التبعة الكبرى
طه حسين
جريدة الجمهورية
٢٨ أكتوبر ١٩٦١
يحتملها أولئك المتمردون في دمشق والذين أيَّدوهم بالجاه والذين أمدُّوهم بالمال والذين ناصروهم جهرة من خارج سوريا ومن داخلها.
يحتملها هؤلاء جميعًا؛ لأنهم تعاونوا أولًا وأعانوا المستعمرين بعد ذلك على تفريق الكلمة وإطماع العدو وإغراء المتربصين بما كانوا يتمنونه ولا يستطيعون أن يحققوه.
يحتملها هؤلاء جميعًا وإن كانت ضمائرهم لا تحفل بالتبعات ولا تهتم إلا لتحقيق المنافع العاجلة والمآرب الخاصة، غير معنية بوحدة العرب ولا بمنافعهم ولا بما يكفل لهم الحياة الكريمة والعزة في بلادهم.
يحتملها هؤلاء جميعًا ويصطلي نارها أولئك العرب الذين يُسامون الخَسْف في فلسطين ويحيون حياة البؤس والذل والشقاء، والعرب الآخرون الذين أُخرجوا من ديارهم واضطُرُّوا إلى حياة هي إلى التشرد أقرب منها إلى شيء آخر. ثم يصطلي نارها كل عربي يشعر بالكرامة ويأبى الضيم ويملأ قلبه حب النجدة لهؤلاء البائسين الذين ظُلموا بغير الحق وعُرِّضُوا لألوان الذلة والهوان. أجل هي تبعة كبرى تنوء بالعصبة أولي القوة، لولا أن الذين يحتملونها الآن قد قست قلوبهم فهي الحجارة أو أشد قسوة، وتبلدت ضمائرهم فهي لا تحس لذع المذلة ولا تشعر بمرارة الضيم ولا تعطفها على البائسين عاطفة ولا تعرف لرحمة المعذبين طعمًا؛ وإنما تفكر في أنفسها وفي أنفسها وحدها.
هذه الأنباء التي تتحدث بها الإذاعات وتنشرها الصحف ويخفق بها البرق من أقطار الأرض بأن لعبة الاستعمار في فلسطين قد أخذت تحول مجرى نهر الأردن، أقدمت على ذلك مطمئنة آمنة راضية النفس ممدودة الأمل إلى المستقبل البعيد؛ لأنها بعد أن تفرقت كلمة العرب واطمأنت بعد أن انتشر القلق حتى شمل الشعوب العربية كلها، وأحست القوة والبأس بعد أن أذن لها أو أغراها أولئك الذين كانوا يحولون بينها وبين أمنيتها العزيزة عليها بأن تنعم على حساب البائسين وتسعد على حساب الأشقياء وتهين الكرامة العربية غير حاسبة لأحد حسابًا وغير راجية لأحد وقارًا.
ما أكثر ما تحدث العرب بأن مجرى نهر الأردن مقدَّس لا يمسه إلا الذين يعرضون أنفسهم لأعظم الكوارث وأقساها، وما أكثر ما أنذر العرب بالحرب التي لا هوادة فيها إذا جرأت ألعوبة الاستعمار على أن تتعرض لمجرى هذا النهر. وعلى رغم هذا كله أخذت ألعوبة الاستعمار تعبث بهذا المجرى الذي كان مقدسًا أمسِ وأصبح اليوم نهبًا مباحًا لإسرائيل تعبث به كيف شاءت وتغيره كما أرادت. والعناصر المتحكمة في الجيش السوري مشغولة بالسياسة حريصة على أن تحمي تمردها بحرب الشعب السوري؛ ليبقى الحكم في يدها ولتنعم بتأييد الذين يؤيدونها بالجاه ويمدونها بالمال ويتهيئون لحرب الوطن السوري نفسه وإذلال الشعب السوري نفسه إذا تعرض المتمردون لخطر خارجي أو داخلي.
وكذلك يرى العرب الآن ويرى الجيش السوري نفسه ويرى أعوانه وأنصاره جراءة إسرائيل وعبثها بنهر الأردن، لا يجدون لذلك لذعًا في قلوبهم أو ألمًا في ضمائرهم أو عطفًا على إخوانهم من الذين يُسامون الذل في فلسطين والذين يشقون بالجوع والخوف من اللاجئين الفلسطينيين. هان عليهم كل شيء إلا تمردهم، ومن يدري لعلهم أغروا إسرائيل بما تفعله الآن إغراء ودفعوها وأدوا إليها نهر الأردن ثمنًا لانصرافها عنهم ومنحهم شيئًا من المعونة والتأييد.
ومن يدري لعل ما تفعله إسرائيل الآن ليس إلا الخطوة الأولى من خطوات الاستعمار، ولعل خطوات أخرى تتبعها غدًا أو بعد غد، فالاستعمار ليس يكفيه أن تقوى إسرائيل وإنما يهمه أن يضعف العرب، وليس يكفيه أن تقوى إسرائيل وإنما يهمه قبل كل شيء أن يشقى العرب، بل ليس يكفيه أن تنعم إسرائيل وتكثر هجرة اليهود وتزداد إسرائيل قوة إلى قوة وأمنًا إلى أمن؛ وإنما يهمه أن تشقى الشعوب العربية وأن تُظهر حاجتها إلى معونة الاستعمار، وأن يمكِّن هذا كله للمستعمرين العودة إلى الأوطان العربية، يستغلونها غدًا كما كانوا يستغلونها أمس، ويستذلون شعوبها غدًا كما كانوا يستذلونها أمس، وينعمون بخيرات الوطن العربي كما كانوا ينعمون به أمس.
كل هذا ممكن وكل هذا دليل على أن تمرد المتمردين في سوريا لم يصنعه المتمردون وحدهم ولم يصنعه أعوانهم من العرب وحدهم، وإنما شاركهم فيه المستعمرون بمالهم وتحريضه وتأييدهم.
فليهنأ قادة هذه الحركة بالذلة بعد العزة والهوان بعد الكرامة، وليتهيئوا لمطامع الطامعين لا في سوريا وحدها ولكن في غيرها من الأقطار العربية، وصدق أبو الطيب حين قال:
منْ يَهُن يسهُل الهوانُ عليهما لجرحٍ بميِّتٍ إيلامُ
وصدق الله حين قال للمسلمين: (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ).
ثم لا تتحرج أبواق المتمردين في صحفهم وإذاعتهم من أن تملأ الدنيا ضجيجًا وصياحًا كأننا نتجنى عليهم ونقول فيهم غير الحق، فهم قد جادلوا حين قلنا إن تمردهم قد مزَّق الوحدة العربية وفرَّق كلمة العرب وأوقع بينها من الريبة وسوء الظن ما لا ينبغي أن يكون بين الإخوان، وجادلوا وألحوا في الجدال حين قلنا إنهم كفروا بنعمة الله عليهم وبطروا حين أتاح الله اليسر والسعة للشعب السوري في وطنه السوري وفي الوطن المصري أيضًا، وجادلوا وألحوا في الجدال حين قلنا إن الوحدة أمَّنت الشعب السوري في وطنه وحمت حدوده من العدوان وأشاعت فيه الأمن والاطمئنان.
جادلوا في هذا كله وأسرفوا في الجدال، فهل يجادلون الآن في أن نقضهم للوحدة دون استفتاء للشعب السوري ودون إيذان لمصر، قد عرَّض سورية للخطر وجرَّأ عليها إسرائيل فاعتدت على أرضها. كيف يجادلون في هذا وهم يرون ويستمعون، أم تراهم يرضون عن هذا ويطمئنون إليه ويؤثرون الألفة مع إسرائيل على الألفة مع شعب عربي مثلهم، ويسخرون من اللاجئين المشردين ويستهزئون بالعرب الذين يُضطهدون في وطنهم وتُصب عليهم المحن في بلادهم، ولا يكرهون أن يطمع فيهم غير إسرائيل، ولا يكرهون أن يتسلط عليهم الاستعمار فيُسيرهم كما يشاء ويصرف أمرهم كما يحب لا لشيء إلا لأنهم يستأثرون بمظاهر الحكم. ولن يكونوا من حقائق الحكم في شيء حين تمتد إليهم أيدي المستعمرين، ولكن المثل لا يكذب حين يقول: «إذا لم تَسْتَحِ فاصنع ما شئت.»
Tag: Geopolitics
-
التبعة الكبرى
-
خدعة
خدعة
طه حسين
جريدة الجمهورية
١٧ مارس ١٩٥٨
هذه الأحلاف التي يقيمها الغرب: حلف الأطلنطي، وحلف بغداد، وحلف جنوب شرقيِّ آسيا، ثم الحلف الرابع المقترح في غرب البحر الأبيض المتوسط؛ ما مصيرها؟ وهذه الخدعة التي تسوِّقها فرنسا، أو تُساق إليها فرنسا بغية ضم المغرب وتونس ومن بعدهما الجزائر إلى ذلك الحلف الرابع، هل ستنطلي على شعب المغرب وعلى شعب تونس؟ وهل ستصد الجزائريين عن هذا الاستقلال الذي يجاهدون في سبيله منذ سنين؟ ويقظة الشعوب العربية، وقوة الجمهورية المتحدة، هل سترتد وتنحسر وتنام أمام ما يريده لها الغرب من تطويق بالأحلاف؟
هذه الأسئلة يجيب عليها عميد الأدب العربي، الدكتور طه حسين، في هذا المقال الذي يلخص عنوانه تلك الإجابة.
ولكنها واضحة كل الوضوح، لا تخفى إلا على الأغبياء والمحمقين، وإخواننا العرب في شمال أفريقيا ليسوا من الغباء ولا من الحمق في شيء؛ فلن تخفى عليهم هذه الخدعة، ولن تخفى عليهم أسرارها ولا دخائلها.
وإنما الغباء والحمق نصيب الذين ابتكروا هذا اللون من الخداع في فرنسا وأمريكا، أو في أمريكا وفرنسا، لا أدري.
فهذا الحلف في غرب البحر الأبيض المتوسط ليس أذكى ولا أنضى من حلف بغداد، وإنما هو عبث من العبث؛ تُنفق فيه الأموال، تُشترى فيه الضمائر، وينتهي آخر الأمر إلى غير شيء.
هؤلاء الذين فكَّرُوا فأطالوا التفكير، وقدَّروا فأمعنوا في التقدير، ثم تكشَّف تفكيرهم وتقديرهم عن هذا السخف الذي يسمونه حلف البحر الأبيض المتوسط الغربي، أشبه شيء بالجبل الطويل في السماء، العريض في الفضاء، الذي يروع منظره ويبهر مظهره، الذي يتمخض من حين إلى حين، فلا يلد في كل مرة إلا فأرًا، والذي يتمخض فَيَلِدُ فأرًا ولا يَلِدُ معه شيئًا آخر، والذي قضي عليه أن يتمخض.
فهذه الدول الغربية قد أبرمت من قبلُ حلف الأطلنطي، وملَئوا الدنيا ضجيجًا وعجيجًا بعد إبرام هذا الحلف، الذي ضموا إليه كبار الدول وصغارها، ولكنه لم يُغنِ عنهم شيئًا.
لم يخيفوا خصمهم، ولم يرهبوه، ولم يضطروه إلى أن يغير من سياسته شيئًا، ولم يستطيعوا إلى أن يخلصوا منه جزءًا ضئيلًا أو كبيرًا من الأرض التي يحتلُّها، ثم لم يحمهم من الخوف ولم يذُد عنهم الهلع.
فالأوروبيون الغربيون قلِقون، لا يعرف الاطمئنان إلى قلوبهم سبيلًا، يخشون في كل يوم — بل في كل ساعة — أن تشب الحرب، وأن يكونوا أول ضحاياها. والأمريكيون على ما يملكون من قوة قلِقون، لا يجد الاطمئنان إلى قلوبهم سبيلًا، يخشون أن تشب الحرب وأن تدور عليهم الدائرة؛ لأنهم لا يثقون ولا يمكن أن يثقوا بتفوُّقهم في القوة والبأس على خصمهم ذاك العنيد، بل هم لا يثقون ولا يستطيعون أن يثقوا بأنهم يساوون خصمهم ذاك في البأس والقوة والاستعداد.
ثم أبرموا بعد ذلك حلفًا آخر في الجنوب الشرقي أو الشرق الجنوبي لآسيا — لا أدري — فلم يُغن عنهم شيئًا أيضًا، لم يُذهب عنهم الخوف، ولم يذُد عنهم القلق. وهم يذهبون ويجيئون، ثم يجيئون ويذهبون، ليجتمعوا في مقر ذلك الحلف، وليتفرقوا دون أن يصلوا باجتماعهم وتفرُّقهم إلى شيء.
ثم عقدوا حلفًا ثالثًا في بغداد؛ فوُلِدَ ميتًا، أو وُلِدَ حيًّا، ثم لم يلبث أن مات. وهم كذلك يذهبون ويجيئون، ويجيئون ويذهبون، إلى حيث يدبرون أمر هذا الحلف الفقيد.
وهم الآن يحاولون أن يعقدوا حلفًا رابعًا، في غرب البحر الأبيض المتوسط، تشترك فيه كبار الدول وصغارها في هذه الناحية من أنحاء الأرض، ولن يغني عنهم حلفهم الرابع شيئًا، كما لم تُغنِ عنهم أحلافهم الأخرى شيئًا.
يريدون بحلفهم هذا الأخير أن يخدعوا مراكش وتونس عن استقلالهما، وأن يمكنوا لأنفسهم في أرضهما، وأن يُنسوهما الجزائر، وما يُراق فيها من دماء، وما يُنتهك فيها من حرمات، وما يُهدر فيها من حقوق الإنسان.
ويريدون بحلفهم هذا — أو يخيلون إلى أنفسهم — تطويق الجمهورية العربية المتحدة، وأخذها بين حلفين: حلف في الشرق سُمي حلف بغداد، وحلف في الغرب لا أدري ماذا يسمونه. وسيولد هذا الحلف ميتًا، أو حيًّا لا يلبث أن يموت؛ لسبب بسيط وهو أنهم إن أُتيح لهم هذا الحلف فلن يحالفوا الشعوب، وإنما يحالفون أفرادًا، لا تلبث الشعوب أن تخذلهم وتنصرف عنهم إلى غير رجعة، لتمضي في جهادها حتى تبلغ غايتها التي ليس من بلوغها بُدٌّ، وهو الاستقلال الكامل الصحيح.
والمراكشيون والتونسيون أذكى وأنفذ بصيرة، وأقوى ذاكرة، وأحرص على الشرف من أن ينسوا الجزائر، وما يصب عليها من الهول في كل لحظة من لحظات الليل والنهار. وهم أذكى قلوبًا من أن يخلصوا من الاستعمار الفرنسي أمس ليُسلموا إليه أنفسهم اليوم أو غدٍ وهم صاغرون، وهذه الجمهورية العربية المتحدة التي يريدون أن يطوقوها لن تحفل بهذا التطويق إن كان؛ لأنه تطويق لا يُغني عن أصحابه شيئًا، ولا يَثْبُتُ للخطوب، ولا يستطيع أن يصرفها عمَّا تسمو إليه، وما تجد فيه من تحقيق العزة العربية في مستقبل الأيام كما كانت فيما مضى من الأيام. هي خدعة إذن، ولكنها واضحة كل الوضوح، لن تخفى على أحد، ولن تضر أحدًا، ولن تؤذي أحدًا إلا الذين يحاولونها؛ لأنهم يتعلقون بالأوهام، ويمنون أنفسهم أماني لا سبيل إلى تحقيقها.
فالشعوب إذا استيقظت لا يمكن أن تردها الأحلاف إلى النوم، والاستعمار إذا مات لا يمكن أن ترد إليه الحياة.
وقد استيقظت الشعوب العربية، فلا سبيل إلى أن تنام، وآية ذلك أن حلف بغداد لم يسلط النوم على الشعب العراقي، كما أن ذلك الحلف الآسيوي لم يسلط النوم على تلك الشعوب التي اشتركت حكوماتها فيه، إنما هي صور متحركة ليس وراءها شيء تعلل الذين يحركونها، ثم لا تجر عليهم نفعًا ولا ترد عنهم مكروهًا. ولو قد عقلوا واستبصروا للاءموا بين حياتهم وبين الحياة الجديدة التي تحياها الشعوب، التي خضعت لهم حينًا ثم أفاقت واستكملت قوتها وتمردت على سادتها القدماء.
وأغرب ما في هذا الحلف الغربي أن فرنسا تريد أن تعقده دون أن تنزل عمَّا تزعم لنفسها من حق في الجزائر؛ فهي تُحْفِظُ أهل المغرب وأهل تونس حين تستمسك بوهمها الجزائري، وتزعم أن الجزائر جزء من فرنسا، تُحْفِظُهُمْ وتملأ قلوبهم غيظًا وغلًّا.
تسفك دماء إخوانهم في الليل والنهار بمنظر ومسمع منهم، وتريد أن تُمكن لنفسها ولحلفائها في أرضهم وتدعوهم مع ذلك إلى الحلف، وتغريهم به وترغِّبهم فيه، تخدع نفسها وتخدع حلفاءها أو يخدعها حلفاؤها، ولكن الشيء الذي ليس فيه شك أنها لن تخدع مراكشيًّا واحدًا ولا تونسيًّا واحدًا، ولن تصد الجزائريين عن هذا الاستقلال الذي يجاهدون في سبيله منذ سنين.
بل ليس من شك في أن الحكومة الفرنسية التي تدعو إلى هذا الحلف أو تقبل الدعوة إليه لا تخدع شعبها نفسه؛ فشعبها — مهما تكن ظروفه — يعلم حق العلم ويؤمن أقوى الإيمان، بأن شمال أفريقيا قد فارقه إلى غير رجعة، وبأنه لم يعُد ذلك الشعب القوي العزيز، الذي يستطيع أن يقهر غيره من الشعوب، وإنما هو قد أصبح شعبًا لا يريد إلا أن يعيش، وأن ينتهز فرص الحياة، ويستمتع بطيباتها في دعة وأمن، لا يحارب أحدًا ولا يحاربه أحد، أصبح الشعب الذي يذكر بقول الشاعر القديم:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
وهو طاعم كاسٍ حقًّا، وهو فوق ذلك لاعب لاهٍ مُغْرِقٌ في اللهو واللعب، لا يريد ولا يتمنى إلا أن تُخلي حكومته بينه وبين ما هو فيه من الاستمتاع.
حكومة فرنسا إذن لا تخدع إلا نفسها، وهي تحاول محاولة اليائس الذي تقطعت به أسباب الرجاء، وحلفاؤها يريدون ويحاولون أن يريحوها من بعض ما تجِد في شمال أفريقيا؛ ليفرغوا هم لخصمهم ذاك العنيد من جهة أخرى، ولكنهم لا يجدون الشجاعة على أن يواجهوها بالحقائق ويصدروها عن الغرور، ويطلبوا إليها في حزم أن تدع شمال أفريقيا لأهله، يدبرون أمرهم فيه كما يريدون لا كما يريد لهم الفرنسيون.
وسيُخفق الحلفاء في هذه المحاولة كما أخفقت فرنسا في محاولات أخرى كثيرة، ولا بد من أن يأتي يوم قريب أو بعيد يعلم فيه عشَّاق الأحلاف والتطويق أنهم إنما يبذلون ما يبذلون من الجهود، وينفقون ما ينفقون من الأموال، ويقدرون ويفكرون، في غير طائل؛ لأن التاريخ أقوى منهم، ولأن يقَظة الشعوب اليقِظة التي تأبى أن تعيش أقوى وأنفذ من حيلهم. وسيعلمون حق العلم بأن الخير لهم، إنما هو أن يجاروا التاريخ، ويسلكوا معه الطريق التي يسلكها، ويعترفوا بالحقائق مهما تكن مُرَّةً، ويلائموا بين مصالحهم ومصالح الشعوب اليقِظة التي تأبى أن تعيش إلا كريمة، يُظِلُّهَا الاستقلال.
وصدق الله حين قال في تصوير المنافقين: ( يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ). -
شراء الشعوب
شراء الشعوب
طه حسين
جريدة الجمهورية
١٥ يناير ١٩٥٧
والمشتري بالطبع هي الولايات المتحدة الأمريكية، والشعوب التي تراد على أن تبيع نفسها والتي يساومها المشتري فيما يمكن أن تطلب من ثمن، هي شعوب الشرق الأوسط. ولن يكون هذا البيع حرًّا، ولكنه سيكون محاطًا بكثير من الترغيب وبكثير من الترهيب أيضًا. فالدولة المشترية هي أغنى دول الغرب الديمقراطي وأقواها، أموالها لا تُحصى، وقوتها لا تُقاوم ولا تُطاق. والشعوب التي يمكن أن تبيع نفسها فقيرة وضعيفة بالقياس إلى دول الغرب كلها، فضلًا عن هذه الدولة الغنية كأوسع ما يكون الغنى، القوية كأشد ما تكون القوة.
هذه هي الخلاصة الدقيقة للاقتراح الذي يعرضه رئيس الولايات المتحدة على البرلمان الأمريكي مجتمعًا أو مفترقًا، أو يطلب مزيدًا من المال ليستطيع مساومة الشعوب في الشرق الأوسط في استقلالها وحريتها أو في حياتها إن شئت، فالشعوب التي تفقد استقلالها وحريتها إنما تفقد حياتها الصحيحة بأدق معاني هذه الكلمة وأعمقها وأوسعها.
والرئيس الأمريكي لا يطلب المزيد من المال فحسب، وإنما يطلب الإذن له في استعمال القوة إن احتاج إليها، فقد ينبغي أن يكون الترغيب مصحوبًا بالترهيب، وقد ينبغي كذلك ألا ينقق المال على معونة الشرق الأوسط في غير طائل وأن يعود هذا المال على من ينفقه بشيء من الربح؛ لأن إنفاق المال في غير طائل سرف وسفه وتبذير، والمبذرين هم إخوان الشياطين، وما ينبغي لدولة مسيحية مؤمنة أن يكون بينها وبين الشياطين إخاء أو حلف.
وكذلك ترى الإنسانية لأول مرة في تاريخها — إن ظفر الرئيس الأمريكي من برلمانه بما يريد — فنًّا جديدًا من فنون الاستعمار. وليكن الفن الثالث من فنونه بعد أن مضى الفن الأول إلى غير رجعة، وأوشك الفن الثاني أن يمضي إلى غير رجعة أيضًا.
فقد عرف التاريخ القديم نوعًا من الاستعمار كانت له بقية في أول هذا العصر الحديث، وهو أن تعمد دولة قوية إلى شعب ضعيف فتسحقه سحقًا وتمحقه محقًا، تقتل القادرين من رجاله ونسائه على حمل السلاح، حتى تفنيهم عن آخرهم، وتستعبد الصبية والضعفاء، وتستأثر بالأرض والثروة من دون أصحابهما، وتنشئ مكانهم دولة متحضرة قوية تنعم بالسعة والثراء.
كذلك فعل اليونان حين استعمروا بعض الأرض في آسيا الصغرى وفى إيطاليا، وفعل شيئًا من ذلك الأوروبيون في أول عهدهم بالاستعمار. ثم تقدمت الحضارة واستكشف العلم وارتقى العقل ورقت القلوب وسَمَت الأخلاق؛ فعرف التاريخ نوعًا ثانيًا من الاستعمار، وهو أن تعمد دولة غنية قوية إلى شعب فقير ضعيف، فلا تسحقه ولا تمحقه ولا تبيده؛ وإنما تفرض عليه سلطانها فرضًا، وتقهره بقوتها وبأسها على أن يكون لها عبدًا مطيعًا تسخره فيما تشاء وتستأثر من دونه بما يملك من سعة وثراء، وتزعم له مع ذلك أنها لا تريد استذلاله ولا استغلاله، وأنها تريد أن تحرره وتحضره وتمهد له إلى الرقي سبيلًا. وهذا فن جديد من الاستعمار تخترعه الولايات المتحدة الأمريكية في هذه الأيام، وهو فن يسير كل اليسر، فشعوب الشرق الأوسط تحب الاستقلال وتريد أن تتمسك به وتحرص عليه، وهي تطمح إلى الرقي وتريد أن تبلغ منه أقصى ما تستطيع؛ فلتعرض عليه الولايات المتحدة الأمريكية حماية استقلاله حتى لا يُغِير عليه الشيوعيون، ولتعرض عليه كذلك ما يحتاج إليه من المال ليستكشف ما في أرضه من ثروة، وليستثمر هذه الثروة ويشتري ما قد يحتاج إليه من وسائل الغنى والقوة من حيث يشاء ومن الولايات المتحدة الأمريكية خاصة، والمهم ألا يشتريها من الشيوعيين.
ومعنى هذا كله أن الولايات المتحدة الأمريكية — إن أجاز البرلمان للرئيس ما يريد — ستعرض على الشعب في هذا الجزء من الأرض شراء استقلاله وحريته لا أكثر من ذلك ولا أقل. فالشعب الحر المستقل حقًّا هو الذي يملك أمر نفسه ويدبره كما يشاء ويتصرف فيه كما يحب، يلزم الحياد إن أراد الحيدة، ويحالف من الدول أية دولة يشاء دون أن يحول بينه وبين ذلك حائل، ويشتري ما يحتاج إليه من وسائل القوة والغنى والرخاء من حيث يريد هو لا من حيث يُراد له ويُفرض عليه.
والشعب الحر المستقل حقًّا هو الذي يقيم حياته كما يريد هو لا كما يُراد له، يختار لنفسه من النظم الاجتماعية والسياسية ما يشاء، لا يمنعه من ذلك مانع أجنبي مهما يكن، ولا يصده عن ذلك صاد أجنبي مهما تكن قوته ومهما تكن ثروته ومهما يكن مذهبه السياسي أو الاجتماعي.
وليس استقلالًا صحيحًا هذا الذي يمكن أن يتعرض للخطر أو رهبة، ولن يحميك من الذل من جاء يبيع لك العزة بالمال، فعزةُ الشعوب لا تُشترى من الأجنبي، وهي لا تأتيها من خارج وإنما تأتيها من أنفسها؛ تنبع من أرضها وتجري في عروق أبنائها، وتسيطر على قلوبهم وعقولهم وملكاتهم كلها.
وهب أن دولة من الدول الشيوعية عرضت على الشرق الأوسط مثل ما يريد أن يعرضه رئيس الولايات المتحدة من الحماية والمال، وتصور نتيجة هذا العرض الذي يأتي من دولتين مختصمتين، وافترض أن شعبًا من شعوب الشرق الأوسط قد قَبِل هذا العرض من الدولة الشيوعية، وأن شعبًا آخر من شعوبه قَبِل هذا العرض نفسه من الولايات المتحدة الأمريكية، وقدِّر ما سيكون لذلك من آثار.
سيكون هذا الشرق الأوسط ميدانًا للتنافس أولًا ثم للحرب آخر الأمر، وسيصبح استقلاله وحريته لعبة بين الدولتين المختصمتين، وسيتعرض أهله وما يملكون من ثروة وأرض وما يديرون في أنفسهم من آمال وما يتمنون لأنفسهم من ثراء ونعيم؛ سيصبح هذا كله وقودًا للحرب بين هاتين الدولتين المختصمتين.
ولست أعجب لشيء كما أعجب لأن الرئيس الأمريكي لم يفكر في أن روسيا السوفييتية تستطيع أن تعرض على الشرق الأوسط مثل ما يعرض عليه، وأن اقتراحه هذا ليس وسيلة إلى السلم وإنما هو وسيلة إلى الحرب.
وشر من هذا كله أن الرئيس الأمريكي لا يريد أن يعرض على شعوب الشرق الأوسط أن يحميها من العدوان، مهما يكن مصدره من عدوان الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي على السواء. إذن لكان لاقتراحه حظ من منطق ونصيب من استقامة ظاهرة تصلح للإغراء، وإن كانت الشعوب الحرة المستقلة حقًّا تكره الحماية الأجنبية وتأبى إلا أن تحمي نفسها بنفسها.
ولكن الرئيس يعرض حماية الشرق الأوسط من الشيوعية، وما نعلم أن دولة شيوعية قد اعتدت على الشرق الأوسط أو أنذرته بالعدوان. ولكنا نعلم أن حلفاءه من دول الغرب الرأسمالي قد اعتدوا بالفعل على مصر أمس، وهم يعتدون على اليمن والجزائر بالفعل اليوم، وهم يستذلون شعب العراق على رغمه، وهم يدبرون العدوان على سوريا.
فماذا يقول الرئيس الأمريكي في كل هذا؟! أيراه خطرًا على استقلال هذا الشرق الأوسط أم لا يراه؟ فإن تكن الأولى فلِمَ لا يعرض حماية الشرق الأوسط من هذا الخطر؟ -
قرار
قرار
طه حسين
جريدة الجمهورية
٦ يناير ١٩٥٧
كانت نفوسنا تطمع فيه وقلوبنا تطمح إليه وضمائرنا تؤمن به، وربما جرت به ألسنتنا بين حين وحين، حين نخلو إلى الصديق الأمين، وكنا قد سمعنا اللَّه عز وجل يقول: ( فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ).
وكنا نعلم أن قول الله حق وأن وعده حق، ولكنا كنا نرقب ما ستعمل الحكومة وما ستقول، وكنا نستبطئ نشاطها إلى العمل وإطلاق لسانها بالقول حتى كان أول العام الجديد، فرأيناها تعمل وتقول ورضينا عما عملت وما قالت. وما أكثر ما كرهنا أشد الكره عدوان البريطانيين والفرنسيين على مصر، وضاقت به نفوسنا وقلوبنا، ولكن اليأس لم يجد إلينا سبيلًا، فثبتنا للخطب، وانتصرنا على المحنة، وانتظرنا أن يجد المعتدون عقابهم على هذا الاعتداء، وأن يلقوه منا نحن بعد أن لقوه من الظروف والأحداث.
وقد لقي البريطانيون بعض العقاب بهذا القرار الذي أصدره رئيس الجمهورية أول العام، وجعله أقوَم هدية يستقبل بها المصريون هذه الدورة الجديدة من دورات الزمان. وأقول إنه بعض العقاب، وإن كان أمضَّه وأقساه وأبلغه في نفوس البريطانيين أثرًا؛ لأني ما زلت أرجو أن يقدِّر العالم المتحضر هذا العدوان وما نشأ عنه من نقض العهود وإهدار العقود، ومن سفك الدماء وإزهاق النفوس وتدمير المرافق وصب الهول على الوادعين الآمنين.
ما زلت أرجو أن يقدِّر العالم المتحضر هذا كله ويعاقب عليه الذين اقترفوه، وأنا مع ذلك لا أتحدث الآن عن هذا العدوان البغيض وآثاره المنكرة، وإنما أتحدث عن هذا القرار الذي أصدرته مصر بإلغاء الاتفاق الذي كان قائمًا بيننا وبين البريطانيين، والذي نقضه البريطانيون أنفسهم يوم أرادوا مصر بالمكر والكيد، فحاق بهم مكرهم ورُد عليهم كيدهم. وصدق اللَّه وما زال صادقًا حين أنبأنا بأن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله.
وكأن أهوال العدوان وعناية الحكومة والشعب بإصلاح آثاره، وهذه الأحداث الكثيرة التي تحدث في أقطار الأرض والتي تُتوقع في الزمن القريب أو الزمن البعيد، والأنباء الكثيرة المتباينة التي نسمعها ونقرأها مصبحين وممسين؛ كأن هذا كله لم يتح للمصريين أن يفرغوا لإلغاء الاتفاق المصري البريطاني ليتدبروا خطره العظيم، ولو قد فرغوا له وقدروا خطره لفرحوا به وابتهجوا له أكثر مما فعلوا.
فهم يستقبلون عامهم الجديد هذا وقد رُدَّ عليهم استقلالهم كاملًا صافي الجوهر نقي الصفحة لا غبار عليه، مسلمًا لا شية فيه. وهو يُرد إليهم على هذا النحو لأول مرة في تاريخهم الحديث منذ اعتدى عليهم الترك العثمانيون في أوائل القرن السادس عشر. وهو يرد عليهم في ظروف كريمة حقًّا، فهم لا يتلقونه منحة من أحد، وإنما يكسبونه بأيديهم، وأموره لا تُدبر بعقول أجنبية كما كانت تُدبر أيام المماليك أو أيام غيرهم من الدول المستقلة التي اتخذت القاهرة عاصمة لها، وإنما تدبر أموره عقول مصرية خالصة، ويقوم عليه سلطان مصري خالص جاء من صميم مصر ولم يأتِ من وراء البحر ولا من وراء الصحراء.
وقد كنا مستقلين قبل العدوان لا شك في ذلك، ولكن استقلالنا لم يكن يخلو من شائبة؛ فهذا الاتفاق الذي كان بيننا وبين البريطانيين كان يثير الشك في بعض النفوس، ويغري الحيرة ببعض العقول، ويعرِّض سلامة الوطن المصري لبعض الخطر إذا اضطرت بريطانيا إلى الاشتراك في الحرب للدفاع عن بعض الدول الشرقية والتي لا يعنيها أمرنا من قريب ولا من بعيد، والتي لا تكره أن تمكر بنا وتكيد لنا وتعين علينا.
كان يكفي مثلًا أن يتعرض الترك لبعض ما يكرهون، وأن يخف حلفاؤها البريطانيون لنصرها؛ فتتعرض للاحتلال البريطاني القصير أو الطويل من جديد. فقد حطَّ عنا هذا العبء، وأُلقي عنا هذا الإصر، وأصبحنا أحرارًا حرية كاملة نقية كما كانت نفوسنا تتمنى دائمًا.
وأصبحت مشكلات البريطانيين والترك لا تعنينا إلا كما يعنينا غيرها من المشكلات التي تُثار في العالم القريب والبعيد، نُسالم من نُسالم أحرارًا، ونخاصم من نخاصم أحرارًا، ونؤثر الحيدة أحرارًا لا معقب على إرادتنا في بلادنا ولا خوف على استقلالنا في أرضنا إلا بمقدار ما يفرضه التضامن الإنساني بين الدول الحرة المستقلة. وكنا ننكر الأحلاف مع شرق أوروبا أو غربها ومع إحدى الكتلتين المختصمتين؛ نرى هذه الأحلاف وسيلة إلى التدخل في شئوننا وبقية من بقايا الاستعمار الأجنبي. وكان بعض المتورطين في هذه الأحلاف يخادعون أنفسهم ويخادعون بعض الناس، ويقولون لأنفسهم ولهؤلاء الناس: إن مصر تعارض الأحلاف، وهي مرتبطة بالاتفاق مع البريطانيين، متورطة في شيء إن لم يكن حلفًا فهو يشبه الحلف شبهًا قويًّا أو ضعيفًا.
فقد محونا من نفوسهم ومن نفوس عملائهم هذا الوهم، وقطعنا عليهم هذه الحجة، وأزلنا عنهم هذه الشبهة، وأصبحنا أحرارًا بأوسع ما تحتمل كلمة الحرية من المعاني في هذا العصر الحديث، وأصبحنا نستطيع أن ننكر الأحلاف ونعارضها دون أن نتيح لقائل مقالًا. وكان بعض المخادعين يخيلون إلى نفوسهم وإلى بعض الناس أن الفنيين البريطانيين الذين كانوا يقومون على شئون القاعدة العسكرية في القناة، ما زالوا ظلًّا للاحتلال البريطاني البغيض وأنهم كانوا عسكريين يتخذون ثياب المدنيين.
فقد زال هذا الظل، ومضى أولئك الفنيون مع المعتدين، وذهبت القاعدة العسكرية، وأصبحت شمس مصر تشرق على القناة وما حولها، فلا تغمر إلا أرضًا مصرية قد طَهُرت من الاحتلال ومن ظلال الاحتلال. وعادت مصر كلها حرة مبرأة الحرية من كل شائبة، كعهدها أيام الفراعنة القدماء لأول مرة منذ انقضى عهد الفراعنة القدماء. -
مؤامرتان
مؤامرتان
طه حسين
جريدة الجمهورية
٢٣ نوفمبر ١٩٥٦
إحداهما تزداد ثباتًا واستقرارًا في القلوب وانتشارًا في أقطار الأرض وتغلغلًا في ضمائر الطبقات المختلفة من الناس على تباعدهم وتباينهم، لا تمضي لحظة أو دقيقة أو ساعة من ليل أو نهار إلا ازداد إيمان العالم لها واقتناعه بها وسخطه على أصحابها، والأخرى لم يكد يتحدث بها الذين اخترعوها وحاولوا أن يُضللوا بها الناس حتى ضحك منها الضاحكون وعبث بها العابثون وتنكَّر لها الذين يفقهون حقائق الأشياء ويفهمون حياة الشعوب، وما ينشأ عن هذه الحياة من آثار في الأقوال والأعمال جميعًا.
فأما الأولى فهي التي لا يشك فيها إنسان الآن وهي التي جرها البريطانيون والفرنسيون مع لعبتهم إسرائيل؛ ليأخذوا الجيش المصري بين نارين يحصروه بين شقي الرحى، ويهاجموه من أمام ومن وراء ويعرفوه من الشعب المصري مره به ليحكموا بعد ذلك في شئون هذا الشعب ونظم الحكم فيه، ليس بين الناس من يشك في هذه المؤامرة، وليس بينهم من يجادل في أنها دُبرت بليل أو نهار أو دُبرت في الليل والنهار جميعًا، وأن الذين دبروها وأتقنوا تدبيرها وبدأوا في تنفيذها لم يحسوا في قلوبهم ولا في ضمائرهم ولا في سرائر نفوسهم خزيًا أو شيئًا يشبه الخزي؛ لأن قلوبهم وضمائرهم ونفوسهم قد جمدت وقست، أصبحت لا تحس خزيًا ولا تعرف حياء ولا تتحرج من إثم مهما يكن بشعًا منكرًا، وهم لم يكتفوا بتدبير هذه المؤامرة والأخذ في تنفيذها وإنما أضافوا إليها تضليل دعاتهم الأمريكيين وأصدقائهم من الأوروبيين، ثم لم يكتفوا بالتضليل والتغرير وإنما أضافوا إليهما إثمًا آخر هو السرقة والاختلاس؛ فقد سرقوا أسلحة هذا الحلف الذي شاركوا فيه وهو حلف الأطلنطي، سرقوا هذه الأسلحة فأهدوا بعضها إلى إسرائيل واصطنعوا بعضها الآخر في تنفيذ مؤامراتهم تلك، خانوا أمانة حلفائهم وأصدقائهم من جهة وخانوا تصريحهم الذي شاركوا فيه الأمريكيين منذ أعوام وتعهدوا فيه بالمحافظة على السلام في هذا الجزء من الشرق العربي، وخانوا العهد الذي قطعوه على أنفسهم لمصر نفسها حين اتفقوا معها على الجلاء عن قناة السويس.
أجرموا إذن في غاية هذه المؤامرة بما اقترفوا من غدر أضاع السلم، وأجرموا في وسائلها بما اقترفوا من سرقة حلفائهم وأصدقائهم، وبما أثبتوا لأصدقائهم وأعدائهم جميعًا إنهم لا يرعون عهدًا ولا ذمة، ولا يحفظون أمانة، ولا يَفون بوعد قدموه، ولا يبرون بقسم أقسموه، وإنما يبيعون قلوبهم وضمائرهم وينكثون عهودهم وإيمانهم ويضيعون أمانتهم وودائعهم ويهدرون الحق والحياء والعدل وقيم الحضارة كلها في سبيل ما يتوهمون أنه يجلب لهم نفعًا أو يبسط لهم سلطانًا، كل هذا لا يجادل فيه أحد ولا يشك فيه ساسة الشرق والغرب جميعًا، وهم لم يكتفوا بهذا كله وإنما يتسترون على آثامهم ويتورطون في الكذب إلى آذانهم، فيزعمون مرة أنهم طاروا لنصرة إسرائيل حين علموا أن مصر تريد أن تُغير عليها، وحين علموا أن الدول العربية كلها تأتمر بها، يقولون ذلك جهرة في غير تحفظ ولا حياء، مع أن العالم كله يعرف أن إسرائيل قد عدت على الأردن فلم يزد الأردن على أن رد العدوان، ولم يتحرك جيش مصر ولا جيش سوريا للهجوم على إسرائيل لعقابها وتأديبها؛ وإنما سلك العرب طريقهم إلى مجلس الأمن وهيئة الأمم حتى لا يُتهموا بالعدوان أو بمحاولة العدوان.
ولم تخدع هذه الكذبة أحدًا؛ فاخترعوا كذبة أخرى، لم يكادوا يسوِّقونها حتى استقبلها العالم بالضحك والسخرية؛ وهى المؤامرة الثانية التي أشرت إليها في أول هذا الحديث، فقد زعموا أنهم علموا أن مصر تأتمر بالعالم الحر كله مع روسيا السوفييتية، فضحوا بأموالهم ورجالهم وبأموال المصريين ودمائهم أيضًا؛ ليفسدوا هذه المؤامرة ويحبطوا هذا التدبير، ويحفظوا الشرق العربي من صولة السلطان الروسي، ويحموا العالم الآخر كله من هذا الشر العظيم، الذي كان يوشك أن يلم به، ويجعل روسيا السوفييتية مسيطرة على شرق البحر الأبيض المتوسط متحكمة في قناة السويس سائرة بما فيه، مهددة لأوروبا الغربية أخطر التهديد، وكانت هذه الكذبة البريطانية التى تلقفها الفرنسيون فرحين بها مبتهجين بها ظاهرة السخف بيِّنة البطلان، يدل على سخفها وبطلانها كل شيء يدل عليهما. قبل كل شيء إن مصر حين صُب عليها العدوان الآثم صبًّا لجأت أول ما لجأت إلى هيئة الأمم المتحدة، واستصرخت العالم المتحضر كله لنصرة السلام ومعونتها على رد العدوان، لم تختص بهذا الاستصراخ دولة دون دولة ولا شعبًا دون شعب؛ وإنما وجهته إلى الأمم المتحضرة في أقطار الأرض كلها.
ويدل على هذا السخف وبطلان هذه الكذبة ثانيًا أن الاتحاد السوفييتي نفسه حين أنذر المعتدين الآثمين قد أخطر الولايات المتحدة الأمريكية، ودعاها في صراحة إلى أن تشاركه في كف العدوان، ثم لم يصنع شيئًا أكثر من هذا، لم يرسل إلى مصر جندًا ولا أسلحة ولا متطوعين، ويدل على سخف هذه الكذبة وبطلانها ثالثًا أن الوزراء البريطانيين أنفسهم لم يستطيعوا أن يؤيدوا هذه الكذبة في مجلس العموم البريطانى حين طلب إليهم النواب ذلك؛ وإنما تهافوا وتخذلوا ولجلجوا، وقال قائلهم في تهالك إن أنباء التآمر بين مصر وروسيا لم تتأيد. وأي غرابة بعد ذلك في أن تنقل هذه الآثام الكثيرة والأكاذيب المبهظة على رئيس الوزراء البريطانيين فتنهار قواه وتنحل أعصابه ويأمره الأطباء بالراحة، ويفر بما بقي له من قوة إلى مكان بعيد جدًّا من بريطانيا؛ ليسترد بعض قوته ويشد أعصابه شيئًا، وأي غرابة بعد ذلك في أن يعتزل شئون الحكم اعتزالًا موقوتًا أو دائمًا ويلجأ إلى مكان سحيق يستريح فيه من الآثام والأكاذيب التي لم تغش عنه وعن أصحابه شيئًا.
مؤامرتان نُشر حديثهما في أقطار الأرض؛ فأما أولاهما وهي مؤامرة بريطانيا وفرنسا وصنيعتيهما إسرائيل فقد صدقها العالم وأسرع إلى تأييد مصر بما قررت هيئة الأمم المتحدة، وبهذا التأييد الشامل الذي يأتيها من كل مكان حتى من بلاد الإنجليز والفرنسيين أنفسهم.
وأما المؤامرة الثانية التي زعمها الإنجليز؛ فلم تكد تُذاع حتى كذَّبها العالم كله، وكذبها وزراء الإنجليز أنفسهم، وقالت الصحف الإنجليزية دع هذا السخف وأنبئنا عن ائتمارك مع فرنسا وإسرائيل بمصر، وطالبت وما زالت تطالب ويطالب معها النواب بالتحقيق لإثبات المؤامرة البريطانية الفرنسية الإسرائيلية، ومعاقبة الذين شاركوا فيها من وزراء الإنجليز، وصُرع لها رئيس الوزارة البريطانية مريضًا أو متمارضًا ونفى لها نفسه من وطنه إلى أجَل قد يقصر أو قد يطول، ووقف رئيس الجمهورية المصرية يعلن في صراحة وقوة قوية أن مصر لا تعبث ولا تريد أن تعبث باستقلالها، ولا تريد أن تكون صنيعة لدولة من الدول شرقية كانت أو غربية، ولا تريد أن تتبع هذه الكتلة أو تلك، ولا تريد إلا أن يكون استقلالها صريحًا صحيحًا، لا يذعن لقوة في الشرق ولا في الغرب، وشتان بين رئيس وزارة يأثم ويأتمر ويعتدي ويكذب ثم ينقلب عليه هذا كله فينهار، ورئيس جمهورية يصدق ويثبت ويمضي في طريق مستقيمة إلى الدفاع عن الحق والعدل واستقلال وطنه، وصدق الله ( وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ). -
من بعيد حيرة …
من بعيد: حيرة …
طه حسين
جريدة الجمهورية
٥ سبتمبر ١٩٥٦
وهم لا يحبون السلم؛ لأنه يضيع هيبتهم في الشرق العربي ويُطمع فيهم أممًا كانت منذ أعوام قليلة تسمع لهم وتُطيع، وهم بعد ذلك لا يفهمون الشرق العربي كما ينبغي أن يُفهم، ولا يعرفون مصر الحديثة كما ينبغي أن تُعرف. ما زالوا يفكرون في هذه الأيام كما كانوا يفكرون في القرن الماضي، ويقدِّرون أن مصر سترهبهم اليوم كما كانت ترهبهم من قبل، كأنهم لم يروا شيئًا ولم يعتبروا بما كان من الخطوب والأحداث.
كان إبطاء مصر في الرد على رئيس اللجنة التي أُلِّفت لتفاوض في أمر القناة يقضُّ مضاجع الساسة البريطانيين والفرنسيين، وكان أولئك وهؤلاء يكدون عقولهم ويحملون ذكاءهم أكثر مما يطيق؛ ليعرفوا أولًا هل يرد رئيس الجمهورية المصرية على كتاب اللجنة أو لا يرد، وليعرفوا ثانيًا بماذا يمكن أن يرد رئيس الجمهورية المصرية، أيقبل لقاء اللجنة أم يرفضه، وليعرفوا ثالثًا ماذا يفعلون إن رفض رئيس الجمهورية المصرية هذا اللقاء.
كانوا من كل ذلك في حيرة مظلمة، وكانت الصحف البريطانية والفرنسية تصوِّر هذه الحيرة أصدق تصوير، فتُبدئ وتعيد في فروض مختلفة لا تكاد تنقضي، ويناقض بعضها بعضًا فيما كان يُنشر من التنبُّؤات المتباينة التي لم تكن تدل إلا على أن الكتاب البريطانيين والفرنسيين لم يكونوا يشقون بالحيرة والشك أقل مما كان يشقى بهما الساسة في بريطانيا العظمى وفرنسا جميعًا، ولكن الرد المصري يصل إلى لندن ذات صباح، فتنجلي عن الساسة والصحفيين حيرة لتخلفها حيرة أخرى.
فقد كان رد مصر محيرًا حقًّا، كان موجزًا أشد الإيجاز، واضحًا أعظم الوضوح، لا يحتمل تأويلًا ولا تحليلًا، طلبت اللجنة إلى رئيس الجمهورية المصرية أن تلقاه فأجابها بأنه مستعد للقائها. ولكن هذا الجواب الموجز الواضح أضل رشد الصحفيين والساسة وأخرجهم من شك إلى شك، فالرد المصري لم يُشر من قريب ولا من بعيد إلى موضوع هذا اللقاء ولا إلى ما يمكن أن يجرى فيه من حديث.
ومن أجل ذلك ذهب الساسة والكتاب في تأويل هذا الرد مذاهب مختلفة أشد الاختلاف؛ رأى المتفائلون منهم أن مصر قد جَنَحت إلى السلم وآثرت أن تصل مع الغرب إلى كلمة سواء، ورأى المتشائمون أن وراء الأكمة ما وراءها، وأن هذا الإيجاز يُخفي شروطًا ستشترطها مصر قبل المفاوضة ويُخفي مشكلات ستثيرها مصر أثناء المفاوضة، وقوم آخرون توسطوا بين أولئك وهؤلاء، وجعلوا يَضربون أخماسًا لأسداس وأسداسًا لأخماس، ويقدرون أن رئيس الجمهورية المصرية يصطنع المماطلة ليكسب شيئًا من الوقت يستطيع فيه أن يحول بعض الدول الأوروبية عن فرنسا وبريطانيا العظمى، وأن يضطر هاتين الدولتين الأخيرتين إلى العزلة وإلى احتمال ما ينشأ من تشدُّدهما من تبعات.
وما زال الساسة والكتاب يتخبَّطون في هذه الحيرة المظلمة ويُلقون على أنفسهم وعلى الناس أسئلة كثيرة دون أن يجدوا عليها جوابًا، وسيظلون كذلك حتى يتم اللقاء الأول في القاهرة بعد ثلاثة أيام نعدُّها نحن أيامًا قصارًا ويعدونها هم أعوامًا طوالًا؛ لكثرة ما تكلِّفهم من الجهد وثقل ما تحملهم من العناء، وليس هذا كله هو مظهر الحيرة البريطانية الفرنسية، بل هناك مظهر آخر لهذه الحيرة.
ولكنه مظهر خطير بعيد الأثر فيما سيكون من الصلات المستقبلة بين الشرق العربي والغرب الأوروبي، فالبريطانيون والفرنسيون يريدون المفاوضة، وهم من أجل ذلك قد شاركوا في إنشاء هذه اللجنة التي ستُجري هذه المفاوضة، ولكنهم في الوقت نفسه يفرضون لهذه المفاوضة أساسًا يزعمون أنهم لن يتحولوا عنه مهما تكن الظروف، ويريدون أن يلزموا مصر قبوله إلزامًا، وهم من أجل ذلك يُرسلون لجنة تحمل أغصان الزيتون وتدعو إلى السلم والعافية والتعاون، ويقدمون بين يدي هذه اللجنة جنودًا وبنودًا وسفنًا وطائرات، وتختار فرنسا خاصة اليوم الذي يصل فيه رد مصر لتستأذن بريطانيا العظمى في إرسال جنودها إلى قبرص استعدادًا للطوارئ، وتأهبًا لحماية الفرنسيين في مصر إن تعرضت أشخاصهم أو مصالحهم للخطر. أما بريطانيا العظمى فماضية في التعبئة وإرسال الجنود في أثر الجنود استعدادًا لخطر أي خطر.
فالقوم إذن حائرون لا يدرون أيفاوضون أم يحاربون، أو هم إن شئت لا يريدون المفاوضة، وإنما يريدون أن يفرضوا سياستهم على مصر فرضًا، يريدون أن يُمْلُوا عليها هذه السياسة، ويخيرونها بين أن تقبل ما يُملى عليها؛ فتريح وتستريح وإن أهينت كرامتها وذل أبناؤها وقبلوا الضيم وهم صاغرون، وإما أن ترفض ما يُملى عليها؛ فتصب الحرب عليها صبًّا وتتعرض هي ويتعرض الأمن العالمي معها لشر يُعرف أوله ولا يُعرف آخره.
والقوم مع ذلك يعلنون ويلحُّون في الإعلان أنهم لا يريدون إلا السلم، وأن لجنتهم لا تحمل إلى مصر إنذارًا أو شيئًا يشبه الإنذار؛ هم لا ينذرون ولكنهم يحشدون الجنود في قبرص ومالطة، ويعدون أنفسهم للحرب، ويستطيع العقلاء أن يتخلصوا من كل هذا التخليط ما يشاءون. ولكن الواقع من أمر البريطانيين والفرنسيين أنهم حائرون لا يدرون ماذا يصنعون ولا يعرفون كيف يقولون، قد أسرفوا على أنفسهم في الوعيد والتهديد يوم أعلن تأميم القناة وسجل عليهم هذا الإسراف؛ فهم يكرهون أن يتراجعوا فيفقدوا الثقة بهم والإيمان بهم والاطمئنان إلى ما يبذلون من وعد ووعيد.
وحذرهم الأمريكيون وخوفهم الروسيون من إثارة الحرب، فهم لا يستطيعون أن يقدموا عليها فينفض من حولهم الأنصار وإذا هم يتورطون في شر عظيم لا يعرفون كيف يخرجون منه ولا كيف ينفذون من مشكلاته التي لا تُحصى. وهم من أجل ذلك يرسلون لجنتهم وفي إحدى يديها غصن الزيتون وفي اليد الأخرى نذير الحرب، دون أن يعرفوا حين يخلون إلى أنفسهم أيريدون حربًا أم سلمًا. هم لا يحبون الحرب لأنهم لا يقدِّرون عواقبها، وهم لا يحبون السلم لأنه يضيع هيبتهم في الشرق العربي ويُطمع فيهم أممًا كانت منذ أعوام قليلة تسمع لهم وتطيع، وهم بعد ذلك لا يفهمون الشرق العربي كما ينبغي أن يُفهم ولا يعرفون مصر الحديثة كما ينبغي أن تُعرف.
ما زالوا يفكِّرون في هذه الأيام كما كانوا يفكرون في القرن الماضي، وما زالوا يعتقدون أنهم قادرون على أن يُنذروا فيملئوا قلوب الناس رعبًا وفَرَقًا؛ فهم يرسلون جنودهم تخويفًا وإرهابًا ويقدرون أن مصر سترهبهم اليوم كما كانت ترهبهم من قبل، كأنهم لم يروا شيئًا ولم يسمعوا شيئًا، ولم يعتبروا بما كان من الخطوب والأحداث، لم تعتبر فرنسا بما أصابها في الهند الصينية وبما أصابها قبل ذلك في الشرق الأدنى وبما يصيبها الآن في شمال أفريقيا، ولم تعتبر بريطانيا بما أدركها من الخذلان في الهند وفي أقطار أخرى من الأرض وبما تتعرض له من الشر في قبرص هذه التي تُحشد فيها الجند لتخيف مصر والشرق العربي، مع أنها لا تستطيع أن تخوف قبرص نفسها، بل لا تستطيع أن تؤمن جندها من القبرصيين أنفسهم. ولكن القوم قد سجَّلوا على أنفسهم وعدًا بأن يحفظوا على المسهمين القدماء في شركة القناة القديمة ما كانت تغل عليهم القناة من ربح، وهم لا يعرفون كيف يبرون بهذا الوعد. وهم واثقون بأن المحافظين في فرنسا وبريطانيا العظمى لن يغفروا لهم تقصيرًا في خدمة رأس المال مهما تكن أسباب هذا التقصير، وهم من أجل ذلك يملئون الدنيا ضجيجًا وعجيجًا وتهويشًا، مستيقنين فيما بينهم وبين أنفسهم أنهم لن يظفروا بشيء مما يحبون، وأن مصر ستثبت لوعيدهم إن اكتفوا بالوعيد وستخوض حربهم إن فرضوا عليها الحرب.
وقد قلت حين قبض الأمريكيون والإنجليز أيديهم عن تمويل السد العالي: إن مصر تتعرض لامتحان خطير، فإما أن تثبت لكيد الغرب ومكره، فتقنع العالم كله بأنها جديرة بما حققت لنفسها من الاستقلال، وإما أن يدركها الضعف والوهن ويظهر في صفوفها الفشل والافتراق، فتقنع العالم كله بأنها لم تنضج بعد ولم تَصِرْ أهلًا للحياة العزيزة التي تعرف كيف تأبى الضيم.
قلت ذلك قبل تأميم القناة؛ فأما بعد تأميمها، وبعد هذا التحدي الذي تجاوز كل حد مألوف، وبعد أن طمع الإنجليز والفرنسيون في أن يملئوا قلوب المصريين فَرَقًا ورعبًا، وبعد أن جعل أولئك وهؤلاء يُعبِّئون الجنود ويرسلونهم إلى شرق البحر الأبيض المتوسط، وهيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن مغرق في نوم عميق كأن السلم لم يتعرض للخطر في هذا الجزء من أجزاء العالم، أما بعد هذا كله فقد أصبح الامتحان الذي يخضع له المصريون في هذه الأيام أشد قسوة وأعظم عنفًا، وأصبحت مصر مخيَّرة بين الاستقلال والعزة والكرامة مهما يكن ثمنها ومهما تكلِّفها من تضحية وبين العودة إلى احتلال بريطاني فرنسي أو إلى ما هو شر من الاحتلال البريطاني الفرنسي؛ وهو الوصاية الدولية على إرادة القناة، وأنا مطمئنٌّ كلَّ الاطمئنان إلى أن مصر ستختار فتُحسن الاختيار. -
الصلح مع إسرائيل
الصلح مع إسرائيل
طه حسين
جريدة الجمهورية
١٤ يونيو ١٩٥٦
لم يكن من جُناة تلك الحرب التي سيخذى لها جبين الإنسانية المتحضرة في يوم من الأيام القريبة، ولكنه اصطلى حَرَّها وبلى مُرَّها، كما بلته مئات كثيرة من ألوف الناس الذين لا ذنب لهم إلا أنهم عرب لم تُتَحْ لهم وسائل الذَّوْدِ عن حياضهم والاحتفاظ بحقهم في الحياة الكريمة التي تأذَّن اللَّه بأنه قد أسبغ نعمتها على الناس جميعًا، وقصَّر جيرانهم من العرب أو أخطأهم التوفيق حين خَفُّوا لنجدتهم فلم يبلغوا مما أرادوا شيئًا، ولم يحفظوا على إخوانهم المضيَّعين من حقهم في الحياة الكريمة قليلًا ولا كثيرًا.
لم يَجْنِ هذه الحرب، ولكنه ذاق آلامها مروِّعة، واحتمل أثقالها مُفْظِعَة، ثم خلا إلى نفسه بعد أن أُتيحت له العافية المُرة والسلامة التي لا يسعد بها أصحابها، فجعل يفكر فيما رأى ويتدبر ما أحس من لوعة، وما احتمل من شِقوة، وما بقي في نفسه وفي نفوس مئات الألوف الكثيرة من حسرات. جعل يفكر في هذا كله؛ لماذا كان؟! وكيف كان؟! وإلى أي عاقبة سينتهي به وبقومه وبالعرب أجمعين كل هذا الذي كان؟ وأطال التفكير في ذلك والتدبر له، وجعلت الليالي تمر والأيام تَكِرُّ والحسرات متصلة في نفسه وفي نفوس مئات الألوف الكثيرة من أبناء وطنه، تضنيها وتُعَنِّيها ولا يزيدها مر الليالي وكرُّ الأيام إلا لذعًا وإمضادًا، وهو وأمثاله من أبناء وطنه ثابتون لها صابرون عليها ولعلهم أن يستزيدوها لذعًا وإمضادًا؛ لأنهم حراص على أن يذكروا … على أن يذكروا كل شيء، وأن يذكروه دائمًا، وأن يُشْعِروه قلوبَ أبنائهم وبناتهم، وأن يملئوا به الأرض إن استطاعوا إلى أن يملئوها به سبيلًا، وأن يُبَلِّغُوه ضمائر الذين بقي لهم حظ من الشعور بالعدل والاستخذاء من الظلم الذي يقع في النهار المبصر على الأبرياء الذين لا ذنب لهم، إلا أنهم لا يملكون وسائل الدفاع عن أنفسهم. ثم لم يكتف بالتفكر والتدبر ولا بالتضور ألمًا لهذه الحسرات التي تقض مضجعه ومضاجع أمثاله من أبناء وطنه إذا أظلم الليل وتفرق نفسه ونفوس أمثاله إذا أضاء النهار.
لم يكتفِ بالتفكير والتدبر، ولكنه أراد — أو أُكرِه على أن يريد — الإعراب عن بعض ما يجب لعمل غيره من الذين يشاركونه في الإنسانية ويشاركونه في الشعور بحق الناس في العدل، وفي النفور من هذا الظلم الصارخ البشع الذي يُصَبُّ على الناس لغير ذنب إلا أنهم ضعفاء. لعل غيره من هؤلاء الناس يجدون بعض ما يجد ويَشْقَوْنَ ساعة من ليل أو ساعة من نهار بهذا الذي يشقى به ويشقى به أمثاله من أبناء وطنه ساعات الليل والنهار كلها.
أراد هذا كله فكتب، ولكنه لم يكتب شكاة إلى أحد ولا رجاة لأحد ولم يُصور قلمه هذه الزفرات التي تتأجج في قلبه وفي قلوب مئات الألوف الكثيرة من أمثاله، ولم يصور قلمه هذه الدموع الغزار التي تأبى العيون أن تفيض بها تجملًا وترفعًا، فتنصبُّ في القلوب كما يقول الشاعر العظيم جوته، ولكنها لا تنصبُّ في القلوب ماءً وإنما تنصب فيها نارًا، فتزيد ما يتأجج فيها من الزفرات قوة وإضرامًا.
لم يصور كتابه زفرات ولا دموعًا ولا حسرات أيضًا؛ لأنه لم يكتب بقلبه وحده ولا بضميره وحده، وإنما أشرك عقله فيما كتب وجعل لعقله السيطرة كاملة شاملة على قلبه وضميره، وآثر أن يتحدث إلى عقول الناس فأبلغَ وأدركَ أكثر مما أراد، تحدث إلى عقولهم فلم تُقَصِّر هذه العقول في أداء ما وعت إلى الضمائر والقلوب.
وإذا هو يُقنع العقول بأن الصلح مع الظالمين إجرام ما دام ظلمهم قائمًا، ويُشعر القلوب بأن من الخزي أن ترضى وقلوبٌ أخرى لإخوان لها تتحرَّق حزنًا وتتشقق لوعة وألمًا، وأقر في الضمائر أن الرضى بقصة فلسطين وظلم إسرائيل وأعوانها إنما هو مشاركة في الإثم ورضًى بما لا يرضى به إلا الذين برئوا من الإنسانية واستحقوا خزي الدنيا والآخرة جميعًا.
هذا هو الأثر أو بعض الأثر الذي تركتْه في نفسي قراءة كتاب الأستاذ عميد الإمام عن الصلح مع إسرائيل. قرأته مُستأْنِيًا، فكنت أشعر بالضيق أشد الضيق أثناء قراءته، وكنت أستحبُّ ما أجد من الضيق، وأطلب إلى صاحبي أن يزداد أناة في القراءة لأزداد استمتاعًا بهذا الضيق، إن صح أن الناس يستمتعون بما تجد نفوسهم وقلوبهم وضمائرهم من اللوعة والأسى. ثم فرغتُ من هذه القراءة، ولكني على اشتغالي بكتب أخرى كثيرة مختلفة، وعلى اشتغالي بما يضطرب فيه الناس من حياتهم وأمورها المعقدة، لم أَنْسَ هذا الكتاب ولم أُصرف عنه، وإنما ذكرته منذ قرأته وعدت إليه غير مرة أقرأ منه هذا الفصل أو ذاك، وربما عدت إليه فجعلت أقرأ فصوله كلها لأستحضر سائرها.
كنت أجد راحة مُمِضَّةً إلى هذا الكلام المُرِّ، وكنت وما زلت أتمنى أن يقرأه كل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وأن يقرأه الشباب خاصة والشباب الذين لم تتقدم بهم السن بنوع أخص؛ لينشئوا مع هذه الفكرة، فكرة الشعور بمرار الظلم والغضب للمظلومين حتى يتم لهم الإنصاف كاملًا موفورًا.
لم يعلمني هذا الكتاب شيئًا جديدًا؛ فقد كنت أعرف من قصة فلسطين ما يعرفه أمثالي من الناس، وكنت أجد من الأسى لأهل فلسطين ما يجد أمثالي من الناس، ولكني على ذلك أقرأ هذا الكتاب وأقرأ وأقرأ فلا أملُّ مرارته وإنما أستحبها. وهذه مَزِيَّة الكتاب الذي يصور العقل والقلب والضمير؛ لأن صاحبه قد كان صادقًا منذ أخذ في كتابته إلى أن فرغ منها.
ولا أعرف شيئًا أبلغ تأثيرًا في النفوس وأنفذ إلى أعماق الضمائر من صدق اللَّهجة حين يُتاح صدق اللَّهجة لكاتب من الكتاب، وأشهد لقد أُتيح للأستاذ عميد الإمام أن يكون صادق اللَّهجة في كل ما قال.
وأبرع ما في هذا الكتاب أن صاحبه استطاع أن يقهر عواطفه وأن يروِّض آلامه المُمِضَّة وآماله الحزينة المضطربة، وأن يكون موضوعيًّا كما يُقال في كل كلمة خطها قلمه في هذا الكتاب؛ فهو لا يتزيَّد ولا يتكثَّر ولا يرسل لقلمه العنان، وإنما يضبطه أشد الضبط ويجريه في أعظم التحفظ والاحتياط، فيستقصي حين يجب الاستقصاء ويحصي حين يَحْسُن الإحصاء، ويحلل ويعلل كلما احتاج البحث إلى التحليل والتعليل، ويتتبع الأمور من مصادرها الأولى إلى مواردها الأخيرة، ويَردُّ أعمال اليهود — والصهيونيين منهم خاصة — وأقوالهم وخواطرهم وهواجسهم إلى أصولها من العهد القديم والعهد الجديد، ويصور براعتهم وسعة حيلتهم في السعي والدأب وفي الكيد والمكر، وفي شراء العقول والضمائر بالمال حين يحتاجون إلى شرائها بالمال، وفي استغلال سلطان المال على الحكومات إلى أقصى حد، وفي انتهاز الفرص والانتفاع بما يصيبهم من المظالم وما يُصَبُّ عليهم من الآلام، وفي الاستزادة من المظالم والآلام لاستثارة الشفقة والرحمة حينًا ولترويع الضمائر وتفزيعها حينًا آخر.
يصور هذا كله في دقة أي دقة، وفي هدوء أي هدوء، كأن الأمر لا يمسه ولا يمس قومه من قريب أو بعيد، وكأنه يكتب في موضوع لا يعنيه إلا أن يؤديه إليك أداء صادقًا، ليتيح لك أن تحكم عليه حكمًا صادقًا، ثم ترتب على حكمك ما ينبغي أن ترتب عليه من النتائج حين تعمل وحين تقول.
ولِمَ لا أعترف بالحق فأقول إني لم أكن أعرف صاحب هذا الكتاب، وكنت أظنه مواطنًا مصريًّا ولد ونشأ في مصر، وكنت أعجب بما أتيح له في هذا الكتاب من التوفيق بين البحث الدقيق الموضوعي والشعور الحاد العاطفي وما نشأ عن ذلك من صدق اللَّهجة وحسن المدخل إلى العقول والقلوب جميعًا.
فلما عرفت بِأَخَرَةٍ أن صاحب الكتاب فلسطيني شهد المأساة واصطلى نارها، ازداد إعجابي بهذا الذي عرف كيف يكتم ألمه ويكظم غيظه ويملك نفسه ويؤدي إلينا هذا الكتاب في هذه الأناة وفي هذا الهدوء وفي هذا الصدق العجيب.
ولست أدري أأهنئ الأستاذ عميد الإمام بهذا الكتاب الرائع البارع، أم أَسْتَأْنِي بالتهنئة لعل اللَّه يُتيح لنا يومًا من الأيام نهنئه ونهنئ إخوانه فيه بما هو أبلغ وأشد روعة من هذا الكتاب، بالنصر الذي يرد على الفلسطينيين حقهم ويرد على العرب كرامتهم ويعصم الإنسانية من هذا الخزي البغيض، ولكن على كل حال أهدي إليه أصدق الشكر وأجمله لأنه أتاح لي هذه المتعة المُرَّة بقراءة كتابه الممتع المر.