرى.

    بهذا كله وبأكثر من هذا كله وأعظم منه نُكرًا تُنبِئنا الصحيفة المؤيِّدة للرئيس منديس فرانس، وهي ليست منفردة بهذا النكير، وإنَّما تُشاركها فيه صحف فرنسية أخرى عسى أن تكون أعنف منها نقدًا، وأكثر منها تشنيعًا وتشهيرًا. وأنا أعلم أنَّ الفرنسيين قد يحتملون النقد من مواطنيهم ولا يحتملونه من غيرهم، ولكنَّ الصحف الإيطالية والإنجليزية تنشر من أنباء الظلم الفرنسي في مراكش وتونس أكثر ممَّا تنشر الصحف المصرية والإذاعة المصرية.

    وما أعلم أنَّ فرنسا قد احتجت على إيطاليا أو على بريطانيا العظمى من أجل ذلك، ولست أذكر صحف البلاد المُنكِرة لسياسة الديمقراطية الغربية، وهي من غير شكٍّ تُصوِّر السياسة الفرنسية في شمال أفريقيا أبشع التصوير وأشدَّه نكرًا، وما نعلم أنَّ فرنسا قد احتجت على دولة من تلك الدول من أجل ذلك … فما بال فرنسا تختص مصر بهذا الاحتجاج من دون الدول الأخرى.

    أمَّا أنا فأُعِلِّل هذا بأمرين؛ أحدهما: أنَّ ما تكتبه مصر وتذيعه يقرؤه ويسمعه التونسيون والمراكشيُّون؛ لأنَّه يُكتب ويُذاع باللغة العربية على حين لا يكاد المراكشيون والتونسيون يقرءون أو يسمعون ما يُكتب أو يُذاع في اللغات الأجنبية الأخرى.

    ولكنَّ فرنسا خليقة أن تقبل مصر على عِلَّاتها، وأن تعلم أننا لا نستطع أن نُغيِّر لغتنا، وأن نكتب ونذيع بلغة أجنبية لا يفهمها إخواننا في اللغة والدين لترضى عنا فرنسا؛ فقد تكون لغتنا أكثر أهمية عندنا من فرنسا مهما تعظُم صلات الصداقة والمجاملة الرسمية بيننا وبينها.

    الأمر الثاني: أنَّ فرنسا فيما يظهر تُفرِّق بين الأوروبيين والشرقيين والعرب منهم خاصة؛ لأنَّها تعودت من الشرقيين ضعفًا قديمًا. ومن الحقِّ عليها أن تعلم أنَّ الأمم تضعُف وتقوى، وأنَّ القوة ليست مقصورة على وفرة السلاح وكثرة المال، وإنَّما القوة كل القوة هي التي تأتي من يقظة الضمير الإنساني في نُفُوس الشعوب، ومن الحق على فرنسا ومن الخير لها أن تعلم أنَّ الضمير الإنساني قد استيقظ في العالم الشرقي، وفي العالم العربي خاصة. وقد ذاقت هي وذاق بعض حُلفائها مرارةَ النتائج التي نشأت عن هذه اليقظة.

    فليس لها بُدٌّ إذن من أن تقبل مِصْرَ على عِلَّاتها مرة أخرى، وتعلم أننا لن نلغي ضمائرنا الإنسانية، ولن نسكت على هذه الآثام المُنكَرة التي يقترفها الاستعمار في أي قُطر من أقطار الأرض، وفي الأقطار العربية والإسلامية بنوع خاصٍّ؛ لأنَّ الساكتين على هذه الآثام إنَّما يسكُتون عن الحقِّ، وقد استقر في نُفوسنا منذ قُرون طِوال أنَّ السَّاكت عن الحقِّ شيطان أخرس، ونحن لا نريد أن نكون شياطين ولا أن نكون خرسًا. وخير من الاحتجاج على كلمة الحقِّ حين يُقال أن ترجع فرنسا إلى الحقِّ، وتثوب إلى الرشد، وترد إلى المراكشيين والتونسيين ما ينتظرون أن يُرد إليهم من الحقوق.

  • فرنسا … والإسلام

    فرنسا … والإسلام

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ٢٤ أغسطس ١٩٥٤

    لم تكد فرنسا تَفرغ من مأساتها المنكرة في الهند الصينية، حتى أخذت تواجه مأساة أخرى أقل منها نُكرًا في شمال أفريقيا. والغريب أنها تواجه هذه المأساة الأفريقية بنفس المراوغة والمداورة اللتين واجهت بهما مأساتها في الشرق الأقصى. فهي تقوم لتحجم، وتعزم لتتردد، وتقدم الصلح بإحدى يديها والحرب بيدها الأخرى.

    وهي في أثناء هذا التردد والاضطراب تسفك دماء أبنائها ودماء الأبرياء من غير أبنائها، وتنفق في سَرَفٍ خلاصة أموالها وخلاصة أموال غيرها من الأمريكيين، ويشغلها الحرص على منافعها القريبة عن التفكير في منافعها البعيدة، فضلًا عن التفكير في الحق والعدل والإنصاف. ومع ذلك، فما أكثر ما قدم إليها وإلى غيرها من الأمم المستعمرة من النذر فلم تحفل بها، ولم تأبه لها غيرها من المستعمرين!

    وأخص ما يمتاز به الظلم أنه قصير النظر، لا يفكر في العواقب ولا يحفل إلا بالمنافع القريبة العاجلة والساعة التي هو فيها، لا ينتفع بالمواعظ التي سبقته ولا يفكر في النُّذُر التي تدعوه إلى الاحتياط، ولا ينظر إلى غدٍ أو بعد غدٍ؛ ذلك شأن الظلم حين يقع من بعض المواطنين على بعض، وهو شأن الظلم حين يقع من المواطنين على غيرهم من الأمم والشعوب.

    وإذا استقصيت أمر المستبدين في أوطانهم والظالمين لمواطنيهم، رأيتهم جميعًا مُمْعِنِينَ في الحُمق مُغْرِقِينَ في الغفلة، يأتيهم النُّذُر من بين أيديهم فلا ينظرون إليها ولا يسمعون لها، لا يعتبرون بما حاقَ بالظالمين من قبلهم ولا بما يحيق بالظالمين من حولهم، حتى تأخذهم القارعة وتدور عليهم الدائرة ويصبح أمرهم كله عليهم وبالًا ولغيرهم نكالًا.

    وكذلك شأن الشعوب حين يستعلي بعضها على بعض، وحين يظلم بعضها بعضًا. لا تنتفع الشعوب الظالمة المستعلية بما حاق بغيرها من شعوب أخرى ظلمت الناس، واستعلت في الأرض، وكانت عاقبة أمرها وبالًا ونكرًا. بل لا تنتفع بالتجارب التي خضعت هي لها في تاريخها الطويل أو القصير. وإنما تركب رأسها وتستجيب للغرور والكبرياء، وتفتنها منافعها العاجلة حتى تتورط فيما لا بد من أن تتورط فيه، فتندم حين لا يُغني عنها الندم قليلًا ولا كثيرًا.

    والفرنسيون قد جرَّبوا الظلم والاستبداد في بلادهم، حين ظلمهم ملوكهم وأشرافهم فيما مضى من تاريخهم، ورأوا مَصَارِعَ الظالمين من حولهم، وذاقوا ظلم الأجنبي حين احتل وطنهم فملأه فسادًا وشرًّا.

    وهم أقرأ الناس للتاريخ، وأفقه الناس لحقائقه، وأقدر الناس على استخراج عِبَرِهِ ومواعظه. ولكنهم لا ينتفعون بشيء من ذلك في سيرتهم حين يستعمرون، وإنما يملك الغرور عليهم سياستهم، فيتورطون في الخطأ بعد الخطأ، ويقترفون الآثام في أثر الآثام.

    كأنما تغريهم أغلاطهم بارتكاب أغلاط أخرى أشد منها نُكرًا.

    رأوا ما أصابهم في الهند الصينية حين استعلوا واستكبروا وأَبَوْا أن يسمعوا الثائرين، لا يريدون إلا العافية وإقامة الأمر بينهم وبين فرنسا على شيء من الحق والعدل والإنصاف. ثم انتهى أمرهم إلى هذه الكارثة المنكرة التي ألمَّت بهم منذ أسابيع حين طلبوا الهدنة إلى الذين لم يسمعوا لهم ولم يحفلوا بهم منذ أعوام قليلة. وهم يسيرون هذه السيرة نفسها في شمال أفريقيا، تأتيهم النُّذُر من عقلائهم وتأتيهم النذر من خارج بلادهم، ويرون مصارع الشعوب المستعمِرة من حولهم ويرون انتصار الشعوب المغلوبة من حولهم أيضًا. فتأخذهم العزة بالإثم وتشغلهم الكبرياء عن الانتفاع بالعبرة والموعظة، وتصرفهم المنافع القريبة العاجلة عن التفكير حتى في الأوليات التي لا ينبغي أن تكون موضع خلاف أو نزاع.

    هم يذكرون كيف أُخرجوا من سوريا ولبنان، وهم يرون كيف دارت عليهم الدائرة في الشرق الأقصى، وهم يرون كيف اضطرت بريطانيا العظمى — وهي أقوى منهم قوة وأكثر منهم مالًا وأوسع منهم سلطانًا — إلى أن تستجيب للهند والباكستان ودول أخرى كانت خاضعة بها مُذْعِنَةً لسلطانها، فعرفت لها الحق ونزلت لها عن استقلالها طوعًا أو كرهًا. ولكن الفرنسيين على ذلك كله لا يحفلون بشيء ولا ينتفعون بما يرون من المواعظ والعبر.

    ويمضون في مأساتهم هذه المنكرة في شمال أفريقيا، غير مقدرين للعاقبة ولا حافلين بالنتائج، يكررون في شمال أفريقيا خطأهم في سوريا ولبنان، وخطأهم في الهند الصينية؛ تغريهم الكوارث بالكوارث، وتدفعهم الخطوب إلى الخطوب، يقرءون في صحفهم كل يوم أن دماءهم ودماء غيرهم تُسفك في شمال أفريقيا كما سُفكت في غيرها من المواطن. فيعيدون سيرتهم القديمة ويُلِحُّونَ في إقرار النظام وإخضاع الثائرين به والخارجين عليه، والاحتفاظ بسمعة فرنسا في العالم وهيبتها أمام الشعوب يرددون نفس الألفاظ ونفس المعاني ونفس الأوهام التي طالما ردَّدُوها بالقياس إلى سوريا ولبنان وبالقياس إلى الهند الصينية، ولا يخطر على بالهم أنهم سيلقون في شمال أفريقيا مثل ما لقوا في تلك الأقطار، وأن استجابتهم للغرور واعتدادهم بالقوة واعتزازهم بالأوهام، كل ذلك لن يُغني عنهم شيئًا غدًا كما أنه لم يغنِ عنهم شيئًا في أمس القريب ولا في أمس البعيد.

    والفرنسيون يُكثِرُون الكلام عن الصلة بينهم وبين الإسلام، وعن الصلة بينهم وبين المسلمين، كما أكثروا الكلام من قبلُ عن أنهم حماة المسيحية في الشرق الأقصى، وكما أكثروا وما زالوا يُكثِرون الكلام عن أنهم دعاة الحضارة وحماتها في أقطار كثيرة من الأرض، يُغرون أنفسهم بهذا الكلام الذي لا يدل على شيء.

    فهم قد حلوا عن الشرق الأدنى فلم تتعرض المسيحية بعد جلائهم لخطر قليل أو كثير، وهم يُجلون عن الهند الصينية ولن تتعرض الحضارة في الهند الصينية بعد جلائهم لخطر قليل أو كثير.

    وهم يُسرِفون على أنفسهم وعلى الناس حين لا يفرقون بين بلاد لها سابقتها في الحضارة ولها سابقتها في العزة والمجد — كشمال إفريقيا — وبين بلاد أخرى لا حَظَّ لها من حضارة، ولم تعرف العزة والمجد؛ لأنها لم تخرج بعدُ أو لم تكد تخرج من طور الإنسانية الأولى التي تجهل كل شيء، أو تكاد تجهل كل شيء.

    ومحنة الفرنسيين في شمال أفريقيا تأتي من أنهم حين غَزَوْا تلك البلاد في غفلة من أهلها عن أنفسهم وعن حقهم، لم يقدروا أن تلك الغفلة كانت موقوتة، وأنها زائلة عن أصحابها في يوم قريب أو بعيد، فلم يكتفوا بالتسلُّط السياسي وإنما هاجر كثير منهم إلى تلك البلاد أفواجًا في إثر أفواج، فاستقروا في أرضها واستأثروا بخير ما فيها، وكوَّنوا لأنفسهم ولمواطنيهم ثراء ضخمًا وجاهًا عريضًا. وهم الآن حائرون قد اختلط عليهم كل شيء. تَنَبَّهَ الأفريقيون إلى حقهم فطالبوا به، وذكروا سابقتهم في المجد والحضارة فأرادوا إحياءها، ورأوا أرضهم وثروتهم في أيدي هؤلاء الطارئين فأرادوا أن يقوم الأمر بينهم وبين هؤلاء الطارئين على الحق والعدل والإنصاف، وألا يكونوا غرباء في بلادهم، وألا يستأثر الطارئون من دونهم بالخير كله.

    فأمر الفرنسيين مختلط، ليس من اليسير عليهم أن ينزلوا عمَّا في أيديهم كله أو بعضه، وليس من اليسير عليهم أن يحتفظوا بما في أيديهم كله أو بعضه، تدعوهم المنفعة العاجلة وتدعوهم الكبرياء إلى أن يفرضوا أنفسهم فرضًا. ولا عليهم في سبيل ذلك أن تُسفك الدماء وتُزهَق النفوس وتُقتَرف الآثام، وتدعوهم الضرورة المُلجِئَة وظروف الحياة الحديثة وتنبُّه الشعوب إلى حقوقها، وإيذان الاستعمار القديم بالزوال، إلى أن يردوا إلى هذه البلاد من حقها كله أو بعضه؛ فهم مضطربون بين أمرين أحلاهما مُر وأيسرهما عسير: استعمار لا سبيل إليه ولا أمل فيه، وجلاء يشق على النفوس ويُضحَّى معه بكثير من المنافع المادية، وبكثير من الغرور الذي لا تطيب به النفوس إلا في مشقة وعناء.

    وكذلك تشقى فرنسا بالصلة بينها وبين هذا الجزء من العالم الإسلامي، ويشقى هذا الجزء من العالم الإسلامي بالصلة بينه وبين فرنسا، ولا سبيل إلى أن تخلُص فرنسا من هذا الشقاء الذي تنشره في وطنها وتنشره خارج وطنها، إلا بشيء من حمل النفس على ما تكره والتضحية عن رِضًى بما لا سبيل إلى الاحتفاظ به وإقامة الأمر بينها وبين هذا الجزء من العالم الإسلامي، بل بينها وبين العالم الإسلامي كله، على المودة والصداقة والتعاون، لا على البُغض والعداء والخصام الذي لا يُغني عنها شيئًا، والذي هو مُنْتَهٍ من غير شك إلى أن يضيِّع كل شيء.