Tag: Geopolitics

  • طبيعة الأشياء

    طبيعة الأشياء
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ١٥ فبراير ١٩٤٥

    وأخيرًا أصدر الثلاثة الذين اجتمعوا في القرم بيانهم المشترك بعد أن طال انتظار اجتماعهم أولًا، وبعد أن طال انتظار قراراتهم ثانيًا. فأما الاجتماع فلم يكن شيئًا يسيرًا؛ فقد دعا إليه رئيس الوزارة البريطانية منذ شهور، وألح في الدعوة إليه حتى خيِّل إلى العالم أن أموره لن تستقيم إلَّا إذا عُقد هذا الاجتماع. وكان رئيس الولايات المتحدة الأمريكية مشغولًا بانتخابات الرياسة في وطنه، وكان رئيس الحكومة الروسية مشغولًا بإحراز الانتصارات الهائلة الرائعة التي أحرزها الجيش الأحمر وما زال يحرزها إلى الآن. ثم تمت الانتخابات، وزُلِّلت المصاعب، ويُسِّرت الأمور، واجتمع الأقطاب، وجعل العالم ينتظر ما سيتكشف عنه الاجتماع.

    وقد تكشف الاجتماع عن نوعين من القرارات؛ أحدهما: خطير كل الخطورة له أبعد الأثر في مصير العالم، ولكنه مجهول كل الجهل، سيعلمه الناس شيئًا فشيئًا مع الشمس التي تطلع، ومع الشمس التي تغيب. وهو هذه القرارات التي تتصل بتنظيم خطط الحرب حتى تتم الهزيمة الألمانية، وحتى يمحق النظام محقًا، ويسحق النظام العسكري الألماني سحقًا، وتصير ألمانيا إلى حال من العجز يمنعها من إزعاج العالم مرة أخرى بهذه الحروب المنكرة التي تثيرها من حين إلى حين.

    وما دام الثلاثة قد قرروا أن خططهم هذه لن تعلن إلَّا وقت تنفيذها؛ فلن يستطيع العالم إلَّا أن يمضي في انتظار الأخبار التي يخفق بها البرق، ويضطرب بها الجو، وتنشرها الصحف، ويذيعها الراديو كشأنه منذ شبت هذه الحرب. ومن يدري لعل الخير في هذا الانتظار. وقد تعلَّم النوع الإنساني في هذه الأعوام الخمسة ألوانًا من الانتظار وضروبًا من المفاجأة، فلن يضيره أن ينتظر، ولن تخرجه المفاجآت عن طوره.

    أمَّا النوع الثاني من القرارات، فمعلوم كل العلم أو بعضه، وهو واضح الاتجاهات على كل حال وضوحًا كافيًا، ولكن الغريب أنه لم يعلم الناس شيئًا، ولم يحدث في نفوسهم حتى هذا الاضطراب العنيف أو الخفيف الذي تحدثه الأنباء ذات الخطر، كأنما كان العالم ينتظر مطمئنًا أن ينتهي الثلاثة إلى هذه القرارات السياسية التي أصدروها؛ لأن طبيعة الأشياء كانت تفرض عليهم أن يُصدروها كما هي.

    وقد لاحظ الرأي العام العالمي قبل كل شيء أن الدول الثلاث الكبرى أغرقت في تشجيع فرنسا، والاعتراف بمركزها الخطير، وبأنها يجب أن تسترد مكانتها القديمة بين الدول المنظمة لشئون العالم، ثم لاحظ الرأي العام العالمي أن بين هذا الإغراق في تشجيع فرنسا وبين الحقائق الواقعة أمرًا بعيدًا. فلم تدع فرنسا إلى هذا الاجتماع الذي وضع الأسس الأولى لتنظيم العالم. وإنما ظلت منتظرة متحفظة حتى انتهى الاجتماع، وقرر الثلاثة أن فرنسا تستطيع أن تشترك في الاجتماعات المقبلة التي سيعقدها وزراء الخارجية، أو التي سيعقدها السفراء. ومن قبل ذلك، لاحظ الرأي العام العالمي أن الصين هي الدولة الرابعة أثناء غيبة فرنسا حين كان العدو يحتل أرضها، وأنه كان يقال: إن الصين ستشترك في تنظيم العالم، ووضع أسس السلام، ثم لاحظ الرأي العام العالمي أن الصين غابت عن اجتماع الثلاثة كما غابت عنه فرنسا، وأنها ستُدعى بعد هذا الاجتماع كما ستُدعى فرنسا إلى الاجتماعات الأخرى، أمَّا بقية الأمم المتحدة فستُدعى إلى نوع ثالث من الاجتماعات.

    ومعنى ذلك أن هناك طبقات ثلاثًا للدول: الطبقة الأولى تتألف من الدول الثلاث التي اجتمع رؤساؤها في القرم، الطبقة الثانية تتألف من هذه الدول الثلاث على أن تضاف إليها فرنسا والصين، الطبقة الثالثة تتألف من الأمم المتحدة جميعًا. وقد يكون في هذا شيء مما يؤذي الخلق، ويخيب الأمل، مما أشرت إليه في الحديث الماضي من هذه الأهوال الهائلة التي احتملتها فرنسا والصين وغيرهما من الأمم المحاربة، والتي كانت تستحق تقديرًا أكثر من التقدير الذي ظهر إلى الآن، ولكن هذا الوضع الذي تكشف عنه اجتماع الثلاثة في القرم ملائم كل الملاءمة لطبيعة الأشياء في هذا الوقت على أقل تقدير.

    وطبيعة الأشياء لم تُعط على نفسها عهدًا لئلا تؤذي الخلق، ولا تخيب الأمل من قريب أو بعيد، وطبيعة الأشياء واضحة جدًّا، فأعباء الحرب في هذه الأيام إنما تنهض بها هذه الدول الثلاث. ومن عزَّ بزَّ كما يقول المثل العربي القديم.

    وما دامت الجيوش الروسية تحرر ما تحرر من الأمم، وتجتاح ما تجتاح من الأرض، وما دامت الجيوش البريطانية والأمريكية تقاتل في خطوط سيجفريد، وتصب الهول على ألمانيا، وما دامت الأساطيل البريطانية الأمريكية تحمي طرق البحار، فرؤساء هذه الدول الثلاث هم الذين يستطيعون أن يقضوا في أمور العالم، سواء حضر العالم هذا القضاء أو غاب عنه.

    وطبيعة الأشياء قد تتغير فتقوى فرنسا بعد ضعف، ويصبح لها جيش وأسطول يحسب لهما حساب، ويومئذ تستطيع فرنسا أن تشترك في القضاء والحكم ووضع النظام؟

    وهناك شيء آخر ملائم لطبيعة الأشياء كل الملاءمة، وهو أن القرارات السياسية التي أصدرها الثلاثة في القرم لم تصادف رضًا خالصًا من قلوب الشعوب التي لم تشهد هذا الاجتماع. ففرنسا مثلًا لم تنس مكانها القديم، ولا تضحياتها الهائلة، ولا آمالها الكبرى، ولا ثقتها بالمستقبل، وهي من أجل ذلك لم تتلق هذه القرارات راضية عنها كل الرضا، وإنما أعلنت أنها ستأخذ منها ما يلائمها، وستتحفظ فيما عدا ذلك.

    فقد قرر الثلاثة دعوتها إلى الاشتراك في احتلال ألمانيا — وهي تقبل هذا الاشتراك بطبيعة الحال — وقرروا دعوتها إلى الاشتراك في اللجنة التي ستشرف على شئون هذا الاحتلال، فهي تقبل هذا الاشتراك أيضًا، ولكنها تتحفظ في قبول ما دعيت إليه غير ذلك إلى أن تدرس وتستقصي وتتبين الأساس كما كنَّا نقول منذ حين. فهي مثلًا لا تريد أن تشترك في الدعوة إلى مؤتمر الأمن العالمي الذي سيعقد في أبريل المقبل إلَّا بعد الدرس والاستقصاء وتحديد الأساس.

    وليس الأمر مقصورًا على فرنسا، فالحكومة البولندية في لندرة ساخطة كل السخط، منكرة كل الإنكار، والرأي العام في أمريكا يظهر مشاركة لها في هذا السخط والإنكار، ولكن أمر الحكومة البولندية في لندرة يسير جدًّا، فقد أظهر المستر تشرشل منذ زمن بعيد أن من الحق عليها أن تقبل ما طلبته روسيا من تعديل الحدود، ولكنها لم تفعل، فناب عنها الثلاثة في هذا القبول.

    ومن المرجح أنهم لم يفعلوا إلَّا عن بصيرة بعد أن تبينوا إرادة الشعب البولندي، ويقال: إن إيطاليا تشعر بشيءٍ من خيبة الأمل، ولكن إيطاليا أمةٌ مغلوبةٌ، فليس عليها بأس من خيبة الأمل، بل ذلك قد يكون أيسر ما ينتظرها من العقاب.

    وقد نظَّم الثلاثة شئون يوجسلافيا على النحو المعروف، فلم يبق بدٌّ من تنفيذ الاتفاق الذي تم بين روسيا وبين الماريشال تيتو وحكومة المسيو سوبازيك، وقد أخذ في تنفيذ هذا الاتفاق بالفعل، والشيء الواضح هو أن الدول الثلاث قررت أن تمكن الشعوب المحررة، أو التي خرجت أو أخرجت من حلف المحور من أن تختار نظام الحكم الذي تريد أن تحكم عليه بواسطة الانتخاب الحر، وحتى ولو احتاجت إلى أن تشرف إشرافًا فعليًّا في هذا الانتخاب، فستبين الأيام إلى أي حد توفق الدول الثلاث إلى ما تريد من إرضاء الشعوب.

    وهناك شيءٌ آخر ليس أقل وضوحًا من كل ما مضى، وهو أن الدول الثلاث لم تهتم إلَّا بأوروبا المغلوبة والمحررة. فأمَّا الدول المحايدة أو التي كانت تتكلف الحياد، فلم يتخذ الثلاثة بشأنها قرارًا، وأمَّا الدول التي ساعدت الحلفاء، وتعرضت للخطر في سبيل هذه المساعدة، وذاقت مرارة الحرب، واحتملت أثقالها في شرق البحر الأبيض المتوسط مثلًا، فلم يتعرض لها الثلاثة فيما أصدروا من القرارات. وأكبر الظن أنهم تعرضوا للأمور التي لم يكونوا يستطيعون أن يهملوها. فأمَّا الأمور التي تستطيع أن تنتظر، أو تحمل نفسها في يسر وفي حدود ما يسمُّونه مناطق النفوذ؛ فليس من الضروري أن تدرس في القرم، أو أن يشغل الثلاثة بها أنفسهم.

    ولذلك مضى العالمُ في سنة ١٩٤٥ كما كان يمضي من قبل، يقضي في أمره أولو القوة وأصحاب الحل والعقد على مقدار طبقاتهم ومراتبهم من القوة، ومن الحل والعقد أيضًا. والشيء المهم هو أن العالم سيستمتع قطعًا بما ضمَّنه ميثاق الأطلنطي للشعوب من اختيار نظم الحكم، ومن أن تعيش في أمن من الظلم والخوف والجوع.

    وفي أثناء هذا التطور الذي أحدثه اجتماع الثلاثة في القرم طبقًا لطبيعة الأشياء؛ جاءت الأنباء بأن السلم قد استقر في بلاد اليونان آخر الأمر، وبأن الأحكام العرفية قد ألغيت في بلاد اليونان، وهي جزء من أوروبا، ليس بينها وبين ميادين الحرب البحر الأبيض المتوسط؛ فلنهنئ اليونان بما اكتسبوا من سلم وأمن، ولنتمنَّ لهم مخلصين ما هم أهل له من مجد وعز وكرامة.

    وفي أثناء هذا التطور أيضًا جاءت الأنباء بأن الجنرال سبيرس، الوزير السابق لبريطانيا العظمى، وهو في مجلس العموم البريطاني أهتم بمشكلات الشرق الأدنى، وأهم من ذلك أنه استطاع أن يُؤلِّف من كثير من أعضاء البرلمان البريطاني لجنة لشئون الشرق الأدنى تدرس وتعمل وتتكلم وتسعى برياسته.

    وقد عرفت مصر بين الحربين هذه اللجان التي تؤلف في البرلمان البريطاني لدرس الشئون الخارجية بطريقة غير رسمية. فلها خطرها من غير شك؛ لأنها تنشر الدعوة، وتبصر الرأي العام، ولكن الخطأ كل الخطأ أن نغلو في تقدير آثار مثل هذه اللجان، وأن نتخذ أعمالها وأقوالها أساسًا لما نقرر من خطة، أو نعتقد من رأي، أو نداعب من أمل.

    وإذا كان من الحق على الذين يقودون الرأي العام في بلاد الشرق العربي أن يعرفوا حقائق الأشياء، ويبصروا بها قومهم؛ فإني أعتقد أن حقيقة واحدة يجب أن تظل ماثلة دائمة أمامهم، وهي أن العالم سيمضي اليوم وغدًا كما مضى أمس وأول أمس، وأن الشاعر العربي القديم لم يخطئ حين قال:

    وكنت إذا قوم رموني رميتهم فهل أنا في ذا يال همدان ظالم

    متى تجمع القلب الذكي وصارمًا وأنفًا حميًّا تجتنبك المظالمُ

  • العاقبة

    العاقبة
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ١٨ يناير ١٩٤٥

    كانت مدينة فارسوفيا أول عاصمة من عواصم الحلفاء احتلتها ألمانيا بعد حربها الخاطفة في سبتمبر سنة ١٩٣٩. وقد أعلن الماريشال ستالين أمس أنها حُرِّرت، وأن الألمان قد أُخرِجوا منها.

    وفيما بين ذلك احتملت مدينة فارسوفيا من الآلام والأهوال والكوارث ما لا يستطيع العقل أن يتصوره، ولا يستطيع القلم أن يُصوِّره. وقد ثارت فارسوفيا غير مرة فقُمِعت فيها الثورة قمعًا عنيفًا، وكان آخر عهدها بالثورة في أغسطس الماضي حين انتصر الحلفاء في غرب أوروبا، وأخذت فرنسا في تحرير نفسها بمعونة حلفائها. في كل ذلك الوقت كان الروس ينتصرون في شرق أوروبا، وهمَّت بولندا أن تسير سيرة حليفتها الغربية فتحرر نفسها بمعونة حلفائها الروس، كما تحرر فرنسا نفسها بمعونة البريطانيين والأمريكيين. وثارت فارسوفيا لتحرر نفسها كما ثارت باريس لنفس هذا الغرض، ولكن الأمر كان يختلف بين فرنسا وبولندا اختلافًا عظيمًا؛ فلم يكن في فرنسا انقسام ولا افتراق ولا تبادل في الأهواء والميول، ولم يكن لفرنسا إلَّا حكومةٌ واحدةٌ هي حكومة الجنرال ديجول.

    أقبل رئيسها من أفريقيا الشمالية فشهد الثورة وشارك فيها، وأشرف على أعمال التحرير من قريب. أمَّا بولندا فقد كانت لها حكومة مقيمة في لندرة متصلة بالشعب البولندي، وكانت لها لجنة تحرير مقيمة في لوبلن متصلة بالشعب البولندي أيضًا.

    وكان الاختلاف بين الحكومة واللجنة واضحًا بعيد المدى، فكان انقسام الشعب البولندي ملائمًا لهذا الاختلاف، وكان من الطبيعي أن يجد تحرير بولندا من المصاعب والعقبات ما لم يجد تحرير فرنسا.

    ولم يكن بين فرنسا وحلفائها خلاف في حقائق الأشياء ودقائقها، فمضت فرنسا إلى غايتها، ومضى معها الحلفاء إلى غايتهم. أمَّا الحكومة البولندية المقيمة في لندرة، فقد كان الخلاف بينها وبين الحكومة الروسية عنيفًا عميقًا، نشأ قبل أن تُثار مسألة الحدود، ثم أُثيرت مسألة الحدود فازداد سعةً وعمقًا. والناس جميعًا يعلمون أن العلاقات السياسية قُطِعت بين الدولتين قبل أن تُثار مسألة الحدود. وبمقدار ما كان من الاختلاف بين الحكومة البولندية المقيمة في لندرة وحكومة موسكو، كان الاتفاق بين لجنة لوبلين والحكومة الروسية في موسكو.

    فليس غريبًا أن تخفق الثورة البولندية، وليس غريبًا أن تخفق المحاولات الرائعة التي بذلها أهل فارسوفيا ليحرروا عاصمتهم؛ فكل هذا الاختلاف كان خليقًا أن يُضيِّع الجهود، وأن يبعد الشقة بين الخطط التي كان يرسمها الروسيون للحرب، والخطط التي كان يرسمها البولنديون للتحرير.

    ومهما يكن من شك، فقد كان إخفاق فارسوفيا في الصيف الماضي كارثة ليست أقل خطرًا ولا هولًا من احتلال فارسوفيا سنة ١٩٣٩، والناس جميعًا يعرفون الجهود الهائلة التي بذلتها بريطانيا العظمى للتوفيق بين الحكومة البولندية المقيمة في لندرة والحكومة الروسية، ويعرفون أن هذه الجهود قد أخفقت بعد أن كادت تنتهي إلى غايتها. وفي أثناء ذلك عَظُم النفوذ الذي كانت تستمتع به لجنة لوبلين، حتى أعلنت هذه اللجنة أنها أصبحت حكومة مؤقتة، ثم اعترفت بها روسيا، ثم كان هذا الهجوم الهائل الخاطف الذي بدأته روسيا منذ أيام، وإذا هي تكتسح به أجزاء واسعة من أرض بولندا، وتحرر العاصمة، وتحرر مدينة كراكوف ومدنًا وقرًى أخرى لا تُحصى.

    وليس من شك في أن روسيا لم تبدأ هجومها هذا إلَّا وقد استوثقت من حكومة لوبلين واتفقت معها، وتحقق بينها وبين هذه الحكومة والشعب البولندي هذا التعاون الذي لا بدَّ منه لإنجاح الأعمال العسكرية الخطيرة.

    والذي يعنينا الآن هو أن هذا الفوز الذي ظفرت به روسيا أمس قد ردَّ إلى بولندا عاصمتها المجيدة. وأكبر الظن أن هذا الهجوم لن يقف قبل أن يتم تحرير بولندا كلها. فستنقل الحكومة المؤقتة إذن من لوبلين إلى فارسوفيا، وستباشر سلطتها على جميع الأرض البولندية متعاونةً مع روسيا حتى تضع الحرب أوزارها، وستزداد المشكلة البولندية بين الحلفاء بهذا الانتصار وما سيتبعه من النتائج صعوبةً وتعقيدًا؛ فالروسيون هم الذين حرروا بولندا، وحكومة لوبلين هي التي يسَّرت هذا التحرير وأعانت عليه، والروسيون يعترفون بحكومة لوبلين وينكرون الحكومة المقيمة في لندرة، وحكومة لوبلين مستقرة في أرض الوطن، وستنتقل إلى عاصمته وتباشر منها سلطتها الشاملة.

    فهذه هي سياسة الحقائق الواقعة، وسياسة الحقائق التي تؤيدها القوة الساحقة الماحقة، ولكن الحكومة المقيمة في لندن هي التي يعترف بها الحلفاء البريطانيون والأمريكيون وغيرهم من الأمم المتحدة، وهي تعتمد على أنها الحكومة الدستورية، ولها جيوش تعمل في ميادين الحرب المختلفة، فكيف يكون التوفيق بين هاتين الحكومتين البولنديتين من جهة، وبين الحكومة المقيمة في لندرة، وحكومة موسكو من جهة أخرى؟ هذه هي المشكلة الخطيرة التي سيواجهها اجتماع الثلاثة أو اجتماع الأربعة الذي سينعقد في وقت قريب. وليس من شك في أن المارشال ستالين سيشهد هذا الاجتماع، وسيعالج فيه هذه المشكلة وقد ملأ يديه فوزًا وانتصارًا.

    وللسياسة تقلباتها وأطوارها المختلفة المتباينة، ولكن مِن وراء هذه التقلبات، بل فوق هذه التقلبات وحقائقها الواقعة حقائق أخرى معنوية أعظم منها خطرًا، وأبقى منها أثرًا؛ وهي أن الشعب البولندي قد ذاق ألوان العذاب، واحتمل من الخطوب ما يطاق وما لا يطاق، ولكنه صبر وصابر حتى أتيح له الفوز ورُدَّت إليه الحرية، وتأذن الله أن العاقبة دائمًا للصابرين الذين لا يفشلون، ولا يهنون، ولا ييأسون من روح الله.

    وإذا كانت المشكلة البولندية شديدة التعقيد، فإن المشكلة اليونانية لم تُحل بعد، ويظهر أن حلها ليس قريبًا؛ فقد عقدت الهدنة بين الثائرين والإنجليز، ولكنها لم تُعقد بين هؤلاء الثائرين والحكومة اليونانية الجديدة، ويظهر أن الاتفاق بين أولئك وهؤلاء ليس يسيرًا؛ فالثائرون يريدون من الحرية والنظم الاجتماعية ما قد يميل غيرهم إلى مقاومته جهرًا أو سرًّا، والبريطانيون بين أولئك وهؤلاء يريدون أن يجدوا سبيلًا إلى التوفيق، والبرلمان البريطاني يشدد على حكومته في أن تلتزم الحيدة المطلقة على أقل تقدير.

    وآية ذلك هذه المناقشة العنيفة التي اتصلت أمس في مجلس العموم، والتي لم يخلص منها وزير الخارجية إلَّا بإحالة على المناقشات التي ستدور اليوم، والتي سيتكلم فيها رئيس الوزراء، فلننتظر نحن أيضًا هذه المناقشة، على أن هناك مشكلة ثالثة معقدة كمشكلة بولندا واليونان، وهي مشكلة يوجوسلافيا؛ فقد أبى الملك بطرس، ملك هذه البلاد، إقرار الاتفاق بين رئيس وزرائها والمارشال تيتو، وأبى تعيين مجلس الوصاية، ولكن وزراءه خالفوه وأعلنوا أن البلاغ الذي أصدره منكرًا فيه هذا الاتفاق مخالفٌ للدستور؛ لأن الملك لا يستطيع أن يُمضِيَ شيئًا إلَّا إذا أمضاه معه الوزراء والمسئولون.

    فليس إذن الخلاف بين الملك والماريشال تيتو فحسب، ولكنه بين الملك ووزرائه، والوزراء لم يستقيلوا، إنما أقروا رئيسهم على اتفاقه، وأصروا على تنفيذ هذا الاتفاق. وقد تدخلت الحكومة البريطانية بين الملك ووزرائه، وأكبر الظن أنها ستقنع الملك بقبول ما يعرض عليه. وقد كان بعض النوَّاب البريطانيين يأخذ المستر تشرشل في شيء من الدعابة العنيفة بأنه يغلو في محاباة الملوك على حساب شعوبهم؛ فقد ظهر أن المستر تشرشل سيقيم البرهان لخصومه على أنه لم يتردد في تأييد الشعوب على حساب ملوكها حين تقتضي مصلحة الحرب والسلم والمصالح البريطانية هذا التأييد، فهو قد أقنع ملك اليونان بقبول وصاية البطريرك، وهو يحاول إقناع ملك يوجسلافيا بقبول نظام الوصاية.

    والشيء الذي ليس فيه شك هو أن حوادث السياسة تحدث وتتعقد ويركب بعضها بعضًا، حتى يكاد الناظرون في أمور العالم أن يستيئسوا من حلها، ولكن يدًا خفية تدبر هذه الحلول وتظهرها شيئًا فشيئًا حتى تفرض نفسها على الناس والساسة فرضًا. وهذه اليد الخفية هي يد الحق والعدل اللذين يأبيان إلَّا أن تكون العاقبة للشعوب حين تجاهد وتصبر وتحتمل ما يُصَبُّ عليها من الهول، ثم تريد بعد ذلك أن تجني ثمرة الجهاد، وأن تجنيها كاملةً حلوةً لا يشوبها شيء من المرارة مهما يَقُم في سبيلها من المصاعب والعقبات.

  • الخطوة الأخيرة

    الخطوة الأخيرة
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ١١ يناير ١٩٤٥

    لم يستطع هذا العنف الهائل الذي انتهت إليه الحرب في غرب أوروبا ووسطها أثناء هذه الأسابيع، أن يصرف المتتبعين لشئون السياسة عن التفكير المتصل المُلِحِّ في المشكلات التي نشأت وما تزال تنشأ عن تحرير البلاد الأوروبية المحررة؛ لأن هذه المشكلات ليست أوهامًا يُشغَل بها الذهن، فيمكن أن يُصرَف عنها حين تعرض الحوادث وتلم الخطوب، وليست فروضًا يجد العقل في تصورها والتماس المخرج منها شيئًا من هذه اللذة العقلية التي يعمد إليها المفكرون في أوقات الفراغ، وإنما هي حقائق ماثلة تعلن نفسها إلى الناس، وتفرض نفسها عليهم، وتخيرهم بين أن يواجهوها مخلصين ليجدوا لها الحلول الملائمة وبين أن يدوروا حولها يلتمسون لها الحلول المعوجة، فلا ينتج ذلك إلَّا ازدياد القلق واشتداد الخوف وارتباك الأمور.

    وقد أشرت في الأسبوع الماضي إلى هذا الاجتماع الذي يُهيَّأ له بين المستر روزفلت والمستر تشرشل والماريشال ستالين، وإلى أن هذا الاجتماع سيواجه المشكلات الخطيرة التي تشغل أوروبا في هذه الأيام، وتختلف فيها الآراء اختلافًا شديدًا، فقد ظهر في هذا الأسبوع نوع من التفكير في أن يصبح هذا الاجتماع رباعيًّا لا ثلاثيًّا، وأن تُمثَّل فيه فرنسا ما دامت قد استردَّتْ مكانتها الممتازة بين الدول الكبرى، وما دامت هذه الدول الكبرى نفسها قد اعترفت لها بهذه المكانة، وما دامت فرنسا قد أمضت موثق الأمم المتحدة في أول هذا العام.

    والظاهر أن هذه الفكرة كانت مستقرة في نفس الفرنسيين، يطمحون إليها ويصرون عليها، ولكنهم ينتظرون الفرصة الملائمة لإعلانها والمطالبة بها.

    وقد سنحت هذه الفرصة أخيرًا بإمضاء فرنسا موثق الأمم المتحدة أولًا، وبزيارة المستر تشرشل فرنسا للمرة الثانية بعد الاعتراف بالحكومة المؤقتة ومقابلته للجنرال ديجول في آخر الأسبوع الماضي، واشتراك الجنرال ديجول في المحادثات العسكرية التي دارت في باريس، وبعد أن تحقق البريطانيون والأمريكيون أن الحرب لا يمكن أن تمضي في طريقها المرسومة لها والمنتهية بها إلى الفوز دون أن تشترك فيها فرنسا اشتراكًا قويًّا يلائم مكانتها، ويلائم حاجتها، ويلائم آمالها في تنظيم السلم.

    وقد تم كل هذا، واتفق البريطانيون والأمريكيون على أن يمدوا فرنسا بكل ما تحتاج إليه من الأسلحة والأدوات ليكون لها الجيش العظيم الذي كان لها من قبل، واقتسم البريطانيون والأمريكيون فيما بينهم هذا التموين الحربي، فستنهض أمريكا بإمداد فرنسا بالأسلحة الثقيلة، وستنهض إنجلترا بإمدادها بالأسلحة الخفيفة وما يحتاج الجند إليه من كساء وغذاء.

    وقررت فرنسا نفسها تعبئة الفرنسيين، بحيث لا تنتهي أشهر قليلة حتى يزيد جيشها على المليون، والمحقق أن فرنسا سيكون لها حسب هذا الاتفاق في الأسابيع القليلة المقبلة جيش لا يقل عن أربعين فرقة.

    ومعنى هذا كله أن فرنسا قد أصبحت تحتل المكانة السياسية التي كانت تحتلها قبل الكارثة، وهي ستحتل بعد أسابيع المكانة العسكرية التي كانت لها من قبل. وإذن فلا ينبغي أن يُقضَى في أمر العالم وهي غائبة؛ لأن غيابها يجعل هذا القضاء مشكوكًا في قيمته كل الشك.

    وقد اعترف الحلفاء منذ وقت طويل بحق فرنسا الكامل في أن تشارك في حل المشكلات التي تتصل بألمانيا بعد الصلح، وبحقها الكامل في كل ما تحتاج إليه سلامتها من الضمانات المتصلة بألمانيا، ولكن هذا يكفي لدولة تريد أن تعيش آمنة مطمئنة كريمة ليس غير. فأمَّا إذا أرادت هذه الدولة ألَّا تؤثِر نفسها بالأمن والطمأنينة، وأن تشارك في احتمال التبعات العالمية الكبرى لتكفل الأمن والطمأنينة للعالم كله؛ فلا بد من أن تنهض بمثل ما تنهض به بريطانيا العظمى، وأمريكا، وروسيا من الأعباء.

    وهذا هو الذي تريده فرنسا لأنه طبيعتها الثانية، ولأنه ملائم كل الملاءمة لمزاجها السياسي الذي لا يحب الأثرة ولا يحب التخلف، ثم لأن فرنسا لا تعرف عصرًا من عصور تاريخها الطويل تخلفت فيه عن النهوض بالأعباء العالمية الكبرى. ولذلك لم يكد يظهر الاتفاق الأخير على إمداد فرنسا بما تحتاج إليه من الأسلحة حتى ظهر في أمريكا التفكير في دعوة فرنسا إلى الاجتماع المقبل بين الرؤساء الثلاثة، ثم ظهر هذا التفكير في فرنسا نفسها، وجعل الفرنسيون يتحدثون به ويلحون فيه، وأعلن بعض ساستهم في الراديو أمس أن اجتماع الرؤساء الثلاثة لن ينتج ما يُنتظَر منه إذا لم تشترك فيه فرنسا؛ لأن فرنسا عنصر أساسي من عناصر الحرب والسلم، ولأن فرنسا هي العنصر الذي يستطيع أن يُقرِّب بين وجهات النظر المختلفة التي ستنشأ قطعًا بين الرؤساء حين تُعرَض المشكلات الكبرى للبحث والتمحيص.

    وأكبر الظن أن روسيا ستؤيد فرنسا في تحقيق ما تطمح إليه بحكم ما بينهما من الحلف والمودة، وأكبر الظن أيضًا أن البريطانيين والأمريكيين لن يمانعوا في ذلك لأنهم يُقدِّرون حاجة العالم إلى معاونة فرنسا، ويُقدِّرون المشكلات الخطيرة التي تنشأ عن تخلف فرنسا واعتزالها، وهم قد أظهروا من العطف على فرنسا أثناء محنتها ومن تأييدها منذ حُرِّرَتْ ما يكفل الثقة بأنهم سيعينونها على أن تخطو الخطوة الأخيرة لتسترد مكانتها التقليدية غير منقوصة.

    والواقع أن الرؤساء الثلاثة سيعرضون لمشكلات لا سبيل إلى حلها دون أن تقول فرنسا فيها كلمتها؛ ففرنسا دولة عظيمة من دول البحر الأبيض المتوسط، فلا يمكن أن تُحَلَّ مشكلة اليونان دون أن تشترك فرنسا في حلها، وقد كانت فرنسا ضامنة لاستقلال اليونان قبل الحرب. ولا يمكن أن تُحَل مشكلة يوجسلافيا دون أن تقول فرنسا فيها كلمتها، وقد كانت فرنسا حليفة ليوجسلافيا قبل الحرب. وليست مشكلة يوجسلافيا بأقل تعقيدًا من مشكلة اليونان، وقد أخذت هذه المشكلة تظهر شديدة التعقيد في اليومين الأخيرين حين قابل المستر تشرشل ومعه المستر إيدن ملك يوجسلافيا لمناقشته في الأمور الخطيرة التي تم عليها الاتفاق بين وزارته والماريشال تيتو وأقرتها روسيا، والتي تحتاج إلى أن ينشأ في يوجسلافيا نظام وصاية كالذي أُنْشِئَ في اليونان حتى يتم استفتاء الشعب في نظام الحكم الذي يرضاه.

    وقد قَبِلَ مَلِكُ اليونانِ نظامَ الوصاية، وأُنْشِئَ هذا النظام منذ أسبوع، ومن المرجح أن يقبل ملك يوجسلافيا نظام الوصاية أيضًا، ومن المرجح أن ينشأ هذه النظام في الأيام المقبلة. ولكن إنشاء نظام الوصاية في اليونان ويوجسلافيا لا يحل المشكلات اليونانية واليوجسلافية، وإنما يُمَهِّد لحلها. فلا بد إذن من أن تُدرَس هذه المشكلات في اجتماع الرؤساء، ومن أن تشترك فرنسا في درسها.

    وسيدرس الرؤساء في اجتماعهم مشكلة بولندا، وقد كانت بولندا حليفة لفرنسا قبل الحرب، وفرنسا قد أعلنت الحرب من أجل بولندا كما أعلنتها بريطانيا العظمى. وبين فرنسا وروسيا مودة تقليدية وحلف مجدد؛ فاشتراك فرنسا في هذه المناقشات سيعين من غير شك على تذليل ما سيعترضها من المصاعب والعقبات.

    كل هذا ولم تعرض لهذه المصالح المشتبكة خارج أوروبا، والتي لا تستطيع فرنسا أن تهملها أو تغفل عنها أو تقبل القضاء فيها وهي غائبة. فلا غرابة إذن في أن يفكر الرأي العام العالمي في أن فرنسا يجب أن تشهد هذا الاجتماع، ولا غرابة في أن تطالب فرنسا نفسها بشهود هذا الاجتماع.

    ولسنا ندري أيعرض الرؤساء في اجتماعهم المقبل لمشكلات الشرق الأوسط والأدنى، أم يرجئونها إلى حين، ولكن المحقق أن هذه المشكلات في حاجة إلى أن تُدرَس، وإلى أن يظهر فيها اتجاه الرأي عند الحلفاء، ويكفي أن نلاحظ أمرين لهما خطرهما العظيم، فهناك أحاديث قد أخذت تُذاع هنا وهناك بأن روسيا تريد أن تُعيِّن وزير دولة يقيم في طهران، كما أن لبريطانيا العظمى وزير دولة يقيم في القاهرة. ومعنى ذلك أن روسيا تريد أن تكون لها كلمة مسموعة في الشرق الأوسط كما أن لبريطانيا العظمى كلمة مسموعة في الشرق الأدنى. وإذن فلا بد من اتفاق بريطانيا العظمى وروسيا على تدبير هذه الأمور وتيسيرها، ولا بدَّ من أن تسمعا في ذلك كلمة أمريكا وفرنسا.

    والثاني أن الرأي العام في البلاد العربية كلها مهتم أشد الاهتمام بمسألة فلسطين، ومن مصلحة العالم أن يطمئن هذا الرأي العام العربي، وأن يعلم علم ثقة ويقين أن الحلفاء لا يريدون أن يخدعوه، ولا أن يأخذوه على غرة، ولا أن يختلسوا منه مسألة فلسطين اختلاسًا، ولا أن يضعوه أمام الأمر الواقع في هذه المسألة.

    وليست بريطانيا العظمى أقل من فرنسا حاجة إلى إرضاء هذا الرأي العام العربي، والثقة بأنه مطمئن إلى سياستها، لا ينظر إليها في قلق ولا في ضرر ولا في ارتياب.

    ومن يدري؟! لعل أمريكا وروسيا تحتاجان إلى ثقة الرأي العام العربي كما تحتاج إليه بريطانيا العظمى وفرنسا.

    ومعنى هذا كله أن المشكلات العالمية — ما ظهر منها وما لم يظهر بَعْدُ — تحتاج لا إلى تعاون ثلاثي بل إلى تعاون رباعي لحلها، وأن فرنسا عنصر أساسي من عناصر هذا التعاون.

    وواضح جدًّا أننا إنما نُصوِّر في هذا كله اتجاه السياسة الأوروبية كما يراه الأوروبيون والأمريكيون، فأمَّا تصوير الاتجاه السياسي كما تراه الشعوب التي تثور فيها هذه المشكلات فقصة أخرى.

  • آمال وأعمال

    آمال وأعمال
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ٤ يناير ١٩٤٥

    يكثر الكلام في هذه الأيام عن الاجتماع الذي يرجى عقده في أقرب وقت ممكن بين المستر تشرشل والمستر روزفلت والماريشال ستالين؛ لدرس المشكلات الكبرى التي يضطرب لها الضمير الأوروبي اضطرابًا شديدًا، ويوشك أن يضطرب لها الضمير العالمي إذا لم يجد هؤلاء الساسة لها الحلول الموفقة التي تلائم بين آمال الشعوب وأعمال الحكومات.

    وقد أظهر المستر تشرشل حرصه الشديد على أن ينعقد هذا الاجتماع في أقرب وقت ممكن. أعلن ذلك غير مرة في مجلس العموم، وألحت الحكومة البريطانية من غير شك في الدعوة إليه بالوسائل الدبلوماسية. وظل رئيس الجمهورية الأمريكية متحفِّظًا لا يقول في هذا الموضوع شيئًا، ثم زال تحفظه فجأة في هذا الأسبوع، فتحدث إلى الصحفيين بأنه يرجو أن يتم هذا الاجتماع في وقت قريب. أمَّا الماريشال ستالين فلم يقل شيئًا؛ لأنه لم يتعود أن يقول شيئًا، ولم تقل الصحف الروسية شيئًا؛ لأنها ليست أقل تحفظًا في السياسة الخارجية من الحكومة الروسية، وإنما اكتفت في الأيام الأخيرة بنشر ما يصل إليها من بريطانيا العظمى وأمريكا دون شرح ولا تعليق.

    ومعنى هذا كله واضح جدًّا، وهو أن الحلفاء يرون هذا الاجتماع ضرورة لا بدَّ منها. يرى بعضهم الإسراع السريع إلى عقده، ويرى بعضهم الآخر التمهل والأناة حتى تعلن الحقائق الواقعة نفسها إعلانًا كافيًا، وحتى تنكشف هذه الحقائق الواقعة عن إرادة الشعوب كشفًا لا يحتمل شكًّا ولا جدالًا؛ فإن إرادة الشعوب هذه هي التي ينبغي أن تملي على الحلفاء ما تحتاج إليه المشكلات الكبرى من حلٍّ، وهي التي ينبغي — على أقل تقدير — أن ترسم لهم الطريق الذي يسلكونها إلى إيجاد هذه الحلول.

    وهذه المشكلات الكبرى تظهر معقدة أشد التعقيد؛ لأنها تتألف من عناصر مختلفة اختلافًا عظيمًا، فقد كانت الشعوب منقسمة قبل الحرب في اتجاهاتها السياسية، يتجه بعض الأحزاب فيها إلى اليمين اتجاهًا شديدًا، ويتجه بعضها إلى الشمال اتجاهًا شديدًا، ويعتدل بعضها بين ذلك فيأخذ بأطراف من المحافظة، وأطراف من الإصلاح الاجتماعي فيه شيء من الاشتراكية، وشيء من الشيوعية.

    فلما أتيح لألمانيا ما أتيح لها من الانتصار المؤقت في أوروبا؛ شجعت العناصر المحافظة المعتدلة فازدادت حماسة المتطرفين، وكانت الطبقات الشعبية الخالصة عظيمة الحظ جدًّا من مقاومة الألمان. وانتهز الحلفاء هذه الفرصة فأمدوا هذه المقاومة بالقوة والسلاح، وبذلوا لها الوعود والآمال، ثم منحوها المعونة العسكرية الفعلية، فتم تحرير كثير من هذه الشعوب، وأصبحت قوة المقاومة الشعبية ظافرة تنتظر نتائج الظفر، وتريد أن تجني ثمراته، وتؤثر العجلة في ذلك على الريث والأناة.

    وهنا اصطدمت آمال الشعوب وأعمال الحكومات اصطدامًا شديدًا لم يلبث الحلفاء أن يقلقوا له أول الأمر، وأن يختلفوا فيه بعد ذلك.

    وقصة اليونان توضح هذا الموقف أشد التوضيح، وتجلوه أحسن الجلاء، فما زالت هذه قصة معقدة على رغم ما بذلت بريطانيا العظمى من الجهود؛ فهي قد قاومت الحركة الشعبية العنيفة، وما زالت تقاومها بالعنف، وهي قد أرسلت رئيس وزرائها الشيخ ووزير خارجيتها الشاب لمحاولة الحل السلمي لهذه المشكلة، وهي قد حملت ملك اليونان على أن يقبل تعيين وصي على العرش لتنشأ حكومة مؤتلفة؛ لعلها تضع حدًّا للحرب الأهلية، ولكن كل هذه الجهود — على كثرتها واختلافها — لم تصل إلى حل المشكلة اليونانية بعد.

    وليست المشكلة البولندية بأقل من مشكلة اليونان تعقيدًا؛ فهناك الاختلاف بين روسيا والحكومة البولندية في لندرة على الحدود، وقد أيَّدت بريطانيا العظمى والولايات المتحدة وفرنسا وجهة النظر الروسية، ولكن الحكومة البولندية حرَّة لم تغير من موقفها شيئًا، والعلاقات السياسية مقطوعة منذ زمن طويل بين روسيا وهذه الحكومة، وقد حررت الجيوش الروسية أجزاء كبيرة من أرض بولندا، وتوشك أن تحرر ما بقي منها؛ فلا بدَّ إذن من أن يصل الحلفاء إلى حل لهذه المشكلة، فإما أن تقبل الحكومة البولندية ما اتفقوا عليه، وإمَّا أن تقوم الحقائق الواقعة نفسها بإيجاد هذا الحل، وقد فعلت.

    فقامت في بولندا لجنة التحرير الوطني في لويلين على نحو اللجنة الفرنسية التي كانت تعمل خارج فرنسا، وأيَّدت روسيا هذه اللجنة على نحو ما كانت بريطانيا العظمى وأمريكا تؤيدان اللجنة الفرنسية، ثم أعلنت هذه اللجنة نفسها حكومة مؤقتة لبولندا، كما أعلنت اللجنة الفرنسية نفسها حكومة مؤقتة لفرنسا. وهنا تظهر المشكلة الدولية، فهل يعترف الحلفاء بهذه الحكومة البولندية المؤقتة؟ وإذن فماذا يصنعون بالحكومة وهم معترفون بها منذ زمن طويل، ولها جيوشها البولندية التي تعمل في غير ميدان من ميادين الحرب، أم هل يأبون الاعتراف بهذه الحكومة المؤقتة، وإذن فماذا يصنعون بها وبالشعب البولندي الذي يؤيدها، وبالجيش البولندي الذي يحارب مع الروسيين في غير ميدان من ميادين الحرب، وماذا يصنعون بالمطالب الروسية التي تتصل بالحدود، والتي تقرها هذه الحكومة المؤقتة؟

    ومن المحقق أن هناك مشكلات أخرى ليست أقل تعقيدًا من مشكلات اليونان وبولندا، يظهر لنا بعضها، ويستخفي عنا بعضها الآخر، ولكنها قائمة على كل حال تنتظر أن توجد لها الحلول. فإما أن يحلها الحلفاء بما يكون بينهم من اتفاق أولًا، وبما يكون بينهم وبين الشعوب المختصة كما يقال من التراضي ثانيًا، وإمَّا أن تحل نفسها متأثرة بالحقائق الواقعة، أي بالاصطدام بين الميول المختلفة والنزعات المتباينة، وما ينشأ عن ذلك من الحرب الأهلية التي يرى العالم نموذجًا من نماذجها في بلاد اليونان.

    هذه المشكلات توجد في إيطاليا، وتوجد في بلجيكا، وستوجد في هولندا، ولعلها وجدت بالفعل في بلاد المجر التي لم يتم تحريرها بعد، ولكنها أنشأت حكومة مؤقتة وأرسلت وفدها إلى موسكو يطلب شروط الهدنة إلى الماريشال ستالين. ولم تعترف بها الحليفتان العظميان: بريطانيا العظمى والولايات المتحدة الأمريكية؛ لأنها لم تطلب إليهما بعد هذا الاعتراف، وإنما طلبته إلى الحقائق الواقعة، أي إلى الحكومة الروسية التي حررت أكثر بلاد المجر، وتوشك أن تحررها كلها في الأيام القليلة المقبلة. فما عسى أن يكون موقف الحليفتين العظميين من هذه الحكومة الجديدة؟ أو ما عسى أن يكون موقف المحافظين في المجر من هذه الحكومة الجديدة أيضًا؟

    ومما يزيد هذه المشكلات خطورة وتعقيدًا أن بعض الشعوب المحررة، أو بعبارة دقيقة: إن فرنسا قد استطاعت أن تحل مشكلاتها الداخلية حلًّا رائعًا، وأن تُرضي الشعب الذي بذل ما بذل من الضحايا في سبيل الحرية والاستقلال إرضاءً شديدًا، إن لم يكن إرضاءً تامًّا؛ فالحكومة الفرنسية المؤقتة قد ردَّت لفرنسا مكانتها بين الدول العُظمى، ونجحت نجاحًا شاملًا في سياستها الخارجية، ثم هي تخطو نحو الديمقراطية الصحيحة في سياستها الداخلية خطوات حاسمة حازمة ثابتة لا تردد فيها ولا اضطراب.

    فالصناعات تصبح أهلية، والعمال تصبح لهم كلمة في إدارة هذه الصناعات، وصغار الموظفين تزاد مرتباتهم إلى أربعة أضعافها، وكبار الموظفين تزاد مرتباتهم إلى مثليها، والمحاكم الابتدائية تكتفي في دوائرها بقاضٍ واحد ليمكن تقوية محاكم الجنايات، وليمكن الإسراع في محاكمة الذين خانوا الوطن، وتبرئة الذين لا تثبت عليهم هذه الخيانة، وإعادتهم كرامًا إلى الوطن ليعملوا فيه وينتجوا له.

    ويجتمع مجلس الوزراء الفرنسي أمس فيقرر — فيما يقرر — جعل التعليم الثانوي كله في فرنسا بغير أجر، بحيث يستطيع الشبَّان الفرنسيون جميعًا أن يطلبوا هذا النحو من التعليم إذا سمحت لهم كفايتهم بطلبه. ومعنى هذا كله أن فرنسا ستعود إلى سُنَّتها الديمقراطية القديمة، ولا تكتفي بهذه العودة، بل تريد أن تستدرك ما فات، وتعوض ما أضاعته حكومة الماريشال بيتان، فتوسع خطواتها توسيعًا هائلًا. والشعوب المحررة الأخرى ترى هذا كله وتعجب به، وتريد أن تقتدي بفرنسا فيه الآن كما كانت تقتدي بفرنسا فيه من قبل، ولكنها تجد المصاعب التي تقيمها لها الحكومات المهاجرة، أو تقيمها لها العناصر المحافظة، أو تقيمها لها ظروف الحرب. فأي غرابة في أن تتحرق الشعوب المحررة شوقًا إلى أن ترى حريتها حقائق واقعة، كما أن الحرية الفرنسية حقيقة واقعة؟ أترى أن هذه المشكلات التي لم نُشِرْ إلَّا إلى أطراف منها خطيرة حقًّا تحتاج إلى أن يجتمع لها الزعماء الثلاثة لعلهم أن يجدوا لها حلًّا؟!

    ثم أترى أني لم أكن مبالغًا حين قلت في أول هذا الحديث: إن الضمير الأوروبي يضطرب لهذه المشكلات، وإن الضمير العالمي سيضطرب لها إذا لم يجد الساسة لها حلًّا؟